← Акыда

Акыда · id 96246

الولاء والبراء والعداء في الإسلام

أبو فيصل البدراني

Полный текст (121 стр.). Показаны 106–121 · переход к 111.

стр. 106

فالمودة الدينية لا تجوز، أما الحب الطبيعي فهذا لا يدخل في الأمور الدينية ... انتهى). وقال محمد رشيد رضا ﵀ (الله لم ينه المسلمين، بل حذرهم أن يكونوا أحب إليهم من الله ورسوله، وجهاد ما في سبيله ; لأن هذا لا يجتمع مع الإيمان الصحيح كذلك نهاهم في سورة المجادلة عن موادة من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم إذا كانت لأجل المحادة، كما يفيده ترتيب النهي على فعلها، فإن المودة هي المعاملة الحبية، والمحادة شدة العداوة والبغضاء، فاشتراك المؤمن المحب لله ورسوله مع المحاد لله ولرسوله في المودة المرتبة على صفتيهما جمع بين الضدين، فهو في معنى موالاتهم بل أخص منها ... انتهى). ومراده ﵀ بكلامه أن المودة المنهي عنها إنها هي المودة لأجل ما هم عليه من المحادة لله ورسوله، فمثل هذه المودة لا تجتمع مع الإيمان، فلا يمكن أن يجتمع في قلب رجل واحد محبة الله ورسوله، مع محبة من يحاد الله ورسوله، بحيث يكون الباعث على هذه المحبة هو هذه المحادة، فهذان ضدان لا يجتمعان، بخلاف الجمع بين محبة الله ورسوله والمؤمنين محبة دينية شرعية، وبين محبة أعداء الله ورسوله والمؤمنين محبة جبلية بشرية. وعلى هذا يكون مراد الآية كالتالي "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لمحادتهم لله ورسوله كما يفيده ترتيب النهي على فعلها , والحكم المُعلل إذا قُرن بوصف يصلح للتعليل فهو العلة مثل قوله تعالى " إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ " أي إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ لبرهم وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ لفجورهم. الإشكال الخامس: بالنسبة لمن قال: أن ما قررناه ينافي ويُعارض ما روى أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله ﷺ (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). ومارواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله) ومحبة الكافر المعين تُعارض ما ورد عن أسماء بنت عميس وهي ممن هاجر إلى الحبشة تقول كما في صحيح البخاري (كنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة) [البخاري، ٤٢٣٠] فأهل الحبشة مسالمون، بل نفعوا أصحاب النبي حيث وفروا لهم لجوءاً سياسياً في وقت الأزمة مع قريش، ومع ذلك تسميهم "البُغَضاء". ولما بعث نبي الله ﷺ عبدالله بن رواحة إلى اليهود لخرص الثمار خافوا أن يظلمهم فقال لهم كما عند أحمد بسند صحيح: (يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم) [أحمد: ١٤٩٦٦] فهؤلاء كفار مسالمون وليسو محاربين، ومع ذلك يستعلن ﵁ ببغضه لهم. الجواب على ذلك: أن ما قررناه لا يعني خلو قلب المؤمن من البغض في الله فهو لا يزال يبغض جميع الأعمال المخالفة للشرع ثم إن هذه الأحاديث دليل على وجوب بغض عموم الكفار

