Полный текст (70 стр.). Показаны 36–70 · переход к 41.
стр. 36
أخًا له بمكَّة مشركًا؛ رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط وفي رواية ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً وفي رواية فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحماً أو قال ذمة وصهراً رواه مسلم قال العلماء الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل ﷺ منهم والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال لما نزلت هذه الآية «وأنذر عشيرتك الأقربين» دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا فعم وخص وقال "يا بني عبد شمس يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها" رواه مسلم , والبلال الماء ومعنى الحديث سأصلها شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة, والشاهد قوله ﵊ لعشيرته الكفار (غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها) , والنبي ﵊ وصل أقاربه الكفار، وصل عمه أبا طالب، وكان يأتيه ويدعوه إلى الإسلام، وغير ذلك، وإذا تقرر جواز صلة الرحم الكافرة فجواز صلة الرحم الفاجرة الفاسقة التي لا تزال مسلمة من باب أولى , ولتعلم أن الصلة بالمعنى العام يدخل فيها الأرحام الكفار والفساق وإن كانت صلتهم عموماً تكون دون صلة الأرحام المسلمين الصالحين , والذي ينبغي من جهة الكمال والاستحباب أن تكون صلة الرحم الكافرة -غير الوالدين -من أجل التأليف على الإسلام أو مراعاة وجود من تحت ولايته من الأبناء المسلمين كما قال ابن حجر: "إن صلةَ الرحم الكافر ينبغي تقييدها بما إذا آنس منه رجوعاً عن الكفر، أو رجا أن يخرج من صلبه مسلم كما في الصورة التي استدلّ بها وهي دعاء النبي ﷺ لقريش بالخصب وعلّل بنحو ذلك، فيحتاج من يترخّص في صلة رحمه الكافر أن يقصد إلى شيء من ذلك" انتهى.
خلاصة حكم صلة القريب الفاسق والكافر:
الراجح كما بيَنا أن الكفار والعصاة أهل الكبائر المجاهرين صلة رحمهم غير واجبة وإنما هي مستحبة إلا أنه يفرق بين الوالد وغيره , فالوالد تُطلب صلته وصحبته بالمعروف وجوباً, وقد ذهب إلى هذا فقهاء المذاهب الأربعة وخالف بعض أهل العلم فسوى بين المسلم والكافر في الصلة، ولكن الراجح مذهب الجمهور, وذلك أن القرابات مختلفة فمنها من لا يقطع صلتها الكفر كالوالدين ومنها من يقطعها الكفر كالعشيرة وأبناء العم والإخوة فهي درجات متفاوتة وإن كانت صلة هؤلاء مستحبة , وعلى هذا فصلة الرحم الفاسقة والكافرة مستحبة باستثناء الوالدين فهي واجبة.
حكم صلة القريب الكافر إذا كانت صلته تؤدي إلى محبته طبيعياً:
أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة فمنهم من يُغلَب جانب بغض الأرحام الكفار في الله أو على الأقل عدم مودتهم فيرى وجوب هجر الأرحام الكفار هجراً جميلاًً إذا آنس المسلم من نفسه ميلاً لهم ومحبة ويرى وجوب قطع أسباب هذه المودة ولو أدى إلى عدم قبول هداياهم وعدم زيارتهم ومقاطعتهم ونحو ذلك , وهذا باستثناء الوالدين والزوجة الكتابية.
وهناك من أهل العلم من يُغلب جانب صلة الأرحام ولو أدى إلى محبتهم بمقتضى الطبع , إلا أن أهل العلم اتفقوا جميعاً على أن كل بر وصلة بالمعروف ظاهرها الرحمة ولا تستلزم مودتهم فهي مشروعة , وليفعل المسلم ما هو أصلح لقلبه.
стр. 37
حكم صلة الرحم الصالحة المؤذية:
حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المضرة دنيوياً غير واجبة بالاتفاق , قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصاً على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه. فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. انتهى.
وقال رسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار".
وأما حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية دنيوياً فغير واجبة على مذهب بعض أهل العلم طبعاً باستثناء الوالدين , وقالوا عن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَإِنْ كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُ لَكَأَنَّمَا تُسِفِّهُمُ الْمَلُّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ ". أن الحديث محمول على استحباب صلة الرحم المؤذية لا وجوب ذلك، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والورع يا عبدالله يقتضي صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية مالم تصل إلى حد الضرر , والفرق بين الضرر والأذى ـ والله أعلم ـ أن الأذى هو الضرر اليسير، قال ابن عطية: قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ـ معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة. وقال القرطبي: وَالْمَعْنَى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا ضَرًّا يَسِيرًا. اهـ.
ولكن لا يلزم أن يكون هذا التفريق الثابت هنا ثابتا أيضا في لفظي المضرة والأذى المذكور في كلام ابن عبد البر.
علما بأن الصلة تبدأ من السلام عند اللقاء، أو بمكالمة هاتفية أثناء الغيبة، وبهذا يخرج المرء من إثم الهجرة، ثم تمتد لتشمل كل أنواع البر الأخرى، فمن عجز عن درجة معينة من درجاتها فلا ينبغي أن يعجز عما تتحقق به الصلة في حدودها الدنيا.
كيفية التوفيق بين قول النبي ﷺ : إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير الحديث، وفيه التنفير من مجالسة رفيق السوء وكذلك قوله: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم
الحديث.، وفيه التنفير من الفساق وكذلك قول الرسول ﷺ : لا تصاحب إلا مؤمنا ـ وبين قول النبي ﵊: صل من قطعك ـ وقوله: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ـ ومن المعلوم بأن القاطع للرحم فاسق؟
الصلة لا تستلزم مصاحبة، فالصلة تحصل بكل ما اعتبره العرف صلة كالزيارة والإهداء والاتصال ونحو ذلك.
ثم إن قول النبي ﷺ (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم الحديث) حديث ضعيف الإسناد وضعفه الألباني , وبالتالي لا يُحتج به في الأحكام.
كيفية صلة الأقارب الفسَاق والكفار والمُؤذين منهم ومجالستهم والتعامل معهم:
لا شك أن صلة الأرحام الكفار والفساق تختلف عن صلة الأرحام المسلمين الصالحين المتقين , وقد
стр. 38
كان رسول الله ﵊ يصل ذوي رحمه وأقاربه من غير أن يُؤثرهم على من هو أفضل منهم , ولتعلم أن أهل العلم قد اتفقوا على أن الصلة والبر والإحسان الذي لا يستلزم التحابب والتوادد للأرحام الكفار مشروع باتفاق أهل العلم كالصلة بالمال وتفقد أحوالهم والنفقة والإعانة على نوائب الحق والصدقة على المسكين منهم وتعزيتهم وعيادة مرضاهم وكل صلة تدل على الرحمة لا المودة ويُراد بها وجه الله , واتفق أهل العلم أيضاً على أنه يُشرع قطع القريب الفاسق إذا كان في قطيعته زجر له عن الفسق وإصلاح لحاله ولا بأس بقطيعته عندئذ , واتفق أهل العلم كذلك على أنه إذا كان القريب فاسق ومن باب أولى الكافر تخشى الافتتان به وتخشى أن يضرك في دينك فيجب عليك في هذه الحال هجره وعدم صلته إلا ما كان على سبيل المداراة وخاصة إذا كان يعسر التحرَز من مقاطعته كلياً لأي سبب كان , فمن في مخالطته ضرر ديني أو دنيوي فعاشره بالمعروف حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً.
وبهذا يتبين لك أخي أنه يُشرع الإحسان إلى الأقارب غير المسلمين وصلتهم وبرهم ووصلهم بالزيارة وإدخالهم المنزل وقبول الهدية منهم وإكرامهم والإحسان إليهم والاهداء إليهم والاتصال وغير ذلك مع عدم موالاتهم ومودتهم مودة دينية , وذلك أن القريب الكافر له حق الصلة ولكن ليس له الولاية فلا تواليه وتناصره على باطله , والله تعالى إنما أثبت الولاية بين أولي الأرحام بشرط الإيمان , وذلك أن الولاية تكون بالدين، والأقارب إذا لم يكونوا على دين واحد لم يكن بينهم توارث ولا ولاية.
وليُعلم أن التبسم للكافر المسالم وكذلك مُؤاكلته ومُشاربته لسبب معتبر كتأليفه للدخول في الإسلام أو لكونه ذا قرابة ورحم أمر جائز ولا حرج فيه ولكن يحذر من متابعته أو إقراره على شيء من باطله , علماً بأن مجالسة أهل المعاصي والكفر من ذوي الأرحام لا يكون إلا في وقت لا يُباشرون فيه المعصية، ويُشرع تخفيف وقت الزيارة لهم وخاصةً الذين يُخشى منهم إظهار بعض المنكرات.
ولتعلم بأن القاطع لرحمه والمُسيء لهم والجاهل عليهم تُشرع أحياناً صلته والإحسان إليه والحلم عليه ومن يفعل ذلك فهو مُحسن محمود عند الله , فالإحسان إلى الأقارب مع الإساءة منهم والصلة مع قطيعتهم مشروعة كما بينا وأنت مأجور على ذلك.
وأما الرحم المؤذي العاصي الذي يؤذي أهله فالأفضل أن يصبروا ويحلموا ويدافعوا إساءته بالإحسان عملاً بقوله تعالى) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فإن خيف حصول الأذى منه فلا بأس بتجنب لقائه في بعض الأحيان طلباً لحصول السلامة من شره دون القطيعة التامة والاكتفاء بأدنى الوصل من السلام والكلام بالهاتف وذلك أنه لا يلزم لتحقيق الصلة أن يزور الشخص أرحامه أو يجالسهم ويحادثهم بل عليه أن يفعل ما تتحقق به الصلة وفي نفس الوقت يندفع به أذاهم عنه.
وعموماً عليك أن تحافظ مع أرحامك الذين تُستحب صلتهم على الحد الذي لا تحصل به القطيعة ولا ينالك بسببهم ضرر مع محاولة إصلاحهم فإن يئست من ذلك فلا حرج حينئذ في مقاطعتهم, ولكن عليك أن تجعل هجرك لهم في الله ولله, فإن هجر أهل المعاصي والكبائر في الله – حتى ولو كانوا من الأرحام غير الوالدين - من شُعب الإيمان, وهجرهم لغير الله وهم على الفسق جائز، والأدلة عليه أكثر من أن تُحصر وأشهر من أن تُذكر والهجر إذا تم على وجهه الشرعي لم يكن قطعية للرحم.
شروط تشييع جنازة الكافر القريب:
стр. 39
إذا كان الكافر محارباً لا تجوز تعزيته مطلقاً ولا تشييعه , أما إذا كان الكافر غير مُحارب للمسلمين وكان قريباً للمسلم فيجوز أن يحضر جنازته ويشيعها مع المشيعين بشروط ثلاثة:
١ - ألا يحضر الصلاة عليه ولا يقوم على قبره أثناء الدفن.
٢ - أن يسير أمام الجنازة بعيداً عنها قليلاً يقف بعيداً عن القبر وإذا أردوا الدفن رجع.
٣ - وأن يكون الكافر قريباً للمسلم قرابة مباشرة.
• كيفية التوفيق بين الاحتساب وصلة الأرحام:
حكم النصيحة إذا أدت إلى الهجر بين الأقارب:
الإنكار باللسان للمنكرات التي يقع فيها الأقارب ولا يحضرها المسلم ولكنه يعلم بوقوع أقاربه فيها فحقهم عليه أن ينصح لهم ويعظهم فإن تيقن أن ذلك سيؤدي إلى هجرهم له وتأثيمهم بذلك فالذي نراه له أن يتوسل إلى ذلك بغيره من الناس كأحد الأصدقاء أو الجيران بحيث يجمع بين صلتهم له وإيصال حق النصيحة لهم ويكفيه هو الإنكار بقلبه , وما دام المسلم يُنكر المنكر بقلبه ولا يشارك أقاربه في مجالسهم التي تحتوي على منكر فلا بأس عليه.
حكم إنكار المنكر مع الأقارب إذا كان يؤدي الإنكار إلى المقاطعة:
الأصل الجمع بين الصلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللين والرفق ولا يجوز السكوت على المنكر بل يجب إنكاره سواء كان صاحبه قريباً أو غيره ولكن التغيير باليد واللسان مشروطان هنا بالاستطاعة وأن لا يؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم من المنكر نفسه ومن عجز عن ذلك فلا أقل من إنكار القلب فإن قاطعوك أقاربك لأجل النصح والإرشاد لم تُعتبر قاطعاً للرحم في هذه الحال بل إن هجر المقيم على المعصية إذا لم ينفع معه التوجيه والنصح إن كان سيرجع إلى الصواب مشروع , ولكن اعلم أنه لا يُطالب المسلم بهجر الفساق مطلقاً بل المراد إن كان في هجرهم صلاح لهم هجرهم وإن لم يكن فليهجرهم وقت فعلهم للمنكر فقط , وهذا إذا لم يحضرهم للإنكار عليهم.
كيفية التعامل مع مجالس الأقارب التي تحوي منكر:
الواجب مقاطعة مجالس المنكر ولو كانوا أرحاماً ولا يضر أنهم قاطعوك وقطعوا الصلة بينك وبينهم في المستقبل بناءً على مقاطعة مجالسهم التي تشمل على المنكر , وإذا قاطعوك وقطعوا الصلة في هذه الحال , فصلهم بما تستطيع من المعروف ويكون عليهم إثم القطيعة ولك أجر الصلة والإحسان من دون مجالستهم وهم على معصية , ولتعلم أن المسلم إذا قطعه أرحامه من أجل إقامة حدود الله فهو منصور عليهم والواجب على المسلم طاعة الله وعدم معصيته ولو أدى ذلك إلى قطيعة بينه وبين أقاربه.
