← Акыда

Акыда · id 96246

الولاء والبراء والعداء في الإسلام

أبو فيصل البدراني

Полный текст (121 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

"بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , أما بعد: فهذه رسالة تُعالج مسائل الولاء والبراء والعداء في الإسلام من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل , وقد جمعت فيها مسائل مهمة متفرقة عن هذا الموضوع

стр. 2

تمهيد: بما أن الولاء والبراء جزء من عقيدة الإسلام فالحديث عنه يستلزم الحديث عن أساس هذه العقيدة وهي كلمة التوحيد, ومعرفة هذه العقيدة معرفة صحيحة أمر ضروري للمسلم ليكون ولاؤه وبراؤه بحسبها , إذ من المُحال أن تكون هناك عقيدة سليمة بدون تحقيق الموالاة والمعاداة والبراءة الشرعية. وعلى هذا فما معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)؟ معناها: لا معبود بحق إلا الله، وبذلك ننفي الإلهية عما سوى الله ونثبتها لله وحده. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الشهادتين: (ليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله، والتقرب إليه بما يُحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) وهي ملة إبراهيم الخليل ﵇ وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين) أما شقها الثاني (محمد رسول الله) فمعناه تجريد متابعته ﷺ فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر ... انتهى). ومن هنا كانت (لا إله إلا الله) ولاء وبراء، نفياً وإثباتاً, ولاء لله ولدينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين , وبراء من كل طاغوت عُبد من دون الله. قال تعالى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾. وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل هذه الآية (يعني الآية السابقة) ... انتهى. وكلمة التوحيد ولاء لشرع الله قال تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿, وقال أيضاً ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. ولا إله إلا الله هي براء من حكم الجاهلية قال تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ , وهي أيضاً براء من كل دين غير دين الإسلام قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.ثم هي نفي وإثبات تنفي أربعة أمور, وتثبت أربعة أمور. تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب. فالآلهة: ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلهاً. والطواغيت: من عُبد وهو راض، أو رشح للعبادة. والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو مسكن، أو عشيرة، أو مال: فهو ند لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾. والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته على علم، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾. وكلمة التوحيد تُثبت أربعة أمور: أولها القصد: وهو كونك ما تقصد إلا الله. وثانيها التعظيم والمحبة: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾. وثالثها الخوف والرجاء: لقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ راد لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿, فمن عرف هذا قطع العلاقة مع غير الله ولا تكبر عليه جهامة الباطل، كما أخبر

стр. 3

تعالى عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بتكسير الأصنام وتبريه من قومه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. ولقد جاء القرآن من أوله إلى آخره يبين معنى لا إله إلا الله، بنفي الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه، فكل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه هو من مدلول كلمة الإخلاص، لأن دلالتها على الدين كله إما مُطابقة وإما تضمناً وإما التزاماً، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى. والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي، وإخلاص العبادة بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله. شروط لا إله إلا الله: قد ذكر العلماء ﵏ شروطاً سبعة لـ (لا إله إلا الله) لا تنفع صاحبها إلا باجتماع هذه الشروط فيه إلا أنه ينبغي أن نعلم أنه ليس المراد من هذه الشروط عد ألفاظها وحفظها، فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها، ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها والتوفيق بيد الله. وقد قال وهب بن منبه لمن سأله: أليس (لا إله إلا الله) مفتاح الجنة؟ قال: بلى. ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك ... انتهى. وأسنان هذا المفتاح هي شروط (لا إله إلا الله) الآتية:- الشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتا، المنافي للجهل بذلك قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾. أي: بـ "لا إله إلا الله": (وهم يعلمون) بقلوبهم ما نطقوا به بألسنتهم. وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وفي الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله علبه وسلم (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة). الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك. معنى ذلك: أن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة، يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة). وفي رواية (لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة). وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً من حديث طويل (من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة).

стр. 4

وقال القرطبي: في (المفهم على صحيح مسلم): (باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لابد من استيقان القلب. وهذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده. بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعاً ... انتهى). الشرط الثالث: القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿٢٣﴾ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴿٢٤﴾ فانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.ويقول تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٣٥﴾ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾. الشرط الرابع: الانقياد لما دلت عليه، المنافي لترك ذلك قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾.وقال: ﴿ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾.وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. أي بلا إله إلا الله , وفي الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) وهذا هو تمام الانقياد وغايته. وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾. قال ابن كثير ﵀ في تفسيرها: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ... انتهى. الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقاً من قلبه، ويواطئ قلبه لسانه، قال تعالى: ﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. وفي "الصحيحين" عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ : "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار". قال العلامة ابن القيم: (والتصديق بلا إله إلا الله يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة، والتصديق بجميع أخباره وامتثال

стр. 5

أوامره واجتناب نواهيه. فالمصدق بها على الحقيقة هو الذي يأتي بذلك كله، معلوم أن عصمة المال والدم على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبالقيام بحقها، وكذلك النجاة من العذاب على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبحقها). وفي الحديث، قال ﷺ : "شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه ... انتهى]. وقال ابن رجب: (أما من قال: لا إله إلا الله بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾. ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ ... انتهى). الشرط السادس: الإخلاص، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال تعالى ﴿ألا لله الدين الخالص﴾.وقال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾. وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه). وفي الصحيح عن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله . وللنسائي في اليوم والليلة من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير مخلصاً بها قلبه، يصدق بها لسانه، إلا فتق الله لها السماء فتقاً حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله). وقال الفضيل بن عياض رحمة الله: (إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل , وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً , والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة). ولقد ضرب الله سبحانه في القرآن العظيم مثلاً واضحاً للمخلص في توحيده وللمشرك قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾. يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ في تفسيرها: (هذا مثل يضربه الله للعبد الموحد والعبد المشرك، بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة .. وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح) (هل يستويان)؟ لا. لأن الذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين، وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة مشتركين معذب مقلقل، لا يستقر على حال، ولا يرضى واحداً منهم فضلاً عن أن يرضي الجميع. وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك في جميع الأحوال, فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يسير على هدى من الله يستمد منه وحده ويتجه إليه وحده ... انتهى). ويقول الشيخ القاسمي ﵀:

стр. 6

(إن القصد هو توحيد المعبود في توحيد الوجهة، ودرء الفرقة كما قال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. إن الإسلام لابد فيه من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) فمن أسلم لله ولغير الله فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿ .. انتهى). الشرط السابع: المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، المنافية لضدها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾.وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾.وفي الحديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: (وعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه واتباع رسوله، واقتفاء أثره وقبول هداه ... انتهى). ويقول ابن القيم في النونية: شرط المحبة أن توافق من تحب ... على محبته بلا عصيان فإذا ادعيت له المحبة مع خلافك ... ما يحب فأنت ذو بهتان أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حباً له ما ذاك في إمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين ... المحبة يا أخا الشيطان ليس العبادة غير توحيد المحبة ... مع خضوع القلب والأركان إلى أن يقول: ولقد رأينا من فريق يدعي ... الإسلام شركاً ظاهر التبيان جعلوا له شركاء والوهم ... وسووهم به في الحب لا السلطان الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله: إن أصل الدين وكماله، أن يكون الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، والعبادة لله، والاستعانة بالله، والخوف من الله ,والرجاء لله، والإعطاء لله، والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله ﷺ الذي أمره لله، ونهيه لله، وصاحب الهوى يُعميه الهوى ويُضله عن سبيل الله، فلا يستحضر ما لله، وما لرسول الله ﷺ في ذلك ولا يطلبه فالذي لا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضبهما، وإنما يرضى لشهواته وهواه، ويغضب لذلك فهو ممن قال الله فيهم: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى).

стр. 7

ولما كان أصل الموالاة الحب, وأصل المعاداة البغض, وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك, فإن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله , وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة. أما الكتاب فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾.ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣١﴾ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْاْ فإن اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. ويقول تباركت أسماؤه ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾.ويقول كذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فإنهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾. ويقول تعالى:﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ثم إن من الولاء والبراء ما هو شطر العقيدة وركنها الثاني الذي لا تتم إلا به وهو الكفر بالطاغوت, قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾.فلا يكون مؤمناً من لا يكفر بالطاغوت، وهو كل متبوع أو مرغوب أو مرهوب من دون الله , فقبول الإيمان والاستمساك بالعروة الوثقى مستلزم للكفر بالطاغوت كما نصت على ذلك الآية الكريمة. أما الأحاديث والآثار: فكثيرة وأذكر منها:- (١) ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ بايعه على أن (تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر). (٢) روي أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله ﷺ (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). (٣) روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله). (٤) أخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس ﵄ قال: (من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً). يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في شرح قول ابن عباس هذا: (قوله: (ووالى في الله) هذا بيان للازم المحبة في الله، وهو الموالاة فيه، إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب وهي النصرة والإكرام، والاحترام والكون مع المحبوبين باطناً وظاهراً.

стр. 8

وقوله (وعادى في الله) هذا بيان للازم البغض في الله، وهو المعاداة فيه. أي إظهار العداوة بالفعل كالجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم، والبعد عنهم باطناً وظاهراً، وإشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.وعلى ذلك جاءت تسمية الشارع الحكيم للفريق الأول بـ: (أولياء الله)، والفريق الثاني بـ: (أولياء الشيطان) قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. واعلم أن الله سبحانه لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴿ ... انتهى).وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾.والواجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحاً يقاتل به هؤلاء الشياطين، ومن ثم لا خوف عليه ولا حزن لأن: ﴿كيد الشيطان كان ضعيفاً﴾.والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين كما قال تعالى ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان. وبهذا يتبين لك أخي المسلم أن المسلم المؤمن المخلص في عقيدته هو من أخلص توحيده الله، وتبرأ من المشركين , ولتعلم أن الولاء والبراء يضعف بسبب ضعف العبودية والمحبة لله وكلما كان الشخص أكمل عبودية لله ومحبة كان أكثر تحقيقاً للولاء والبراء , وكما أن الإيمان يزيد وينقص فكذلك تحقيق الناس لهذا الأصل العظيم (الولاء والبراء) يزيد وينقص وأما هدم هذا الأصل كلياً في قلب العبد وترك ما يوجبه على المؤمن من الأعمال والتروك فهو هدم للإيمان كله. وعلى هذا فيجب على المسلم بعدَ محبةِ اللهِ ورسولهِ أن يحب أولياءه ويعادي أعدائِه المحاربين للدين وأهله ويبغض عموم الكفار وذلك أن من أصولِ العقيدةِ الإسلاميةِ أنَّه يَجبُ على كلِ مسلمٍ يَدينُ بهذه العقيدةِ أنْ يوالىَ أهلهَا ويعادىَ أعداءَها الصادين عن دين الله فيحبُ أهلَ التوحيدِ والإخلاصِ ويواليهِم، ويُبغِضُ أهلَ الإشراكِ لا سيما المحاربين لدينه ويعاديهِم فهذا أصل. وها هنا أصل آخر وهو أن من استقام على منهج الله وتوحيده جاءه الولاء والبراء تباعاً من غير تكلف , ومن أحب الله المحبة الواجبة لابد أن يُبغض أعداءه ولابد أن يحب أولياءه , وكما أن الله قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين شرعاً فإنه أمر بموالاته وموالاة رسوله والمؤمنين وذلك من لوازم التوحيد.

