← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96245

المسلم وحقوق الآخرين

أبو فيصل البدراني

Полный текст (70 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

"بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , أما بعد: فهذه رسالة تُلقي الضوء حول حقوق الآخرين وموقف المسلم منها كحسن الخلق وبر الوالدين وصلة الأرحام والجيران وحقوق الزوجية والأولاد , وقد جمعت فيها مسائل مهمة متفرقة عن هذا الموضوع , وهي مقرونة بالأدلة الشرعية إلا أن بعض المسائل في هذه الرسالة مُجرَدة عن الأدلة بُغية الاختصار والاختزال

стр. 2

(الحقوق العامة) • حسن الخلق: تعريف الخُلُق عموماً: الخلُق هو الطبع والسجيَة، والخُلُق هو حال النفس , بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار، والخلُق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعاً، وفي بعضهم لا يكون إلا بالرياضة والاجتهاد. تعريف سوء الخلق: سوء الخلق هو بذل القبيح وكف الجميل. ولسوء الخلق مظاهر عديدة وصور شتى، تنم عنه، وتدل عليه. مظاهر سوء الخلق: الغلظة والفظاظة , وعبوس الوجه , وتقطيب الجبين , وسرعة الغضب، والمبالغة في اللوم والتوبيخ , والكبر وهو رد الحق واحتقار الناس, والسخرية بالآخرين , والتنابز بالألقاب , والغيبة , والنميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد وسماع كلام الناس بعضهم ببعض وقبول ذلك دون تمحيص وتثبيت , والتجسس والتحسس وينبغي للمسلم الاكتفاء بالظاهر ويكل أمر الباطن للعليم الخبير , ومقابلة الناس بوجهين , وإساءة الظن , وإفشاء الأسرار , والمؤاخذة بالزلة خاصة إذا كانت يسيرة أو كانت صادرة من شخص له فضل , وعدم قبول الأعذار إذ على المسلم ذو الخلق الحسن قبول العذر ولو كان المعتذر كاذباً , والتهاجر والتدابر , والحسد هو تمني زوال نعمة المحسود , والحقد وهو القلب الأسود الذي لا يعفو ولا يصفح ولا ينسى الإساءة ويغل ويغيظ , ومجاراة السفهاء , وقلة الحياء , والبخل وهو أبواب كثيرة ومنها ما يكون بالمال والجاه والعلم وغيره , والمنة في العطية ونحوها , وإخلاف الوعد والكذب , وكثرة المزاح والإسفاف فيه , والفخر بالنسب , وقلة المراعاة لأدب المحادثة وقلة المراعاة لأدب المجالس , وسوء التعامل مع الوالدين , وسوء العشرة مع الزوجين , وسوء الخلق من بعض الزوجات , وسوء معاملة الخدم والعمال , وسوء الأدب من بعض الخدم والعمال , والتقصير في حقوق الجيران وسوء الأدب مع الجيران وغير ذلك. وهنا ثلاث تنبيهات على ما تقدم أما التنبيه الأول وهو أنه لا يدخل في سوء الظن المذموم الظن بمن أورد نفسه موارد الريب , ولا يدخل فيه أيضاً من أساء الظن بعدوه الذي يخاف منه ولا يأمن مكره بل يلزمه سوء الظن به وهو من تمام الاحتراز وليس من الحزم والكياسة أن يُحسن المرء ظنه بكل أحد ويثق به ثقة مطلقة. أما التنبيه الثاني فهو أن المنة في العطية مذمومة بإطلاق إلا في حالتين فيستحب فيهما تعداد الأيادي والإحسان وهما المعاتبة والاعتذار وفي غيرهما هو في غاية القبح , وكما قيل لا يكون المعروف معروفاً إلا بالتعجيل والتصغير والستر. وأما التنبيه الثالث والأخير أن المذكور أعلاه عن مظاهر سوء الخلق لا يعني أنها على إطلاقها بل هناك استثناءات لبعضها ولولا خشية الإطالة لبسطنا الموضوع وذكرنا هذه الاستثناءات. أسباب سوء الخلق:

стр. 3

طبيعة الإنسان، وسوء التربية المنزلية، والبيئة والمجتمع، والظلم، والشهوة، والغضب، والجهل، والولاية أو العزل وصاحب المروءة لا تطيش به الولاية في زهو ولا ينزل به العزل في حسرة , ومن أسباب سوء الخلق الغنى، والشهرة وبُعد الصيت، وكثرة الهموم، والأمراض، وكبر السن، وضيق العطن والغفلة عن عيوب النفس، واليأس من إصلاح النفس، ودنو الهمة، والتقصير في أداء الحقوق، وقلة التناصح والتواصي بحسن الخلق، والتكبر من قبول النصيحة الهادفة والنقد البناء، وقلة التفكير في أمور الآخرة، ومصاحبة الأشرار، وقلة الحياء، والطمع والجشع، وجماع ذلك كله ضعف الإيمان. كيفية علاج سوء الخلُق: سوء الخلق كغيره من الأدواء، فله أسباب تجلبه، وبواعث تحركه، وعلاج سوء الخلق يكمن في قطع أسبابه ومعرفة ضده وهو حسن الخلق، ومعرفة فضائله، وأساب اكتسابه. حسن الخُلُق تعريفه وجماعه وأركانه: أما تعريف حسن الخُلُق فهو بذل الندى, وكف الأذى، واحتمال الأذى. أما جماعه فجماع الخُلُق الحسن أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيادة له وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض , وجماعه أيضاً العفو والصفح عن المسيئين واحتمال الجنايات والعفو عن الزلات ومقابلة السيئات بالحسنات , وأن يكون المسلم سهل العريكة لين الجانب طليق الوجه قليل النفور طيب الكلمة , وبعض هذا واجب وبعضه مستحب, وقد كان رسول الله ﷺ يتألف أهل الشرف بالبر لهم، ويصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، وما كان يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح , ويُحسَن الحسَن ويصوَبه، ويُقبَح القبيح، والذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويُعرض عمن تكلم من غير جميل. أما أركانه فحسن الخلق يقوم على أربعة أركان أولاها الصبر, وثانيها العفة, وثالثها الشجاعة, ورابعها العدل. أدلة مشروعية حسن الخلُق: أدلة مشروعية حسن الخلُق كثيرة ومنها ما يلي: قال الله تعالى «وإنك لعلى خلق عظيم». وقال تعالى «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس» , وعن أنس ﵁ قال" كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلقاً " متفق عليه. وعنه قال "ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ولا شممت رائحة قط أطيب من رسول الله ﷺ ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي قط أف ولا قال لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا " متفق عليه. وعن النواس بن سمعان ﵁ قال " سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال (البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال " لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول (إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً) " متفق عليه. وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله يبغض الفاحش البذي) رواه الترمذي , وقال حديث

стр. 4

حسن صحيح , والبذي هو الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام. وعن أبي هريرة ﵁ قال "سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال (تقوى الله وحسن الخلق) وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال (الفم والفرج) رواه الترمذي , وقال حديث حسن صحيح. وعنه قال قال رسول الله ﷺ (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي , وقال حديث حسن صحيح. وعن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح , والزعيم هو الضامن. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون قال المتكبرون) رواه الترمذي , وقال حديث حسن, والثرثار هو كثير الكلام تكلفاً والمتشدق المتطاول على الناس بكلامه ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه والمتفيهق أصله من الفهق وهو الامتلاء وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه ويغرب به تكبراً وارتفاعاً وإظهاراً للفضيلة على غيره. مشروعية حسن الخلق مع الناس جميعهم: اعلم أخي القارىء الكريم أن على المسلم تجاه الآخرين حق حسن التعامل والخُلُق معهم جميعاً مؤمنهم وكافرهم ولا يُستثنى من ذلك الحق إلا الكافر المحارب والعاصي المجاهر حال مجاهرته بذات المنكر لا بأثره أو ما كان لمصلحة راجحة كهجر المسلم العاصي لعله يتوب وهذا مع رجاء توبته وإلا فلا , والذي يدل على ما قررناه قوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ولم يظاهروا أي يعاونوا على إخراجكم كالنساء والضعفة منهم (أن تبروهم) أي تحسنوا إليهم (وتقسطوا إليهم) أي تعدلوا (إن الله يحب المقسطين) انتهى). وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت قدمت علي أمي وهى راغبة أفأصل أمي قال " نعم صلي أمك " متفق عليه , وقال شيخ المفسرين ابن جرير ﵀ في ختام تفسير هذه الآية (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عمّ بقوله: (الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصصْ به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو

стр. 5

سلاح. قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها انتهى). ويقول الله سبحانه (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) وهذا عام , بل قيل أن للمحارب حظاً من الإحسان الذي لا يؤدي إلى تعظيم شعائر الكفر أو الإعانة على الباطل أو يدل على مودتهم كما قال تعالى في وصفه للأبرار (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا) , ومن المعلوم أنه لم يكن وقت نزول الآية أسيراً إلا الكافر المحارب. قال ابن الوزير اليماني ﵀ في كتابه إيثار الحق على الخلق " وأما المخالفة والمنافعة وبذل المعروف وكظم الغيظ وحسن الخلق واكرام الضيف ونحو ذلك فيستحب بذله لجميع الخلق إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذلة فلا يبذل للعدو في حال الحرب كما أشارت إليه الآية: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" كما يأتي انتهى". وعلى هذا فالواجب على المسلم أن يُخالق الناس بخلق حسن، حيثما كان في بلاد المسلمين أو خارج بلاد المسلمين، فقد بُعث النبي ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، وإن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم كما دل عليه الحديث، وأول بركات حسن الخلق أنه يفتح لصاحبه مغاليق القلوب، ويؤلف عليه النفوس فتُصغي إليه وتقدر منهجه ودعوته، ويكون ذلك طريقاً قاصداً لقبولها للإسلام أو لحسن الظن به وعدم معاداته على الأقل، وقد أمرنا الله بالبر والقسط بالمسالمين لنا من غير المسلمين كما ذكرنا. وقد أوصانا الله ورسوله ﷺ بالجار ولو كان من غير المسلمين، فقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) والجار الجنب في بعض أوجه تفسيرها هو الجار غير المسلم، وكلنا يعلم قصة اليهودي الذي كان يؤذي النبي ﷺ وكان يرفق به ويحسن إليه ولا يُقابل إساءته بمثلها وكان ذلك سبباً في إسلامه، وقيل أن الصاحب بالجنب هو الذي يلصق بك رجاء خيرك , وقيل الرفيق. واعلم أخي القارىء أنه لامانع من إكرام الضيف الكافر لكن مع عدم إتحافه بالطُرف واللُطف والانبساط إليه كما تنبسط مع إخوانك المسلمين المتقين. وعلى كل حال فالذي نوصي به هو حُسن الخلق، فهؤلاء الغير مسلمين لهم حق الجوار وحق الدعوة، فحق الجوار يقتضي الإحسان إليهم، وحق الدعوة يقتضي الصبر عليهم ومداراتهم وتألف قلوبهم بالإحسان إليهم والتجاوز عن هفواتهم، ولا تعارض بين هذا الذي نقول وبين الولاء الذي جعله الله وقفاً على أهل الإسلام وحدهم، فإن الموالاة المحرمة شيء وحسن الخلق الواجب والمأمور به شيء آخر،، وأما إن قُصد بحسن الخلق ما هو أبعد من ذلك كاتخاذ الكفار بطانة من دون المؤمنين، وخاصة خلطاء يُفضي إليهم المرء بمكنون نفسه ويتابعهم ويقرهم على ما هم عليه ويعينهم على مذاهبهم الباطلة ويسكن إليهم في مشورته وتدبير أموره دون بقية المسلمين فهذا الذي حرمه الله ورسوله , علماً بأن الولاء يعني المحبة الدينية والنصرة على الدين وعلى هذا فلا يلزم من حسن الخلق والمعاملة الولاء , وينبغي التفريق بين البغض في الله وكراهة المنكر وبين أداء الحقوق والواجبات وحسن الخلق , وقد يُعامل المؤمن جميع الناس بالصفح والعفو اللائق بمقامه وشرفه كما قال تعالى (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ

стр. 6

ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) , فقد قال ابن جرير في تفسير هذه الآية (القول في تأويل قوله : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له، فلا تمنعهم الصدقة انتهى). من فضائل حسن الخلق: الامتثال لأمر الله، وطاعة للرسول ﷺ ، والاقتداء بالرسول ﷺ وهو عبادة عظيمة، ورفعة للدرجات، وأعظم ما يُدخل الجنة، ويورث كسب القلوب، وتيسير الأمور، ومدعاة للذكر الحسن، والسلامة من شر الخلق لأن صاحب الخُلق الحسن لا يقابل الإساءة بالإساءة وإنما يقابلها بالصفح والعفو والإعراض وربما قابلها بالإحسان، والقرب من مجلس النبي ﷺ يوم القيامة، ومحبة الله، وأثقل شيء في الميزان يوم القيامة، وزيادة الأعمار وعمارة الديار، والتوصل للحق، وزيادة العلم، وحصول الخيرية، والوفاء بالحقوق الواجبة والمستحبة والإنصاف، وراحة البال وطيب العيش، وحصول الوئام والاتفاق التام في المجتمع، وبه يتمكن المرء من إصلاح ذات البين، ويستر العيوب , وغير ذلك. أسباب حسن الخلق: سلامة العقيدة، والدعاء، والمجاهدة، والمحاسبة ولكن لا يحسن المبالغة لأن ذلك قد يؤدي إلى انقباض النفس وانكماشها، والتفكر في الآثار المترتبة على حسن الخلق، والنظر في عواقب سوء الخلق، والحذر من اليأس من إصلاح النفس، وعلو الهمة، والصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل , وتكلف البشر والطلاقة، والتغاضي والتغافل وما كان في حق النفس فلا خلاف فيه، والحلم، والإعراض عن الجاهلين، والترفع عن السباب إلا أن الاستهانة بالمسيء قد عُد من مستحسن الكبر، ونسيان الأذية، والعفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان، والسخاء، ونسيان المعروف والإحسان إلى الناس , والرضا بالقليل من الناس وترك مُطالبتهم بالمثل وذلك بأن تأخذ العفو من أخلاق الناس فتقبل أعذارهم وتتساهل وتترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقائق بواطنهم، وقبول النصح الهادف والنقد البناء، وقيام المرء بما يسند إليه من عمل على أتم وجه، والتسليم بالخطأ إذا وقع والحذر من تسويفه، ولزوم الرفق، ولزوم التواضع، واستعمال المداراة والمداراة تتأكد مع من لابد لك من معاشرته أو ممن يُتوقَع منه الأذى وهي في العادات مطلوبة ما لم تكن إثماً , ولزوم الصدق، وتجنب كثرة اللوم والتعنيف على من أساء، وتجنب الوقيعة، ومصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة، والاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات، وأن ينتفع الإنسان بكل من خالطه وصاحبه، وتوطين النفس على الاعتدال, والمحافظة على الصلاة , والصيام , وقراءة القرآن بتدبر وتعقل , وتزكية النفس بالطاعة , ولزوم الحياء , وإفشاء السلام , وإدامة النظر في السيرة النبوية , والنظر في سير الصحابة الكرام , وقراءة سير أهل الفضل والحلم , وقراءة كتب الشمائل والكتب في الأخلاق , والاطلاع على الحكم المأثورة , ومعرفة الأمثال السائرة. وهنا تنبيهان على ما تقدم التنبيه الأول وهو أنه قد يظن ظان أن العفو عن المسيء والإحسان إليه مع القدرة عليه موجب للذلة والمهانة وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء , وهذا خطأ لأن العفو والحلم لا يشبه بالذلة بحال فإن الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب الكرامة أما الحلم فهو إغضاء الرجل