هل يجوز هجران الرحم المؤمنة الصالحة إذا كان لا يُمكن مواصلتها إلا بالاتصال بالرحم الكافرة؟ أو بمعنى آخر إذا كان هجر من يستحق الهجر من ذوي الأرحام لا يمكن أن يقع إلا بهجر من لا يستحق الهجر من ذوي الرحم فما العمل؟
نقول أن الهجر للأقارب المستحقين للهجر منوط بالمصلحة سواءً كانت المصلحة في حق الهاجر أو كانت المصلحة في حق المهجور, فإذا لم يكن للهجر فائدة فليستمر المسلم في مواصلتهم مع نصحهم , وأما من لا يستحق الهجران من الأقارب فلا يُشرع هجرانه بسبب وجود بعض الفساق من حوله فإن الهجران قطيعة للرحم وهي حرام والصلة واجبة وخاصة إذا كان لا يستطيع أن ينفك عنهم كأن يكون لهم حق عليه واجب كأبيه وأمه المشركين وزوجته الكتابية , وذلك لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة والمفسدة هنا هي قطع رحم الأقارب وغضبهم لذلك والمصلحة هي تأثر المهجور وابتعاده عن الأشياء التي قوطع من أجلها وقد ذكر أهل العلم أن الحق لا يُترك لأجل الباطل إلا أن
стр. 40
على المسلم أن يُداري هؤلاء الفساق والكفار.
من المعلوم أن صلة الأرحام تتطلب زيارتهم وإجابة دعواتهم وبعض الأرحام لا يُبالي بماله من أين اكتسبه , والسؤال كيف يُعامل صاحب المال الحرام؟
المحرم وأنواعه:
١ - محرم لعينه كالخنزير والخمر والمغصوب والمسروق , فهذه الأصناف لا تجوز المعاملة فيها علماً بأن المسروق والمغصوب لو باعه غاصبه وسارقه جاز معاملته في ثمنهما علماً بأن النقدين لا تلحقه صفة العينية.
٢ - محرم لكسبه كالربا والغش ونحوها والرشاوي فهذه تجوز معاملة أصحابها فيها وقبول هداياهم ونحو ذلك.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تفسير سورة البقرة: الخبيث لكسبه مثل المأخوذ عن طريق الغش أو عن طريق الربا أو عن طريق الكذب وما أشبه ذلك؛ وهذا محرم على مكتسبه وليس محرما على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح؛ ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت ويأخذون الربا، فدل ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب. اهـ.
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ﴿إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَأَطْعَمَهُ طَعَامًا فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَلَا يَسْأَلْهُ عَنْهُ وَإِنْ سَقَاهُ شَرَابًا مِنْ شَرَابِهِ فَلْيَشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ وَلَا يَسْأَلْهُ عَنْهُ﴾ رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: لِي جَارٌ يَأْكُلُ الرِّبَا وَلَا يَزَالُ يَدْعُونِي قَالَ الثَّوْرِيُّ إنْ عَرَفْته بِعَيْنِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ: وَمُرَادُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَكَلَامُهُ لَا يُخَالِفُ هَذَا. وَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: إذَا كَانَ لَك صَدِيقٌ عَامِلٌ فَدَعَاك إلَى طَعَامٍ فَاقْبَلْهُ فَإِنَّ مَهْنَأَهُ لَك وَإِثْمَهُ عَلَيْهِ. قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَامِلُ الْبَصْرَةِ يَبْعَثُ إلَى الْحَسَنِ كُلَّ يَوْمٍ بِجِفَانِ ثَرِيدٍ فَيَأْكُلُ مِنْهَا وَيُطْعِمُ أَصْحَابَهُ. وَبَعَثَ عَدِيٌّ إلَى الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ فَقَبِلَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَرَدَّ ابْنُ سِيرِينَ قَالَ: وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ طَعَامِ الصَّيَارِفَةِ فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَكُمْ اللَّهُ عَنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ الرِّبَا وَأَحَلَّ لَكُمْ طَعَامَهُمْ. وَقَالَ مَنْصُورٌ: قُلْت لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَرِيفٌ لَنَا يُصِيبُ مِنْ الظُّلْمِ وَيَدْعُونِي فَلَا أُجِيبُهُ , فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لِلشَّيْطَانِ غَرَضٌ بِهَذَا لِيُوقِعَ عَدَاوَةً , قَدْ كَانَ الْعُمَّالُ يَهْمِطُونَ وَيُصِيبُونَ , ثُمَّ يَدْعُونَ فَيُجَابُونَ قُلْت: نَزَلْتُ بِعَامِلٍ فَنَزَّلَنِي وَأَجَازَنِي قَالَ: اقْبَلْ قُلْت: فَصَاحِبُ رِبًا قَالَ: اقْبَلْ مَا لَمْ تَرَهُ بِعَيْنِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْهَمْطُ الظُّلْمُ وَالْخَبْطُ يُقَالُ هَمَطَ النَّاسَ فُلَانٌ يَهْمِطُهُمْ حَقَّهُمْ , وَالْهَمْطُ أَيْضًا الْأَخْذُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ , وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَكَمَا لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مُحَرَّمًا فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِالِاحْتِمَالِ وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى
انتهى.
خلاصة فقه صلة الرحم:
من الفرائض على المكلف أن يصل رحمه أي قرابته المؤمنين الصالحين وتكون الصلة بالزيارة كما ذكرنا وببذل المال وبالقول الحسن وبالسؤال عن الحال والصفح عن زلاتهم وبالمعونة لهم عند الحاجة وقيدنا بالمؤمنين لأن الكافرين والفاسقين الراجحة معاصيهم على طاعاتهم لا يُطلب من المسلم لهم إلا بر والديه وأما الصلة وما شابهها مما يستدعي كثرة التردد ومحبة جميع ما عليه
стр. 41
الإنسان فلا , ولكن لو وصلهم لكان فضلاً , ويدل على أهمية صلة الرحم ما جاءت به الشريعة من النهي الشديد عن التفاخر بالأنساب؛ لأنها من أعمال الجاهلية، ومعلوم أن تعلم الأنساب والاشتغال بها مظنة للتفاخر بها، لكن هذه المفسدة المظنونة ملغاة؛ لتحقيق مصلحةٍ أعظم وهي صلة الرحم، فأمر النبي ﷺ بتعلم النسب لأجل ذلك وقال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم"، وفي روايةٍ: "اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا قرب لرحمٍ إذا قطعت وإن كانت قريبةً، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدةً". رواه الحاكم وصححه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: "تعلموا أنسابكم ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم لأوزعه ذلك عن انتهاكه". وقد قال علي ﵁: "عشيرتك هم جناحك الذي بهم تحلق، وأصلك الذي به تتعلق، ويدك التي بها تصول، ولسانك الذي به تقول، هم العدة عند الشدة، أكرم كريمهم، وعُد سقيمهم، ويسر على معسرهم، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك".
وإليك هذه القصة التي تنضح نبلاً وشرفًا:
حُكي عن بنت عبد الله بن مطيع أنها قالت لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن عوف –وكان أجود قريش في زمانه- قالت: يا طلحة: ما رأيت قومًا ألأمَ من إخوانك!! قال: ولمَ ذاك؟! قالت: أراهم إذا أيسرتَ وكثر مالك زاروك ولزموك، وإذا أعسرت تركوك؟! قال: "هذا والله من كرمهم؛ يأتوننا في حال القوة بنا عليهم، ويتركوننا في حال الضعف بنا عنهم".
فانظر كيف تأوَّل بكرمه هذا التأويل، وفسر بنبيل أخلاقه هذا التفسير، حتى جعل قبيح فعلهم حسنًا، وظاهر غدرهم وفاءً، وهذا محض الكرم ولباب الفضل، وبمثل هذا يلزم ذوي الفضل أن يتأولوا الهفوات ويمحوا الزلات من إخوانهم وأرحامهم وأصهارهم، إنه تغافل مع فطنة، وتآلف صادر عن وفاء، وعلاقات الرحم ووشائج القربى لا تستقيم ولا تتوثق إلا بالتغافل، فمن شدد نفَّر، ومن تغاضى تآلف، والشرف في التغافل، وسيد قومه المتغابي.
أخي القارىء الكريم اعلم أنّ ذوي الرّحِم غيرُ معصومين، يتعرّضون للزّلَل، ويقَعون في الخَلل، وتصدُر منهم الهَفوة، ويقَعون في الكبيرة، فإن بَدَر منهم شيءٌ من ذلك فالزَم جانبَ العفوِ معهم، فإنَّ العفوَ من شِيَم المحسنين، وما زادَ الله عبدًا بعفو إلاّ عِزًّا، وقابِل إساءَتهم بالإحسان، واقبل عُذرَهم إذا أخطؤوا، لقد فعل إخوة يوسفَ مع يوسفَ ما فعلوا، وعندما اعتذروا قبِل عذرهم وصفَح عنهم الصفحَ الجميل، ولم يوبِّخهم، بل دعا لهم وسأل الله المغفرةَ لهم، قال: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ) يوسف:٩٢.
غُضَّ عن الهفواتِ، واعفُ عن الزّلاّت، وأقِلِ العثرات، تجنِ الودَّ والإخاء واللينَ والصفاء، وتتحقَّق فيك الشهامةُ والوفاء. داوِم على صِلة الرّحم ولو قطعوا، وبادِر بالمغفرة وإن أخطؤوا، وأحسِن إليهم وإن أساؤوا، ودَع عنك محاسبةَ الأقربين، ولا تجعَل عِتابَك لهم في قطعِ رحمِك منهم، وكُن جوادَ النّفس كريمَ العطاء، وجانب الشحَّ فإنّه من أسباب القطيعة، قال ﵊: ((إيّاكم والشّحَّ؛ فإنّ الشحّ أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالبُخل فبخلوا، وأمرهم بالظّلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعةِ فقطعوا)) متفق عليه.
إنّ مقابلةَ الإحسانِ بالإحسان مكافأةٌ ومجازاة، ولكن الواصلَ من يَتفضَّل على صاحبِه، ولا يُتَفضّل عليه، قال ﵊: ((ليسَ الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصلَ مَن إذا قطعَت رحمُه وصَلها)) رواه البخاري. قيل لعبد الله بن مُحَيريز: ما حقّ الرّحم؟ قال: "تُستَقبَل إذا أقبَلت، وتُتْبَع إذا أدبَرت"، وجاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنّ لي قرابةً أصِلهم
стр. 42
ويقطعونني، وأُحسِن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عليهم ويجهَلون عليّ، فقال ﵊: ((لئن كان كما تقول فكأنّما تسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمتَ على ذلك)) رواه مسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليلي بخصالٍ من الخير: (أوصاني أن لا أنظرَ إلى من هو فوقي وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحبّ المساكين والدُنُوِّ منهم، وأوصاني أن أصِلَ رحمي وإن أدبرت، وأوصاني لا أخاف في الله لومة لائم) رواه الإمام أحمد وابن حبان.
واصبر واحتسب، وكما قيل:
وإن الذي بيني وبين بني أبي
وبين بني عمي لمختلفُ جدًّا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدًا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم
وإن هم هووا غيِّي هويت لهم رشدًا
وليسوا إلى نصري سراعًا وإن هم
دعوني إلى نصر أتيتهم شدًّا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى
وإن قل مالي لم أكلفهم رفدًا
وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً
وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
ومن أشهر قصص صلة الرحم ما كان من أمر صديق الأمة أبي بكر ﵁ مع أحد قرابته وهو مسطح بن أثاثة الذي كان فقيرًا، فكان أبو بكر ينفق عليه، ولكن مسطحًا تكلم في أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر ﵂ في قصة الإفك، فماذا كان من أبي بكر نحوه؟! أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة الطويل في قصة الإفك أنها قالت: "فأنزل الله : (إِنّ الّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
) عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَىَ مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الّذِي قَال لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ الآية: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ، إِنّي لأُحِبّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النّفَقَةَ الّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لاَ أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا".
هذا هو صنيع أصحاب رسول الله مع رحمهم، وهذا دأبهم، واصلون لرحمهم حتى إن أساؤوا إليهم إساءة بهذه الدرجة فالله المستعان.
والصلة بالزيارة إنما تكون ممن قرب من محل أرحامه وأما بعيد المحل فتكون زيارته بمهاتفته , دل على فرضية صلة الأرحام الكتاب والسنة والإجماع , ومن تركها يكون عاصياً , ويستحب صلة الرحم وصلك أو قطعك فإنه قد قيل ليس الواصل من يصل من وصله وإنما الواصل من يصل من قطعه لأن مواصل المواصل بائع ومشتر، ويُستثنى من ذلك من يكون رحمه يتعاظم عليه بحيث لا يُحب أن يصله ويتضرر من حضوره له كما هو مشاهد في بعض الأغنياء لا يحبون من أرحامهم الفقراء القُرب إليهم فهؤلاء لا يُطلب من القريب الفقير صلتهم على وجه الوجوب ولا شك في إثم الغني بل هو اللئيم لأنه الذي إذا استغنى يجفو قرابته ويُنكر نسبتهم إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 43
• حقوق الزوجية:
كيفية اختيار الزوج والزوجة:
أخي المسلم ابحث عمن تلائمك وتصلح لك، واجعل الدين والخلق في مقدمة المعايير التي ستختار على أساسها زوجتك، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". , وعلى هذا فأساس اختيار الزوج أو الزوجة هو الدين، ولا خير في زوج أو زوجة لا دين له، وإن ملكا الدنيا بأسرها، لأن سعادة العيش في الدنيا والفلاح في الآخرة لا يكونان إلا بالدين، وما سواه متاع الغرور، وذلك هو ما أرشد إليه النبي ﷺ وهو أن يكون أساس الاختيار هو الدين كما قد علمت، لأن المتدينة أرعى لحقوق الله تعالى، وحقوق الزوج والأولاد والبيت، وليس معنى هذا إغفال المعايير الأخرى من جمالٍ وحسب، بدليل إرشاده ﷺ لمن أراد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها, ولتعلم أخي المُقبل على الزواج أنه يستحب أن تكون الزوجة بكراً فعن جابر بن عبد الله ﵄: قال: «تزوجت. فقال لي رسولُ الله ﷺ : ما تزوجت؟ قلت: ثَيِّبا. فقال: مالَكَ وللعذارَى ولِعابِها؟». وفي حديث مسلم: «فأين أنت من العذارى ولِعابها؟». قال شعبة: فذكرته لعمرو بن دينار. فقال: سمعته من جابر، وإنما قال: «فَهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟».، وكذلك يستحب أن تكون الزوجة من نساء عُرفن بكثرة الولادة فعن معقل بن يسار ﵁: قال: جاء رجل إِلى رسول الله ﷺ فقال: «إِني أصَبْتُ امرأة ذاتَ حَسَب وجمال، وإنها لا تَلِدُ أَفأَتزوجها؟ قال: لا. ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة. فقال: تزوجوا الودود الولود. فإِني مكاثر بكم». أخرجه أبو داود، والنسائي، ويشترط فيمن أردت خطبتها أن لا تكون محرمة عليك تحريماً مؤبداً، أو مؤقتاً، وأن تكون خالية من الموانع الشرعية التي تمنع خطبتها، وأن لا تكون مخطوبة لغيرك.