стр. 107

وهذا خارج محل النزاع , أو يُقال أن هذه النص عامة ولا يمنع من تخصيصها بنصوص أخرى. وأما الرد على من استدل على وجوب بغض أعيان الكفار مطلقاً بلا استثناء بحديث أسماء بنت عميس ((كنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة) [البخاري، ٤٢٣٠] وبحادثة عبد الله بن رواحة ﵁ مع اليهود حين أراد خرص الثمار, فالجواب عليه أن في هذا دليل على وجوب بغض عموم الكفار في الله كما تقدم وهذه متفق عليها , أو يُقال أن ما تقدم فيه دليل على جواز بغض الكافر المسالم في الله ومشروعيته لا وجوبه. الإشكال السادس: بالنسبة لمن حاول التوفيق بين محبة الكافر محبة طبيعية وبغضه لدينه في ذات الوقت فالجواب على ذلك: أن هذا مجرد جمع نظري والواقع يكذبه , وأن المشكلة ليست في مجرد الجمع النظري بين المحبة الطبيعية والبغض الديني وإنما المشكلة هي في الجمع بين موجب الأمرين فمن موجبات البغض الديني عدم البدء بالسلام مثلاً وعدم المخالطة إلا إذا طمع في إسلام الكافر وإظهار البغض له ومقتضى البغض في الله أن يبعدوا عنهم ويهجروهم , وموجبات المحبة الطبيعية هي المخالطة والانجذاب والتبسط وهي موجبات تتعارض مع موجبات البغض في الله وإن قلنا أن البغض للدين والمحبة لغير الدين. ثم اعلم أن البغض والمحبة قد يجتمعان حينما يكون محل البغض يختلف عن محل المحبة فقد تحب أعمال الإنسان الموافقة للشرع وفي ذات الوقت تُبغض أعماله المخالفة للشرع وذلك لانفكاك الجهة لكن محبة ذات الشخص المعينة وبغضها في ذات الوقت يستحيل عقلاً وهو ممتنع بل يجب أن يكون الغالب عليه المحبة أو البغض , وعليه فمن قال إنه يحب الزوجة الكتابية حباً طبعياً ويبغضها لأجل كفرها فمحصل قوله: أن الله يكلف عباده بما لا يطاق، بل يكلف عبادة بالمستحيل؛ لأن الحب يترتب عليه القرب والتلذذ، والبغض يترتب عليه البعد والنفرة، ويستحيل الجمع بين هذين العملين المتناقضين؟! , وقد ورد في "حاشية العدوي" (١/ ٢٧٣): "قَوْلُهُ: (وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك) أَيْ: نَطْرَحُ مَوَدَّةَ الْعَابِدِ لِغَيْرِك، وَلا نُحِبُّ دِينَهُ وَلا نَمِيلُ إلَيْهِ. وَلا يُعْتَرَضُ هَذَا بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ لأَنَّ فِي تَزَوُّجِهَا مَيْلًا لَهَا لأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُرَادُ هُوَ بُغْضُ الدِّينِ اهـ. والخطأ الذي يقع فيه من قال بمثل هذا أنه لم يتصور أن الكفر وصف قائم بالذات، مثله مثل كل وصف مكروه كوصف البخل، أو الكذب، أو الفسق أو غيره، فالكره متوجه لذلك الوصف وليس للذات نفسها، فأنت تحب أباك حباً فطرياً لكن تكره فيه صفة البخل، أو صفة الفسق، أو صفة الكفر، وتحب زوجتك المسلمة لكن تكره فيها صفة سلاطة اللسان مثلاً، ويُقال مثل هذا في الزوجة الكافرة فأنت تحب زوجتك النصرانية وتكره فيها صفة الكفر لكن يستحيل أن يتوجه الحب والبغض للذات نفسها كما تقدم؛ فيستحيل أن تحب أباك وتبغضه في الوقت نفسه، ومثله أن تحب زوجتك وتبغضها وتنفر منها , وهنا سؤال للمعترض: هل يمكن الجمع بين الإرادتين المتناقضتين في شخص واحد؟

стр. 108

الجواب: بالطبع لا يُمكن وهو مستحيل لأن المتناقضين يرفع أحدهما الآخر فتحقق أحدهما ينافي تحقق الآخر، ومثله حب ذات المرأة، وكرهها يستحيل الجمع بينهما , لأنه إذا تحققت إحدى الإرادتين ارتفعت الأخرى بدليل أن القلب إذا أبغض أمر ما من وجه وأحبه من وجه آخر فلا بد من غلبة أحدهما على الآخر فلا يمكن أن يجتمعا إلا بحالة من الصراع النفسي والحرج فلذلك إذا تعاطى المريض الدواء دل ذلك على أنه ترجح لديه محبته وإذا جاهد المسلم دل ذلك على ترجيحه لمحبة الجهاد ومرضاة ربه ولكن المسلم المتزوج للكتابية كيف يرجح؟ إن رجح بغضها فلا يمكن أن يُبقيها في عصمته وسيطلقها لا محالة وإن أحبها سيعني أنه لن يبغض ذاتها ولو دينياً بل يبغض أعمالها المخالفة للشرع. وأما من استدل على إمكان الجمع بين بغض الزوجة الكافرة وحبها بقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة:٢١٦] وقال ((ونظير ذلك في الشرعيات أن القتال في سبيل الله يجتمع فيه كره طبيعي لما فيه من إيذاء النفوس، وحب شرعي لما فيه من الثواب العظيم، كما قال تعالى في الكراهية الطبيعية للقتال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة:٢١٦] وقال تعالى في الحب الشرعي للقتال (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) [التوبة:٩٢]. فانظر كيف أخبر أنهم يكرهون القتال طبعاً، ثم تفيض عيونهم من الحزن إذا فاتهم القتال لحبهم إياه شرعاًَ وديانة!)) انتهى. فالجواب أن هذه الآية فيها الرد على مذهبهم، فهي على عكس مراد من استشهد بها تماماً؛ وذلك أن هذه الآية تقرر أن أصل الجهاد محبوب لنفس المؤمن لكن صفة المشقة فيه مكروهة، تماماً كما أن الزوجة الكافرة قد تكون محبوبة لزوجها المؤمن لكن صفة الكفر فيها مكروهة، فالكره الوارد في آية الجهاد متوجه لصفة المشقة لا للجهاد نفسه، ولهذا لو قيل للمؤمن: إنك ستجاهد من دون مشقة لكان محبوباً له من كل وجه. وهذه الآية من أقوى الأدلة القاطعة على استحالة الجمع بين الحب والبغض لذات الشيء بل الحب متوجه للذات، والبغض متوجه لصفة من صفات الذات، كما قررنا أن من قال إن المسلم يحب زوجته الكافرة من وجه ويكرهها من وجه أنه تكليف بما لا يطاق. وقول المعترض ((إن الدواء يجتمع فيه الحب والبغض، فهو محبوب من وجه مبغوض من وجه، وهذا مثال يكرره أهل العلم كثيراً للتدليل على كيفية اجتماع الحب والبغض في شخص واحد.)) قلنا: لا يسلم له هذا، بل ذات الدواء مكروه للمريض أصلاً، ومحبته إنما لصفة من صفات الدواء وهي ما فيه من شفاء. ومثله قول المعترض ((وكذلك فإن كل نفس تجد في داخلها كراهية السجن كراهية طبيعية، ولكن لما كان فيه مصلحة شرعية ليوسف ﵇ صار أحب إليه شرعاً وإن كان يبغضه طبعاً، كما قال تعالى عن يوسف (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف:٣٣]))،