стр. 7

عن المكروه حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعه ومهابة فالعفو إسقاط حقك جوداً وكرماً وإحساناً مع قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزاً وخوفاً ومهانة نفس وهو غير محمود بل لعل المنتقم بالحق أحسن حالاً منه. والتنبيه الثاني عن معنى المداراة , فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء ولين الكلام وتجنب ما يُشعر ببغض أو غضب أو استنكار إلا في أحوال يكون الإشعار به خيراً من كتمانه , فمن المداراة أن يجمعك بالرجل يُضمر لك العداوة في مجلس فتقابله بوجه طلق وتقضيه حق التحية وترفق به في الخطاب وذلك أن حقيقة المداراة كما عرفها أهل العلم: هي التلطف في المعاملة ومحاذرة إثارة سخط الناس بقصد جلب مصلحة شرعية أو دفع مفسدة شرعية وقد تكون المداراة بالقول كلين الكلام وقد تكون بالفعل كالهبة والهدية وسائر ألوان الإحسان وهي مشروعة مستحسنة إذا لم يترتب عليها تفويت مصلحة شرعية وقد تصبح واجبة إذا ترتب على تركها مفسدة من ردة أو فسق أو ظلم مسلم أو نحو ذلك. حكم المجاملة: إن كانت المجاملة يترتب عليها جحد حق أو إثبات باطل لم تجز هذه المجاملة , أما إن كانت المجاملة لا يترتب عليها شيء من الباطل إنما هي كلمات طيبة فيها إجمال ولا تتضمن شهادة بغير حق لأحد ولا إسقاط حق لأحد فلا حرج في ذلك. تعريف المداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يُظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه أو كان له حق على المسلم كوالديه. وعرَف بعض أهل العلم المداراة بأنها بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا , وأصلها المدارأة من الدرء وهو الدفع, ومن ذلك اتقاء الفسقة والظلمة ببعض الكلمات الحقة، وبالتبسم في وجوههم، من غير إقرار لهم أو معاونة، فإن ذلك من المداهنة المحرمة. وقيل هي: ملاينة الناس ومعاشرتهم بالحسنى من غير ثلم في الدين، في أي جهة من الجهات، والإغضاء عن مخالفاتهم في بعض الأحيان, والمدارة هي درء الشر المُفسد بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف أشد منه أو مقدار ما يساويه ولكن ليُعلم أن المداراة وردت في الإقبال وفي الكشر والتبسم، فأما الثناء -أي على الفاسق- بما ليس فيه فهو كذب صراح، ولا يجوز إلا لضرورة أو إكراه يُباح الكذب بمثله، بل لا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير، على كل كلام باطل، فإن فعل ذلك فهو مُداهن، بل ينبغي أن يُنكر، فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه , والله أعلم. تعريف المداهنة: فسر العلماء بأن المداهنة هي معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه. وقيل أن المداهنة هي ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي أو هي المعاشرة والاستئناس مع وجود ذات المنكر لا أثره والقدرة على الإنكار. حكم المداراة وحكم المداهنة: يقول أهل العلم أن الإغضاء يختلف حكمه بحسب الباعث فإذا أغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء منه فهذه مداراة محمودة , وإن أغضيت عن فعل محرم وترك واجب

стр. 8

أو أغضيت لحظ نفسك واستجلاب شهواتك وسلامة جاهك فهذه مداهنة محرمة. وعلى هذا فالمداراة مشروعة وهي من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول كما بينا، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء كما ذكرنا بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه. الفوارق بين المداراة والمداهنة: ١ - المداراة محمودة والمداهنة مذمومة. ٢ - المداراة ترجع إلى حسن اللقاء وطيب الكلام والتودد للناس وتجنب ما يشعر ببغض أو سخط أو ملالة وكل ذلك من غير ثلم للدين في جهة من الجهات. ٣ - من المداراة أن يلاقيك ظالم فتطلق له جبينك وتحييه في حفاوة لعلك تحمي جانبك من ظلمه أو اتقاء فحشه. ٤ - من المداراة التلطف في الاعتذار. ٥ - من المداراة أن تخالط الناس فتسايرهم بالخير وتعاشرهم بالمعروف وتزايلهم بالشر وتفارقهم بالمنكر. ٦ - من المداراة مجاراة الناس في عاداتهم وأعرافهم وكل هذا مشروط بألا يكون فيما يأتي ويذر محذور شرعي. ٧ - من المدارة أن تسعى لطلب حقك فلا تقدر على ذلك بالغلبة والاستعلاء فتلجأ إلى الترفق وحسن المداراة. ٨ - المداراة يُبتغى بها رضى الناس وتأليفهم في حدود ما ينبغي أن يكون فلا يبعدك عنها قضاء بالقسط أو إلقاء النصيحة في رفق. ٩ - المداراة ترجع إلى ذكاء الشخص وحكمته , والمداراة في غير الدين أي في العادات هي من باب حسن الخلق. ١٠ - من المداراة الثناء على الرجل بما فيه إذا قصدت حمله إلى ما هو أرفع أو أن تقصره عما هو فيه من القبيح. ١١ - من المداراة أن تُذكَر المرء بسالف مجد آبائه ليحذو حذوهم. ١٢ - من المداراة أن تُحرَك في الشخص نخوته. ١٣ - من المداراة السعي في الصلح بين اثنين وتنمية قول الخير بينهما وغض الطرف عما قالاه في بعض من سوء. ١٤ - من المدارة النصيحة بطريق غير مباشر بحيث لا تواجه المنصوح بما يكره ما أمكن. ١٥ - من المداراة أن تعرض بالشيء وأنت تريد غيره والتعريض بالنصيحة مطلوب شرعاً أحياناً. ١٦ - من المدارة استعمال المعاريض وهي ألفاظ ذات وجهين أحدهما غير حقيقي وهو ما يسبق إلى فهم المخاطب وثانيها حقيقة وهو ما يقصده المتكلم ومراد المتكلم باللفظ أن يوري على السامع لموجب شرعي بشرط ألا تفوت حقاً أو تثبت باطلاً. ١٧ - من المداراة أن يوجه الداعي أو الناصح الإنكار إلى نفسه وهو يعني السامع. ١٨ - حقيقة المداهنة هي إظهار الرضا بما يصدر من الظالم أو الفاسق من قول باطل أو عمل مكروه

стр. 9

وهي تضم بين جناحيها الكذب وإخلاف الوعد , ومن المداهنة أن تثني على الرجل في وجهه بما ليس فيه من غير إكراه فإذا انصرفت عنه أطلقت لسانك في ذمه بغير حق, ومن المداهنة أن يدخل الرجل على من يضطره الحال إلى الثناء عليه مع استغنائه عن الدخول عليه ثم يبدأ بالثناء عليه بما ليس فيه واطرائه أما المضطر فهو في سعة أن يطريه بمقدار ما يخلص من بأسه. ١٩ - من المداهنة معاشرة الفاسق ومخاللته مع الرضى بما هو عليه من المعاصي وعدم الإنكار عليه. ٢٠ - السكوت عن المنكر بموجب شرعي مداراة والسكوت عنه بموجب الهوى مداهنة. ٢١ - المداراة هي درء الشر المفسد بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس، أما المداهنة فهي ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني فالاستئناس والمعاشرة مع وجود ذات المنكر لا أثره دون الإنكار هي المداهنة. ٢٢ - ليست من التقية من يفعل المحرم تودداً إلى الفساق أو حياءً منهم وإن قال خلاف الحقيقة كان كاذباً آثماً وكذا من أثنى على الظالمين أو أعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم وحسن طريقتهم لتحصيل المصلحة منهم دون أن يكون عليه خطر منهم لو سكت. ٢٣ - الفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً وهي مباحة وربما استحبت , والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا. ٢٤ - من المداراة الإحسان إلى من يكره الإنسان وذلك لا يُعد نفاقاً بشرط أن لا يمدحه ولا يثني عليه بما ليس فيه، ولين الكلام وخفض الجناح وبذل المعروف من مكارم الأخلاق وهو من حسن العشرة لاسيما إذا كان مع من يكره. وعموماً أخي المسلم خالط الناس بأعمالك وزايلهم بالقلوب وليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً حتى يجعل الله له منه فرجاً, وقال بعضهم خالص المؤمن مخالصة، وخالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر. واعلم أخي أن المداري يبذل الدنيا ليصون دينه وعرضه، والمداهن يبذل دينه ليحصل لعاعة من الدنيا، فالمداراة خلق المؤمن والمداهنة خلق المنافق. وقد قال تعالى): ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم ﴿فصلت: ٣٤﴾. وقال ابن عباس في معنى قوله (وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي الفحش والأذى بالسلام والمداراة. كيفية التعامل مع من يُعاديك ويُبغضك: ينبغي التعامل مع من تعرف منه العداوة والبغضاء والحسد بالمجاملة وعدم الخشونة وإن أمكنك الوصول إلى أعلى الدرجات وهي قوله تعالى (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فهو المطلوب. حقوق المسلم العامة: عن البراء بن عازب ﵄ قال (أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام) متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس) متفق عليه.

стр. 10

آداب عيادة المريض: عن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني) رواه البخاري , والعاني هو الأسير. وعن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال (إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع قيل يا رسول الله وما خرفة الجنة قال جناها) رواه مسلم جناها أي واجتني من الثمر. وعن على ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُمسي وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح وكان له خريف في الجنة) رواه الترمذي وقال حديث حسن والخريف هو التمر المخروف أي المجتني. وبعد هذه الأحاديث الواردة في فضل عيادة المريض فإنه ينبغي لعائد المريض أن تكون زيارته على وجه في وقت يرضاه المريض ويأنس به فلا يزوره في وقت يكره زيارته فيه ويُطلب من الزائر أمور: من أهمها قلة السؤال عن حاله، وإظهار الشفقة عليه من ذلك المرض، وقلة الجلوس عنده إلا أن يطلب منه ذلك، والدعاء له، ووضع يده على بعض جسده إلا أن يكون يكره ذلك، وأن يجلس عنده بخشوع من غير نظر في عورة منزله، وأن يبشر بالمثوبات للمريض. أما المريض فإنه ينبغي له المحافظة على طاعة ربه في مرضه فلا يُضيعها بقدر استطاعته وأن يُكثر الرجاء ولا يقنط من عفو ربه ولا يُكثر الشكوى إلا عند صالح تُرجى بركة دعوته , وأن لا ينطق لسانه بالكلام الذي لا ينبغي في حق الباري ويعلم أن الله هو المالك للعباد يفعل فيهم كيف شاء فإن خفف فبمحض فضله وإن شدَد فبعدله , وأن يعتقد أن الشافي هو الله وأن يعلم أن جواز التداوي لا يُنافي التوكل والاعتماد على الله سبحانه , وأما عيادة الكافر المريض فهي لا تُستحب إلا إذا غلب على الظن تحقق مصلحة من ورائها كاستجابة الكافر إلى الدعوة إلى الإسلام والسنة أو تحقق بها أمر مشروع كصلة رحم أو إحسان إلى جار ونحو ذلك، فعن أنس ﵁ قال كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول (الحمد لله الذي أنقذه من النار) رواه البخاري. حكم إجابة الدعوة: الوليمة إن كانت للنكاح فإجابتها واجبة على من دُعي إليها بعينه أما إن كانت عامة ولم يُعيَن أحد فلا يجب عليه -غير المعين- حضورها وإن كان يستحب إجابتها, وإذا كان في الوليمة من يتأذى بهم لم يجب الحضور, وإذا كانت الوليمة لغير النكاح فلا تجب إجابته ولو عُيَن بالدعوة فيها ولكن يُستحب. حكم إجابة الوليمة المشتملة على منكرات: من دُعي إلى وليمة مشتملة على منكر من المنكرات لا يخلو من ثلاث حالات: ١ - أن يعلم قبل ذهابه أنَ ثمَ مُنكراً في الوليمة وكان قادراً على تغييره فهذا يُلبي الدعوة ويُغيَر المنكر. ٢ - أن يعلم أن ثمَ منكراً قبل ذهابه وعلم من نفسه عدم المقدرة على تغييره فهذا يحرم عليه تلبية الدعوة وحضورها , والمنكر مثل وجود الخمر والكفر بآيات الله والاستهزاء بها. ٣ - أن يحضر من غير علم بوجود منكر ثم يعلم به بعد حضوره فيجب عليه الإنكار حينئذٍ فإن زال المنكر جلس وإن لم يزل انصرف.

стр. 11

٤ - أن يعلم بوجود منكر ولكنه لا يراه ولا يسمعه فهو مُخيَر حينئذ بين البقاء وبين الانصراف. وعلى كل حال ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار إلا لموجب شرعي مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه ولا بد فيه من حضوره أو يكون مكرهاً. أحكام رد السلام: رد السلام واجب إلا على من كان في صلاة أو أكل أو كان في قراءة وكذلك في انشغاله بالأدعية أو الذكر أو كان في خطبة أو تلبية أو في قضاء حاجة الإنسان أو في الإقامة أو آذان أو حاجم أو ناعس أو نائم أوحالة الجماع أو التحاكم أو كان في الحمام أو في حال تسلَيم الطفل أو السكران أو شابة يُخشى بها افتتان أو مجنوناً , وإذا مر واحد مسلم على جماعة فيهم مسلمون ولو واحداً والبقية كفار فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم. • فقه التعامل مع الناس: مهارات التعامل مع الناس: قواعد ومهارات التعامل مع الناس كثيرة وقد جمعت بعضاً منها وجعلتها على هيأة نقاط: - يتأكد ويتعين الخلق الحسن في الدعوة إلى الله. - من لم يتخلق بالخلق الحسن ينفر الناس من دعوته ولا يستفيدون من علمه وخبرته. - إرضاء الناس يكون مذموماً إذا كان بسخط الله أما ما سوى ذلك فلا. - اعطاء الناس حقوقهم على اختلاف مراتبهم أمر مطلوب شرعاً أما طلب رضاهم فهو غير مطلوب على سبيل الوجوب لأنه أمر مستحيل في حالات كثيرة. - لم يجعل الله رضا أحد من خلقه شرطاً لرضاه ولكن جعل إعطاء الناس حقوقهم من موجبات رضاه وفرقٌ بين المسألتين. - التعامل مع الناس يختلف باختلاف عقولهم ومداركهم وغير ذلك. - التعامل مع علية القوم يختلف عن التعامل مع عموم الناس. - قبل النصيحة اعلم أنه ليس في كل حال تفتح لك القلوب وتصغي لك الآذان. - امدح الآخرين بما فيهم من خير. - إذا أردت أن تُقنع محدثك بوجهة نظرك فابدأ بسؤاله أسئلة يكون جوابها نعم. - لا تُجالس أحداً بغير طريقته ما لم يكن إثماً. - شجع السلوك الطيب في الناس وحاول تنميته. - الناس في حاجة إلى من يعرف ما يشغل بالهم وما هي اهتماماتهم , ويحبون من يُنصت لهم ويلخص ما يقولون ويناقشهم فيه ويقدم لهم الهدايا ويقضي حاجتهم. - يرفض الناس الذل ولكنهم لا يكرهون الخدمة والعمل. - الناس يحبون من يصحح أخطائهم دون تجريح لمشاعرهم. - انتبه جيداً إلى المواضع التي قد يرغب الشخص الآخر تفادي الحديث عنها. - إذا كنت لا تريد أن تلتزم بموعد محدد فعليك بالغموض. - ألزم الصمت إذا كان موضوع الحديث فوق تصورك.

стр. 12

- الناس يكرهون من ينسب الفضل لنفسه. - الناس يحبون من يُظهر الاهتمام بهم , ومن يستمع إلى حديثهم ومن يُقدَرهم ويحترمهم ومن يناديهم بأحب الأسماء إليهم ومن يُصحح أخطاءهم دون جرح مشاعرهم , كأن تقول له أنت تصلح لغير ذلك بدل أنت لا تصلح لكذا , والناس يحبون الشكر والتشجيع وهو لا بأس منه شرعاً. - إذا أردت أن توقف محدثك الذي استأثر بالحديث فوجه إليه سؤالين أو ثلاثة من الأسئلة التي تستدعي إجابات قصيرة. - إذا التقيت اثنين من علية القوم فلا تحتف بأحدهما وتتجاهل الآخر. - يُجمع الصغار والكبار على كراهية أن نقارنهم بغيرهم. - أشعر من تمازحه أنك تحترمه. - ينبغي للمسلم أن لا يمنع ما يضره. - تكلم فيما يسر الناس في غير إثم. - يشرع الاعتراف بالخطأ ولو لم تكن مخطئاً للم الشمل ما لم يكن الاعتراف بالخطأ يُثبت باطلاً أو يفوت حقاً. - ينبغي تحمل المخالف أياً كانت مخالفته مع الإنصات له وعدم مقاطعته حتى ينتهي من حديثه. - إذا أردت أن تُسمع محدثك وجهة نظرك المخالفة لما يقول فعليك أن تقول كلاماً محايداً قبل أن تقول ما يخالفه. - إذا كان الشخص يتحفز بالترغيب فوافقه على ذلك أو بالترهيب فوافقه على ذلك. - إذا أردت أن تنصح أحداً بشيء فقدمه في صورة اقتراح أو فكرة أو رأي. - عندما تناقش أحداً فابدأ بالمتفق عليه لا المختلف عليه. - قبل توجيه النقد لأحد ابدأ بالثناء على أمر جيد يتحلى به. - ألفت النظر إلى الأخطاء بشكل غير مباشر. - تكلم عن أخطائك قبل أن تنتقد الآخرين. - قدم اقتراحات مهذبة ولا تُصدر أوامر صريحة. - دع المنصوح يحتفظ بماء وجهه. - اجعل الغلطة التي تُريد إصلاحها تبدو ميسورة التصحيح واجعل العمل الذي تريد أن يُنجز سهلاً هيناً. - لا تكن متصيداً لكل شيء صغيراً كان أو كبيراً، حتى ولو أخطأ الناس أثني عليهم وأشعرهم بقيمتهم. - اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضاً ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيباً. الأصول الرئيسية في التعامل مع الناس: من أصول التعامل مع الناس ما يلي: ١ - الدفع بالتي هي أحسن. ٢ - كظم الغيظ والعفو عن الناس.