стр. 9

حقيقة الإسلام والكفر: يقول ابن القيم ﵀ (الكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر, ولما كان الإيمان أصلاً له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيماناً: فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصيام، والأعمال الباطنة كالحياء، والتوكل، والخشية من الله، والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان. وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادتين, ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق, وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً, منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب. وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر , والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر, والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان وتركها من شعب الكفر والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان. وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية وفعلية. ومن شعب الإيمان القولية شعب يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية , فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختياراً – وهي شعبة من شعب الكفر – فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، فهذا أصل. وها هنا أصل آخر: وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب: هو الاعتقاد. وقول اللسان: وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل، وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله , وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق: فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة فأهل السنة: مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون: ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به. وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح ولا سيما إذا كان ملزوماً لعدم محبة القلب وانقياده، والذي هو ملزم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان, فإن الإيمان ليس مجرد التصديق – كما تقدم – وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبيينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن

стр. 10

اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقاً – فليس هو التصديق المستلزم للإيمان, فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته. وهاهنا أصل آخر: وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد , فكفر الجحود: أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه , وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه وأما كفر العمل: فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده. فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعاً، ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه , فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد , ومن الممتنع أن يسمى الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ويسمى رسول الله ﷺ تارك الصلاة كافراً، ولا يطلق عليهما اسم الكفر. وقد نفى رسول الله الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه , وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد. وكذلك قوله (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) فهذا كفر عمل. وكذلك قوله (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول أو أتى امرأته في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد) وقوله (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) وقد سمى الله من عمل ببعض كتابه، وترك العمل ببعضه مؤمناً بما عمل به وكافراً بما ترك العمل به فقال تعالى: ) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٨٤﴾ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقاً وأخرجوهم من ديارهم , فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب. ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه. فالإيمان العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي , وقد أعلن النبي ﷺ بما قلناه في الحديث الصحيح (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) ففرق بين قتاله وسبابه , وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به، والآخر كفراً. ومعلوم إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم

стр. 11

الإيمان. وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمها فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا. وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل, فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم. وقال سفيان بن عيينة: عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). قال: هو بهم كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة. وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة. وقال وكيع بن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وهذا الذي قال عطاء بين في القرآن لمن فهمه، فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافراً، وسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافراً, وليس الكافران على حد سواء. وسمى الكافر ظالماً كما في قوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وسمى متعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً فقال: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) وقال نبيه يونس (لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). وقال صفيه آدم (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا) وقال كليمه موسى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ﴿وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم. ويسمى الكافر فاسقاً: كما في قوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ) وقال: (وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ). وهذا كثير في القرآن. ويسمى المؤمن فاسقاً كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) نزلت في الحكم بن أبي العاص , وليس الفاسق كالفاسق. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وقال عن إبليس: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) وقال: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق) وليس الفسوق كالفسوق. والكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان، وكذا الجهل جهلان: جهل كفر كما في قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). وجهل غير كفر كقوله تعالى: (إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) وكذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة وهو الشرك الأصغر، وهو شرك العمل كالرياء, قال تعالى في الشرك الأكبر: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) وقال: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) "وفى شرك الرياء: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ

стр. 12

رَبِّهِ أَحَدًا) ومن هذا الشرك الأصغر قوله ﷺ "من حلف بغير الله فقد أشرك" رواه أبو داود وغيره ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار, ومن هذا قوله ﷺ " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ".فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها, وكذا النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد، ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد: هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار, ونفاق عمل كقوله ﷺ في الحديث الصحيح (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). وفي الصحيح أيضاً (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان) فهذا نفاق عمل، قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهي المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً. وكلام الإمام أحمد يدل على هذا، فإن إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال: سألت أحمد بن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم، هل يكون مصراً من كانت هذه حاله؟ قال: هو مصر مثل قوله (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، ونحو قوله (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن). ونحو قول ابن عباس في قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال إسماعيل: فقلت له ما هذا الكفر؟ قال: لا ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه. وهاهنا أصل آخر: وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان, وهذا من أعظم أصول أهل السنة، وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة , والقدرية , ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة , قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) فأثبت لهم إيماناً به سبحانه مع الشرك، وقال تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فأثبت لهم إسلاماً وطاعة لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (وهؤلاء ليسوا منافقين في أصح القولين، بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله، وليسوا مؤمنين, وإن كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفار. قال الإمام أحمد: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن – يريد الزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاب – فهو مسلم ولا أسميه مؤمناً، ومن أتى دون ذلك – يريد دون الكبائر – سميته مؤمناً ناقص الإيمان، فقد دل على هذا قوله صلى الله عليه

стр. 13

وسلم (فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق). فدل على أنه يجتمع في الرجل نفاق وإسلام , كذلك الرياء شرك، فإذا رآى الرجل في شيء من عمله اجتمع فيه الشرك والإسلام , وإذا حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سماه رسول الله ﷺ كفراً، وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام , وقد بينا أن المعاصي كلها شعب من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها شعب من شعب الإيمان، فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان، وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمناً، وقد لا يسمى, كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافراً، وقد لا يطلق عليه هذا الإسلام. فها هنا أمران: أمر اسمي لفظي، وأمر معنوي حكمي. فالمعنوي: هل هذه الخصلة كفر أم لا؟ واللفظي: هل يسمى من قامت به كافراً أم لا؟ فالأمر الأول: شرعي محض، والثاني لغوي وشرعي. وها هنا أصل آخر: وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمي مؤمناً وإن كان ما قام به إيماناً، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافراً، ,إن كان ما قام به كفراً, كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالماً: ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقيهاً ولا طبيباً، ولا يمنع ذلك أن تسمى شعبة الإيمان إيماناً، وشعبة النفاق نفاقاً، وشعبة الكفر كفراً , وقد يطلق عليه الفعل كقوله (فمن تركها فقد كفر) و (من حلف بغير الله فقد كفر) وقوله (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر ومن حلف بغير الله فقد كفر) رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ. فمن صدر منه خلة من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق، وكذا يقال لمن ارتكب محرماً أنه فعل فسوقاً وأنه فسق بذلك المحرم، ولا يلزمه اسم فاسق إلا لغلبة ذلك عليه) ا. هـ. نواقض الإسلام: ذكر أهل العلم أن هناك عشرة نواقض هامة تُخرج المسلم من الملة إذا ارتكبها قاصداً ومختاراً لها من غير عذر شرعي كالإكراه وهي: (١) الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾. (٢) من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر إجماعاً. (٣) من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم. كفر إجماعاً. (٤) من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه فهو كافر. (٥) من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ بغضاً دينياً لا طبعياً كفر إجماعاً ولو عمل به. والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. (٦) من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه، كفر والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ *لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.

стр. 14

(٧) السحر، ومنه الصرف، والعطف فمن فعله أو رضي به كفر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾. (٨) مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين لأجل دينهم والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (٩) من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباع النبي ﷺ وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉، فهو كافر. (١٠) الإعراض المطلق عن دين الله لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾. مذهب أهل السنة والجماعة في فقه الإيمان والكفر وضوابط تكفير المعين: هذه خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في فقه الإيمان والكفر وضوابط تكفير المعين وهي مستلة من خاتمة كتاب التكفير وضوابطه للشيخ إبراهيم الرحيلي حفظه الله (بتصرف يسير مني): ١ - الإيمان عند أهل السّنة يتألّف من ثلاثة أجزاء: اعتقاد القلب، وقول اللّسان، وعمل الجوارح، وعن هذه الأجزاء تتفرّع شعب الإيمان. ٢ - الإيمان عند أهل السّنة يتبعّض، فيذهب بعضه ويبقى بعضه، وهو يزيد وينقص، يزيد بالطّاعة وينقص بالمعصية. ٣ - ينقسم الكفر في اصطلاح الشّارع إلى قسمين: أكبر مخرج من الملّة، وأصغر لا يخرج من الملّة، وقد جاء في النّصوص إطلاق لفظ: (الكفر) على الأكبر تارة، وعلى الأصغر تارة أخرى. ٤ - يعبّر في النّصوص الشّرعية عن (الكفر) بعدّة ألفاظ كلّها تدلّ على حقيقته في الشّرع، فيعبّر عنه تارة بالشّرك، وتارة بالظّلم، وتارة بالفسق. ٥ - مفارقة معنى الكفر للنّفاق باعتبار، واجتماعهما باعتبار آخر. فيفترقان في أنّ الكافر مظهرٌ للكفر، والمنافق مسرٌّ له، ويجتمعان في اعتقادهما الكفر في الباطن. ٦ - انقسام الكفر إلى أقسام كثيرة باعتبارات متعدّدة. فينقسم إلى: أكبر وأصغر باعتبار حكمه. وينقسم إلى: تكذيبٍ وجحودٍ، وعنادٍ، ونفاقٍ، وإعراضٍ، وشكٍّ، باعبتار بواعثه وأسبابه. وينقسم إلى: قلبي، وقولي، وعملي، باعتبار ما يقوم به من أعضاء البدن. وينقسم إلى: أصلي وردّة، باعتبار كونه أصليّاً أو طارئاً. وينقسم إلى: مطلقٍ، ومعيَّنٍ، باعتبار إطلاقه وتنْزيله على المعيّنين. ٧ - الكفر الأكبر ينقسم إلى خمسة أقسام باعبتار بواعثه وأسبابه وهي: الأول: كفر تكذيب: وهو اعتقاد كذب الرسل. وهذا القسم قليل في الكفار، فإن الله تعالى أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة. قال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.وقال لرسوله ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾.

стр. 15

الثاني: كفر إباء واستكبار: مثل كفر إبليس: ومن هذا كفر من عرف الرسول ولم ينقد له إباء واستكباراً وهو الغالب على كفر أعداء الرسل كما قال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾.ومنه كفر أبي طالب فإنه صدقه ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية، وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم. الثالث: كفر إعراض: مثل من يعرض عن الرسول ﷺ لا يسمعه، ولا يصدقه، ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة، كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي ﷺ (والله أقول لك كلمة: إن كنت صادقاً فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك). الرابع: كفر الشك: حيث لا يجزم بصدقه، ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة، وأما مع التفاته إليها ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك لأنها مستلزمة للصدق. الخامس: كفر نفاق: وهو أن يظهر بلسانه الإيمان وينطوي بقلبه التكذيب وهذا هو النفاق الأكبر. ٨ - للكفر شعب كما أنّ للإيمان شعباً كذلك، والمعاصي كلّها من شعب الكفر، كما أنّ الطّاعات كلّها من شعب الإيمان، وقد يجتمع في الرّجل بعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر فيجتمع فيه إيمان وكفر. ٩ - تتفاوت أحكام الكفار في الدّنيا بحسب أقسامهم باعتبار كون كفرهم أصليّاً أو كفر ردّةٍ، وكونهم محاربين أو غير محاربين، وكونهم أهل كتابٍ أو ليسوا بأهل كتاب. ١٠ - يشترك الكفّار كلّهم بشتى أصنافهم في حكم الآخرة في أنّهم خالدون مخلّدون في النّار، أبد الآباد، لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها بحالٍ، وهم مع هذا ليسوا في درجةٍ واحدةٍ من العذاب، بل يتفاوتون في دركات النّار كما أنّ أهل الجنّة يتفاوتون في درجات الجنّة. ١١ - حكم أهل الكفر الأصغر في الدّنيا حكم سائر أهل المعاصي، لا يخرجون من دائرة الإسلام، ويحكم لهم بحكم المسلمين، وهم في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم، وإن عذّبهم بالنّار فإنّه لا يخلّدهم فيها، بل لا بدّ من خروجهم منها كسائر عصاة الموحّدين. ١٢ - التّكفير والتّفسيق أحكام شرعية لا مدخل للعقل فيها بحالٍ، فالكافر مَن جعله الله ورسوله كافراً، والفاسق مَن جعله الله ورسوله فاسقاً، وليس ذلك لأحدٍ. ١٣ - بيان الضّوابط الشّرعية لما يُكفّر به من الأعمال، وما لا يكفّر به، وهذه المخالفات إما أن تكون بترك مشروع، أو بفعل محظور. أمّا ترك المشروع فإما يكون ترك للاعتقاد، أو للقول، أو للعمل، أما ترك الاعتقاد فكفر، وأما ترك القول، فعلى قسمين: ما يكون تركه كفراً كالنّطق بالشّهادتين، وما لا يكون تركه كفراً كبقية واجبات اللّسان، وأما ترك العمل فعلى قسمين أيضاً: قسم مختلف في التّكفير بتركه، وهي أركان الإسلام الأربعة بعد الشّهادتين، وقسم متّفق على عدم التّكفير بتركه، وهي سائر الواجبات بعد أركان الإسلام. وأما فعل المحظور فينقسم إلى قسمين: ما

стр. 16

يكون مكفّراً بالاتّفاق، وهي سائر الأعمال المناقضة للإيمان بالله ورسوله، وما لا يكون مكفّراً بالاتّفاق وهي كلّ الذّنوب والمعاصي التي لا تضاد أصل الإيمان بالله ورسوله. ١٤ - اختلاف السّلف في التّكفير بترك أركان الإسلام الأربعة بعد الشّهادتين، على خمسة أقوال: مَن يرى التّكفير بترك واحد منها، ومَن يرى عدم التّكفير بترك شيء منها، ومَن يرى كفر تارك الصّلاة فقط، ومَن يرى كفر تارك الصّلاة، والزّكاة، ومَن يرى كفر تارك الصّلاة، وتارك الزّكاة إذا قاتل عليها , والراجح هو القول الثّالث، وهو تكفير مَن ترك الصّلاة فقط دون غيرها من الأركان الأخرى، وبيان أنّ هذا القول هو قول عامّة الصّحابة وجمهور السّلف من التّابعين ومَن بعدهم، وكذلك ترجيح أنّ التّرك المكفّر للصّلاة هو تركها بالكلّيّة خلافاً لمَن ذهب إلى التّكفير بترك بعض الصّلوات. ١٥ - قيام الكفر المطلق في بعض المعيّنين، لا يستلزم تكفير المعيّن حتى تتحقّق فيه شروط التّكفير وتنتفي موانعه. ١٦ - شروط تكفير المعيّن التي دل عليها كتاب الله وسنة نبيه، وهي: البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد، وبلوغ الحجّة، وعدم التّأويل. ١٧ - النّظر في مسألة التّكفير لا يكون إلاّ للعلماء الرّاسخين القادرين على استنباط الحكم الشّرعي في هذه المسألة من النّصوص، وكيفية تنْزيله على المعيّنين، وكذلك المعرفة بأصول أهل السّنة في مسألة التّكفير، والإلمام بمواقف الأئمة من المخالفين مع الاحتياط من تكفير مَن لم يتيقن كفره، ولم يعلم أنّه قد قامت عليه الحجّة. فقه تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله: يوضح الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ الحالات التي إن فعلها الحاكم دخلت في الكفر المخرج من الملة وهي: (١) إذا جحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله. وهو معنى ما روى عن ابن عباس، واختاره ابن جرير، وجحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم، إن من جحد أصلاً من أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول ﷺ قطعياً فإنه كافر كفراً ينقل عن الملة. (٢) إن لم يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أن حكم الله ورسوله حق، ولكنه اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس وما استجد لهم من حوادث نشأت عن تطور الزمان، وتغير الأحوال فهذا أيضاً لا ريب في كفره لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي زبالة الأذهان وحثالة الأفكار على حكم الحكيم الخبير. فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، علم ذلك من علمه وجهله من جهله. (٣) أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين السابقين كافر كفراً ينقل عن الملة لما في ذلك من تسوية المخلوق بالخالق.

