Полный текст (121 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
التباعد والاختلاف, والموالاة هي لازم الحب والمعاداة هي لازم البغض. ... ومما سبق بيانه يتضح لي، أن الاختلاف في تعريف الموالاة، هو اختلاف لفظي، مع تطابق أكثر المعاني المقصودة لكل منهم وأما تعريف المعاداة والبراء فالذي يظهر لي أن بعض أهل العلم يرى أن البراء والمعاداة شيء واحد إلا أن الذي أراه والله أعلم أن البراء شيء والمعاداة شيء آخر فالبراء يكون في حق الكافر المسالم للدين وأهله وأما المعاداة فتكون في حق الكفار المحاربين للدين وأهله. ... تعريف الولاء والبراء والعداء على المذهب المختار: ... بالنظر في أدّلة الكتاب والسنّة وُجد أن معتقد الولاء والبراء والمعاداة يرجع إلى معنيين اثنين بالتحديد في الولاء، هما: الحُبُّ في الله والنُّصْرةُ على الدين، وضِدُّهما في البراء. ... ولا يخفى أن هذِين المعنيين من معانيهما في اللغة، كما سبق بيانه. ... وعلى هذا فالولاء شرعاً هو: حُبُّ الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعِه المسلمين، ونُصْرةُ الله تعالى ورسولِه ودينِ الإسلام وأتباعِه المسلمين. ... والبراء هو: بُغْضُ الطواغيت التي تُعبَدُ من دون الله تعالى (من الأصنام الماديّة والمعنويّة كالأهواء والآراء)، وبُغْضُ الكفر (بجميع ملله) وأتباعِه الكافرين، والبراءة من ذلك كله وهذا في حق مجموعهم. ... أما المعاداة لغوياً: فهي ليست مجرد بغض بل هو شعور متمكن ينبعث من داخل النفس، لقصد الإضرار وحب الانتقام بالقول والفعل والاعتقاد، لمن يعتقده الإنسان عدواً له والعداوة، أخص من البغضاء، لأن كل عدو مبغض، وقد يُبغض من ليس بعدو. ... وأما المعاداة في الله اصطلاحاً: فهي بغض أعداء الله المحاربين ومجاهدتهم. ... وبذلك نعلم، أننا عندما نقول إن ركني الولاء والبراء هما: الحب والنصرة في الولاء، والبغض في البراء، والبغض والعداوة في المعاداة , فنحن نعني بالنصرة وبالعداوة هنا النصرة القلبيّةَ والعداوةَ القلبيّة، أي تمنِّي انتصار الإسلام وأهله وتمنِّي اندحار الكفر وأهله أمّا النصرة العملية والعداوة العمليّة فهما ثمرةٌ لذلك المعتقد، لا بُدّ من ظهورها على الجوارح.
الفرق بين الموالاة والتولي في المفهوم الشرعي ومناط التكفير فيهما: ... هو الجهل في حكم الموالاة عن زلل ... اختلف أهل العلم في الفرق بين الموالاة والتولي فمنهم من يرى أن التولي مرادف لمعنى الموالاة سواء بسواء، كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ ولذلك فهو يستعملهما على أنهما لفظان مترادفان فيقول عن التولي عند تفسيره لقول الله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: ٩]: إن الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً كان ذلك كفراً مُخرجاً عن الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه اهـ. ... ومنهم من يرى أن هنالك فرق بين الموالاة والتولي وفي هذا يقول الشيخ سليمان بن سحمان حيث يقول نظمًا: ... وأصل بلاء القوم حيث تورطوا
فما فرقوا بين التولي وحكمه ... وبين الموالاة التي هي في العمل
أخف ومنها ما يكفر فعله ... ومنها يكون دون ذلك في الخلل
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: (إن الموالاة تنقسم إلى قسمين:
стр. 37
أولاً: موالاة مطلقة عامة، وهذه كفر صريح، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي لأجل الدين، وعلى ذلك تُحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كفر.
ثانياً: موالاة خاصة، وهي موالاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سر رسول الله ﷺ في غزو مكة كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة اهـ.
ومثل كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في تقسيم الموالاة إلى مطلقة وخاصة، كلام القرطبي وابن العربي وسليمان بن عبد الله ابن عبد الوهاب والشيخ حمد بن علي بن عتيق.
وعلى قول هؤلاء جميعًا: أن الموالاة المطلقة العامة، مرادفة لمعنى التولي، وهي بهذا الوصف كفر وردة، ومنها ما هو دون ذلك، بمراتب، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم، بحسب نية الفاعل وقصده.
ومما سبق بيانه يتضح لي، أن الاختلاف في التفريق بين الموالاة والتولي، هو اختلاف لفظي، مع تطابق المعاني المقصودة لكل منهم.
والذي أميل إليه أن مصطلح التولي، أخص من مصطلح الموالاة، وعلى هذا يدل ظاهر القرآن والله أعلم , حيث أن التولي يفيد معنى الاتخاذ والالتزام الكامل بمن يتولاه، بخلاف الموالاة التي تدل على المحبة والمتابعة بدرجات متفاوتة ولذلك جاء تعبير القرآن الكريم بالنهي عن تولي الكفار قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: ٥١] وأمر بتولي المؤمنين فإن توليهم، أقوى من مجرد الموالاة الجزئية لهم، وإن كانت الموالاة العامة للمؤمنين أو الكفار تلتقي مع التولي. قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) وهذا ما قال به جمهور العلماء، ما عدا ابن سعدي الذي يرى أن مصطلح التولي يُرادف مصطلح الموالاة، دون أن يذكر مستنداً لغوياً أو شرعياً لما ذهب إليه، مما يجعل القول، بأن مصطلح التولي ومصطلح الموالاة بينهما عموم وخصوص، وهذا هو القول الراجح.
وعلى هذا فخلاصة الفرق بين الموالاة والتولي في المفهوم الشرعي:
أن التولي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: تولي لأجل الدين: وهو الدفاع عن الكفار، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي لأجل دينهم وهذا كفر صريح يُخرج من الملة الإسلامية ويُعتبر هذا التولي موالاة مطلقة.
القسم الثاني: تولي لأجل الدنيا: وهو الدفاع عن الكفار، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي لأجل غرض دنيوي مع عدم إضمار نية الكفر والردة عن الإسلام باستثناء التقية والإكراه طبعاً كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عندما كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ وفي هذا الشأن قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ... إلى قوله (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) فمثل هذا الفعل يُعتبر كبيرة من كبائر الذنوب، ويُخشى على صاحبه الكفر علماً بأن حاطب ﵁ الذي أنزلت الآيات في حقه له اعتبارات خاصة، مثل كونه من أهل بدر، وسبقه إلى الإسلام، وسلامة قصده، ولذلك فقد عفا الله عنه.
وأما الموالاة فهي المحبة بغض النظر عن درجتها فكل من أحببته وأعطيته، ابتداءً من غير مكافأة فقد أوليته، وواليته، والمعنى أي أدنيته إلى نفسك ومسمى الموالاة لأعداء الله يقع على
стр. 38
شعب متفاوتة منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات ومنها ما هو مختلف فيه بين الحل والحرمة. وأما الموالاة المطلقة العامة للكفار فهي ناقضة للإسلام وهي كل تولي للكفار لدينهم أو محبتهم لكفرهم أو المحبة والرضا بكفرهم وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح مذهبهم أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين أو استباحة الموالاة المحرمة لهم أو ارتكاب ناقض من نواقض الإسلام مداراة لهم ولطلب رضاهم ولتجنب غضبهم ولا يُستثنى من ذلك أحد إلا المُكره وذلك أن موافقة الكفار فيما يوجب الكفر الأكبر ظاهراً دون الباطن مداراة لخواطر الكفرة مع عدم الإلجاء والضرورة القصوى هو كفر أكبر كما نص على ذلك أهل العلم كالاستهزاء بالرسل أو الاستهزاء بالدين أو سب الله تعالى أو ملائكته أو رمي المصحف في النفايات ونحو ذلك لإرضاء الكفار فهذا كفر أكبر ولو كان الحامل على ذلك حظ من حظوظ الدنيا.