стр. 13

٣ - الحلم والأناة. ٤ - التغافل, والمتغافل هو المتجاهل عن الشيء وهو عارف به , ومن الإنكار أحياناً الإعراض والتغافل. ٥ - المجادلة والمحاورة بالتي هي أحسن ولو كان المُجادل كافراً, وينبغي أن يكون القصد منها هداية الخلق وبيان الحق لا المغالبة وحب العلو. ٦ - الزهد فيما عند الناس , والأولى ادخار المال والاستغناء عن الناس ليخرج الطمع من القلب ويصفو نشر العلم من شائبة ميل , وينبغي في طلب الرزق الإجمال في الطلب وهو الاعتدال مع عدم التفريط. ٧ - فقه التعامل مع أناس مخصوصين، ومنهم ما يلي: أالتعامل مع الغضبان: متى رأيت صاحبك قد غضب وأخذ يتكلم بما لا يصلح فلا ينبغي أن تؤاخذه بما يقول بل اصبر على فورته وانظر إليه بعين الرحمة إليه وعامله بلطف ولين، وعلى الغضبان إن كان واقفاً أن يجلس وإن كان جالساً اضطجع وعليه بالتعوذ من الشيطان الرجيم وأن يتوضأ وأن ينصرف عن مكان الغضب ويخلو وحده خاصة إذا لم يكن عنده من يُهدَيه ويُطيَب خاطره. ب التعامل مع أهل الكتاب والكفر عموماً: أن نبرهم في كل أمر بشرط ألا يكون ظاهره مودة القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر. وبالنسبة لرد السلام على الكافر يكون بـ (وعليكم) فقط عند الشك وعدم تحقيق السامع من نطق السلام أما إذا قال الكافر السلام عليكم فيُقال له من باب العدل وعليكم السلام, أما النهي الوارد في الحديث المعروف عن البداءة في السلام عليهم هو إذا كان لغير سبب يدعوك إلى أن تبدأهم من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لك قبلهم أو حق صحبة أو جوار أو سفر, وأما رد السلام فالجمهور يرون وجوبه , وينبغي أن يُعلم أنه يستحب هجر الكلام والسلام ابتداءً على الكافر إذا كان مُظهراً لعادات الكفر متلبساً بأفعال الكفار بين المسلمين. أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة: من الأخطاء في أدب المحادثة والمجالسة التي ينبغي للمسلم اجتنابها ما يلي:- الثرثرة وهي كثرة الكلام تكلفاً بلا فائدة، ومن الأخطاء الاستئثار بالحديث لأن الأدب الشرعي هو مطارحة الأحاديث بين الجلساء إلا الصغار مع الكبار فعليهم لزوم الأدب وألا يتكلموا إلا جواباً لغيرهم، ومن الأخطاء الحديث عن النفس على سبيل المفاخرة والأصل فيه المنع إلا بموجب شرعي كالتعريف أو دفع تهمة أو ليكون قوله أقرب إلى القبول واعتماد ما يذكره ونحو ذلك، ومن الأخطاء الغفلة عن مغبة الكلام، وقلة المراعاة لمشاعر الآخرين فهو لا يأنف من مواجهة الناس بما يكرهون، والتعميم في الذم، وكثرة الأسئلة وتعمد الإحراج فيها إلا أن الأسئلة التي تُشعر بالاهتمام والمودة لا تدخل في ذلك وكذلك سؤال المرء عما يعنيه في أمر دينه أو دنياه هو مطلوب ومستثنى من ذلك، ومن الأخطاء سرعة الجواب , والحرص على إبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة فما كل رأي يُجهر به ولا كل ما يُعلم يُقال، ومن الأخطاء التعرض للسفلة والسفهاء فليس من الحكمة التعرض لهؤلاء وإنما الحكمة أن يُعرض المرء عنهم ويدع مجاراتهم والحديث معهم إلا بقدر ما تدعو إليه الحاجة من سلام أو رده أو جواب لسؤال أو نحو ذلك, فلا ينبغي التوسع في الحديث معهم والتمادي في مضاحكتهم وممازحتهم وإذا أراد السفيه أن يبدأ بالسفه فما أجمل الإعراض عنه وتجاهله كي

стр. 14

يقصر عن غيه وسفهه، ومن الأخطاء الحديث بما لا يُناسب المقام وينبغي الكلام مع كل أحد بما يليق بحاله ومقامه فمع الملوك مثلاًً والرؤساء بالاحترام والكلام اللطيف اللين المناسب لمقامهم، ومن الأخطاء الحديث عند من لا يرغب فلا تكلف غيرك الاستماع إليك وإذا رأيت من الناس فتوراً وإعراضاً عنك فأمسك الحديث ويُستثنى من ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، ومن الأخطاء تكرار الحديث ويُستثنى من ذلك الحاجة إلى التكرار لزيادة الفائدة ولم يكن مُوصلاً إلى حد الملال فلا بأس به، ومن الأخطاء التعالي على السامعين، وترك الإصغاء للمتحدثين، والاستخفاف بحديث المتحدث حتى لو أخطأ فإن الكرام يتغاضون عن خطأ المتحدث ويتعامون عن زلته وإذا ما كان الخطأ كبيراً فإنهم يبينون الخطأ ويُرشدون إلى الصواب بأجمل عبارة وألطف إشارة، ومن الأخطاء المبادرة إلى إكمال الحديث عن المتحدث، والقيام عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه، والمبادرة إلى تكذيب المتحدث، والتقصير في محادثة الصغار، والوقيعة بين الناس، والتسرَع في نشر الأخبار قبل التثبَت منها ومن جدوى نشرها، والكذب، وسماع كلام الناس بعضهم ببعض وقبول ذلك دون تمحيص أو تثبت، ورفع الصوت إلا لحاجة، والغلظة في الخطاب لأن الأصل في خطاب الناس مؤمنهم وكافرهم اللين وإذا كان لين الكلام يجمل مع كل أحد فلأن يجمل مع من له حق أو جاه أو رياسة من باب أولى فمخاطبة هؤلاء باللين أمر مطلوب شرعاً وعقلاً وفطرة ولكن قد يعدل المسلم أحياناً عن هذا الأسلوب حسب ما تقتضيه الحكمة ومقامات الأحوال، ومن الأخطاء الكلام القبيح وهو منهيٌ عنه حتى للكفار إلا في حدود ضيقه , ومن الأخطاء الشدة في العتاب فالعاقل اللبيب لا يُعاتب إخوانه عند كل صغيرة وكبيرة بل يلتمس لهم المعاذير ويحملهم على أحسن المحامل وإن كان هناك ما يستوجب العتاب عاتبهم عتاباً ليناً رقيقاً وما أحسن المرء أن يتغاضى عن ذنوب أصحابه أما إذا كان الخطأ عن زهد في الصحبة فلك أن تزهد به, ومن الأخطاء أيضاً حب المعارضة والمخالفة بلا موجب لأن المروءة تقتضي موافقة المرء إخوانه إذا أصابوا وتسديدهم برفق إذا أخطأوا وأن يتوقف إذا لم يتبين له الصواب من الخطأ , وينبغي للمرء أن يُساير جلساءه إلا أن ينحرفوا عن الرشد ويتحامى ما يُؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق. ومن الأخطاء أيضاً بذاءة اللسان والتفحش في القول وينبغي أن يستعمل في ذلك الكنايات ويعبر عنها بعبارة جميلة يُفهم بها الغرض ما لم تدع حاجة إلى التصريح بصريح الاسم فلا بأس بذلك بل هو المتعين، ومن الأخطاء التقعر في الكلام والمقصود أن لا يُغرق في التكلف فيتعدى حدود الذوق أما حسن المنطق وجمال العبارة ورشاقة الألفاظ فمحمود مرغوب فيها خصوصاً إذا كان في بيان الحق وبالجملة فليحرص المرء على تجنب السوقي القريب ووحشي اللغة حتى يكون كلامه حالاً بين حالين والأعمال بالنيات فلا ينبغي التكلف وخاصة الإغراق في القول وتحري وحشي اللغة في حال مخاطبة العوام، ومن الأخطاء الخوض فيما لا طائل تحته، وكثرة التلاوم، وكثرة الشكوى إلى الناس، وكثرة الحديث عن النساء وليس المقصود هنا ما يدور في مجال الخنا والفسق والفجور من تشبيب ومجون إنما المقصود الكلام البريء عنهن كالتفاخر بالتعدد ونحو ذلك ووصف محاسنهن , وليس المقصود من هذا أيضاً أن يُمنع الحديث عن النساء بإطلاق ولكن المقصود أن يكون بكثرة، ومن الأخطاء كثرة الهزل بل ينبغي التوسط لأن الانقباض عن الناس مكسبه للعداوة والإفراط في الأنس مكسبه لقرناء السوء، وينبغي أن يكون المزاح كالملح في الطعام، ومن الأخطاء كثرة الحلف وأما ما كان لحاجة فلا بأس به , ومن الأخطاء التتبع لعثرات الجليس لأن المروءة تقتضي أن يتعامى المرء عن عيوب جليسه وأن يتغاضى عما يصدر منه من خطل أو زلل ليحفظ على جليسه

стр. 15

كرامته وغُربته ثم إن رأى منه أمراً يستوجب التنبيه نبهه بلطف وأدب دون أن يخدش كرامته، ومن الأخطاء أيضاً إظهار الملالة من الجليس لأن طلاقة الوجه وطيب الكلام من حقوق الضيافة والقرى، ومن الأخطاء تكليف الرجل جلاسه بخدمته، وتناجي الاثنين دون الواحد وما في معناهما إلا أن يستأذناه فيأذن فلا حرج إذاً، ومن الأخطاء القيام بما ينافي الذوق في المجالس، ومزاولة المنكرات في المجالس كشرب الدخان وسماع الأغاني ومشاهدة المحرمات من أفلام خليعة وحولها وكالغيبة والنميمة والاستهزاء بالدين وبعباد الله الصالحين ونحو ذلك فلا يجوز شهود هذه المجالس ولا السكوت عما يدور فيها لمن حضرها، وحضور مجالس اللغو ومداهنة أهلها لا يجوز إلا إذا كان سينكر عليهم أما إذا سكت عنهم فقد وقع في المداهنة المحرمة لأن حضوره بلا عذر ولا موجب شرعي وسكوته عن المنكر إنما هو إقرار ورضاً عما يصدر منهم وهذه هي المداهنة المذمومة وحقيقتها إظهار الرضا بما يصدر من الظالم أو الفاسق من قول باطل أو عمل مكروه , وهذه هي المداهنة فلا تُلبَس بالمدارة المحمودة وحقيقة المداراة ترجع إلى حسن اللقاء وطيب الكلام والتودد للناس وتجنب ما يُشعر بغضب أو سخط أو ملالة وكل ذلك من غير ما ثلم للدين في جهة من الجهات , فمن المدارة المحمودة أن تُغشى تلك المجالس بنية الإصلاح وتغيير المنكر أو تخفيف الشر فتأخذ بسنة المداراة فتتلطف مع أهل المجلس وتُنكر عليهم برفق وتأخذ بأيديهم إلى ما فيه نجاتهم وسلامتهم مراعياً بذلك الحكمة متجنباً ما يُشعر بغضبهم أو ملالتهم فهذا العمل محمود مبرور وأنت فيه مأجور غير مأزور فإذا ما رأيت منهم إعراضاً عن الحق وتمادياً في الضلالة والغواية أو لمست منهم عناداً أو خشيت على نفسك من سلوك سبيلهم فالسلامة السلامة والنجاء النجاء، ومن الأخطاء أيضاً الجلوس على هيأة تُشعر بقلة الأدب إلا لعذر، والجلوس وسط الحلقة، والتفريق بين اثنين متجالسين دون إذنهما إلا إذا أذن الجالسان أن يجلس بينهما فلا بأس بذلك، وكذلك من الأخطاء إقامة الرجل من مجلسه والجلوس مكانه، والجلوس في مكان الرجل إذا قام لحاجة، والتقدم بحضرة الأكابر، وقلة التفسح في المجالس، وترك الاستئذان حال دخول البيوت، وترك السلام حال دخول المجلس وحال الخروج منه، والإخلال بأمانة المجلس، والتجسس والتحسس أما إذا كان التجسس والتحسس طريقاً لدرء مفسدة عظيمة كالقتل أو سرقة أو نحو ذلك فتجسسنا عليهم لنحول بينهم وبين ما يشتهون فلا حرج في ذلك بل قد يجب على من يعنيه الأمر وكذلك إذا كان التجسس يجلب مصلحة كبيرة فلا بأس بذلك. ومن الأخطاء كذلك الجلوس في الطرقات دون إعطائها حقها، وفقدان المودة والصفاء وشيوع الكراهية والبغضاء، وقلة ذكر الله في المجالس، وقلة المبالاة وغير ذلك. فقه الجدال بالتي هي أحسن: اعلم أخي أن الجدال والمراء والخصومة والجدال قد يكون بحق وقد يكون بباطل , فإن كان الجدال الوقوف على الحق وتقريره كان محموداً , وإن كان في مدافعة الحق أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً وعلى هذا التفصيل تنزيل النصوص الواردة في إباحته وذمه. ومن الحكمة في جدال المخالف أن يتدرج المحاور في طرح أفكاره , ومن حسن السياسة ألا يجهر برأيه الصريح في صدر المقالة وإنما يبتدئ بما يخف على المُخاطبين سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض ثم يعبر عن المراد بلفظ مُجمل ثم يدنو من إيضاحه شيئاً فشيئاً حتى لا يُفصح عنه إلا وقد ألفته نفوسهم وهدأت له خواطرهم. ومن الأخطاء التي ينبغي اجتنابها في المحاورة والمجادلة التهكم بالمحاور إلا إذا اقتضى الحال ذلك، والتحدي والإفحام ولا ينبغي المصير إليه لأن كسب القلوب أهم من كسب المواقف كما يُقال،

стр. 16

ومن الأخطاء كذلك تفخيم النفس، وتجاهل اسم المحاور، ومن الأخطاء كذلك التنازل عن المبدأ الثابت ما لم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه، والإصرار على الخطأ، والأنفة من الرجوع إلى الحق، وقلة العلم بمادة الحوار، وإصدار الأحكام في مستهل الحوار، وقلة المراعاة لعامل الزمان والمكان، والتشعب في الحوار والخروج عن المضمون، ومحاورة ذي المهابة العظيمة ما لم يكن المحاور رابط الجأش ساكن النفس لا يقصره محاورة ذوي المهابة الإبانة عن الحق فلا بأس حينئذ , وجماع أخطاء الكثير من الحوارات هو قلة الإخلاص، والدخول في النيات، والغضب، وإغفال الجوانب العاطفية، والتقصير في أدب الحوار عموماً , وقلة الإنصاف , والإنصاف أكبر عائق له التحاسد فلذلك الإنصاف مع الأقران أصعب وأجمل. (الحقوق الخاصة) • بر الوالدين: أدلة وجوب بر الوالدين وحرمة العقوق: أدلة وجوب بر الوالدين كثيرة ومنها ما يلي: قال الله تعالى «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً» , وقال تعالى «ووصينا الإنسان بوالديه حسنا» , وقال تعالى «وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً». وقال تعالى «ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك». وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى قال "الصلاة على وقتها" قلت ثم أي قال "بر الوالدين" قلت ثم أي قال "الجهاد في سبيل الله" متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه) رواه مسلم. وعنه ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال "أمك" قال ثم من قال "أمك" قال ثم من قال "أمك" قال ثم من قال "أبوك" متفق عليه وفي رواية يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة قال (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك أدناك). وعنه عن النبي ﷺ قال (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال أقبل رجل إلى نبي الله ﷺ فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى قال (فهل من والديك أحد حي) قال نعم بل كلاهما قال (فتبتغي الأجر من الله تعالى) قال نعم قال (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) متفق عليه وهذا لفظ مسلم وفي رواية لهما جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال (أحي والداك) قال نعم قال (ففيهما فجاهد). وعن ابن عمر ﵄ قال كانت تحتي امرأة وكنت أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي طلقها فأبيت فأتى عمر ﵁ النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله

стр. 17

عليه وسلم (طلقها) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن أبي الدرادء ﵁ أن رجلاً أتاه فقال إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول (الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة منها حديث أصحاب الغار وحديث جريج وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختصاراً. وأما أدلة تحريم العقوق فهي كثيرة ومنها ما يلي: عن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا" قلنا بلى يا رسول الله قال "الإشراك بالله وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس فقال "ألا وقول الزور وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال (الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) رواه البخاري. وعنه أن رسول الله ﷺ قال (من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال (نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه) متفق عليه , وفي رواية (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه) قيل يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه قال (يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه). وعن أبي عيسى المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال (إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعاً وهات ووأد البنات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) متفق عليه. وقوله منعاً معناه منع ما وجب عليه وهات طلب ما ليس له ووأد البنات معناه دفنهن في الحياة , وقيل وقال معناه الحديث بكل ما يسمعه فيقول قيل كذا وقال فلان كذا مما لا يعلم صحته ولا يظنها وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع وإضاعة المال تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا وترك حفظه مع إمكان الحفظ , وكثرة السؤال الإلحاح فيما لا حاجة إليه. تعريف البر وتعريف العقوق: البر هو الإحسان أو بمعنى آخر البر هو إيصال الخير بقدر ما تستطيع وكف الشر, واعلم أن غاية البر ونهايته هي رضا الوالدين إذ الإحسان موجب وسبب والرضا أثر ومسبب فكل ما أرضى الوالدين فإنه داخل في البر وكل ما يسخطهما فهو عقوق ولكن ذلك مقيد في غير معصية الله. أما العقوق فهو الإساءة وتضييع الحقوق , وعقوق الوالدين أو أحدهما هو من الكبائر بلا شك، وهو مأخوذ من العق , وهو لغة القطع والمخالفة، وشرعاً قيل ضابطه أن يفعل معه ما يتأذى به والديه أو أحدهما تأذياً ليس بالهين. مظاهر العقوق: إبكاؤهما وتحزينهما مباشرة أو بالتسبب , ونهرهما وزجرهما والتأفف والتضجر من أوامرهما , والعبوس وتقطيب الجبين أمامهما والنظر إلى الوالدين شزراً أو الأمر عليهما , وانتقاد الطعام الذي تعده الوالدة , وترك مساعدتهما في عمل المنزل , والإشاحة بالوجه عنهما إذا تحدثا وقلة الاعتداد برأيهما , وترك الاستئذان حال الدخول عليهما وإثارة المشكلات أمامهما وذم الوالدين عند الناس والقدح بهما وذكر معايبهما وشتمهما ولعنهما مباشرة وبالتسبب , وإدخال المنكرات للمنزل ومزاولة المنكرات أمام الوالدين وتشويه سمعة الوالدين وإيقاعهما في الحرج , والإثقال عليهما بكثرة الطلبات , وتقديم طاعة الزوجة على طاعة الوالدين , والتخلي عنهما وقت الحاجة أو الكبر والتبرؤ منهما , والحياء من ذكرهما ونسبته إليهما والتعدي عليهم بالضرب , وإيداعهم دور العجزة والملاحظة