стр. 17

(٤) من اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فهو كالذي قبله. (٥) من أعظم ذلك وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله: إيجاد المحاكم الوضعية التي مراجعها القانون الوضعي، كالقانون الفرنسي أو الأمريكي أو البريطاني أو غيرها من مذاهب الكفار، وأي كفر فوق هذا الكفر؟! وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة؟!. (٦) ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها (سلومهم) يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به رغبة وإعراضاً عن حكم الله. أما الكفر الذي لا ينقل عن الملة: والذي ورد عن ابن عباس ﵄ بأنه كفر دون كفر وقوله أيضاً: (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه) فذلك مثل، أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى. وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً أعظم من معصية لم يسمها الله كفراً .... انتهى). فقه التفسيق: تعريف الكبيرة اصطلاحاً: تعريف الكبيرة المُختار والراجح من أقوال أهل العلم: هو كل ذنب أوجب حداً في الدنيا أو وعيداً في الآخرة، بنص القرآن أو السنة الثابتة، أو عظمت مفسدته بما يماثل المنصوص عليه. محترزات التعريف: أوجب حداً: فالحدود هي العقوبات المقدرة شرعاً على بعض الأفعال المنصوص عليها، مثل الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وقذف المحصنات، وقتل النفس التي حرم الله. أما غيرها من الأفعال التي لم يرد النص الشرعي بعقوبات مقدرة لها فلا تعتبر من الكبائر؛ كاللطمة والشتيمة. أو وعيداً في الآخرة: ووعيد الآخرة يشمل ما يلي: ـ العذاب بالنار. ـ اللعن: وهو الطرد من رحمة الله. ـ عدم دخول الجنة. بنص القرآن أو السنة الثابتة:.فلا بد أن تكون الكبيرة منصوصاً عليها. أو عظمت مفسدته بما يماثل المنصوص:.مثال ذلك تعاطي المخدرات، فهي وإن لم ينص الكتاب والسنة على أنها من الكبائر لكن مفسدة التعاطي عظمت حتى ضاهت أكبر الكبائر المنصوص عليها.

стр. 18

تعداد جملة من كبائر الذنوب: اعلم أخي المسلم بأن حصر الكبائر بالعد لا يُمكن استيفاؤه , قال النووي في شرحه لمسلم (وقال العلماء ﵏: ولا انحصار للكبائر في عدد مذكور. وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ فقال: هي إلى سبعين، ويروى إلى سبعمائة أقرب. وأما قوله ﷺ الكبائر سبع فالمراد به: من الكبائر سبع. فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم فهي مخصوصة بلا شك، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع. وفي الرواية الأخرى ثلاث، وفي الأخرى أربع لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية. ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وهذا مصرح بما ذكرته من أن المراد البعض. وقد جاء بعد هذا من الكبائر شتم الرجل والديه، وجاء في النميمة، وعدم الاستبراء من البول، أنهما من الكبائر. وجاء في غير مسلم من الكبائر اليمين الغموس، واستحلال بيت الله الحرام ... انتهى). هذا وبعد عرض التعريف المختار للكبيرة، لا بأس بعرض جملة من كبائر الذنوب على سبيل المثال لا الحصر، والتي ينطبق عليها تعريف الكبيرة، مُطَبَّقاً عليها الضوابط المذكورة آنفاً، تأسياً بالفقهاء الذين لم يجعلوا الكبيرة في حيز النظرية، وإنما كانوا يُتبعون تعريفهم بجملة من كبائر الذنوب لتجلية الحد، والوقوف على المراد منه، وفيما يلي ذكر جملة من الكبائر مرتبة على تبويب كتب الفقه , هذا وإن كان بعضها مختلف فيه ولكن المقصود التمثيل: من كتاب الطهارة: ترك الاستنزاه من البول، ترك شيء من واجبات الوضوء أو الغُسل، وطء الحائض، الشرب من آنية الذهب والفضة واتخاذها، فعل الواصلة والواشمة، والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن. من كتاب الصلاة: تقديم الصلاة أو تأخيرها عن أوقاتها بلا عذر، ترك أهل المِصر الجماعة من غير عذر، واتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السُّرج عليها، ترك الجمعة من غير عذر ثلاث مرات متتاليات. من كتاب الجنائز: ضرب الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، كراهية لقاء الله. من كتاب الصوم: الإفطار في رمضان عمداً بلا عذر. من كتاب الزكاة: منع الزكاة بعد وجوبها من غير عذر، والخيانة في جمع الصدقة، وفرض المكُوس وما يشابهها من الضرائب غير المشروعة وجبايتها، والسؤال من غير حاجة والإلحاح فيه، والمنّ بالصدقة، ومنع فضل الماء لمحتاج. من كتاب الحج: ترك الحج مع القدرة عليه، وزاد الشافعية: إلى الموت، قتل المحرم الصيد، استحلال البيت الحرام، الإلحاد في الحرم. من كتاب الأيمان والنذور: اليمين الغموس، والحلف بغير الله. من كتاب الصيد والذبائح: المُثلة بالحيوان ووسمه، واتخاذه غرضاً وقتله عبثاً،. من كتاب الأطعمة والأشربة: أكل لحم ميتة أو خنزير بغير اضطرار، وأكل وشرب المسكرات، وكذا الحشيش، واستعمال المخدرات من غير عذر شرعي كمرض، وشرب أو أكل الدم المسفوح والنَّجَس.

стр. 19

من كتاب اللباس والزينة: لبس المرأة لباس الرجل، ولبس الرجل لباس المرأة، ولبس المرأة ما يصف أو يشفّ، إسبال الثوب من أجل الخيلاء. من كتاب النكاح: إفساد وتخبيب المرأة على زوجها، والزوج على زوجته، العقد على المحرم نكاحهن، إتيان المرأة في دبرها، تزوُّج المرأة وعدم إعطائها مهرها، خروج المرأة من بيتها متعطرةً متزينة ولو بإذن زوجها، ونشوز الزوجة بلا موجب شرعي. من كتاب الطلاق وما يتعلق به: سؤال المرأة زوجها الطلاق من غير ما بأس، الدياثة والقيادة، انتساب الإنسان إلى غير أبيه مع علمه أو تبرُّؤه من نسبه مع علمه بذلك. كتاب النفقات: إضاعة من يعول، عقوق الوالدين، قطيعة الرحم. من كتاب الوقف: سرقة الوقف أو غصبه. من كتاب الوصية: الإضرار بالوصية. من كتاب البيوع: أكل الربا وإطعامه وكتابته والشهادة عليه، والإعانة عليه وبيع الحر، وأكل المال الحرام، والغش في البيع، وإنفاق السلعة بالحلف الكاذب، وبخس الكيل والوزن، والاستدانة بغير نية الوفاء، وأكل مال اليتيم. من كتاب المعاملات: خيانة الشريك، وتغيير منار الأرض، ومنع الأجير أجرته أو تأخيرها بغير عذر، والغصب بمقدار نصاب السرقة. من كتاب الحدود: الزنا، وإتيان الذكور، وشرب الخمر، وسقيه وعصره وحمله لشربه وبيعه وشرائه، والسرقة، والقذف، وقطع الطريق, والشفاعة في إسقاط حدود الله بعد بلوغها للإمام. من كتاب القصاص: قتل مسلم أو ذمي معصوم عمداً أو شبه عمد، وقتل نفسه، أو إتلاف عضو من أعضائه، أو أعضاء غيره، والإعانة على ذلك، وتعذيب الناس، والإشارة إليهم بالسلاح. من كتاب الردة: قول المسلم للمسلم: يا كافر لمجرد السب. من كتاب الجهاد: ترك الجهاد عند تعيُّنه، والفرار من الزحف، والغلول من الغنيمة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقاً عند القدرة على ذلك والأمن على النفس، وقتل وظلم من له أمان أو عهد أو ذمة. من كتاب القضاء: أخذ الرشوة، وإعطاؤها والسعي فيها , ومخاصمة الرجل في باطل يعلم أنه باطل، ودعواه ما ليس له وهو يعلم أنه ليس له. من كتاب الشهادات والبينات: كتم الشهادة عند تعين الأداء، وشهادة الزور. من كتاب الإمامة: الخروج على الإمام العادل بغير تأويل أو بتأويل باطل، نكث بيعة الإمام لغرضٍ دنيوي، وظلم الإمام رعيته وغشهم والاحتجاب دون حوائجهم، وإيواء المُحْدِثِين. كبائر من أبواب متفرقة: السحر، والكهانة والعرافة، والطيرة والتنجيم، وإتيان من يفعل ذلك وتصديقه، وتعليق التمائم والرقى والحروز، والاستماع إلى حديث قوم وهم له كارهون بلا مصلحة، والنميمة، والتكذيب بالقدر , وحرمان الوارث حقه من الميراث , ومحبة الرجل قيام الناس له، وتصوير ذوات الأرواح , والشرك بالله

стр. 20

شركاً أصغر كالرياء والسمعة، والخيانة في الأمانة، وهي قبيحة في كل شيء وبعضها شر من بعض، وليس من خانك في فلس كمن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم , والغدر وعدم الوفاء بالعهد , وإرادة العلو في الأرض والفساد وإن لم ينل , والقول على الله بلا علم , وإساءة الظن بالله سبحانه، واتهامه في أحكامه الكونية والدينية، والدعوة إلى ضلالة أو بدعة والتبجح والافتخار بالمعصية بين أصحابه وأشكاله، وهو الإجهار الذي لا يعافي الله صاحبه وإن عافاه من شر نفسه , وإضلال أعمى عن الطريق وقد لعن ﷺ من فعل ذلك فكيف بمن ضل عن طريق الله أو صراطه المستقيم , وحمل السلاح على المسلم , والجدال في كتاب الله ودينه بغير علم , والحسد، وكتم العلم الواجب إظهاره، وترك العمل بما علم، والكذب على رسول الله ﷺ وأذية أولياء الله تعالى، وتولي أعدائه من الفسقة والكفرة، وبغض الصحابة وسبهم عامةً وخاصةً المهاجرين والأنصار، ولعن المسلم المصون , والأمن من مكر الله، والإياس والقنوط من روح الله. الموقف من الذنوب المختلف في تصنيفها بين الكبائر والصغائر: إذا اختلف أهل العلم في معصية ما أهي من الكبائر أم من الصغائر؛ ما موقفنا منها؟ أي هل الأصل في الذنوب أنها كبائر أم العكس؟ أقول قد نصت الشريعة على بعض الذنوب أنها من الكبائر؛ كالسبع الموبقات وغيرها، وفيما عدا ذلك لم يثبت نص في الشريعة على ضابط يُفرَّق به بين الصغيرة والكبيرة، بل قال ابن عبد السلام في "القواعد ": (لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض) أهـ من "الفتح" (١٠/ ٤١٠) لابن حجر. ولو قال قائل: إن الشريعة سكتت عن بيان ذلك الضابط لأجل أن يحترز المؤمن من كل ذنب؛ خشية أن يكون كبيرة لكان له وجه. ومما يدل عليه أن الله تعالى حث على اجتناب الكبائر مطلقا؛ فقال: "إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم" فهو يؤكد هذا المعنى، وإذا لم يُستفد منه الإذن بفعل الصغيرة قطعا؛ فلماذا نتطلب الفرق بين الصغيرة والكبيرة؟ ومع إخفاء الضابط ترى العابد يحرص على التقصي على النفس والاحتياط لها، وهذا مطلب للشريعة: وهو أن يكون وجلاً خائفاً، ونفسه لوامة، هذا عدا ما في تسمية الذنب صغيرة من التهاون بنهي الباري جل في علاه عنها، وتسهيلها في نفوس الناس؛ بما يخالف مقاصد الشريعة في التوقي من الذنوب. ولهذا وقع لبعض من اعتمد ضابطاً في ذلك أن طبق الحكم على بعض الذنوب فوصفها بأنها صغائر، وهذا فيه ما فيه من قفو المرء ما ليس له به علم دون حاجة، وكذلك تسهيل معصية الله تعالى. يقول الإمام الواحدي في "البسيط": ( .. الصحيح أنه ليس للكبائر حد يعرفه العباد، وتتميز به عن الصغائر؛ تمييز إشارة، ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن أخفي ذلك على العباد، ليجتهد كل واحد في اجتناب ما نهي عنه، رجاء أن يكون مجتنباً للكبائر، ونظيره إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في رمضان) أهـ نقلا من "البحر المحيط" (٣/ ٣٣٦) للزركشي. قال الإمام أبو الحسن الواحدي المفسر وغيره: الصحيح أن حد الكبيرة غير معروف، بل ورد الشرع

