Полный текст (121 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الأصل العام في معاملة الكفار إلا أنه يُستثنى من هذا الأصل مسائل؛ منها: أنه لا يجوز أن يبيع المسلم للكفار ما يستعينون به على قتال المسلمين.
الثانية: وسائل التعامل مع الكفار: شراء بضائع الكفار يتخذ في هذا العصر صوراً متعددة، وله وسائل لا بد من معرفتها ليتم الحكم عليها من خلالها, ولعله يمكن حصرها في الصور الآتية:
١ - الشراء المباشر من الكافر الذي يبيع أو يصنع أو ينتج السلعة، وهذا آكد ما يشمله حديثنا.
٢ - الشراء من خلال وسيط (سمسار)؛ حيث يكون لديه علم بعدد من المصانع والشركات المنتجة، فيقوم بالتنسيق والتقريب بين المشتري وبين المنتج أو المصنع، ويتولى كتابة وثيقة البيع بين الطرفين، وكل ذلك مقابل نسبة يستلمها الوسيط من الشركة أو المصنع المصدّر.
وهنا تكون الأموال مدفوعة للبائع الأصلي فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة.
٣ - الشراء من (وكيل بالعمولة) إذ يستورد البضائع باسمه ولحسابه هو، وتجري معاملاته باسمه أو بعنوان شركة ما، ثم ينقل الحقوق والالتزامات إلى موكله تنفيذاً لعقد الوكالة المبرم بينهما مقابل أجرة تسمى: (عمولة).
والفرق بينه وبين الذي قبله أن هذا يستورد البضائع ويبقيها لديه معروضة ليبيعها باسمه هو، ويتم التعاقد معه أو مع شركته، ثم بعد ذلك يسلم للمنتج أو المصنع قيمة المبيع ويطالبه بالالتزامات, أما الأول فإنه وسيط فقط يربط بين الطرفين، ثم تنتهي مهمته , وفي هذه الحالة تكون الأموال أيضاً مدفوعة للبائع الأصلي؛ فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة، إلا أن المقاطعة تضر بهذا الوكيل أيضاً لتحمله تخزين وعرض البضائع.
٤ - شراء بضائع أصلها من صنع الكفار، وجرى تصنيعها داخل بلاد المسلمين على يد شركة مسلمة تأخذ امتياز تصنيعها من الشركة الأصلية مقابل مبلغ مالي يدفعه صاحب امتياز التصنيع للشركة الأصلية بشكل دوريّ , وهنا يستفيد أولاً من البيع: الشركة المسلمة وتتضرر هي أولاً من المقاطعة, أما الكافر فيكون ضرره غير مباشر من خلال ما قد يعرض لصاحب امتياز التصنيع من الاستغناء عن حق الامتياز المذكور فيتوقف عن مواصلة دفع ما يقابله.
٥ - الشراء من مسلم اشترى بضائع صنعها الكفار أو أنتجوها؛ فهنا المتضرر من المقاطعة أولاً المسلم الذي اشترى البضاعة, مع أن المقاطعة تضر الكافر إذا امتنع التاجر المسلم من شراء منتجاته مرة أخرى لعدم رواجها.
الثالثة: أنواع بضائع الكفار: البضائع عموماً سواء باعها كفار أو مسلمون، إما أن تكون ضرورية أو حاجيّة أو تحسينية.
ولا شك أن بينها فرقاً كبيراً؛ فالشرع جاء بالتفريق بين الضروري وغيره، وأباح المحرم عند الاضطرار, ومعلوم أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة إذا كانت عامّة, وعليه فإننا لا بد أن نفرّق بين بضاعة ضروريّة لا غنى عنها كالدقيق مثلاًً، أو حاجيّة عامة كبعض المراكب وبين التحسينيات من أنواع الألبسة والكماليات ونحوها.
стр. 72
وعلى هذا نقول: إنّه يخفف في أمور الضرورات والحاجيات العامة ويراعى فيها ما لا يراعى في غيرها.
الرابعة: سد الذرائع.
سد الذرائع من الأدلة المستعملة عند أهل العلم, والمراد بها منع الجائز لئلا يُتوصّل به إلى الممنوع.
ونتيجة إعمالها: تحريم أمرٍ مباح لما يفضي إليه من مفسدة.
وأداء الوسيلة إلى المفسدة: إما أن يكون قطعياً أو ظنيًّا أو نادراً.
فإن كان قطعياً: فقد اتفق العلماء على سدّه والمنع منه سواء سُمّي سَدَّ ذريعة أو لا.
وإن كان نادراً فقد اتفق العلماء أيضاً على عدم المنع منه، وأنّه على أصل المشروعيّة , وأما إن كان ظنياً فقد اختلف أهل العلم فيه , ولعل الصحيح في هذا القسم الأخير أنه يُنظر فيه إلى المصلحة والمفسدة.
الخامسة: قاعدة المصالح والمفاسد.
ولا شك أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.
ونظرنا في المصالح والمفاسد ينحصر في ملحظين:
الأول: أن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، فإنه يُنْهى عنه؛ وذلك لأن الشريعة مبنيّة على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقاً إلى مفسدة؛ ولذا سدّت ذرائع مفضية إلى الإضرار والفساد في شواهد كثيرة من الكتاب والسنة.
الثاني: أن المصالح والمفاسد يكفي فيها الظن الغالب؛ وذلك أن المصالح والمفاسد لا يُعرف مقدارها إلا بالتقريب؛ أما تحديدها بدقة فغير مُمكن غالباً.
السادسة: الإضرار الاقتصادي طريق من طرق الجهاد المشروع.
السابعة: ارتباط المقاطعة بإذن ولي الأمر: لا شك أن من الأصول المقررة عند أهل السنة والجماعة وجوب السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين في المعروف.
وأعمال الرعيّة منها ما يشترط لفعله إذن الإمام، ومنها ما لا يشترط له إذنه ,
والمقاطعة بشكلها المعاصر مما لا يظهر لي ارتباطه بإذن ولي الأمر.
ثالثاً: حكم المقاطعة الاقتصادية:
لا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين التعاملات التجارية في الأزمان السابقة؛ فهو الآن أوسع وأشمل وأيسر، ولا شك أن ارتباط الاقتصاد بالسياسة وتأثيره على التوجهات السياسية والنزاعات الحزبيّة صار أكبر وأقوى.
ولذا فإن بحث هذه المسألة بالتوسع في النظر فيها هو من خصائص هذا العصر.
والذي يظهر أن حكم المقاطعة يختلف باختلاف الأحوال، وإليك التفصيل:
الأول: إذا أمر بها الإمام.
إذا أمر الإمام بمقاطعة سلعة معينة أو بضائع دولة من دول الكفر فإنه يجب على رعيته امتثال أمره, وليس للإمام أن يأمر بذلك إلا أن يرى في ذلك مصلحة عامّة لا تُقابلها مفسدة أو ضرر أرجح منه؛ وذلك أن الأصل في تصرّفات الولاة النافذة على الرعية الملزمة لها
стр. 73
في حقوقها العامة والخاصَّة أن تبنى على مصلحة الجماعة، وأن تهدف إلى خيرها.
وتصرّف الولاة على خلاف هذه المصلحة غير جائز.
ولذا قعَّد أهل العلم قاعدة: تصرّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.
الثاني: إذا لم يأمر بها الإمام.
إذا لم يأمر الإمام بالمقاطعة فلا يخلو الحال من أمرين:
١ - أن يعلم المسلم أنَّ قيمة ما يشتريه يُعين الكفار على قتل المسلمين أو إقامة الكفر , فهنا يحرم عليه أن يشتري منهم؛ وذلك لأن الشراء منهم والحال ما ذكر مشمول بالنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، ومشمول بقاعدة سد الذرائع المفضية إلى الحرام , وإذا علم المسلم أن أهل العلم حرَّموا بيع العنب لمن يتخذه خمراً، وبيع السلاح لأهل الحرب أو وقت الفتنة خشية استعماله لقتل المسلمين، وحَرَّموا إقراض من يغلب على الظن أنه يصرف ماله في محرم؛ فكيف إذا كان عين الثمن الذي يشتري به يُقتل به مسلم أو يُعان به على كفر؟!
هذا حكم ما لو علم ذلك يقيناً سواء باطلاع مباشر، أو خبر موثوق به، أو غير ذلك, وغلبة الظن تجري مجرى العلم كما سبق.
٢ - أن لا يتيقن أن عين ما يشتري به منهم يستعان به على حرام من قتال المسلمين أو إقامة الكفر؛ فهذا باق على الأصل العام وهو جواز البيع والشراء وسائر المعاملات.
فإن الأصل في البيوع الإباحة سواء منها ما كان مع المسلمين أو الكفار كما سبق وحيث لم يوجد ناقل عن هذا الأصل فلا يتغير الحكم ولكن يرتبط به الحالة الآتية:
٣ - أن لا يتيقن أن عين ما يشتري به منهم يُستعان به على حرام؛ لكن في مقاطعتهم مصلحة، ولعل هذه الحالة هي أكثر ما يكون الحديث عنه.
ولبيان حكم هذه الحالة فإني أحتاج لتقسيمها إلى قسمين:
أ - أن يتم الشراء من الكافر مباشرة أو من خلال سمسار أو وكيل بعمولة.
وإذا أردت الوصول للحكم الشرعي في هذا القسم فإني بحاجة لتقرير مسلَّمات شرعيّة توصلنا للنتيجة: فالأصل جواز التعامل مع الكفار ولو كانوا من أهل الحرب، وأن وسائل الحرام حرام ولا يُحكم على فعلٍ حتى يُنْظر في مآله وعاقبته.
ولا يُباح مما يفضي إلى مفسدة إلا ما كانت مصلحته أرجح ولا يحرم مما يفضي إلى مصلحة إلا ما كانت مفسدته أرجح ولا مانع من استعمال الإضرار المالي جهاداً لأعداء الله ولو لم يأذن به الإمام.
وعليه فإن كان في المقاطعة والحال ما ذكر مصلحة فإنه يُنْدب إليها على أنه يراعى مدى الحاجة للبضائع كما سبق.
ب - أن يتم الشراء من مسلم اشترى البضاعة أو صاحب امتياز, ولبيان الحكم فإني مع تذكيري بما سبق من مسلَّمات فإني أذكر بأن المنتج الكافر يأخذ مقابل منحه امتياز التصنيع، وهو يأخذه سواء قلَّ البيع أو كثر، فالمقاطعة إضرار به وبعمالته وبالمساهمين معه في رأس ماله، وكذا الحال بالنسبة لمن اشترى بضاعة من الكافر وصارت من ماله فالمقاطعة إضرار به.
ولذا فإن القول بندب المقاطعة فيه ثِقَل لوجود المفسدة والضرر الكبيرين، ولا يقال فيها إن المفسدة خاصة والمصلحة عامة؛ وذلك لأن المسلم سيكون هو المتضرر، ولأنَّ نفع المقاطعة مظنون وتضرر الشركة مقطوع به، والمقطوع يقدم على المظنون.
стр. 74
وعلى كلٍّ فاعتراض المفسدة قد يمنع القول بندب المقاطعة في هذا القسم، والله تعالى أعلم.
وأنبّه هنا إلى أن من قاطع البضائع والسلع المنتجة من دول الكفار بنيّة حسنة كتقديم البديل الإسلامي أو زيادة في بغض الكفار فإنه إن شاء الله ممدوح على فعله مثاب.
الإعانة على الإثم والعدوان حدوده وضوابطه:
لا شك أن الإعانة المباشرة على الإثم والعدوان محرمة بنص القرآن وكذلك الإعانة الغير مباشرة على الإثم والعدوان محرمة إذا كانت مقصودة والأعمال بالنيات قال تعالى "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" وعلى هذا فالإعانة على الإثم والعدوان أربعة أقسام:
١ - مباشرة مقصودة كمن أعطى آخر خمراً بنية إعانته على شربها.
٢ - مباشرة غير مقصودة ومنه بيع المحرمات التي ليس لها استعمال مباح إذا لم ينو إعانتهم على استعمالها المحرم.
٣ - مقصودة غير مباشرة كمن أعطى آخر درهماً ليشتري به خمراً ومنه القتل بالتسبب.
٤ - غير مباشرة ولا مقصودة كمن باع ما يستعمل في الحلال والحرام ولم ينو إعانة مستعمليه في الحرام، وكمن أعطى آخر درهماً لا ليشتري به خمراً فإن اشترى به خمراً وشربه فلا إثم على من أعطاه الدرهم طالما لم ينو به إعانته على المحرم، ومن هذا القسم الرابع البيع والشراء والإجارة من المشركين وفساق المسلمين والتصدق عليهم بالمال , وقد كان قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا " في دورته الخامسة التي انعقدت بالبحرين سنة ١٤٢٨هـ تحريم الأنواع الثلاثة الأولى وإباحة القسم الرابع وهو ما ليس مباشراً ولا مقصودا.
وأما ضابط الإعانة على الإثم والعدوان الذي يحدد ما يكون إعانة مباشرة وما لا يكون فهو العادة الجارية الغالبة؛ فما يُعتبر فيها إعانة على المحرم مباشرة فهي الإعانة التي نُهينا عنها , وأصل ذلك أنه لا ضابط للإعانة المباشرة في اللغة، ولا في الشريعة؛ فوجب اعتبار العرف والخبرة.
فعليه فكل ما عدَّه الناس إعانة مباشرة على معصية من وجبت طاعته في الدنيا من
حاكم أو أب أو زوج، وكان سبباً لغضبه، ومستحقاً عندهم لعقوبته؛ فإن نظير
تلك الإعانة في معصية الله يُعد محرماً , وهذا كله يُبنى على قاعدة أخرى وهي
أن كل ما اُعتبر تعظيماً لمخلوق، ووفاء لحقه الواجب فالخالق أولى به , وقد دل
على ذلك قوله تعالى: "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، وهذا يحصل بمطلق
ما يُعرف إعانة عند الناس , وقد تأيد هذا الأصل بالسنة حيث كان صلى الله علي
وسلم يتعامل مع اليهود والنصارى وبعض المشركين بيعا وشراء وكراء ورهناً،
ولم يُعتبر هذا من إعانتهم المباشرة , وحين غاب هذا الأصل عند البعض رأيت من
ضيّق ما يكون إعانة محرمة حتى أباح بيع العنب لمن يعلم أنه يتخذه خمراً، وكراء
الدار لمن يعلم أنه يتخذها في محرم أصالة، بحجة أن الأصل حل التصرف
بالمباح؛ حتى قال الثوري ﵀: بع الحلال من شئت. وهذا مشهور
مذهب أهل الكوفة؛ فقد أجاز أبو حنيفة ﵀ بيع العنب وعصيره من خمار
، وعلل ذلك بأن المعصية لا تقوم بعينه، ولأن العصير يصلح لأشياء كلها جائز شرعاً فيكون الفساد إلى اختيار المشتري، وليس هو من فعل البائع ولا من قصده.
وخالفه صاحباه في ذلك؛ فقالا بالمنع فيه , وكيف يصح هذا وقد ثبت في حديث
стр. 75
ابن عمر مرفوعا:"لعن الله الخمر، وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها" رواه أبوداود. ووسعه آخرون
حتى حرموا ما أحل الله، وتنزهو عما كان يفعله رسول الله ﷺ .
فقد سأل خياطٌ بعضهم، فقال: أنا ممن يخيط للظلمة؛ فهل أُعّدُّ من أعوانهم؟
فقال: لا! أنت منهم، والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم. ذكره الآلوسي في "روح المعاني".