стр. 109

وهذا أيضا دليل عليهم فذات السجن مكروه ليوسف، ومحبته ليست للسجن بل لأمر خارج السجن وهو البعد عن المرأة المغوية، فذات السجن مكروهة ليوسف من كل وجه، ولولا ما تعلق به من مصلحة ليست من السجن أصلاً لم يحبه. ومن الأدلة أيضاً على استحالة جمع بغض الزوجة الكافرة ومحبتها في القلب وأن من قرر ذلك فقد قرر أن الله يكلف بالمستحيل: الدليل الأول: من الواجب على الزوج العدل بين زوجاته، ومن لم يعدل فهو آثم وظالم ومرتكب لكبيرة من الكبائر، ولهذا قال تعالى ((فإن لم تستطيعوا أن تعدلوا فواحدة))، ومع هذا فقد جاء في الحديث ((عَنْ عَائِشَة " أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَقْسِم بَيْن نِسَائِهِ فَيَعْدِل وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِك، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِك وَلَا أَمْلِك " قَالَ التِّرْمِذِيّ يَعْنِي بِهِ الْحُبّ وَالْمَوَدَّة، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ أَهْل الْعِلْم. فالحديث بجموع طرقه حسن لغيره، وعليه فالرجل المسلم قد يحب إحدى زوجتيه أكثر من الأخرى، والشاهد من ذلك كله هو أننا نقرر أن أمر الحب والبغض أمر بيد الله لا طاقة للعبد في التحكم به، ولا يكلف الله عباده ما لا يطيقون، ولهذا لا يعاقب العبد على ميله القلبي لبعض زوجاته مع أنه مأمور شرعاً بالعدل بينهن، ومثله المرأة الكافرة لا يكلف الله زوجها ببغضها وهو أمر لا طاقة له به، بل البغض متوجه لصفة الكفر فيها لا لها، ولو كان يستطيع التحكم بذلك البغض لوجب أن يعدل بين زوجاته في الحب لأن ترك العدل في المعاملة والجور كبيرة من الكبائر. الدليل الثاني: قال الرسول ﷺ ((لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ)) رواه مسلم قوله ((لايفرك)) أي: لا يبغض، والشاهد من الحديث أنه لا يمكن الجمع بين الحب والبغض، ولهذا نص على بغض خلق منها، وأرشده إلى الاكتفاء بكره هذا الخلق، والانتباه إلى الأخلاق الحسنة الأخرى فيها، كل ذلك خوفاً من أن يتعدى الأمر إلى بغض المرأة لأنه لا يمكن أن يبغضها ويحبها في وقت واحد. الإشكال السابع: بالنسبة لمن قال: أن المودة من أفعال القلوب لا من أفعال الجوارح والبر والإحسان من أفعال الجوارح لا من أفعال القلوب , فالجواب على ذلك: أن هذا الكلام يستقيم لو لم يكن هناك علاقة تلازم بين ما يقع في القلب وبين ما يقع في الجوارح بل إن بينهما تلازماً في كثير من الأحيان يصعب انفكاكه. إشكال أخير: قد يقول قائل إنك قد استندت في كثير من استدلالاتك السابقة إلى الإحالة على سبب النزول ومن المعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالجواب على ذلك: أن مقولة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مسألة خلافية وليست من مسائل الإجماع أما إجماع العلماء المحققين هو ما قاله ابن تيمية ﵀ (والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يختص بسببه أم لا، فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه، ولا