стр. 18

وهجرهما , وترك برهما ونصحهما إذا كانا متلبسين ببعض المعاصي , وغير ذلك. أسباب العقوق: من أسباب العقوق الجهل , وسوء التربية , والصحبة السيئة للأولاد , وعقوق الوالدين لوالديهم غالباً وليس هذا السبب على إطلاقه , والتفرقة بين الأولاد , وإيثار الراحة والدعة , وضيق العطن فلذلك قد تجد بعض الأبناء يأنف من أوامر والديه خصوصاً إذا كان الوالدين أو أحدهما فظاً غليظاً فتجد الولد يضيق بهما ذرعاً ولا يتسع أفقه لهما , وكذلك قلة الإعانة على البر من الوالدين , وسوء خلق الزوجة , وقلة الإحساس بمصاب الوالدين , وجماع ذلك ضعف الإيمان. حكم بر الوالدين: قال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) وبهذا تعلم أخي القارىء أن الله تعالى افترض الإحسان إلى الأبوين وأن لا يُنتهروا وأن يُخفض لهما جناح الذل من الرحمة فيما ليس فيه معصية الله تعالى , وبر الولدين ومصاحبتهما في الدنيا بالمعروف واجب ما لم يكونا محاربين للدين وأهله ولو كانا كافرين فكيف إذا كانا مسلمين وعندهما بعض التقصير, والوالدان لهما أحكام واستثناءات خاصة , ومن ذلك أنه يُستثنى من هجر من يستحق الهجر الوالدين لعظم حقهما ما لم تُخش الفتنة في الدين على تفصيل في المسألة ليس هذا موضعه , والفتنة في الدين هي اتباعهم على دينهم , وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس الأب كالأجنبي , وإذا كان والد المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به من برهم إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر, بل نص أهل العلم على أن المسلم يموت أبواه وهما كافران إنه يغسلهما ويتبعهما ويدفنهما لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمر الله بها , والواجب على الولد صلة والده وبره ومباسطته والصبر على ما يصدر منه , ومع ذلك كله فإنه ينبغي على الوالدين تجاه أبنائهم أن يعينونهم على برهم ولا يكلفوهم من البر فوق طاقتهم ولا يلحون عليهم وقت ضجرهم. تفسير قوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ): أي إن حرصا الوالدين عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين فإياك وإياهما فلا تطعهما في ذلك فإن مرجعكم إلى الله يوم القيامة فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا فإن المرء يُحشر يوم القيامة مع من أحب أي حباً دينياً , ولا يمنعك حرص الوالدين على متابعتهم في دينهم من أن تصحبهما في الدنيا معروفاً (أي مُحسناً إليهم) , وصاحبهما في الدنيا معروفاً أي صحبة إحسان إليهما بالمعروف وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي فلا تتبعهما. حكم بر الوالدين الفاسقين والمشركَين: بر الوالدين مما أجمع على وجوبه علماء المسلمين، قال أبو محمد ابن حزم ﵀ في مراتب الإجماع: واتفقوا أن بر الوالدين فرض. انتهى. ولم يفرق أحد من العلماء بين الوالد العدل والفاسق والكافر في أصل وجوب البر، بل نص كثير

стр. 19

منهم على عدم الفرق وهذا واضح، لأن الفسق والكفر لا يُسقط الحق الواجب، قال في الفواكه الدواني: ومن الفرائض العينية على كل مكلف بر الوالدين أي الإحسان إليهما ولو كانا فاسقين بغير الشرك، بل وإن كانا مشركين، للآيات الدالة على العموم، والحقوق لا تسقط بالفسق ولا بالمخالفة في الدين انتهى. ونقل في الآداب الشرعية عن صاحب المستوعب قوله: وَمِنْ الْوَاجِبِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ وَطَاعَتُهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تعالى. انتهى. وفي الموسوعة الفقهية: ومن الواجب على المسلم بر الوالدين وإن كانا فاسقين أو كافرين. انتهى. وبه تعلم أن صلة الوالدين المسلمين واجبة وهذا مما لا يشك فيه، ولا يؤثر في ذلك فسقهما وتعديهما حدود الله، وأما الوالد الكافر فوجوب بره كالوالد المسلم، ولكن مال بعض العلماء إلى خلاف هذا وأن الوالد الكافر دون المسلم في الحق لا سيما في عدم وجوب إذنهما للجهاد في سبيل الله لأنهما متهمان في الدين، قال ابن مفلح في الآداب الكبرى: وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ وُجُوبُ طَاعَةِ الْوَالِدِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ النَّظْمِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ السَّابِقِ فِي قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ أَنَّ الْكَافِرَيْنِ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُمَا وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَا إذْنَ لَهُمَا فِي الْجِهَادِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَيُعَامِلُهُمَا بِمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ اتِّبَاعًا لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵂: جَاءَتْنِي أُمِّي مُشْرِكَةً فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ أَصِلُهَا قَالَ نَعَمْ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ـ قال فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ وَفِيهِ جَوَازُ صِلَةِ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ: وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ طَاعَةُ الْكَافِرِ كَالْمُسْلِمِ لَا سِيَّمَا فِي تَرْكِ النَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَكِنْ يُعَامَلُ بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا سَبِيلَ لِلْوَالِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ إلَى مَنْعِهِ مِنْ الْجِهَادِ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا وَطَاعَتُهُمَا حِينَئِذٍ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ مَعُونَةٌ لِلْكُفَّارِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَبَرَّهُمَا وَيُطِيعَهُمَا فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، كَذَا قَالَ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ. انتهى. وفي تعقبه كلام الخطابي ما يشعر بميله إلى ما يفهم من كلام صاحب المستوعب من أن الوالد الكافر ليس في البر كالمسلم. وفي هذا المقام قال الله تعالى: «وَوَصَّيْنَا الإنسانَ بِوَالديهِ حُسْناً وإنْ جَاهداكَ لِتُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لك به عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إليَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئكُم بما كُنْتُم تعْمَلون». قيل: نزلت في سعد بن أبي وقّاصٍ , فقد روي أنّه قال: «كنت بارّاً بأمّي فأسلمت فقالت: لتدعنّ دينك أو لا آكل ولا أشرب شراباً حتّى أموت فتعيّر بي، ويقال: يا قاتل أمّه. وبقيت يوماً ويوماً. فقلت: يا أمّاه: لو كانت لك مائة نفسٍ، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي. فلمّا رأت ذلك أكلت». وقال تعالى في موضع آخر (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) قال ابن كثير ﵀ في بيان معنى المصاحبة في الدنيا معروفاً, وصاحبهما في الدنيا معروفاً أي بالمعروف وهو البر والصلة والعشرة الجميلة انتهى). , فالبر بالوالدين والمصاحبة بالمعروف واجب كالقول اللين وعدم التعنيف، وعدم التأفف وعدم الزجر، والإحسان إليهما بالمال والإعانة والخدمة كما قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) , وفي الصحيحين عن أسماء ﵂ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟

стр. 20

قال: (نعم صلي أمك). وعن أبي هريرة قال: مر رسول ﷺ على عبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل فقال: قد غبر علينا ابن أبي كبشة-يقصد رسول الله عليه من الله مايستحق-، فقال ابنه عبد الله: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لأتيتك برأسه فقال النبي ﷺ : " لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته ". رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به زيد بن بشر الحضرمي، قال أبو السعادات الشيباني في جامع الأصول في أحاديث الرسول عن زيد بن بشر وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات. وعلى هذا فالبر بالوالدين فرض عين، ولا يختص بكونهما مسلمين، بل حتى لو كانا كافرين يدعوان ابنهما إلى الشرك فيجب برهما والإحسان إليهما ما لم يأمرا ابنهما بشرك أو ارتكاب معصية , وفي هذه الحال عليه أن يقول لهما قولاً ليناً لطيفاً دالاً على الرفق بهما والمحبة لهما، ويجتنب غليظ القول الموجب لنفرتهما، ويناديهما بأحب الألفاظ إليهما، وليقل لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ودنياهما، ولا يتبرم بهما بالضجر والملل والتأفف، ولا ينهرهما، وليقل لهما قولاً كريماً وليدعوهم إلى الإسلام برفق, ومن العجيب في هذا الباب أن بعض الفقهاء قال إذا طلب أحد الوالدين الكافرين من ولدهما إيصالهما إلى الكنيسة لعجزه عن الوصول إليها، فالواجب على الولد إيصاله إليها، ووجوب البر بهما في هذا الأمر مقيد بحال الطلب ووجود العجز، وإلا لم يجب على من ذهب هذا المذهب نص على هذا فقهاء المالكية. وقال ابن عاشور (قال فقهاؤنا: إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر لأن شرب الخمر ليس بمنكر للكافر، فإن كان الفعل منكراً في الدينين فلا يحل للمسلم أن يُشايع أحد أبويه عليه . انتهى). واعلم أني أورد هذه الأقوال لا لترجيحها بل لحكايتها بياناً لأهمية بر الوالدين , ولتعلم أخي القارىء أن الأقارب الكفار الغير محاربين يُلحقون بالوالدين الكافرين من المصاحبة في الدنيا بالمعروف وخاصة إذا كان يعسر التحرز من هجرهم لسببٍ ما فعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال (الخالة بمنزلة الأم) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. إلا أنه ينبغي أن يُعلم بأن مشروعية التعامل بالإحسان والبر بالوالدين الكافرين وصحبتهما بالمعروف وصلة الرحم الكافرة يكون دون موالاتهم وطاعتهم فيما يريدون من الشرك ومعصية الله تعالى , فعن أبي عبد الله عمرو بن العاص ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ جهاراً غير سر يقول (إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين ولكن لهم رحم أبلها ببلالها) متفق عليه واللفظ للبخاري. من الأمور المعينة على البر: من الأمور المعينة على البر: الاستعانة بالله , وصلاح الآباء , والتواصي بالبر , وإعانة الأولاد على البر, والتوفيق بين الزوجة والوالدين وذلك بزيادة البر بالوالدين بعد الزواج. شروط بر الوالدين على وجه الكمال: شروط البر ثلاثة: ١ - أن يؤثر الولد رضا والديه على رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين. ٢ - أن يطيعهما في كل ما يأمرانه به وينهيانه عنه ما لم يأمراه بمعصية. ٣ - أن يقدم لهما كل ما يلحظ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه عن طيب نفس وسرور مع شعوره بتقصير في حقوقهما ولو بذل لهما دمه وماله. الفرق بين البر والصلة: الأقارب لهم الصلة والوالدان لهما البر , والبر أعلى من الصلة لأن البر كثرة الخير والإحسان لكن

стр. 21

الصلة ألا يقطع ولهذا يقال في تارك البر أنه عاق ويقال فيمن لم يصل إنه قاطع ولا يقال عاق. المقصود بالوالدين الواجب برهم: الوالدان هما الأب والأم أما الجد والجدة فلهم بر , لكنه لا يساوي بر الأم والأب وإنما لهما الصلة. فقه التعامل مع تعارض أوامر الوالدين: لا شك أن حق الوالد أعظم ولكن بر الوالدة ألزم , وعلى هذا فالأم تُقدَم وتُفضَل بالبر والإحسان والعطف وهذا من حيث العموم , وأما إذا تعارض أمر الوالد والوالدة فيجب أن تداريهما وأن تقضي شغلهما معاً , وهذا القدر متفق عليه بين أهل العلم أما إذا تعذر ذلك فهنا اختلف أهل العلم فقال فريق منهم يُنظر أيهما أكثر ضرراً إذا خالفته , فيُقضى ما يكون أكثر ضررا ًعند المخالفة , وإن تساويا فقدم الوالدة , وقال الفريق الآخر الأب يُقدَم في الطاعة مطلقاً , طبعاً في المعروف لأن الأب رب المنزل وقائد السفينة , وافعل يا عبد الله ما هو أصلح لقلبك. حدود طاعة الوالدين: طاعة الوالدين الواجبة مقيدة بالمعروف، وفي غير معصية الله ، مما فيه نفعهما ولا ضرر فيه على الولد , أما ما فيه ضرر عليه سواء كان ضرراً دينياً كأن يأمراه بترك واجب أو فعل محرم فإنه لا طاعة لهما في ذلك , أو كان ضرراً دنيوياً فلا يجب عليه طاعتهما، وعلى هذا فطاعة الوالدين بالمعروف لازمة ولو مع وجود المشقة إلى أن تفحش وتكبر وتقترب من معنى الضرر الذي جاءت الشريعة بإزالته فعندئذ لا تجب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب، وإلا فلا. اهـ. وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بَعْدَ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنْ يَبْرَأَ فِي جَمِيعِ الْمُبَاحَاتِ فَمَا أَمَرَاهُ ائْتَمَرَ وَمَا نَهَيَاهُ انْتَهَى , وَهَذَا فِيمَا كَانَ مَنْفَعَةً لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ ظَاهِرٌ مِثْلُ تَرْكِ السَّفَرِ وَتَرْكِ الْمَبِيتِ عَنْهُمَا نَاحِيَةً. وَاَلَّذِي يَنْتَفِعَانِ بِهِ وَلَا يُسْتَضَرُّ هُوَ بِطَاعَتِهِمَا فِيهِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يَضُرُّهُمَا تَرْكُهُ فَهَذَا لَا يُسْتَرَابُ فِي وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِيهِ , بَلْ عِنْدَنَا هَذَا يَجِبُ لِلْجَارِ. وَقِسْمٌ يَنْتَفِعَانِ بِهِ وَلَا يَضُرُّهُ أَيْضًا طَاعَتُهُمَا فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِ , فَأَمَّا مَا كَانَ يَضُرُّهُ طَاعَتُهُمَا فِيهِ لَمْ تَجِبْ طَاعَتُهُمَا فِيهِ لَكِنْ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ وَجَبَ , وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِأَنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ تَسْقُطُ بِالضَّرَرِ فَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ لَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا بَنَيْنَا أَمْرَ التَّمَلُّكِ فَإِنَّا جَوَّزْنَا لَهُ أَخْذَ مَا لَهُ مَا لَمْ يَضُرُّهُ , فَأَخْذُ مَنَافِعِهِ كَأَخْذِ مَالِهِ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ﴾ فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ بِأَكْثَرَ مِنْ الْعَبْدِ انتهى. وأما المال فيجب عليه أن يبرهما ببذله ولو كثر إذا لم يكن عليه ضرر ولم تتعلق به حاجته. أما طاعة الوالدين في ترك المستحبات والنوافل لغير حاجتهم لا تلزم مع المدارة لهما , علماً بأنه لا يجوز للوالدين منع ولدهما من السنن من غير موجب. قال الشّيخ أبو بكرٍ الطّرطوشيّ في كتاب بر الوالدين: لا طاعة لهما في ترك سنّةٍ راتبةٍ، كحضور الجماعات، وترك ركعتي الفجر والوتر ونحو ذلك، إذا سألاه ترك ذلك على الدّوام، بخلاف ما لو دعواه لأوّل وقت الصّلاة وجبت طاعتهما، وإن فاتته فضيلة أوّل الوقت انتهى. وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية " قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي غُلَامٍ يَصُومُ وَأَبَوَاهُ يَنْهَيَانِهِ عَنْ الصَّوْمِ التَّطَوُّعِ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَصُومَ إذَا نَهَيَاهُ , لَا أُحِبُّ أَنْ يَنْهَاهُ يَعْنِي عَنْ التَّطَوُّعِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي رَجُلٍ يَصُومُ التَّطَوُّعَ فَسَأَلَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ يُفْطِرَ قَالَ: يُرْوَى

