← Акыда

Акыда · id 96240

الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

عبد الهادي العمري

Полный текст (428 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الشهادة، فنحن محبون لهم، باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة (١). ومن جميل ما قاله ﵀: فمعاذ الله أن نشهد على اتباع الزبير، أو جند معاوية أو علي بأنهم في النار، بل نفوّض أمرهم إلى الله ونستغفر لهم، بل الخوارج كلاب النار، وشر قتلى تحت أديم السماء لأنهم مرقوا من الإسلام، ثم لا ندري مصيرهم إلى ماذا؟ ولا نحكم عليهم بخلود النار بل نقف (٢). وقال الإمام القرطبي: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر؛ لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ عن سبهم، وأن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم. ثم قال: وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾. البقرة ١٣٤ وسئل بعضهم عنها أيضاً، فقال: تلك دماء قد طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يعني: في التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه.

стр. 317

وقال ابن فورك: ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين أخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة. وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم، وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله ، إذ كانوا غير متهمين في الدين (١) قلت: ونحن نقف حيث وقف القوم، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا احترامهم وإجلالهم وإكرامهم وتوقيرهم والتماس الأعذار لهم، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم. ولكن الشاهد من حديثنا: الدفاع والمنافحة عن عثمان ﵁. قال الإمام ابن كثير: لما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تباً لهم، ثم تلا قوله تعالى [مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً

стр. 318

تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ] يس ٤٩. وبلغ عليّاً قتله فترحم عليه، وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى [كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ] الحشر ١٦ ولما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان، استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً] الكهف ١٠٣ - ١٠٤ ثم قال سعد: اللهم أندمهم ثم خذهم. وقد أقسم بعض السلف بالله: إنّه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولاً، رواه ابن جرير. وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه منها: دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح. وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن (١). وقال أبو عمر بن عبد البر: ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول، وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور

стр. 319

من نصره (١). ومما يُكذب في هذا المقام: ما يُذكر من أن بعض الصحابة أسلم عثمان ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة، أنّه رضي بقتل عثمان ﵁ بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله - أي قتل عثمان ﵃ أجمعين (٢) قال طلق بن حسان: قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد ﷺ نسألهم عن قتله، فسمعت عائشة تقول: قتل مظلوماً لعن الله قتلته. وقال جعفر الباقر: كان قتل عثمان على غير وجه الحق (٣) وعن قيس بن عباد: قال سمعت علياً يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوا للبيعة، فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال فيه رسول الله ﷺ : (إني لأستحي من رجل تستحي منه الملائكة). وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل لم يدفن بعد، فانصرفوا فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت: إني أشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت، فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي، وأسكت نفرة من ذلك. قال الحافظ ابن كثير: وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن علي أنّه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك

стр. 320

في خطبة، وغيرها: أنّه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالأ ولا رضي به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه، ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، ولله الحمد والمنة (١). قلت: ولم يكن بين الصحابة إلا الود والوفاء: ولذا لما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أم المؤمنين عائشة من العراق إلى المدينة، جاء علي ﵁ فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج وودعت الناس ودعت لهم، وقالت: يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، إنّه والله ما كان بيني وبين علي في القوم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار، فقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، وسار معها مودعاً ومشيعا أميالاً، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم، وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة ﵂ (٢). ولما ضربت لها القبة بعد الجمل، جاء إليها علي ﵁ مسلماً فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير فقال: يغفر الله لك (٣). وقد سأل بعض أصحابه أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة

стр. 321

والزبير، فأبى عليهم فطعن فيه السبائية، وقالوا: كيف يحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك عليا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القوم، ولهذا لما دخل البصرة فرق في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، وقال: لكم مثلها في الشام، فتكلم فيه السبئية أيضاً ونالوا منه من وراء وراء (١). وقد انتقم الله تعالى ممن تنقص أم المؤمنين عائشة، ﵂، يُقال إن أعين المجاشعي اطلع في الهودج فقالت: إليك لعنة الله، فقال: والله ما أرى إلا حميراء، فقالت: هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك. فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده، ورمي عرياناً في خرابة من خرابات الأزد (٢). ٤ - وفي الدفاع عن الإمام علي بن أبي طالب: (قال علي ﵁: يهلك فيّ رجلان: مبغض نقر، ومحب مطر (٣). عن شداد بن أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع ﵁ إذ ذكروا عليا ﵁ فشتموه فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه، إني عند رسول الله ﷺ ، إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين ﵃، فألقى ﷺ عليهم كساء له ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم اذهب

стр. 322

عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) قلت: يا رسول الله وأنا؟ قال ﷺ : وأنت، قال فوالله إنّها لأوثق عمل عندي. وعن الحسن: أن رجلاً أتى الزبير وهو بالبصرة فقال: ألا أقتل علياً؟ قال: كيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به فأكون معه: ثم أفتك به، قال: إن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن) هذا في المسند وفي الجعديات (١). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم علياً، قال: فأبى سهل، فقال له: أما إن أبيت فقل: لعن الله أبا التراب، فقال: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها، فقال له: أخبرنا عن قصته لم سمي أبا تراب؟ قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت فقال: أين ابن عمك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج، فلم يقل عندي، فقال رسول لله ﷺ لإنسان انظر أين هو؟ فجاء فقال يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب (٢). قال الإمام النووي: وفيه: استحباب ملاطفة الغضبان وممازحته