وأما مناط التكفير في باب الولاء والبراء:
أقول أن مناط التكفير في الولاء والبراء هو على عمل القلب لا على آثاره وثمراته فإذا اجتمعا حكم به وإذا اختلفا فالحكم لعمل القلب دون عمل الجوارح فحب الكافر لكفره أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين هذا هو الكفر في باب الولاء والبراء.
وبناءً على ماتقدم يتبين ما يلي:
أولاً: أن هناك فرق بين الموالاة والتولي التولي أخص من الموالاة , فكل تولي داخل في الموالاة وليس كل موالاة داخلة في التولي.
ثانياً: أن ضابط التولي هو نصرة الكافر على المسلم وقت حرب المسلم والكافر قاصداً ظهور الكفار على المسلمين.
ثالثاً: أن مناط التكفير في الولاء والبراء هو عمل القلب فحب الكافر لكفره أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين هذا هو الكفر في باب الولاء والبراء.
حقيقة قول من يقول أن تحقيق الولاء والبراء قد يؤدي إلى نفور الكفار من الإسلام:
ليس الأمر كذلك؛ فإن الله تعالى هو أرحم الراحمين، وهو سبحانه أحكم الحاكمين؛ حيث شرع بغض الكفار وعداوتهم) أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ (، ويقول ابن القيم ﵀ (بل إن المشركين، وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالإسلام عظموه وأكرموه ... انتهى).
ويقول ابن تيمية: ( .... مثل الآصار والأغلال التي على أهل الكتاب وإذلال المسلمين لهم، وأخذ الجزية منهم، فهذا قد يكون داعياً له أن ينظر في اعتقاده هل هو حق أو باطل؟ حتى يتبين له الحق، وقد يكون مرغباً له في اعتقاد يخرج به من هذا البلاء، وكذلك قهر المسلمين عدوهم بالأسر يدعوهم للنظر في محاسن الإسلام ... انتهى).
فلا يُتوهَم أن تحقيق شعيرة البراءة من الكافرين وعداوتهم يؤول إلى مجانبة الإسلام، بل إن الالتزام بهذه الشعيرة وسائر شرائع الإسلام سبب في ظهور الإسلام وقبوله، كما وقع في القرون المفضلة، ومن ذلك أن اليهود خافت وذلت من يوم قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة ﵁. ويقول ابن تيمية): وكان عدد من المشركين يكفُّون عن أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان بن ثابت؛ حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيدة، فيخرجونه من عندهم، حتى لم يبق بمكة من يؤويه ... انتهى (. وجاء في سيرة ابن هشام " إن
стр. 39
رسول الله ﷺ قال:
"من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه "، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سُنَيْنَة
رجل من تجار اليهود يبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يُسلم، وكان أسنّ من محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله! أقتلته؟ أما والله لربّ شحم في بطنك من ماله، قال محيصة: والله! لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، قال: فو الله إن كان لأول إسلام حويصة، قال: آلله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم! والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب. فأسلم حويصة).
اختلاف موقف الشرع من مجموع الكفار وآحادهم:
لا شك أن موقف الشرع من مجموع الكفار يختلف عن موقفه من آحادهم دل على ذلك قول النبي ﷺ في حق الهجرة من مجموع وعموم الكفار: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين). وصح عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: يا رسول الله بايعني واشترط فقال له رسول الله ﷺ : (تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين) أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وقال ﵊: (لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم؛ أو يفارق المشركين) والمعنى حتى يفارق المشركين, وهذه الأحاديث في حق مجموع الكفار وقال بعضهم كانت في بداية الإسلام يوم أن كانت الهجرة للمدينة واجبة , أما موقف الشرع من آحاد الكفار فمنهم من لا يجوز هجره لأمر الله بمصاحبته في الدنيا معروفا , والمصاحبة في الدنيا معروفا تستلزم الصلة وعدم المهاجرة , قال تعالى في حق الوالدين المشركين (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) , وقال تعالى لنبيه ﵊ في حق مجموع المنافقين (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) , وقال النبي ﵊ لعبد الله ابن رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول لمَا استأذنه الابن الصالح بقتل أبيه لأذاه لرسول الله " لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته " ونص الحديث ما يلي فعن أبي هريرة قال: مر رسول ﷺ على عبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل فقال: قد غبر علينا ابن أبي كبشة، فقال ابنه عبد الله: والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لأتيتك برأسه فقال النبي ﷺ : " لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته ". رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به زيد بن بشر الحضرمي، قال أبو السعادات الشيباني في جامع الأصول في أحاديث الرسول عن زيد بن بشر وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات.
وقال تعالى في حق مجموع الكفار (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) , وقال كذلك في حق مجموع اليهود والنصارى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) , وقال في حق الزوجة العفيفة الحرة النصرانية واليهودية (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا
стр. 40
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) ومن المعلوم أن الزواج من الكتابية يستلزم مودتها أو على الأقل إباحة مودتها والتي أشار الله إليها -جل وعلا- في كتابه (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) , وقال تعالى في حق ما يُضمره نبيه ﵊ تجاه عمه أبي طالب (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) على أحد التفسيرين للآية وهو الأظهر.
محل مشروعية البراءة من المعصية دون العاصي:
تكون البراءة من المعصية دون فاعل المعصية ولو كانت هذه المعصية كفراً أكبر إذا كان فاعل المعصية معذوراً عند الله إما بالتأول أو الجهل الذي ليس فيه تفريط أو نسيان أو خطأ أو هذيان أو نحو ذلك , فعن عبد الله بن عمر ﵄: قال: «بعثَ النبيُّ ﷺ خالدَ بنَ الوليد إِلى بني جَذِيمةَ، فدعاهم إِلى الإِسلام، فلم يُحسِنُوا أن يقولوا: أسْلَمْنا، فجعلوا يقولون: صَبَأْنَا، صَبَأْنَا، فجعل خالد بن الوليد يقتل ويأسر، ودفع إِلى كُلِّ رجل مِنَّا أسيرَهُ، فقلتُ: والله، لا أقتلُ أسيري، ولا يَقْتُلُ رجل من أصحابي أسيرَهُ، حتى قَدِمْنا على رسولِ الله ﷺ ، وذكرناه، فرفع يَدَيْهِ، فقال: اللهم إِني أبْرَأْ إِليك مما صنع خالد - مرتين -». أخرجه البخاري، والنسائي. فهنا رسول الله ﵊ تبرأ مما صنع خالد ومن عمله ﵁ دون شخص خالد , وذلك لأن خالد كان متأولاً معذوراً عند الله.
فقه المحبة إجمالاً:
المحبة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: محبة عبادة وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يتمثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فهو مشرك شركاً أكبر, ويُعبَر العلماء عنها بالمحبة الخاصة , ومحبة الله على درجتين: إحداهما: فرض، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة، والانتهاء عن زواجره المحرمة، والصبر على مقدوراته المؤلمة، فهذا القدر لا بد منه في محبة الله، وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه الله لنقص محبة الله الواجبة في القلوب، وتقديم الهوى والنفس على محبته، وبذلك ينقص الإيمان.