стр. 110

يكون العموم فيها بحسب اللفظ ... انتهى) , ولبيان مزيد من الفائدة أنقل ما قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀ تعليقاً على ما قاله ابن تيمية ﵀: (وهذا القول هو الصحيح: أنها تعم ذلك الشخص؛ لأنها تختص بنوع ذلك الشخص أو تعم نوع ذلك الشخص فقط. مثال ذلك قال النبي ﵊: (ليس من البر الصيام في السفر).فهذا اللفظ عام، لكن سببه خاص بالنوع وخاص بالشخص، فهل نخصصه بذلك الشخص؟ يقول شيخ الإسلام: ما أحد قاله من المسلمين، وهل نخصصه بذلك النوع؟ يمكن ذلك إذا علمنا أن العلة والسبب في ذلك النوع لا يتعداه لغيره فإننا نخصصه بذلك النوع، وإذا أخذنا بالعموم في حديث: (ليس من البر الصيام في السفر)، قلنا: إن الصيام في السفر ليس من البر؛ سواء شق على الإنسان أم لم يشق. وإذا خصصناه بالشخص قلنا ليس من البر باعتبار ذلك الرجل الذي رآه النبي ﵊ عليه زحام ظللاً عليه، كأنه قال ليس صومه من البر وهذا أيضاً خطأ لا أحد يقوله من المسلمين مثل ما قال الشيخ، وإذا قلنا: إنه خاص بالنوع، قلنا: ليس من البر الصيام في السفر فيمن حاله كحال ذلك الشخص يشق عليه، فإنه ليس من البر أن يصوم في السفر بخلاف من لا يشق، وهذا القول الوسط هو الصواب، وأنه يجب أن يعدى الحكم الوارد على سبب معين إلي نوع ذلك المعين فقط لا إلى العموم، ولا أن يختص بنفس ذلك الشخص. وهنا نشير إلي أن ربطه بعلته أولى من التعميم؛ لأننا لو عممناه لاحتجنا إلي دليل على التخصيص، لكن كأنه من العام الذي أريد به الخصوص. وفرق بين قوله: (ليس من البر) وبين قول: (البر ألا يصوم)، لأنه قول قال: (ليس من البر) فهو من الإثم. والرخصة لا نؤثم من لم يفعلها، اللهم إلا إذا اعتقد في نفسه الاستغناء عن رخصة الله له فهذا شئ آخر، فيكون آثماً من هذا الوجه، وأما من قال: الحمد لله الذي رخص لي لكن أنا قوى ونشيط، فهذا غير. فورود الحديث ونزول الآية هذا هو المسبب. فالآية أو الحديث قد يكون معناها خفياً إلا إذا عرفت سبب النزول .... انتهى). وعلى هذا فتحقيق القول في هذه القاعدة أن نقول "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا إن وجد الدليل الذي يدل على تخصيص العموم بمثل حالة السبب". وعلى هذا يتيبن لنا أن البراء من المشركين ليس على مرتبة واحدة، بل هو مراتب متفاوتة، يتراوح بين قتالهم وهو أعلاها وبين بغض عملهم وهو أدناها، وبينهما مراتب كثيرة , وهذه المراتب تختلف بحسب اختلاف أصناف المشركين وحالهم فمودة الزوجة الكتابية أو الوالدين المشركين أو من كان في معناهم لا يتنافى مع بغض الكفر الذي هم فيه وقد قال ربُّنا حكاية عن بعض أنبيائه: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ القَالِين﴾ وقال " فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ " فأمره بالبراءة من عملهم القبيح لا منهم وإن كان هذا ليس على إطلاقه. أما محبَّة دين الزوجة الكتابية المحرَّف والميل إليه والإعجاب به فحرام شرعاً , كما علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نقول: (ونخلع

стр. 111

ونترك من يفجرك) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي, أي نطرح مودَّة العابد لغيرك, ولا نحبُّ سلوكه واعتقاده. وعليه فما تقدم إنما هو أدلة تُخرج الزوجة الكتابية والوالدين ونحوهما مما ورد فيه الدليل من عدم وجوب البغض لذات الشخص وإنما يُبغض دينه وعمله. حكم معاملة الكافر بما يدل على مودات القلوب: يجوز معاملة الكافر المعين بما يدل على مودات القلوب إذا كان ممن تجوز محبته طبيعياً ولا يجب بغض ذاته في الله , وأما الذي يجب بغضه في الله فلا يجوز معاملته بما يدل على مودات القلوب إلا على سبيل المداراة أو الدعوة إلى الله ولو كنت تحبه طبيعياً كما قال تعالى (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) فالله أقر هنا بوجود الإعجاب من غير نكير , ولكن لم يُقر الله الانسياق وراء هذا الإعجاب. وللعلم لا خلاف على اجتماع ما جُبلت عليه النفس مع ما وجب عليها شرعاً بنقيضه , ولكن الخلاف هل يجوز إلقاء الحب الجبلي لهذا المحبوب أو ذاك , مع النهي عن إلقاء المودة والمحبة للكافر؟ والشرع رخص لنا في البر والإحسان ولم يرخص في إلقاء المودة لعموم الكفار كما نص على ذلك بقوله تعالى (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) وثرب على المسلمين عندما ألقوا بالمحبة لأعداء الله وإن كانت لغير دينهم , ونص جل وعز على تعبير المحبة فقال جل شأنه (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ (ومن المؤكد أن محبتهم ليست لدينهم , فالنصوص متكاثرة ومتظافرة في النهي عن إلقاء المودة والمحبة لعموم الكفار ولو كانت طبيعية. شبهات وإشكالات: الإشكال الأول: هل اتخاذ النبي ﷺ أبي طالب ناصراً له ومعيناً يتنافى مع موالاة الكفار، أو مع تحريم موالاة الكفار؟ الجواب: كلا , لأن الموالاة المحرمة التي فيها محبة لهم، ومحبة لدينهم، ورضاً بباطلهم، وتنازل عن شيء من ديننا، أما أن الإنسان يُقيض له قريب مشرك كافر يُدافع عنه، فهذا تأييد من الله. الإشكال الثاني: هل جواز الزواج من الكتابية المحصنة المتضمن محبتها بمقتضى الطبع ينافي حرمة موالاة الكفار وقوله تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)؟ يرى القائلون بجواز نكاح نساء أهل الكتاب، إن نكاحهن من قبل المسلم الملتزم بالإسلام قولاً وعملاً، لا يترتب عليه موالاة للكفار بالصورة المنهي عنها شرعًا وذلك لعدة أسباب هي كما يلي: أولاً: أن الآية التي نهت عن موآدّة الكفار آية عامة , ولم يصرح فيها بالنص على عدم موآدّة الزوجة غير المسلمة.