стр. 323

والمشي إليه لاسترضائه (١). وأخرج الإمام أبو داود في سننه عن رياح بن الحارث: قال كنت قاعداً عند فلان في مسجد الكوفة، وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فرحب به وحياه، وأقعده عند رجله، على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة، يقال له: قيس بن علقمة، فاستقبله، فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ قال: يسب عليا، قال ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير، أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: وإني لغني أن أقول عليه ما لم يقل، فليسألني عنه غداً إذا لقيته، أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة .. وساق معناه، ثم قال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره، ولو عُمِّر عُمْر نوح (٢). والعشرة قد ساقهم في حديث، وذلك أن رجلاً ذكر عليا ﵇ فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت

стр. 324

العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد (١). وكذا أنكر ﵁ على الخطيب الظالم الذي عرض بعلي ﵁ فقال: ألا ترى إلى هذا الظالم، فأشهد على التسعة إنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر لم أيثم، وجاء عند الترمذي: أن منهم أبو عبيدة بن الجراح (٢). قال العلامة المناوي: تبشير العشرة لا ينافي تبشير غيرهم أيضاً في غير ما خبر، لأن العدد لا ينافي الزائد. وقال سويد بن غفلة: كانت الخثعمية تحت الحسن، فلما قتل علي وبويع الحسن، دخل عليها، فقالت: لتهنك الخلافة، فقال: أظهرت الشماتة بقتل علي، أنت طالق ثلاثاً، فقالت: والله ما أردت هذا، ثم بعث إليها بعشرين ألفاً فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق (٣). ولما كان ما كان بين علي ومعاوية ﵄ من الحروب والفتن تطول عليهما بعض الجهلة وبعض من لا علم عنده، وإلا فإن معاوية ﵁ كان يعترف بالفضل لأمير المؤمنين علي ﵁. وذلك أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنّه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني، ولكن

стр. 325

ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا ابن عمه وأنا أطلب بدمه وأمره إلي؟ فقولوا له: فليسلم إليّ قتلة عثمان وأن أسلم له أمره، فأتوا علياً فكلموه في ذلك، فلم يدفع إليهم أحداً، فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية (١) ولذا قال رجل لأبي زرعة الرازي: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل علياً، فقال أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما؟ ﵄. فقد رأى عمر بن عبد العزيز رسول الله ﷺ في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده: قال: فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية، فأدخلا بيتاً وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أخرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة. ولذا لما سئل الإمام أحمد عما جرى بين علي ومعاوية قرأ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ البقرة ١٣٤. قال ابن كثير: وكذا قال غير واحد من السلف. ولما جاء خبر قتل علي ﵁ إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم (٢).

стр. 326

قال ابن وهب عن مالك عن الزهري قال: سألت سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله ﷺ فقال لي: اسمع يا زهري، من مات محباً لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وشهد للعشرة بالجنة، وترحم على معاوية كان حقاً على الله أن لا يناقشه الحساب. وقال أبو توبة الربيع نافع الحلبي، معاوية ستر لأصحاب محمد ﷺ فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه (١). ٥ - ومن النماذج الشريفة التي تدل على الدفاع والمنافحة وحسن الظن بالصحابة ﵃: ما أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث كعب بن مالك وفيه: وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة - تبوك - حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت أعدو لكي أتجهز معهم، فارجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئاً ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً

стр. 327

مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً من عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك، ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، نظره في عطفه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ (١). قوله "حبسه برداه نظره في عطفه": أي وحبسه النظر في عطفيه، أي جانبيه، وهو إشارة إلى أعجابه بنفسه ولباسه، وقيل: كنى بذلك عن حسنه وبهجته، والعرب تصف الرداء بصفة الحسن وتسميه عطفاً لوقوعه على عطفي الرجل. "برداه ": بضم الباء، يعني: الرداء والإزار، أو الرداء والقميص، وسماهما بردين؛ لأن الإزار والقميص قد يكونان من برد، والبرود: ثياب من اليمن فيها خطوط، ويحتمل أن أحدهما كان برداً، وتسميتهما بردين على طريقة العمرية والقمرين (٢). وفي الحديث: رد الغيبة: وفيه: جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه (٣). نسب كعب بن مالك ﵁ إلى الزهو والكبر، وكانت نسبةً باطلة،