فعليه كل ما كانت العادة فيه جارية أن العقلاء المحبون يجيزونه لمتبوعيهم
مما قد يُظن أنه ذريعة إلى معصيتهم فمثله في الشريعة مباح، وكل ما يمقتونه
من أسباب غضب أولئك المتبوعين فمنع مثله في الشريعة أولى , وإذا أخذت
بهذا الضابط تجلى لك الأمر، وكنت وسطاً بين الغالين والجافين بغير برهان.
ثم ما يقع ـ بعد ذلك ـ بين الواضح في حرمته، وبين الواضح في إباحته فهو من
مسائل الشبهات التي تُكره عند عامة أهل العلم، ويتحول حكمها إلى الإباحة
إذا وجدت حاجة إليها , ومع عدم الحاجة فإن هذا الموضع المشكل محلٌ للورع
والاحتياط عند ذوي الديانة والله أعلم.
حكم إعانة الكافر على المعصية:
قبل بيان حكم هذه المسألة لا بد من تحرير القول في مسألة وهي هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
أقول لا شك أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهو قول الجمهور، قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير: والكفار مخاطبون بالفروع -أي بفروع الإسلام- كالصلاة والزكاة والصوم ونحوها، عند الإمام أحمد والشافعي والأشعرية وأبي بكر الرازي والكرخي وظاهر مذهب مالك، فيما حكاه القاضي عبد الوهاب وأبو الوليد الباجي، وذلك لورود الآيات الشاملة لهم، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا). وقوله تعالى: (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ). وقوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ). وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ). وقوله : (يَا بَنِي آدَمَ). وقوله أيضاً: (يَا أُولِي الْأَبْصَارِ). ا. هـ
والمقصود بخطابه بها، أنه يعاقب عليها في الآخرة، لا أنه يُطالب بفعلها في الدنيا.
قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: فالكافر الأصلي مخاطب بها خطاب عقاب عليها في الآخرة، لتمكنه من فعلها بالإسلام، لا خطاب مطالبة بها في الدنيا لعدم صحتها منه. ا. هـ
وقال في شرح الكوكب المنير: والفائدة أي: فائدة القول بأنهم مخاطبون بفروع الإسلام كثرة عقابهم في الآخرة، لا المطالبة بفعل الفروع في الدنيا، ولا قضاء ما فات منها. ا. هـ
ونقل ابن النجار عن النووي قوله: ومرادهم في كتب الأصول: أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعاً، لا على الكفر وحده. ا. هـ
ومما استدل به جمهور العلماء على ما ذهبوا إليه:
١ - قول الله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل:٨٨].
قال ابن النجار: أي فوق عذاب الكفر، وذلك إنما هو على بقية عبادات الشرع. ا. هـ
٢ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران:٩٧].
وجه الدلالة أن لفظ (الناس) اسم جنس معرف بأل الاستغراقية، فيشمل جميع الناس، والكفار
стр. 76
من جملة الناس، ولا يوجد مانع عقلي من دخول الكفار في هذا الخطاب، والمانع العقلي هنا هو فقد التحكم من الفعل، والكافر يمكنه أن يحج بأن يقدم قبله الإيمان، كما أن المسلم المحدث يوصف بالتمكن من الصلاة بأن يقدِّم عليها الطهارة، ولا يوجد مانع شرعي كذلك، لأنه لو وجد لعرفناه.
٣ - قوله تعالى عن أهل النار: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) [المدثر:٤٢ - ٤٦].
وجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم إنما عاقبهم يوم القيامة، وسئلوا عما عاقبهم لأجله فاعترفوا بأنهم عوقبوا على ترك إقامة الصلاة، وإطعام الطعام، فدل على أن الخطاب متوجه إليهم بالعبادات.
٤ - قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [فصلت:٦ - ٧].
وجه الدلالة: أن الله تعالى توعد المشركين على شركهم، وعلى ترك إيتاء الزكاة، فدل ذلك على أنهم مخاطبون بالاثنين معاً، لأنه لا يتوعد على ترك الصلاة ما لا يجب على الإنسان.
٥ - قوله تعالى: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [القيامة:٣١ - ٣٢].
وجه الدلالة: أن الله تعالى ذم -هنا- الكفار لتركهم الصلاة، وهي من فروع الشريعة، مما يدل على أن الكفار مكلفون بالفروع.
وغير ذلك من الأدلة على قوة مذهب الجمهور مع العلم بأن العلماء قد أجمعوا على خطاب الكفار بأصل الإيمان، والعقوبات كالحدود والقصاص، والمعاملات كالبيع والشراء.
قال في التوضيح: ذكر الإمام السرخسي لا خلاف في أن الكفار يخاطبون بالإيمان، والعقوبات والمعاملات، وبالعبادات في حق المؤاخذة في الآخرة لقوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ).
وقال ابن النجار في شرح الكوكب المنير: كما أنهم مخاطبون بالإيمان والإسلام إجماعاً لإمكان تحصيل الشرط، وهو الإيمان. ا. هـ
يقصد أن تحصيل الإيمان شرط لصحة العبادات منهم، فوجب عليهم.
والسبب في تكليف الكفار بالمعاملات أن المعاملات قُصِد بها الحياة الدنيا، فالكفار بها أنسب، لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة.
والسبب في تكليفهم بالعقوبات: أن العقوبات قصد بها الزجر عن ارتكاب أسبابها، والكفار أحق بالزجر وأولى به من المؤمنين.
وبناءً على ما تقدم، فلا يجوز للمسلم أن يعين أحد من الكفار على شيء من المحرمات في ديننا ولو كان أحد والديه الكافرين أو زوجته الكتابية، لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان وهو منهي عنه شرعا بقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿المائدة:٢﴾.
وجاء في أحكام أهل الذمة لابن القيم: وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال في الرجل تكون له امرأة أو أمة نصرانية تقول اشتر لي زنارا فلا يشتري لها تخرج هي تشتري، فقيل له جاريته تعمل الزنانير قال: لا، قال القاضي: أما قوله لا يشتري هو الزنار، لأنه يراد لإظهار شعائر الكفر فلذلك منعه من شرائه وأن يمكن جاريته من عمله، لأن العوض الذي يحصل لها صائر إليه وملك له وقد منع من بيع ثياب الحرير من الرجال إذا علم أنهم
стр. 77
يلبسونها وكذلك بيع العصير لمن يتخذه خمرا. اهـ.
كيفية معاشرة الكافر الذي له حق واجب في المعاشرة:
اعلم أن معاشرة الكافر والفاسق المسلم ممن لهم حق واجب في الصلة والعشرة تختلف عن معاشرة غيرهم ويُغتفر فيها مالا يُغتفر في غيرها ويدلك على هذا أن بعض أهل العلم ذكر أنه إذا طلب أحد الوالدين الكافرين من ولدهما إيصالهما إلى الكنيسة لعجزه عن الوصول إليها، فالواجب على الولد إيصاله إليها، نص على هذا فقهاء المالكية , وقال ابن عاشور قال فقهاؤنا: (إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر لأن شرب الخمر ليس بمنكر للكافر، فإن كان الفعل منكراً في الدينين فلا يحل للمسلم أن يُشايع أحد أبويه عليه ... انتهى. قلتُ وهذا لا يجوز لمخالفته الآية الكريمة "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " لكني أوردته لبيان التقرير أعلاه , وذكر أهل العلم أن الزواج بالكتابية يستلزم أيضاً السماح لها بالبقاء على دينها إن شاءت وعدم الوقوف في وجه أدائها لشعائر هذا الدين إن أرادت وأن لا تُجبر على الإسلام ولا تدخل فيه إلا برضاها وهذا من المعلوم من الدين ضرورة لا يماري فيه إلا جاهل , وقرر أهل العلم بأن الوالدين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس الأب كالأجنبي وكذلك ألحقوا بهما الأزواج وقالوا إذا رأى الولد مُنكراً من والديه يأمرهما فإن قبلا فبها وإن كرها سكت عنهما , وأقوال أهل العلم في هذا الباب كثيرة وهي إن دلت على شيء فهي تدل على ما قررناه ابتداءً من أن معاشرة الكافر والفاسق المسلم ممن له حق واجب في الصلة والعشرة تختلف عن معاشرة غيرهم ويُغتفر فيها مالا يُغتفر في غيرها.
المنهج التفصيلي للتعامل مع الكفار المُسالمين المُحايدين (غير المحاربين):
إذا وُجد من الكفار من يرغب التعامل مع المسلمين على أساس السلم وتبادل المنافع والاحترام المتبادل وإطلاق حرية الدعوة إلى الله بين أفرادهم وداخل مجتمعاتهم وأن يقفوا موقف الحياد في قتال المسلمين عدواً ذا شوكة فيجب مسالمتهم, ومسالمة من يقف مع المسلمين موقف الحياد واجبة فلا يُحاربهم ولا يُعين عليهم محارباً ويجب الكف عن أذاهم وحسن معاملتهم ولا ينبغي معاداتهم وفي ذات الوقت لا تصح موالاتهم على الوجه المحرم وإنما يُعاملون بالعدل والإحسان والبر فلا يُعادون عداوة المحاربين ولا يوالون موالاة المؤمنين وإنما يجوز معهم التعامل على أساس العدل والصلة بالمعروف وكف الأذى والعدوان عنهم بل ويُشرع في حقهم برهم من غير مودة باطنة لهم وأهل العلم قد اتفقوا على أن كل صلة وبر وإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد للكفار مشروع بإجماع من يُعتد برأيه من أهل العلم.
قال تعالى:"لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [والبر: هو أعلى أنواع المعاملة، وهو الذي وضحه رسول الله ﷺ بقوله (البرَ حسن الخلق (فيشملّ جميع أنواع الإحسان، من إيصال الخير المعنوي، والحسيَ إليهم ما داموا بهذا الوصف.
وهذا العدل والإحسان يشمل حتى الحرَبي الأسير، لقوله تعالى في وصف الأبرار﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا
стр. 78
نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا (٩) ﴿قال قتادة ﵀: لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم، وأن أسراهم يومئذ لأهل الشَرك.
وقال ابن جرير الطّبري: وأسيراً: هو الحربي من أهل دار الحرب، يؤخذ قهراً بالغلبة، أومن أهل القبلة يؤخذ فيحبس بحق، فأثنى الله على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء تقرباً بذلك إلى الله، وطلب رضاه، ورحمة منهم لهم ... انتهى.
وبالجملة فإن فقه التعامل مع الكفار المُسالمين (غير المحاربين) شأنه كشأن كثير من أبواب الفقه الإسلامي فيه مسائل مُحكمة ومتفق عليها بين أهل العلم المحققين وفيه مسائل مُختلف فيها, وبناءً على ذلك سنشرع ببيان بعض أحكام التعامل مع الكفار المُسالمين المتفق عليها والذي ينبغي أن لا يُختلف فيها.
فإليك بعض أحكام التعامل معهم المتفق عليها:
الأول: العمل على دعوتهم إلى الله –سبحانه- بالوسائل المشروعة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإنقاذهم من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة قال رسول الله ﵊ " فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيٌُر لك من أن يكون لك حمر النعم" رواه البخاري، ومسلم من حديث سهل بن سعد – ﵁. وقال تعالى:﴾ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿فالبراءة من غير المسلّم، وعدم مودته لا تعني حجب دعوة الإسلام عنه، وتركه في الضلال، بل يجب على المسلم أن يدعوا الناس إلى الخير، وأن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحرص على هدايتهم , وهل هناك خير أحسن وأعظم للكافر من هدايته
للإسلام؟ وعليه فمن أعظم أنواع البر والإحسان إليه؛ دعوتهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة , ومن الموعظة الحسنة ما قاله تعالى للأسرى المشركين﴾ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿وهذا غاية الملاينة والملاطفة في دعوتهم إلى الإسلام، وأنّ الله سيعوضهم عن الفدية التي أخذت منهم إن هم أذعنوا للإسلام وآبوا إلى الله ورسوله ﷺ .
الثاني: الحذر من ظلمهم؛ لأن الظلم حرام مُطلقاً، فلا يجوز أن يُظلم أحد منهم في نفس أو مال أو عرض، فالذمي والمستأمن والمعاهد في دولة الإسلام وظل شريعة الرحمن يُؤدى إليه حقه، فلا يُظلم مثلاً في عرضه بغيبة أو نميمة، ولا في ماله بسرقة أو غش أو خيانة، ولا في بدنه بضرب أو قتل؛ لأن كونه معاهداً أو ذمياً في البلد أو مستأمناً يعصمه, قال تعالى:﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿قال ابن جرير في تفسيرها:
لا يحملنكم عداوة قوم على أن لا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم؛ فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة .. انتهى. والآيات التي فيها الأمر بوجوب العدل مع الناس جميعهم كثيرة، منها: قوله تعالى:﴾ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. وقال تعالى:﴾ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
стр. 79
حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
والسنة فيها الكثير من الشواهد على الإحسان والعدل مع غير المسلّمين، والتحذير من عاقبة الظلم خاصة ظلم أهل الذمة، وتوعد من ظلمهم يوم القيامة، ولهذا شهد عصر النبي ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين ومن بعدهم صوراً كثيرة من السماحة والعدل في معاملة غير المسلّمين, منها قوله ﷺ : (ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلَفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة). والخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، لمّا طُلب منه أن يوصي الخليفة من بعده، أوصاه بعدة وصايا، ومما جاء فيها: وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، أن يوفّي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلّفوا إلا طاقتهم. وكان يقول: أوصيكم بذمة الله، فإنه ذمة نبيكم، ورزق عيالكم. ومر هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حُبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) قال: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه، فحدثه، فأمر بهم فخلُّوا. وعندما أمر عمر بن عبد العزيز مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، وقام إليه رجل ذمي من أهل حمص، فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله، قال: وما ذلك؟ قال: العباس بن الوليد اغتصبني أرضي، والعباس جالس، فقال عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم، أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد، وكتب لي بها سجلاً، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى، فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد، قم يا عباس فاردد عليه ضيعته، فردها عليه.
وكان العلماء والقضاة يسيرون على هذا النهج من النصح للخلفاء بأن يرفقوا بأهل الذمة، قال القاضي أبويوسف وهو يوصي أمير المؤمنين هارون الرشيد بأهل الذمة
(وينبغي يا أمير المؤمنين - أيدك الله- أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك، وابن عمك محمد ﷺ ، والتفقد لهم حتى لا يظلموا، ولا يؤذوا، ولا يكلّفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم، إلا بحق يجب عليهم-ثم ذكر جملة من الأحاديث والآثار الّتي فيها الوصية بأهل الذمة، والتحذير من الإساءة إليهم .. ).
ومن ذلك قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر وابنه، فقد اقتص الخليفة عمر للقبطي في مظلمته، وقال مقولته المشهورة:" يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ".وكذلك تجلى العدل مع غير المسلمين حتى في خصومهم مع الخلفاء ومن ذلك "خصومة الخليفة علي ﵁ مع يهودي في درعه التي فقدها، ثم وجدها عند يهودي، فاحتكما إلى شريح القاضي فحكم بها لليهودي، فأسلم اليهودي وقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه، فيقضي لي عليه، أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من
بعيرك الأورق، فقال علي كرم الله وجهه، أما إذا أسلمت فهي لك".
стр. 80
وها هو علي ﵁ يأمر عماله بالعدل التام مع غير المسلمين، حيث كتب إلى عماله على الخراج "إذا قدمت عليهم فلا تبيعنّ لهم كسوة شتاءً ولا صيفًا، ولا رزقًا يأكلونه، ولا دابة يعملوا عليها ولا تضربنّ أحدًا منهم سوطًا واحدًا في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عرضا في شيء من الخراج، فإنا إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به، يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلت".