стр. 112

ثانياً: "إن الزوجة الكتابية هي بمثابة ذوي القرابة من غير المسلمين كالوالدين ونحوهما, فإن الله أمر بمصاحبة الوالدين إذا كان غير مسلمين بالمعروف قال تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ (سورة لقمان آية ١٥). ثالثاً: إن البر بالكفار سواء كانوا من القرابة مثل الوالدين والزوجة أو من غيرهم من الكفار لا يعني ذلك مودتهم في القلب من كل وجه ولا يعني ذلك أن يتنازل المسلم عن شيء من أحكام الإسلام طلباً لرضاهم وودّهم. رابعاً: أن المودة بمعنى المحبة , والمحبة نوعان محبة طبيعية كمحبة الإنسان لزوجته وولده وماله ومحبة دينية, كمحبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله, ورسوله من الأعمال, والأقوال, والأشخاص , ولا تلازم بين المحبتين بمعنى: أن المحبة الطبيعية قد تكون مع بغض ديني, كمحبة الوالدين المشركين فإنه يجب بغضهما في الله, ولا ينافي ذلك محبتهما بمقتضى الطبيعة , فإن الإنسان مجبول على حب والديه, وقريبه , كما كان النبي ﷺ يحب عمه لقرابته مع كفره قال الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (سورة القصص ٥٦). ومن هذا الجنس محبة الزوجة الكتابية فإنه يجب بغضها لكفرها بغضاً دينياً, ولا يمنع ذلك من محبتها المحبة التي تكون بين الرجل وزوجه , فتكون محبوبة من وجه, ومبغوضة من وجه. خامساً: إن النساء الكتابيات اللاتي يتزوجن بالمسلمين لا يقعن تحت مفهوم من يحاد الله ورسوله الوارد في قوله تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ (المجادلة ٢٢) وذلك لضعفهن وقصورهن وتبعيتهن للأزواج, يقول تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحبّ المقسطين﴾ (الممتحنة ٨). وقد ذكر أهل العلم من المفسرين لهذه الآية أن المراد بها النساء والصبيان فبرهم وصلتهم غير محرّمة ما داموا بهذا الوصف, وإنما الذين نهانا الله عن موالاتهم هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ (الممتحنة ٩) ومن المعلوم أن المرأة الكتابية التي رضيت بالزواج من المسلم ودخلت تحت ولايته غير داخلة تحت من لا تصح موالاتهم في هذه الآية, وبهذا نستطيع الجمع بين آية الولاء والبراء وآية المودّة الزوجية وبالله التوفيق. الإشكال الثالث: ما حكم اعتزال الوالدين اللذين عندهما معاصٍ ظاهرة؟ وإذا كان اعتزالهم محرماً، فما تأويل اعتزال إبراهيم لأبيه وهو خليل الله؟ إن كان المقصود باعتزال الوالدين اجتناب ما هم فيه من باطل ومعصية فهذا أمر واجب، قال سبحانه (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

стр. 113

وقال:﴾ وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. وإن كان المقصود باعتزال الوالدين هجرهما، فإن هجرهما لا يجوز بحال، وما وقع من إبراهيم ﵇ هو أنه أولاً ترك ما عليه قومه من الباطل والتزم الحق، ولذلك قال فيما حكى الله عنه:﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾. قال ابن كثير في تفسيره وهو يبين معنى هذه الآية: أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله،﴾ وَأَدْعُو رَبِّي ﴿أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له. اهـ. ثم إن إبراهيم ﵇ بعد أن رأى أباه يتوعده بقوله فيما ذكر الله عنه في كتابه:﴾ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. فأجابه إبراهيم ﵇ بقوله:﴾ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾. وقرر بعد ذلك أن يُهاجر بدينه لا أن يهجر والديه، كما هاجر النبي ﷺ وأصحابه وتركوا الآباء والأمهات، قال ابن كثير في تفسيره عند كلامه عن قول الله تعالى من سورة العنكبوت:﴾ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: يحتمل عود الضمير في قوله: وقال ـ على لوط، لأنه أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم - قال ابن عباس، والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله:﴾ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. أي: من قومه. ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك. اهـ. والله أعلم. الإشكال الرابع: عن سمرة بن جندب ﵁: قال: «أَمَا بعدُ، فإِن رسولَ الله ﷺ قال: مَنْ جَامَعَ المُشْرِكَ وسكنَ معه فَإِنَّهُ مثْلُهُ».وفي رواية قال: «لا تُساكِنوا المشركين، ولا تجامِعُوهم، فَمَن ساكَنَهُم أو جَامَعَهُم فهو منهم». هل المساكنة الواردة في الحديث تشمل مساكنة الأهل كالزوجة الكتابية وكمن يسكن مع والديه الكافرين؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فمعنى هذا الحديث يظهر بمعرفة سببه، فعن جرير بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأمر لهم بنصف العقل الدية وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. وفي رواية "لا تُساكِنوا المشركين، ولا تجامِعُوهم، فَمَن ساكَنَهُم أو جَامَعَهُم فهو منهم." رواه الترمذي وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني. فظهر بذلك أن المراد هو الإقامة في ديار المشركين، ولذلك بوب عليه الترمذي باب: (ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين) وأما مساكنة الوالدين الكافرين