والدرجة الثانية من المحبة: وهي فضل المتسحب أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات، والرضا بالأقضية المؤلمات.
القسم الثاني: محبة مشتركة ليست بعبادة في ذاتها وهذه نوعان:
النوع الأول: المحبة لله وفي الله وهي محمودة: وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله أي كون الشيء محبوباً لله تعالى من أشخاص كالأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، أو أعمال كالصلاة والزكاة وأعمال الخير, وميزان المحبة للأشخاص الخالصة لله: أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء.
النوع الثاني: محبة لغير الله وهي صورتين:
الأولى: مذمومة وهي محبة ما يبغضه الله من كفر وفسوق وعصيان, ومحبة الشخص الكافر لكفره كفر أو الفاسق لفسقه , فمحبّة الشخص الكافر لكفره فهذه كفر , وأما محبّة
стр. 41
الشخص كافراً كان أو مسلماً لِفسْقِه أو لمعصيةٍ يقترفها , فهذا إثمٌ ولاشك، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر لكونه لا ينافي أصل الإيمان؛ وهذا الحبّ قد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، وقد لا يكون كذلك، بحسب حال المحبوب ومعصيته، فمن أحبّ محبوباً لارتكابه الكبائر، فهذا الحب كبيرة، ومن أحبّه لصغيرة يرتكبها، فلا يزيد إثمه على إثم من ارتكبها.
ملاحظة مهمة: نحن نتكلم هنا عن مجرد إضمار المحبة للكافر والفاسق لا إظهار مقتضيات هذه المحبة وآثارها.
الثاني: المحبة الطبيعية كحبّ الوالد لولده، أو الوَلَدِ لوالديه، أو الرجل لزوجته، أو المرْءِ لمن أحسنَ إليه وأعانه، أو محبة المشتركين في صناعة أو تجارة، والطلبة بعضهم لبعض والأُنس والألف بينهم فهذا الحُبّ مباح باتفاق أهل العلم إذا كان المحبوب ممن تجب موالاته أي مؤمنا تقياً أو مسلماً عنده بعض المعاصي لكن خيره راجح على شره، وإذا كان في حق مسلمين فاسقين فهو مباح أيضاً مادام لم يؤثر في بُغْضه لفسق الفاسقين، ومعصية العاصين ولم يحمل على ترك واجب أو فعل محرم, أمّا إذا أثّر في بُغْضه فهو محرم.
حكم المحبة الطبيعية لغير المكلفين:
محبة ما يلائم طبع الإنسان من الجمادات كمحبة الطعام والشراب والملبس والمركب والمسكن ومحبة الوطن ومحبة أطفال المشركين والمرفوع عنهم القلم جائزة بشرط أن لا تزيد عن حدودها الطبيعية.
حكم البغض الطبيعي للمؤمن التقي وحكم المحبة الطبيعية للفاسق المسلم:
حكم البغض الطبيعي للمؤمن جائز بشرط ألا تحمل على ظلم المبغض وعداوته أو تضييع حقوقه أو عدم موالاته وينبغي للمسلم مدافعة هذا البغض وعدم الركون إليه , فعن ابن عباس ﵄، قال: (جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ : " فتردين عليه حديقته؟ " فقالت: نعم، فردت عليه، وأمره ففارقها). ومن المعلوم بأن امرأة ثابت لم يحملها على طلب الطلاق إلا أنها أبغضت ثابت بن قيس بن شماس ﵁ بمقتضى الطبع حيث كان يُذكر عنه أنه كان دميماً , ومن الأدلة كذلك أنه لما أسلم وَحشِي قَاتل حَمْزَة قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (غيب وَجهك عني فَإِنِّي لَا أحب أَن أرى من قتل الْأَحِبَّة) ومن المعلوم بأن الذي بعث النبي ﷺ على ذلك هو البغض والنفرة الطبيعية ولم يكن ذلك مانعاً له من موالاة وحشي ﵁ الموالاة العامة للمسلمين والرأفة بهم , ويدلك أيضاً على ما تقدم حديث البراء بن عازبٍ ﵄ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق , فمن أحبّهم أحبّه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ". وقال ﷺ " آية الإيمان حب الأنصار وآية النّفاق بغض الأنصار ".
قال الشراح في معنى قوله "ولا يبغضهم إلا منافق" أي ((ولا يبغضهم) مع ما قدموه للإسلام وأهله (إلا منافق) ومحل ذلك أن أبغضهم من الحيثية المذكورة، أما إذا كان بغضه لأحد منهم لخصام أو لأمر اقتضاه معه بخصوصه فلا .. انتهى) , قلتُ ويدل عليه ماوقع بين الصحابة من خصومة واختلاف بعد وفاة النبي ﷺ . وأما حكم المحبة الطبيعية للفاسق المسلم الراجحة معاصيه على طاعته فهي جائزة بشرط ألاَ تحمل على فعل محرم أو ترك واجب ويدلك على هذا أن أهل العلم قرروا أنه يصح زواج الفاسق المسلم من المسلمة التقية
стр. 42
والعكس باستثناء المسلمة الزانية مع العلم أن الزواج لا بد أن توجد فيه المودة والرحمة.
فقه الحب والبغض:
حقيقة الحب في الله والبغض في الله:
فالحب لله هو الحب للمؤمن من أجل دين الله وطاعته وامتثال أوامره لا لمصلحة دنيوية أو قرابة، والبغض عكسه، فهو بغض العاصي بسبب معصيته بقدر معصيته وبغض الكافرين والبراء منهم , والبغض في الله درجات كما أن الحب في الله درجات وأقل درجات الحب في الله هي سلامة الصدر من الغل والحسد والضغينة نحو من تحبه , وأعلى درجات المحبة في الله هي الإيثار.
وقد ذكر ابن حجر عند شرح حديث الصحيحين: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
قال ابن حجر: وأن يحب المرء قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء ... انتهى. وقال المباركفوري في شرح الترمذي: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله أي لا يحبه لغرض وعرض وعوض ولا يشوب محبته حظ دنيوي ولا أمر بشري، بل محبته تكون خالصة لله تعالى، فيكون متصفاً بالحب في الله وداخلاً في المتحابين لله. اهـ.
وقال المناوي: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله: أي لا يحبه لغرض إلا لغرض رضا الله حتى تكون محبته لأبويه لكونه سبحانه أمر بالإحسان إليهما ومحبته لولده لكونه ينفعه في الدعاء الصالح له وهكذا ... انتهى.
وقال أيضاً عند شرح حديث أبي داود: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان).قال: من أحب لله أي لأجله ولوجهه مخلصاً لا لميل قلبه وهوى نفسه, وأبغض لله لا لإيذاء من أبغضه له بل لكفره أو عصيانه.
وقال أيضاً عند شرح حديث المسند: (أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وأن تقول خيراً أو تصمت).
قال: (أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله لا لغيره، فيحب أهل المعروف لأجله لا لفعلهم المعروف معه، ويكره أهل الفساد والشر لأجله لا لإيذائهم له ... انتهى).
وعلامة البغض في الله ألا يزيد البغض بالإساءة الشخصية ولا ينقص بإحسانه إليه.
الناس في ميزان الحب والبغض في الله:
أصناف الناس بحسب الحب والبغض الديني ثلاثة إجمالاً:
القسم الأول: من يُحب جملة وهو من آمن بالله ورسوله واستقام على دين الله كالرسل والأنبياء ﵈ ومن اتبعهم بإحسان , وهم درجات متفاوتة علماً بأن محبة عموم المؤمنين واجبة وأما محبة أفراد المؤمنين غير رسل الله وأنبياؤه فهي مستحبة غير واجبة في أعيانهم.