وهذه الوثيقة العمرية حيث أعطى عمر بن الخطاب أهل إيلياء أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وأنهم لا يظلمون بسبب نصرانيتهم ولا يضار أحد منهم ".
الثالث: يجوز الحديث مع الكفار والتحدث إليهم في الأمور المباحة والتعامل معهم في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك، فقد صح عن رسول الله – ﷺ أنه اشترى من الكفار عُبَاد الأوثان، واشترى من اليهود، وهذه معاملة، وقد توفي – ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام لأهله. قالت عائشة –﵂:"اشترى النبي – ﷺ طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد". رواه البخاري ومسلم. وقد كان – ﷺ يتعامل في أمور التجارة مع الكفار، وعامل أهل خيبر في المساقاة، كما روى البخاري أن رسول الله – ﷺ أعطى خيبر لليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها" رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر – ﵄. قال ابن القيم –﵀: (ثبت عن النبي – ﷺ أنه اشترى من يهودي سلعة إلى الميسرة، وثبت عنه أنه أخذ من يهودي ثلاثين وسقاً من شعير ورهنه درعه، وفيه دليل على جواز معاملتهم، ورهنهم السلاح، وعلى الرهن في الحضر، وثبت عنه أنه زارعهم وساقاهم ... انتهى). وعن عبد الرحمن بن أبي بكر – ﵄ قال: كنا مع رسول الله – ﷺ ثم جاء رجل مشرك مشعانٌُ طويلٌُُ بغنم يسوقها فقال – ﷺ :"أبيعاً أم عطية؟ " أو قال: "أم هبة" قال: لا، بل بيع فاشترى منه شاةً. أخرجه البخاري ومسلم , وفي البخاري عن عائشة –﵂ قالت: استأجر رسول الله – ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خِرِّيتاً وهو على دين كفار قريش .... الحديث.
الرابع: لا يجوز بدؤهم بالسلام لغير حاجة أو مصلحة شرعية راجحة وخاصةً إذا كان الكافر مُظهراً لعادات الكفر متلبساً بأفعال الكفار بين المسلمين، لقول النبي – ﷺ :"لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام" رواه مسلم من حديث أبي هريرة – ﵁. والنهي الوارد في الحديث هو إذا كان لغير سبب يدعوك إلى أن تبدأهم من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لك قبلهم أو حق صحبة أو جوار أو سفر, وينبغي إذا سلم أحد الكفار أن يُقال له: وعليكم؛ وهذا عند الشك وعدم تحقيق السامع من نطق السلام أما إذا قال الكافر السلام عليكم فيُقال له من باب العدل وعليكم السلام, قال – ﷺ :"إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". متفق عليه عند البخاري، ومسلم، من حديث أنس ﵁.
стр. 81
الخامس: وجوب حفظ عهدهم، وحرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم.
والأصل في هذا قول الله تعالى:﴾ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿
وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (من قتل معاهداً لم يرِح رائحة الجنة، وإنَ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً (. وعصمة النفس تستتبع الحفاظ على العرض، فلا يجوز الاعتداء على أعراض أهل الذمة، ومن شتم ذمياً أو قذفه فحقه كحق المسلم في هذا.
السادس: مشروعية الرفق واللين لهم ومعاملتهم بالحسنى فالمعاملة الحسنة والمداراة فيما يتعلق بأمور الدنيا ليست من الموالاة أصلاً، فلا تدخل في الممنوع، بشرط ألا تؤدي إلى المداهنة في دين الله، والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداهنة هي معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير نكير عليه، والمداراة: هي حسن التعامل والترفق والتلطف بالقول والفعل في بيان الحق له والتعامل معه، وأصل الفرق بينهما أن المداراة بذل الدنيا لصالح الدنيا أو الدين أو هما معاً، والمداهنة: ترك الدين لصالح الدنيا.
ففي باب الآداب والمجالس والمُجاملات يحسن بالمسلم أن يعامل جلساءه بطلاقة الوجه وحسن القول ونحوهما، مما لا يؤدي إلى مداهنة أو نفاق أو تعظيم على النحو المنهي عنه. ولا شك أن الكفار عند وقت جهادهم وقتالهم لا حظ لهم من حسن التعامل بل يتعين ويجب الإغلاظ عليهم والشدة، وأما إن لم يكونوا مقاتلين بأن كانوا مُعاهدين فيُشرع البر والإحسان إليهم، ومن البر طلاقة الوجه ولين الكلام، ولا يلزم من البغض لهم في الله أن لا يكلمهم أو يكلح في وجوههم، بل ينبغي أن يخاطبهم بالقول اللين الحسن ويحسن معاملتهم والمداراة مع الناس والبعد عن الغلظة والفظاظة، مطلوبة دائماً لا سيما في باب الدعوة والمسلم ينبغي أن يكون داعياً إلى الله بقوله وفعله وفي كل أحواله، والتبسم للكافر المُسالم لسبب معتبر كتأليفه للدخول في الإسلام أو صلته لكونه ذا قرابة ورحم أمر جائز لا حرج فيه، ولكن يحذر من متابعته أو إقراره على شيء من باطله.
أما الموالاة المنهي عنها فهي موالاتهم في دينهم، أو مناصرتهم على المسلمين.
ويقول تعالى (وقولوا للناس حسنا) وعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ ، فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال: رسول الله ﷺ : مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : قد قلت: وعليكم). وفي رواية: (يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والفحش.
والرفق: هو لين الجانب في القول والفعل، بشرط ألا يُفهم منه علو الكافر على المسلم.
السابع: مشروعية المداراة والمصاحبة بالمعروف لمن ليس لك بُد من معاشرته فمن كان من الكفار لا تستطيع هجره لأي سببٍ كان فعاشره بالمعروف وداره حتى
стр. 82
يجعل الله لك منه فرجاً ومخرجاً لقوله تعالى في معاملة الوالدين الكافرين:﴾ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴿وتتأكد المصاحبة بالمعروف مع من يصحبك ويُبادرك الصحبة والصلة كأصحاب العمل والسفر ونحوهم , وقال رسول الله ﷺ في شأن عبد الله بن أبي بن سلول " بل نرفق به ونُحسن صحبته ما بقي معنا ".
الثامن: مشروعية البر بالوالدين المشركين , ومصاحبتهم في الدنيا معروفاً ولو كانوا دعاة إلى الشرك من غير موالاتهم , والله سبحانه أوجب بر الوالدين الكافرين بالمعروف والإحسان الدنيوي وأما في الدين فأنت تتبع الدين الحق ولو خالف دين آبائك مع الإحسان للوالدين من باب المكافأة فأنت تُحسن إليهما وتُكافئهما على معروفهما ولو كانا كافرين, ويُشرع صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق , قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). قال ابن كثير ﵀ في بيان معنى المصاحبة في الدنيا معروفاً, وصاحبهما في الدنيا معروفاً أي بالمعروف وهو البر والصلة والعشرة الجميلة ... انتهى) , فالبر بالوالدين والمصاحبة بالمعروف كالقول اللين وعدم التعنيف، وعدم التأفف وعدم الزجر، والإحسان إليهما بالمال والإعانة والخدمة مشروعة كما قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) , وفي الصحيحين عن أسماء ﵂ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: (نعم صلي أمك.). قال الخطابي: فيه أنّ الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه، كما توصل المسلمة ... انتهى. ولهذا بوب البخاري لهذا الحديث بباب الهدية للمشركين، وباب صلة الوالد المشرك, وقال ابن حجر قولها راغبة: أي في شيء تأخذه وهي على شركها، ولهذا استأذنت أسماءُ أن تصلها، ولو كانت راغبة في الإسلام لم تحتج إلى إذن, وقيل معناه: راغبة عن ديني أو راغبة في القرب مني ومجاورتي والتودد إلىّ، لأنها ابتدأت أسماءَ بالهدية التي أحضرتها، ورغبت منها في المكافأة، ولو حُمل قولها راغبة أي في الإسلام لم يستلزم إسلامها. وقال النووي: وفيه جواز صلة القريب المشرك.
وعن أبي هريرة قال: مر رسول ﷺ على عبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل فقال: قد غبر علينا ابن أبي كبشة، فقال ابنه عبد الله: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لأتيتك برأسه فقال النبي ﷺ : " لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته ". رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به زيد بن بشر الحضرمي، قال أبو السعادات الشيباني في جامع الأصول في أحاديث الرسول عن زيد بن بشر وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات.
стр. 83
وعلى هذا فالبر بالوالدين فرض عين، ولا يختص بكونهما مسلمين، بل حتى لو كانا كافرين يجب برهما والإحسان إليهما ما لم يأمرا ابنهما بشرك أو ارتكاب معصية, ففي هذه الحال عليه أن يقول لهما قولاً ليناً لطيفاً دالاً على الرفق بهما والمحبة لهما، ويجتنب غليظ القول الموجب لنفرتهما، ويناديهما بأحب الألفاظ إليهما، وليقل لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ودنياهما، ولا يتبرم بهما بالضجر والملل والتأفف، ولا ينهرهما، وليقل لهما قولاً كريماً, ومن العجيب في هذا الباب أن بعض الفقهاء قال إذا طلب أحد الوالدين الكافرين من ولدهما إيصالهما إلى الكنيسة لعجزه عن الوصول إليها، فالواجب على الولد إيصاله إليها، ووجوب البر بهما في هذا الأمر مقيد بحال الطلب ووجود العجز، وإلا لم يجب نص على هذا فقهاء المالكية.
وقال ابن عاشور (قال فقهاؤنا: إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر لأن شرب الخمر ليس بمنكر للكافر، فإن كان الفعل منكراً في الدينين فلا يحل للمسلم أن يُشايع أحد أبويه عليه .... انتهى) واعلم أني أورد هذه الأقوال لا لترجيحها بل لحكايتها بياناً لأهمية بر الوالدين , واعلم أخي القارىء أن الأقارب الكفار الغير محاربين يُلحقون بالوالدين الكافرين من المصاحبة في الدنيا بالمعروف وخاصة إذا كان يعسر التحرز من هجرهم لسببٍ ما , فعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال (الخالة بمنزلة الأم) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح , إلا أنه ينبغي أن يُعلم بأن مشروعية التعامل بالإحسان والبر بالوالدين الكافرين وصحبتهما بالمعروف وصلة الرحم الكافرة يكون دون موالاتهم وطاعتهم فيما يريدون من الشرك ومعصية الله تعالى.
التاسع: جواز صلة القريب منهم دون موالاته , وإدخال الرحم الكافرة البيت لا إثم فيه , فيجوز للمسلم أن يصل قريبه غير المسلم، بل ويستحب له إذا كان على الوجه الشرعي لقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
يقول ابن سعدي ﵀ في تفسير هذه الآيات (ولما نزلت هذه الآيات الكريمات-يقصد أول سورة الممتحنة- المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه. فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلماً: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ , [وقوله:] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
стр. 84
الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: لأجل دينكم، عداوة لدين الله ولمن قام به، ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا﴾ أي: عاونوا غيرهم ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ نهاكم الله ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بالمودة والنصرة، بالقول والفعل، وأما بركم وإحسانكم، الذي ليس بتول للمشركين، فلم ينهكم الله عنه، بل ذلك داخل في عموم الأمر بالإحسان إلى الأقارب وغيرهم من الآدميين، وغيرهم ... انتهى)
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأى عمر بن الخطَّاب حلَّة سيراء - أي حرير - عند باب المسجِد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريْتها فلبسْتَها يوم الجمعة وللوفد، قال: ((إنَّما يلبسها مَن لا خَلاق له في الآخِرة))، ثمَّ جاءت حلل فأعْطى رسولُ الله ﷺ عُمَر - منها حُلَّة، وقال: أكسوْتَنيها وقلت في حلَّة عُطَارِد ما قُلْت؟! فقال: ((إنِّي لم أكسُكها لتلبسها))، فكساها عمر أخًا له بمكَّة مشركًا؛ رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنكم ستفتحون أرضاً يُذكر فيها القيراط وفي رواية ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً وفي رواية فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحماً أو قال ذمة وصهراً رواه مسلم قال العلماء الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل ﷺ منهم والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال لما نزلت هذه الآية «وأنذر عشيرتك الأقربين» دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا فعم وخص وقال يا بني عبد شمس يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها رواه مسلم , والبلال الماء ومعنى الحديث سأصلها شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة, والشاهد قوله ﵊ لعشيرته الكفار (غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها) , والنبي ﵊ وصل أقاربه الكفار، وصل عمه أبا طالب، وكان يأتيه ويدعوه إلى الإسلام، وغير ذلك، وإذا تقرر جواز صلة الرحم الكافرة فجواز صلة الرحم الفاجرة الفاسقة التي لا تزال مسلمة من باب أولى, ولتعلم أن الصلة بالمعنى العام يدخل فيها الأرحام الكفار والفساق وإن كانت صلتهم عموماً تكون دون صلة الأرحام المسلمين الصالحين, والذي ينبغي من جهة الكمال والاستحباب أن تكون صلة الرحم الكافرة -غير الوالدين -من أجل التأليف على الإسلام أو مراعاة وجود من تحت ولايته من الأبناء المسلمين كما قال ابن حجر: "إن صلةَ الرحم الكافر ينبغي تقييدها بما إذا آنس منه رجوعاً عن الكفر، أو رجا أن يخرج من صلبه مسلم كما في الصورة التي استدلّ بها وهي دعاء النبي ﷺ لقريش بالخصب وعلّل بنحو ذلك، فيحتاج من يترخّص في صلة رحمه الكافر أن يقصد إلى شيء من ذلك"انتهى.
стр. 85
العاشر: تحرم موالاة الكفار كموالاة المسلمين أي مولاة مطلقة شاملة لجميع مفردات الولاية بل يجب البراءة منهم على الوجه الذي أراده الله والبراءة من أعمالهم المخالفة للشرع وتتأكد البراءة في حق من كان مُتلبساً بكفره وتحرم مودتهم مودة دينية أي مودة على الدين ولما حرم الله الكفر والشرك حرم الله كل طريق يؤدي إليها من طاعات الشيطان واتخاذ الكافرين والمشركين أولياء ويحرم تعظيمهم ويحرم متابعتهم على معاصيهم أو إقرارهم على شيء من باطلهم ويحرم إعانتهم على الإثم والعدوان ويحرم شهودهم حال خوضهم في منكراتهم , قال تعالى في تحريم موالاتهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وأما الدليل على وجوب البراءة منهم ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ بايعه على أن (تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر) , وأما الدليل على تحريم مودتهم مودة على الدين قال تعالى (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) وأما الدليل على تحريم تعظيمهم فعن بريدة بن الحصيب ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تقولوا للمنافق سَيِّد. فإنه إِن يَكُ سيدا فقد أسخطتم الله». أخرجه أبو داود. وقال تعالى في حق الوالدين المشركين وبيان تحريم متابعتهم على معاصيهم (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) والشاهد قوله (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) فدل بمفهوم المخالفة: أي لا تتبع والديك في معاصيهم وأما الدليل على حرمة إعانتهم على الإثم والعدوان قال تعالى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وأما الدليل على حرمة شهودهم حال خوضهم في منكراتهم قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
الحادي عشر: لا يجوز للمسلم أن يتخذ الكافر غير المسلم صديقاً يُصافيه ويتخذه خليلاً ويواليه كالمؤمن التقي ويحب كل ما هو عليه بل ينبغي الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم والميل إليهم والركون إليهم وهذا في حق مجموعهم وعدم اتخاذ الكافر صديقاً لا يعني عدم الإحسان إليه أو النفقة عليه إن كان من ذوي الرحم , وبالجملة على المسلم في تعامله مع غير المسلم أن يكون قائم على التأثير دون التأثر وإن لم يمكن التأثير فلا تأثر وهذا بخصوص الدين فقط.