стр. 114

في ديار المسلمين فلا يدخل في هذا، وبرهما والإحسان إليهما مع كفرهما فرض عين والله أعلم. الإشكال الخامس: رجل له والدان فاسقان، وإخوة فساق هل يجوز له مساكنتهم ومجامعتهم في البيت؛ علماً أنهم لا يجاهرون أمامه بالمعاصي، ووجوده في البيت له أثر من حيث تقليل المعاصي؟ وما معنى حديث النبي ﷺ (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم). هل النهي محمول على التحريم أو الكراهه خاصة إذا كانت السلطة والكلمة للمسلم؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن بر الوالدين والإحسان إليهما من الحقوق الواجبة على الأولاد، لا فرق في ذلك بين أن يكونا طائعين لله تعالى أو عاصيين له، وعليه فإن سكنى هذا الرجل مع والديه لا حرج فيه، بل هو أمر حسن؛ لما يترتب عليه من إدخال السرور عليهما، فإن حضور الولد مع والديه وملازمته لهما من نعم الله العظيمة على الوالدين، وقد امتن الله سبحانه على الوليد بن المغيرة بأن جعل له بنين شهودا، قال سبحانه (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا , وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا , وَبَنِينَ شُهُودًا (قال الألوسي: حضوراً معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم. انتهى. وأما هذا الحديث المذكور فقد أخرجه أبو داود والترمذي، ولكنه لا يشمل الحالة المسئول عنها، فإنه نص في مساكنة المشركين وليس الفساق, ومساكنة الفساق المسلمين الذين ليس لهم حق في الصحبة بالمعروف كالوالدين غير محرمة وإن كانت مكروهة ما لم يعسر التحرز من منكراتهم فإنه في هذه الحال يجب مفارقتهم في السكن. وعلى كل حال فمعنى الحديث كما أفاده الشراح: وجوب الهجرة من ديار الكفر لمن عجز عن إقامة شعائر دينه. جاء في فيض القدير عند شرح هذا الحديث " وأفاد الخبر وجوب الهجرة أي على من عجز عن إظهار دينه وأمكنته بغير ضرر" انتهى. والله أعلم. الإشكال السادس: يقول الرسول ﷺ : «لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِناً، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ» هل نهي النبي ﷺ هنا محمول على التحريم أم على الكراهة؟ خاصة إذا كانت المصاحبة للفاسق المسلم الذي يحب الله ورسوله ولا تتضمن المشاركة في الحرام، أو الإقرار عليه. وما المقصود بالمؤمن؟ هل هو من معه أصل الإيمان وعُلم من حاله أنه يحب الله ورسوله؟ أم هو المؤمن العدل؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد حذر الشرع من مصاحبة أهل الشر، ومثل لذلك بمثل يوجب التنفير منهم، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة.

стр. 115

وقد نهانا النبي ﷺ عن مصاحبة غير المؤمنين ومخالطة غير المتقين، فقال ﷺ : المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. رواه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي. وقال ﷺ : لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه الألباني. وقال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه **** فكل قرين بالمقارن مقتدي. وأما النهي: فقد حمله بعضهم على الكافر والمنافق، وحمله بعضهم على من كان ناقص الإيمان، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قوله: لا تصاحب إلا مؤمناً ـ أي كاملاً، بل مكملاً، أو المراد منه النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين، لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد بالمؤمن من جنس المؤمنين. انتهى. وقال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير: وكامل الإيمان أولى، لأن الطباع سراقة ولذلك قيل: ولا يصحب الإنسان إلا نظيره**** وإن لم يكونوا من قبيل ولا بلد. فصحبة الأخيار تورث الفلاح والنجاح ومجرد النظر إلى أهل الصلاح يؤثر صلاحاً والنظر إلى الصور يؤثر أخلاقاً وعقائد مناسبة لخلق المنظور وعقيدته كدوام النظر إلى المحزون يحزن وإلى المسرور يسر والجمل الشرود يصير ذلولاً بمقارنة الذلول، فالمقارنة لها تأثير في الحيوان، بل في النبات والجماد ففي النفوس أولى وإنما سمي الإنسان إنساناً، لأنه يأنس بما يراه من خير وشر. انتهى. ويستثنى من هذا النهي ما إذا كانت مصاحبتهم لأجل النصيحة والدعوة إلى الخير، مع أمن التضرر والتأثر بهم والانجرار إلى المعاصي بسببهم، فهذا مما يندب وقد يجب بحسب طمع العبد في هداهم، وقد قال النبي ﷺ : الدين النصيحة. رواه مسلم. وقال ﷺ : لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم. متفق عليه. ويُستثنى من النهي أيضاً مصاحبة الزوجة الكتابية والوالدين المشركين والأقارب بالمعروف وصحبة العمل والسفر للمشرك بالمعروف ونحو ذلك. فمعنى الحديث كما بيَنَا أي لا تصاحب إلا مؤمن ولا يأكل طعامك إلا تقي ما لم تكن هناك مصلحة شرعية راجحة مثل نصيحة المدعو أو صلة رحم أو حاجة أو نحوها من المصالح الشرعية الراجحة. الإشكال السابع: هل الإحسان إلى الأبوين الكافرين من التعظيم؟ كل ما هو مأمور بتعظيمه فاضل وكل فاضل فمأمور بتعظيمه وليس الإحسان والبر والتوقير والتذلل المفترض في الأبوين الكافرين من التعظيم في شيء فقد يحسن المرء إلى من لا يعظم ولا يهين وقد يوقر الإنسان من يخاف ضرره ولا يسمى ذلك تعظيما ًوقد يتذلل الإنسان للمتسلط الظالم ولا يسمى ذلك تعظيماً، وفرض على كل مسلم البراءة من أبويه الكافرين وشُرع بغضهما في الله وقد صح بيقين أن ما وجب للأبوين الكافرين من بر وإحسان وتذلل ليس هو التعظيم الواجب لمن فضله الله لأن التعظيم الواجب لما فضله الله هو مودة في الله