القسم الثاني: من يُحب من وجه ويُبغض من وجه فهو المسلم الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فيجب أن يوالى على قدر ما معه من الخير ويُبغض على قدر ما معه من الشر ولا يُخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي ولا يُجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة ولا يُجعل
стр. 43
بغضه على ما معه من الشر قاطعاً وقاضياً على ما معه من الخير فلا يحبه ألبته , وعلى هذا فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من البراءة والعقاب بحسب ما فيه من الشر ويجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تُقطع يده لسرقته ويُعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته , وهذا الصنف درجات فمنهم من تغلب محبته في الله ومنهم من يغلب بغضه في الله دون إهمال حقه من الولاية العامة وذلك أن عصاة المؤمنين وأهل البدع غير المكفرة صنفان الصنف الأول هم من يرجح خيرهم على شرهم فهؤلاء تترجح محبتهم ومودتهم على بغضهم والبراءة منهم , وإن رجح شرهم على خيرهم فالعكس , والحكم في ذلك للغالب منهما علماً بأن بغض عصاة المؤمنين وأهل البدع غير المكفرة الراجح شرهم على خيرهم واجب على جهة العموم، أما أفرادهم فبغضهم مستحب ولا يصل إلى درجة الوجوب , وأما محبة أفرادهم في الله فمكروه ولا يصل إلى درجة التحريم وعلى هذا لا يجب وجوبًا مطلقًا قطع الموالاة بين الفساق والعصاة من المسلمين وبين بقية المسلمين كما هو الشأن مع الكفار الخارجين على الإسلام وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار عبد الله، كان يلقب حماراً. قال ابن حجر: كان يهدي إلى النبي ﷺ ويضحكه في كلامه ... انتهى. وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) مع أنه ﷺ لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه , وبالجملة علينا أن ننظر إلى عصاة المؤمنين بعين الرحمة والشفقة دون أن يحملنا ذلك على التعالي عليهم، أو أننا أحسن منهم؛ فلو شاء الله تعالى كنا مثلهم أو أسوأ منهم، والقلب بين أصابع الرحمن، وربما وُجد عند من يعمل بعض الفسق من العبودية لله في بعض أحواله ـ بسبب احتقاره لنفسه وعمله وبسبب ذله لله ـ أعظم ممن ظاهره الصلاح وباطن قلبه العجب والإدلال على الله بالعمل.
وبهذا يتبين للمسلم بأن الظن في أن البراءة من أصحاب المعاصي يقتضي مقاطعتهم نهائياً والمساواة بينهم وبين الكفار ظن خاطيء , وإن على المؤمن أن يوالي في الله كما ذكرنا، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ﴿فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته أو البراءة منه بحسب كفره وإن أعطاك وأحسن إليك , فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه.
القسم الثالث: من يُبغض جملة وهو من كفر بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وبغض الكفار درجات متفاوتة وكما يتفاوت حب أهل الإيمان بحسب رسوخهم وإمامتهم فيه فكذلك تتفاوت معاداة وبغض الكفار والبراءة منهم بحسب رسوخهم وإمامتهم فيه فالكافر المحارب للدين وأهله له أولى من بغض الكافر المسالم , علماً بأن البغض في الله لأفراد الكفار المسالمين للدين وأهله مستحب ويُجزيء عن بغضهم في الله عدم مودتهم على الأقل والبراءة منهم , وأما مجموع الكفار فيجب بغضهم في الله والعداوة لأهل الحرب منهم.
стр. 44
حكم العدل في المحبة الشرعية:
العدل في المحبة الشرعية واجب من حيث توفية الحقوق الشرعية الظاهرة بالجوارح أما العدل في المحبة الشرعية الباطنة فالذي يظهر أنه مستحب والذي يدل على هذا قوله تعالى في شأن تعدد الزوجات ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وهذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين الزوجات ممكن وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنه غير ممكن قال سبحانه في موضع آخر ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ والجواب عن هذا: أن العدل بينهن الذي ذكر الله أنه ممكن هو العدل في توفية الحقوق الشرعية الظاهر، والعدل الذي ذكر أنه غير ممكن هو المساواة في المحبة والميل الطبيعي لأن هذا انفعال لا فعل فليس تحت قدرة البشر، والمقصود من كان أميل بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق الله وليعدل في الحقوق الشرعية كما يدل عليه قوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ الآية. وروى ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة أن آية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ نزلت في عائشة لأن النبي ﷺ كان يميل إليها بالطبع أكثر من غيرها وروى الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تملني فيما تملك ولا أملك"، يعني القلب , وقال الصّنعانيّ: والحديث يدل على أنّ المحبّة , وميل القلب أمر غير مقدورٍ للعبد بل هو من الله تعالى لا يملكه العبد ... انتهى.
وعلى هذا فالعدل بين الإخوة في الله من حيث إضمار المحبة مستحب وإن كانوا جميعاً يشتركون في أصل المحبة.
حق المسلم على المسلم:
من حقوق المسلم العامة على أخيه المسلم التقي رد السلام، وعيادة المريض, واتباع الجنائز, وإجابة الدعوة, وتشميت العاطس, والنصيحة, وتتأكد هذه الحقوق في حق من لا تُعرف عنه المجاهرة ببدعة أو معصية من المسلمين أما من كان معروفاً ببدعة أو كان مجاهراً بالمعاصي فأداء هذه الحقوق له لا يجب وإن كان مستحباً أما لو كان هجره يؤدي إلى مصلحة راجحة فذلك هو المتعين , فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " حق المؤمن على المؤمن ست خصال: يسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس، وإذا دعاه أن يجيبه، وإذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يشهده، وإذا غاب أن ينصحه ". وفي رواية: " وإن دعاه ولو على كراع أجابه ". رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين رجال أحدهما ثقات.
من مظاهر الولاء للمؤمنين:
١ - الهجرة إليهم.
٢ - مناصرتهم ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم.
٣ - التألم لآلامهم والسرور بسرورهم.
٤ - النصح لهم ومحبة الخير لهم وعدم غشهم وخديعتهم.
٥ - احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم وعيبهم.
٦ - أن يكون معهم في حال الحزن والسرور والشدة والرخاء.
٧ - زيارتهم ومحبة الالتقاء بهم والاجتماع معهم.
٨ - احترام حقوقهم.
стр. 45
٩ - الرفق بضعفائهم.
١٠ - الدعاء لهم والاستغفار لهم.
عدم تعارض البغض في الله مع سلامة الصدر المحمودة:
البراءة من المشركين والكفار وبغضهم في الله لا يُناقض سلامة الصدر المحمودة التي حثَ عليها الشرع وذلك أن الشارع الذي أمر بسلامة الصدر هو الذي شرع البراءة من المشركين وبغضهم في الله وعداوتهم إذا كانوا أهلاً لذلك عن ابن عباس ﵄ قال «أوثق عرى الإيمان، الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله».
والشحناء المذمومة شرعأً هو المشاحن الذي في قلبه حقد على أخيه المسلم لهوى في نفسه.
حكم مودة أطفال المشركين وكل من هو غير مكلف منهم:
لا بأس بمودة وملاعبة أطفال المشركين والإهداء إليهم.
حكم مودة الكافر للمؤمن:
تجوز مودة الكافر للمؤمن ولا يُلام المسلم على ذلك إذا لم يكن سبب هذه المودة سبب محرم وقد كان أبو طالب يحب النبي ﷺ .