الثاني عشر: تحرم محبة عموم الكفار ولو كانت هذه المحبة لغير دينهم بل يجب بغض عموم الكفار في الله ويُجزيء عن بغضهم عدم مودتهم على الأقل وأما بغض آحادهم فلا يجب وإن كان مُستحباً قال رسول الله ﷺ (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله).
الثالث عشر: لا يجوز أن يُولَى كافر ولاية من ولايات المسلمين التي فيها تسلط على المسلمين أو فيها خطر عليهم , فالوظائف العامة والخاصة ذات المساس
стр. 86
بمصالح الأمة وقوتها في دولة الإسلام لا يتولاها إلا المسلمين لأن غيرهم لا تؤمن خيانتهم.
الرابع عشر: لا يجوز مُباسطة الكفار إلى حد يجعلهم يظهرون ما هم فيه من منكرات.
الخامس عشر: مشروعية عيادة المرضى منهم , لفعله ﷺ مع المشركين واليهود. حيث روى البخاري عن أنس ﵁، أنّ غلاماً يهودياً كان يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده: فقعد عند رأسه فقال له: (أسلم) فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ ، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: (الحمد الله الذي أنقذه من النار).
وروي البخاري من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لمّا حضرت
أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فقال: (قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله).
ففي هذه الأحاديث الصحيحة دليل على مشروعية عيادة المريض غير المسلم، وخاصة إذا كان يطمع في تأليف قلبه على الإسلام، أو تحصل بعيادته مصالح أخر.
السادس عشر: مشروعية تعزيتهم في موتاهم , فالصحيح من قوليّ أهل العلم أنه يجوز للمسلّم أنّ يعزي الكافر إذا مات له ميت، وخاصة عند وجود المصلحة الشرعية وقد سُئل الشيخ ابن باز عن صيغة تعزية غير المسلم، فقال: يقول: جبر الله مصيبتك، أو أحسن لك الخلف بخير، وما أشبه ذلك من الكلام الطيب، ولا يقول غفر الله له، ولا يقول: ﵀ إذا كان كافراً أي لا يدعو للميت، وإنما يدعو للحي بالهداية وبالعوض الصالح ونحو ذلك .. انتهى. قلتُ لا يجوز الدعاء له بالمغفرة لنهي الله عن ذلك قال تعالى.
السابع عشر: جواز تبادل الهدايا معهم إذا لم تؤدي إلى موالاتهم، فالهدية تدخل في عموم البر والإحسان، ولهذا استدل الإمام البخاري –﵀ – في صحيحه على جواز الهدية للمشركين بالآية السابقة، حيث قال باب الهدية للمشركين، وقول الله تعالى:﴾ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ثم ساق في الباب حديثين، حديث أسماء السابق، وقبله حديث ابن عمر ﵃، أنّ عمر ﵁-رأى حّلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله: لو اشتريت هذه فلبستها للناس يوم الجمعة، وللوفود إذا قدموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة. ثم جاءت رسول الله ﷺ حلل، فأعطى عمر منها حّلة. فقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ فقال رسول الله ﷺ : أني لم أكسكها لتلبسها. فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة ففيه دليل على جواز الإهداء للكفار، ولو كان لا يحل لبسه للمسلمين كالحرير.
وقد قبل – ﷺ الهدية من بعض الكفار؛ كقبوله من اليهودية التي أهدت إليه الشاة المسمومة فيما رواه البخاري، ومسلم، من حديث أنس – رضي
стр. 87
الله عنه- وقد روى البخاري عن أبي حميد – ﵁ قال: وأهدى ملك أيلة للنبي – ﷺ بغلة بيضاء وكساه بُرداً. ولهذا بوب البخاري في صحيحه لهذه الأحاديث باب: قبول الهدية من المشركين.
وكتب له ببحرهم أي: ببلدهم الذي كان بساحل البحر في طريق المصريين إلى مكة، وروى البخاري، ومسلم، واللفظ من حديث علي – ﵁ أن أكيدر بن عبد الله الكندي وكان نصرانياً وكان ملكاً لبلدة دومة أهدى للنبي – ﷺ ثوب حرير فأعطاه علياً، فقال: "شَقِّقْهُ خٌمٌراً بين الفواطم، وفي الترمذي عن علي –﵁: أن كسرى أهدى له – ﷺ فقبل الهدية، وأن الملوك أهدوا إليه فقبل منهم. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر – ﵁ وزاد أحمد في مسنده:"وأهدى له قيصر فقبل منه".
وأخرج البخاري ومسلّم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر – ﵄ كنا مع رسول الله ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي صلّى
الله عليه وسلّم: هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن ثم جاء رجل مشرك مشعان أي ثائر الشعر طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : أبيع أم عطية؟، أو قال: أم هبة؟ قال: لا بل بيع ... الحديث) وهذا يدل على جواز قبول الهدية من المشرك؛ لأنها بمثابة الهبة والعطية.
وقد روى أبو داود في سننه أن النبي – ﷺ اشترى حُلَّةً ببضعة وعشرين قلوصاً (ناقة) فأهداها إلى ذي يزن، وكان ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله – ﷺ حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيراً، أو ثلاث وثلاثين ناقة فقبلها. رواه أبو داود من حديث أنس – ﵁.
الثامن عشر: مشروعية مكافأتهم على المعروف ومن أدلة ذلك ما رواه أبو داود في سننه أن النبي – ﷺ اشترى حُلَّةً ببضعة وعشرين قلوصاً (ناقة) فأهداها إلى ذي يزن، وكان ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله – ﷺ حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيراً، أو ثلاث وثلاثين ناقة فقبلها. رواه أبو داود من حديث أنس – ﵁. وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: قال: لمَّا تُوُفِّيَ عبدُ الله يعني: ابنَ أُبَيّ بن سَلُولَ جاء ابنُه عبد الله إلى رسولِ الله ﷺ ، فسأله أنْ يُعْطِيَهُ قميصَهُ يُكَفِّنُ فيه أباه؟ فأعطاه وقد صنع عبدالله بن ابنَ أُبَيّ بن سَلُولَ معروفاً بعمه العباس فأحب رسول الله ﵊ أن يكافئه. وعن جبير بن مطعم ﵁: قال: «لما أَسَرَ رسولُ الله ﷺ مَن أَسَر يوم بدر من المشركين قال: لو كان المطعِم بنُ عَدِيّ حيّا، ثم كلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى، لتركتهم له». أخرجه البخاري، وأبو داود. وقد كان لجبير بن مطعم معروفاً على الرسول ﵊ قبل هجرته للمدينة. وقد قال رسولُ الله ﷺ -في الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائي من حديث عبد الله بن عمر ﵄ -وفيه. (وَمَنْ صَنَعَ إِليكم معروفا فكافئوه) وقال تعالى في حق الوالدين المشركين (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) وذلك لمكافأتهما على صنيعهما ومعروفهما بابنهما.
стр. 88
التاسع عشر: مشروعية حسن الجوار معهم لعموم قوله تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) والجار الجنب: يشمل الجار الغريب البعيد مسلماً كان أو مشركاً، يهودياً كان أو نصرانياً.
قال القرطبي: الوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلماً كان أو كافراً وهو الصحيح ... انتهى. والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى والمحاماة عنه، ويشمل الجوار الجار في العمل وفي السفر ونحو ذلك, روى البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
وعن أبي شريح أنّ النبي- ﷺ قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه). وهذا عام في كل جار، وقد أكّد ﵊ ترك أذيته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره، فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى الجار بغير حق، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضَا عليه.
وهذا العموم في الإحسان إلى الجار هو ما فهمه صحابة رسول الله – ﷺ وطبقوه مع غير المسلمين.
أخرج أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄، أنه ذُبحت شاةٌ، فقال لأهله: أهديتم لجارنا اليهودي؟ قالوا: لا، قال: ابعثوا إليه منها، فإني سمعت رسول الله – ﷺ يقول): ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ... انتهى.
وعن مجاهد قال: كنت عند عبد الله بن عمرو ﵄، وغلامه يسلخ شاة، فقال: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي، فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله؟ قال: سمعت النبي ﷺ يوصي بالجار حتى خشينا أنه سيورثه ... انتهى.
العشرون: مشروعية الصدقة على مساكينهم , بل ويجوز للحاكم أن يعطي أهل الذمة والعهد من المال لمصلحة شرعية أو لحاجتهم , وعليه فيجوز للمسلم أن يتصدق على غير المسلّم من غير المحاربين، ومن غير الزكاة، لعموم قوله تعالى:"لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [والقسط يشمل العدل، ويشمل الصَلة، قال ابن العربي قوله تعالى (وتقْسِطُوا ِإلَيهِم) أيَ تعطوهم قسطاً من أموالكم على وجه الصلة، وليس يريد به من العدل، فإنّ العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل ... انتهى.
ولقوله تعالى: (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) فقد جاء في سبب نزولها أنّ ناساً من المسلمين كرهوا أن يرضخوا
стр. 89
لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية، فأمروا بالصدقة بعدها على كل من سأل من كلِّ دين.
قال ابن جريرفي تفسيره: يعني -تعالى ذكره- بذلك: ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم، فلا تمنعهم الصدقة .... انتهى.
والصدقة تدخل في عموم قول الله تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)).
وبهذا يتبين أن الصدقة على غير المسلمين مستحبة، لعموم قوله ﷺ (في كل كبد رطبة أجر) متفق عليه.
وهذا التعامل هو ما سار عليه الخلفاء الراشدون في صدر الإسلام، ومن بعدهم في معاملتهم لأهل الذمة، ففي خلافة أبي بكر الصديق ﵁، كتب خالد بن الوليد ﵁ لأهل الحيرة بالعراق- وكانوا نصارى- كتاباً مطولاً في بيان ما عليهم من الواجبات، وما لهم من الحقوق، ومما جاء فيه: وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله.
وفي خلافة عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطأة رسالة مطولة في الوصية بأهل الذمة، جاء فيها: وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولّت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه ... وذلك أنه بلغني أنّ أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذّمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثمّ ضيعناك في كبرك، قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه.
الحادي والعشرون: يجوز استخدام الكفار المحايدين للدعاية لصالح المسلمين وإيقاع الرعب والهزيمة المعنوية في الكفار المحاربين وقد دل على ذلك سيرة النبي ﷺ .
الثاني والعشرون: يجوز أكل ذبائح أهل الكتاب ما لم يعلم أنها ذُبحت على غير الوجه الشرعي كالخنق؛ لقوله تعالى:"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ". وهذا ما أجمع عليه أهل العلم أن ذبائح أهل الكتاب حلال، وفي البخاري عن أبي هريرة –﵁ قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي – ﷺ شاة فيها سم". وفي البخاري، ومسلم من حديث أنس – ﵁:"أن امرأة يهودية أتت رسول الله – ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها ... " الحديث. قال ابن حجر: (ومن أحكام قصة خيبر جواز الأكل من طعام أهل الكتاب، وقبول هديتهم. (
الثالث والعشرون: يجوز نكاح نساء أهل الكتاب عند جمهور أهل العلم؛ لقوله –سبحانه-"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم".
стр. 90
قال ابن قدامة: (ليس بين أهل العلم اختلاف في حل نساء أهل الكتاب، ولكن ترك نكاحهن والاستغناء بالمحصنات من المؤمنات أولى وأفضل) ويجوز محبة الزوجة الكتابية بمقتضى الطبع أي لغير دينها.
الرابع والعشرون: يجوز التعاون والتحالف مع الكفار في كل أمر يكون فيه بر وتقوى بشرط أن لا يؤدي إلى موالاتهم, فإذا حالف المسلمون أمة غير مسلمة على أمة مثلها ; لاتفاق مصلحة المسلمين مع مصلحتها، فهذه المحالفة لا تدخل في عموم المنهي عنه قال تعالى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) وقال رسول الله ﷺ في شأن حلف الفضول الذي كان قبل مبعثه وكان حلفاً مع المشركين (لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت) وسبب هذا الحلف أن قريشًا كانت تتظالم في الحرم فقام عبد الله بن جدعان والزبير بن عبد المطلب فدعوا إلى التحالف على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم فأجابوهما وتحالفوا في دار ابن جدعان.
الخامس والعشرون: يجوز استخدام الكفار واستعمالهم في الوظائف بشرطين الأول تعذر من يحل محل الكفار من المسلمين، الثاني أن يؤمن جانبهم على الإسلام والمسلمين, ويجوز للمسلم الاستعانة بالكافر غير المحارب في الأمور الدنيوية التي لا تتصل بالدين , وعموماً ينبغي التفريق بين استخدام الكافر كشخص بمفرده في أمر من الأمور وبين استخدامه كصاحب سلطة ونفوذ في أمر من أمور الدولة الإسلامية فالأول جائز والثاني لا يجوز.
السادس والعشرون: جواز تهنئتهم بالأمور الدنيوية التي لا صلة لها بالدين والعقيدة إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك؛ وإنما المنهي عنه تهنئتهم بأعيادهم الدينية , كالتهنئة بالولد، أو بسلامة الوصول من السفر، أو نحو ذلك، فالأصل الجواز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
السابع والعشرون: استحباب الدعاء لهم بالهداية , فالدعاء لغير المسلمين بالهداية جائز بل هو مستحب، حتى لو كانوا محاربين، فقد دعا الرسول ﷺ لطوائف كثيرة من الكفار بالهداية, فمن ذلك: ماروه أبو هريرة ﵁ أنه قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله تعالى أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم اهد أم أبي هريرة).
وقَدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنّ دوساً قد عصت وأبت، فادع الله عليها، فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال ﷺ : (اللهم اهد دوساً وائت بهم).
وعن جابر ﵁ أنّ الصحابة قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، فقال: (اللهم اهد ثقيفاً).، فأسلموا وقدموا المدينة.
стр. 91
وهذا الهدي قد يجهله بعض المسلمين، فتدفعهم الغيرة والحمية للدين إلى أن يدعو على عموم الكافرين بالهلاك والدمار، وهذا خلاف هدي النبي ﷺ وصحابته الكرام.
الثامن والعشرون: تُشرع محبة الخير والهداية للناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم والرحمة والشفقة عليهم ولا علاقة لهذه المحبة بالبراء الشرعي من المشركين , بل إن شفقة المؤمن على الكافر لقرابته أو لإحسانه وكذلك خوف المؤمن على قومه وعشيرته من عاقبة ما هم فيه من الكفر ورحمتهم لا تُنافي كمال الإيمان المستحب ناهيك عن الواجب فهذا نوح قال الله عنه يوم الطوفان﴾ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿وقوله لقومه بعد أمرهم بتوحيد الله﴾ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿فنوح يُشفق على ابنه الكافر وعلى قومه الكفار ومنه قول إبراهيم لأبيه﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿, وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال:" يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: " إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " فإبراهيم يُشفق على أبيه الكافر , ومن ذلك قول شعيب لقومه بعد نصحه لهم﴾ َإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴿, ومن ذلك أيضاً قول هود لقومه بعد وعظهم﴾ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿, ومن ذلك أيضاً قول مؤمن آل فرعون لقومه بعد تذكيرهم بالله﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿, وعن أبي هريرة ﵁، قال (زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي) ومن المعلوم أن البكاء والشفقة لا يكونان إلا من ميل قلبي جبلي لا يُؤاخذ عليه الإنسان.