стр. 116

ومحبة فيه وولاية له وأما البر الواجب للأبوين الكافرين والتذلل لهما والإحسان إليهما فكل ذلك مرتبط بالبراءة منهما وإسقاط المودة الدينية. الإشكال الثامن: هل هنالك تعارض بين الولاء والبراء الشرعي وبين الأمر ببر الوالدين الفاسقين وصلة الرحم الفاجرة وعدم وجوب الطلاق بين الزوجة المؤمنة الصالحة من زوجها الفاسق المسلم والعكس؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: اعلم أولاً أن أهل العلم قرروا أن محبة عصاة المؤمنين الراجح شرهم على خيرهم وأهل البدع (غير المكفرة) مكروه ولا يصل إلى درجة التحريم وبغضهم دينياً مُستحب ولا يصل إلى درجة الوجوب وعلى هذا لا يجب وجوبًا مطلقًا قطع الموالاة بين الفساق والعصاة من المسلمين وبين بقية المسلمين كما هو الشأن مع الكفار الخارجين على الإسلام , ولتعلم أن مباسطة الفاسق المسلم ومضاحكته إلى حد معين ومعقول بحيث لا يُظهر ما هو فيه من منكر غير محرمة لا سيما مع من يُخالطهم المسلم ومن له حق في الصلة كالأقارب وخاصة إذا كانت المبادرة منه هو في المضاحكة وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار، كان يلقب حماراً. وقال ابن حجر: كان يهدي إلى النبي ﷺ ويضحكه في كلامه ... وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) مع أنه ﷺ لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه. وبناءً على ماسبق فإنه في هذه الحال يزول الإشكال في الأمر ببر الوالدين الفاسقين وصلة الرحم الفاسقة التي لا تزال في دائرة الإسلام وعدم وجوب المفارقة بين الزوجين اللذين أحدهما فاسق مسلم والآخر مؤمنٌ تقي.

стр. 117

الخاتمة: هذا ما من الله به، ثم ما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصل إليه الفهم المتواضع، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن فيه خطأ أو نقص فتلك سنة الله في بني الإنسان، فالكمال لله وحده، والنقص والقصور واختلاف وجهات النظر من صفات الجنس البشري، ولا أدعي الكمال، وحسبي أني قد حاولت التسديد والمقاربة، وبذلت الجهد ما استطعت بتوفيق الله - تعالى-، وأسأل الله أن ينفعني بذلك، وينفع به جميع المسلمين؛ فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. تنبيه: أعتذر لكل الأخوة القراء لعدم عزو المعلومات المسطرة في هذه الرسالة إلى مصادرها والسبب في ذلك أن أصل هذه الرسالة كان ملخصاً شخصياً ولم أكن أنوي وقتها نشرها بين الناس وبالتالي لم أهتم بمصادر المعلومات ولكن لمَا كثرت المادة لدي ارتأيت نشرها لتعم الفائدة للجميع , فجزى الله كل من ساهم في هذه الرسالة مساهمة مباشرة أو غير مباشرة كالذين نقلت عنهم ولم أذكر أسماءهم للسبب المذكور أعلاه وجعلها في موازين حسناتهم. لإبداء الملاحظات والاقتراحات فيرجى التواصل على البريد الإليكتروني: wBadrany@hotmail.com أخوكم أبو فيصل البدراني.

стр. 118

قائمة ببعض مراجع هذه الرسالة - القرآن الكريم. - كتب الصحاح والسنن والمسانيد. - تفسير الإمام الطبري "جامع البيان عن تأويل آي القرآن ". - تفسير ابن كثير. - تفسير البغوي: معالم التنزيل. - تفسير الإمام ابن الجوزي "زاد المسير في علم التفسير. - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للمؤلف: محمد بن علي بن محمد الشوكاني ﵀. - تفسير الإمام القرطبي المالكي (الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان). - أحكام القرآن لابن العربي. - أحكام القرآن للجصاص. - تفسير الجلالين. - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀. - تفسير التحرير والتنوير للمؤلف: محمد الطاهر بن عاشور. - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي. - تفسير المنار للمؤلف: محمد رشيد رضا. - فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني. - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي. - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري. - عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق العظيم أبادي. - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر ﵀. - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار لابن عبد البر ﵀. - سبل السلام في شرح بلوغ المرام للصنعاني ﵀. - تطريز رياض الصالحين للمؤلف: فيصل بن عبد العزيز آل مبارك ﵀. - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لابن علان الصديقى. - غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني.