وبالجملة لتستشر الأمناء، وأهل الخير والصلاح في ذلك، ولتحرص على أن تنظر إليها من غير خلوة.
ومن طرق البحث أن توصي صالحات نساء أهلك وزوجات أصدقائك، ثم إن قدِّمت لك عدة خيارات فاستخر الله تعالى، واختر أحدها، ثم حاول مقابلة من وقع اختيارك عليها، وانظر منها إلى ما يدعوك إلى نكاحها, ففي المسند وسنن أبي داود عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إليها فليفعل" زاد أبو داود قال جابر: فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها فتزوجتها.
وفي المسند وسنن الترمذي عن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة فقال لي رسول الله ﷺ : "أنظرت إليها؟ " قلت: لا. قال: "انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما", ولا يشترط للرؤية إذن المرأة ولا إذن أوليائها عند جمهور أهل العلم اكتفاءً بإذن الشارع، ولعموم الأخبار في ذلك, ولك أن تنظر منها إلى وجهها وكفيها وقامتها وشكلها، ولك أن تتخاطب معها لتسبر عقلها، وتسمع منطقها، وتسألها عما تحب، وما لا تحب.
وفي حال عدم تمكنك من رؤيتها لسبب ما فابعث إليها امرأة ثقة، عاقلة تتأملها، ثم تصفها لك،
стр. 44
لتكون على بصيرة من أمرك، وعليك أن تحرص على الظفر بذات الدين كما بينا، لأن الزواج عندما يكون رغبة في الدين يكون من أوثق العقود حالاً، وأدومها مودة، وأحمدها بدءاً وعاقبة، ومن طلب الدين واتبعه، استقام حاله، وطاب عيشه فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال " الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة " رواه مسلم، ولا مانع من أن تبحث عن ذات الدين الجميلة، بل يفضل ذلك، قال ابن قدامة: "ويختار الجميلة لأنها أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأكمل لمودته، ولذلك شرع النظر قبل النكاح" انتهى.
وقد روى النسائي عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله أي النساء خير؟ قال: "التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره"، وينبغي للخاطب أن يسأل عن جمالها أولاً، ثم يسأل بعد ذلك عن دينها، حتى إذا ردها لم يكن قد ردها لدينها. قال الإمام أحمد بن حنبل:" إذا خطب رجل امرأة سأل عن جمالها أولاً، فإن حمد سأل عن دينها، فإن حمد تزوج، وإن لم يحمد يكون رده لأجل الدين، ولا يسأل أولا عن الدين فإن حمد سأل عن الجمال، فإن لم يحمد ردها، فيكون ردها للجمال لا للدين."
ولا تطلب المثالية في كل الصفات، فإن منال ذلك عسير، وننبهك هنا إلى أمرين:
الأول: أن لقاءك بها لابد أن يكون من غير اختلاء بها، وإنما يكون بحضور أحد محارمها هي، أو محارمك أنت من النساء.
الثاني: أنه إذا حصل ذلك اللقاء وجب عليك بعد ذلك أن تكف عن أي اتصالٍ بها، حتى يتم عقد الزواج بينكما، لأنها قبل إتمام عقد الزواج أجنبية عنك.
ثم إن وجدت ما يرضيك، فاستعن بالله تعالى واخطبها.
ثم إن تزوجتها فاستوص بها خيراً، واتق الله فيها، فإنها أمانة عندك، أخذتها بأمان الله تعالى، واستحللت فرجها بكلمة الله تعالى.
وهنا تنبيه أخير: من الأمور المهمة التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند اختيار الزوج المناسب زيادة على ماقررناه في أسس اختيار الزوجة، توفر التكافؤ بين الطرفين التكافؤ الديني والاجتماعي والمادي, والجانب المادي مهم وأساسي رغم تهميش الكثيرين له وهو من الأمور التي يجب أن تلتفت لها الفتاة عند اختيارها الزوج المناسب، يقول رسول الله ﷺ : "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" والمقصود بالباءة نفقات الزواج وإمكانية إعاشة الرجل للمرأة، وقوله ﵊ لمن جاءت تستشيره فيمن تقدَم لخطبتها (أما معاوية فصعلوك لامال له) والإسلام يشترط في صحة عقد النكاح واستمراره قدرة الرجل على الإنفاق, فليس محموداً أن تقبل الفتاة بأي شاب يتقدم لها مجرد اقتناعها بفكرة الزواج، أو وجود مزايا جانبية أخرى، فيجب أن يكون لديه على الأقل ما يكفيه ويكفي زوجته، وهو ما يوفّر الكثير من الخلافات التي قد تنشأ بعد الزواج, ولا نقصد على أية حال أن يكون الزوج ميسوراً وغنياً، فيكفي القدرة على النفقة بالمعروف ليكون كفؤاً للزواج، ولنا في الآية الكريمة موثقاً من الله في ذلك، حيث يقول ﵎: " وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ".
حقيقة ما يُثار حول الزواج من الأقارب والتحذير منه:
قد حرم الله الزواج من بعض الأقارب، مثل: نكاح الأمهات والبنات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، والعمات، والخالات، فهذا من زواج الأقارب المحرم قطعاً في الشريعة الإسلامية. وما سواه من أقارب النسب، فقد أحله الإسلام، فبعد آية تحريم النساء في سورة النساء: (حرمت عليكم أمهاتكم) قال سبحانه بعدها: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) , فزواج بنت العمة، أو بنت العم، أو بنت الخال، أو
стр. 45
بنت الخالة، إباحته تعتبر من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، وأما ما ورد من آثار تنصح بزواج الأباعد دون الأقارب، فكلها لم تثبت عن رسول الله ﷺ ، وإنما ثبت عنه أن الإنسان يتخير الأكفأ ديناً وخلقاً , وما يثار طبياً عن زواج الأقارب من أنه سبب لكثير من الأمراض دعوى تحتاج إلى برهان، بل إن كثيراً من الأطباء يفندون هذه الإشاعة ويهونون منها.
يقول الدكتور محمد البار في هذا الشأن: الأمراض الوراثية التي نسميها متنحية موجودة لدى الزوج، وموجودة لدى الزوجة، وكلاهما يبدو سليماً من هذه الأمراض التي هي تزداد بزواج الأقارب، ونسبة الأمراض الوراثية - عبر جيل واحد - الموجودة في المجتمع لا تزيد عن ٢ % من التشوهات الموجودة في الأطفال المواليد عند ولادتهم، وهي حوالي ٢ - ٣%، أو من ٣% إلى ٤% فهناك نسبة زيادة، ولكنها ليست على نطاق واسع كما يشاع ويظهر أمام الناس، وبعض الدعايات وحتى بعض الأطباء يشنون حملة شديدة على زواج الأقارب غير مبررة بهذه الصورة. انتهى.
فهذه الأمراض الوراثية لا تكون إلا بنسبة ضئيلة جداً، وفي حالة زواج الأقارب المتكرر داخل الأسرة.
أما الدكتور أحمد شوقي إبراهيم مستشار الأمراض الباطنية بمستشفى الصباح بالكويت، فقد خلص في بحثه إلى أن القول بأن زواج الأقارب يسبب أمراضاً وراثية في الذرية ليس صحيحا في كل الأحوال، وأنه لا ينبغي أن يكون قانوناً عاماً، أو قاعدة عامة، بل إن لزواج الأقارب بعض الإيجابيات حتى الصحية في بعض الأحوال، وأنه ينقذ الأجيال القادمة من كثير من الأمراض.
وخلص إلى أنه لا فضل لزواج الأقارب على زواج الأباعد، ولا لزواج الأباعد على زواج الأقارب، وأن على كل من الرجل والمرأة أن يختار شريكه وفق الصفات الخَلْقية والخُلُقية، ولو كان في زواج الأقارب ضرر لما أحله الله تعالى لرسوله، وأشار إليه إشارة صريحة بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ
الآية).
وقد تزوج رسول الله ﷺ من زينب بنت جحش، وهي ابنة عمته، وزوج ابنته فاطمة بابن عمه علي ابن أبي طالب، ولم يزل السلف يتزاوجون من أقاربهم، والأمر في النهاية يعود إلى طبيعة المرأة، وطبيعة الرجل، ووجود طفل مشوه من زوجين قريبين لا يعني حصر ذلك في زواج الأقارب، ولذلك لا ينبغي الإحجام عن زواج الأقارب لهذا الأمر، وأن لا ينتاب الإنسان قلق منه، ولا يجوز للمرأة أو الرجل منع الحمل خوف إنجاب ذرية مشوهة، فلو تخوف الإنسان مما قد يحدث له في المستقبل لما تحرك خطوة، ولكن علينا الأخذ بالأسباب والرضى بقضاء الله وقدره, والله أعلم.
حكم النفقة على الزوجة:
النفقة تجب للزوجة على زوجها بمجرد أن تمكنه من نفسها سواء استمتع بها أم لا.
وتكاليف المعيشة كلها ونفقة الزوجة وتوابعها كلها تجب على الزوج , ولو كانت الزوجة عاملة ولها مرتب فلا يلزمها شرعاً شيء من ذلك، إلا أن يشترط عليها الزوج شيئاً من الراتب مُقابل سماحه لها بالخروج فيجب عليها في هذه الحالة أن توفي بهذا الشرط.
حكم علاج الزوجة:
علاج الرجل زوجته يُرجع فيه إلى العُرف فما جرت العادة به من الدواء أن يكون على الزوج فهو على الزوج ومالم تجرِ العادة به فليس على الزوج إلا أن الأولى والأحسن والذي ينبغي من جهة الكمال أن يُعالج الرجل زوجته على كل حال.
стр. 46
حدود طاعة الزوجة لزوجها الطاعة الواجبة:
وجوب طاعة المرأة لزوجها إنما تكون فيما يرجع إلى النكاح وتوابعه.
كيفية معاشرة الزوجة:
لا يخفى أن على الرجل أن يراعي حقوق زوجته ويتقي الله تعالى فيها , ويعاشرها بالمعروف فالله يقول: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وقال تعالى (وعاشروهن بالمعروف) , وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خُلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تُقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء) متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين " المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج " وفي رواية لمسلم " إن المرأة خُلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج وإن ذهبت تُقيمها كسرتها وكسرها طلاقها", وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) رواه مسلم. وقوله يفرك هو بفتح الياء وإسكان الفاء معناه يبغض يقال فركت المرأة زوجها وفركها زوجها بكسر الراء يفركها بفتحها أي أبغضها والله أعلم. وعن عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال (ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقا فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) رواه الترمذى. وقال حديث حسن صحيح وقوله ﷺ عوان أي أسيرات جمع عانية وهى الأسيرة والعاني الأسير شبه رسول الله ﷺ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير والضرب المبرح هو الشاق الشديد وقوله ﷺ فلا تبغوا عليهن سبيلا أي لا تطلبوا طريقا تحتجون به عليهن وتؤذونهن به والله أعلم.
وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت) حديث حسن رواه أبو داود وقال معنى لا تقبح أى لا تقل قبحك الله.
وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وبالجملة فإن على الزوج النفقة على زوجته , وللزوجة من المسكن والمطعم والملبس ما يساوي مثلها من النساء , والحد الأدنى من النفقات التي يجب توفيرها للزوجة، فإنها تتلخص في توفير الضروري لها من المسكن والمطعم والملبس، وذلك يختلف باختلاف طبقات النساء المادية والاجتماعية، إذ ما يصلح لواحدة قد لا يصلح للأخرى، ولكن للزوجة من ذلك ما يساوي مثلها من النساء، كما قررنا وفي الحديث الصحيح: أطعمها إذا طعمت، وأكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه ولا تضرب رواه أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح.
стр. 47
ومن حق الزوجة على زوجها أن يسكنها سكناً مستقلاً مناسباً لا تتعرض فيه لضرر والمقصود بالسكن المستقل أن يكون للزوجة حجرة مع ملحقاتها من ممر مستقل أي مدخل ومخرج ومطبخ ومكان قضاء الحاجة.
ولتعلم أنه لا مانع من أن يتزوج المسلم في بيت أهله، وذلك بشرطين:
الأول: أن ترضى الزوجة بذلك، لأن المسكن المستقل حق للزوجة، فإن تنازلت عنه جاز لها ذلك، وإن لم تتنازل عنه فهو حق لها.
الثاني: إذا رضيت الزوجة بذلك، وكان في البيت رجال أجانب عن الزوجة كالأخ ونحوه، فيجب أن تلتزم الزوجة بالحجاب الشرعي، وأن تحذر من الخلوة معهم، أو الظهور أمامهم بهيئة المتبرجة تجنباً للفتنة، وحذراً من الوقوع في الإثم، وإذا أمكن أن تجعل لزوجتك مدخلاً مستقلاً ومرافق مستقلة، فهذا أوفق لما قرره الفقهاء، لأن استقلال المرافق والمدخل والمخرج أحفظ لها وأصون.
ولتعلم أخيراً أن الزوجة لا يلزمها خدمة أم الزوج أو غيرها من أقاربه لكن إن فعلت ذلك فلا شك أنه من حسن العشرة ومكارم الأخلاق.
ومن حق الزوجة على زوجها ألا يغيب عنها أكثر من ستة أشهر إلا بإذنها.
ويجب على الزوج أن يطأ زوجته بالمعروف بقدر كفايتها ما لم يضره في بدنه أو في معيشته من غير تقدير لمدة.