стр. 22

عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: يُفْطِرُ وَلَهُ أَجْرُ الْبِرِّ وَأَجْرُ الصَّوْمِ إذَا أَفْطَرَ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى: إذَا أَمَرَهُ أَبَوَاهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ قَالَ: يُدَارِيهِمَا وَيُصَلِّي قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَفِي الصَّوْمِ كُرِهَ الِابْتِدَاءُ فِيهِ إذَا نَهَاهُ وَاسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ مِنْهُ , وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَالَ يُدَارِيهِمَا وَيُصَلِّي. انْتَهَى كَلَامُهُ. ثم قال: وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ الْمُقْرِي فِي الرَّجُلِ يَأْمُرُهُ وَالِدُهُ بِأَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ لِيُصَلِّيَ بِهِ قَالَ يُؤَخِّرُهَا قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: فَلَوْ كَانَ تَأْخِيرُهَا لَا يَجُوزُ لَمْ تَجِبْ طَاعَتُهُ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الرَّجُلِ يَنْهَاهُ أَبُوهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ قَالَ لَيْسَ طَاعَتُهُ فِي الْفَرْضِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ فِي بَحْثِ مَسْأَلَةِ فُصُولِ الْقُرُبَاتِ عُقَيْبَ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ فَقَدْ أَمَرَ بِطَاعَةِ أَبِيهِ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ , وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ نُدِبَ إلَى طَاعَةِ أَبِيهِ فِي تَرْكِ صَوْمِ النَّفْلِ وَصَلَاةِ النَّفْلِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قُرْبَةً وَطَاعَةً ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ هَارُونَ الْمَذْكُورَةَ انتهى. وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية في موضع آخر: وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ –يقصد الولد-فِي الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُهُ –يقصد الوالد-وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَعْتَبِرُهُ وَلَا وَجْهَ لَهُ وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انتهى. وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية في موضع آخر: وَذَكَرَ أَبُو الْبَرَكَاتِ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ , وَكَذَا الْمُكْرِي وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ أَحْمَدَ , وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ , وَمُقْتَضَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا تَأَكَّدَ شَرْعًا لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُ وَلَدِهِ فَلَا يُطِيعُهُ فِيهِ , وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ لَا يُطِيعُهُمَا فِي تَرْكِ نَفْلٍ مُؤَكَّدٍ كَطَلَبِ عِلْمٍ لَا يَضُرُّهُمَا بِهِ .. انتهى. وأما طاعة الوالدين في المشتبهات فواجبة ما لم يجد حرجاً شديداً فلا تلزمه وعليه بمداراتها والأفضل بلا شك طاعتهما وليفعل المسلم ما هو أصلح لقلبه , قال النووي في شرحه لمسلم: وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات. وأما حكم طاعتهما لحاجتهما في ترك فروض الكفاية فلا شك أن طاعتهما الواجبة المتعينة مُقدمة على فرض الكفاية لحديث مسلمٍ فيمن أراد البيعة وَأَحَدُ والديه حيّ، وفيه دلالة على تقديم صحبتهما على صحبة النّبيّ ﷺ . وتقديم خدمتهما - الّتي هي واجبة عليه وجوباً عينيّاً - على فروض الكفاية، وذلك لأنّ طاعتهما وبرّهما فرض عينٍ، والجهاد فرض كفايةٍ، وفرض العين أقوى. قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ إنَّ لِلْوَالِدِ مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهِ ; لِأَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ الْغَزْوِ وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ , وَالتَّطَوُّعُ أَوْلَى وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ (لَا يُجَاهِدُ مَنْ أَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا يَعْنِي تَطَوُّعًا) إنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَإِنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاحْتَجَّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي ذَلِكَ قَالَ: وَلِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفَرْضُ الْعَيْنِ مُقَدَّمٌ , فَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ سَقَطَ إذْنُهُمَا , وَكَذَلِكَ كُلُّ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ , وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَجَبَ كَالْحَجِّ وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمَعِ وَالسَّفَرِ لِلْعِلْمِ الْوَاجِبِ لِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْأَبَوَيْنِ فِيهَا كَالصَّلَاةِ انتهى. وهنا تنبيه مهم وهو أن أمر الوالدين لولدهما بالمعروف واجب الطاعة للولد , ولكن إذا كان الأمر المقصود به الإكرام لولدهما فلا يجب على الولد إلا إذا خاف مفسدة من وراء ذلك. الفرق بين المشقة والأذى والضرر: بدايةً يجب أن نعلم بأن المشقة مُرادفة للأذى فلا يوجد فرق بينهما يُذكر على حد علمي أما الفرق بين المشقة والضرر فاعلم أخي المسلم أنه لا يكاد يخلو امتثال أمر من نوع مشقة، لأن النفس تميل إلى الراحة والدعة وتنفر مما لا يناسبها، ويظهر هذا بجلاء إذا كان الأمر بما يُخالف هوى المرء،

стр. 23

فهاهنا لا ينفك الامتثال عن مشقة، ولا يخفى أن مقدار ذلك يتفاوت تفاوتا عظيما من حال إلى حال، ومن شخص إلى شخص، ومن أمر إلى أمر. وجدير بالذكر هنا أن وضع حد فاصل أو خط قاطع بين حدود المشقة المحتملة وغير المحتملة، بحيث يجري ذلك مجرى الحدود الجامعة المانعة أمر متعسر، لاختلاف ذلك في حقيقته وأثره باعتبار الأشخاص والأحوال والأعراف، ولهذا قال الدكتور أحمد موافي في رسالته للماجستير ـ الضرر في الفقه الإسلامي: الشريعة تنظر إلى مقدار إخلال التصرف بالمصلحة ـ أي إلى مقدار الضرر ـ فإذا كان كبيرا فاحشا اعتبرته ضررا واجب الإزالة، وإذا كان يسيرا ـ أي قليلا يشق الاحتراز منه ومثله يُحتمل عادة ـ لم تعتبره، ومن ثم لا يمنع منه، على أنه يجري الخلاف بين الفقهاء بخصوص بيان حد الإخلال الكبير الذي يعتبر مثله ضررا ممنوعا منه في الحكم، كذلك يمكن القول بأن الفقه الإسلامي على وجه العموم يعول في كثير من الأحيان في بيان حد الإخلال الكبير الذي يعتبر مثله ضررا واجب الإزالة على العادة والعرف. اهـ آداب التعامل مع الوالدين: من آداب التعامل مع الوالدين طاعتهما واجتناب معصيتهما ما لم يأمروا بمعصية الله ورسوله , والإحسان إليهما , وخفض الجناح لهما وذلك بالتذلل لهما والتواضع والتطامن , والبعد عن زجرهما والإصغاء إليهما , والفرح بأوامرهما , وترك التضجر والتأفف منهما , والتطلق لهما والتودد لهما والتحبب إليهما , والجلوس أمامهما بأدب واحترام , وتجنب المنة في الخدمة أو العطية , ومساعدتهما في الأعمال , والبعد عن إزعاجهما وتجنب الشجار وإثارة الجدل أمامهما وتلبية ندائهما بسرعة , وتعويد الزوجة والأولاد على البر وإصلاح ذات البين إذا فسدت بين الوالدين , والاستئذان حال الدخول عليهما , وتذكيرهما بالله دائما ًوذلك بتعليمهما ما يجهلانه من أمور الدين , وأمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر إذا كان عليهما بعض مظاهر الفسق والمعصية مع مراعاة أن يكون ذلك بمنتهى اللطف والإشفاق والشفافية والصبر عليهما إذا لم يقبلا , والاستئذان منهما والاستنارة برأيهما والمحافظة على سُمعتهما والبعد عن لومهما , والعمل على ما يسرهما وإن لم يأمرا به , وفهم طبيعتهما ومعاملتهما بمقتضى ذلك , وكثرة الدعاء لهما والاستغفار لهما في حياتهما والبر بهما بعد موتهما. حكم النفقة على الوالدين: تجب النفقة على الوالدين المحتاجين شرعاً إذا كان الولد قادراً. شروط تملك الوالد مال الولد: ١ - ألا تتعلق حاجة الولد ومن يعول بذلك المال. ٢ - ألا يأخذه من ولد ويعطيه آخر لغير حاجة. ٣ - ألا يكون بمرض موت أحدهما. حدود استئذان الوالدين في الجهاد والهجرة والسفر: إذا كان الوالدين لا يحتاجان إليك ولا ضرر عليهما فيما تفعل فلا حاجة للاستئذان منهما , لأنه ليس كل شيء يُستأذن فيه الوالدان. أما الجهاد فإنه يشترط لجهاد الابن إذن والديه إذا كان فرض كفاية أما إذا كان فرض عين فلا يُشترط وكذلك الهجرة. وتقديم لزوم الوالدين على الهجرة الواجبة مطلوب شرعاً لحديث النبي ﷺ (قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) فقد أسقط الشارع عنه وجوب الهجرة تقديماً لحق أبويه، فإن الهجرة إن كانت واجبة عليه فقد عارضها ما هو أوجب منها وهو حق الوالدين، وإن لم

стр. 24

تكن واجبة فالواجب أولى، لكن هذا إنما يصح ممن يسلم له دينه في موضعهما، أما لو خاف على دينه وجب عليه الفرار به وترك آبائه وأبنائه كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد. وعلى هذا فاستئذان الوالدين في الهجرة المتعينة والجهاد واجب إذا لم يكن الجهاد فرض عين أو كان النفير عاماً. أما استئذان الوالدين عند السفر فإذا كان لطلب الرزق والمعيشة , والحال ضيقة وأنت محتاج ولابد أن تذهب إلى بلد آخر, فعليك بمداراتهما واستئذانهما والذهاب حتى تستغني ثم ترجع، وإن كان لتحصيل علم تحتاج إليه أنت أو بلدك فإنه لا بأس عليك بالسفر إذا لم تجد في بلدك ما يُغنيك فإنك تخرج ولو بغير إذنهما مع غاية التلطف وتكرار المزاورة والإقامة عندهما ما أمكن. جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: وضع فقهاء الحنفيّة لذلك قاعدةً حاصلها: أنّ كلّ سفرٍ لا يؤمن فيه الهلاك، ويشتدّ فيه الخطر، فليس للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه، لأنّهما يشفقان على ولدهما، فيتضرّران بذلك. وكلّ سفرٍ لا يشتدّ فيه الخطر يحلّ له أن يخرج إليه بغير إذنهما، إذا لم يضيّعهما، لانعدام الضّرر. وبذا لا يلزمه إذنهما للسّفر للتّعلّم، إذا لم يتيسّر له ذلك في بلده، وكان الطّريق آمناً، ولم يخف عليهما الضّياع، لأنّهما لا يتضرّران بذلك، بل ينتفعان به، فلا تلحقه سمة العقوق. أمّا إذا كان السّفر للتّجارة، وكانا مستغنين عن خدمة ابنهما، ويؤمن عليهما الضّياع، فإنّه يخرج إليها بغير إذنهما انتهى. وعلى هذا فالسفر الذي ظاهره السلامة ولا يتضرر والديك بذلك ضرراً بيناً كأن يكونا يُنفق عليهما ابنهما وإذا سافر الابن لا يمكن أن يُنفق عليهما فلا يُشترط فيه إذن الوالدين , والأولى أن يُرضيهما بما يراه مناسباً. حكم قطع الصلاة لأجل نداء الوالدين: حكم قطع الصلاة لأجل نداء الوالدين إذا كان يغلب على الظن أنهما يغضبان إذا لم تُجبهم في الحال فينظر فإن كانت نافلة فيختلف الحكم فإن كان في أول الصلاة فإنه يقطعها ويُجيب أمه إذا خشي أن تغضب عليه وإذا كان في آخر الصلاة فعليه أن يتجوز فيها ولو قطعها لا تثريب عليه وهو مأجور , وإن كانت فريضة فخففها ولا تقطعها ما لم تكن هناك ضرورة عاجلة. حكم طلب أحد الوالدين طلاق زوجة الابن: روى التّرمذيّ عن ابن عمر قال: «كانت تحتي امرأة أحبّها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلّقها، فأبيتُ، فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: يا عبدَ الله بن عمر طلِّقْ امرأتك». وسأل رجل الإمام أحمد فقال: «إنّ أبي يأمرني أن أطلّق امرأتي. قال: لا تطلّقها. قال أليس عمر ﵁ أمر ابنه عبد الله أن يطلّق امرأته؟ قال: حتّى يكون أبوك مثل عمر ﵁». يعني لا تطلّقها بأمره حتّى يصير مثل عمر في تحرّيه الحقّ والعدل، وعدم اتّباع هواه في مثل هذا الأمر. واختار أبو بكرٍ من الحنابلة أنّه يجب، لأمر النّبيّ ﷺ لابن عمر. وقال الشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة: «فيمن تأمره أمّه بطلاق امرأته. قال: لا يحلّ له أن يطلّقها. بل عليه أن يبرّها. وليس تطليق امرأته من برّها» وتحقيق المسألة أن نقول ما يلي: حكم طلب الأب من ابنه طلاق زوجته لا يخلو من حالين:

стр. 25

١ - أن يبين الوالد سبباً شرعياً يقتضي طلاقها وفراقها كأن تكون مُريبة في أخلاقها كأن تغازل الرجال أو تخرج إلى مجتمعات غير نزيهة فهنا عليه طلاقها. ٢ - أن يكون بغير سبب شرعي كغيرة أو غيرها فهنا لا يطلقها ولكن يداريهما ويتألفهما ويقنعهما ولا سيما إذا كانت الزوجة مستقيمة في دينها وخُلُقها. وخلاصة القول في مسألة طلب الأب طلاق زوجة الابن أنه إذا كان الأب عدلاً وكانت المرأة فيها سوء في الدين أو الخلُق فيلزمه طاعة أبيه وإلا فلا. حكم اعتراض الوالدين على زواج ابنهم: اعتراض الوالدين على زواج ابنهم له صور متعددة، ومنها: ١. عدم موافقتهم على أي فتاة يختارها لنفسه زوجة. ٢. عدم موافقتهم على فتاة يختارها، لكن عدم موافقتهم تكون لأسباب شرعية، كأن تكون سيئة السمعة، أو تكون على غير دين الإسلام – وإن كان نكاح الكتابية جائزاً في أصله -. ٣. عدم موافقتهم على فتاة يختارها لا لأسباب شرعية، بل لأسباب شخصية، أو دنيوية، كنقص جمالها، أو حسبها ونسبها، وقلبه غير متعلق بها، ولا يخشى على نفسه لو ترك التزوج بها. ٤. الصورة السابقة نفسها، لكنَّ قلبه متعلق بها، ويخشى على نفسه الفتنة لو أنه ترك التزوج بها. ٥. إجباره على فتاة يختارونها له، ولو كانت ذات دين وجمال. والذي يظهر لنا من حكم تلك الصور السابقة: أنه يجب على الابن طاعة والديه في الصورتين الثانية والثالثة، ويتأكد الوجوب في الصورة الثانية، لأنه سيقدم على أمرٍ فيه شر لابنهم وقد ينتشر ليصيبهم، وفي الصورة الثالثة: الزواج فيها مباح له، وطاعتهما واجبة، فيقدم الواجب على المباح. وأما الصورة الأولى والرابعة والخامسة: فلا يظهر أنه يجب عليه طاعتهما؛ فاختيار الزوجة من حق الابن، وليس من حق والديه، ويمكنهم التدخل في بعض الحالات، لا فيها كلها، فمنعُه من التزوج بأي فتاة يختارها بغض النظر عن كونها متدينة أم لا: تحكم لا وجه له، ولا يلزمه طاعتهما. وكذا لو تعلق قلبه بامرأة، وخشي على نفسه الفتنة لو أنه لم يتزوج بها: فهنا لا تلزمه طاعتهما إذا أمراه بتركها، وعدم التزوج بها؛ لما يؤدي ذلك إلى شر وفتنة جاءت الشريعة لدرئهما عنه. وكذلك الصورة الخامسة، وهي أن يلزماه بفتاة هم يختارونها، وهذا ليس مما يلزمه طاعتهما فيه، وهو بمنزلة الطعام والشراب، فهو يختار ما يشتهي ليأكله ويشربه، وليس لهما التحكم في ذلك. قال ابن مفلح الحنبلي ﵀: ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، قال الشيخ تقي الدين ﵀ (أي: ابن تيمية): إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى، فإن أَكْلَ المكروه مرارة ساعة، وعِشْرة المكروه من الزوجين على طول، تؤذي صاحبه، ولا يمكنه فراقه. انتهى كلامه." الآداب الشرعية " (١/ ٤٤٧). كيفية البر بالوالدين بعد موتهما: البر بهما بعد موتهما , يكون بما يلي: أ- أن يكون الولد صالحاً في نفسه. ب- كثرة الدعاء لهما والاستغفار عنهما. جـ - صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما. د- إنفاذ عهدهما. هـ - التصدق عنهما.