стр. 119

- الآداب الشرعية للمؤلف: عبد الله بن محمد بن مفلح المقدسي ﵀. - المغني لا بن قدامة. - المجموع للنووي. - روضة الطالبين للنووي. - المفصل في شرح آية الولاء والبراء للمؤلف: علي بن نايف الشحود حفظه الله. - مقالات منشورة على النت للدكتور سليمان الضحيان الكاتب والأكاديمي في جامعة القصيم. - مقالات منشورة على النت للدكتور بندر الشويقي حفظه الله. - مقالات منشورة على النت للدكتور إبراهيم السكران حفظه الله. - الولاء والبراء تأليف: مها البنيان رحمها الله. - أصول وضوابط في مجانبة الكافرين للمؤلف: ناصر العقل حفظه الله. - تحكيم القوانين للمؤلف: محمد بن إبراهيم آل الشيخ حفظه الله. - الموالاة والمعاداة عند أهل السنة والجماعة للمؤلف: عبد الله بن عبد الحميد الأثري حفظه الله. - من مفاهيم عقيدة السلف الصالح: الولاء والبراء في الإسلام للمؤلف: محمد بن سعيد القحطاني حفظه الله. - حقيقة الولاء والبراء في الكتاب والسنة بين تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وبراءة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الطائفتين للمؤلف عصام السناني حفظه الله. - الولاء والبراء بين الغلو والجفاء في ضوء الكتاب والسنة للمؤلف: الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله. - الحب والبغض في الله في ضوء الكتاب والسنة للمؤلف: سليم بن عيد الهلالي حفظه الله. - شرح ابن عثيمين ﵀ لمقدمة التفسير لا بن تيمية ﵀. - الأصول من علم الأصول للمؤلف: محمد بن صالح العثيمين ﵀. - المفصل في أحكام الهجرة للمؤلف: علي بن نايف الشحود حفظه الله. - فتاوى سليمان الماجد حفظه الله. - فتاوى ابن باز ﵀. - مجموع فتاوى ابن تيمية ﵀. - فتاوى ابن عثيمين ﵀. - فتاوى اللجنة الدائمة. - مركز الفتوى من موقع إسلام ويب.

стр. 120

- مختصر دعوة أهل البدع للمؤلف: خالد بن أحمد الزهراني حفظه الله. - دروس في شرح نواقض الإسلام للمؤلف: صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله. - الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للمؤلف: صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله. - إعلام المسلمين بوجوب مقاطعة المبتدعين والفجار والفاسقين للمؤلف: محمد الزمزمي حفظه الله. - موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع للمؤلف: إبراهيم الرحيلي حفظه الله. - حكم الهجر والقطع بين الحلال والحرام في الشرع للمؤلف: محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله. - الهجر في الكتاب والسنة للمؤلف: مشهور بن حسن سلمان حفظه الله. - مطلع الفجر في فقه الزجر بالهجر للمؤلف: سليم بن عيد الهلالي حفظه الله. - التعامل مع المبتدع بين رد بدعته ومراعاة حقوق إسلامه للمؤلف: حاتم بن عارف العوني حفظه الله. - هجر المبتدع للمؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله. - الزجر بالهجر للمؤلف: جلال الدين السيوطي ﵀. - تصنيف الناس بين الظن واليقين للمؤلف بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀. - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه) للمؤلف: خالد بن عثمان السبت حفظه الله. - مباحث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمؤلف: سعد بن ناصر الحمادي حفظه الله. - حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأركانه ومجالاته للمؤلف: حمد بن ناصر العمار حفظه الله. - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في تحقيق الأمن للمؤلف: عبد العزيز بن فوزان الفوزان حفظه الله. - الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس للمؤلف: محمد بن صالح المنجد حفظه الله. - تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمؤلف: عبد الله بن صالح القصير. - رسالة إلى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر للمؤلف: عبد الله جار الله بن إبراهيم الجار الله ﵀.

стр. 121

- صلة الأقارب والأرحام (فوائد _ آداب _ وسائل) إعداد دار القاسم. - قطيعة الرحم (المظاهر _ الأسباب _ سبل العلاج) للمؤلف: محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله. - المفصل في أحكام الهجرة للمؤلف: علي بن نايف الشحود حفظه الله. - بحث منشور على النت عن الفسق (تعريفه وأحكامه وضوابطه) من إعداد أبو عبد الله الساحلي حفظه الله. - الفسق وأحكامه في الفسق الإسلامي للمؤلف: بسام بن محمد صهيوني. - التكفير وضوابطه للمؤلف: إبراهيم الرحيلي حفظه الله. - تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين للمؤلف: محيي الدين أبي زكريا أحمد بن إبراهيم بن النحاس الدمشقي ﵀. - الستر على أهل المعاصي (عوارضه _ ضوابطه) في ضوء الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح للمؤلف: خالد بن عبد الرحمن الشايع حفظه الله. - الستر على أهل المعاصي عند أهل الحسبة للمؤلف: مبارك بن يحي العمري حفظه الله. - الانترنت وبعض المصادر الأخرى التي لم يتيسر لي استحضارها.