ولا يجوز للمرأة أن تمتنع من فراش زوجها، وإن كان عاصياً فاسقاً فإثمه على نفسه , ولتعلم الزوجة أن الصبر على الزوج والتغافل عن زلاته من أسباب دوام العشرة، فكل بني آدم خطاء , والإنسان مهما كملت صفاته وحسنت أخلاقه واستقامت أموره وأحواله، فلا بد أن تصدر منه بعض الهفوات والأخطاء.
وعلى كل حال ينبغي حسن الخلق مع الزوجة وكف الأذى عنها بل واحتمال الأذى عنها والحلم عند طيشها وغضبها.
وينبغي أن لا ينبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد يُفسد خلقها ويُسقط هيبته بالكلية بل يراعي الاعتدال في ذلك فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكراً ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات ألبته بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمَر وامتنع , وعلى الجملة فبالعدل قامت السماوات والأرض فكل ما جاوز حده انعكس على ضده فينبغي أن يُسلك سبيل الاقتصاد في المخالفة والموافقة ويتبع الحق في جميع ذلك , والطبيب الحاذق هو الذي يُقدَر العلاج بقدر الداء , وليعامل المرأة بما يُصلحها كما يقتضيه حالها.
• كيفية معاشرة ومعاملة الزوجة الكتابية:
أمر الله بمصاحبة الوالدين الغير مسلمين بالمعروف والزوجة الكتابية المحصنة الغير محاربة تُنزَل منزلة الوالدين.
- حكم إكراه الزوجة الكتابية على الدين الإسلامي:
لقد أباح الله لنا الزواج من الكتابية وليس للزوج أن يكرهها على الإسلام يقول الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشدُ من الغي .. الآية﴾ (البقرة ٢٥٦).
- حكم ممارسة الزوجة الكتابية لدينها وإظهارها لشعائره:
ليس للزوج أن يمنع زوجته الكتابية من ممارسة دينها كالصلاة, والصيام, وقراءة كتابها المقدس لديها , وأما ذهابها إلى الكنيسة أو المعبد, أو البيعة, أو حضور الأعياد , فيرى الكثير من أهل العلم
стр. 48
أن للزوج منع زوجته الكتابية من الذهاب إلى المعبد أو الكنيسة أو البيعة , لكي لا يعينها على أسباب الكفر وشعائره.
وأما حكم إدخالها للصليب في بيته أو الزنار فقد ساق ابن القيم في هذه المسألة رواية عن الإمام أحمد وهي: هل للزوج أن يمنع زوجته الكتابية أن تدخل منزله الصليب؟ قال: يأمرها, فأما أن يمنعها فلا وإذا قالت اشتري لي زناراً, فلا يشتري لها, تخرج هي تشتري, فقيل له: جاريته تعمل الزنانير؟ قال: لا. انتهى.
والسبب في عدم شراء الزنار لأن فيه إظهار لشعائر الكفر, ولا يمكّن جاريته من عمله؛ لأن العوض الذي يحصل لها صائر إليه وملك له.
وأما حكم احتفالها بعيدها في بيته فلا يجوز للمسلم أن يسمح لزوجته الكتابية بالاحتفال بعيدها في بيته لما يترتب على ذلك من المفاسد والمحرمات, وإظهار شعائر الكفر في مسكنه.
ومما ينبغي على الزوج تعريف الزوجة الكتابية بالإسلام ودعوتها إليه وتوضيح شعائره لها , وبعد أن يقوم المسلم بتعريف واسع للإسلام وسماحته لزوجته فعليه أن يأمرها باحترام وتقدير هذا الدين العظيم ولا يتنازل الزوج عن ذلك أبداً، وأرى أن يشترط الزوج في بداية زواجه منها شرطاً مفاده أن تحترم هذا الدين وتقّدر شعائره.
- حكم إبقاء المصحف عند الزوجة الكتابية وتمكينها من لمسه والقراءة فيه وتعليمها إياه:
يجوز للمسلم أن يترك المصحف عند زوجته الكتابية إن أمن أنها لن تناله بسوء وله أن يمكنها من قراءته بحائل لعلها تهتدي بنوره وتدخل في الإسلام.
- حكم دخول الزوجة الكتابية مكة والمدينة:
لا يجوز للزوجة الكتابية أن تدخل منطقة الحرم كلها, أما منطقة الحجاز والجزيرة العربية فيجوز لها ذلك لأنها في حكم المستأمن إضافة إلى أن الله قد أباح النكاح من الكتابيات والمسلم قد يحتاج أن يسافر بأهله لمنطقة الحجاز ولا شك أن الزوجة تبع لزوجها ولعل القول بالتحريم فيه مشقة على الزوج والله أعلم وأحكم.
- حكم صلة أقارب الزوجة الكتابية:
الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (سورة الممتحنة آية ٨).
وأما حكم تهنئة الزوجة الكتابية:
فإذا كانت التهنئة بشعائر الكفر المختصة بدينها فإنها حرام أما تهنئه الزوجة في الأمور المشتركة مثل قدوم المولود, أو عافية, ونحو ذلك فجائزة.
وأما حكم إلقاء السلام على الزوجة الكتابية وردّه عليها:
ذهب جمع من السلف إلى جواز إلقاء السلام على المخالفين من أهل الكتاب والمشركين أما الرّد على السلام إذا ألقته الزوجة الكتابية فقد ذهب جماعة من السلف إلى جواز الرد على الكفار بـ (وعليكم السلام).
- حكم قبول هدية الزوجة الكتابية والإهداء إليها:
الأصل في ذلك ما رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها سواء من أهل الكتاب أو المشركين.
- حكم تشميت الزوجة الكتابية إذا عطست:
стр. 49
يجوز تشميت الزوجة الكتابية إذا عطست وحمدت الله تعالى فيقول لها الزوج يهديكم الله ويصلح بالكم.
- حكم رقية الزوجة الكتابية:
يجوز للزوج المسلم رقية زوجته الكتابية ولعلها تسلم حينما ترى بركة القرآن ونزول الشفاء عليها بإذن الله تعالى.
- كيفية تربية الأولاد مع الزوجة الكتابية:
حينما أجاز الشرع أن يتزوج المسلم بالكتابية, فإن ذلك مبني على الخضوع لأحكامه, فالرجل له القوامة على المرأة, وبالتالي لا يدعها تتصرف كيفما شاءت في أمور البيت أو في تربية الأطفال على ما يخالف الإسلام.
وينبغي للمسلم أن ينظر في المحذورات المتوقعة من هذا الزواج ويتفق مع المرأة على تفاديها كأن يتفق معها على ما يلي:
١ - قوامته على البيت وعدم منازعتها له وأن تكون تربية الأولاد على الدين الإسلامي ولا يتنازل عن ذلك قيد أنملة.
٢ - في حال الطلاق تكون الحضانة له.
٣ - عدم ممارستها لدينها أمام الأولاد أو إظهار شيء من شعائره.
٤ - عدم دعوتها للأولاد إلى دينها.
٥ - عدم اصطحابها الأولاد إلى أماكن العبادة الخاصة بدينها وعدم الخروج بهم أو السفر بهم بدون إذن الزوج.
٦ - حرصها على تنشئتهم على الأخلاق الحسنة , وبالنسبة لتعليمهم ودراستهم لا تكون إلا عن طريق الزوج , وبالنسبة لزواجهم فيما بعد لا يكون إلا عن طريق الزوج أيضاً.
٧ - عدم خضوع الزوج للقوانين التي تخالف الدين الإسلامي وخاصة فيما يتعلق بالأطفال.
٨ - حرصها على نفسها, وعفتها, وعلى الزوج, وعلى البيت, والأولاد, والأمانة في ذلك والصدق في التعامل.
- حكم أمر الزوجة الكتابية بالحجاب:
يلزم الزوج أمر زوجته بالحجاب، ولو كانت كتابية؛ لأن معرة سفورها وتبرجها راجع عليه. وللزوج أن يأمر زوجته بما تراه مباحا، ويراه هو واجبا، ويلزمها طاعته في ذلك.
- حكم أمر الزوجة الكتابية بالامتناع من شرب الخمر وأكل الخنزير:
الذي لا يحق للزوج المسلم منع زوجته الكتابية منه هو ما تراه واجبا عليها في دينها ولو كان فعلها له يضيع عليه شيئاً من حقوقه، كما أنه ليس له إجبارها على فعل ما تراه محرماً عليها في دينها ولو فوت عليه شيئاً من حقوقه، وأما بخصوص المسألة المشار إليه أعلاه , فقد ذهب كثير من العلماء إلى أن المسلم إذا تزوج كتابية فله منعها من شرب الخمر , وأكل لحم الخنزير , وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة، وهو قول جماعة من الحنفية.
قال في "البحر الرائق" –حنفي- (٣/ ١١١) ناقلا عن بعض الحنفية: " إن المسلم له أن يمنع زوجته الذمية من شرب الخمر كالمسلمة لو أكلت الثوم والبصل وكان زوجها يكره ذلك، له أن يمنعها. وهذا هو الحق كما لا يخفى " انتهى.
стр. 50
وذهب بعض الفقهاء إلى التفريق بين ما يسكر من الخمر وما لا يسكر وذهب بعضهم بعدم إلزامها على ذلك , قال في "الإنصاف" –حنبلي- (٨/ ٣٥٢): " تمنع الذمية من شربها مسكرا إلى أن تسكر. وليس له منعها من شربها منه ما لم يسكرها على الصحيح من المذهب. نص عليه [أي الإمام أحمد]. وعنه: تمنع منه مطلقا. وقال في "الترغيب": ومثله: أكل لحم خنزير " انتهى.
وذهب المالكية إلى أنه ليس له منعها من شرب الخمر وأكل الخنزير كما في "التاج والإكليل" (٥/ ١٣٤).وقد ذكر ابن القيم في أحكام أهل الذمة الآتي:"قال: رجل تزوج نصرانية، أله أن يمنعها من شرب الخمر؟ قال - يعني الإمام أحمد- يأمرها، قيل له: لا تقبل منه، أله أن يمنعها؟ قال: لا".
مسألة: حينما تكون الزوجة غير محبوبة للزوج وليس فيها عيب في دين أو خلق فما العمل؟
قد وضع الإسلام أساساً عليه يتم اختيار الزوجة،، وعلى أي حال فقد تم الزواج، وأصبح الزوج مسؤولاً عنها فليستوص بها خيراً، وليُحسن عشرتها، فقد قال رسول الله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". رواه الترمذي من حديث عائشة ﵂.
وقال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) [النساء:١٩]، وقال ﷺ : "لا يفرك مؤمناً مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر"، وليدع عنه التحليق في عالم الخيال وليهبط إلى أرض الواقع، وليستحضر مقولة عمر ﵁ "فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب" , علماً أن الزوج لو طلقها لا تثريب عليه.
حكم العدل بين الزوجات وحدوده:
العدل في الجملة من أجل العبادات وأوجب الطاعات، والظلم من أقبح الذنوب، ولهذا حرمه الله تعالى على نفسه، والعدل بين الزوجات من أوجب الواجبات؛ لأن المرأة في الغالب لا حيلة لها ولا لها اختيار تام بسبب ارتباط مصيرها بزوجها، أو لأجل ولدها إن كان لها منه ولد؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" رواه مسلم، ومعنى (عوان) أسيرات. وحذر من عدم إقامة العدل بينهن فقد ثبت عنه ﷺ أن قال: "من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل" رواه النسائي من حديث أبي هريرة. والقاعدة في ماهية وحدود العدل بين الزوجات هو اعتبار ما دل عليه الكتاب والسنة مما يُراد به العموم والتشريع، وما لم يرد فيه نص فإن المعتبر في العدل بينهن: ضرورة العقل السليم الذي لا يُعارض النقل، وما يكون عشرة بالمعروف، وما يعده الناس عدلاً، وحين اختل فهم هذه القاعدة عند البعض أدخلوا في عشرة الزوج زوجاته ما ليس عدلاً، وأخرجوا بسبب ذلك ما يجب عليه من العدل , وبناءً على ذلك فإنه يجب على الرجل أن يعدل بين زوجاته في المبيت والمسكن والنفقة من مطعم ومشرب وملبس فالعدل الواجب على الزوج تجاه زوجاته هو التسوية بينهنَّ في القَسم والنفقة والكسوة والمؤنة، فإذا قام الزوج بما يجب لكل واحدة منهنَّ من النفقة , فهل له بعد ذلك أن يفضل إحداهنَّ على الأخرى بما شاء؟
فالأكثر من أهل العلم على جواز ذلك, قال الحافظ ابن حجر: والمراد بالعدل التسوية بينهنَّ بما يليق بكل منهنَّ، فإذا وفَّى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك من ميل القلب أو تبرع بتحفة. انتهى الفتح.