стр. 328

بدليل رد العدل الفاضل معاذ بن جبل عليه كما قال "بئس ما قلت ": أي بئس هو قولاً قلت والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيراً، وفيه جواز ذم المتكلم بالعيب والقبيح في حق المسلم ونصرة المسلم في غيبته والرد على عرضه، وما زعم من احتمال نافق القائل فيه نظر، لأن عبد الله أنيس لم يتهم بذلك، والأولى حمله على أنّه صدر منه ذلك من غير فكر وروية وقصد إلى معايبة القبيحة الردية، والله أعلم بحقيقة الحال (١). (٦) ومن شواهد الدفاع: عن أبي قزعة قال: بينما عبد الملك يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين - فذكر الحديث - وهو أن النبي ﷺ قال: يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغت به أساس إبراهيم (٢) فقال له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث بهذا، فقال: لو كنت سمعته قبل أن هدمه لتركته على بناء ابن الزبير (٣). - وعائشة أم المؤمنين ﵂ صدقت أبا هريرة ﵁ فيما بلغه من حديث رسول الله ﷺ حينما قال: من تبع الجنازة فله قيراط، فقال ابن

стр. 329

عمر ﵄: أكثر أبو هريرة علينا (١). ابن عمر لم يتهمه، بل خشي عليه السهو، ولذا لما بلغه ذلك تعاظمه، وقال لأبي هريرة: انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ ، فبعث إلى عائشة يسألها فصدقت أبا هريرة. وقالت في رواية " صدق أبو هريرة ". وفي رواية: فقام أبو هريرة فأخذ بيده فانطلقا حتى أتيا عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: " فذكره " فقالت: اللهم نعم. قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينهما: بأن الرسول لما رجع إلى ابن عمر بخبر عائشة بلغ ذلك أبا هريرة فمشى إلى ابن عمر فأسمعه ذلك من عائشة مشافهة (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درساً، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفه إلى التفقة والاستنباط، وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها (٣). ولذا جاء في رواية الوليد، فقال أبو هريرة: لم يشغلني عن رسول الله

стр. 330

صلى الله عليه وسلم غرس الودي ولا صفق الأسواق، وإنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ أكلة يطعمنيها أو كلمة يعلمنيها، قال ابن عمر: كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأعلمنا بحديثه (١). ولقد شغب كثير من المتأخرين على الصحابي الجليل - أبي هريرة ﵁ وذموه واتهموه؛ لأنه من حملة الحديث وحفاظه، بل هو أعظمهم. فقد كان ﵁ يجلس إلى حجرة عائشة فيحدث، ثم يقول: يا صاحبة الحجرة أتنكرين شيئاً مما أقول؟ فلما قضت صلاتها لم تنكر ما رواه لكن قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يسرد الحديث سردكم. وكذلك قيل لابن عمر: هل تنكر بما يحدث به أبو هريرة شيئاً؟ فقال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا، فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا (٢). ولما قال يزيد بن هارون: سمعت الشعبي يقول: كان أبو هريرة يدلس، قال الإمام الذهبي: تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول (٣). وقال العلامة محمد أبو شهبة: إن الكثرة الكاثرة من العلماء على خلاف هذا، وأن أبا هريرة بريء من وصمة التدليس بجميع أنواعه، وإنما قال هذا فئة قليلة جداً منهم: شعبة، والذين ذهبوا إلى هذا لم يريدوا

стр. 331

التدليس بالمعنى عند المحدثين، وهو المذموم، وإنما أرادوا معنى آخر، وإليك مقالة شعبة، قال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس، أي يروي ما سمعه من رسول الله ﷺ ولا يميز بين هذا وهذا (١). وقال إبراهيم النخعي: كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة، وقال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة وقال: كانوا يرون في حديث أبي هريرة شيئاً، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهي عن شر جاء القرآن به (٢). وقد قال الإمام الذهبي: هذا لا شيء، بل احتج المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه؛ لحفظه وجلالته وإتقانه، وفقهه وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة. وقال الإمام ابن كثير: وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة، ورد هذا الذي قاله إبراهيم النخعي، وقد قال ما قاله إبراهيم لطائفة من الكوفيين والجمهور على خلافهم (٣). قال أبو صالح: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ولم يكن بأفضلهم.

стр. 332

وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره (١). وقد ذكر المفترون جملة من المطاعن على الصحابي الجليل أبي هريرة، تصدى لها العلماء في القديم والحديث، ففندوها وبينوا زيفها، (فإن أبا هريرة كان ثبتا راوياً حافظاً أميناً والذين تولوا كبر هذا الإثم لم يكونوا على شيء من العلم والإنصاف، وإنما يريدون من وراء ذلك الطعن في الإسلام من طريق تجريح رواة الحديث وحملته) (٢). والطاعنون في أبي هريرة ﵁ لم يسلموا غالباً من شر أقوالهم: قال القاضي أبو الطيب: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني فسأل عن مسألة المصراة، فطالب بالدليل، حتى استدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال - وكان حنفيا - أبو هريرة غير مقبول الحديث، فما استتم كلامه حتى سقط عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب منها وهي تتبعه، فقل له: تب، تب، فقال: تبت، فغابت الحية فلم ير لها أثر. قال الإمام الذهبي: إسنادها أئمة، وأبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول ﵊، وأدائه بحروفه، وقد أدى حديث المصرّاة بألفاظه، فوجب علينا العمل به، وهو أصل برأسه (٣).