стр. 26

وكل عمل صالح لو فعله الإنسان ونوى بهذا العمل لوالديه لا بأس به ولو كان مفضولاً. فقه الاحتساب على كل من له حق على المحتسب كالوالدين والأزواج: - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس الأب كالأجنبي , قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى يَأْمُرُ أَبَوَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمَا عَنْ الْمُنْكَرِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إذَا رَأَى أَبَاهُ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ يُعَلِّمُهُ بِغَيْرِ عُنْفٍ وَلَا إسَاءَةٍ وَلَا يُغْلِظُ لَهُ فِي الْكَلَامِ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَلَيْسَ الْأَبُ كَالْأَجْنَبِيِّ انتهى. - إذا رأى الولد مُنكراً من والديه يأمرهما فإن قبلا فبها وإن كرها سكت عنهما واشتغل بالدعاء والاستغفار لهما فإن الله تعالى يكفيه ما أهمه من أمرهما. - للولد الاحتساب على والديه بالرفق والتلطف في الكلام وليس له مقابلتهم بالسب والتعنيف وتخشين الكلام فضلاً عما هو أكبر منه، وللولد وعظ والديه بالتي هي أحسن مالم يغضبوا فإذا غضبوا سكت , وذلك أن الوالدين مستثنيين من بعض صور الإنكار. - يُراعى عند الاحتساب على الوالدين زيادة الرفق بهما والتلطف لهما وألا يتعدى ذلك إلى الشتم أو الضرب مثلاً , ومثل هذا يُقال في احتساب الزوجة على زوجها والعبد مع سيده. - ليس للولد مقابلة والداه بالتخويف والتهديد والضرب ولا بالسب والتعنيف وتخشين الكلام , أما المنع بالقهر والمباشرة في تغيير المنكر من نحو تكسير آنية الخمر ورد المال المغصوب لأهله وإبطال الصور المنقوشة على الحيطان فهذه المسألة فيها خلاف والأولى أن ينظر فيه إلى قبح المنكر وإلى مقدار الأذى والسخط وهذه المسألة التي تتعلق بذات المنكر دون صاحبه إذا كان والداً هي مسألة اجتهادية. هل للمسلم أن يعمد لقتل أبيه الباغي أم لا؟ إقامة الحدود وقتال البغاة والقتال لإعلاء كلمة الله , لا نختار أن يعمد المرء إلى أبيه خاصة أو جده مادام يجد غيرهما فإن لم يفعل فلا حرج. كيفية تعامل المجاهد المسلم مع أرحامه إذا كانوا في صف الكفار المحاربين للإسلام وأهله: للمسلم أن يبتدىء بقتل أخيه الحربي ولا ينبغي أن يبتدىء بقتل أبيه الحربي وقيل لا يجوز لأنه يجب صلة الرحم مع الوالد ولا يجب صلة رحم من سواه , وقيل يُكره لغازٍ قتل قريب له كافر إلا إذا بلغه أنه يسب الله ورسوله فلا كراهة حينئذٍ والله أعلم , بل ينبغي الاستحباب تقديماً لحق الله ورسوله , ولا كراهة إذا قصد -ذوي الرحم الكافر في المعركة-هو قتله فقتله دفعاً عن نفسه. مسائل ليست من العقوق: - لا يُعد ترك البيت تجنباً للفتن عقوقاً للوالدين ولو نهياك عن ذلك. - إبعاد الأبناء عن الوالد المبتدع والذي يُخشى من شرَه ليس من العقوق. - ليس لأحد الأبوين أن يُلزم الولد بنكاح من لا يريد وإنه إذا امتنع لا يكون عاقاً. - سكن الابن في بيت مستقل لمبرر شرعي لا يعتبر عقوقاً, وإذا كان إصرار الوالد على سكن ولده معه ليس لحاجته إليه ولا يتأذى بعدم سكنى الولد معه فلا يجب عليه طاعته ولكن يُستحب ذلك

стр. 27

استحباباً مؤكداً وخاصة إذا لم يلحق الابن من ذلك ضرر كبير. • صلة الأرحام: أدلة وجوب صلة الأرحام وحرمة القطيعة: أدلة وجوب صلة الأرحام كثيرة ومنها ما يلي: قال الله تعالى «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم» , وقال تعالى «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام» , وقال تعالى «والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل» , وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب أمواله بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت هذه الآية «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» آل عمران , قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن الله ﵎ يقول «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» وإن أحب مالى إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله ﷺ (بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه متفق عليه. وعنه أن رسول الله ﷺ قال (من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه ومعنى ينسأ له في أثره أي يؤخر له في أجله وعمره. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال (ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) رواه البخاري. وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت يا رسول الله إني أعتقت وليدتي قال (أو فعلت) قالت نعم قال (أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) متفق عليه. وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ وعنها قالت قال رسول الله ﷺ (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن) قالت فرجعت إلى عبد الله ابن مسعود فقلت له إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم فقال عبد الله بل ائتيه أنت فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة فخرج علينا بلال فقلنا له ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبره من نحن فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله فقال له رسول الله ﷺ (من هما) قال امرأة من الأنصار وزينب فقال رسول الله ﷺ (أي الزيانب) هي قال امرأة عبد الله فقال

стр. 28

رسول الله ﷺ (لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة) متفق عليه. وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ أن رجلاً قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار فقال النبي ﷺ (تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) متفق عليه. وعن سلمان بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فإن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور وقال الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة) رواه الترمذي وقال حديث حسن. وفي حديث عمرو بن عبسة ﵁ الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه قال فيه دخلت على النبي ﷺ بمكة يعني في أول النبوة فقلت له ما أنت قال نبي فقلت وما نبي قال أرسلني الله تعالى فقلت بأي شيء أرسلك قال أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يُشرك به شيء وذكر تمام الحديث والله أعلم. وأما أدلة تحريم القطيعة كثيرة ومنها ما يلي: قال تعالى «والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار» «. وعن أبي محمد جبير بن مطعم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لا يدخل الجنة قاطع) قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم متفق عليه. وقال تعالى «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم» وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك) ثم قال رسول الله ﷺ (اقرءوا إن شئتم «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم») متفق عليه وفي رواية للبخاري. وقال الله تعالى من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته. وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ (الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه. وهنا تنبيه وهو أن الرحم المأمور بصلتها، والمتوعد على قطعها هي التي شُرع لها ذلك وهي الرحم الموافقة في الدين، فأما من أُمر بقطعه من أجل الدين أو رُخََص في هجره فيُستثنى من ذلك، ولا يلحق بالوعيد من قطعه، لكن لو وُصلوا بما يُباح من أمر الدنيا لكان فضلاً. وعلى هذا فصلة الأرحام يُشرع لها أن تستمر إذا كانت الرحم صالحة مستقيمة أو مستورة أما إذا كانت الرحم كافرة أو فاسقة فتكون صلتهم بالعظة والتذكير وبذل الجهد في ذلك فإن أعيته الحيلة في هدايتهم كأن يرى منهم إعراضاً أو عناداً أو استكباراً فله أن يهجرهم رخصةً إذا كان لغير فسقهم , وإن كان لفسقهم فهو من شُعب الإيمان , وأما إن خاف على نفسه أن يتردى معهم ويهو في حضيضهم فلينأ عنهم وجوباً وليهجرهم الهجر الجميل الذي لا أذى فيه بوجه من الوجوه وليكثر من الدعاء لهم بظهر الغيب لعل الله أن يهديهم ببركة دعائه، ثم إن صادف منهم غرة أو سنحت له لدعوتهم أو تذكيرهم فرصة فليتقدم وليعد الكرة بعد الكرة.

стр. 29

تعريف قطيعة الرحم: اختلف أهل العلم في معنى القطيعة على أكثر من قول: ١ - الإساءة إليهم بغير حق. ٢ - عدم صلتهم. وقطيعة الرحم اعتبرها المناوي من الكبائر, وكذلك الذهبي اعتبر هجر الأقارب هي الكبيرة التاسعة في كتابه الكبائر، لكن المناوي قيد هذه الكبيرة بإيذاء ذوي الأرحام –الواجب صلتهم-أو صدهم أو هجرهم، أما القطيعة بترك الإحسان فليست بكبيرة، حيث قال "وقطيعة الرحم من الاقتطاع من الرحمة، والرحم القرابة ولو غير محرم بنحو إيذاء، أو صد أو هجر، فإنه كبيرة أما قطيعتها بترك الإحسان إليها فليس بكبيرة". أسباب قطيعة الرحم: من أسباب قطيعة الرحم: الجهل , وضعف التقوى , والكبر , والانقطاع الطويل , والعتاب الشديد , والتكلف الزائد , وقلة الاهتمام , والشح والبخل , وتأخير قسمة الميراث , والشراكة بين الأقارب والاشتغال بالدنيا , والطلاق بين الأقارب , وبُعد المسافة والتكاسل عن الزيارة والتقارب في المساكن بين الأقارب وقلة تحمل الأقارب والصبر عليهم , ونسيان الأقارب في الولائم والمناسبات , والحسد , وكثرة المزاح والوشاية والإصغاء إليها , وسوء الخلق من بعض الزوجات وغير ذلك. أقسام الرحم: ١ - رحم الدين وهي عامة. ٢ - رحم خاصة وهي القرابة. فالعامة تجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة , وأما الرحم الخاصة فتزيد النفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك. تعريف صلة الرحم: المراد بصلة الرحم موالاتهم ومحبتهم أكثر من غيرهم لأجل قرابتهم وإيثارهم في الإحسان والصدقة والهدية على من سواهم ويتأكد ذلك مع الرحم الكاشح المُبغض عساه أن يرجع عن بغضه إلى مودة قريبه ومحبته , والمعنى الجامع لصلة الرحم: هو إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر , وقيل الصلة معناها عدم القطيعة. والصلة جاءت في القرآن والسنة مطلقة فيُرجع إلى العرف فيها فما سماه الناس صلة فهو صلة وما سماه قطيعة فهو قطيعة وهذه تختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأمكنة والأمم , إلا أن يكون في مجتمع لا يبالون بصلة الأرحام فالعبرة بالصلة شرعاً وعموماً فإن كل ما يدل على سلامة القلوب يحصل به الصلة. تعريف الواصل: الواصل هو الذي يصل قرابته لله سواءً وصوله أم قطعوه. فضائل صلة الرحم: من فضائل صلة الرحم أنها سبب لمغفرة الذنوب , ومن أحب الأعمال إلى الله , وسبب لدخول الجنة

стр. 30

, والبعد عن النار , وسبب لزيادة الرزق وطول العمر. أسباب صلة الرحم: من الأمور المعينة على الصلة الاستعانة بالله , ومقابلة إساءة الأقارب بالإحسان , وقبول أعذارهم إذا أخطئوا واعتذروا , والصفح عنهم , ونسيان معايبهم حتى لو لم يعتذروا , والتواضع ولين الجانب , وبذل المستطاع لهم وترك المنة عليهم , والبعد عن مطالبتهم بالمثل , وتوطين النفس على الرضا بالقليل من الأقارب , وترك التكلف مع الأقارب ورفع الحرج عنهم , وتجنب الخصام وكثرة الملاحاة والجدال العقيم مع الأقارب , والمبادرة بالهدية إن حصل خلاف مع الأقارب والحرص على إصلاح ذات البين , وتعجيل قسمة الميراث والحذر من إحراج الأقارب وذلك بالبعد عن كل سبب يوصل إلى ذلك , ومراعاة أحوالهم وفهم نفسياتهم , وإنزالهم منازلهم فمن الأقارب من يرضى بالقليل فتكفيه الزيارة السنوية ومنهم من تكفيه المكالمة الهاتفية ومنهم من يرضى بطلاقة الوجه والصلة بالقول فحسب ومنهم من يعفو عن حقه كاملاً ومنهم من لا يرضى إلا بالزيارة المستمرة وبالملاحظة الدائمة فمعاملتهم بمقتضى أحوالهم يُعين على الصلة واستبقاء المودة , ومن الأسباب كذلك التغاضي والتغافل وهو حسن مع الجميع ومع الأقارب من باب أولى. حكم صلة الرحم: صلة الرحم واجبة ويحرم قطعها , ولا يجوز هجرها ولكن إن كان عذر بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور فلا يحرم. وعلى هذا فالصلة تكون واجبة إذا كان أهل الرحم أهل استقامة فإن كانوا كفاراً أو فجاراً فمقاطعتهم في الله هي صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم ثم إعلامهم إذا أصروا بأن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق , ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى , وذلك أن مقاطعة المبتدعة والعصاة مقدمة على صلة الرحم التي ورد الأمر بصلتها لأن الدين أهم من الرحم وهذا في حال التزاحم. الأقارب الواجب صِلَتُهم: مَن تَجب صلتُه هم أصْحاب الرَّحِم المحرَّمة من جهة الأمِّ والأب إذا كانوا من أهل الاستقامة، فكلُّ شخصَين لو كان أحدُهُما ذكرًا والآخر أنثى، إذا لم يَجُز التَّناكُح بينهما، كانت صلة الرَّحم بيْنهما واجبة، وإذا جاز التَّناكُح بيْنهما لم تَجب صلتُهما، فالأعمام والعمَّات والأخوال والخالات من الرَّحم المحرَّمة، التي يَجب صلتُها، وأولادُهم ليسوا من الرَّحم المحرَّمة، فصِلَتهم مستحبَّة لا واجبة؛ فعنْ أبِي هُرَيْرة ﵁ قال النبي ﷺ : ((لا يُجْمع بين المرْأة وعمَّتها ولا بين المرأة وخالتها))؛ رواه البخاري ومسلم، فيحرم على الرجل أن يجمع في النِّكاح بين المرأة وعمَّتها وبين المرأة وخالتها , لما يحصُل بين الضَّرائر من خصام بسبب الغيْرة، فيؤدِّي إلى قطيعةِ الرَّحم بين المرأة وعمَّتها وخالتها، ويجوز الجمع بين المرْأة وبين بنت عمِّها وبنت عمَّتها، وبين المرأة وبنت خالها وبنت خالتها، مع أنَّه قد يحصل بينهما تقاطع بسبب غيرة النِّساء، فدلَّ ذلك على أنَّ مَن تجِب صلته من الأقارب هي الرَّحِم المحرَّمة، وبِهذا الضَّابط يزول الإشْكال؛ لأنَّنا إذا قُلْنا تجِب صلة الرَّحِم وهم الأقارب لصعُب ضبطُهم؛ لأنَّ النَّاس كلَّهم أقارب يرجِعون لآدم، وإذا قلنا هذا تجب صلته وهذا لا تجب صلته، فهذا تحكُّم؛ لأنَّه لا دليل يسنده، هذا الذي أراه راجحًا من أقوال أهل

стр. 31

العلم، والله أعلم. وهذا في باب التَّقرير العِلْمي، أمَّا في باب الواقع العملي فينبغي للشَّخص أن يصِل ما استطاع صِلَته من أقاربِه، فصلة عامَّة المسلمين قُرْبة وطاعة، فالأقارب وإن بعدوا أوْلى وأحرى بهذه الصِّلة. وهنا تنبيه مهم وهو أن الَّذين تجب صلتُهم هم الأقارب الَّذين من النَّسب، أمَّا أقارب الرَّضاعة فليست صلتهم واجبةً، وإن كانوا يدْخُلون في تحريم النِّكاح، فالنُّصوص الواردة في الصِّلة هي في صلة النَّسب لا صلة الرَّضاعة، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : ((يحرُم من الرَّضاعة ما يَحرم من النَّسب))، ولم يقُل ﷺ يجب للرَّضاعة ما يجب للنَّسب؛ فلِذا لا يرِث القريب من الرَّضاعة ولا تجب له النَّفقة، لكن من حسن المعاملة ومكارم الأخلاق الإحسان إليْهم وصلتهم، واشتهر في كتُب السيرة أنَّ الشَّيماء بنت الحارث أخت رسول الله ﷺ من الرَّضاعة حينما قدمت على النبي ﷺ أكرمها ونحلها مالاً. هل أهل الزوجة أو أهل الزوج من الأرحام؟ الأرحام هم الأقارب من جهة الأب أو من جهة الأم أما أهل الزوجة فهم أصهار. كيفية صلة الأرحام: لم يُحدد الشرع لصلة الرحم أسلوباً معيناً أو قدراً محدداً، وإنما ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأعراف , وما دام المسلم لا يهجر أقاربه ويصلهم ولو بالسلام فلا يُعد قاطعاً، وللصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام , ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعاً، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له أن يفعله لا يسمى واصلاً. وصلة الرحم تكون بأمور متعددة فتكون بزيارتهم , والإهداء إليهم , والسؤال عنهم , وتفقد أحوالهم , والتصدق على فقيرهم والتلطف مع غنيهم , واحترام كبيرهم وتكون باستضافتهم , وحسن استقبالهم , ومشاركتهم في أفراحهم ومواساتهم في أحزانهم , كما تكون بالدعاء لهم وسلامة الصدر نحوهم , وإجابة دعوتهم , وعيادة مرضاهم كما تكون بدعوتهم إلى الهدى , وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر , وتكون بالمال والعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه والسلام , وتكون بالمال وبالعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه وبالدعاء , وهي بشكل عام هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول. حدود ما يجوز أن يراه الرجل من محارمه من النساء وحكم تقبيل المحارم من النساء: اختلف العلماء في تحديد ما يجوز أن يراه الرجل من محارمه من النساء، سواء كان أباً أو غيره. فذهب الحنفية إلى جواز نظره إلى الرأس والوجه والصدر والساق والعضد، ويحرم عليه النظر إلى ما بين سرتها وركبتها وظهرها وبطنها، وعرَّفوا البطن بأنه ما لان من المقدم، والظهر ما يقابله من المؤخر. وذهب المالكية -كما في منح الجليل-: إلى أنه لا يجوز له النظر إلى جميع جسدها غير الوجه والأطراف من عنق ورأس وذراع وقدم، لا ظهر وصدر وثدي وساق، ويجوز لمس وجهها وأطرافها إن لم يخش اللذة. وذهب الشافعية: إلى أنه يجوز له النظر إلى جميع بدنها، ما عدا ما بين السرة والركبة، وقيل: ما يبدو في المهنة فقط قلتُ وهذا الراجح عندي. قال الخطيب الشربيني في شرحه على المنهاج: (ولا ينظر الفحل من محرمه الأنثى من نسب أو