стр. 21

بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها صغائر، وأنواع لم توصف وهي مشتملة على صغائر وكبائر، والحكمة في عدم بيانها أن يكون العبد ممتنعاً من جميعها مخافة أن يكون من الكبائر. قالوا: وهذا شبيه بإخفاء ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة، وساعة إجابة الدعاء من الليل، واسم الله الأعظم، ونحو ذلك مما أخفي ... انتهى. تعريف الصغيرة اصطلاحاً: تعريف الصغيرة المُختار والراجح من أقوال أهل العلم: هي كل ذنب لم يُوجب حداً في الدنيا، أو وعيداً في الآخرة، وكان قليل المفسدة. تعداد جملة من صغائر الذنوب في ضوء التعريف المختار: من كتاب الطهارة: استقبال القبلة أو استدبارها ببولٍ أو غائطٍ في الفضاء، إدخال النجاسة إلى المسجد، استعمال النجاسة في ثوبٍ أو بدن. من كتاب الصلاة: الصلاة وقت الكراهة ـ البيع عند نداء الجمعة ـ الاختصار في الصلوات، والعبث، والالتفات أيضاً ـ البيع والشراء في المسجد ـ إمامة الرجل والقوم له كارهون ـ الكلام والإمام يخطب. من كتاب الصوم: الصوم في يوم منهي عنه ـ مباشرة الصائم وتقبيله إذا لم يأمن. من كتاب الزكاة: دفع الزكاة من أردأ المال. من كتاب الأطعمة والأشربة: إمساك الخمر غير المحترمة ـ الأكل مِن طعام مَن غالبُ مالِه حَرامٌ على مذهب من يحرم المال الحرام مطلقاً ولا يفرق بين المحرم لعينه والمحرم لكسبه. من كتاب النكاح: الخِطبة على خِطبة غيره ـ نكاح الشِّغار ـ مُضارَّة الزوجة. من كتاب الطلاق: التطليق في الحيض ـ وطء الزوجة المظاهر منها قبل التكفير والرجعة ـ تطليق الزوجة أكثر من واحدة ـ المضارة في الإنفاق. من كتاب البيوع: النَّجْش، البيع على بيع أخيه، والسوم على سومه وبيع الحاضر للباد، وتلقي الركبان، والتصرية، وبيع المعيب من غير بيانه. من كتاب الجهاد: قتل الحربي قبل استتابته ـ بيع السلاح لأهل الفتنة. من كتاب القضاء: ترك القاضي التسوية بين الخصمين. صغائر من أبواب متفرقة: الخلوة بالأجنبية، والنظر المحرَّم، واتخاذ الكلب الذي لا يحلُّ اقتناؤه، وهجو المسلم، وهجر المسلم فوق ثلاثة أيام ودون سنة بلا عذر، وكثرة الخصومة، والإشراف على بيوت الناس، الكذب الذي لا حدَّ فيه ولا إضرار، استماع الغيبة، ابتداء الكافر بالسلام، سماع اللهو وآلات المعازف، إفشاء السر، خلف الموعد، التعصب، المداهنة، سفر المرأة من غير زوج أو محرم.

стр. 22

تعريف الإصرار لغةً: الإصرار في اللغة له معنيان: الأول: العزم على الأمر. الثاني: مداومة الشيء ولزومه. تعريف الإصرار اصطلاحاً: اختلفت عبارة العلماء في تعريف الإصرار، إلاَّ أنَّ المعاني الإجمالية لتعاريفهم متفقة، والتعريف المختار للإصرار وما يعتبر فيه هو الإقامة على الذنب، والعزم على فعله أو فعل مثله من نوعه. فالإصرار يكون باعتبارين: اعتبار فعلي، واعتبار حكمي. الاعتبار الفعلي: هو الإقامة على الصغيرة، أي: المداومة عليها. والاعتبار الحكمي: هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها , وانتهاء الباعث عليها من شدة شهوة ونحوه. ضابط الإصرار على الصغيرة المفسق: اختلف العلماء في ضابط الإصرار على الصغيرة الذي يفسق فاعله على أقوال عديدة، إلا أن أرجحها القول بأن الإصرار المفسق هو الإكثار من هذه الصغائر ومعنى الإكثار هو الغلبة كما قال البُلْقِيني: «أن المراد بالأكثرية التي تغلب بها معاصيه على طاعاته». والنتيجة التي يُصار إليها بعد عرض هذه الضوابط أن التفسيق بالإصرار على الصغيرة يدور مع الغلبة، أي غلبة الصغائر على الطاعات؛ فحيث وجدت وُجِدَ، وحيث عدمت عُدِمَ. أقوال العلماء ومذاهبهم في أثر غلبة الصغائر على الفسق: لعل أولَ من نبَّه على ذلك هو الإمام الشافعي ـ رحمة الله عليه، إذ يقول في كتابه العظيم (الرسالة): «وليس للعدل علامةٌ تُفرِّق بينه وبين غير العدل في بدنه ولا لفظه، وإنما علامة صدقه بما يختبر من حال نفسه؛ فإن كان الأغلب من أمره ظاهر الخير قُبل؛ وإن كان فيه تقصيرٌ عن بعض أمره، لأنه لا يَعرى أحد رأيناه من الذنوب، وإذا خلط الذنوب والعمل الصالح، فليس فيه إلا الاجتهاد على الأغلب من أمره بالتمييز بين حَسَنه وقبيحه، وإذا كان هذا لا بد أن يختلف فيه المجتهدون» وقال ابن حجر الهيتمي: «والحاصل أنَّ المعتمد، وِفاقاً لكثيرٍ من المتأخرين كالأذرعي والبلقيني والزركشي .. وغيرهم: أنه لا تضرُّ المداومة على نوعٍ من الصغائر، ولا على أنواع، سواء كان مقيماً على الصغيرة أو الصغائر، أو مكثراً من فعل ذلك، حيث غلب الطاعاتُ المعاصيَ، وإلا ضرَّ». وكذلك عند الحنفية فقد قال ابن نجيم: «حدُّ الإصرار على الصغيرة: الجمهور أنه غلبة المعاصي على الطاعات وهو المعتمد». وعند الحنابلة أيضاً مقياس الغلبة هو المعتمد، فقد جاء في «المغني»: «فأما الصغائر: فإن كان مصرَّاً عليها رُدَّت شهادته، وإن كان الغالب من أمره الطاعات لم يُردَّ لما ذكرنا من عدم إمكان التحرُّز». وقد صرَّح بذلك أيضاً في «الكافي» فقال: «واعتبرنا في مرتكب الصغائر الأغلب، لأنَّ الحكم للأغلب».

стр. 23

وكذلك عند الظاهرية: فقد اعتبر ابن حزم غلبة الطاعة مع عدم الإقدام على كبيرة شرط العدالة. دليل مقياس الغلبة: ما تقدم من ترجيح مقياس غلبة الصغائر لتفسيق المكلف يمكن الاستدلال له بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ [الأعراف: ٨ ـ ٩]. ٢ - وقوله تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو فى عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية﴾ [القارعة: ٦ ـ ١١]. وجه الدلالة: أنَّ من غلبت حسناتُه سيئاتِه كان من الناجين، ومن غلبت سيئاتُه حسناتِه فهو من الخاسرين، فالحكم للأغلب. ٣ - قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ [البقرة: ٢١٩]. وجه الدلالة: أنَّ الله غلَّب حكم الأغلب من كثرة مفاسد الخمر على منافعه في حكم التحريم، فيستفاد من الآية أنَّ الحكم للأغلب. ٤ - عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومُحَقَّرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهلكْنَه»، وأن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلاً: كمثل قومٍ نزلوا أرض فلاةٍ، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سَوَاداً فأجَّجوا ناراً، وأنضجوا ما قذفوه فيها. ٥ - عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنَّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقلت، فإن عاد زِيدَ فيها، فإن عاد زيدَ فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي ذكر الله ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٤]. وجه الدلالة في هذين الحديثين: أنَّ صغائر الذنوب التي عُبِّر عنها بالمحقرات والخطيئة، إنما يهلكن صاحبهن إذا غلبن وتراكمن، فالعبرة دائماً بالغلبة. ٦ - أنَّ مقياس الغلبة مقياسٌ ثابت معتبر عند الفقهاء في تعاملهم مع المسائل الفقهية، وقد صاغ الفقهاء هذا المعنى صياغة القواعد الفقهية، فقالوا: «للأكثر حكم الكل» وقالوا: " قيام الأكثر مقام الكل أصلٌ معتبر في الشريعة ". ٧ - أنَّ أحداً قلَّما يكون خالصاً للطاعة، أو سالماً من المعصية، ولا تكون الطاعة مقصورةً على خلوص الطاعات، ولا الفسق مقصوراً على خلوص المعاصي لامتناع خلوص كل واحد منهما، ولا اعتبار بالممتنع، فوجب اعتبار الأغلب من أحوال المكلف، فإن كان الأغلب عليه الطاعة والمروءة حُكِمَ بعدالته، وإن عصى ببعض الصغائر، وإن كان الأغلب عليه المعصية حُكم بفسقه.

стр. 24

كيفية ضبط غلبة الصغائر: يمكن ضبط غلبة الصغائر على الطاعات بالطرق التالية: بالعُرف وظاهر حال الشخص: فما اعتبره عدول الناس من كثرة معاصي شخصٍ ما وغلبتها على طاعته، فهو فاسق باعتبارهم هذا , ومن كان ظاهره غَلبة الطاعة كان عدلاً، ومن كان ظاهره غلبة المعصية فهو فاسق. تنبيه: كل من تقع منه الصغيرة فيقلع عنها ويتوب ثم يواقعها من غير عزمٍ سابق على تكرار الفعل، فليس بإصرار، فكل صغيرة تاب عنها المكلف لا تدخل فيما ذُكر من الغلبة؛ لأن التوبة الصحيحة تُذهب أثر الصغيرة بالكلية. حقيقة القول بأنه لا صغيرة مع الإصرار: لأهل العلم في الإصرار على الصغيرة هل يُصَيِّرها كبيرة؟ قولان: الأول: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الإصرار على الصغيرة يُصيِّرها كبيرة. وقد استدل هؤلاء بما روي عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار» ووجه الدلالة: أن الصغيرة تعظم بالمواظبة عليها فتصير كبيرة , ولكن هذا الحديث فيه مقال فقد رواه القضاعي في مسند الشهاب والديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي شيبة الخرساني وقد ذكر البخاري أنه لا يتابع على حديثه وقال الذهبي عنه في الميزان: أتى بخبر منكر وذكر هذا الحديث. كما ضعفه العراقي في تخريج الإحياء والسخاوي في المقاصد الحسنة وابن رجب في جامع العلوم والحكم. وللعلم فاعتبار الإصرار على الصغيرة كبيرةً هو من باب الإلحاق؛ فهو «لا يصيّر الصغيرةَ كبيرةً حقيقة، وإنما يلحقها بها في الحكم». الثاني: بالمقابل ذهب بعض العلماء إلى أن الإصرار على الصغيرة صغيرة، لا يصيرها كبيرة , واحتجوا بالنصوص المفرقة بين الكبائر والصغائر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١]، وكقوله ﷺ فيما رواه مسلم (٢٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". جاء في «البحر المحيط» للزركشي: «إنَّ الإصرار حكمه حكم ما أصر به عليه، فالإصرار على الصغيرة صغيرة .. ». وقال الشوكاني: «وقد قيل: إن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به .. بل الحق أن الإصرار حكمه حكم ما أصَرَّ عليه، فالإصرار على الصغيرة صغيرة، والإصرار على الكبيرة كبيرة». والذي يظهر لي أن القول الثاني وهو أن الصغيرة لا تصير كبيرة بتكرارها، والمداومة عليها، سواء أكان التكرار لصغيرة بعينها، أو لجنس الصغائر- أقرب للصواب، وأما ما جاء عن ابن عباس ﵄ وغيره، فمحمول على أن الإصرار هو استدامة غير الآبه بحدود الله تعالى، ولا المبالي بحرماته، ولا المعظم لأمره ونهيه، وهذا لا ريب أنه من كبائر ذنوب القلوب، وأما الاستدامة لغلبة الشهوة ونحو ذلك، مع خوف العقوبة، ووجل المؤاخذة، فليس كبيرة، والله أعلم.