التاسع والعشرون: اتفق أهل العلم على أن من تخشى على نفسك الافتتان به وأن يضرك في دينك فيجب عليك هجره ولو كان قريباً لك ولو لم يتبين لك كفره أي بمعنى لو كان فاسقاً مسلماً ويستثنى من وجوب هجره هجراً جميلاً وعدم صلته ما كان على سبيل المداراة وصلته بما لا يُدخل عليك ضرر في دينك كصلته بالمال ونحوه.
الثلاثون: جواز مصاحبة الكفار المسالمون ومؤاكلتهم ومشاربتهم لحاجة كعمل بينك وبينهم أو كان ذلك لمصلحة شرعية راجحة كدعوة أوصلة للرحم وضيافتهم إذا كانوا ضيوفاً فلا بأس بذلك ما لم يصل إلى حد موالاتهم.
الحادي والثلاثون: يجوز الدعاء للكافر بالشفاء من مرض والعافية منه للمصلحة كرجاء إسلامه وتأليف قلبه ونحوه.
الثاني والثلاثون: تجوز الاستجارة بالكافر لحماية الدعوة.
стр. 92
الثالث والثلاثون: تجوز مشاركة المسلم للكافر في التجارة بشرط أن يكون القرار النهائي للمسلم في المعاملات أي بمعنى أن يكون مدير الشركة هو المسلم.
الرابع الثلاثون: يجوز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم إذ لا يلزم من مجرد كون الرجل كافراً أن لا يوثق به في شيء أصلاً.
الخامس والثلاثون: يجوز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة.
السادس والثلاثون: مشروعية العفو عن الظالم الكافر إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك , كما فعل النبي ﷺ مع كفار مكة المحاربين وَقَالَ لَهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» وكما فعل النبي ﷺ مع من سحره من اليهود فلم يطلب حقه ﵇ لئلا يُثير على الناس أمور لا تُحمد عقباها , وعلى كل حال الأدلة على عفو النبي ﵇ لخصومه كثيرة ليس هذا موضع بسطها.
خلاصة حكم مودة المؤمن للكافر:
محبة عين الكافر المحارب أو محبة عموم الكفار أياً كانوا محاربين أو مسالمين أمر محرم بالإجماع ولو كان محبة طبيعية ناهيك أن تكون دينية علماً بأن محبة الكافر لملته أو لصفة دينية فيه تُخالف الشرع ليست كفراً بإطلاق وإن كانت تلك المحبة محرمة بالإجماع , وذلك أن الحُبَّ القلبي الديني لغير المسلمين لأجل دينهم الباطل ليس شيئًا واحداً، فمنه ما ينقض الولاء والبراء من أساسه، ويَكْفُرُ صاحبُه بمجرّده ومنه ما يَنقصُ من الولاء والبراء ولا يَنقضُهُ، فيكون معصيةً تَنقصُ الإيمانَ ولا تنفيه , أمّا الحبّ القلبيُّ الذي يَنقضُ الولاء والبراء وينفي أساسَ الإيمان فهو حُبُّ الكافر لكُفره , وأمّا الحبُّ القلبي الذي لا يصل إلى حدّ النَقض، لكنه يُنقصُ الإيمانَ، ويدل على ضعفٍ في معتقد الولاء والبراء، فهو محبّة الشخص كافراً كان أو مسلماً لِفسْقِه أو لمعصيةٍ يقترفها فهذا إثمٌ ولاشك، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر لكونه لا ينافي أصل الإيمان؛ وهذا الحبّ قد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، وقد لا يكون كذلك، بحسب حال المحبوب ومعصيته، فمن أحبّ محبوباً لارتكابه الكبائر، فهذا الحب كبيرة، ومن أحبّه لصغيرة يرتكبها، فلا يزيد إثمه على إثم من ارتكبها.
وأمّا الحبّ الجبلي الطبيعي للكافر المعين المسالم للدين وأهله والذي يعسر التحرز من مودته لحرمة أو كراهة هجره وقطع أسباب محبته , كحبّ الوالد لولده الكافر، أو الوَلَدِ لوالديه الكافرين، أو الرجل لزوجته الكتابيّة، أو المرْءِ لمن أحسنَ إليه وأعانه من الكفار وكان له حق في صلته فهذا الحُبّ مباح ولا يؤثر في كمال الإيمان وفي معتقد الولاء والبراء، لكونه مباحاً من المباحات، مادام لم يؤثر في بُغْضه لكفر الكافرين، وفسق الفاسقين، ومعصية العاصين , أمّا إذا أثّر في بُغْضه، فإنه يعود إلى أحد القسمين السابقين، بما فيهما من تفصيل , والذي ينبغي من جهة الكمال أن يكون تعامل المرء مع الكفار تعاملاً ظاهرياً بالعدل ولا يكون في قلبه ميل لهم ولا مودة لهم خروجاً من خلاف أهل العلم، وإنما إذا أحسنوا إليه فإنه يُحسن إليهم.
стр. 93
ملاحظة: لمزيد من الفائدة والاطلاع حول هذا الموضوع يُرجى الرجوع إلى كتيب من جمع وإعداد المؤلف نفسه باسم " بسط القول والإسهاب في بيان حكم مودة المؤمن للكافر ".
حكم مودة المؤمن للكافر:"هذا التفصيل مُستفاد من د. لطف الله خوجة ولكن بتصرف".
إن في التعميم والإجمال خطأ وجنوح، وفي التفصيل إصابة واستقامة.
واتباعاً لهذه القاعدة: لا بد من التفصيل في المراد بالحب، والمراد بالكافر؛ فإن الحب أنواع، والكفار أصناف.
أنواع الحب، وأصناف الكفار:
الحب يكون لأحد الأسباب التالية: الدين، والخلق، والقرابة، والجمال، والجنس .. ونحو هذا , فإن كان للدين، فهذه محبة دينية، يترتب عليها أحكام دينية، وإن كان لغيره فليست بمحبة دينية، بل دنيوية.
والكفار على أصناف فمنهم المحارب، الذي قد يُحارب: إما بسلاحه، أو بلسانه، أو بقلمه , ومنهم غير المحارب، الذي قد يكون: مُعاهداً، أو مستأمناً، أو ذمياً.
واختلافهم هذا يترتب عليه اختلاف أحكامهم، وطرق التعامل معهم، كما دلت عليه نصوص الشريعة.
حكم محبة المسلم للكافر:
وبالنظر إلى هذا التفصيل يُقال: إذا أحب المسلم الكافر:
- فإما أن يكون مُحارباً، أو غير محارب.
- وفي كلتا الحالتين: إما أن يكون للدين، أو للدنيا.
فهذه أربعة أحوال، وكل حال له حكم يستند إلى نصوص الشريعة.
الحال الأول والثانية: محبة الكافر المحارب والمُسالم لأجل دينه.
لا شك أن محبة الكافر المحارب والمُسالم لأجل دينه محرمة بالإجماع إلا أن الحُبَّ القلبي للكفار المحاربين والمُسالمين لأجل دينهم ليس شيئًا واحداً، فمنه ما ينقض الولاء والبراء من أساسه، ويَكْفُرُ صاحبُه بمجرّده ومنه ما يَنقصُ من الولاء والبراء ولا يَنقضُهُ، فيكون معصيةً تَنقصُ الإيمانَ ولا تنفيه.
أمّا الحبّ القلبيُّ الذي يَنقضُ الولاء والبراء وينفي أساسَ الإيمان فهو حُبُّ الكافر لكُفره , وذلك أن هذه المحبة تعني وتفيد محبة الكفر إذ ليس لها سوى هذا المعنى؛ فإنه لا معنى لأن يحب المسلم الكافر لكفره، إلا أنه يحب الكفر نفسه , وفي محبة الكفر معنى الرضا به؛ لارتباط الحب بالرضا, ومن أحب الكفر ورضي به، انتفى أصل إيمانه؛ لاستحالة الجمع بين محبة الله تعالى والرضا به، الذي هو الإيمان به تعالى، وبين الرضا بالكفر ومحبته؛ فهما نقيضان، لا يجتمعان، ولا يرتفعان. ودليل أنهما نقيضان: أن الله تعالى يرضى عن محبته وعبادته، ولا يرضى عن الكفر، قال تعالى" إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ". وقد دلت النصوص على كفر من أحب الكافر لأجل كفره، كما في قوله تعالى "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
стр. 94
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ "فمن أحب الكافر لكونه مُحاداً لله ورسوله فهذا يستحيل أن يكون مؤمناً كما يفيده ترتيب النهي على فعلها وقال تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ".
وأمّا الحبُّ القلبي الذي لا يصل إلى حدّ النَقض، لكنه يُنقصُ الإيمانَ، ويدل على ضعفٍ في معتقد الولاء والبراء، فهو محبّة الكافر محارباً أو مُسالماً لِفسْقِه أو لمعصيةٍ يقترفها فهذا إثمٌ ولاشك، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر لكونه لا ينافي أصل الإيمان؛ وهذا الحبّ قد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، وقد لا يكون كذلك، بحسب حال المحبوب ومعصيته، فمن أحبّ محبوباً لارتكابه الكبائر، فهذا الحب كبيرة، ومن أحبّه لصغيرة يرتكبها، فلا يزيد إثمه على إثم من ارتكبها.
ملاحظة مهمة: نحن نتكلم هنا عن مجرد إضمار المحبة للكافر والفاسق لا إظهار مقتضيات هذه المحبة وآثارها.
الحال الثالثة: محبة الكافر المُحارب لأجل الدنيا:
أي يحبه لأجل نوع أو أنواع من المحبة الدنيوية: الخلُق، والجمال، والقرابة .. إلخ.
فهذا لا يحب دينه، وإنما يحب فيه شيئاً تميز به، وظاهر النصوص تدل على تحريم هذا النوع , والأدلة على ذلك أكثر من أن تُحصر وأشهر من أن تُذكر، قال تعالى" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ". ففي هذا النص بيان قطع المودة بين المؤمنين والكافرين قطعاً كاملاً، لما تبينت عداوتهم لله تعالى ورسوله، وحلول العداوة والبغضاء بينهم، فلا تزول إلا بشرط الإيمان بالله وحده , ولا ينسجم مع هذا الحال محبتهم لشيء من المحاب الدنيوية؛ ففي هذه المحبة الدنيوية رجوع لشيء من المودة، نعم ليست كالمحبة للدين، لكنها في كل حال هي محبة، ولو بالقدر القليل، وهذا يُعارض النص فتحقيق الآية إذن يوجب قطع جميع أنواع المحاب الدينية، والدنيوية مع هذا الصنف المحارب ثم إنه لا حجة لمن يقول أن هذه الآية السابقة منسوخة , نعم قد نسلم ونقول أنها منسوخة جزئياً وإن شئت فقل مخصوصة بقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وهذا في حق الكفار المسالمين والأظهر أنها رخصة ولكن في حق الكفار المحاربين فلا وهي مُحكمة. ومن الأدلة كذلك قوله تعالى "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ " ففي هذا النص بيان الأمر ذاته، فإنه ينفي الإيمان بالله واليوم الآخر عمن يودّ المحادين لله ورسوله، وهم المحاربون على مذهب بعض أهل العلم والذي يدلك على أن الآية المراد بها المحاربين هو سبب نزولها , ولا شك أن المحاربين يدخلون دخولاً أولياً في معنى المحادة لله ورسوله، قال العلماء عن آية المجادلة إنها نزلت فى أبى بكر, وأبى عبيدة بن الجراح, ومصعب بن عمير, وغيرهم من الصحابة - رضوان الله عليهم -أجمعين, ففي موقعة بدر كان عبد الرحمن بن أبى بكر لم يسلم بعد, وكان من فريق الكفار, ورأى
стр. 95
أباه فى المعركة , ولكنه لم يقتله, وبعد أن أسلم والتقى بأبيه, قال له: لقد رأيتك يوم بدر ولكنى لم أقتلك, فرد عليه أبو بكر, وقال له: لو أنى رأيتك لقتلتك, وفى المعركة نفسها قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه , ووجد مصعب بن عمير أخاه قد أسَرَه أحد المسلمين , فلما رآه أخوه استغاث به أن يتوسط له لدى المسلم ليفك أسره, فكانت النتيجة غير متوقعة , وذلك أن مصعباً قال للمسلم: اشدد وثاقه فإن أمه غنية تفديه بمال كثير, فقال له أخوه: أهذه وصيتك بأخيك؟ فرد عليه بقوله: هو أخي دونك, أى أن المسلم أخو مصعب, وليس هو, لأنه مشرك.
قال الرازي في تفسيره: واعلم أن الأكثرين اتفقوا على أن قوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي ﷺ لما أراد فتح مكة، وتلك القصة معروفة.
وعلى هذا فمحبة الكافر المحارب للدين وأهله منهي عنها ولو كانوا قرابة، وقد نصت الآية الكريمة على القرابة هنا؛ لأن سبب الحب موجود فيهم، وهو الصلة والقرابة، والآية تأمر بقطع هذه المودة كلياً، لا جزئياً؛ أي في القليل والكثير، حتى لأجل الدنيا , ويدل على هذا أنهم لو أحبوهم لأجل الدنيا، لحصلت بينهم مودة، ولكانوا بذلك مُخالفين لهذا النص صراحة وهذا الاستدلال على مذهب من يرى أن الموادة الواردة في الآية السابقة هي مرادفة لمعنى المحبة , ثم إن الشارع قد أمر بقطع الصلة بين المؤمن وأرحامه الكفار المحاربين للدين وأهله وأمره بقطع أسباب المحبة الطبيعية كالهدية والزيارة ونحوها وبالتالي فقطع الصلة وأسباب المحبة الطبيعية يستلزم عدم مودتهم على الأقل.
وأما الدليل الثالث والرابع هو قوله تعالى" وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ". وقوله "إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ". ووجه الدلالة في الآية الأولى أن طعن هؤلاء المحاربين في الدين، وأذاهم للمؤمنين موجب لقتالهم، وإذا حل القتال، فالصلات والمعاملات منقطعة، فلا زواج بحربية، ولا إحسان ببر أو قسط بحربي، حتى لو كانوا آباءً، أو أبناءً، أو إخواناً، أو عشيرة، بحسب مفهوم الآية، ويستثنى من ذلك مطلق الإحسان؛ إذ يجوز في حق الجريح والأسير , إذن فلا مكان للمحبة الدنيوية.
وأما وجه الدلالة في الآية الثانية هو أن الله حرَم موالاة الكفار المحاربين , ومن المعلوم أن من جملة الموالاة المحبة بغض النظر عن الباعث عليها.
وأما الدليل الخامس هو قوله تعالى في حق كفار مكة المحاربين للدين وأهله " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ". وفي هذا النص دليل على عدم
стр. 96
جواز إلقاء شيء من المودة إلى من كان سبباً في أذى المسلمين بإخراج ونحوه، ولو كانت المودة للدنيا، وقد نزلت في حاطب لما خابر المشركين بعزم النبي ﷺ على غزوهم، واعتذر بأنه أراد أن يصطنع عندهم يداً يحفظ به ماله، فكانت مودته لهم للدنيا، فنُهي عن ذلك، وحرم عليه.
وأما الدليل من السنة فهو الرجل الذي قتل امرأته، لما كانت تسب النبي ﷺ ، فأهدر دمها. وفي هذا النص إشارة إلى قطع حبال المودة، حتى بين الزوجين، إذا صار أحدهما محارباً للدين , فلا شيء أدل على البغضاء، وانتفاء جميع أنواع المحبة الدينية، والدنيوية من القتل وسفك الدم , وقد أقر النبي ﷺ فعله هذا، فدل على قطع جميع أنواع المودة والمحبة عن الصنف المحارب ومن الأدلة كذلك ما روى أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله ﷺ (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله).وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ
قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله).وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس ﵄ قال: (من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً) ولا شك أن الكافر المحارب للدين وأهله يدخل دخولاً أولياً في المقصود من البغض في الله.