حكم طلب مودة الكفار غير المحاربين:
طلب مودة الكفار غير المحاربين واستدعاؤها بسبب شرعي جائز بلا شك كالهدية وحسن التعامل ونحوهما , هذا وإن كان يندر أن يحبك الكفار وأنت تقيم فيهم الشريعة كما ينبغي لقوله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ولكن إذا أحبوك بسبب شرعي فلا تثريب عليك , والشيخ ابن عثيمين ﵀ يوافق هذا الحكم في أحد شروحه وإن كان له أكثر من مذهب في هذه المسألة وقد قال ﵀ في حكم طلب مودة الكفار في شرحه للأربعين النووية ما نصه (أن الإنسان لا حرج عليه أن يطلب محبة الناس، أي أن يحبوه، سواء كانوا مسلمين أو كفاراً حتى نقول: لا حرج عليه أن يطلب محبة الكفار له، لأن الله قال: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) ومن المعلوم أنه إذا برهم بالهدايا أو الصدقات فسوف يحبونه، أو عدل فيهم فسوف يحبونه، والمحذور أن تحبهم أنت، ولهذا جاء في الحديث وإن كان ضعيفاً أن النبي ﷺ إذا أقبل على البلد قال: "اللَّهمَّ حَبِّبْنَا إِلَى أَهْلِهَا، وَحبَب صَالِحي أَهْلِهَا إِلَينَا"، فلما أراد المحبة الصادرة منه قال: "صَالِحي أَهْلِهَا" ولما أراد المحبة الصادرة من الناس قال: حَبِّبنَا إِلَى أَهْلِهَا مطلقاً ... انتهى). قلتُ ومما يُستدل به في هذه المسألة قوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى).
من مظاهر الولاء المحرم للكفار:
١ - الرضى بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة.
٢ - التولي العام لهم واتخاذهم أعواناً وأنصاراً وأولياء أو الدخول في دينهم.
٣ - إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين ومدحهم والذب عنهم.
٤ - الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر أو التحاكم إليهم دون كتاب الله.
٥ - الاستعانة بهم والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين واتخاذهم بطانة ومستشارين.
٦ - اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين والركون إليهم.
стр. 46
٧ - التسمي بأسمائهم.
٨ - الاستغفار لهم والترحم عليهم بعد موتهم.
٩ - تعظيمهم وإطلاق الألقاب عليهم.
١٠ - التشبه بهم في الملبس والكلام ومما هو من خصائصهم ديناً ودنيا.
١١ - الإقامة في بلادهم لغير حاجة.
١٢ - التأريخ بتاريخهم بلا حاجة.
١٣ - مشاركتهم في أعيادهم الدينية أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها.
من مظاهر البراء من الكفار:
١ - بغض الشرك والكفر والنفاق وأهله عموماً.
٢ - هجر بلاد الكفر وعدم السفر إليهم إلا لحاجة مع القدرة على إظهار شعائر الإسلام.
٣ - أن لا يناصر الكفار ولا يعينهم على المسلمين.
٤ - أن لا يستعين بهم من غير حاجة ولا يتخذهم بطانة له يحفظونه سره.
٥ - أن لا يشاركهم في أعيادهم وأفراحهم ولا يهنئهم بها وأن لا يستغفر لهم ولا يترحم عليهم.
٦ - هجر مجالسهم المحتوية على منكراتهم , وعدم صداقتهم ومخاللتهم.
٧ - عدم المداهنة والمجاملة لهم على حساب الدين.
٨ - أن لا يعظم الكافر بلفظ أو فعل.
٩ - عدم التولي العام لهم.
١٠ - أن لا يبدأهم بالسلام من غير موجب.
١١ - ترك اتباع أهوائهم وطاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام.
١٢ - عدم الركون إلى الكفرة الظالمين.
١٣ - ترك التشبه بالكفار في الأفعال الظاهرة.
معنى الركون الوارد في قوله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ):
الركون: هو الميل والانضمام إلى الظالمين بظلمهم وموافقتهم على ذلك والرضا بما هم عليه من الظلم , أي بمعنى آخر لا ترضوا أعمالهم, ولا تداهنوا الظلمة , ولا تميلوا إليهم كل الميل في المحبة ولين الكلام والمودة بلا موجب شرعي لذلك.
منهج التعامل مع أهل البدع المسلمين:
موقف المسلم من أصحاب البدع والأهواء يختلف باختلاف ما هم عليه فمن كانت بدعته كفرية فهو بمنزلة الكفار ومن كانت بدعته دون ذلك فهو يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والمكان , والمبتدع المسلم تشمله حقوق المسلم على المسلم التي بينتها نصوص الوحيين ولو كان فاسقاً إلا إذا كان للمبتدع إفساد فينتقص من حقوقه بقدر ما يدفع إفساده دون توسع , وضوابط تعامل أهل السنة مع أهل البدع المسلمين هو وجوب الإقرار له بالإسلام ونصره على الكافر وإعانته على من يظلمه وتفضيله على من هو أسوأ منه ومدح أفعاله الحسنة وشكره عليها وأخذ كلامه إن كان فيه خير وموافقة للشرع والتعاون معه في المجالات التي لا خلاف فيها ما لم يؤدي ذلك إلى مفسدة شرعية كنشر بدعته ونحو ذلك
стр. 47
فالتعاون مع المبتدع مبني على أساس حفظ المصالح الدينية وإقامة الواجبات الشرعية التي يتعذر إقامتها على وجهها مع غير المبتدعة أو التي يترتب على تفويتها مفاسد أعظم من مفسدة ما تلبس به هؤلاء من المحدثات, والتعاون مع أصحاب المخالفات الشرعية من عصاة ومبتدعة يُنظر فيه بمنظار المصلحة والمفسدة وأن يكون في البر والتقوى.
وأما حكم الصلاة خلف أهل البدع فالصلاة خلف المبتدع الكافر المحسوب على الإسلام لا شك أنها لا تصح لكن إن كان إمام جمعة ولا يُمكن أداؤها إلا خلفه فتُؤدى خلفه ثم تُعاد على مذهب بعض أهل العلم , وأما الصلاة خلف المبتدع المسلم الداعية لبدعته تؤدى خلفه إن لم يمكن أداؤها إلا خلفه وتكره إن أمكن أداؤها خلف إمام عادل , وأما الصلاة خلف المبتدع المسلم المستتر فتصلى خلفه وإن أمكن مع غيره (العدل) فهو أولى. وأما تزويج أهل البدع فالمبتدع المسلم لا يُزوج السنية لأنه غير كفء لها لكن يصح تزوجه منها مع الكراهية بموافقة المرأة وأوليائها لأن الكفاءة حق لهما ويجوز لهما إسقاطه وأما زواج الرجل من أهل السنة بالمرأة المبتدعة المسلمة جائز مع الكراهة. وأما ذبائحهم فذبائح أهل البدع المسلمين جائزة , وأما تلقي العلم عن أهل البدع واستخدامهم في التدريس لا ينبغي في حال السعة أما عند الضرورة فيجوز استخدامهم في التدريس كأن لا يمكن إقامة التعليم إلا بهم أو ترتب على ترك استخدامهم مفسدة أعظم من مفسدة استخدامهم أو تحقق باستخدامهم مصلحة راجحة على مصلحة ترك استخدامهم.