стр. 32

رضاع أو مصاهرة ما بين سرة وركبة منها. أي يحرم نظر ذلك إجماعاً، ويحل بغير شهوة نظر ما سواه -أي المذكور- وهو ما عدا ما بين السرة والركبة، لأن المحرمية معنى يوجب حرمة المناكحة، فكانا كالرجلين والمرأتين، فيجوز النظر إلى السرة والركبة، لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المحرم، فهذه العبارة أولى من عبارة ابن المقري تبعاً لغيره بما فوق السرة وتحت الركبة، وقيل: إنما يحل نظر ما يبدو منها في المهنة فقط، لأن غيره لا ضرورة إلى النظر إليه، والمراد بما يبدو في المهنة: الوجه والرأس والعنق واليد إلى المرفق والرجل إلى الركبة). والمهنة هي: الخدمة. وذهب الحنابلة إلى أنه لا يجوز للرجل النظر إلى محارمه من النساء، إلا ما يظهر من المرأة غالباً وهو الراجح عندي. قال ابن قدامة في المغني: (ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالباً كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك، وليس له النظر إلى ما يستتر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما). أما النظر إلى المحارم مع خشية الفتنة، فيحرم النظر إليها باتفاق العلماء والله أعلم. وتقبيل الرجل لمحارمه بلا شهوة والعكس جائز، يقول الإمام أحمد ﵀: لا بأس للقادم من سفر بتقبيل ذوات محارمه إذا لم يخف على نفسه، لكن لا على الفم بل الجبهة والرأس. كشاف القناع ٣/ ٩. وسئل أيضاً عن الرجل يقبل أخته؟ فقال: قد قبل خالد بن الوليد أخته. وروى البيهقي أن أبا بكر دخل على عائشة وقد أصابتها الحمى فقال لها: كيف أنت يا بنية؟ وقبل خدها. السنن الكبرى ٧/ ١٠١ وروت عائشة أن النبي ﷺ قبل فاطمة وقبلته. وبالجملة فالمحارم يجوز أن يقبل بعضهم بعضاً في ما جاز لهم النظر إليه، إذا أمنت الفتنة ولم تُخش الشهوة وإلا حرم؛ والله تعالى أعلم. حكم النفقة على الأقارب الفقراء: المسلم إذا كان له أقارب فقراء مسلمين وهو غني ووارث لهم فإنه يلزمه النفقة عليهم طعاماً وشراباً ومسكناً وكسوة ومركوباً إذا كانوا يحتاجونه ويزوجهم أيضاً إذا احتاجوا إلى النكاح. واعلم أخي القارىء الكريم أن النفقة على القريب -ذوي الرحم-بشكل عام مشروعة ولا تُترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان, والعفو والصفح مندوب ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم, والصفح هو مقابلة الإساءة بالإحسان فهو أعلى درجة من العفو, بل قال بعض أهل العلم على خلاف في المسألة أنه تجب النفقة على المسلم لقرابته الكفار الغير محاربين المحتاجين ممن تجب عليه نفقتهم باستثناء الكفار المحاربين والمستأمنين منهم داخل المجتمع المسلم فلا تشرع النفقة عليهم إلا لتأليفهم للإسلام أو مصلحة شرعية , وقرروا وجوب الإنفاق على الوالدين حال فقرهما وغنى الولد وإن اختلف الدينان, وقالوا أن صلة الرحم واجبة وإن كانت لكافر فله دينه وللواصل دينه وقياس النفقة على الميراث قياس فاسد, فإن الميراث مبناه على النصرة والموالاة بخلاف النفقة فإنها صلة ومواساة من حقوق القرابة , وقد جعل الله للقرابة حقاً وإن كانت كافرة فالكفر لا يُسقط حقوقها في الدنيا , وأن الموالاة الممثلة في الحب الديني والنصرة شيء والنفقة والصلة والإحسان للأقارب الكفار شيء آخر. وعلى هذا فالراجح أن الرحم الكافرة المسالمة توصل من المال ونحوه استحباباً كما توصل الرحم المسلمة لكن تتميز الرحم المسلمة بالمحبة والمودة القلبية الدينية والرضا عن حالها دينياً, وهذا باستثناء الوالدين فالنفقة عليهم واجبة في حال حاجتهم وقدرة الابن على الانفاق عليهم , فإذا كان للمسلم أب كافر ذمي أو للكفار أب مسلم يجب نفقة الأب على الابن ولو كان له أخ كافر لا يجب

стр. 33

عليه نفقته. حكم النفقة على القريب غير المسلم: اختلف الفقهاء في اشتراط اتحاد الدين بين من تجب له النفقة وعليه على قولين: الرأي الأول وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية حيث قالوا: إن اتحاد الدين ليس بشرط في قرابة الولادة لوجوب النفقة، فتجب النفقة للفروع على الأصول وللأصول على الفروع ولو مع اختلاف الدين. الرأي الثاني: الحنابلة: قالوا لا تجب النفقة عند اختلاف الدين، وحجتهم أن اختلاف الدين مانع من الميراث، والشرط عندهم في وجوب النفقة هو أن يكون من تجب له النفقة وارثا للمنفق فلا نفقة مع اختلاف الدين، يقول ابن ضويان في كتابه منار السبيل:"ولا نفقة مع اختلاف الدين بقرابة ولو من عمودي النسب لأنهما لا يتوارثان " وأما نفقة الحواشي وذوي الأرحام من غير المسلمين: الذين ذهبوا إلى وجوب النفقة للحواشي وذوي الأرحام هم الحنفية والحنابلة، لكنهم اشترطوا اتحاد الدين، لأنه لا وراثة عند اختلاف الدين بالتالي لا نفقة أيضا عند اختلاف الدين. فعند اختلاف الدين اتفق الفقهاء على عدم وجوب النفقة على غير الأصول والفروع، فلا تجب نفقة الأخ النصراني مثلا على أخيه المسلم، أو للأخ المسلم على أخيه اليهودي، وذلك لأن اختلاف الدين له تأثير في عدم وجوب النفقة. حكم الوقف للقريب غير المسلم: يجوز الوقف للقريب غير المسلم شريطة أن يكون قربة في نظر الشريعة الإسلامية، لأنه صورة من صور البر والإحسان لغير المسلم. كما روي أن صفية زوج النبي- ﷺ وقفت على أخ لها يهودي، ولأن من جاز أن يقف الذمي عليه جاز أن يقف عليه المسلم، لكنهم اشترطوا لصحة وقف الذمي، أن يكون الوقف قربة في نظر الشريعة الإسلامية دون النظر إلى اعتقاد الواقف، وعلى هذا لا يصح وقف الذمي على كنيسة، لأن هذا إعانة للذمي على المعصية والكفر وكذلك إن ما لا يصح من وقوف المسلمين لا يصح من أهل الذمة. حكم دفع الزكاة للأقارب: الصدقة على الأقارب صدقة وصلة , أما الزكاة الواجبة فإن كان مما يجب على الإنسان أن يدفعه فإنه لا يصح أن يدفع إليهم الزكاة لو كانت الزكاة لدفع حاجتهما من النفقة وهو ممن تجب عليه النفقة عليهم وماله يحتمل , أما إذا كان مما لا يجب عليه كالدين إذا كان المدين حياً فلا بأس , قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه لرياض الصالحين: أما الزكاة فإن كان مما يجب على الإنسان أن يدفعه فإنه لا يصح أن يدفع إليهم الزكاة، مثل لو كانت الزكاة لدفع حاجتهما من نفقة، وهو ممن تجب عليه النفقة، وماله يتحمل، فإنه لا يجوز له أن يعطيهما من الزكاة، أما إذا كان ممن لا يجب عليه، كما لو قضى ديناً عن أبيه أو عن ابنه أو زوجته، أو قضت ديناً على زوجها فإن ذلك لا بأس به إذا كان المدين حياً، أما إذا كان المدين ميتاً فلا يقضي عنه إلا تبرعاً، أو من التركة، ولا

стр. 34

يقضي عنه من الزكاة انتهى. حكم هجر الأرحام لمريض الرهاب الاجتماعي: هجر الأرحام بالنسبة لمريض الرهاب الاجتماعي غير محرم , بل قال أهل العلم أن الرهاب الاجتماعي عذر لترك الجمعة والجماعة , وعلى هذا فصلة الأرحام لمريض الرهاب الاجتماعي غير واجبة وإن كانت مستحبة في حقه. حكم صلة القريب الفاجر: قيل تجب صلة الرحم في جميع الأحوال ولو كان ذو الرحم المسلم فاسقاً وأن الصلة لا تتعلَّق بصلاح صاحِب الرَّحِم وفسقِه فلا يجوز قطعها لمجرد فسقه واستثنوا جواز هجره إذا ترتب عليه مصلحة , وهذا القول ضعيف , وقيل يجب هجر الرحم الفاجرة وهذا أيضاً قولٌ ضعيف , والصحيح هو أن صلة القريب الفاجر لا واجبة ولا محرمة بل مستحبة , والذي يدل على استحبابها ما يلي: عموم قوله تعالى (وأحسنوا إن الله يُحب المحسنين) , ومن جملة الإحسان صلتهم والبر بهم. وعن عبدالله بن عمرو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((ليس الواصِل بالمكافِئ، ولكن الواصل الَّذي إذا قُطِعَتْ رحِمه وصلها))؛ رواه البخاري. فأخبر النَّبيُّ ﷺ : أنَّ الواصل الحقيقيَّ هو الَّذي يصل مَن يقطعه من أقاربه، والقاطع فاسق بقطْعِه رحِمَه، ومع ذلك أمر النَّبيُّ بصلتِه ولَم يجعل فِسْقَه بقطع الرَّحِم مانعًا من صلته. وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك" رواه مسلم , ولا شك أن من يقطعون من يصلهم ومن يسيئون على من يُحسن إليهم ومن يجهلون على من يحلم عنهم عندهم من الفسوق ما الله به عليم, ومع ذلك نجد أن رسول الله ﷺ لم يُرشد هذا الصحابي الكريم إلى مقاطعتهم بل شجعه على ما هو عليه وهذا إن دل فإنه يدل على استحباب صلتهم والإحسان إليهم. ولتعلم أخي القارىء أن أهل العلم المحققين يُفرقون بين الرحم الفاجرة التي لا تزال في دائرة الإسلام والرحم الكافرة فالأولى يتساهلون فيها وفي مواصلتها والثانية يقيدونها ببعض القيود, قال ابن حجر بعدما تكلم عن صلة الرحم الكافرة وضوابطها: "وأمّا من كان على الدين ولكنه مقصّر في الأعمال ـ مثلاً ـ فلا يشارك الكافر في ذلك"، أي: في القيد المذكور في صلة القريب الكافر. وإليك أخيراً بعض أقوال السلف في هذه المسألة ليطمئن قلبك: قال ميمون بن مهران: "ثلاث تؤدَّى إلى البر والفاجر: الرحم توصَل برّةً كانت أو فاجرة، والأمانة تؤدَّى إلى البر والفاجر، والعهد يوفَّى للبر والفاجر". قال الفضل للإمام أحمد: رجل له إخوة وأخوات بأرض غصب، ترى أن يزورهم؟ قال: "نعم، ويزورهم ويراودهم على الخروج منها، فإن أجابوا وإلا لم يقم معهم، ولا يدع زيارتهم". أما دليل عدم وجوب صلة القريب الفاجر فهي كثيرة وجمهور أهل العلم قرروا أن جفاء المُقيم على معصية لا إثم فيه وأن القرابة لا تمنع من الهجران المشروع , وأن الهجر إذا تم على وجهه الشرعي لا يُعد قطيعة قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصاً على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه. فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. انتهى. وقال النووي في الروضة: قال أصحابنا وغيرهم

стр. 35

هذا في الهجران لغير عذر شرعي، فإن كان عذر بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور فلا يحرم، وعلى هذا يُحمل ما ثبت من هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه الصحابة عن كلامهم، وكذا ما جاء من هجران السلف بعضهم بعض. انتهى. وفي صحيح مسلم: أن قريباً لعبد الله بن مغفل خَذَف فنهاه فقال: إنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الْخَذْف وقال: إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا وَلاَ تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ، قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله نهى عنه ثم عُدْتَ تخذف لا أكَلِّمك أبداً. قال النووي معلقا: في هذا الحديث هجران أهل البدع والفسوق ومُنَابِذِي السنة مع العلم، وأنه يجوز هجرانه دائماً والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائماً، وهذا الحديث مِمَّا يؤيده مع نظائر له كحديثِ كعب بن مالك وغيره. انتهى. حكم صلة القريب الكافر: حكم صلة القريب الكافر قيل أنها محرمة ويجب هجرهم وقيل جائزة وهي رخصة والصحيح أنها مستحبة والذي يدل على هذا ما يلي: عموم قوله تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) , والصلة من جملة الإحسان. وقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). يقول ابن سعدي ﵀ في تفسير هذه الآيات (ولما نزلت هذه الآيات الكريمات-يقصد أول سورة الممتحنة-، المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه. فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلماً: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ , [وقوله:] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: لأجل دينكم، عداوة لدين الله ولمن قام به، ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا﴾ أي: عاونوا غيرهم ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ نهاكم الله ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بالمودة والنصرة، بالقول والفعل، وأما بركم وإحسانكم، الذي ليس بتول للمشركين، فلم ينهكم الله عنه، بل ذلك داخل في عموم الأمر بالإحسان إلى الأقارب وغيرهم من الآدميين، وغيرهم انتهى). وعن أسْماء بنت أبي بكر ﵄ قالتْ: قدمتْ علي أمِّي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيتُ رسولَ الله ﷺ قلت: وهي راغبة، أفأصِل أمي؟ قال: ((نعم، صِلِي أمَّك))؛ رواه البخاري ومسلم. وعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: رأى عمر بن الخطَّاب حلَّة سيراء - أي حرير - عند باب المسجِد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريْتها فلبسْتَها يوم الجمعة وللوفد، قال: ((إنَّما يلبسها مَن لا خَلاق له في الآخِرة))، ثمَّ جاءت حلل فأعْطى رسولُ الله ﷺ عُمَر - منها حُلَّة، وقال: أكسوْتَنيها وقلت في حلَّة عُطَارِد ما قُلْت؟! فقال: ((إنِّي لم أكسُكها لتلبسها))، فكساها عمر

стр. 36

أخًا له بمكَّة مشركًا؛ رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط وفي رواية ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً وفي رواية فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحماً أو قال ذمة وصهراً رواه مسلم قال العلماء الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل ﷺ منهم والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم. وعن أبي هريرة ﵁ قال لما نزلت هذه الآية «وأنذر عشيرتك الأقربين» دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا فعم وخص وقال "يا بني عبد شمس يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها" رواه مسلم , والبلال الماء ومعنى الحديث سأصلها شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة, والشاهد قوله ﵊ لعشيرته الكفار (غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها) , والنبي ﵊ وصل أقاربه الكفار، وصل عمه أبا طالب، وكان يأتيه ويدعوه إلى الإسلام، وغير ذلك، وإذا تقرر جواز صلة الرحم الكافرة فجواز صلة الرحم الفاجرة الفاسقة التي لا تزال مسلمة من باب أولى , ولتعلم أن الصلة بالمعنى العام يدخل فيها الأرحام الكفار والفساق وإن كانت صلتهم عموماً تكون دون صلة الأرحام المسلمين الصالحين , والذي ينبغي من جهة الكمال والاستحباب أن تكون صلة الرحم الكافرة -غير الوالدين -من أجل التأليف على الإسلام أو مراعاة وجود من تحت ولايته من الأبناء المسلمين كما قال ابن حجر: "إن صلةَ الرحم الكافر ينبغي تقييدها بما إذا آنس منه رجوعاً عن الكفر، أو رجا أن يخرج من صلبه مسلم كما في الصورة التي استدلّ بها وهي دعاء النبي ﷺ لقريش بالخصب وعلّل بنحو ذلك، فيحتاج من يترخّص في صلة رحمه الكافر أن يقصد إلى شيء من ذلك" انتهى. خلاصة حكم صلة القريب الفاسق والكافر: الراجح كما بيَنا أن الكفار والعصاة أهل الكبائر المجاهرين صلة رحمهم غير واجبة وإنما هي مستحبة إلا أنه يفرق بين الوالد وغيره , فالوالد تُطلب صلته وصحبته بالمعروف وجوباً, وقد ذهب إلى هذا فقهاء المذاهب الأربعة وخالف بعض أهل العلم فسوى بين المسلم والكافر في الصلة، ولكن الراجح مذهب الجمهور, وذلك أن القرابات مختلفة فمنها من لا يقطع صلتها الكفر كالوالدين ومنها من يقطعها الكفر كالعشيرة وأبناء العم والإخوة فهي درجات متفاوتة وإن كانت صلة هؤلاء مستحبة , وعلى هذا فصلة الرحم الفاسقة والكافرة مستحبة باستثناء الوالدين فهي واجبة. حكم صلة القريب الكافر إذا كانت صلته تؤدي إلى محبته طبيعياً: أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة فمنهم من يُغلَب جانب بغض الأرحام الكفار في الله أو على الأقل عدم مودتهم فيرى وجوب هجر الأرحام الكفار هجراً جميلاًً إذا آنس المسلم من نفسه ميلاً لهم ومحبة ويرى وجوب قطع أسباب هذه المودة ولو أدى إلى عدم قبول هداياهم وعدم زيارتهم ومقاطعتهم ونحو ذلك , وهذا باستثناء الوالدين والزوجة الكتابية. وهناك من أهل العلم من يُغلب جانب صلة الأرحام ولو أدى إلى محبتهم بمقتضى الطبع , إلا أن أهل العلم اتفقوا جميعاً على أن كل بر وصلة بالمعروف ظاهرها الرحمة ولا تستلزم مودتهم فهي مشروعة , وليفعل المسلم ما هو أصلح لقلبه.