وعلى كل حال فالمحبة المجردة بالقلب للمحارب، لأجل الدنيا، تُنبئ عموماً بضعف ولاء المسلم لدينه؛ إذ كيف يحبه حتى لو للدنيا، وهو يراه يسعى في إذلاله والمسلمين، والطعن والسخرية من دينه؟!.
إذن فحكم محبة الكافر المحارب لأجل الدنيا محرمة وإن كانت لا تصل إلى حد الكفر.
الحال الرابعة: محبة الكافر غير المحارب لأجل الدنيا.
أي محبته لأجل: خلُق، أو قرابة، أو جمال .. ونحو هذا , وحكم هذه المحبة تختلف باختلاف المحبوب وكون المسلم قادراً شرعاً أو قدراً على قطع أسباب محبته أو غير قادر.
فعلى هذا يمكن أن نجعل هذا القسم على قسمين:
القسم الأول: محبة عموم ومجموع الكفار غير المحاربين لأجل الدنيا.
فهذا القسم يجوز محبتهم محبة مجردة بمقتضى الجبلة البشرية والطبع ابتداءً إلا أنه يجب أن يصاحب محبتهم المحبة الطبيعية المُجردة البغض لهم في الدين أو على الأقل عدم مودتهم , وفي حال وقوع المسلم في هذه المحبة فإن عليه مدافعة هذه المحبة وعليه ألا يركن إليها وألا تحمله هذه المحبة إلى معاشرتهم معاشرة الأحباب ولا ينبغي الانبساط إليهم إلا بموجب شرعي كالمداراة لهم أو لتأليف قلوبهم على الإسلام وأما الانبساط إليهم إلى حد يحملهم على إظهار ما هم فيه من المنكرات فهو محرم بلا خلاف , وأما اتخاذهم أولياء أو أخلاء أو بطانة فهو محرم , ثم إن المسلم
стр. 97
إذا رأى من نفسه ميلاً ومحبة طبيعية للكافر بسبب هديته أو إحسانه أو صلته فإنه ينبغي عليه ورعاً في هذه الحال واستحباباً قطع أسباب هذه المودة ولو أدى ذلك إلى رد الهدية وعدم قبولها والامتناع من الزيارة وهجرهم هجراً جميلاً , والأدلة على ما ذهبنا إليه أكثر من أن تُحصر وأشهر من أن تُذكر , بل هذا هو ظاهر ما تدل عليه نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب.
القسم الثاني: المحبة الطبيعية للكافر المُعيَن غير المحارب الذي يعسر التحرز من مودته لأي سبب شرعي.
هذه المحبة الظاهر أن حكمها جائز وهي من قبيل الرخصة ولكن هذه المحبة جائزة بشرط ألا تُقدم على محبة الله ورسوله وألا تحمل على ترك واجب أو فعل محرم علماً بأن المسلم لو أبغض هذا الكافر في الله فلا تثريب عليه بشرط ألا يحمل هذا البغض على ظلم هذا الكافر أو تضييع حقوقه ويجب أن يُلاحظ أن هذه المحبة يجب أن تبقى في حدودها الدنيوية، فلا يُبالغ بها، وهكذا كثير من المباحات لها حدود وضوابط، من لم يضبطها تعرض للوقوع في المحرم وفشل بعض الناس عن الضبط لا يحول الشيء المراد ضبطه محرماً , والدليل على جواز هذه المحبة
ما يلي:
الدليل الأول: مودة النبي ﷺ لعمه أبي طالب، دل عليه حرصه وإلحاحه عليه بالإسلام , كما دل عليه شفاعته له في تخفيف العذاب عنه , فلولا المحبة والمودة لقرابته، ونصرته، لما كان هذا منه، فإنه لم يفعل ذلك مع غيره. وقد قال تعالى لنبيه ﷺ في شأن عمه أبي طالب الكافر (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء) أي من أحببته لقرابته على أحد التفسيرين للآية وهو الأظهر, وقال الإمام سليمان بن عبد الله ﵀ في كتابه تيسير العزيز الحميد, وقد ثبت في الصحيحين أنها أنزلت في أبي طالب، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في حقه، ويحبه حباً طبعياً لا حباً شرعياً ا. هـ وبنحوه قال الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في كتابه القول المفيد: ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذه المحبة الشرعية ا. هـ. بل قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في تعليقه على تفسير الجلالين ما يلي: (وقوله "إنك لا تهدي من أحببت" المؤلف قدره بقوله: "هدايته". من أحببت هدايته , والصواب من أحببته , إنك لا تهدي من أحببته.
لماذا عدل المؤلف إلى: أحببت هدايته؟ قال: لأن الرسول ﷺ لا يمكن أن يُحب أبا طالب وهو كافر. .كيف؟ فإن المؤمن لا يحب الكافرين ولكننا نقول الحب الطبيعي هذا لا يُنافي الإيمان , الإنسان يحب مثلاً قريبه ولو كان كافراً لكنها محبة طبيعية كما تُحب الأم ولدها؛ نعم المحبة الدينية هذه لا تجوز بين المؤمن والكافر (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أيضاً المؤلف يقول: من أحببت هدايته. في الحقيقة لو أننا حملناها على ما قال المؤلف لكانت هذه تعم كل الناس لأن الرسول يحب أن يهدي كل الناس وليس فقط عمه أبا طالب، لكان من
стр. 98
أحببته هذا يختص بأبي طالب أو غيره من أقارب , أيضاً لو أننا قلنا كما قال المؤلف لكان في الآية إضمار.
ما هو الإضمار على تقدير المؤلف؟ إضمار الهداية؛ لأن الأصل في ضمير الصلة أن يعود إلى نفس الصلة، (وإنك لا تهدي من) "مَن" هذا اسم موصول يعود على من؟ على أبي طالب، وعائد الصلة يعود على نفس الصلة.
وبهذا تبين أن الراجح "من أحببته" من وجوه ثلاثة: وجه معنوي ووجهان لفظيان.
الوجه المعنوي أن الآية نزلت في أبي طالب، ولو أن "من أحببت هدايته" لكانت عامة.
الوجهان اللفظيان أننا إذا قدرنا "هدايته" لزم أن يكون في الآية شيئاً محذوفاً، والأصل عدم الحذف.
الوجه الثاني من الوجهين اللفظيين أن عائد الصلة يعود إلى موصول، فإذا عاد إلى "مَن" في قوله: (من أحببت) صار المراد من أحببته هو.
وأما ما لاحظ المؤلف فيما يظهر لي: أن المؤلف لاحظ أن الرسول ﷺ لا يمكن أن يحب أبا طالب فالجواب عليه أن المحبة نوعان: محبة طبيعة، ومحبة شرعية.
فالمحبة الطبيعية لا تنافي المحبة الشرعية، فالشرعية قد تجتمع معها وقد تنفرد؛ فإذا كان المؤمن قريباً لك اجتمع فيه المحبتان، وإذا كان بعيداً منك وجد فيه محبة واحدة وهي الشرعية، فإذا كان قريب وهو غير مؤمن ففيه محبة واحدة وهي المحبة الطبيعية. اهـ).
الدليل الثاني: إباحة الشرع زواج العفائف الحرائر من نساء أهل الكتاب فإذا أجاز الشارع نكاح الكتابية وهي كافرة، فذلك يفيد جواز مودتها؛ إذ الزواج متضمن للمودة فما كان للشارع أن يأذن بالزواج منها، ثم يمنع من مودتها وإلا لأصبح هنالك تناقض وكيف يكون في الأمر تناقضٌ أو حرج وقد جاء من عند الله وفي كتابه، وهو القائل) وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (أي أن كتابه لا تناقض فيه بحال وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) , فالشارع لم يُحرَج في محبة الزوجة الكتابية لجمالها وحب الاستمتاع بها بل لا بد أن توجد المودة والرحمة التي أشار الله إليها -جل وعلا- في كتابه (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). والشاهد قوله تعالى: "وجعل بينكم مودة ورحمة" أي بين الزوجين، وهذا عام في كل الأزواج سواءً كانت مسلمة، أم كتابية , ويدل على هذا أيضاً ما قاله الكاساني في بدائع الصنائع " فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين " قلتُ ومفهومه أن للزوجة الكتابية حظ من الموالاة الجزئية المقيدة بدليل المقابلة وجواز الزواج منها.
الدليل الثالث: قول الله تعالى في حق الوالدين المشركين اللذين يُجاهدا ابنهما على الشرك (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) , ومن المعلوم أن مقتضى البغض في الله أن يبعد المسلم عمن يبغضه ويهجره ولا يُصاحبه ولا يُداخله ولا يُباسطه , والله عز
стр. 99
وجل أمر بمصاحبتهم في الدنيا معروفاً بل أذن بالزواج من الكتابية , وبقاء المسلم مع من يجب بغضه , فيه حرج كما هو معلوم , وهو القائل (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) , وإذا تقرر جواز مودة الزوجة الكتابية بناءً على إذن الشارع بالزواج منها والتي أشار الله إليها -جل وعلا- في كتابه (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فإذا تقرر هذا فإن عدم مؤاخذة المسلم في محبة والديه الغير مسلمين من باب أولى لأن المتزوج من الكتابية قد تزوج من تلقاء نفسه ولم يُكرهه أحد على ذلك , أما من ابتُلي بوالدين كافرين أو إخوة كفار فهو مُكره على ذلك ولم يختر والديه وأقاربه وهو أولى بالإعذار من المتزوج للكتابية ويدلك على هذا التقرير هذا الحديث , عن أبي هريرة ﵁، قال (زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي) ومن المعلوم أن البكاء والشفقة لا يكونان إلا من ميل قلبي جبلي لا يُؤاخذ عليه الإنسان.
الدليل الرابع: قوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وهو استدلال ضمني بأنَّ الله نهى عن الإحسان إلى المحاربين وأَذِنَ بالصلة والإحسان لمن لم يحارب من الكفار فقال ﴿لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ .... الآية﴾، وقوله هنا ﴿أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ في وصف المحاربين يدل على أنَّ غير المحاربين له نوع موالاة جائزة بالإحسان والمودة الجزئية ونحو ذلك، وهذا واضح بالمقابلة ثم إن عموم البر والإحسان فيه قدر من المودة لا ينفك عنه , ويدلك على هذا حديث رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسولَ الله ﷺ ، قلت: إنّ أمي قَدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال "نعم، صلي أمك". والصلة المراد بها في هذا الحديث أنها تكرمها إكرام الولد لوالده إذا قدم عليه، وهذا الإكرام لا يخلو؛ بل لابد فيه من مودة وارتياح وانبساط ومؤانسة ولا يُقال هنا أن صلة الأرحام لا تستلزم المودة وذلك أننا قد نسلم بأن المعاملة الظاهرة للكفار بالبيع والشراء لا تستلزم المودة أما الصلة فهي قدر زائد على المعاملة الظاهرة.
الدليل الخامس: حكمة الشارع وأن الشرع يُصدق بعضه بعضاً ولا يتناقض وذلك أن الشارع لم يقطع أسباب المودة الطبيعية كلياً للكافر المسالم للدين وأهله بل شرع صلة الأرحام ولو كانوا كفاراً وقيل رخص فيها ولا يُمكن أن يُرخص في صلة الأرحام ثم يُحرَج الشارع من محبتهم المحبة الطبيعية الجبلية إذ من المعلوم أنََ إعطاء الوسيلة حكم التوسل إليه دليل على حكمة الباري وعلمه بخصائص النفس البشرية لأنه لو حرم الشيء وأباح الوسائل الموصلة إليه غالباً لوقع الناس في حرج عظيم فما بالك لو كان تعاطي هذه الوسائل واجب كوجوب بر الوالدين المشركين وصحبتهما في الدنيا معروفاً , قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)
стр. 100
وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
مسألة: قد تبين لنا من هذا التقرير وهو جواز المحبة الطبيعية للكافر المعين المسالم الذي لا يجوز هجره هجراً جميلاً ولا يجوز قطع أسباب مودته لأي سبب شرعي فماذا عن الذين يُكره هجرهم كالأرحام الكفار؟
الجواب أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة فمنهم من يُغلَب جانب بغض الأرحام الكفار في الله أو على الأقل عدم مودتهم فيرى وجوب هجر الأرحام الكفار إذا آنس المسلم من نفسه ميلاً لهم ومحبة ويرى وجوب قطع أسباب هذه المودة ولو أدى إلى عدم قبول هداياهم وعدم زيارتهم ومقاطعتهم وهجرهم هجراً جميلاً ونحو ذلك.
وهناك من أهل العلم من يُغلب جانب صلة الأرحام ولو أدى إلى محبتهم بمقتضى الطبع , إلا أن أهل العلم اتفقوا جميعاً على أن كل بر وصلة بالمعروف ظاهرها الرحمة والإحسان ولا تستلزم مودتهم فهي مشروعة , وليفعل المسلم ما هو أصلح لقلبه.
وهنا أمر مهم: ليس في هذا التقرير دعوة لمحبة الكافر المعين غير المحارب , كلا، بل تقرير أن من وقع في هذه المحبة لمن يعسر هجره وقطع أسباب مودته لأي سبب شرعي من الأسباب: (زوجة، أبوين، أبناء، إخوة، جار في العمل، مصلحة خاصة). فما وقع في أمر مكفر؛ ما دامت محبة ليست لكفره , ولا في محرم دون الكفر؛ ما دام أنه لا يساوي فيها الكافر بالمسلم التقي الصالح ولا يعظمه على الوجه المنهي عنه.
بل كفر في حالة واحدة: إذا كانت لأجل كفره.
ومحرم في حالتين:
الأولى: إذا كانت لأجل معصية دون الكفر.
الثانية: إذا كانت لأجل الدنيا مطلقاً أي بمعنى أن المسلم له قدرة من حيث الشرع والقدر بقطع أسباب المودة وهجره ثم لا يهجره هجراً جميلاً.
ومباح في حالة واحدة: إذا كانت لأجل الدنيا، في حق غير المحارب المعين الذي يعسر هجره أو يُكره لأي سبب شرعي.
وهنا مسألة: ما ضابط هذه الرخصة المذكورة؟
ضابط هذه الرخصة هو ما دل الدليل على استثنائه كالزوجة الكتابية والوالدين
ومن أحسن إليك , علماً بأن الأدلة وإن كانت خاصة حق هؤلاء إلا أنها تتناول كل من كان في معناهم.
وهنا تنبيه مهم وهو إذا مات هذا الكافر المعين يجب علينا أن نتبرأ منه تبرؤاً مطلقاً كما تبرأ إبراهيم من أبيه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيم﴾ [التوبة:١١٤] أي: لما مات على الكفر وتبين عداوته لله تبرأ منه، ولذا لم يأذن الله لنبيه ﵊ أن يستغفر لأمه، ولم يأذن الله لنبيه ﷺ في أن يستمر في الاستغفار لعمه، بل قد استغفر له فلم يقبل استغفاره، مع أنه كان يحوطه ويحميه، ولكن كما قال : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
стр. 101
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] , والذي يدلك على أن هذه الرخصة لا تستمر مطلقاً قوله تعالى عن موقف إبراهيم ﵇ من أبيه كما تقدم , ثم إن هذه الرخصة مربوطة بسبب من الأسباب وهو التخفيف الذي يتبع التشريع وكما تقرر في القواعد الفقهية أن ما لا يتحرز عنه فهو عفو، ولا ينافي هذا زوال الرخصة بزوال سببها.