стр. 333

وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من ادعى أن أبا هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة (١). وقد ذكر الإمام ابن تيمية القصة السابقة وذكر فيها: فطعن في أبي هريرة، فوقعت حية من السقف وجاءت حتى دخلت الحلقة وذهبت إلى ذلك الأعجمي فضربته فقتلته. ثم قال: ونظير هذا ما ذكره الطبراني في كتاب السنة عن زكريا بن يحي الساجي قال: كنا نختلف إلى بعض الشيوخ لسماع حديث رسول الله ﷺ فاسترعنا في المشي ومعنا شاب ماجن، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة، لا تكسروها، قال: فما زال حتى جفت رجلاه، ولهذا نظائر (٢). وعن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث على رسول الله ﷺ لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرّحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله ﷺ ، وأبو هريرة صحيح النقل، صدوق فيما يرويه عن النبي ﷺ وعن غيره، فنظر إليّ الرشيد نظر مغضب، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل:

стр. 334

صاحب البريد بالباب، فدخل فقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه، فسلّمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه بيده السيف وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله ﷺ ، وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، وأمر لي بعشرة آلاف درهم. وعن مالك بن أبي عامر قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني: هو أعلم بحديث رسول الله منكم - يعني: أبا هريرة - نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم؟ قال: أما أن قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع فلا أشك وسأخبرك: إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله ﷺ غدوة وعشية، وكان مسكيناً لا مال له، إنما هو على باب رسول الله ﷺ ، فلا أشك أنّه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقله (١).

стр. 335

قلت: ولقد سمعت الشيخ العلامة: محمد بن محمد المختار الشنقيطي، في أحد دروسه بجدة، يحكي عن أحد العلماء المعاصرين، ذهب إلى بلد، كان فيها رجل قد سلط قلمه ولسانه في الطعن على أبي هريرة ﵁ فذهب إليه كي ينصحه ويعظه ويحاوره، فلقيه وهو في ساعاته الأخيرة يحتضر، فقال: فبدأ وجهه بالتغير، ثم تلفظ وقال: آه آه أبو هريرة، أبو هريرة ثم مات على ذلك، نعوذ بالله من الخذلان. (٧) ومن الشواهد: قال إسماعيل بن قيس: بلغ بلالاً ﵁ أن ناساً يفضلونه على أبي بكر! فقال: كيف يفضلوني عليه، وإنما أنا حسنة من حسناته!. وعن سالم: أن شاعراً مدح بلال بن عبد الله بن عمر، فقال: وبلال عبد الله خير بلال، فقال ابن عمر: كذبت، بل وبلال رسول الله خير بلال (١). قال أبو عبد الرحمن الطائي: قدم أسامة على معاوية، فأجلسه معه، وألطفه، فمد رجله، فقال معاوية: يرحم الله أم أيمن، كأني أنظر إلى ظنبوب ساقها بمكة، كأنه ظنبوب نعامة خرجاء، فقال: فعل بك يا معاوية، هي - والله - خير منك، قال: يقول معاوية: اللهم غفراً، والظنبوب: هو العظم الظاهر، والخرجاء: فيها بياض وسواد (٢). وسبق أن ذكرنا: أن رجلاً نال من عائشة ﵂ عند عمار بن

стр. 336

ياسر فقال: اغرب مقبوحاً منبوحاً، أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ . قال الترمذي: هذا حديث حسن (١). وقوله: " اغرب مقبوحاً منبوحاً ": أي: أبعد، كأنه أمره بالغروب والاختفاء، والمنبوح: من يطرد ويرد (٢). وعن أبي قتادة قال: كنا مع عمران بن حصين وثَمّ بشير بن كعب، فحدث عمران بن حصين قال قال رسول الله ﷺ : (الحياء كله خير) أو قال (الحياء كله خير) فقال بشير بن كعب: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقاراً، ومنه ضعفاً فأعاد عمران الحديث، وعاد بشير الكلام، قال: فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن كتبك، قال: قلنا: يا أبا نجيد، إيهٍ إيهٍ (٣). وجاء في صحيح الإمام مسلم، قال: فما زلنا نقول فيه: إنّه منا يا أبا نجيد، إنّه لا بأس به (٤). قال الإمام القرطبي: معنى قول بشير: أن من الحياء ما يحمل من حبه على الوقار، بأن يوقر غيره ويتوقر هو في نفسه، ومنه ما يحمله على أن يسكن

стр. 337

عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا تليق بذوي المروءة (١). وقال الإمام النووي: وأما إنكار عمران ﵁ فلكونه قال منه ضعف، بعد سماعه قول النبي ﷺ : أنّه خير كله، ومعنى: تعارض: تأتي بكلام في مقابلته وتعترض بما يخالفه (٢). وقيل: إنما أنكره عليه من حيث أنّه ساقه في معرض من يعارض كلام رسول الله ﷺ بكلام غيره (٣). والشاهد من الحديث، قولهم: إنّه منا لا بأس: معناه: ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة، أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة. ومعنى: " إيهٍ إيهٍ ": أي حسبك، والمعنى والله أعلم: يا أبا نجيد حسبك ما صدر منك من الغضب والإنكار على بشير، فإنه منا ولا بأس به، فاسكت ولا تزدد غضباً وإنكاراً (٤). قلت: غضب عمران ﵁ غضباً على السنة، ودفاع من كان معه عن بشير وهو تابعي جليل، دفاع إحسان ظن، وهو تابعي، فكيف إذا اتهم صحابي عندهم. ومن الشواهد:

стр. 338

أن عمر بن الخطاب ﵁ استخلف، فعزل خالد بن الوليد، وولي أبا عبيدة بن الجراح، فبلغ عمر أن أبا عبيدة حُصر بالشام، ونال منه العدو، قال زيد عن أبيه: بلغني أن معاذاً سمع رجلاً يقول: لو كان خالد بن الوليد، ما كان بالناس دونك، وذلك في حصر أبي عبيدة، فقال معاذ: فإلى أبي عبيدة تضطر المعجزة لا أبا لك، والله إنّه لخير من بقي على الأرض (١). ولما قالوا لعثمان استخلف، أي للحج؛ لأنه أصابه رعاف سنة الرعاف، حتى تخلف عن الحج وأوصى، فقالوا له: استخلف، فقال عثمان: قالوا: الزبير؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده إن كان لأخيرهم ما علمت، وأحبهم إلى رسول الله ﷺ (٢). وأختم بما أورده ضياء الدين المقدسي بسنده قال: بلغ ابن عمر أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه فأقعده بين يديه فقرأ عليه [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قال: [وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] أمن هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا

стр. 339

تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ... ] أمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا والله، ما يكون منهم من يتناولهم في قلبه الغل عليهم (١). ونحن نقول دعاء المؤمنين، ونسأل الله تعالى أن يحشرنا معهم أجمعين [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ... ].

стр. 340

المبحث الرابع بعض المخلوقات المسخرة للدفاع عن الصحابة ﵃ وهذا مما يطول استقصاؤءه، ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، وذكر بعض الشواهد والنماذج التي تجلي المقصود وتبيّن المراد: ١ - أخرج الإمام اللالكائي بسنده قال: حدثنا علي بن زيد أن سعيد بن المسيب قال له: مرّ غلامك فلينظر إلى وجه هذا الرجل، قلت له: أنت تكفيني أخبرني عنه فقال: إن هذا الرجل قد سوّد الله وجهه، كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعلت أنْهاه، فجعل لا ينتهي، فقلت: اللهم إن كنت تعلم أنّه قد كانت لهم سوابق وقدم، فإن كان مسخطاً لك ما يقول: فأرني به آية، واجعله آية للناس، فسوّد الله وجهه (١) ٢ - قال أبو الأحوص: لو أن الروم أقبلت من موضعها يعني: تقتل ما بين يديها، وتقبل حتى تبلغ النخيلة، ثم خرج رجل بسيفه، فاتنقذ ما في أيديها وردها إلى موضعها، ولقي الله تعالى، وفي قلبه شيء على بعض أصحاب محمد ﷺ ، ما رأينا ذلك ينفعه (٢) ٣ - قال سفيان الثوري: كنت امرءاً أغدوا إلى الصلاة بغلس،

стр. 341

فغدوت ذات يوم، وكان لنا جار، كان له كلب عقور، فقعدت حتى يتنحا فقال لي الكلب: جز يا أبا عبد الله، فإنما أمرت بمن يشتم أبا بكر وعمر (١) ٤ - عن عبد الملك بن عمير قال: كان بالكوفة رجل يعطي الأكفان، فمات رجل، فقيل له: فأخذ كفناً وانطلق حتى دخل على الميت وهو مسجى، فتنفس، وألقى الثوب عن وجهه وقال: غروني، أهلكوني، النار النار، قلنا له: قل لا إله إلا الله، قال: لا أستطيع، قيل ولم؟ قال: بشتمي أبا بكر وعمر (٢) ٥ - قال أبو إسحاق صاحب الشاط: ذهبت إلى ميت لأغسله، فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحية تطوقت علي حلقه، فذكر من غلظها، قال فخرجت فلم أغسله، فذكروا أنّه كان يسب الصحابة ﵃ (٣) ٦ - قال بعض السلف: رأيت رسول الله ﷺ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول الله: هذا ينتقصني، فكأنه انتهره رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني لا انتقص هؤلاء، ولكن هذا - يعني - معاوية، فقال: ويلك، أوليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثاً، ثم أخذ رسول الله ﷺ حربة فناولها معاوية فقال:

стр. 342

جابها في لبته فضربه بها، وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي (١) ٧ - قال أحمد بن سليمان بن عبد السيد الخليلي: كنا بمدينة رسول الله ﷺ نحواً من أربعة فقراء، فكنا نسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، فسمعنا رجل من أهل المدينة فدعانا إلى بيته فمضينا معه، ونحن نظن أنّه يطعمنا شيئاً، فلما دخلنا أغلق الباب وضربنا ضرباً كثيراً حتى كسر مرفقي، فخرجنا ومضينا إلى نخل حمزة فقعدنا هناك، فإذا شاب قد جاءنا فقال: يا فقراء هل يحسن أحد منكم يغسل الميت، فقلت له: نعم قال تعالوا، ثم جاء بنا إلى دار الرجل الذي ضربنا فقال: إن هذا أبي هو الذي ضربكم، وقد مات فغسلوه، وأعلمكم أني رجعت عن مذهبه، قال: فكشفنا عن وجهه فإذا هو وجه خنزير، قال فغسلته وكفنته (٢) ٨ - وذكر الإمام اللالكائي بسنده: أن رجلاً كان يسب أبا بكر وعمر، وكان قد صحبنا في سفر فنهيناه فلم ينته، فقلنا له: اجتنبنا، ففعل فلما أردنا الرجوع تذممنا فقلنا: لو صحبنا حتى نرجع، فلقينا غلامه فقلنا له: قل لمولاك يرجع إلينا فقال: إنه قد حدث بي أمر عظيم، فأخرج ذراعيه فإذا هما ذراعي خنزير، فتحول إلينا فكان معنا حتى انتهينا إلى قرية كثيرة

стр. 343

الخنازير، فلما رآها صاح صياح الخنازير، فوثب من دابته فإذا هو خنزير، فاختلط مع الخنازير، فلم نعرفه، فجئنا بمتاعه وغلامه إلى الكوفة (١) ٩ - وعن عمر بن الحكم عن عمه قال: خرجنا نريد مدان، ومعنا رجل يسب أبا بكر وعمر، قال: فنهيناه فلم ينته، وانطلق ليقضي حاجته فوقع عليه الدبر فلم يقلع عنه حتى قطعه (٢) ١٠ - قال أبو الحباب: كنا في غزاة في البحر وقائدنا / موسى بن كعب، ومعنا في المركب، رجل من أهل الكوفة فأقبل يشتم أبا بكر وعمر، فزجرناه فلم ينزجر، ونهيناه فلم ينته، فأرسينا إلى جزيرة في البحر، فتفرقنا فيها نتأهب لصلاة الظهر، فأتانا صاحب لنا فقال: أدركوا أبا الحجاج فقد أكلته النحل، قال أبو الحباب: فحفرنا له لندفنه فاستوعرت علينا الأرض، قال: صليت فلم نقدر على أن نحفر له، فألقينا عليه ورق الشجر والحجارة وتركناه. وزاد ابن منيع في حديثه قال خلف: وكان صاحب لنا يبول فوقعت نحلة على ذكره فلم تضره فعلمنا، ها كانت مأمورة (٣) ١١ - قال عبد الواحد بن أحمد الملحي: دخلت على الحكم أي عمرو

стр. 344

خليد بن الحسن بن سفيان النسوي بنيسابور، وكان معه شيخ يقال له: علان، فقال له الحاكم: اقصص حديثك على هذا فقال: كنت في بلد الري، وكنت أذكر فضائل الشيخين أبي بكر وعمر، فأنهى ذلك الصاحب فأمر بأخذي، ففرت إلى جرجان، فكنت يوماً في سوق وإذا بقوم جاءني وشدوني على جمازة فحملت إلى الري، فلما أدخلت على الصاحب، أمر بقطع لساني فقطع ذاك، وكنت على حالة من الضيق والألم، فلما أن دخل الليل رأيت فيما يرى النائم رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وجماعة من أصحابه، فقالا: يا رسول الله، هذا الذي أصيب فينا، فدعا لي رسول الله ﷺ ، ونفث فمي، فانتبهت وليس بي شيء من وجع، ورد علي الكلام، وخرجت من ولايته إلى همذان، وكانوا أهل السنة، فقصصت عليهم قصتي فظهر لي هناك قبول، وكنت ثم مدة أنشر فضائل الشيخين. قال عبد الواحد: ففتح لنا فاه فما رأينا في فيه لساناً، فشاهدناه على ذلك، وكان يتكلم بكلام فصيح كما تكلم ذو اللسان (١). ١٢ - وأختم هذا المبحث في الدفاع عن الحسين بن علي ﵄: أما فضائل السبطين "الحسن والحسين " فهي أشهر من أن تذكر، فهما ريحانة رسول الله ﷺ ، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وكان رسول الله ﷺ يحبهما ويكرمهما ويحنو عليهما.

стр. 345

ولكن كان ما كان من قدر الله تعالى في مقتل الحسين ﵁ في سنة إحدى وستين، يوم الجمعة في يوم عاشوراء، وله أربع وخمسون سنة، وستة أشهر ونصف (١). قال الإمام ابن كثير: فكل مسلم ينبغي أن يحزنه قتله ﵁ فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله ﷺ التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً شجاعاً وسخياً، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي قُتل وهو يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك الصديق كان أفضل منه، ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتماً، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتماً يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين، ولا ذكر أحد أنّه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء

стр. 346

مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك. وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه علي بن الحسين عن جده رسول الله ﷺ أنّه قال: (ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعاً إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب منها) رواه الإمام أحمد وابن ماجه (١). وقال ﵀: ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً فاحشاً من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم، وما رفع يومئذ حجر إلا وتحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب خرب بعضها بعضاً، وأمطرت السماء دماً أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك. وروي ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري: أن الشمس كسفت يومئذ حتى النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دماً، وأن الأرض أظلت ثلاثة أيام، ولم يمس زغفران ولا ورس بما كان معه يومئذ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحماً مثل العلقة، إلى غير ذلك من الأكاذيب

стр. 347

والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء (١). وأما ما نحن بصدد الحديث عنه وهو الدفاع عن الصحابة ﵃: فقد رويت أحاديث وفتن أصابت قتلة الحسين ومن تهكم به، قال الإمام ابن كثير: وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قلّ من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابه الجنون، وللشيعة والرافضة في صفة مقتل الحسين كذب كثير وأخبار باطلة (٢). أخرج الإمام الترمذي في جامعه عن عمارة بن عمير قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، نضّدت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت: فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٣). قوله " نضدت " أي جعل بعضها فوق بعض مرتبة، والرحبة: محلة بالكوفة.

стр. 348

قال العلامة المباركفوري: وإنما أورد الترمذي هذا الحديث في مناقب الحسين؛ لأن فيه ذكر المجازاة، لما فعله عبيد الله بن زياد برأس الحسين ﵁ (١) وذلك أنّه جيء برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد فجعل يقول بقضيب له في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً لم يذكر، فقال أنس بن مالك: أما إنّه كان من أشبههم برسول الله ﷺ (٢). قال أبو رجاء العطاردي: كان لنا جار من بلهجيم، فقدم الكوفة، فقال: ما ترون هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله - يعني الحسين بن علي ﵄: فرماه الله بكوكبين من السماء، فطمس بصره (٣). وقال السدي: أتيت كربلاء تاجراً، فعمل لنا شيخ من طي طعاماً، فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين، فقلت: ما شارك أحد في قتله إلا مات ميتة سوء، فقال: ما أكذبكم، أنا ممن شارك في ذلك فلم نبرح حتى دنا من السراج وهو يتقد بنفط فذهب يخرج الفتيلة بأصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فعلقت النار في لحيته، فعدا، فألقى نفسه في الماء فرأيته كأنه حممه (٤). وعن الأعمش قال: تغوط رجل من بني أسد على قبر الحسين،

стр. 349

فأصاب أهل ذلك البيت خبل وجنون وبرص وفقر وجذام (١). وأن قاتل الحسين لما جاء ابن زياد، وذكر له كيفية قتله، وما قال له الحسين، اسودّ وجهه (٢). والأخبار في ذلك كثيرة، وهو جزاء كل من لطخ يده بدم الصديقين، أو استهزئ وازدرى أهل البيت الطاهرين. ولذا لما بلغ أم سلمة مقتل الحسين قالت: قد فعلوها، ملأ الله قبورهم - أو بيوتهم - ناراً، ووقعت مغشيا عليها (٣). ولما تكلم ابن زياد بعد مقتل الحسين قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، فقال: ويحك يا ابن زياد، تقتلون أولاد النبيين، وتتكلمون بكلام الصديقين، فأمر به ابن زياد فقتل وصلب (٤). ونقول ما قال جماعة أهل السنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما من قتل الحسين ,أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً (٥). وقال ﵀: والحسين ﵁ أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم،

стр. 350

وأهان بذلك من قتله، أو أعان من قتله أو رضي بقتله، وله أسوة حسنة ممن سبقه من الشهداء، فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكانا قد تربيا في عز الإسلام، لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر على الأذى في الله ما نال أهل بيته؛ فأكرمهما الله تعالى بالشهادة؛ تكميلاً لكرامتهما، ورفعاً لدرجتهما. وقتله مصيبة عظيمة، والله سبحانه قد شرع الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى [وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ] البقرة ٥٥ - ٥٧. ثم قال: ومن أحسن ما يذكر هنا: أنّه قد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث عندها استرجاعاً، كتب الله له مثلها يوم أصيب. هذا حديث رواه عن الحسين ابنته فاطمة التي شهدت مصرعه. وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام أن بلغ هو هذه السنة عن النبي ﷺ وهو أنّه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها، فيكون للإنسان من الأجر مثل الأجر يوم أصيب بها المسلمون. وأما من فعل مع تقادم العهد بها، ما نهى عنه رسول الله ﷺ عند حدثان العهد بالمصيبة فعقوبته أشد مثل لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء

стр. 351

بدعوى الجاهلية. ثم قال: فكيف إذا انضم إلى ذلك ظلم المؤمنين، ولعنهم وسبهم وإهانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه للدين من الفساد وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى (١). قال الإمام الذهبي: ولما استشار المسلمون عائشة ﵂ في دفن الحسن ﵁ في حجرتها لما مات فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان فقال: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبداً، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، ويريدون دفن حسن في بيت عائشة، فلبس الحسين ومن معه السلاح، واستلأم مروان أيضاً في الحديد، ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة، أعاذنا الله من الفتن ورضي عن جميع الصحابة فترضى عنهم يا شيعي تفلح، ولا تدخل بينهم، فالله حكم عدل يفعل فيهم سابق علمه، ورحمته وسعت كل شيء، وهو القائل (إن رحمتي سبقت غضبي) و [لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] الأنبياء ٢٣، فنسأل الله أن يعفو عنا وأن يثبتنا بالقول الثابت. آمين (٢). وأخيراً: بعد ذكر هذه الوقائع والأحداث والقصص والشواهد، ليس المقصود من إيرادها وسردها إلا شفاء قلوب المؤمنين الصادقين المحبين للصحابة الكرام الأخيار، وآل البيت الأطهار ﵃ وأرضاهم، في

стр. 352

بيان نصرتهم، وأوجه الدفاع عنهم، وأن الله بالمرصاد لكل طاعن ومستهزئ بأفضل القرون، وأنه سبحانه يدفع عنهم، وينتصر ممن عادهم (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب). وكذا المنهج النبوي في المنافحة عن الصحابة الكرام، ومن بعده أخذوا هذا المنهج وساروا عليه، ولذا النماذج المذكورة شواهد على ما أقول. ولسنا هنا فقط في مقام من يسرد الشواهد والنماذج، ويتواكل عليها وعلى أمثالها ويؤثر الدعة والسكون والراحة، بل المقصود الأعظم هو استنهاض الهمم للقيام بالواجب تجاه أصحاب النبي ﷺ بما يجب ويلزم، ولنكن وجهاً من أوجه الدفاع طبعاً بالتي هي أحسن - عن الصحابة الكرام ﵃ أجمعين. والمحروم من حرم هذا الشرف العظيم وهو الذب عن الصحابة الأطهار، خاصة في الأزمان التي يحصل فيها التطاول عليهم ويكثر. ويكفي في هذا المقام أن نذكر القوم بقول الحبيب المصطفى والنبي المجتبى ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) (١). وقال ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب

стр. 353

امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم). وقال ﷺ : (إن من أربى الربا: الاستطالة في عرض المسلم بغير حق) (١). وقال ﷺ : (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) (٢). وأي عرض أعظم من عرض أفاضل الخلق وسادات المسلمين وأولياء الله المتقين أصحاب النبي الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. ويكفيك أيها الذاب عن الأعراض الطاهرة قول النبي ﷺ : (من حمى مؤمناً من منافق) أراه قال: (بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلما بشيء يريد شينه به، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال) (٣).

стр. 354

الخاتمة والتوصيات في ختام هذا التطواف المبارك مع الثلة المباركة نخلص إلى النتائج التالية: [١] أن جيل الصحابة خير الأجيال، وقرنهم خير القرون، بلا خلاف، لنص المصطفى ﷺ . وما ميزهم على غيرهم، صحبتهم للنبي الكريم، والتماسهم من جميل صفاته، وكريم أخلاقه، وكمال تعاملاته، وهذا ما مكنهم في الأرض وجعلهم الساسة السادة القادة. يقول الإمام الغزالي: وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال الرسول ﷺ واعتلاق قلوبهم أموراً أدركت بالقرائن فسددهم ذلك إلى الصواب، من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة، إذ فاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم الأكثر عن الخطأ (١) فكان لهم من موجب التقدير والاحترام والإجلال ما ليس لغيرهم، حتى إن شاعراً مدح سالم بن عبد الله بن عمر فقال: (وبلال عبد الله خير بلال) فقال له ابن عمر: كذبت، بل (وبلال رسول الله خير بلال) (٢). وروي أنّه جيء للفاروق عمر بن الخطاب ﵁ برجل بدوي هجا الأنصار، فقال لهم: لولا أن له صحبة من رسول الله ﷺ ما أدري ما نال فيها

стр. 355

لكفيتكموه، ولكن له صحبة منه. فها هو ذا عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته فضلاً عن معاقبته؛ لكونه علم أنّه حظي بشرف الصحبة (١). فكانوا ﵃ أطوع الناس لله تعالى ورسوله ﷺ وأسرعهم فيئة إلى الحق، وأكرمهم للحق، فما من خلق حسن إلا ولهم منه أكمله، وما من عمل بر إلا وهم أوله، حازوا قصب السبق في كل مجالات الحياة، فهم العلماء العاملون، والرواد المبدعون، وأهل الفكر والفهوم، وكانوا إذا جن عليهم الليل قليلاً ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم، فهم رهبان الليل وفرسان النهار. قال الله تعالى عنهم [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً] النساء ٨٧، [أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] وقال عنهم [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً] النساء ١٢٢، [فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] الحشر ٩. ولا يعني بحال من الأحوال، أن هذه الأعطيات والمنح الإلهية الربانية لأولئك القوم وذاك الجيل، كانت موجباً للكسل والتواني، بل كانوا أقوم الناس بالحق، وأقولهم للحق، وأشجعهم في نصرة الحق [وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] الحشر ٨. والصحابة ﵃ أعرف الناس للحق، واتبع له. يقول الإمام ابن القيم: كل من كان أعرف للحق واتبع
следующие страницы →