стр. 25

وخلاصة القول: الإصرار على الصغيرة يكون مؤثراً في مقياس الغلبة عندما تغلب معاصيه على طاعاتِه، ولا يكون الإصرار مؤثراً إذا غلبت طاعاته على معاصيه، فالعبرة دائماً للغلبة. موقف المسلم من تصنيف الناس: بدايةً ينبغي ألا يُقطع بعيب أحد لغير حاجة أو مصلحة شرعية لما يُرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفاً مذموماً لا تصح معه تلك الأعمال ولعل من رأينا عليه تفريطاً أو معصية يعلم الله من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية وعلى هذا فلا ينبغي الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة وعدم الاحتقار المطلق لكل مسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة , وأما موقف المسلم من التصنيف فلا شك أن التشوَف إلى تصنيف الناس بلا حاجة مذموم , وأن من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره , وأن الأصل الظن بالمسلمين خيراً واعتقاد عدالتهم والعمل بعموم الإحسان إلى الناس من سلام ونحوه إلا أن هناك حالات تستوجب تصنيف بعض الأفراد من الناس , والتصنيف مهما كان موضوعياً فإنه لا يُمكن أن يبلغ درجة اليقين وذلك أن تعامل المسلم مع نفسه مبناه على اليقين وتعامله مع غيره مبناه على غلبة الظن والمسلم يتعامل مع الناس على حسب علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله , ولتعلم أن أحكام التفسيق والتبديع والتكفير لا بد فيها من مراعاة عوارض الأهلية من جهل أو نسيان أو إكراه أو نحو ذلك وأن تنزيلها على الأعيان لا يقدر على تحقيقه إلا العلماء الراسخون المعتبرون فينبغي التباعد عن ذلك قدر الإمكان إلا ما كان لحاجة أو مصلحة شرعية راجحة وليسدد المسلم وليقارب. طرق تصنيف الناس: تصنيف الناس بالعدالة أو الفسق أو الكفر يكون بالاستفاضة والشهرة، أو الإقرار، أو ظاهر حال الشخص، أو البينة العادلة أو شهادة الخبراء بالتعديل والتفسيق، أو الاختبار في الأحوال بطول الصحبة والمعاشرة والمعاملة. أقسام المكلفين وتصنيفهم من حيث الشرع: المستور عند أهل العلم: المستور عند العلماء هو الذي لا تُعرف عدالته ولا فسقه، أي يكون حاله مجهولاً. مستور الحال: مستور الحال هو من يتوسم فيه العدالة، الذي لا يعلم منه عدالة ولا فسق ولم يشتهر بين المسلمين بصلاح ولا استقامة فهو مجهول الحال. المسلم العدل الذي تجب موالاته في الله: المسلم العدل هو من يجتنب الكبائر ويؤدي الفرائض التي تركها كبيرة وغلبت حسناته سيئاته الصغائر, والعدالة درجات كما أن الفسوق درجات. الفاسق الملي (المسلم): الفاسق هو مرتكب الكبيرة من غير توبة أو المصر على صغيرة بحيث تغلب على طاعاته , وقيل هو مرتكب الكبيرة من غير توبة أو المُصر على صغيرة ولو غلبت طاعاته معاصيه.

стр. 26

فالفاسق على المذهب المختار هو (ارتكاب المكلف المختار العالم بالتحريم بلا تأول ما ثبت أنه كبيرة (غير المختلف فيه) ولم يتب منها أو ارتكابه لصغار بحيث تغلب على طاعاته , مع السلامة من البدع الاعتقادية. المراد بالإصرار على الصغيرة: الإصرار هو الإقامة على الذنب والعزم على فعل مثله، وضابط الإصرار المفسق قضاءً على المذهب المختار هو غلبة الصغائر على الطاعات. وعلى هذا فالإصرار على الصغيرة يكون مؤثراً في مقياس الغلبة عندما تغلب معاصيه على طاعاته ولا يكون الإصرار مؤثراً إذا غلبت طاعاته على معاصيه فالعبرة دائماً للغلبة وقيل بأن الإصرار على الصغيرة مفسق بإطلاق. الفاسق المجاهر: المجاهرون هم من يعملون المعاصي أمام الناس وهم ينظرون إليهم, ويُلحق بالمجاهرين الفساق الذين يتحدثون بمعاصيهم تفاخراً ويظهرونها ويكشفوا ما ستر الله عليهم لغير ضرورة ولا حاجة. المبتدع: اعلم أولاً أن البدعة ثلاثة أقسام باعتبار الكفر والإسلام: الأولى: بدعة كفرية ناقضة لصريح دلالة الشهادتين, فيكفر صاحبها على التعيين بلا إعذار بجهل أو تأويل. الثانية: بدعة كفرية لكنها غير ناقضة لصريح دلالة الشهادتين لكنها تُعارض أمراً مقطوعاً به في الدين فهذه يُعذر فيها بالجهل والتأويل لكن إن أقيمت الحجة على أصحابها وزالت الشبهة وأصر صاحبها فحينئذ يمكن لأهل العلم تكفيرهم. الثالثة: بدعة غير كفرية أصلاً وهي التي لا تُعارض أمراً مقطوعاً به في الدين فهذه يفسق فيها المعاند المُصر الذي أقيمت عليه الحجة وزالت عنه الشبهة دون المتأول والجاهل بل قد يكون مأجوراً إذا استفرغ وسعه في طلب الحق وحسنت نيته , وهذه البدع التي لا تُعارض أمراً مقطوعاً به في الدين منها كبائر وهي ما أخلت بالضروريات الخمس ومنها صغائر وهي ما كانت بخلاف الكبائر. وعلى هذا يتبين للمسلم أن أهل البدع المسلمين لا يُفسَقون بمجرد البدعة الغير كفرية لأنه قد يكون متأولاً أو طرأت عليه شبهات، وقد يكون المبتدع المسلم المتأول المجتهد لإصابة الحق خير من العاصي المتعمد عند الله , بل إن البدعة لا تُنافي الوصف بالعدالة الدينية أحياناً كأن تكون لا تُناقض صريح مدلول الشهادتين وهو متأول قد استفرغ وسعه لمعرفة الحق. وأما التحذير من المبتدعة الوارد عن السلف لا يعني تقديمهم المطلق للفاسق من أهل السنة عليهم لأن تقسيم الناس باعتبار الشرع هم الكفار والمنافقين والمسلمين , وأقسام المسلمين ثلاثة ظالم لنفسه مبين ومقتصد وسابق بالخيرات ولكن جاء تحذير السلف من البدعة وأهلها تأكيداً على خطورة البدعة وخطورة الاغترار بصلاح صاحبها في تسويق بدعته وبهذا يتبين لك أن من المبتدعة من هو ظالم لنفسه وفاسق فيه جهل وظلم حتى أخطأ السنة فهو ليس بكافر ولا منافق وبعضهم فيه عدوان وظلم يكون به فاسقاً أو عاصياً لا يرقى به إلى درجة الكفر ومنهم من يكون مُخطئاً ومتأولاً مغفوراً له خطؤه وقد يكون معه

стр. 27

من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه ولا ينافي ذلك عدالته ومنهم السابق بالخيرات , واعلم أخي أن الحكم على الفرقة البدعية لا يعني الحكم على عموم الأفراد وإن كانت البدعة واحدة إلا أن ما قررناه هذا لا يعني أنه ليس هناك من المبتدعة من هو زنديق منافق خارج عن الإسلام. الفرق بين المبتدع والفاسق الملي: المبتدع فسقه فسق اعتقادي سببه التعدي على المشروع ولا يقر صاحبه أنه على باطل وأما الفاسق ففسقه فسق عملي بارتكاب المحرمات وصاحبه يقر بأنه على باطل. الكافر: الكافر هو غير المسلم أو المرتد المرتكب لناقض من نواقض الإسلام وإن كان محسوباً على المسلمين. أقسام الكفار إجمالاً: ينقسم الكفار تجاه موقفهم من الإسلام وأهله إلى قسمين: القسم الأول: الكفار المحاربون للدين وأهله , وهؤلاء يجب جهادهم ومدافعة شرورهم وبغضهم في الله. القسم الثاني: الكفار المسالمون للدين وأهله , وهؤلاء لهم علينا حق البر والإحسان , والذين يدخلون تحت عهد المسلمين ثلاثة: الأول: المستأمن. والثاني: المعاهد. والثالث: الذمي. والإسلام يكفل لهؤلاء الأنواع من الكفار الأمن على دمائهم وأموالهم وأعراضهم. وهنا ملاحظة مهمة: لا يجوز عقد الهدنة والذمة إلا من الإمام أو نائبه وإن هادنهم غير الإمام أو نائبه لم يصح , وإن دخل الكفار المهادنين والمعاهدين دار الإسلام بهذا الصلح كان آمناً لأنه دخل معتقداً للأمان ويُرد إلى دار الحرب ولا يُقر في دار الإسلام لأن الأمان لم يصح. عدو الله: عدو الله هو الكافر المحارب للدين وأهله بلا خلاف بين أهل العلم وفي هذا الشأن يقول ابن تيمية ﵀ (فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له-يقصد الله فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معادياً له كما قال تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾.فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه ولهذا جاء في الحديث (ومن عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) ... انتهى). وأما الكافر المسالم للدين وأهله فقد قيل أنه ليس بعدو لله واستدل بعضهم بقول الله عن موقف إبراهيم ﵇ من أبيه الكافر حيث قال تعالى (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) وقالوا قد علم إبراهيم وتبين له كفر أبيه ابتداءً، لكن عداوته لم تتبين إلا بعد إصراره، وعناده، وتهديده فدل على أنه ليس كل كافر عدو لله تعالى. إلا أن هناك قول آخر نصره كثير من العلماء المحققين وهو أن الكافر الذي قامت عليه الحجة هو عدو لله أياً كان سواء كان مسالماً أو محارباً وإن كان الكافر المحارب أغلظ عداوة لله واستدلوا بقوله تعالى (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ

стр. 28

وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) وبالنسبة لقوله تعالى (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) فقد ذكر جملة من أهل التفسير المحققين بأن المراد بالتبيَن هنا هو موت أبو إبراهيم على الكفر وإياسه من هدايته للإسلام. وعليه فعداوة الله للكافرين وعداوتهم له هي ثابتة في حق مجموعهم لا في أعيانهم وآحادهم فإن الله نص على أنه عدو لهم في قوله ((فإن الله عدو للكافرين)) وهذه العداوة متجهه للنوع أي نوع الكافرين لكن لا نجزم أن الكافر المعين عدو لله إلا بعد التحقق من تحقق شروطها وانتفاء موانعها، والدليل على ذلك حديث الله جل وعلا عن نبيه إبراهيم ﵇ مع أبيه فمن المعلوم أن أباه رفض الإيمان وبقي إبراهيم يدعوه ولم يحكم عليه بأنه عدو لله مع أنه كافر حتى تحقق من انطباق الوصف ولهذا قال تعالى ((فلما تبين له أنه عدو لله))، فلم يحكم عليه بأنه عدو لله بمجرد الكفر، فالكفر سابق على التبيين فدل على أن مجرد الكفر لا يستلزم وصف الفرد الكافر بأنه عدو حتى تتحقق صفة العداوة، أما بالنسبة لصنف ونوع الكفار فلاشك أنهم أعداء لله. عدو المؤمن: عدو المؤمن هو الكافر المحارب للدين وأهله والشيطان الرجيم بلا خلاف بين أهل العلم وكل عدو للمؤمن لدينه فهو عدو لله بالضرورة وفي هذا يقول ابن تيمية ﵀ (فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له-يقصد الله فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معادياً له. كما قال تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾.فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه ولهذا جاء في الحديث (ومن عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) ... انتهى). ولكن هل كل عدو لله يلزم منه أن يكون عدواً للمسلم؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة فمنهم من قال أن كل عدو لله فهو عدو للمؤمن وأن الكافر عدو للمؤمن سواءً كان مسالم أو محارب وإن اختلفت طريقة التعامل معهم , وفي هذا يقول ابن القيم في النونية: شرط المحبة أن توافق من تحب ... على محبته بلا عصيان فإذا ادعيت له المحبة مع ... خلافك ما يحب فأنت ذو بهتان أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حباً له ما ذاك في إمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان ليس العبادة غير توحيد المحبة ... مع خضوع القلب والأركان إلى أن يقول: ولقد رأينا من فريق يدعي ... الإسلام شركاً ظاهر التبيان جعلوا له شركاء والوهم وسووهم ... به في الحب لا السلطان وقال آخرون لا يلزم من كون المشرك عدو لله أن يكون عدواً للمؤمن واستدلوا بإباحة الزواج من الكتابية المحصنة العفيفة ولم يكن الله يشرع ويأذن