الردود:
الإشكال الأول: بالنسبة لمن قال: أن الاستدلال بمفهوم قوله تعالىِ﴾:إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿على جواز الموالاة , أن ثمّة منطوق يُعارض هذا المفهوم في آيات عديدة، ومنها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وكذلك قوله تعالى﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ففي هذه الآية نهى الله عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، وهذا عام في كل يهودي ونصراني ليس له مخصص، وغير اليهود والنصارى أولى بذلك، سواء قاتلنا أولم يقاتلنا فلا تجوز موالاتهم، ومما يدل على هذا العموم أنه لمّا عين أبو موسى الأشعري ﵁ كاتباً نصرانياً أنكر عليه عمر ﵁، وتلا هذه الآية السابقة. فالجواب على ذلك:
أن قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) هو دليل على قطع الولاية الشاملة لجميع مفردات الولاية من تعظيم وإرث وخُلَة ومتابعة بين المؤمنين والكافرين ولو كانوا أقرباء , وقيل إنها نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب نهوا أن يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعاً في سكن البلاد والكفر ويدل على ذلك سبب النزول وهو الأظهر ومما يدل أيضاً على أن المراد ليس مُطلق الولاية هو قوله تعالى بعد الآية السابقة﴾ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿فعدم ذكر الأبناء والأزواج في آية النهي عن الولاية ; لأن من شأن الإنسان أن يتابع في السكن ويتولى في الحرب من فوقه كالأب ومن هو مثله كالأخ دون من هو دونه كابنه وزوجه.
ومما يُستدل به أيضاً لصالح هذا المذهب هو قوله تعالى في الوالدين المشركين: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). ثم قال أيضاً في موضع آخر عن الوالدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) , فكأن الموالاة في الآية السابقة هي المتابعة والموافقة والمناصرة على الباطل وليست مجرد المحبة بدليل قوله تعالى في الآية
стр. 102
التي قبلها: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) فكأن عدم اتباع سبيل من أناب إلى الله واتباع سبيل من أعرض عن الله , هو معنى الولاية الواردة في قوله (لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ).
وعلى هذا يكون المراد بالولاية في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ .... الآية). المراد بها والله أعلم هي المتابعة في سكن بلاد الكفر مع وجوب الهجرة المتعينة أو الولاية الشاملة لجميع مفرداتها من نصرة على الباطل ونحوها , وهذا يكون من إطلاق الكل وإرادة البعض ومثل هذا ما قاله الشوكاني في نيل الأوطار " وقال الخطابي أيضًا إن الهجرة افترضت لما هاجر النبي ﵌ إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال " وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا " ... انتهى). قلتُ المراد هنا بنفي الولاية هي نفي ولاية الميراث والنصرة فقط وليس نفي الموالاة بينهم مُطلقاً كما قرر ذلك أهل العلم , وبدليل قوله سبحانه بعدها "وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".
ثم إن الموالاة وإن كانت فرع عن المحبة وهي من لوازمها , إلا أن المولاة أشمل من الحب فليس كل من تحبه يعني أنك تواليه بل الموالاة هي قدر زائد على المحبة فالولاء والموالاة يعني المحبة المفضية إلى الموافقة والنصرة والمتابعة على الدين ,
ولا شك أن الموالاة تختلف معانيها حسب السياق , إذ أن السياق أحياناً يبين المعنى ويعينه، وأنت ترى أحياناً كلمة واحدة لها معنيان متضادان يتعين المراد منهما بواسطة السياق كما هو معروف في كلمات الأضداد في اللغة , وعليه فالمُراد بالولاء في الآية الني يحتج بها المُخالف هو الولاء التام المطلق، لا مُطلق الولاء.
وأما بالنسبة لقوله تعالى﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿المراد بالولاية هنا ولاية الحرب والنصرة ويدل على ذلك سبب نزول الآية.
ثم إنه على فرض أن الآية المراد بها النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ومحبوبين وهذا قد نُسلم به على وجه العموم إلا أن هذه الآية لا يُمكن أن تكون على إطلاقها وأن تكون عامة بلا استثناءات بل أغلب النصوص العامة في كتاب الله وسنة نبيه ﵊ لا تسلم من تخصيص واستثناء حتى قال بعض علماء أصول الفقه إنه لم يكن هناك من نص عام في الكتاب والسنة إلا وقد خُصص إلا قوله تعالى "والله بكل شيء عليم" وهذا على سبيل المبالغة منهم , ثم إن مما يدل على أن هذه الآية ليست على إطلاقها هو أن الله تعالى الذي نهى المسلمين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، هو الذي أحل نساء أهل الكتاب للمسلمين، وهو يعلم تعالى ما يترتب على ذلك من مودة زوجية وقد أشار إليها في كتابه (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) , وهذا الكتاب العزيز ما أُنزل ليُضرب بعضه بعضاً، ولكن أنزل ليصدق بعضه بعضاً.
стр. 103
ثم اعلم أخي أن الأصل حملُ الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة على الولاء المطلق، وهو الولاءُ التام الكامل، لا على مُطلق الولاء ما لم يقترن به ما يدلّ على خلاف ذلك.
الإشكال الثاني: بالنسبة لمن قال: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿فيه حصر الموالاة في الله ورسوله والمؤمنين، وغير المؤمنين خارجون عن هذا الحصر قطعاً، فلا تجوز موالاتهم بأي حال. فالجواب على ذلك:
أن المراد بالولاية هنا هي الولاية المطلقة وهي واجبة لمن تجب موالاته مطلقاً وهو المؤمن المقيم للصلاة المؤتي للزكاة وأما ما قررناه فهو موالاة جزئية وليست مطلقة.
الإشكال الثالث: بالنسبة لمن قال: أنّ قولكم مخالف لظاهر الآيات التي فيها البراءة من الكافرين، ومنها قوله تعالى:﴾ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. ولو كان مذهبكم صحيح لقال تعالى "وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تكفوا عن حربنا" بدل قوله " وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده " فانظر جعل الإيمان بالله وحده غاية ينقطع عندها وجوب العداوة والبغضاء , فالجواب على ذلك:
أن الآية الثانية (لا ينهاكم .. ) بينت الآية الأولى المُجملة (قد كانت لكم أسوة) وهي أنها في الكافر الحربي.
بمعنى أن الآية الأولى (قد كانت لكم أسوة .. ) وردت في صنف الكفار المحاربين للرسل الذين جاهروا بالعداوة وهو حال قوم إبراهيم بل انظر إلى حال أبيه معه كيف طرده فكيف بحال الآخرين معه؟ واقرأ بداية السورة يتضح لك أن الآية وردت في هذا السياق.
فهؤلاء محاربون أظهروا العداوة والبغضاء .. فجاءت الآية في هذا السياق وبالتالي فإن الكفار المسالمين لم يكونوا داخلين في معنى الآية (قد كانت لكم أسوة حسنة) أصلاً , بمعنى أن الآية الكريمة (قد كانت لكم أسوة ... ) ليست عامة في جميع أصناف الكفار بإطلاق .. والسياق يدل على ذلك وواقع قوم إبراهيم يدل على ذلك .. ولو سلمنا جدلاً أن الآية مُطلقة والمقصود بها جميع الكفار المحارب منهم والمسالم فإن الآية التي بعدها وهي (لا ينهاكم .. ) وغيرها من الأدلة الدالة على بر الكفار المسالمين تكون مخصصة لآية (قد كانت لكم أسوة ... ) أو ناسخة لها جزئياً.
وبهذا التقرير نرد على من يقول أن هذه الآية مطلقة في حق جميع الكفار بلا استثناء , يُضاف إلى ما تقدم: ما ذكره البغوي ﵀ (قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة. ويعلم الله شدة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم) أي من كفار مكة (مودة) ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم أولياء وإخوانا وخالطوهم وناكحوهم (والله قدير والله غفور رحيم) ثم رخص الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال: (لا
стр. 104
ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) .... انتهى) قلتُ بهذه الرخصة تجتمع الآيتين اللتين فيهما إشكال آية الأسوة وآية الإذن ببر لكفار المسالمين , وبغض النظر عن كون الرخصة واجبة أم مستحبة أم مباحة وقد تختلف من حال إلى حال فالأخذ بها مع الوالدين واجب ومع من يُرجى إسلامه كذلك واجبة باعتبار الواجب لغيره ومع الأقارب مستحب.
وبهذا يتبين أيضاً خطأ من قال أن الجمع بين إظهار العداوة واجب مع كل كافر وأنه لا ينافي صحبة الوالدين بالمعروف بل وحتى الزواج من الكتابية.
الإشكال الرابع: بالنسبة لمن قال: أن تقرير مذهبكم يتنافى مع صريح قوله تعالى (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ .... الآية).
فالجواب على ذلك:
أولاً لا بد لنا من بيان معنى المحادة لله ولرسوله ﷺ :
والذي يظهر أن العلماء اختلفوا في معنى المحادة لله ولرسوله ﷺ على قسمين:
القسم الأول: يرى أن المحادة تكون بمجرد المخالفة بأن يكون في حدٍّ والطرف الآخر في حدٍّ آخر، والحد هو الطرف وعلى هذا فكل الكفار داخلون فيمن حاد الله ورسوله ﷺ , واستدل أصحاب هذا المذهب بأن الله تعالى نعت المنافقين الذين يؤذون النبي ﷺ بأنهم يُحادون الله ورسوله فلا يلزم من المحادة أن يكون الكافر محارباً للدين وأهله فقط بل يشمل جميع الكفار عموماً حيث قال تعالى ذكره عنهم:﴾ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾.
القسم الثاني: يرى أن المحادة ليست على معنى واحد، بل هي مراتب متفاوتة، تتراوح بين مجرد المخالفة في الدين وبين المحاربة للدين وأهله , وهذه المحادة يتعين المراد منها من خلال السياق وسبب النزول ونحو ذلك , وسياق آية المجادلة يدل على أن المحادة هنا هي أمر زائد على مجرد الكفر بدليل سبب النزول والذي وإن كان ضعيف الإسناد إلا أن أهل التفسير المحققين تلقوه بالقبول ناهيك عن أن السياق أيضاً يدل على أنها في المحاربين، وعليه فالمحادون لله ولرسوله في آية المجادلة بالتحديد هم الكفار المحاربون لله ولرسوله، الصادون عن سبيله، المجاهرون بالعداوة والبغضاء بخلاف المسالمين لنا من أهل الذمة وغيرهم وقد صرح القاسمي في تفسيره محاسن التأويل بهذا في تفسيره لآية المجادلة.
وبناءً على ما تقدم سيكون الجواب على افتراض كلا الوجهين:
وعليه فنقول لو كان المراد بالمُحاد في آية المجادلة هو المحارب فهنا لا إشكال أما لو سلمنا بأن المراد من المحادة في آية المجادلة هي مجرد الكفر فالجواب على هذا الإشكال من وجوه:
стр. 105
الوجه الأول: أن يُقال أن المراد من آية المجادلة هو العموم , والعام لا يمنع من التخصيص بالنصوص الأخرى مثل إباحة الزوجة الكتابية ومحبة النبي ﷺ لعمه أبي طالب.
الوجه الثاني: أن يُقال أن المراد بالمودة الواردة في آية المجادلة ليست هي مرادفة للمحبة بل هي قدر زائد على مجرد المحبة , فهنالك فرق بين المحبة والمودة كما ذكره بعض اللغويين فالمودة أخص من المحبة حيث أن المودة هي الحب الكثير , والحب المجرد عن المودة يكون أقل من المودة بدرجات متفاوتة وممن ذهب هذا المذهب الشيخ ابن عثيمين ﵀ وإن كان له رأي آخر في ذات المسألة فقال الشيخ ﵀ في شرحه لكتاب الجنائز في بلوغ المرام تعليقاً على حديث ابن عمر ﵄ قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فقال: "أعطني قميصك أكفنه فيه" فأعطاه إياه، متفق عليه. قال ما نصه (﴾ أن المودة للقرابة لا تُعد من المودة في الدين فإن قال قائل هذا يُعارض قوله تعالى (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ .... الآية) , فالجواب أن الموادة شيء والمحبة الطبيعية التي مقتضاها القرابة شيء آخر فالمواد هو الذي يسعى في طلب المودة أكثر مما تقتضيه الفطرة ويسعى إلى رضاهم بكل وسيلة ويدلك على هذا قوله تعالى (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) والأبناء والآباء في هذه الآية عام يتناول المسلمين والكفار فلذلك تقديم محبة غير الله على الله ورسوله هو المحرم وعلى هذا فضابط المودة المحرمة للكفار هو تقديم محبتهم على محبة الله ورسوله ... انتهى ﴿المصدر شرحه لكتاب بلوغ المرام كتاب الجنائز بداية الشريط الثالث.
ومما يستدل به لمن قال عن قوله تعالى (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ... الآية) عام يتناول المسلمين والكفار على حد سواء , هو أن هذه الآية جاءت عقب قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فكأنها جاءت آية (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ .. الآية) مفسرة لمعنى الولاية المنهي عنها في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ ... الآية).
الوجه الثالث: أن يُقال أن المراد بالمودة الواردة في آية المجادلة هي المودة الدينية
كما هو المراد قول النَّبِيِّ ﷺ : «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» أي المرء مع من أحب ديناً , وفي ذلك قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في" إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ". (وأنزل الله في أبي طالب (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)، (إِنَّكَ) أيها الرسول، (لَا تَهْدِي) لا تملك هداية (مَنْ أَحْبَبْتَ) من أقاربك وعمِّك، والمراد بالمحبة هنا: المحبة الطبيعية، ليست المحبة الدينية، فالمحبة الدينية لا تجوز للمشرك ولو كان أقرب الناس (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)
стр. 106
فالمودة الدينية لا تجوز، أما الحب الطبيعي فهذا لا يدخل في الأمور الدينية ... انتهى).
وقال محمد رشيد رضا ﵀ (الله لم ينه المسلمين، بل حذرهم أن يكونوا أحب إليهم من الله ورسوله، وجهاد ما في سبيله ; لأن هذا لا يجتمع مع الإيمان الصحيح كذلك نهاهم في سورة المجادلة عن موادة من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم إذا كانت لأجل المحادة، كما يفيده ترتيب النهي على فعلها، فإن المودة هي المعاملة الحبية، والمحادة شدة العداوة والبغضاء، فاشتراك المؤمن المحب لله ورسوله مع المحاد لله ولرسوله في المودة المرتبة على صفتيهما جمع بين الضدين، فهو في معنى موالاتهم بل أخص منها ... انتهى). ومراده ﵀ بكلامه أن المودة المنهي عنها إنها هي المودة لأجل ما هم عليه من المحادة لله ورسوله، فمثل هذه المودة لا تجتمع مع الإيمان، فلا يمكن أن يجتمع في قلب رجل واحد محبة الله ورسوله، مع محبة من يحاد الله ورسوله، بحيث يكون الباعث على هذه المحبة هو هذه المحادة، فهذان ضدان لا يجتمعان، بخلاف الجمع بين محبة الله ورسوله والمؤمنين محبة دينية شرعية، وبين محبة أعداء الله ورسوله والمؤمنين محبة جبلية بشرية.
وعلى هذا يكون مراد الآية كالتالي "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لمحادتهم لله ورسوله كما يفيده ترتيب النهي على فعلها , والحكم المُعلل إذا قُرن بوصف يصلح للتعليل فهو العلة مثل قوله تعالى " إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ " أي إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ لبرهم وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ لفجورهم.