والعدل واجب في المبيت بلا خلاف، وأما العدل في النفقة الزائدة عن الواجب، والهدايا والعطايا، فقد اختلف أهل العلم في وجوبه كما ذكرنا. وأما القسم فإنه يبدأ بمجرد البناء بالأخرى، ويقع البناء بها
стр. 51
بأخذها من بيت والدها ولو دون وليمة نكاح , ولا قسم ولا عدل في محبة القلب فقد كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". رواه أحمد وغيره , وقال تعالى (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً) , ولا يجب على الزوج العدل في الوطء. ويجب عليه المبيت ليلاً عند من لها النوبة، وأما المكث في البيت فيعدل فيه ما لم تدع إلى غير ذلك حاجة له أو ضرورة لضرتها، واعلم أن اليوم تابع لليلة الزوجة التي تبيت فيها عندها فما ينبغي أن تذهب إلى ضرتها في يومها إلا لحاجة أو ضرورة مثل تفقد حالها أو حال أولادها كما كان الرسول ﷺ يفعل. ويقتصر في ذلك كله على قدر الحاجة أو الضرورة. وعليه أن يقسم قضاء حاجاته خارج المنزل أو داخله بما يحقق العدل؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ما لم يقع بسبب ذلك في حرج ومشقة فيعدل في المستطاع، ويسقط عنه ما سوى ذلك للحرج. وله الدخول على إحداهن في زمن الأخرى للحاجة، ولو قبَّل أو ضم أثناء ذلك فلا حرج؛ لأنه تبع لدخوله لحاجته، وقد فعل ذلك ﷺ ؛ فعن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ ما من يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً امرأة امرأة، فيدنو ويلمس من غير مسيس حتى يفضي إلى التي هو يومها فيبيت عندها). رواه أحمد وأبو داود. أما السفر بإحدى الزوجات فالقول فيه أن أهل العلم قد اتفقوا على أنه لا يجب عليه أن يسافر بأي منهن، فله أن يسافر وحده، كما يجوز له أن يسافر بهن جميعاً، واختلفوا في السفر بواحدة منهن فقط، هل يجب أن يكون على سبيل القرعة بينهن، فيسافر بمن خرجت قرعتها؟ أو يجوز له أن يختار أيتهن شاء فيسافر بها، وتُطلب منه القرعة على سبيل الاستحباب فقط، لتطييب خاطر الجميع؟ والقول الأول أرجح، وعليه أكثر أهل العلم , وعلى هذا فإذا سافر لحاجته وأراد أخذ إحداهن معه وجب عليه أن يُقرع بينهن، وإذا أقرع لم يجب عليه القضاء، وأما إن خرج بإحدى الزوجات من غير قرعة استناداً إلى مذهب من يرى استحباب القرعة لا وجوبها فإن عليه أن يقضي للباقيات إذا رجع, وإن كان لدى الأخرى ما يعوقها عن السفر كتعليم أولاد؛ فلا يُقرع ويقضي للمقيمة. وإذا سافر بإحداهن لحاجتها هي في أمر دين أو دنيا وجب عليه أن يقضي للمقيمة , وإذا طال السفر لم يجب عليه أن يقضي للمقيمة دفعة واحدة بل ينجمه بما يدفع الضرر عمن سافرت معه, وليس له أن يجمع بينهن في سفر نزهة إلا برضاهن؛ فإذا سافر لهذا الغرض مدة وجب عليه أن يعطي الأخرى مثلها؛ ولو في عام قادم, ويقسم للمريضة كالصحيحة , وإذا سافرت الزوجة برضاها إلى أقاربها أو غيرهم بإذن زوجها فليس لها أن تطلب قضاء ما فاتها من الليالي، لأنها أسقطت حقها باختيارها ويجب عليه أن يعدل في النفقة الواجبة أكلاً وشرباً وكسوة، وأولى الأمور: أن تكون نقدية؛ ليحصل التساوي، وإن تعذر هذا لبخل في الزوجة أو تبذير اشترى لكل واحدة برغبتها مثل ما اشترى للأخرى في الثمن, ولا يلزمه أن يجعل مسكن الضرات متساوياً في السعة والمرافق، وإنما يكون هذا بحسب احتياج كل بيت، أما نوع الأثاث وقيمته فيعدل فيه ما استطاع. وليس له في العطية المطلقة أن يهب إحداهن دون الأخرى وهذا من باب الورع كما بيَنا. وكل أمر معين وقع للزوج فيه حرج إذا أراد العدل فالحرج مرفوع, ولا عدل فيما يُدفع من المهر؛ لأنه يُتفق عليه قبل وجوب القسم، ولا يجب عليه أن يعطي أهلها مثل ما يعطي أهل الأخرى؛ ما لم يقصد إغاظتها بذلك, وعلى الزوجة في كل حال التذرع بالصبر، وأن تحرص في الوصول إلى مقاصدها المشروعة أن يكون ذلك بالحسنى، وبالتلميح لا التصريح، وأن تحذر من التقصي في سعيها إلى حقوقها، وأن تكون متسامحة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً فإن هذا أدعى إلى محبته والقرب من قلبه، وهذا كله لا يمنع من المطالبة
стр. 52
بالحقوق، وفي الإشارة ما يُغني عن العبارة.
وهنا تنبيهان الأول حكم العدل بين الزّوجات المسلمات والكتابيّات واجب , قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ القسم بين المسلمة والذّمّيّة سواء، وذلك لأنّ القسم من حقوق الزّوجيّة، فاستوت فيه المسلمة والكتابيّة، كالنّفقة والسّكنى، وهذا عند جميع الفقهاء.
الثاني هل يجوز للمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها أو لبعض ضرائرها أو لهن جميعاً؟ الجواب نعم بشرط رضا الزوج. يقول ابن قدامة: ويجوز للمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها أو لبعض ضرائرها أو لهن جميعا ولا يجوز إلا برضا الزوج لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه
انتهى المغني.
فقه معاملة الناشز:
قال تعالى في حق الناشز بغير حق: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) [النساء:٣٤].
فابدأ مع الزوجة بما بدأ الله به، وهو الموعظة، وذلك بأن تذكرها بالله ، وما أوجب من طاعة الزوج في المعروف، ومن حرمة طلب المرأة الطلاق لغير سبب شرعي، ولا تنس أن تنظر في أوجه القصور منك تجاهها، ومبدأ الخلل نحوها فتصلحه، لعل الأمور تستقيم، فترجع عن نشوزها، فإن لم ترجع وتمادت في عصيانها فاهجرها في الفراش، فإن تمادت فاضربها في غير الوجه والمواضع المخوفة، ضرباً غير مبرح لا يكسر عظماً، ولا يشين جارحة، فهذه سبل الإصلاح في حق الزوجة الناشز الخارجة عن الطاعة، فإن لم تُجْدِ هذه السبل فآخر العلاج الكي، فلك أن تجيبها إلى طلبها الطلاق على أن تعيد لك ما دفعت لها من مهر أو بعضه إلا أن تُسقطه من تلقاء نفسك، قال تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة:٢٢٩].
قال ابن العربي: فقيل والله أعلم أن تكون المرأة تكره الرجل حتى تخاف أن لا تقيم حدود الله بأداء ما يجب عليها له أو أكثره إليه.
ويكون الزوج غير مانع لها ما يجب عليه أو أكثره، فإذا كان هذا حلت الفدية للزوج. اهـ محل الغرض منه.
حكم القسم في المبيت للزوجة الناشز:
قد بين الله حكم الناشز وكيفية معاملة الزوج إياها في قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). فلا إثم على المسلم في المبيت عند زوجته الثانية في نوبة الأولى ما دامت تمنعه من الاستمتاع بها، قال ابن قدامة في المغني: (فإن قسم لإحداهما، ثم جاء ليقسم للثانية، فأغلقت الباب دونه أو منعته من الاستمتاع بها، أو قالت: لا تدخل علي، أو لا تبت عندي، أو ادعت الطلاق، سقط حقها من القسم
انتهى).
وبناءً عليه , فما دام المسلم لا يستطيع القسم لزوجته بسببها هي لنشوزها فلا إثم عليه في عدمه، وينبغي أن يستمر في وعظها وتذكيرها وتوجيه من له وجاهة عندها للصلح والعودة عما هي عليه، ولا ننصحه بالفرقة لمصلحة الأبناء إن كان له منها أولاد، إلا إذا استحكم الشقاق بينهما، ولم يعد يُرجى لهما ألفة ولا استقرار حينئذ يكون الطلاق أولى والفرقة خير.
стр. 53
آداب الجماع:
فللجماع آداب حث عليها الإسلام، وصولاً به إلى العمل الكريم اللائق بالإنسان، وتحقيقاً للأهداف المرجوة من النكاح وهذه الآداب منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب , ومن هذه الآداب:
١ - التطيب قبل الجماع.
٢ - ملاعبة الزوجة قبل الجماع لتنهض شهوتها فتنال من اللذة ما ينال.
٣ - ما يُقال عند الجماع من الذكر المشروع.
٤ - الجماع لا يجوز إلا في الفرج الذي هو موضع الولادة والحرث، سواء جامعها فيه من الأمام أو من الخلف.
٥ - إذا قضى الزوج أربه فلا ينزع حتى تقضي الزوجة أربها.
٦ - تحريم وطء الحائض.
٧ - تحريم الوطء في الدبر.
٨ - تحريم إفشاء ما بين الزوجين مما يتصل بالمعاشرة.
٩ - وجوب الغسل من الجماع ولو لم ينزل.
١٠ - التستر أثناء الجماع.
وأخيراً لا يجوز للمسلم المُعدَد أن يجامع إحدى زوجاته بحضرة أخرى.
حلول لبعض المشاكل الزوجية:
من الحلول لبعض المشاكل الزوجية ومنها المشاكل التي تقع بين أهل الرجل وزوجته إذا كانوا في سكن واحد، ينبغي أن يحاول الرجل التوفيق بين زوجته وأهله والائتلاف بقدر الإمكان وأن يؤنب من كان منهم ظالماً على وجه لبق ولين حتى تحصل الألفة والاجتماع فإذا لم يكن الإصلاح والالتئام فلا حرج عليه أن ينعزل في مسكن وحده بل قد يكون ذلك أصلح للجميع وفي هذه الحالة لا يُقاطع أهله بل يتصل بهم.
وأما حل المشاكل الزوجية التي تكون بين الزوجين فتكون بالتفاهم والتروَي ثم بالموعظة ثم بالهجر ويكون الهجر في المضجع فقط وينام معها في موضع واحد يوليها ظهره ولا يجامعها إلا إذا خشي على نفسه المشقة ثم بالضرب غير المبرح ثم بإرسال حكم من أهلها وحكم من أهله فإن أرادا إصلاحاً يوفق الله بينهما , قال تعالى (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) , وعن عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال (ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن
стр. 54
فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا).
وينبغي بشكل عام قطع أسباب الخلاف كأن يكون هناك من يُفسد الزوجة على الزوج , فللزوج أن يمنع زوجته من زيارة أقاربها إذا ترتب عليها مفسدة باستثناء والديها.
حدود الضرب المشروع للمرأة ومحله:
الضرب الجائز للرجل هو ما يكون في حالة نشوز المرأة وعصيانها بغير حق وبعد أن ينصحها الزوج فلا تنتصح, ويهجرها في الفراش فلا تنته عن نشوزها عند ذلك له أن يضربها بشروط:
أـ أن لا يكون الضرب مبرحاً، أي شديداً بل يكون على وجه التأديب والتأنيب ضرباً غير ذي إذاية شديدة.
ب- أن لا يضربها على وجهها.
ج- أن لا يشتمها أثناء الضرب.
دـ أن يستصحب أثناء هذا، أن القصد حصول المقصود من صلاح الزوجة وطاعتها زوجها، لا أن يكون قصده الثأر والانتقام.
هـ- أن يكف عن هذه المعاملة عند حصول المقصود.
حكم الطلاق:
حكمه جائز إلا أن الطلاق ينبغي أن لا يُصار إليه إلا بعد تعذر جميع وسائل الإصلاح ولا سيما في حال وجود أولاد، وإذا أمكن للزوجين الاجتماع والمعاشرة بالمعروف ولو مع التغاضي عن بعض الهفوات والتنازل عن بعض الحقوق، كان ذلك أولى من الفراق , وفي حالة الطلاق من الفساق ينبغي مراعاة المصحة والمفسدة.
موجبات طلب الزوجة الطلاق:
من موجبات طلب الزوجة الطلاق من زوجها:
١ - إضرار الزوج بها -بغير حق- سواء كان إضراراً مادياً أو معنوياً،، كهجرها بلا موجب شرعي، وضربها كذلك وسبها وسب أبيها، نحو: يا بنت الكلب، يا بنت الكافر، يا بنت الملعون، كما يقع كثيراً من رعاع الناس، ويؤدب على ذلك زيادة على التطليق، كما هو ظاهر، وكوطئها في دبرها.
٢ - إعسار الزوج بنفقة زوجته.
٣ - فقد الزوج بحيث لا يُدرى أحي أو ميت، ولا يُعلم له مكان، ويمضي على ذلك زمان.
٤ - وجود عيب خلقي بالزوج لم تعلم به الزوجة قبل الزواج، ولم يصدر منها ما يدل على رضاها بهذا العيب بعد علمها به، ومن أمثلة ذلك: الجب، وهو استئصال عضو التناسل أو الخصاء، وهو انتزاع الخصيتين، أو العنة، وهي ارتخاء في عضو التناسل يمنع القدرة على المباشرة، أو الجذام، أو البرص , وكذلك يجوز للمرأة طلب الطلاق إذا طرأ شيء من هذه العيوب بعد العقد على الراجح من أقوال العلماء , ومحل ذلك ما لم يصدر منها ما يدل على الرضا كما سبق.
٥ - فسق الزوج وعدم استجابته للنصح والتوجيه.
٦ - إذا وجدت في نفسها نُفرة منه وبغضاً شديداً في قلبها ولو لم تعرف سبب ذلك فإنها معذورة في
стр. 55
طلب الطلاق.
٧ - منع الزوجة مطلقاً وبلا سبب شرعي من رؤية أهلها خصوصاً والديها.
٨ - عجز الزوج عن القيام بحقوق الزوجة كالنفقة والمعاشرة والسكن المستقل ونحوها ويُلحق بذلك بخله الشديد وتقتيره في النفقة بحيث يمنعها الحاجيات.
٩ - إذا تضررت بسفر زوجها كأن سافر الزوج أكثر من ستة أشهر وخافت على نفسها الفتنة.
١٠ - حبس زوجها مدة طويلة وتضررها بفراقه.
• حقوق الجار:
أدلة مشروعية الإحسان إلى الجار:
الوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلماً كان أو كافراً.
قال الله تعالى «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم».
وعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا قال رسول الله ﷺ (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه.
وعن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) رواه مسلم وفي رواية له عن أبي ذر قال (إن خليلي ﷺ أوصاني إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله قال الذي لا يأمن جاره بوائقه) متفق عليه وفي رواية لمسلم (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه البوائق الغوائل والشرور).وعنه قال قال رسول الله ﷺ (يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه.
وعنه أن رسول الله ﷺ قال (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) ثم يقول أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم متفق عليه وقوله مالي أراكم عنها معرضين يعني عن هذه السنة. وعنه أن رسول الله ﷺ قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت) متفق عليه.
وعن أبي شريح الخزاعي ﵁ أن النبي ﷺ قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت) رواه مسلم بهذا اللفظ وروى البخاري بعضه.