стр. 29

للمؤمن من أن يتزوج عدوةً له وإن كان إباحة تزوج نساء أهل الكتاب لا يقتضي تزكية لحالهم، ولكن ذلك تيسير على المسلمين. تعريف وأقسام الكفار تفصيلاً: غير المسلمين من حيث حربهم على الإسلام ومسالمتهم للإسلام وأهله قسمان: القسم الأول: المحاربون: وهم من ليس بينهم وبين المسلمين ذمة، ولا عهد، ولا أمان، فيشرع قتالهم بحسب القدرة، فربما يكون قتالهم فرض عين، وذلك متى غزوا بلدا مسلما ليحتلوه، أو يستبيحوا دماء أهله، وأموالهم، فيلزم كل قادر من مسلمي ذلك البلد قتالهم، فإن احتاجوا إلى غيرهم من المسلمين من أهل البلاد الأخرى وجب على سائر المسلمين عونهم بالرجال والمال والسلاح حتى تحصل الكفاية؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) الأنفال [٧٢]. وقد يكون قتالهم فرض كفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الوجوب عن الباقين، وذلك إذا منع غير المسلمين وصول دعوة الإسلام إلى بلادهم، أو منعوا أهلها من الدخول فيه، وكان المسلمون أقوياء وجب على من يكفي منهم قتال غير المسلمين؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) البقرة [١٩٣]، وبقى حكم القتال على غيرهم من المسلمين مستحباً، لكن لا يجوز ابتداء قتالهم حتى يُدعوا إلى الإسلام، فإن رفضوا وجب دعوتهم إلى الصلح والقبول بدفع الجزية للمسلمين، فإن رفضوا جاز قتالهم. القسم الثاني: غير المحاربين: وهم من بينهم وبين المسلمين ذمة، أو عهد، أو أمان، ولم يفعلوا ما ينقض ذلك، كقتالهم المسلمين أو الإعانة عليهم، وهذا يشمل ثلاثة أصناف: ١ - أهل الذمة: وهم رعاية الدولة الإسلامية الذين رضوا بحكم الإسلام عليهم فأعطوا الجزية والتزموا بأحكام أهل الذمة، وبعض أهل العلم لا يرون جواز إعطاء الذمة لغير أهل الكتاب والمجوس، فلا يقبل من غيرهم ممن يعيش في بلاد المسلمين إلا الإسلام، أو السيف، ومن أهل العلم من يجيز إعطاء الذمة لغيرهم أيضا، ولعل هذا هو الأرجح؛ أخذا بقول الله ـ جل وعلا ـ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة [٢٥٦]. ٢ - المعاهدون: وهم رعايا الدولة غير المسلمة، والتي بينها وبين المسلمين عهد وصلح على عدم القتال. ٣ - المستأمنون: وهم رعايا الدول غير المسلمة المحاربة للمسلمين، الذين أعطاهم إمام المسلمين، أو أحد من المسلمين الأمان على نفسه وماله إذا دخل بلاد المسلمين حتى يخرج منها، سواء أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم. فحكم هؤلاء واحد، وهو أنهم معصوموا الدم والمال، فلا يجوز سفك دمائهم، ولا أخذ أموالهم، لقول الله ـ جل وعلا ـ (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة [٢٩] وقوله (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) التوبة [٦].

стр. 30

ويستحب الإحسان إليهم والقسط معهم؛ ترغيباً لهم في الإسلام. ويجب على المسلمين حفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم ما داموا في ذمة المسلمين وعهدهم ممن أراد الاعتداء عليهم، سواء أكان المعتدي منهم من المسلمين أم من الحربيين؛ قال علي ﵁: " إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا "، ويجب على المسلمين فداء أسرى أهل الذمة بالمال، بعد فداء أسرى المسلمين؛ لأنه من حمايتهم. ومتى خاف المسلمون من المعاهدين أو المستأمنين، أو من بعضهم نقض العهد جاز نبد عهدهم إليهم، أي إخبارهم ببطلان العهد الذي بيننا وبينهم، ثم جاز قتالهم؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) الأنفال [٥٨]. ومتى نقضوا العهد جاز قتالهم، ولم يجب نبذ العهد إليهم؛ لأن الخيانة وقعت منهم، كما قاتل النبي ﷺ قريشا دون أن يخبرهم بنقض العهد، لما غدروا فنقضوا العهد، وذلك عام فتح مكة، فأما أهل الذمة فلا ينبذ إليهم عهدهم حتى ينقضوه فعلا، لأنهم تحت أيدينا وفي حكمنا فضرر الخوف من نقضهم العهد أخف من غيرهم، فإذا نقضوه أو بعضهم زالت عصمة الناقضين فقط، وحل للمسلمين سفك دمائهم وأخذ أموالهم؛ جزاء لهم على نقضهم العهد، ويحصل نقض العهد بمخالفة شروط عقد الذمة معهم، مثل سب الله ـ جل وعلا ـ أو سب رسوله ﷺ أو دين الإسلام، أو الاستهزاء بشيء من ذلك، أو معاونة الكفار على المسلمين، أو التجسس على المسلمين، ونحو ذلك. أما المرتدون عن الإسلام إذا ثبتت ردتهم ثبوتا لا شك فيه فيستتابون ثلاثة أيام فإن تابوا قبل منهم، وإلا حكم عليهم بحد الردة وهو القتل. وأما المنافقون نفاقاً اعتقادياً فيعاملون معاملة المسلمين في الظاهر ولا يُباطنون، ومن أظهر نفاقه فهو مرتد يُعامل معاملة المرتدين. المفهوم اللغوي للموالاة والتولي: ... وإنا من لقائهم لزور ... لم يرد في القرآن الكريم، ولا في كتب الصحاح لفظ موالاة وإنما روى الطبراني في الكبير، عن ابن عباس ﵄ «أوثق عرى الإيمان، الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» اهـ. والموالاة مصدر (والى) يوالي موالاة. ... ولفظ الموالاة، أعم من التولي، حيث أن الموالاة هي المحبة بغض النظر عن درجة هذا الحب ومرتبته، فكل من أحببته وأعطيته، ابتداءً من غير مكافأة فقد أوليته، وواليته، والمعنى أي أدنيته إلى نفسك. ... ويقال: (والى بينهما ولاء) أي: تابع بينهما متابعة. ... أما التولي: فهو الموالاة المطلقة أي بمعنى تقديم كامل المحبة والنصرة للمُتولىَّ بحيث يكون المتولَّي مع المُتولَّى كالظل مع الجسم فهي ذروة الموالاة ومُنتهاها. ... قال ابن الأعرابي: الموالاة أن يتشاجر اثنان فيدخل بينهما ثالث للصلح ويكون له في أحدهما هوى، فيواليه أو يحابيه على الآخر اهـ. ووالى فلان فلانًا، إذا أحبه وقربه وأدناه إليه. ... يقول الأزهري: للموالاة معنى آخر، سمعت العرب تقول: (والوا حواشي نعمكم عن جلتها)

стр. 31

أي اعزلوا صغارها عن كبارها اهـ والتولي، مصدر تولي أي اتخذه وليا. ... فالتولي إذاً بمعنى الاتخاذ والاتباع المطلق وهو يعني الانقطاع الكامل في نصرة المتبع وتقريبه وتأييده، و (التولية) مصدر (ولى) أي انصرف ذاهبًا. ... وعلى هذا فالتولي أخص من الموالاة، فكل تولي داخل في مفهوم الموالاة وليس كل موالاة داخلة في مفهوم التولي كما أسلفنا. ... والتولي ورد بعدة معان في القرآن الكريم: ... منها النصرة كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). أي تنصروهم يعني أهل مكة، قال ذلك الفراء تفسيرًا لمعنى قوله (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ). ... وقال أبو منصور جعل التولي ههنا بمعنى النصرة، من الولي والمولى وهو الناصر والمعين اهـ. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ). قال ابن عباس: أي لا توالوهم، ولا تناصحوهم. اهـ. ... ويأتي التولي بمعنى الإدبار والإعراض، قال تعالى: (وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) أي تدبروا عما أدعوكم إليه ويأتي بمعنى قام وبدأ، قال تعالى في شأن قصة الإفك المعروفة: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي قام بمعظم ذلك القول وبدأ فيه. ... وتأتي كلمة (تولى) بمعنى ذهب وانصرف، قول الله تعالى: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) أي انصرف وذهب إليه. وتأتي بمعنى اتبع، قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ). وتأتي بمعنى استأخر وكن قريباً منه، قال تعالى: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ). أي استأخر غير بعيد أو كن قريبًا منهم. وتأتي كلمة (تولى) بمعنى فوض واتخذ قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) أي: من فوض أمره إلى الله وامتثل أمر رسوله ﷺ ووالى المسلمين على ذلك، فهو من حزب الله، وقيل: أي من يتخذ القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين فهو من حزب الله، وإن حزب الله لهم الغالبون. وتأتي، بمعنى عصى ويعصي، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا) أي يعصي الله ورسوله، فيتخلف عن قتال المشركين وتأتي كلمة (تولى) بمعنى يطيع، قال تعالى: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) أي: يطيعونه ويشركونه بالله. ... ولفظ (ولي) يأتي موافقاً لمعنى الموالاة التي هي المحبة والنصرة، في بعض استعمالاته، وإن كان يُستعمل في معان عديدة. ... والولي اسم من أسماء الله تعالى، والولي هو الناصر، وقيل: المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها. ... ومن أسمائه : الوالي، وهو المالك للأشياء جميعها المتصرف فيها. ... قال ابن الأثير: وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي اهـ. ... ومن استعمالات (الولي) بمعنى الناصر قول الله تعالى: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فالولي فعيل بمعنى فاعل، قال الخطابي: الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين اهـ. ... ويقال: تولاك الله، أي وليك الله، ويكون بمعنى نصرك الله.

стр. 32

ومنه قوله تعالى: (فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أي، وليه وناصره عليهم. ... وقال تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فمعنى (مَوْلانَا) أي: ناصرنا، وقال تعالى: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، فقوله: (أَنْتَ وَلِيِّي) أي: ناصري، وقال تعالى: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) أي نصيري وظهيري. ... وفي الحديث (اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولا). ... ويأتي ولي بمعني الاستيلاء والملك. ... و (الولي) يطلق ويراد به القريب في النسب، قال تعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أي كأنه قريب شفيق. ... و (المولى) يطلق ويراد به الناصر والمؤيد، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) أي أن الله ناصر وولي من آمن به، وأما الكافرون لا ناصر ولا ولي لهم. وقال تعالى: (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) أي وليكم وناصركم، ويطلق لفظ (المولى) ويراد به القريب قال تعالى: (يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي لا يدافع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحبه. ... ويطلق (المولى) ويراد به الحليف والمعين والنصير، وهو من انضم إليك فعز بعزك وامتنع بمنعتك، قال عامر الخصفي من بني خصفة: ... هم المولى وإن جنفوا علينا والمولى عموماً: اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو: الرب، والمالك، والسيد والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق، والمنعم عليه. ... وحفر هموا أن يعلموا ذاك دائب ... وكلمة (أولياء) جمع ولي، وتأتي بعدة معانٍ هي: ... . ... معنى النصرة أو الأنصار قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) أي أنصارًا، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أي: يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم. ... وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) أي أنصار ينصرونهم، ويحولون بينهم وبين الله وتأتي كلمة (أولياء) بمعنى أنصار، قال تعالى: (وَلَوْ كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَوْلِيَاءَ) أي يؤاخونهم بالمودة ويستنصرونهم. ... وترد كلمة (أولياء) بمعنى الخاصة والبطانة قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم، وقال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا) أي يتخذون الكافرين أعواناً وأنصارا يتعززون بهم، ويستنصرون. ... وتأتي كلمة (أولياء) بمعنى الاتحاد والتجانس، قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أي قلوبهم متحدة، في التواد والتحاب والتعاطف، غير ذلك من الأمور. ... وتطلق كلمة (أولياء) ويراد بها الأصنام قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).يعني أصناماً وقال تعالى: (أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) فمعنى (أولياء) أي أصناماً، و (الولاية) تُقرأ بالفتح والكسر قال تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لله