الإشكال الخامس: بالنسبة لمن قال: أن ما قررناه ينافي ويُعارض ما روى أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله ﷺ (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). ومارواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله) ومحبة الكافر المعين تُعارض ما ورد عن أسماء بنت عميس وهي ممن هاجر إلى الحبشة تقول كما في صحيح البخاري (كنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة) [البخاري، ٤٢٣٠] فأهل الحبشة مسالمون، بل نفعوا أصحاب النبي حيث وفروا لهم لجوءاً سياسياً في وقت الأزمة مع قريش، ومع ذلك تسميهم "البُغَضاء".
ولما بعث نبي الله ﷺ عبدالله بن رواحة إلى اليهود لخرص الثمار خافوا أن يظلمهم فقال لهم كما عند أحمد بسند صحيح: (يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم) [أحمد: ١٤٩٦٦] فهؤلاء كفار مسالمون وليسو محاربين، ومع ذلك يستعلن ﵁ ببغضه لهم.
الجواب على ذلك:
أن ما قررناه لا يعني خلو قلب المؤمن من البغض في الله فهو لا يزال يبغض جميع الأعمال المخالفة للشرع ثم إن هذه الأحاديث دليل على وجوب بغض عموم الكفار
стр. 107
وهذا خارج محل النزاع , أو يُقال أن هذه النص عامة ولا يمنع من تخصيصها بنصوص أخرى.
وأما الرد على من استدل على وجوب بغض أعيان الكفار مطلقاً بلا استثناء بحديث أسماء بنت عميس ((كنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة) [البخاري، ٤٢٣٠] وبحادثة عبد الله بن رواحة ﵁ مع اليهود حين أراد خرص الثمار, فالجواب عليه أن في هذا دليل على وجوب بغض عموم الكفار في الله كما تقدم وهذه متفق عليها , أو يُقال أن ما تقدم فيه دليل على جواز بغض الكافر المسالم في الله ومشروعيته لا وجوبه.
الإشكال السادس: بالنسبة لمن حاول التوفيق بين محبة الكافر محبة طبيعية وبغضه لدينه في ذات الوقت فالجواب على ذلك:
أن هذا مجرد جمع نظري والواقع يكذبه , وأن المشكلة ليست في مجرد الجمع النظري بين المحبة الطبيعية والبغض الديني وإنما المشكلة هي في الجمع بين موجب الأمرين فمن موجبات البغض الديني عدم البدء بالسلام مثلاً وعدم المخالطة إلا إذا طمع في إسلام الكافر وإظهار البغض له ومقتضى البغض في الله أن يبعدوا عنهم ويهجروهم , وموجبات المحبة الطبيعية هي المخالطة والانجذاب والتبسط وهي موجبات تتعارض مع موجبات البغض في الله وإن قلنا أن البغض للدين والمحبة لغير الدين.
ثم اعلم أن البغض والمحبة قد يجتمعان حينما يكون محل البغض يختلف عن محل المحبة فقد تحب أعمال الإنسان الموافقة للشرع وفي ذات الوقت تُبغض أعماله المخالفة للشرع وذلك لانفكاك الجهة لكن محبة ذات الشخص المعينة وبغضها في ذات الوقت يستحيل عقلاً وهو ممتنع بل يجب أن يكون الغالب عليه المحبة أو البغض , وعليه فمن قال إنه يحب الزوجة الكتابية حباً طبعياً ويبغضها لأجل كفرها فمحصل قوله: أن الله يكلف عباده بما لا يطاق، بل يكلف عبادة بالمستحيل؛ لأن الحب يترتب عليه القرب والتلذذ، والبغض يترتب عليه البعد والنفرة، ويستحيل الجمع بين هذين العملين المتناقضين؟! , وقد ورد في "حاشية العدوي" (١/ ٢٧٣):
"قَوْلُهُ: (وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك) أَيْ: نَطْرَحُ مَوَدَّةَ الْعَابِدِ لِغَيْرِك، وَلا نُحِبُّ دِينَهُ وَلا نَمِيلُ إلَيْهِ. وَلا يُعْتَرَضُ هَذَا بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ لأَنَّ فِي تَزَوُّجِهَا مَيْلًا لَهَا لأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُرَادُ هُوَ بُغْضُ الدِّينِ اهـ.
والخطأ الذي يقع فيه من قال بمثل هذا أنه لم يتصور أن الكفر وصف قائم بالذات، مثله مثل كل وصف مكروه كوصف البخل، أو الكذب، أو الفسق أو غيره، فالكره متوجه لذلك الوصف وليس للذات نفسها، فأنت تحب أباك حباً فطرياً لكن تكره فيه صفة البخل، أو صفة الفسق، أو صفة الكفر، وتحب زوجتك المسلمة لكن تكره فيها صفة سلاطة اللسان مثلاً، ويُقال مثل هذا في الزوجة الكافرة فأنت تحب زوجتك النصرانية وتكره فيها صفة الكفر لكن يستحيل أن يتوجه الحب والبغض للذات نفسها كما تقدم؛ فيستحيل أن تحب أباك وتبغضه في الوقت نفسه، ومثله أن تحب زوجتك وتبغضها وتنفر منها , وهنا سؤال للمعترض: هل يمكن الجمع بين الإرادتين المتناقضتين في شخص واحد؟
стр. 108
الجواب: بالطبع لا يُمكن وهو مستحيل لأن المتناقضين يرفع أحدهما الآخر فتحقق أحدهما ينافي تحقق الآخر، ومثله حب ذات المرأة، وكرهها يستحيل الجمع بينهما , لأنه إذا تحققت إحدى الإرادتين ارتفعت الأخرى بدليل أن القلب إذا أبغض أمر ما من وجه وأحبه من وجه آخر فلا بد من غلبة أحدهما على الآخر فلا يمكن أن يجتمعا إلا بحالة من الصراع النفسي والحرج فلذلك إذا تعاطى المريض الدواء دل ذلك على أنه ترجح لديه محبته وإذا جاهد المسلم دل ذلك على ترجيحه لمحبة الجهاد ومرضاة ربه ولكن المسلم المتزوج للكتابية كيف يرجح؟ إن رجح بغضها فلا يمكن أن يُبقيها في عصمته وسيطلقها لا محالة وإن أحبها سيعني أنه لن يبغض ذاتها ولو دينياً بل يبغض أعمالها المخالفة للشرع.
وأما من استدل على إمكان الجمع بين بغض الزوجة الكافرة وحبها بقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة:٢١٦] وقال ((ونظير ذلك في الشرعيات أن القتال في سبيل الله يجتمع فيه كره طبيعي لما فيه من إيذاء النفوس، وحب شرعي لما فيه من الثواب العظيم، كما قال تعالى في الكراهية الطبيعية للقتال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة:٢١٦] وقال تعالى في الحب الشرعي للقتال (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) [التوبة:٩٢].
فانظر كيف أخبر أنهم يكرهون القتال طبعاً، ثم تفيض عيونهم من الحزن إذا فاتهم القتال لحبهم إياه شرعاًَ وديانة!)) انتهى.
فالجواب أن هذه الآية فيها الرد على مذهبهم، فهي على عكس مراد من استشهد بها تماماً؛ وذلك أن هذه الآية تقرر أن أصل الجهاد محبوب لنفس المؤمن لكن صفة المشقة فيه مكروهة، تماماً كما أن الزوجة الكافرة قد تكون محبوبة لزوجها المؤمن لكن صفة الكفر فيها مكروهة، فالكره الوارد في آية الجهاد متوجه لصفة المشقة لا للجهاد نفسه، ولهذا لو قيل للمؤمن: إنك ستجاهد من دون مشقة لكان محبوباً له من كل وجه.
وهذه الآية من أقوى الأدلة القاطعة على استحالة الجمع بين الحب والبغض لذات الشيء بل الحب متوجه للذات، والبغض متوجه لصفة من صفات الذات، كما قررنا أن من قال إن المسلم يحب زوجته الكافرة من وجه ويكرهها من وجه أنه تكليف بما لا يطاق.
وقول المعترض ((إن الدواء يجتمع فيه الحب والبغض، فهو محبوب من وجه مبغوض من وجه، وهذا مثال يكرره أهل العلم كثيراً للتدليل على كيفية اجتماع الحب والبغض في شخص واحد.))
قلنا: لا يسلم له هذا، بل ذات الدواء مكروه للمريض أصلاً، ومحبته إنما لصفة من صفات الدواء وهي ما فيه من شفاء.
ومثله قول المعترض ((وكذلك فإن كل نفس تجد في داخلها كراهية السجن كراهية طبيعية، ولكن لما كان فيه مصلحة شرعية ليوسف ﵇ صار أحب إليه شرعاً وإن كان يبغضه طبعاً، كما قال تعالى عن يوسف (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف:٣٣]))،
стр. 109
وهذا أيضا دليل عليهم فذات السجن مكروه ليوسف، ومحبته ليست للسجن بل لأمر خارج السجن وهو البعد عن المرأة المغوية، فذات السجن مكروهة ليوسف من كل وجه، ولولا ما تعلق به من مصلحة ليست من السجن أصلاً لم يحبه.
ومن الأدلة أيضاً على استحالة جمع بغض الزوجة الكافرة ومحبتها في القلب وأن من قرر ذلك فقد قرر أن الله يكلف بالمستحيل:
الدليل الأول: من الواجب على الزوج العدل بين زوجاته، ومن لم يعدل فهو آثم وظالم ومرتكب لكبيرة من الكبائر، ولهذا قال تعالى ((فإن لم تستطيعوا أن تعدلوا فواحدة))، ومع هذا فقد جاء في الحديث ((عَنْ عَائِشَة " أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَقْسِم بَيْن نِسَائِهِ فَيَعْدِل وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِك، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِك وَلَا أَمْلِك " قَالَ التِّرْمِذِيّ يَعْنِي بِهِ الْحُبّ وَالْمَوَدَّة، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ أَهْل الْعِلْم.
فالحديث بجموع طرقه حسن لغيره، وعليه فالرجل المسلم قد يحب إحدى زوجتيه أكثر من الأخرى، والشاهد من ذلك كله هو أننا نقرر أن أمر الحب والبغض أمر بيد الله لا طاقة للعبد في التحكم به، ولا يكلف الله عباده ما لا يطيقون، ولهذا لا يعاقب العبد على ميله القلبي لبعض زوجاته مع أنه مأمور شرعاً بالعدل بينهن، ومثله المرأة الكافرة لا يكلف الله زوجها ببغضها وهو أمر لا طاقة له به، بل البغض متوجه لصفة الكفر فيها لا لها، ولو كان يستطيع التحكم بذلك البغض لوجب أن يعدل بين زوجاته في الحب لأن ترك العدل في المعاملة والجور كبيرة من الكبائر.
الدليل الثاني: قال الرسول ﷺ ((لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ)) رواه مسلم
قوله ((لايفرك)) أي: لا يبغض، والشاهد من الحديث أنه لا يمكن الجمع بين الحب والبغض، ولهذا نص على بغض خلق منها، وأرشده إلى الاكتفاء بكره هذا الخلق، والانتباه إلى الأخلاق الحسنة الأخرى فيها، كل ذلك خوفاً من أن يتعدى الأمر إلى بغض المرأة لأنه لا يمكن أن يبغضها ويحبها في وقت واحد.
الإشكال السابع: بالنسبة لمن قال: أن المودة من أفعال القلوب لا من أفعال الجوارح والبر والإحسان من أفعال الجوارح لا من أفعال القلوب , فالجواب على ذلك:
أن هذا الكلام يستقيم لو لم يكن هناك علاقة تلازم بين ما يقع في القلب وبين ما يقع في الجوارح بل إن بينهما تلازماً في كثير من الأحيان يصعب انفكاكه.
إشكال أخير: قد يقول قائل إنك قد استندت في كثير من استدلالاتك السابقة إلى الإحالة على سبب النزول ومن المعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالجواب على ذلك:
أن مقولة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مسألة خلافية وليست من مسائل الإجماع أما إجماع العلماء المحققين هو ما قاله ابن تيمية ﵀
(والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يختص بسببه أم لا، فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه، ولا
стр. 110
يكون العموم فيها بحسب اللفظ ... انتهى) , ولبيان مزيد من الفائدة أنقل ما قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀ تعليقاً على ما قاله ابن تيمية ﵀: (وهذا القول هو الصحيح: أنها تعم ذلك الشخص؛ لأنها تختص بنوع ذلك الشخص أو تعم نوع ذلك الشخص فقط. مثال ذلك قال النبي ﵊: (ليس من البر الصيام في السفر).فهذا اللفظ عام، لكن سببه خاص بالنوع وخاص بالشخص، فهل نخصصه بذلك الشخص؟
يقول شيخ الإسلام: ما أحد قاله من المسلمين، وهل نخصصه بذلك النوع؟ يمكن ذلك إذا علمنا أن العلة والسبب في ذلك النوع لا يتعداه لغيره فإننا نخصصه بذلك النوع، وإذا أخذنا بالعموم في حديث: (ليس من البر الصيام في السفر)، قلنا: إن الصيام في السفر ليس من البر؛ سواء شق على الإنسان أم لم يشق. وإذا خصصناه بالشخص قلنا ليس من البر باعتبار ذلك الرجل الذي رآه النبي ﵊ عليه زحام ظللاً عليه، كأنه قال ليس صومه من البر وهذا أيضاً خطأ لا أحد يقوله من المسلمين مثل ما قال الشيخ، وإذا قلنا: إنه خاص بالنوع، قلنا: ليس من البر الصيام في السفر فيمن حاله كحال ذلك الشخص يشق عليه، فإنه ليس من البر أن يصوم في السفر بخلاف من لا يشق، وهذا القول الوسط هو الصواب، وأنه يجب أن يعدى الحكم الوارد على سبب معين إلي نوع ذلك المعين فقط لا إلى العموم، ولا أن يختص بنفس ذلك الشخص.
وهنا نشير إلي أن ربطه بعلته أولى من التعميم؛ لأننا لو عممناه لاحتجنا إلي دليل على التخصيص، لكن كأنه من العام الذي أريد به الخصوص.
وفرق بين قوله: (ليس من البر) وبين قول: (البر ألا يصوم)، لأنه قول قال: (ليس من البر) فهو من الإثم.
والرخصة لا نؤثم من لم يفعلها، اللهم إلا إذا اعتقد في نفسه الاستغناء عن رخصة الله له فهذا شئ آخر، فيكون آثماً من هذا الوجه، وأما من قال: الحمد لله الذي رخص لي لكن أنا قوى ونشيط، فهذا غير.
فورود الحديث ونزول الآية هذا هو المسبب. فالآية أو الحديث قد يكون معناها خفياً إلا إذا عرفت سبب النزول .... انتهى).
وعلى هذا فتحقيق القول في هذه القاعدة أن نقول "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا إن وجد الدليل الذي يدل على تخصيص العموم بمثل حالة السبب".
وعلى هذا يتيبن لنا أن البراء من المشركين ليس على مرتبة واحدة، بل هو مراتب متفاوتة، يتراوح بين قتالهم وهو أعلاها وبين بغض عملهم وهو أدناها، وبينهما مراتب كثيرة , وهذه المراتب تختلف بحسب اختلاف أصناف المشركين وحالهم فمودة الزوجة الكتابية أو الوالدين المشركين أو من كان في معناهم لا يتنافى مع بغض الكفر الذي هم فيه وقد قال ربُّنا حكاية عن بعض أنبيائه: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ القَالِين﴾ وقال " فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ " فأمره بالبراءة من عملهم القبيح لا منهم وإن كان هذا ليس على إطلاقه.
أما محبَّة دين الزوجة الكتابية المحرَّف والميل إليه والإعجاب به فحرام شرعاً , كما علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نقول: (ونخلع
следующие страницы →