وعن عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدى قال (إلى أقربهما منك باباً) رواه البخاري.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ (خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
تعريف الجار:
هو من جاورك جواراً شرعياً , سواءً كان مسلماً أو كافراً أو فاجراً , صديقاً أو عدواً , محسناً أو مسيئاً , نافعاً أو ضاراً , قريباً أو أجنبياً , بلدياً أو غريباً , وله مراتب بعضها أعلى من بعض تزيد
стр. 56
وتنقص بحسب قرابته ودينه وتقواه ونحو ذلك فيُعطى بحسب حاله وما يستحق.
الجوار المعتبر شرعاً:
هو العُرف , والجار مفهومه شامل يشمل الجوار في العمل والمكتب والسوق والمسكن والسفر والزوجة وغيره.
أصول حقوق الجار:
١ - كف الأذى عنه بغير حق. ٢ - حمايته. ٣ - الإحسان إليه. ٤ - احتمال أذاه.
وجماع الوصية بالجار هي إسداء الخير إليه وكف الشر عنه.
ولتعلم أن معاملة الناس معاملة واحدة دون مراعاة لأقدارهم ومنازلهم ودون فهم لطبائعهم ونفسياتهم خطأٌ بيَن بل المعاملة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فللجار العالم حق وللعابد حق وللكبير حق وللصغير حق وللمكافئ حق وللعاصي حق ولليتيم حق وللأرملة حق وللغريب حق وهكذا , فلهذا حق الإجلال والتوقير ولهذا حق الرحمة والشفقة ولهذا حق النصح والملاحظة ولهذا حق التواصي وهكذا ثم إن من الجيران من يكفيه طلاقة المحيا وابتداء السلام ومنهم من تكفيه الزيارة الحولية أو الشهرية ومنهم من يعفو عن حقه كاملاً ومنهم من لا يرضى إلا بالملاحظة الدائمة والملاطفة المستمرة وهكذا.
وهنا تنبيه أخير وهو أن الصبر على أذى الجار محمود مرغب فيه إذا لم يترتب عليه هوان أو مذلة ولم يحصل بسببه ضرر على الإنسان في دينه وعرضه أو كان الجار ممن يُمكن علاجه أو استصلاحه.
كيفية مجاورة الكافر والفاسق بالحسنى:
اعلم أولاً أن هنالك فرق بين أن تصحب الكافر أو أن يصحبك الكافر وبين أن تجاور الكافر أو يجاورك الكافر وذلك أن المسلم إذا ابتلي بهم فصاروا يعيشون بين ظهرانيه جيراناً له كان على من جاورهم أن يُحسن جوارهم , فالإحسان إلى الجار غير المسلم مشروع ومعاملتهم بالحسنى والعدل معهم دون حبهم أو توليهم أيضاً مشروع , وأما حبه وتوليه فذلك قدر زائد على الإحسان , ولا يجوز الإساءة إليه بحجة أنه كافر ما داموا مقيمين على العهد.
ولتعلم أن هناك أحكام يُشرع للحاكم إقامتها فإن لم يُقمها فقد يُشرع للمسلم المحكوم أحكام قد تناقض الأحكام الموكلة للحاكم ظاهرياً مثل أن الحاكم يجب عليه ألا يستقدم الكفار لجزيرة العرب للاستيطان بها وفي ذات الوقت أُمر المسلم في جزيرة العرب بأن يُحسن للكفار المقيمين إقامة أبدية وذلك باعتبار أنه أمر واقع.
وبالجملة على العاقل ألا يصاحب ولا يجاور من الناس ماستطاع إلا ذا فضل في العلم والدين والأخلاق , والجار الكافر في السوق وفي الدار وفي العمل ينبغي مجاورته بالمعروف وعدم أذاه أما من جعل إجابة دعوتهم ديدنه وعاشرهم وباسطهم فإن إيمانه يرق , وأما إذا كان الجار مسلم لكنه صاحب كبيرة فلا يخلو , إما أن يكون متستراً بها ويغلق بابه عليه فليعرض عنه ويتغافل عنه وإن أمكن أن ينصحه في السر ويعظه فحسن , وإن كان متظاهراً بفسقه مثل مكاس أو مرابي فاهجره هجراً جميلاً وكذا إن كان تاركاً للصلاة في كثير من الأوقات فمره بالمعروف وانهه عن المنكر مرة بعد أخرى وإن لم يستجب فاهجر مصاحبته من غير أن تقطع عنه كلامك وسلامك وهديتك وزيارتك أحياناً فإن رأيته متمرداً عاتياً بعيداً عن الخير ضالاً مُضلاً تخشى على نفسك التأثر به فأعرض عنه واجهد أن تتحول من جواره فقد تعوذ النبي ﷺ من جار السوء في دار الإقامة.
стр. 57
• حقوق الأولاد:
حكم تربية الأبناء:
تربية الأبناء واجبة قال الله تعالى «وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها» , وقال تعالى «يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً» وعن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والأمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته فكلكم راع ومسئول عن رعيته) متفق عليه.
ومن نماذج تربية النبي ﵊ لمن تحت ولايته ما يلي: فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع) حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن.
وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (علموا الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر سنين) حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولفظ أبي داود مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين.
وعن أبي هريرة ﵁ قال أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ (كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة) متفق عليه وفي رواية إنا لا تحل لنا الصدقة وقوله كخ كخ هي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات وكان الحسن ﵁ صبيا.
وعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله ﷺ قال كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ (يا غلام سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك فما زالت تلك طعمتي بعد) متفق عليه وتطيش تدور في نواحي الصفحة.
كيفية تربية الأبناء:
فإن موضوع تربية الأطفال طويل، ولا يتسع المقام للتفصيل فيه، إلا أننا نذكر فيه أفكاراً عامة وضوابط مهمة:
- فمنها: اختيار الزوجة الصالحة التي ستتولى تربية الأطفال فيما بعد، وهذا أمر مهم جداً، لأنه أول لبنة توضع في أساس هذا البناء، بل هو حجر الأساس فيه وهذا في الأعم الأغلب.
- ومنها: الإتيان بالذِّكْرِ المشروع عند إتيان الزوجة.
- ومنها: الأذان في أذن المولود اليمنى، والإقامة في اليسرى.
- ومنها: العقيقة عنه، وتسميته التسمية الحسنة.
стр. 58
- ومنها: تعليمه القيم والأخلاق في الخمس السنوات الأولى، في أول وقت يستطيع فيه أن يفهم ذلك، فإن التربويين يقولون: إن القيم التي تغرس في الخمس السنوات الأولى من عمر الطفل هي التي تحدد مسيرته في الحياة فيما بعد.
- ومنها: تعليمه الصلاة لسبع سنين، وضربه عليها لعشر.
- ومنها: إلحاقه بحلقات التحفيظ من صغره.
- ومنها: توفير البرامج الثقافية المتطورة، كالفيديو، والكمبيوتر، ونحوها , بشرط أن تكون منضبطة بضوابط الشرع.
- ومنها: اختيار الرفقة الصالحة له، فلا يلهو ولا يرتبط إلا بأبناء أسر معروفة بالالتزام والحرص على تربية أبنائها تربية صالحة.
- ومنها: إشغاله في وقت المراهقة بالنافع، لأن الفراغ في هذه المرحلة مدمر للأخلاق.
- ومنها: إشعاره في هذه المرحلة بأنه قد صار رجلاً يعتمد عليه، لأنه يحس ذلك من نفسه، فإذا لم يجد في البيت من يشبع له ذلك الإحساس، طلبه في جلساء السوء.
ومنها: تزويجه إذا بلغ وكان عند الوالد إمكانية لذلك.
والأفكار في ذلك كثيرة، ومن أراد الاستزادة، فليراجع الكتب المتخصصة في ذلك.
حكم التفضيل في العطية بين الأولاد:
مذهب الجمهور في حكم التسوية بين الأولاد الاستحباب إلا أن الراجح أنه تجب التسوية بين الأولاد في العطية إلا أن يكون لتفضيل بعضهم على البعض وجه شرعي مثل حاجة أحد الأولاد (لمرض – لكثرة عيال – لاشتغال بطلب العلم) أو صرف العطية عن أحد الأولاد (لفسقه – لاستعانته بما يأخذه على معصية الله) ونحو ذلك. فالواجب على الوالد أن يحفظ الود في قلوب أبنائه فيما بينهم باجتناب ما يُضاد ذلك. فعن النعمان بن بشير ﵄ قال: «إِن أباهُ أتى به رسولَ الله ﷺ . فقال: إِني نَحَلْتُ ابني هذا غُلاما كان لي. فقال رسولُ الله ﷺ : أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسولُ الله ﷺ : فارجعْهُ».وفي رواية قال: «تَصَدَّقَ عَليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أُمِّي عَمْرَةُ بنتُ رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسول الله ﷺ . فانطلق أبي إِلى النبي لِيُشهده على صدقتي. فقال له رسولُ الله ﷺ : أفعلتَ هذا بِوَلَدِكَ كُلِّهِم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله، واعْدِلُوا في أولادكم، فرجع أبي، فَرَدَّ تلك الصدقة».
وأما كيفية التسوية في العطية بين الأولاد فالمُرجح هو أن تتساوى الأنثى مع الذكر وقيل للذكر مثل حظ الأنثيين.
وعلى هذا فلا يجوز تفضيل بعض الأبناء على بعض في الهبة والعطية دون سبب شرعي, وضابط التفضيل المحرم بين الأولاد هو كل تفضيل من غير حاجة ولا مسوغ معتبر يورث البغضاء والشحناء والتنافر في قلوب الإخوان، ويُذكي العداوات بين الأولاد.
كيفية التعامل مع الأولاد الفساق:
ولبيان هذه المسألة أنقل ما وقفت عليه من استفتاء لأحد أهل العلم المُعاصرين فهذا سائل يشكو أحوال أبنائه وذكر منهم من يصلي الفجر والبعض منهم لا يصلي أحياناً وهم يسكنون معه في البيت وقد استخدم معهم جميع الوسائل ولم ينجح في استصلاحهم فهل يترك هذا السائل السكن ويبتعد عنهم؟
стр. 59
فأجابه ابن عثيمين ﵀: (الذي أرى ألا تترك السكن وتبتعد عنهم لأنك إذا ابتعدت عنهم ربما يزداد تهاونهم في الصلاة وكونك تبقى معهم ترعاهم وتغلبهم أحياناً ويغلبونك أحياناً خير من كونك تتخلى عنهم فإن الغالب في أمثال هؤلاء أنهم إذا خلوا وأنفسهم ازدادوا تهاوناً وكسلاً ثم إنه قد يكون في تخلفك عنهم تفرق العائلة وتمزقها فالذي أشير به عليك أن تبقى معهم وأن تناصحهم وتحذرهم أحياناً وترغبهم أحياناً وتسأل الله لهم الهداية
انتهى).
الأحق بالحضانة للأولاد وحق ولاية البنت في الزواج:
الأم المطلقة لها حق حضانة الأطفال حتى يبلغوا سن التمييز مالم تُنكح والأب ليس له حق الحضانة مادام فاسقاً إلا أنها تصح , ولا يُترك المحضون بيد من لا يصونه ويصلحه , وتصح حضانة الرقيق والفاسق والمتزوجة خصوصاً إذا رضي زوجها.
وأما حق ولاية البنت في الزواج فاعلم أن فسق الولي لا يُسقط ولايته على الراجح، ولا يصح النكاح دون إذنه ما لم يثبت عضله لموليته من نكاح الأكفاء المرضيين ديناً وخلقاً.
(شبهات وإشكالات)
ما حكم اعتزال الوالدين اللذين عندهما معاص ظاهرة؟ وإذا كان اعتزالهم محرماً، فما تأويل اعتزال إبراهيم لأبيه وهو خليل الله؟
إن كان المقصود باعتزال الوالدين اجتناب ما هم فيه من باطل ومعصية فهذا أمر واجب، قال سبحانه (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
وقال:﴾ وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴿.
وإن كان المقصود باعتزال الوالدين هجرهما، فإن هجرهما لا يجوز بحال إلا إذا تعينت مقاطعتهم طريقاً لاستصلاحهم فتجوز حينئذ في حدود ضيقة على رأي بعض أهل العلم، فقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز الهجر للوالدين المسلمين إذا كان في مصلحة شرعية؟
فأجاب: نعم، إذا كان في هجر الوالدين مصلحة شرعية لهما فلا بأس من هجرهما، لكن لا يقتضي ذلك منع صلتهما، صلهما بما يجب عليك أن تصلهما به، كالإنفاق عليهما، في الطعام والشراب والسكن وغير ذلك
انتهى لقاء الباب المفتوح.
وأما ما وقع من إبراهيم ﵇ هو أنه أولاً ترك ما عليه قومه من الباطل والتزم الحق، ولذلك قال فيما حكى الله عنه:﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴿.
قال ابن كثير في تفسيره وهو يبين معنى هذه الآية: أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله،﴾ وَأَدْعُو رَبِّي ﴿أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له. اهـ.
ثم إن إبراهيم ﵇ بعد أن رأى أباه يتوعده بقوله فيما ذكر الله عنه في كتابه:﴾ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿.
فأجابه إبراهيم ﵇ بقوله:﴾ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿.
وقرر بعد ذلك أن يُهاجر بدينه لا أن يهجر والديه، كما هاجر النبي ﷺ وأصحابه
стр. 60
وتركوا الآباء والأمهات، قال ابن كثير في تفسيره عند كلامه عن قول الله تعالى من سورة العنكبوت:﴾ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿.
قال: يحتمل عود الضمير في قوله: وقال ـ على لوط، لأنه أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم - قال ابن عباس، والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله:﴾ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴿. أي: من قومه.
ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك. اهـ.
عن سمرة بن جندب ﵁: قال: «أَمَا بعدُ، فإِن رسولَ الله ﷺ قال: مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ وسكنَ معه فَإِنَّهُ مثْلُهُ».وفي رواية قال: «لا تُساكِنوا المشركين، ولا تجامِعُوهم، فَمَن ساكَنَهُم أو جَامَعَهُم فهو منهم». هل المساكنة الواردة في الحديث تشمل مساكنة الأهل كالزوجة الكتابية وكمن يسكن مع والديه الكافرين؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فمعنى هذا الحديث يظهر بمعرفة سببه، فعن جرير بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأمر لهم بنصف العقل الدية وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين.