стр. 37

حكم صلة الرحم الصالحة المؤذية: حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المضرة دنيوياً غير واجبة بالاتفاق , قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصاً على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه. فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. انتهى. وقال رسول الله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار". وأما حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية دنيوياً فغير واجبة على مذهب بعض أهل العلم طبعاً باستثناء الوالدين , وقالوا عن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَإِنْ كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُ لَكَأَنَّمَا تُسِفِّهُمُ الْمَلُّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ ". أن الحديث محمول على استحباب صلة الرحم المؤذية لا وجوب ذلك، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والورع يا عبدالله يقتضي صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية مالم تصل إلى حد الضرر , والفرق بين الضرر والأذى ـ والله أعلم ـ أن الأذى هو الضرر اليسير، قال ابن عطية: قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ـ معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة. وقال القرطبي: وَالْمَعْنَى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا ضَرًّا يَسِيرًا. اهـ. ولكن لا يلزم أن يكون هذا التفريق الثابت هنا ثابتا أيضا في لفظي المضرة والأذى المذكور في كلام ابن عبد البر. علما بأن الصلة تبدأ من السلام عند اللقاء، أو بمكالمة هاتفية أثناء الغيبة، وبهذا يخرج المرء من إثم الهجرة، ثم تمتد لتشمل كل أنواع البر الأخرى، فمن عجز عن درجة معينة من درجاتها فلا ينبغي أن يعجز عما تتحقق به الصلة في حدودها الدنيا. كيفية التوفيق بين قول النبي ﷺ : إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير الحديث، وفيه التنفير من مجالسة رفيق السوء وكذلك قوله: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم الحديث.، وفيه التنفير من الفساق وكذلك قول الرسول ﷺ : لا تصاحب إلا مؤمنا ـ وبين قول النبي ﵊: صل من قطعك ـ وقوله: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ـ ومن المعلوم بأن القاطع للرحم فاسق؟ الصلة لا تستلزم مصاحبة، فالصلة تحصل بكل ما اعتبره العرف صلة كالزيارة والإهداء والاتصال ونحو ذلك. ثم إن قول النبي ﷺ (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم الحديث) حديث ضعيف الإسناد وضعفه الألباني , وبالتالي لا يُحتج به في الأحكام. كيفية صلة الأقارب الفسَاق والكفار والمُؤذين منهم ومجالستهم والتعامل معهم: لا شك أن صلة الأرحام الكفار والفساق تختلف عن صلة الأرحام المسلمين الصالحين المتقين , وقد

стр. 38

كان رسول الله ﵊ يصل ذوي رحمه وأقاربه من غير أن يُؤثرهم على من هو أفضل منهم , ولتعلم أن أهل العلم قد اتفقوا على أن الصلة والبر والإحسان الذي لا يستلزم التحابب والتوادد للأرحام الكفار مشروع باتفاق أهل العلم كالصلة بالمال وتفقد أحوالهم والنفقة والإعانة على نوائب الحق والصدقة على المسكين منهم وتعزيتهم وعيادة مرضاهم وكل صلة تدل على الرحمة لا المودة ويُراد بها وجه الله , واتفق أهل العلم أيضاً على أنه يُشرع قطع القريب الفاسق إذا كان في قطيعته زجر له عن الفسق وإصلاح لحاله ولا بأس بقطيعته عندئذ , واتفق أهل العلم كذلك على أنه إذا كان القريب فاسق ومن باب أولى الكافر تخشى الافتتان به وتخشى أن يضرك في دينك فيجب عليك في هذه الحال هجره وعدم صلته إلا ما كان على سبيل المداراة وخاصة إذا كان يعسر التحرَز من مقاطعته كلياً لأي سبب كان , فمن في مخالطته ضرر ديني أو دنيوي فعاشره بالمعروف حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً. وبهذا يتبين لك أخي أنه يُشرع الإحسان إلى الأقارب غير المسلمين وصلتهم وبرهم ووصلهم بالزيارة وإدخالهم المنزل وقبول الهدية منهم وإكرامهم والإحسان إليهم والاهداء إليهم والاتصال وغير ذلك مع عدم موالاتهم ومودتهم مودة دينية , وذلك أن القريب الكافر له حق الصلة ولكن ليس له الولاية فلا تواليه وتناصره على باطله , والله تعالى إنما أثبت الولاية بين أولي الأرحام بشرط الإيمان , وذلك أن الولاية تكون بالدين، والأقارب إذا لم يكونوا على دين واحد لم يكن بينهم توارث ولا ولاية. وليُعلم أن التبسم للكافر المسالم وكذلك مُؤاكلته ومُشاربته لسبب معتبر كتأليفه للدخول في الإسلام أو لكونه ذا قرابة ورحم أمر جائز ولا حرج فيه ولكن يحذر من متابعته أو إقراره على شيء من باطله , علماً بأن مجالسة أهل المعاصي والكفر من ذوي الأرحام لا يكون إلا في وقت لا يُباشرون فيه المعصية، ويُشرع تخفيف وقت الزيارة لهم وخاصةً الذين يُخشى منهم إظهار بعض المنكرات. ولتعلم بأن القاطع لرحمه والمُسيء لهم والجاهل عليهم تُشرع أحياناً صلته والإحسان إليه والحلم عليه ومن يفعل ذلك فهو مُحسن محمود عند الله , فالإحسان إلى الأقارب مع الإساءة منهم والصلة مع قطيعتهم مشروعة كما بينا وأنت مأجور على ذلك. وأما الرحم المؤذي العاصي الذي يؤذي أهله فالأفضل أن يصبروا ويحلموا ويدافعوا إساءته بالإحسان عملاً بقوله تعالى) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فإن خيف حصول الأذى منه فلا بأس بتجنب لقائه في بعض الأحيان طلباً لحصول السلامة من شره دون القطيعة التامة والاكتفاء بأدنى الوصل من السلام والكلام بالهاتف وذلك أنه لا يلزم لتحقيق الصلة أن يزور الشخص أرحامه أو يجالسهم ويحادثهم بل عليه أن يفعل ما تتحقق به الصلة وفي نفس الوقت يندفع به أذاهم عنه. وعموماً عليك أن تحافظ مع أرحامك الذين تُستحب صلتهم على الحد الذي لا تحصل به القطيعة ولا ينالك بسببهم ضرر مع محاولة إصلاحهم فإن يئست من ذلك فلا حرج حينئذ في مقاطعتهم, ولكن عليك أن تجعل هجرك لهم في الله ولله, فإن هجر أهل المعاصي والكبائر في الله – حتى ولو كانوا من الأرحام غير الوالدين - من شُعب الإيمان, وهجرهم لغير الله وهم على الفسق جائز، والأدلة عليه أكثر من أن تُحصر وأشهر من أن تُذكر والهجر إذا تم على وجهه الشرعي لم يكن قطعية للرحم. شروط تشييع جنازة الكافر القريب:

стр. 39

إذا كان الكافر محارباً لا تجوز تعزيته مطلقاً ولا تشييعه , أما إذا كان الكافر غير مُحارب للمسلمين وكان قريباً للمسلم فيجوز أن يحضر جنازته ويشيعها مع المشيعين بشروط ثلاثة: ١ - ألا يحضر الصلاة عليه ولا يقوم على قبره أثناء الدفن. ٢ - أن يسير أمام الجنازة بعيداً عنها قليلاً يقف بعيداً عن القبر وإذا أردوا الدفن رجع. ٣ - وأن يكون الكافر قريباً للمسلم قرابة مباشرة. • كيفية التوفيق بين الاحتساب وصلة الأرحام: حكم النصيحة إذا أدت إلى الهجر بين الأقارب: الإنكار باللسان للمنكرات التي يقع فيها الأقارب ولا يحضرها المسلم ولكنه يعلم بوقوع أقاربه فيها فحقهم عليه أن ينصح لهم ويعظهم فإن تيقن أن ذلك سيؤدي إلى هجرهم له وتأثيمهم بذلك فالذي نراه له أن يتوسل إلى ذلك بغيره من الناس كأحد الأصدقاء أو الجيران بحيث يجمع بين صلتهم له وإيصال حق النصيحة لهم ويكفيه هو الإنكار بقلبه , وما دام المسلم يُنكر المنكر بقلبه ولا يشارك أقاربه في مجالسهم التي تحتوي على منكر فلا بأس عليه. حكم إنكار المنكر مع الأقارب إذا كان يؤدي الإنكار إلى المقاطعة: الأصل الجمع بين الصلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللين والرفق ولا يجوز السكوت على المنكر بل يجب إنكاره سواء كان صاحبه قريباً أو غيره ولكن التغيير باليد واللسان مشروطان هنا بالاستطاعة وأن لا يؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم من المنكر نفسه ومن عجز عن ذلك فلا أقل من إنكار القلب فإن قاطعوك أقاربك لأجل النصح والإرشاد لم تُعتبر قاطعاً للرحم في هذه الحال بل إن هجر المقيم على المعصية إذا لم ينفع معه التوجيه والنصح إن كان سيرجع إلى الصواب مشروع , ولكن اعلم أنه لا يُطالب المسلم بهجر الفساق مطلقاً بل المراد إن كان في هجرهم صلاح لهم هجرهم وإن لم يكن فليهجرهم وقت فعلهم للمنكر فقط , وهذا إذا لم يحضرهم للإنكار عليهم. كيفية التعامل مع مجالس الأقارب التي تحوي منكر: الواجب مقاطعة مجالس المنكر ولو كانوا أرحاماً ولا يضر أنهم قاطعوك وقطعوا الصلة بينك وبينهم في المستقبل بناءً على مقاطعة مجالسهم التي تشمل على المنكر , وإذا قاطعوك وقطعوا الصلة في هذه الحال , فصلهم بما تستطيع من المعروف ويكون عليهم إثم القطيعة ولك أجر الصلة والإحسان من دون مجالستهم وهم على معصية , ولتعلم أن المسلم إذا قطعه أرحامه من أجل إقامة حدود الله فهو منصور عليهم والواجب على المسلم طاعة الله وعدم معصيته ولو أدى ذلك إلى قطيعة بينه وبين أقاربه. هل يجوز هجران الرحم المؤمنة الصالحة إذا كان لا يُمكن مواصلتها إلا بالاتصال بالرحم الكافرة؟ أو بمعنى آخر إذا كان هجر من يستحق الهجر من ذوي الأرحام لا يمكن أن يقع إلا بهجر من لا يستحق الهجر من ذوي الرحم فما العمل؟ نقول أن الهجر للأقارب المستحقين للهجر منوط بالمصلحة سواءً كانت المصلحة في حق الهاجر أو كانت المصلحة في حق المهجور, فإذا لم يكن للهجر فائدة فليستمر المسلم في مواصلتهم مع نصحهم , وأما من لا يستحق الهجران من الأقارب فلا يُشرع هجرانه بسبب وجود بعض الفساق من حوله فإن الهجران قطيعة للرحم وهي حرام والصلة واجبة وخاصة إذا كان لا يستطيع أن ينفك عنهم كأن يكون لهم حق عليه واجب كأبيه وأمه المشركين وزوجته الكتابية , وذلك لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة والمفسدة هنا هي قطع رحم الأقارب وغضبهم لذلك والمصلحة هي تأثر المهجور وابتعاده عن الأشياء التي قوطع من أجلها وقد ذكر أهل العلم أن الحق لا يُترك لأجل الباطل إلا أن

стр. 40

على المسلم أن يُداري هؤلاء الفساق والكفار. من المعلوم أن صلة الأرحام تتطلب زيارتهم وإجابة دعواتهم وبعض الأرحام لا يُبالي بماله من أين اكتسبه , والسؤال كيف يُعامل صاحب المال الحرام؟ المحرم وأنواعه: ١ - محرم لعينه كالخنزير والخمر والمغصوب والمسروق , فهذه الأصناف لا تجوز المعاملة فيها علماً بأن المسروق والمغصوب لو باعه غاصبه وسارقه جاز معاملته في ثمنهما علماً بأن النقدين لا تلحقه صفة العينية. ٢ - محرم لكسبه كالربا والغش ونحوها والرشاوي فهذه تجوز معاملة أصحابها فيها وقبول هداياهم ونحو ذلك. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تفسير سورة البقرة: الخبيث لكسبه مثل المأخوذ عن طريق الغش أو عن طريق الربا أو عن طريق الكذب وما أشبه ذلك؛ وهذا محرم على مكتسبه وليس محرما على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح؛ ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت ويأخذون الربا، فدل ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب. اهـ. وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ﴿إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَأَطْعَمَهُ طَعَامًا فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَلَا يَسْأَلْهُ عَنْهُ وَإِنْ سَقَاهُ شَرَابًا مِنْ شَرَابِهِ فَلْيَشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ وَلَا يَسْأَلْهُ عَنْهُ﴾ رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: لِي جَارٌ يَأْكُلُ الرِّبَا وَلَا يَزَالُ يَدْعُونِي قَالَ الثَّوْرِيُّ إنْ عَرَفْته بِعَيْنِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ: وَمُرَادُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَكَلَامُهُ لَا يُخَالِفُ هَذَا. وَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: إذَا كَانَ لَك صَدِيقٌ عَامِلٌ فَدَعَاك إلَى طَعَامٍ فَاقْبَلْهُ فَإِنَّ مَهْنَأَهُ لَك وَإِثْمَهُ عَلَيْهِ. قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَامِلُ الْبَصْرَةِ يَبْعَثُ إلَى الْحَسَنِ كُلَّ يَوْمٍ بِجِفَانِ ثَرِيدٍ فَيَأْكُلُ مِنْهَا وَيُطْعِمُ أَصْحَابَهُ. وَبَعَثَ عَدِيٌّ إلَى الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ فَقَبِلَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَرَدَّ ابْنُ سِيرِينَ قَالَ: وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ طَعَامِ الصَّيَارِفَةِ فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرَكُمْ اللَّهُ عَنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ الرِّبَا وَأَحَلَّ لَكُمْ طَعَامَهُمْ. وَقَالَ مَنْصُورٌ: قُلْت لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَرِيفٌ لَنَا يُصِيبُ مِنْ الظُّلْمِ وَيَدْعُونِي فَلَا أُجِيبُهُ , فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لِلشَّيْطَانِ غَرَضٌ بِهَذَا لِيُوقِعَ عَدَاوَةً , قَدْ كَانَ الْعُمَّالُ يَهْمِطُونَ وَيُصِيبُونَ , ثُمَّ يَدْعُونَ فَيُجَابُونَ قُلْت: نَزَلْتُ بِعَامِلٍ فَنَزَّلَنِي وَأَجَازَنِي قَالَ: اقْبَلْ قُلْت: فَصَاحِبُ رِبًا قَالَ: اقْبَلْ مَا لَمْ تَرَهُ بِعَيْنِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْهَمْطُ الظُّلْمُ وَالْخَبْطُ يُقَالُ هَمَطَ النَّاسَ فُلَانٌ يَهْمِطُهُمْ حَقَّهُمْ , وَالْهَمْطُ أَيْضًا الْأَخْذُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ , وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَكَمَا لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مُحَرَّمًا فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِالِاحْتِمَالِ وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى انتهى. خلاصة فقه صلة الرحم: من الفرائض على المكلف أن يصل رحمه أي قرابته المؤمنين الصالحين وتكون الصلة بالزيارة كما ذكرنا وببذل المال وبالقول الحسن وبالسؤال عن الحال والصفح عن زلاتهم وبالمعونة لهم عند الحاجة وقيدنا بالمؤمنين لأن الكافرين والفاسقين الراجحة معاصيهم على طاعاتهم لا يُطلب من المسلم لهم إلا بر والديه وأما الصلة وما شابهها مما يستدعي كثرة التردد ومحبة جميع ما عليه
следующие страницы →