وأما استخدام أهل البدع في الجهاد فالحكم في هذه المسألة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع وظروف المسلمين فتجوز الاستعانة بهم عند الحاجة إن كانوا حسني الرأي في المسلمين وتكره عند عدم الحاجة وتحرم الاستعانة بهم مطلقاً إن كانوا معروفين بغش المسلمين وعدم النصح لهم وذلك أنه تُقام الصلاة وعلم الجهاد خلف كل بر وفاجر وفاسق ملي كما قرر ذلك أهل العلم المحققين فإذا تعذر إقامة الواجبات من الصلاة والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس وأما حكمهم في الميراث فلا شك أن الكافر لا يرث المسلم ولا يورث وأما المنافق فهو يرث المسلم ويورث ومن باب أولى من هو دونه كالمبتدع المسلم والفاسق الملي وأما عيادة المبتدع المسلم فجائز بل هي من جملة حقوقه على المسلمين ما لم يكن داعية فتترك عيادته من باب الهجر إن كان مثمراً , والمبتدع المقلد الأولى التلطف معه مع لزوم أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وإرشاده إلى الحق ودلالته بالحسنى.
حكم مضاحكة وممازحة الفاسق المسلم:
يجوز ممازحة ومضاحكة ومباسطة الفاسق المسلم وخاصة من تعرف عنه محبة الله ورسوله بالضوابط الشرعية لا سيما مع من يُخالطهم المسلم ومن له حق في الصلة كالأقارب , وخاصة إذا كانت المبادرة منه هو في المضاحكة وتكون مضاحكته إلى حد معين ومعقول بحيث لا يُظهر ما هو فيه من منكر وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار، كان يلقب حماراً. وقال ابن حجر: كان يهدي إلى النبي ﷺ ويضحكه في كلامه .. وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) مع أنه صلى الله عليه
стр. 48
وسلم لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه.
حكم صحبة الفاسق ومصادقته:
من المعلوم أن الإنسان ميال إلى الاجتماع والاختلاط مع بني جنسه ولا يستغني عن التعامل معهم أتقياء كانوا أو فجاراً , وهذا أمر لا حرج فيه ولا إثم , والله تعالى خلق الإنسان مدنياً بطبعه يميل لمُخالطة الناس ومجالستهم ويتأثر بهم ويؤثر فيهم , فالطبع لص والصاحب ساحب والفاسق المسلم الراجح خيره على شره لا بأس بمصاحبته , وذلك لأن ترك صحبة الفاسق بشكل عام تتفاوت بحسب حال الهاجر وبحسب مقدار الفسق عند المهجور وحاله فقد تكون كلية , وذلك مثل من كان مبتدئاً تائباً فإنه يُشرع له هجر الفساق كلياً بل قد يجب عليه أما من تمكن من الدين نوعاً ما فلا بأس بصحبته للفاسق الراجح شره على خيره بشرط الدعوة إلى الله وعدم مشاركته في الإثم وذلك أن مخالطة الناس بشتى أجناسهم ومللهم لغرض الدعوة إلى الله والإصلاح مشروع إلا أن الفاسق الملي الراجح شره على خيره والمبتدع لا يُصاحب ولا يُجالس كما يُصاحب ويُجالس الأتقياء ولا ينبغي أن يكون لهم في القلب محبة الأتقياء, وينبغي عدم الإفراط في مخالطتهم لئلا يتأثر بهم المُخالط فيقلدهم أو يشاركهم في المعصية , وعلى هذا فمن يُخالط العصاة وحتى الكفرة لنصحهم ووعظهم دون أن يتأثر بهم فمعاملته لهم خير من هجرانهم، فإذا غلب على الظن أنهم لا ينتصحون ولا يتعظون فالأفضل هو البعد عنهم، وينبغي التنبه إلى أنه لا يجوز مخالطة الفساق والمبتدعة حال فسقهم وبدعتهم وتصويب آراءهم تقية بل ينبغي الإنكار عليهم فإن لم ينتهوا فارقهم.
وهنا تنبيه المصاحبة الجبرية التي لا دخل للعبد فيها لا تدخل فيما قررناه كما قال تعالى في شأن الوالدين المشركين (وصاحبهما في الدنيا معروفا) وكذلك صحبة الزوجة الكتابية والجار الكافر بالحسنى وصحبة الصاحب المشرك بالحسنى في السفر والعمل. قال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ).
وأما حكم مصادقة العصاة فلها تفصيل آخر , والفرق بين المصاحبة والمصادقة أن المصادقة هي درجة أرفع من المصاحبة فالمصاحبة قد تشمل جميع الناس كافرهم ومؤمنهم بخلاف الصداقة كمصاحبة الولد المسلم التقي لوالده المشرك بالمعروف ونحو ذلك.
نعود إلى حكم مصادقة العصاة فالمعاصي على نوعين معاصي مكفرة كمن يشرك بالله أو يترك الصلاة تركاً كاملاً ونحو ذلك , وهناك معاصي غير مكفرة وهي التي لا تُخرج الإنسان من الملة لكن يوصف فاعلها بأنه فاسق ومؤمن ناقص الإيمان كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك ما لم يستحلها فعقيدة أهل السنة والجماعة وإجماع السلف على عدم تكفير صاحب الكبيرة ما لم يستحلها.
إذا عُلم هذا فمصادقة الناس ينبغي حكمها على ما سبق فلا يجوز اتخاذ الكافرين أولياء أو مُخالطتهم مع الأنس بهم أو اتخاذهم أصدقاء وخلان أو تقديمهم على المؤمنين أو ومودتهم ومحبتهم أو نحو ذلك وهذا في حق عمومهم لكن يجب العدل معهم وعدم ظلمهم والاعتداء عليهم بغير وجه شرعي ويجوز التعامل معهم بالبيع والشراء والقرض ونحو ذلك.
أما عصاة المؤمنين فتجب محبتهم بقدر ما معهم من إيمان وينبغي بغضهم بقدر ما معهم من فسق ومعصية ويجب تغليب محبتهم على بغضهم إذا كان خيرهم راجحاً على شرهم , أما اتخاذهم أصدقاء فهم على قسمين: القسم الأول: هم من كان خيرهم راجح على شرهم
стр. 49
وهؤلاء لا بأس بصداقتهم حينئذ وإن كان خلاف الأولى. والقسم الثاني: وهم من كان شرهم راجح على خيرهم وهؤلاء صداقتهم مما يُخالف قول النبي ﷺ (إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوءِ كحامِلِ المسك، ونافخِ الكِيْرِ، فحاملُ المسك إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحا طيِّبة، ونافخُ الكير إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحا خبيثَة). أخرجه البخاري ومسلم. وقال النووي في شرح صحيح مسلم عند كلامه على الحديث: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء ... الحديث) قال: وفيه فضيلة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب, والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس, أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة. انتهى.
وقد حض أهل العلم على مصاحبة أهل الخير ومخالطتهم ومجالستهم, والبعد عن رفقاء السوء, واستدلوا لذلك بحديث مسلم في من قتل مائة نفس حيث أمره العالم بالانتقال من أرضه إلى أرض بها أناس صالحون ليعبد الله معهم، فقال له): انطلق إلى أرض كذا وكذا, فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. (وبحديث أبي داود: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) وبحديث أحمد: (لا تصاحب إلا مؤمناً. (
وقال ﴾ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
قال القرطبي: الصحيح في معنى الآية أنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم , فإن صحبتهم كفر، أو معصية, إذ الصحبة –قلتُ يقصد الصداقة بالمصطلح الذي اصطلحته في هذه الرسالة-لا تكون إلا عن مودة. انتهى ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – وقد سئل عن الموقف ممن يفعل بعض الكبائر -: (من يتهم بهذه المعاصي تجب نصيحته وتحذيره منها ومن عواقبها السيئة، وأنها من أسباب مرض القلوب وقسوتها وموتها، أما من أظهرها وجاهر بها: فالواجب أن يُقام عليه حدُّها، وأن يُرفع أمره إلى ولاة الأمور، ولا تجوز صحبتهم، ولا مجالستهم، بل يجب هجرهم لعل الله يهديهم ويمنُّ عليهم بالتوبة، إلا أن يكون الهجر يزيدهم شرّاً: فالواجب الإنكار عليهم دائماً بالأسلوب الحسن والنصائح المستمرة حتى يهديهم الله، ولا يجوز اتخاذهم أصحاباً–قلتُ أيضاً يقصد صداقتهم لا مطلق المصاحبة -، بل يجب أن يستمر في الإنكار عليهم وتحذيرهم من أعمالهم القبيحة.) " فتاوى إسلامية " (٤/ ٥٢٠).