وفي رواية "لا تُساكِنوا المشركين، ولا تجامِعُوهم، فَمَن ساكَنَهُم أو جَامَعَهُم فهو منهم." رواه الترمذي وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني.
ومعنى الحديث كما أفاده الشراح: وجوب الهجرة من ديار الكفر لمن عجز عن إقامة شعائر دينه.
جاء في فيض القدير عند شرح هذا الحديث " وأفاد الخبر وجوب الهجرة أي على من عجز عن إظهار دينه وأمكنته بغير ضرر" انتهى.
فظهر بذلك أن المراد هو الإقامة في ديار المشركين، ولذلك بوب عليه الترمذي باب: (ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين) وأما مساكنة الوالدين الكافرين والزوجة الكتابية في ديار المسلمين فلا يدخل في هذا، وبرهما والإحسان إليهما مع كفرهما فرض عين والله أعلم.
يقول الرسول ﷺ : «لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِناً، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ»
هل نهي النبي ﷺ هنا محمول على التحريم أم على الكراهة؟ خاصة إذا كانت المصاحبة للفاسق المسلم الذي يحب الله ورسوله ولا تتضمن المشاركة في الحرام، أو الإقرار عليه. وما المقصود بالمؤمن؟ هل هو من معه أصل الإيمان وعُلم من حاله أنه يحب الله ورسوله؟ أم هو المؤمن العدل؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد حذر الشرع من مصاحبة أهل الشر، ومثل لذلك بمثل يوجب التنفير منهم، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة.
وقد نهانا النبي ﷺ عن مصاحبة غير المؤمنين ومخالطة غير المتقين، فقال صلى
стр. 61
الله عليه وسلم: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. رواه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي. وقال ﷺ : لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه الألباني.
وقال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه **** فكل قرين بالمقارن مقتدي.
وأما النهي: فقد حمله بعضهم على الكافر والمنافق، وحمله بعضهم على من كان ناقص الإيمان، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قوله: لا تصاحب إلا مؤمناً ـ أي كاملاً، بل مكملاً، أو المراد منه النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين، لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد بالمؤمن من جنس المؤمنين. انتهى.
وقال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير: وكامل الإيمان أولى، لأن الطباع سراقة ولذلك قيل: ولا يصحب الإنسان إلا نظيره**** وإن لم يكونوا من قبيل ولا بلد.
فصحبة الأخيار تورث الفلاح والنجاح ومجرد النظر إلى أهل الصلاح يؤثر صلاحاً والنظر إلى الصور يؤثر أخلاقاً وعقائد مناسبة لخلق المنظور وعقيدته كدوام النظر إلى المحزون يحزن وإلى المسرور يسر والجمل الشرود يصير ذلولاً بمقارنة الذلول، فالمقارنة لها تأثير في الحيوان، بل في النبات والجماد ففي النفوس أولى وإنما سمي الإنسان إنساناً، لأنه يأنس بما يراه من خير وشر
انتهى. ويستثنى من هذا النهي ما إذا كانت مصاحبتهم لأجل النصيحة والدعوة إلى الخير، مع أمن التضرر والتأثر بهم والانجرار إلى المعاصي بسببهم، فهذا مما يندب وقد يجب بحسب طمع العبد في هداهم، وقد قال النبي ﷺ : الدين النصيحة. رواه مسلم.
وقال ﷺ : لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم. متفق عليه.
ويُستثنى من النهي أيضاً مصاحبة الزوجة الكتابية والوالدين المشركين والأقارب بالمعروف وصحبة العمل والسفر للمشرك بالمعروف ونحو ذلك.
فمعنى الحديث كما بيَنَا أي لا تصاحب إلا مؤمن ولا يأكل طعامك إلا تقي ما لم تكن هناك مصلحة شرعية راجحة مثل نصيحة المدعو أو صلة رحم أو حاجة أو نحوها من المصالح الشرعية الراجحة والله أعلم.
هل هنالك تعارض بين الولاء والبراء الشرعي وبين الإذن بالزواج من الكتابية ومعاشرتها بالمعروف والأمر ببر الوالدين الفاسقين والوالدين المشركين وصلة الرحم الفاجرة والكافرة وعدم وجوب الطلاق بين الزوجة المؤمنة الصالحة من زوجها الفاسق المسلم والعكس؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فيا أخي الكريم اعلم أولاً أن أهل العلم قرروا أن محبة عصاة المؤمنين الراجح شرهم على خيرهم وأهل البدع (غير المكفرة) محبةً طبيعية مكروه ولا يصل إلى درجة التحريم وبغضهم دينياً مُستحب ولا يصل إلى درجة الوجوب وعلى هذا لا يجب وجوبًا مطلقًا قطع الموالاة بين الفساق والعصاة من المسلمين وبين بقية المسلمين كما هو الشأن مع الكفار الخارجين على الإسلام , ولتعلم أن مباسطة الفاسق المسلم ومضاحكته إلى حد معين ومعقول بحيث لا يُظهر ما هو فيه من منكر غير محرمة
لا سيما مع من يُخالطهم المسلم ومن له حق في الصلة كالأقارب وخاصة إذا كانت المبادرة منه في المضاحكة وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار، كان يلقب حماراً. وقال ابن حجر: كان يهدي إلى النبي ﷺ ويضحكه في كلامه .. وهو رجل من أصحاب رسول الله
стр. 62
صلى الله عليه وسلم - كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) مع أنه ﷺ لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه.
وبناءً على ما سبق فإنه في هذه الحال يزول الإشكال في الأمر ببر الوالدين الفاسقين وصلة الرحم الفاسقة التي لا تزال في دائرة الإسلام وعدم وجوب المفارقة بين الزوجين اللذين أحدهما فاسق مسلم والآخر مؤمنٌ تقي.
ثانياً بالنسبة للتوفيق بين الولاء والبراء الشرعي وبين الأمر ببر الوالدين المشركين وصلة الرحم الكافرة وصحبتهم بالمعروف فإليك الجواب على هذا الإشكال:
بدايةً لا يخفى على المسلم أن الشارع أوجب البر بالوالدين الكافرين وأمر بصلة الرحم الكافرة استحباباً وقيل رخَص فيها , وأهل العلم قد اتفقوا على أن الصلة والبر والإحسان الذي لا يستلزم التحابب والتوادد للأرحام الكفار وغيرهم مشروع باتفاق أهل العلم كالصلة بالمال وتفقد أحوالهم والنفقة عليهم والإعانة على نوائب الحق وومساعدة فقرائهم والمحتاجين منهم، وعيادة مرضاهم , واتباع جنائزهم، وقبول هداياهم، والإهداء لهم، وتهنئتهم في الأفراح، وتعزيتهم في الأحزان، وزيارتهم في منازلهم، وقبول دعوتهم، والدعاء لهم بالهداية، ومعاملتهم بالتي هي أحسن، وكل صلة ظاهرة تدل على الرحمة لا المودة مشروعة وخاصة ما كان يُراد به وجه الله , وهذا مما أجمع عليه المسلمون ولا مخالف لذلك ممن لهم رأيٌ يُعتد به.
واتفق أهل العلم أيضاً على أن محبة الخير والهداية للناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم والرحمة والشفقة عليهم مشروعة ولا علاقة لها بالبراء الشرعي من المشركين , بل إن شفقة المؤمن على الكافر لقرابته أو لإحسانه وكذلك خوف المؤمن على قومه وعشيرته من عاقبة ما هم فيه من الكفر ورحمتهم لا تُنافي كمال الإيمان المستحب ناهيك عن الواجب فهذا نوح قال الله عنه يوم الطوفان
﴾ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿وقوله لقومه بعد أمرهم بتوحيد الله﴾ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿فنوح يُشفق على ابنه الكافر وعلى قومه الكفار ومنه قول إبراهيم لأبيه﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿, وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال:
" يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: " إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " فإبراهيم يُشفق على أبيه الكافر , ومن ذلك قول شعيب لقومه بعد نصحه لهم﴾ َإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴿, ومن ذلك أيضاً قول هود لقومه بعد وعظهم﴾ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿, ومن ذلك أيضاً قول مؤمن آل فرعون لقومه بعد تذكيرهم بالله﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿, وعن أبي هريرة ﵁، قال (زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي) ومن المعلوم أن البكاء والشفقة لا يكونان إلا من ميل قلبي جبلي لا يُؤاخذ عليه الإنسان.
стр. 63
وعلى هذا فالبر بالوالدين الكافرين وصحبتهم في الدنيا معروفاً وصلة الرحم الكافرة والإحسان إليها لا إشكال فيه شرعاً ألبته إلا أنه ينبغي أن يُعلم بأن مشروعية ما قررناه من التعامل بالإحسان والبر بالوالدين الكافرين وصحبتهما بالمعروف وصلة الرحم الكافرة والزواج من الكتابية المُحصنة العفيفة يكون دون موالاتهم على الوجه المحرم وطاعتهم فيما يريدون من الشرك ومعصية الله تعالى أو شهودهم وهم على منكراتهم أو تعظيمهم على النحو المنهي عنه ويجب أن تكون الصلة والإحسان إليهم مع البراءة منهم, وقد أوجب الشرع البراء من المشركين والولاء لله سبحانه بأن يتبرأ الإنسان من كل ما تبرأ الله منه كما قال عن موقف إبراهيم ﵇ من أبيه المشرك (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) وقوله سبحانه (َياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء) , وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ جهاراً غير سر يقول (إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين ولكن لهم رحم أبلها ببلالها) متفق عليه واللفظ للبخاري, وقد كان رسول الله ﵊ يصل ذوي رحمه وأقاربه من غير أن يُؤثرهم على من هو أفضل منهم, وقال الله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) , وقد قال الله سبحانه فيما يختص بالأقارب الكفار (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ.) وينبغي التنبه إلى أن الممنوع في هذه الآية باتفاق أهل العلم هو المحبة الدينية, وأما المحبة الطبيعية لغير الدين فقد رخص فيها بعض أهل العلم مع وجوب بغض دينهم , والذي ينبغي من جهة الكمال أن يكون تعامل المرء مع عموم الكفار تعاملاً ظاهرياً بالعدل ولا يكون في قلبه ميل لهم ولا مودة لهم خروجاً من خلاف أهل العلم، وإنما إذا أحسنوا إليه فإنه يُحسن إليهم, وليفعل المسلم ما هو أصلح لقلبه والله تعالى أعلم.
ثم إنه لا تنافي بين البراء من الكفار لأجل كفرهم ومواصلتهم والبر بهم والإحسان إليهم لا سيما الوالدين والأقارب والأزواج، وكيف يكون في الأمر تناقضٌ وقد جاء من عند الله وفي كتابه، وهو القائل) وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (أي أن كتابه لا تناقض فيه بحال , فالولاء للإسلام أعظم منزلة من منزلة البر وحسن الصحبة للكفار ولذلك يُضحي المسلم بذوي القرابة والنسب من الكفار عندما تتعارض مع مطالب العقيدة الإسلامية , وعلى هذا فلا موالاة للكفار أو الوالدين من غير المسلمين بالبر والمعروف لأن الموالاة للكفار مطلقاً إنما تكون بمساواتهم مع المؤمنين أو تنزيلهم منزلة أقرب من منزلة أهل الإسلام أو التنازل عن شيء من أحكام الإسلام استجلاباً لمودتهم وحصول رضاهم.
وبهذا يتبين أن الموالاة والنصرة على الدين والمحبة الدينية تختلف عن البر والإحسان إلى الكافر القريب أو الوالد.
ثالثاً: وأما كيف يمكن الجمع والتوفيق بين آيات النهي عن مودة الكفار وعن موالاتهم وبين المودة والرحمة التي ذكرها الله تعالى بين الزوجين وهي قوله تعالى في سورة الروم ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ (سورة الروم ٢١).وفي النهي عن مودّة الكفار وموالاتهم يقول الله تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوآدُّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم
﴾ الآية (سورة المجادلة ٢٢).فالله تعالى نهى عن مودة من حاد الله ورسوله وعن مودة الكافرين سواء من المشركين أو من أهل الكتاب, علماً بأن الزواج من الكتابية فيه مودة ويترتب على هذه المودة
стр. 64
محبة بل وقد يترتب عليها مناصرة أيضاً وهذا إشكال ويمكن الجواب عليه بما يلي: أولاً:. أن الآية التي نهت عن موآدّة الكفار آية عامة, ولم يصرح فيها بالنص على عدم موآدّة الزوجة غير المسلمة. ثانياً:. "إن الزوجة الكتابية هي بمثابة ذوي القرابة من غير المسلمين كالوالدين ونحوهما, فإن الله أمر بمصاحبة الوالدين إذا كان غير مسلمين بالمعروف قال تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ (سورة لقمان آية ١٥) ثالثاً: إن البر بالكفار سواء كانوا من القرابة مثل الوالدين والزوجة أو من غيرهم من الكفار لا يعني ذلك مودتهم في القلب من كل وجه ولا يعني ذلك أن يتنازل المسلم عن شيء من أحكام الإسلام طلباً لرضاهم وودّهم.
رابعاً: أن المودة بمعنى المحبة, والمحبة نوعان محبة طبيعية كمحبة الإنسان لزوجته وولده وماله ومحبة دينية, كمحبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله, ورسوله من الأعمال, والأقوال, والأشخاص. ولا تلازم بين المحبتين بمعنى: أن المحبة الطبيعية قد تكون مع بغض ديني, كمحبة الوالدين المشركين فإنه يجب بغضهما في الله وقيل يكفي بغض دينهما فحسب , ولا ينافي ذلك محبتهما بمقتضى الطبيعة, فإن الإنسان مجبول على حب والديه, وقريبه, كما كان النبي ﷺ يحب عمه لقرابته مع كفره قال الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (سورة القصص ٥٦).