стр. 33

الْحَقِّ). ... قال ابن السكيت: الولاية بالكسر السلطان والإمارة والملك، والولاية بالفتح النصرة، يقال هم على ولاية، أي مجتمعون في النصرة اهـ. ... وقال سيبويه: الولاية بالفتح المصدر، والولاية بالكسر الاسم، مثل الإمارة والنقابة، لأنه اسم لما توليته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا وإذا أرادوا الاسم كسروا اهـ. ... وكان الكسائي يفتحها ويذهب بها إلى النصرة، وقال الفراء: سمعناها بالفتح وبالكسر في الولاية وفي معنييهما جميعًا، وأنشد هذا البيت: ... دعيهم فهم إلب على ولاية و (الولاية) القرابة والتصرف، الحاصلة بالسبب أو النسب، و (الولاء) بالكسر لغة: المتابعة، والموالاة عند الفقهاء، متابعة غسل الأعضاء على سبيل التعاقب، بحيث لا يجف العضو الأول قبل غسل الذي بعده. ... وقيل (الولاء) بالفتح النصرة والمحبة والتناصر، سواء كان ولاء عتاقة، أو ولاء موالاة. ... ومما تقدم نستنتج أنَّ معنى الموالاة والتولي في أغلب الأحايين هو المحبة، والمودة، والمتابعة، والقرابة، والنصرة وبهذا يتبين أن معاني الموالاة تختلف حسب السياق ويقال والى فلان فلاناً إذا أحبه واتبعه والولاية معناها النصرة والحماية والاتباع. ... وكل هذه المعاني القيمة، أراد الإسلام تحقيقها في واقع المسلمين وفي حياتهم العملية، وقد جسَّد هذا المعنى حديث رسول الله ﷺ في أوضح صورة وأسمى عبارة، فقال فيما روي عنه: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمَّى». المفهوم اللغوي للمعاداة: ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل.

стр. 34

المعاداة: مصدر عادى يعادي معاداة وعداء، والعداء مصدر عادى، أي خاصمه، وصار له عدوًّا، والعداوة: اسم بمعنى الخصومة، والمباعدة، والعدو، والعداوة، أخص من البغضاء، لأن كل عدو مبغض، وقد يُبغض من ليس بعدو. ... والعداوة: هي الشعور المتمكن في القلب في قصد الإضرار، وحب الانتقام. ... والعِدى: الأعداء الذين نقاتلهم، والعُدى، الأعداء الذين لا نقاتلهم. ... والعدو: ضد الولي، والجمع، أعداء، وجمع الجمع أعادي، قال سيبويه: عدو، وصف، ولكنه ضارع الاسم اهـ. ... ويقال: عدو بيَن العداوة والمعاداة، وعادى بين الصيد معاداة وعداء، أي والى وتابع بينهما في طلق واحد. ... والعدو: ضد الصديق، يطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى وقد يثنى ويجمع ويؤنث. ... و (العدوة) بالضم المكان المتباعد، وقيل حافة الوادي. قال تعالى: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى). ... والعدوان، الظلم الصراح، وقال الأصمعي: (العدوان) المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه. اهـ. ... والمعاداة بين رجلين، إذا طعنهما طعنتين متواليتين بسهم واحد، وأنشد الجوهري لامرئ القيس: ... فعادى عداء بين ثور ونعجة والعدو، والعداوة، والأعداء، والعدوان، كلها ورد استعمالها في القرآن الكريم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) وهذه الآية في حق أهل مكة المحاربون. ... صديقك إنَّ الود عنك لعازب ... وقال تعالى: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ). وقال تعالى: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا). وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ). وقال تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ).أي فلا قتال إلا على الذين لم ينتهوا من الظلم والشرك، وليس قتال المشركين ظلم إذا كان بضوابطه الشرعية، وإنما بقاؤهم على الشرك هو الظلم قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ... والعداوة: اسم عام من العدو، وتعادى القوم، أي تباعدوا وعادى بعضهم بعضاً من العداوة. ... والعادي: المعتدي والمتجاوز حده كقوله تعالى: (غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ). والمعاداة تأتي بمعنى الموالاة والمتابعة بين الأشياء، مثل تعادى القوم، مات بعضهم إثر بعض، في شهر واحد، أو في عام واحد، وتعادى القوم عليّ بنصرهم، أي تتابعوا وتوالوا. ... فالمعاداة إذاً تأتي في أغلب استعمالاتها، ويُراد بها البغض والكراهية وحب الانتقام، عكس الموالاة تماماً، التي هي تدل في أغلب استعمالاتها على المحبة والمودة والمتابعة والنصرة والقرابة. ... ولذلك فالموالاة والمعاداة بهذا المعنى المتقدم، ضدان لا يجتمعان، فوجود أحدهما ينفي الآخر لزومًا في حق ذات معينة، قال الشاعر: ... تحب عدوي، ثم تزعم أنني المفهوم اللغوي للبراءة: ... تعريف البراء في اللغة: وأما بَرِئ، فبمعنى: تَنَزَّهَ وتباعَدَ، فالتباعُدُ من الشيء ومزايلتُه هو أحدُ أَصْلَيْ معنى هذه الكلمة، والأصل الثاني هو: الخَلْقُ، ومنه اسمه تعالى (البارئ). ... ومن الأصل الأول (وهو التباعُدُ من الشيء ومُزَايلته): البُرْءُ هو السلامة من المرض، والبراءةُ من العيب والمكروه. ... وليلة البراء: ليلة يتبرأ القمر من الشمس، وهي أول ليلة من الشهر. ... قال ابن الأعرابي: برئ إذا تخلص، وبرئ، إذا تنزه وتباعد، وبرئ: إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ﴿أي إعذار وإنذار. ... وفي حديث أبي هريرة ﵁ لما دعاه عمر إلى العمل فأبى قال عمر: إن يوسف قد سأل العمل، فقال أبو هريرة: إن يوسف مني برئ وأنا منه براء , أي برئ عن مساواته في الحكم وأن أقاس به، ولم يرد براءة الولاية والمحبة لأنه مأمور بالإيمان به. ... والبَرَاءُ: مصدر بَرِئتُ، ولأنه مصدر فلا يُجمع ولا يُثَنَّى ولا يؤنّث، فتقول: رجُلٌ بَرَاء، ورجلان بَرَاء، ورجالٌ بَرَاء، وامرأةُ بَرَاء. أمّا إذا قُلتَ: بريءٌ، تجمع، وتثني، وتؤنث، فتقول للجمع: بريؤون وبِراء (بكسر الباء)، وللمثنى بريئان، وللمؤنث بريئة وبريئات.

стр. 35

المفهوم الشرعي للموالاة والبراءة والمعاداة: ... لقد تحدث جمع من أفاضل العلماء عن المفهوم الشرعي للموالاة والتولي والمعاداة، بصيغ متعددة تختلف ألفاظها، وإن كان هناك توافق وتطابق في بعض المعاني المقصودة بهذه الصيغ، وهذه التعاريف هي كما يلي: ... أولاً: يعرف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، الموالاة والمعاداة فيقول: أصل الموالاة: الحب، وأصل المعاداة، البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة , والمعاداة، كالنصرة والأنس، والمعاونة والجهاد، والهجرة ونحو ذلك من الأعمال اهـ. ... ثانياً: يقول الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، أن الموالاة هي: الموافقة والمناصرة والمعاونة، والرضا بأفعال من يواليهم، وهذه هي الموالاة العامة، التي إذا صدرت من مسلم لكافر اعتبر صاحبها كافراً اهـ. ... ثالثاً: قال بعض أهل العلم أن الولاء في الله هو: محبة الله ونصرة دينه، ومحبة أوليائه ونصرتهم. والبراء هو: بغض أعداء الله ومجاهدتهم. ... رابعاً: بعض أهل العلم عرف الولاء والولاية بأنه النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً. ... وقالوا أن تعريف البراء: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار. ... خامساً: تعريف الولاء والبراء عند شيخ الإسلام ابن تيمية: يقول ابنُ تيميَّة ﵀: " (الولاية) ضد العَداوة، وأصل الولاية المحبَّة والقُرب، وأصل العداوة البغض والبعد، وقد قيل: إنَّ الولي سُمِّي وليًّا من موالاته للطاعات؛ أي: متابعته لها، والأول أصَحُّ، والولِيُّ: القريب، فيقال: هذا يلي هذا؛ أي: يقرب منه، ومنه قوله ﷺ : ((ألحقوا الفرائض بأهلِها، فما أبقت الفرائض فَلأَوْلَى رجلٍ ذَكَر))؛ أي: لأقرب رجل إلى الميت، فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه، ويأمر به وينهى عنه - كان المعادي لوليه مُعاديًا له؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، فمَن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومَن عاداه فقد حارَبَهُ، فلهذا قال: ((ومَن عادى لي وليًّا، فقد بارَزَنِي بالمُحَاربة)). ... ويقول ابن سعدي ﵀: (ولما عقد الله الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى وملحدين ومشركين وغيرهم؛ كان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين: أنَّ كل مؤمن موحِّد تارك لجميع المكفرات الشرعية تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان، وحيث أن الولاء والبراء تابعان للحب والبغض؛ فإن أصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه وأتباعهم، وتبغض في الله أعداءه وأعداء رسله) [الفتاوى السعدية، الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، (١/ ٩٨)]. ... وقد ورد عن ابن عباس ﵄ قوله (من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً) , والحب والبغض هما أصلا الموالاة والمعاداة وأصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة هي البغض فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق والتباغض يوجب

стр. 36

التباعد والاختلاف, والموالاة هي لازم الحب والمعاداة هي لازم البغض. ... ومما سبق بيانه يتضح لي، أن الاختلاف في تعريف الموالاة، هو اختلاف لفظي، مع تطابق أكثر المعاني المقصودة لكل منهم وأما تعريف المعاداة والبراء فالذي يظهر لي أن بعض أهل العلم يرى أن البراء والمعاداة شيء واحد إلا أن الذي أراه والله أعلم أن البراء شيء والمعاداة شيء آخر فالبراء يكون في حق الكافر المسالم للدين وأهله وأما المعاداة فتكون في حق الكفار المحاربين للدين وأهله. ... تعريف الولاء والبراء والعداء على المذهب المختار: ... بالنظر في أدّلة الكتاب والسنّة وُجد أن معتقد الولاء والبراء والمعاداة يرجع إلى معنيين اثنين بالتحديد في الولاء، هما: الحُبُّ في الله والنُّصْرةُ على الدين، وضِدُّهما في البراء. ... ولا يخفى أن هذِين المعنيين من معانيهما في اللغة، كما سبق بيانه. ... وعلى هذا فالولاء شرعاً هو: حُبُّ الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعِه المسلمين، ونُصْرةُ الله تعالى ورسولِه ودينِ الإسلام وأتباعِه المسلمين. ... والبراء هو: بُغْضُ الطواغيت التي تُعبَدُ من دون الله تعالى (من الأصنام الماديّة والمعنويّة كالأهواء والآراء)، وبُغْضُ الكفر (بجميع ملله) وأتباعِه الكافرين، والبراءة من ذلك كله وهذا في حق مجموعهم. ... أما المعاداة لغوياً: فهي ليست مجرد بغض بل هو شعور متمكن ينبعث من داخل النفس، لقصد الإضرار وحب الانتقام بالقول والفعل والاعتقاد، لمن يعتقده الإنسان عدواً له والعداوة، أخص من البغضاء، لأن كل عدو مبغض، وقد يُبغض من ليس بعدو. ... وأما المعاداة في الله اصطلاحاً: فهي بغض أعداء الله المحاربين ومجاهدتهم. ... وبذلك نعلم، أننا عندما نقول إن ركني الولاء والبراء هما: الحب والنصرة في الولاء، والبغض في البراء، والبغض والعداوة في المعاداة , فنحن نعني بالنصرة وبالعداوة هنا النصرة القلبيّةَ والعداوةَ القلبيّة، أي تمنِّي انتصار الإسلام وأهله وتمنِّي اندحار الكفر وأهله أمّا النصرة العملية والعداوة العمليّة فهما ثمرةٌ لذلك المعتقد، لا بُدّ من ظهورها على الجوارح. الفرق بين الموالاة والتولي في المفهوم الشرعي ومناط التكفير فيهما: ... هو الجهل في حكم الموالاة عن زلل ... اختلف أهل العلم في الفرق بين الموالاة والتولي فمنهم من يرى أن التولي مرادف لمعنى الموالاة سواء بسواء، كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ ولذلك فهو يستعملهما على أنهما لفظان مترادفان فيقول عن التولي عند تفسيره لقول الله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: ٩]: إن الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً كان ذلك كفراً مُخرجاً عن الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه اهـ. ... ومنهم من يرى أن هنالك فرق بين الموالاة والتولي وفي هذا يقول الشيخ سليمان بن سحمان حيث يقول نظمًا: ... وأصل بلاء القوم حيث تورطوا فما فرقوا بين التولي وحكمه ... وبين الموالاة التي هي في العمل أخف ومنها ما يكفر فعله ... ومنها يكون دون ذلك في الخلل ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: (إن الموالاة تنقسم إلى قسمين:

стр. 37

أولاً: موالاة مطلقة عامة، وهذه كفر صريح، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي لأجل الدين، وعلى ذلك تُحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كفر. ثانياً: موالاة خاصة، وهي موالاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سر رسول الله ﷺ في غزو مكة كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة اهـ. ومثل كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في تقسيم الموالاة إلى مطلقة وخاصة، كلام القرطبي وابن العربي وسليمان بن عبد الله ابن عبد الوهاب والشيخ حمد بن علي بن عتيق. وعلى قول هؤلاء جميعًا: أن الموالاة المطلقة العامة، مرادفة لمعنى التولي، وهي بهذا الوصف كفر وردة، ومنها ما هو دون ذلك، بمراتب، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم، بحسب نية الفاعل وقصده. ومما سبق بيانه يتضح لي، أن الاختلاف في التفريق بين الموالاة والتولي، هو اختلاف لفظي، مع تطابق المعاني المقصودة لكل منهم. والذي أميل إليه أن مصطلح التولي، أخص من مصطلح الموالاة، وعلى هذا يدل ظاهر القرآن والله أعلم , حيث أن التولي يفيد معنى الاتخاذ والالتزام الكامل بمن يتولاه، بخلاف الموالاة التي تدل على المحبة والمتابعة بدرجات متفاوتة ولذلك جاء تعبير القرآن الكريم بالنهي عن تولي الكفار قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: ٥١] وأمر بتولي المؤمنين فإن توليهم، أقوى من مجرد الموالاة الجزئية لهم، وإن كانت الموالاة العامة للمؤمنين أو الكفار تلتقي مع التولي. قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) وهذا ما قال به جمهور العلماء، ما عدا ابن سعدي الذي يرى أن مصطلح التولي يُرادف مصطلح الموالاة، دون أن يذكر مستنداً لغوياً أو شرعياً لما ذهب إليه، مما يجعل القول، بأن مصطلح التولي ومصطلح الموالاة بينهما عموم وخصوص، وهذا هو القول الراجح. وعلى هذا فخلاصة الفرق بين الموالاة والتولي في المفهوم الشرعي: أن التولي ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: تولي لأجل الدين: وهو الدفاع عن الكفار، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي لأجل دينهم وهذا كفر صريح يُخرج من الملة الإسلامية ويُعتبر هذا التولي موالاة مطلقة. القسم الثاني: تولي لأجل الدنيا: وهو الدفاع عن الكفار، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي لأجل غرض دنيوي مع عدم إضمار نية الكفر والردة عن الإسلام باستثناء التقية والإكراه طبعاً كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عندما كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ وفي هذا الشأن قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ... إلى قوله (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) فمثل هذا الفعل يُعتبر كبيرة من كبائر الذنوب، ويُخشى على صاحبه الكفر علماً بأن حاطب ﵁ الذي أنزلت الآيات في حقه له اعتبارات خاصة، مثل كونه من أهل بدر، وسبقه إلى الإسلام، وسلامة قصده، ولذلك فقد عفا الله عنه. وأما الموالاة فهي المحبة بغض النظر عن درجتها فكل من أحببته وأعطيته، ابتداءً من غير مكافأة فقد أوليته، وواليته، والمعنى أي أدنيته إلى نفسك ومسمى الموالاة لأعداء الله يقع على

стр. 38

شعب متفاوتة منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات ومنها ما هو مختلف فيه بين الحل والحرمة. وأما الموالاة المطلقة العامة للكفار فهي ناقضة للإسلام وهي كل تولي للكفار لدينهم أو محبتهم لكفرهم أو المحبة والرضا بكفرهم وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح مذهبهم أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين أو استباحة الموالاة المحرمة لهم أو ارتكاب ناقض من نواقض الإسلام مداراة لهم ولطلب رضاهم ولتجنب غضبهم ولا يُستثنى من ذلك أحد إلا المُكره وذلك أن موافقة الكفار فيما يوجب الكفر الأكبر ظاهراً دون الباطن مداراة لخواطر الكفرة مع عدم الإلجاء والضرورة القصوى هو كفر أكبر كما نص على ذلك أهل العلم كالاستهزاء بالرسل أو الاستهزاء بالدين أو سب الله تعالى أو ملائكته أو رمي المصحف في النفايات ونحو ذلك لإرضاء الكفار فهذا كفر أكبر ولو كان الحامل على ذلك حظ من حظوظ الدنيا. وأما مناط التكفير في باب الولاء والبراء: أقول أن مناط التكفير في الولاء والبراء هو على عمل القلب لا على آثاره وثمراته فإذا اجتمعا حكم به وإذا اختلفا فالحكم لعمل القلب دون عمل الجوارح فحب الكافر لكفره أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين هذا هو الكفر في باب الولاء والبراء. وبناءً على ماتقدم يتبين ما يلي: أولاً: أن هناك فرق بين الموالاة والتولي التولي أخص من الموالاة , فكل تولي داخل في الموالاة وليس كل موالاة داخلة في التولي. ثانياً: أن ضابط التولي هو نصرة الكافر على المسلم وقت حرب المسلم والكافر قاصداً ظهور الكفار على المسلمين. ثالثاً: أن مناط التكفير في الولاء والبراء هو عمل القلب فحب الكافر لكفره أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين هذا هو الكفر في باب الولاء والبراء. حقيقة قول من يقول أن تحقيق الولاء والبراء قد يؤدي إلى نفور الكفار من الإسلام: ليس الأمر كذلك؛ فإن الله تعالى هو أرحم الراحمين، وهو سبحانه أحكم الحاكمين؛ حيث شرع بغض الكفار وعداوتهم) أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ (، ويقول ابن القيم ﵀ (بل إن المشركين، وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالإسلام عظموه وأكرموه ... انتهى). ويقول ابن تيمية: ( .... مثل الآصار والأغلال التي على أهل الكتاب وإذلال المسلمين لهم، وأخذ الجزية منهم، فهذا قد يكون داعياً له أن ينظر في اعتقاده هل هو حق أو باطل؟ حتى يتبين له الحق، وقد يكون مرغباً له في اعتقاد يخرج به من هذا البلاء، وكذلك قهر المسلمين عدوهم بالأسر يدعوهم للنظر في محاسن الإسلام ... انتهى). فلا يُتوهَم أن تحقيق شعيرة البراءة من الكافرين وعداوتهم يؤول إلى مجانبة الإسلام، بل إن الالتزام بهذه الشعيرة وسائر شرائع الإسلام سبب في ظهور الإسلام وقبوله، كما وقع في القرون المفضلة، ومن ذلك أن اليهود خافت وذلت من يوم قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة ﵁. ويقول ابن تيمية): وكان عدد من المشركين يكفُّون عن أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان بن ثابت؛ حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيدة، فيخرجونه من عندهم، حتى لم يبق بمكة من يؤويه ... انتهى (. وجاء في سيرة ابن هشام " إن

стр. 39

رسول الله ﷺ قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه "، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سُنَيْنَة رجل من تجار اليهود يبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يُسلم، وكان أسنّ من محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله! أقتلته؟ أما والله لربّ شحم في بطنك من ماله، قال محيصة: والله! لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، قال: فو الله إن كان لأول إسلام حويصة، قال: آلله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم! والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب. فأسلم حويصة). اختلاف موقف الشرع من مجموع الكفار وآحادهم: لا شك أن موقف الشرع من مجموع الكفار يختلف عن موقفه من آحادهم دل على ذلك قول النبي ﷺ في حق الهجرة من مجموع وعموم الكفار: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين). وصح عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: يا رسول الله بايعني واشترط فقال له رسول الله ﷺ : (تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين) أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وقال ﵊: (لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم؛ أو يفارق المشركين) والمعنى حتى يفارق المشركين, وهذه الأحاديث في حق مجموع الكفار وقال بعضهم كانت في بداية الإسلام يوم أن كانت الهجرة للمدينة واجبة , أما موقف الشرع من آحاد الكفار فمنهم من لا يجوز هجره لأمر الله بمصاحبته في الدنيا معروفا , والمصاحبة في الدنيا معروفا تستلزم الصلة وعدم المهاجرة , قال تعالى في حق الوالدين المشركين (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) , وقال تعالى لنبيه ﵊ في حق مجموع المنافقين (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) , وقال النبي ﵊ لعبد الله ابن رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول لمَا استأذنه الابن الصالح بقتل أبيه لأذاه لرسول الله " لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته " ونص الحديث ما يلي فعن أبي هريرة قال: مر رسول ﷺ على عبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل فقال: قد غبر علينا ابن أبي كبشة، فقال ابنه عبد الله: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لأتيتك برأسه فقال النبي ﷺ : " لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته ". رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به زيد بن بشر الحضرمي، قال أبو السعادات الشيباني في جامع الأصول في أحاديث الرسول عن زيد بن بشر وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات. وقال تعالى في حق مجموع الكفار (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) , وقال كذلك في حق مجموع اليهود والنصارى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) , وقال في حق الزوجة العفيفة الحرة النصرانية واليهودية (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا

стр. 40

آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) ومن المعلوم أن الزواج من الكتابية يستلزم مودتها أو على الأقل إباحة مودتها والتي أشار الله إليها -جل وعلا- في كتابه (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) , وقال تعالى في حق ما يُضمره نبيه ﵊ تجاه عمه أبي طالب (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) على أحد التفسيرين للآية وهو الأظهر. محل مشروعية البراءة من المعصية دون العاصي: تكون البراءة من المعصية دون فاعل المعصية ولو كانت هذه المعصية كفراً أكبر إذا كان فاعل المعصية معذوراً عند الله إما بالتأول أو الجهل الذي ليس فيه تفريط أو نسيان أو خطأ أو هذيان أو نحو ذلك , فعن عبد الله بن عمر ﵄: قال: «بعثَ النبيُّ ﷺ خالدَ بنَ الوليد إِلى بني جَذِيمةَ، فدعاهم إِلى الإِسلام، فلم يُحسِنُوا أن يقولوا: أسْلَمْنا، فجعلوا يقولون: صَبَأْنَا، صَبَأْنَا، فجعل خالد بن الوليد يقتل ويأسر، ودفع إِلى كُلِّ رجل مِنَّا أسيرَهُ، فقلتُ: والله، لا أقتلُ أسيري، ولا يَقْتُلُ رجل من أصحابي أسيرَهُ، حتى قَدِمْنا على رسولِ الله ﷺ ، وذكرناه، فرفع يَدَيْهِ، فقال: اللهم إِني أبْرَأْ إِليك مما صنع خالد - مرتين -». أخرجه البخاري، والنسائي. فهنا رسول الله ﵊ تبرأ مما صنع خالد ومن عمله ﵁ دون شخص خالد , وذلك لأن خالد كان متأولاً معذوراً عند الله. فقه المحبة إجمالاً: المحبة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: محبة عبادة وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يتمثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فهو مشرك شركاً أكبر, ويُعبَر العلماء عنها بالمحبة الخاصة , ومحبة الله على درجتين: إحداهما: فرض، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة، والانتهاء عن زواجره المحرمة، والصبر على مقدوراته المؤلمة، فهذا القدر لا بد منه في محبة الله، وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه الله لنقص محبة الله الواجبة في القلوب، وتقديم الهوى والنفس على محبته، وبذلك ينقص الإيمان. والدرجة الثانية من المحبة: وهي فضل المتسحب أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات، والرضا بالأقضية المؤلمات. القسم الثاني: محبة مشتركة ليست بعبادة في ذاتها وهذه نوعان: النوع الأول: المحبة لله وفي الله وهي محمودة: وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله أي كون الشيء محبوباً لله تعالى من أشخاص كالأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، أو أعمال كالصلاة والزكاة وأعمال الخير, وميزان المحبة للأشخاص الخالصة لله: أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء. النوع الثاني: محبة لغير الله وهي صورتين: الأولى: مذمومة وهي محبة ما يبغضه الله من كفر وفسوق وعصيان, ومحبة الشخص الكافر لكفره كفر أو الفاسق لفسقه , فمحبّة الشخص الكافر لكفره فهذه كفر , وأما محبّة
следующие страницы →