وقد روى الدينوري فِي الْمُجَالَسَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَا تُوَاخِ الْفَاجِرَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَك فِعْلَهُ وَيُحِبُّ لَوْ أَنَّك مِثْلُهُ , وَمَدْخَلُهُ عَلَيْك وَمَخْرَجُك مِنْ عِنْدِهِ شَيْنٌ وَعَارٌ , وَلَا الْأَحْمَقَ فَإِنَّهُ يُجْهِدُ نَفْسَهُ لَك وَلَا يَنْفَعُك , وَرُبَّمَا أَرَادَ أَنْ يَنْفَعَك فَضَرَّك , فَسُكُوتُهُ خَيْرٌ مِنْ نُطْقِهِ , وَبُعْدُهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ , وَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ , وَلَا الْكَذَّابَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُك مَعَهُ عِشْرَةٌ , يَنْقُلُ حَدِيثَك وَيَنْقُلُ الْحَدِيثَ إلَيْك , وَإِنْ تَحَدَّثَ بِالصِّدْقِ لَا يُصَدَّقُ.
وَقِيلَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ اصْطَنَعَ مَعْرُوفًا إلَى أَحْمَقَ فَهِيَ خَطِيئَةٌ مَكْتُوبَةٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَارِمْ الْأَحْمَقَ فَلَيْسَ لَهُ خَيْرٌ مِنْ الْهِجْرَانِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: هِجْرَانُ الْأَحْمَقِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ فِي قَافِيَتِهِ: وَلَأَنْ يُعَادِيَ عَاقِلًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَدِيقٌ أَحْمَقُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّقِ الْأَحْمَقَ لَا تَصْحَبْهُ إنَّمَا الْأَحْمَقُ كَالثَّوْبِ الْخَلَقِ فَهُوَ إنْ رَقَعْته مِنْ جَانِبٍ عَادَ
стр. 50
مِنْ هَوْنٍ سَرِيعًا فَانْخَرَقَ ... انتهى.
وبناءً على ما تقدم فصديق السوء يورد الإنسان المهالك ويضره أكثر مما ينفعه وفرق بين أن توالي ذلك الشخص وتحبه لأن معه وصف الإيمان وبين أن تصادقه فتأخذ منه ويأخذ منك لكن إن كان القصد من الجلوس مع ذلك الشخص تأليف قلبه بغرض الدعوة إلى الله وإرشاده إلى طريق الهداية أو قضاء حق له في القرابة فهذا من الأعمال الفاضلة لكن بشرط ألا يؤثر ذلك على الداعية والواصل لرحمه فيضر نفسه من حيث يريد أن ينفعها ومصادقة الأخيار مما أوصى به ربنا جل وعلا ونبينا ﷺ والصحبة التي يتخذها العبد لنفسه ويتأثر بها لا بد من حسن اختيارها بل يجب عليه.
حكم إظهار البغض للفساق الراجح شرهم على خيرهم الذين يجمعون بين صفات حسنة وأخرى سيئة:
يشرع إظهار البغض للفساق الراجح شرهم على خيرهم أحياناً باستثناء الوالدين إلا أن إظهار البغض لهؤلاء ليست له قاعدة مطردة بل الأمر يختلف باختلاف الأشخاص الواقعين في المعصية، وباختلاف المعاصي، وباختلاف الأشخاص المظهرين للبغض كذلك.
فهذه المسألة شبيهة بمسألة المريض والمرض والطبيب فالمرض شيء موجود، ولكن لكل مرض علاج وعلاج المرض الواحد يختلف باختلاف المرضى، وباختلاف الأطباء فتكون المسألة مسألة اجتهادية في حدود السياسة الشرعية، ولكن إذا اقتضى الأمر إظهار البغض فإن إظهاره تارة يكون بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بهما جميعًا.
فأما إظهار البغض بالقول فيكون بكف اللسان عن مكالمته ومحادثته مدة، أو بالاستخفاف به والتغليظ له في القول تارة أخرى، وأما إظهار البغض بالفعل، فبقطع السعي في إعانته مرة، وبالسعي في إساءته وإفساد مآربه مرة أخرى، وهذا وإن كان الانحراف عن الإسلام لا يوجب كفر المنحرف وإنما يستحق أن يوصف بانحرافه بالفسق والعصيان وهذه الأمور بعضها أشد من بعض، وإظهار العداوة فيما تقدم إنما يكون مع الأشخاص الذين أظهروا المعصية ولم يندموا عليها, أما من أظهر الندامة، وأقلع عن المعصية فالأولى أن نصفح عنه ونستره، ولا نُظهر له العداوة.
مختصر منهج التعامل مع الكفار عموماً:
من سالم المسلمين من الكفار وكف عنهم أذاه عاملناه بالتي هي أحسن وقمنا بواجب الإسلام نحوه من بر ونصح وإرشاد ودعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة عليه رجاء أن يدخل في الإسلام فإن استجاب فالحمد لله وإن أبى طالبناه بما يجب عليه من الحقوق التي دل عليها الكتاب والسنة فإن أبى قاتلناه حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى أما من تعالى على المسلمين منهم وتولاهم بالأذى وبيت لهم الشر فالواجب على المسلمين أن يدعوه إلى الإسلام فإن أبى قوتل نصرة للدين وكفاً لأذاه عن المسلمين , ويقول أهل العلم في هذا الشأن (إن الذي يحاد الله ورسوله ﷺ إن كان متجاهراً بذلك معلناً به، أو متجاهراً بسوء معاملة المسلمين لأجل إسلامهم لا لموجب عداوة دنيوية، فالواجب على المسلمين إظهار عداوته، قال تعالى (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (ولم يُرخَص في معاملتهم بالحسنى إلا لاتقاء شرهم إن كان لهم بأس قال تعالى) لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن
стр. 51
تتقوا منهم تقاة (, وأما من عدا هذا الصنف فهو الكافر المُمسك شره عن المسلمين فالواجب معاملته بالحسنى، قال تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) , وبموجب هذا التفصيل تتحدد طريقة التعامل مع الكفار إما بالحسنى وإما بإظهار العداوة).
فالعلاقة مع أهل الكفر إذا كانوا مُسالمين غير محاربين يجب أن يكون أساسها البر إليهم والعدل معهم والإنصاف لهم , والعدل واجب مع الكل حتى إننا نعدل مع من حاربنا ولا نظلمه، وإن قاتلناه وحاربناه، حتى في قتله نحسن القتلة، كما قال النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" [رواه مسلم].