ومن هذا الجنس محبة الزوجة الكتابية فإنه يجب بغضها لكفرها بغضاً دينياً, وقيل يكفي بغض دينها فحسب ولا يمنع ذلك من محبتها المحبة التي تكون بين الرجل وزوجه, فتكون محبوبة من وجه, ومبغوضة من وجه.
خامساً: إن النساء الكتابيات اللاتي يتزوجن بالمسلمين لا يقعن تحت مفهوم من يحاد الله ورسوله الوارد في قوله تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ (المجادلة ٢٢) وذلك لضعفهن وقصورهن وتبعيتهن للأزواج, يقول تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحبّ المقسطين﴾ (الممتحنة ٨). وقد ذكر أهل العلم من المفسرين لهذه الآية أن المراد بها النساء والصبيان فبرهم وصلتهم غير محرّمة ما داموا بهذا الوصف, وإنما الذين نهانا الله عن موالاتهم هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ (الممتحنة ٩) ومن المعلوم أن المرأة الكتابية التي رضيت بالزواج من المسلم ودخلت تحت ولايته غير داخلة تحت من لا تصح موالاتهم في هذه الآية, وبهذا نستطيع الجمع بين آية الولاء والبراء وآية المودّة الزوجية وبالله التوفيق.
وأخيراً أخي القاريء بعد الجواب على هذا الإشكال أود أن أُشير إلى أن منشأ الخلاف في الحقيقة هو قوله تعالى (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
. الآية) والقول الحق والصواب الذي لا ينبغي أن يُختلف فيه وهو ما أدين الله به هو أن على المسلم تحقيق الإيمان بالله واليوم الآخر على وجه الكمال الواجب وفي ذات الوقت يُصاحب والديه المشركين بالمعروف ويُحسن لزوجته الكتابية وألا يُشغل نفسه في قضية بغضهم من عدمه , والإيمان بالله واليوم الآخر مقصود لذاته أما بغض الوالدين المشركين والزوجة الكتابية في الله مقصود لغيره وهذا على مذهب من يرى وجوب بغضهما في الله , والولاء والبراء سيأتيه تباعاً بلا تكلف باعتبار تحقيقه لهذه الآية , ويدلك على أن ما ذهبت إليه هو الصواب والحق بإذن الله هو أن هذه الآية تتكون من جزأين الجزء الأول وهو قوله (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) ومعناه تحقيق الإيمان بالله واليوم الآخر على وجه الكمال الواجب وتفسير
стр. 65
هذا الجزء بما فسرناه هو ما ذهب إليه جميع العلماء بلا خلاف , وأما الجزء الثاني من الآية وهو قوله (يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فإن أهل العلم اختلفوا في تفسيرها فمنهم من قال أن معنى الآية أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين لله ورسوله فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر فإذا وجد الإيمان انتفى ضده وهو موالاة أعداء الله سواءً كانوا مُحاربين أو مسالمين. ومن العلماء من قال أن الآية على ظاهرها لكن من حاد الله ورسوله هو الكافر المحارب دون المسالم وقال آخرون أن المراد بالآية هو المودة الدينية ولا علاقة لها بالمودة الطبيعية وقال آخرون أن الموادة لا تعني المحبة وفرقوا بينهما وقالوا أن الموادة هي الحب الكثير الذي يحمل على فعل المحرم أو ترك الواجب أو بمعنى آخر هو تقديم محبة المحاد لله ورسوله محبة طبيعية على محبة الله ورسوله في حال التعارض. وبهذا يتبين لك أن ما ذهبنا إليه هو الحق بإذن الله , ودليل ذلك أن الآية تتكون من جزأين , جزء مُحكم وجزء متشابه والراسخون في العلم والذين يبتغون الحق هم من يردَون المتشابه إلى المُحكم فعلى المسلم أن يحقق الإيمان بالله واليوم الآخر وفي ذات الوقت يُقيم شرع الله فيمن له حق واجب من الصحبة بالمعروف كوالديه المشركين وزوجته الكتابية وألا يُشغل نفسه في قضية بغضهم من عدمه فقد كفاه الله ما أهمه في حال تحقيقه للإيمان , والذي ينبغي من جهة الكمال أن يكون تعامل المرء مع الكفار تعاملاً ظاهرياً بالعدل ولا يكون في قلبه ميل لهم ولا مودة لهم خروجاً من خلاف أهل العلم، وإنما إذا أحسنوا إليه فإنه يُحسن إليهم, وليفعل المسلم ما هو أصلح لقلبه والله تعالى أعلم.
تنبيه مهم: اعلم أن معاشرة الكافر والفاسق المسلم ممن لهم حق واجب في الصلة والعشرة تختلف عن معاشرة غيرهم ويُغتفر فيها مالا يُغتفر في غيرها ويدلك على هذا أن بعض أهل العلم ذكر أنه إذا طلب أحد الوالدين الكافرين من ولدهما إيصالهما إلى الكنيسة لعجزه عن الوصول إليها، فالواجب على الولد إيصاله إليها، نص على هذا فقهاء المالكية , وقال ابن عاشور قال فقهاؤنا: (إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر لأن شرب الخمر ليس بمنكر للكافر، فإن كان الفعل منكراً في الدينين فلا يحل للمسلم أن يُشايع أحد أبويه عليه) , وذكر بعض أهل العلم أن الزواج بالكتابية يستلزم أيضاً السماح لها بالبقاء على دينها إن شاءت وعدم الوقوف في وجه أدائها لشعائر هذا الدين إن أرادت وأن لا تُجبر على الإسلام ولا تدخل فيه إلا برضاها وهذا من المعلوم من الدين ضرورة لا يماري فيه إلا جاهل, وقرر أهل العلم بأن الوالدين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس الأب كالأجنبي وكذلك ألحقوا بهما الأزواج وقالوا إذا رأى الولد مُنكراً من والديه يأمرهما فإن قبلا فبها وإن كرها سكت عنهما , وأقوال أهل العلم في هذا الباب كثيرة وهي إن دلت على شىء فهي تدل على ما قررناه ابتداءً من أن معاشرة الكافر والفاسق المسلم ممن له حق واجب في الصلة والعشرة تختلف عن معاشرة غيرهم ويُغتفر فيها مالا يُغتفر في غيرها.
وختاماً: هذا ما من الله به، ثم ما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصل إليه الفهم المتواضع، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن فيه خطأ أو نقص فتلك سنة الله في بني الإنسان، فالكمال لله وحده، والنقص والقصور واختلاف وجهات النظر من صفات الجنس البشري، ولا أدعي الكمال، وحسبي أني قد حاولت التسديد والمقاربة، وبذلت الجهد ما استطعت بتوفيق الله - تعالى-، وأسأل الله أن ينفعني بذلك، وينفع به جميع المسلمين؛ فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
стр. 66
تنبيه: أعتذر لكل الأخوة القراء لعدم عزو المعلومات المسطرة في هذه الرسالة إلى مصادرها كما ينبغي , والسبب في ذلك أن أصل هذه الرسالة كان ملخصاً شخصياً ولم أكن أنوي وقتها نشرها بين الناس وبالتالي لم أهتم بمصادر المعلومات ولكن لمَا كثرت المادة لدي ارتأيت نشرها لتعم الفائدة للجميع , فجزى الله كل من ساهم في هذه الرسالة مساهمة مباشرة أو غير مباشرة كالذين نقلت عنهم ولم أذكر أسماءهم للسبب المذكور أعلاه وجعلها في موازين حسناتهم.
لإبداء الملاحظات والاقتراحات فيرجى التواصل على البريد الإليكتروني:
wBadrany@hotmail.com أخوكم أبو فيصل البدراني.
стр. 67
قائمة ببعض مراجع هذه الرسالة
- القرآن الكريم.
- كتب الصحاح والسنن والمسانيد.
- تفسير الإمام الطبري "جامع البيان عن تأويل آي القرآن ".
- تفسير ابن كثير.
- تفسير البغوي: معالم التنزيل.
- تفسير الإمام ابن الجوزي "زاد المسير في علم التفسير.
- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية.
- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للمؤلف: محمد بن علي بن محمد الشوكاني ﵀.
- تفسير الإمام القرطبي المالكي (الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان).
- أحكام القرآن لابن العربي.
- أحكام القرآن للجصاص.
- تفسير الجلالين.
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀.
- تفسير التحرير والتنوير للمؤلف: محمد الطاهر بن عاشور.
- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي.
- تفسير المنار للمؤلف: محمد رشيد رضا.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني.
- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي.
- تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري.
- عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق العظيم أبادي.
- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر ﵀.
- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار لابن عبد البر ﵀.
- سبل السلام في شرح بلوغ المرام للصنعاني ﵀.
стр. 68
- تطريز رياض الصالحين للمؤلف: فيصل بن عبد العزيز آل مبارك ﵀.
- دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لابن علان الصديقى.
- غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني.
- الآداب الشرعية للمؤلف: عبد الله بن محمد بن مفلح المقدسي ﵀.
- المغني لا بن قدامة.
- المجموع للنووي.
- روضة الطالبين للنووي.
- المفصل في شرح آية الولاء والبراء للمؤلف: علي بن نايف الشحود حفظه الله.
- الولاء والبراء تأليف: مها البنيان رحمها الله.
- أصول وضوابط في مجانبة الكافرين للمؤلف: ناصر العقل حفظه الله.
- الموالاة والمعاداة عند أهل السنة والجماعة للمؤلف: عبد الله بن عبد الحميد الأثري حفظه الله.
- من مفاهيم عقيدة السلف الصالح: الولاء والبراء في الإسلام للمؤلف: محمد بن سعيد القحطاني حفظه الله.
- حقيقة الولاء والبراء في الكتاب والسنة بين تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وبراءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الطائفتين للمؤلف عصام السناني حفظه الله.
- الولاء والبراء بين الغلو والجفاء في ضوء الكتاب والسنة للمؤلف: الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله.
- الحب والبغض في الله في ضوء الكتاب والسنة للمؤلف: سليم بن عيد الهلالي حفظه الله.
- الخلُق الحسن في ضوء الكتاب والسنة للمؤلف: سعيد بن علي بن وهف القحطاني حفظه الله.
- مهارات التعامل مع الناس للمؤلف: ماجد بن سعود بن عبدالعزيز آل عوشن حفظه الله.
- فن التعامل مع الناس للمؤلف: عبد الله الخاطر حفظه الله.
- فن التعامل مع الناس للمؤلف: علي بن إبراهيم اليحي حفظه الله.
- زاد الداعية إلى الله للمؤلف: محمد بن صالح العثيمين ﵀.
- المفصل في أحكام الهجرة للمؤلف: علي بن نايف الشحود حفظه الله.
- فتاوى سليمان الماجد حفظه الله.
- فتاوى ابن باز ﵀.
- مجموع فتاوى ابن تيمية ﵀.
- فتاوى ابن عثيمين ﵀.
- فتاوى اللجنة الدائمة.
- مركز الفتوى من موقع إسلام ويب.
- مختصر دعوة أهل البدع للمؤلف: خالد بن أحمد الزهراني حفظه الله
- دروس في شرح نواقض الإسلام للمؤلف: صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله.
- الاستهزاء بالدين للمؤلف: أحمد بن محمد القرشي حفظه الله.
стр. 69
- الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للمؤلف: صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله.
- سلسلة أخطاء في السلوك والتعامل: كتاب سوء الخلق (مظاهره _ أسبابه _ علاجه) للمؤلف: محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله.
- سلسلة أخطاء في السلوك والتعامل: كتاب أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة للمؤلف: محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله.
- سلسلة أخطاء في السلوك والتعامل: كتاب التقصير في حقوق الجار للمؤلف: محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله.
- إحياء علوم الدين للمؤلف أبي حامد الغزالي ﵀.
- إعلام المسلمين بوجوب مقاطعة المبتدعين والفجار والفاسقين للمؤلف: محمد الزمزمي حفظه الله.
- موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع للمؤلف: إبراهيم الرحيلي حفظه الله.
- حكم الهجر والقطع بين الحلال والحرام في الشرع للمؤلف: محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله.
- الهجر في الكتاب والسنة للمؤلف: مشهور بن حسن سلمان حفظه الله.
- مطلع الفجر في فقه الزجر بالهجر للمؤلف: سليم بن عيد الهلالي حفظه الله.
- التعامل مع المبتدع بين رد بدعته ومراعاة حقوق إسلامه للمؤلف: حاتم بن عارف العوني حفظه الله.
- هجر المبتدع للمؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله.
- الزجر بالهجر للمؤلف: جلال الدين السيوطي ﵀.
- تصنيف الناس بين الظن واليقين للمؤلف بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه) للمؤلف: خالد بن عثمان السبت حفظه الله.
- مباحث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمؤلف: سعد بن ناصر الحمادي حفظه الله.
- حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأركانه ومجالاته للمؤلف: حمد بن ناصر العمار حفظه الله.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في تحقيق الأمن للمؤلف: عبد العزيز بن فوزان الفوزان حفظه الله.
- الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس للمؤلف: محمد بن صالح المنجد حفظه الله.
- تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمؤلف: عبد الله بن صالح القصير.
- رسالة إلى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر للمؤلف: عبد الله جار الله بن إبراهيم الجار الله ﵀.
- المفصل في أحكام الهجرة للمؤلف: علي بن نايف الشحود حفظه الله.
стр. 70
- بحث منشور على النت عن الفسق (تعريفه وأحكامه وضوابطه) من إعداد أبو عبد الله الساحلي حفظه الله.
- الفسق وأحكامه في الفسق الإسلامي للمؤلف: بسام بن محمد صهيوني.
- التكفير وضوابطه للمؤلف: إبراهيم الرحيلي حفظه الله.
- تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين للمؤلف: محيي الدين أبي زكريا أحمد بن إبراهيم بن النحاس الدمشقي ﵀.
- الستر على أهل المعاصي (عوارضه _ ضوابطه) في ضوء الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح للمؤلف: خالد بن عبد الرحمن الشايع حفظه الله.
- الستر على أهل المعاصي عند أهل الحسبة للمؤلف: مبارك بن يحي العمري حفظه الله.
- الانترنت وبعض المصادر الأخرى التي لم يتيسر لي استحضارها.