ولا مانع شرعاً من التعامل مع الكفار غير المحاربين في المال أو الإجارة وعيادة مريضهم وتعزيتهم عند المصيبة وتهنئتهم عند حدوث نعمة بل إن مبادئ الإسلام توجب الدفاع عن أهل الذمة إذا قصدهم معتد؛ لأنهم في جوارنا وخفارتنا، وقد حكى ابن حزم في مراتب الإجماع على أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح.
والحاصل لا مانع شرعاً أن يتعامل المسلم مع الكفار بالحسنى وتبادل المنافع إذا كانوا مسالمين بالضوابط الشرعية ولكن عليه أن يحذر من موالاتهم والرضا بكفرهم.
ضابط اللطف المشروع بلا خلاف مع الكفار غير المحاربين:
ضابط اللطف والرفق المأمور به لغير المحارب هو كل رفق ولطف لا يُفهم منه علو الكافر على المسلم أو مودته لا رحمته وبره وذلك مأمورٌ به.
بعض المسائل التي لا تنافي العداوة من المشركين المحاربين:
١ - من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولم يجد في المسلمين من يجيره فلا شيء عليه.
٢ - برّ المؤمن لبعض الأفراد الكفار المعينين من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح أو كان براً يدل على مودات القلوب , كما قال تعالى في وصفه للأبرار (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا) , ومن المعلوم أنه لم يكن وقت نزول الآية أسيراً إلا الكافر المحارب.
٣ - مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائز للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منها.
٤ - يُشرع الحرص على حقن دماء الكفار المحاربين إذا رجا بذلك إسلامهم وهدايتهم ولم يخف مفسدة راجحة فيشرع حينئذٍ إمهالهم.
٥ - يجوز الدخول تحت حماية الكفار وجوارهم إذا كان لمصلحة المسلم أو المسلمين لدحر عدو ضرره أكبر.
٦ - يجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو.
٧ - يجوز للمسلم أن يجير عدواً من أعداء الله الكفار فيكون معصوم الدم ولا يحل لأي مسلم أن يتعرض لهذا الكافر.
стр. 52
٨ - يجوز السفر إلى بلاد الكفار الحربية لأجل التجارة ولكن بشرطين وهما القدرة على إظهار الدين وعدم موالاة المشركين الموالاة المحرمة.
٩ - معاملة الكفار الحربيين بالبيع والشراء ونحو ذلك جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين, وتحرم التجارة مع أهل الحرب إذا كان لا يتحقق واجب رفع الظلم عن المسلمين إلا بترك التجارة معهم.
١٠ - يُشرع العفو عن الظالم الكافر إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك.
حكم حسن التعامل وصلة القريب المشرك المحارب للدين وأهله:
حسن التعامل وصلة أعيان الكفار المحاربين لله ورسوله والمؤمنين محرمة شرعاً وهذا في حال تلبسهم بالمحاربة فالمأمور به حينئذ مجاهدتهم ومدافعة شرورهم وذلك أن الصحبة بالمعروف للوالدين المشركين والقرابة مأمور بها حين لا تكون هناك حرب ومحادة وخصومة بين حزب الله وحزب الشيطان فأما إذا كانت المحادة والمشاقة والحرب والخصومة فقد تقطعت الأواصر التي لا ترتبط بالعروة الواحدة وبالحبل الواحد إذ ليس لرابطة الدم والجنس والنسب والأرض واللون واللغة أي اعتبارات في حال التعارض مع الدين.
حكم البر والإحسان لآحاد الكفار المقيمين بدار الحرب:
لا مانع , ولا بأس شرعاً في البر والإحسان للكفار المقيمين بدار الحرب بشرطين:
الأول ألا يكون هذا الإحسان حاملاً على نصرة المشركين على المسلمين.
الشرط الثاني ألا يكون هذا الإحسان لهم مما يدل على موالاتهم أو الرضا عنهم.
وقد بحث إمام المفسرين الطبري هذه المسألة من نواحي النقل وأخيراً ختم بحثه بقوله ما نصه: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال عنى بذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ﴾ من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم إن الله عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمنين من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح.
وقد بينا صحة ما قلنا في ذلك الخبر الذي ذكرناه عن الزبير في قصة أسماء وأمها. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، يقول إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم. انتهى منه.).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأى عمر بن الخطَّاب حلَّة سيراء - أي حرير - عند باب المسجِد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريْتها فلبسْتَها يوم الجمعة وللوفد، قال: ((إنَّما يلبسها مَن لا خَلاق له في الآخِرة))، ثمَّ جاءت حلل فأعْطى رسولُ الله ﷺ عُمَر - منها حُلَّة، وقال: أكسوْتَنيها وقلت في حلَّة عُطَارِد ما قُلْت؟! فقال: ((إنِّي لم أكسُكها لتلبسها))، فكساها عمر أخًا له بمكَّة مشركًا؛ رواه البخاري ومسلم.
стр. 53
حكم مُطلق البر والإحسان للكافر المعين المحارب للدين وأهله:
لا مانع , ولا بأس شرعاً في مطلق البر والإحسان للكافر المحارب للدين وأهله كما قال تعالى في وصفه للأبرار (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا) , ومن المعلوم أنه لم يكن وقت نزول الآية أسيراً إلا الكافر المحارب.
ولكن هذا البر والإحسان مشروط بأربعة شروط:
الأول ألا يكون هذا الإحسان حاملاً على نصرة المشركين على المسلمين.
الشرط الثاني ألا يكون هذا الإحسان له وهو في حال تلبسه بحرب الإسلام والمسلمين أي وقت القتال إذ الواجب في حقه جهاده ومدافعة شره.
الشرط الثالث ألا يكون هذا الإحسان له مما يدل على مودات القلوب أو موالاته أو الرضا عنه.
الشرط الرابع ألا يكون الإحسان إليه مُطلقاً بل لموجب شرعي راجح كأن يكون لأجل الإحسان الذي كتبه الله على كل شىء أو لأجل استمالة قلبه للإسلام أو لأجل مصلحة المسلمين أو لأجل أمر الله تعالى به كما في حالة الأسير.
ورد في تفسير آيات الأحكام للشافعي ﵀ مبحث هام نسوقه بنصه لأهميته: (قال الله : ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ﴾. قال: يقال: والله أعلم إن بعض المسلمين تأثر من صلة المشركين أحسب ذلك لما نزل فرض جهادهم وقطع الولاية بينهم وبينهم ونزل ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاٌّخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فلما خافوا أن تكون المودة الصلة بالمال أنزل ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال الشافعي ﵀: وكانت الصلة بالمال والبر والإقساط ولين الكلام والمراسلة بحكم الله غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين، وذلك لأنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين والإقساط إليهم ولم يحرم ذلك إلى من لم يظاهر عليهم بل ذكر الذين ظاهروا عليهم فناهم عن ولايتهم إذ كان الولاية غير البر والإقساط، وكان النَّبي ﷺ فادى بعض أسارى بدر، وقد كان أبو عزة الجمحي ممَّن منَّ عليه، وقد كان معروفاً بعداوته والتأليب عليه بنفسه ولسانه، ومن بعد بدر على ثمامة بن أثال، وكان معروفاً بعداوته، وأمر بقتله ثم منّ عليه بعد أسره وأسلم ثمامة وحبس الميرة عن أهل مكة فسألوا رسول الله ﷺ أن يأذن له أن يميرهم فأذن له فمارهم. وقال الله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ والأسرى يكونون ممن حاد الله ورسوله انتهى منه.).
стр. 54
كيفية تعامل المجاهد المسلم مع أرحامه إذا كانوا في صف الكفار المحاربين للإسلام وأهله:
للمسلم أن يبتدىء بقتل أخيه الحربي ولا ينبغي أن يبتدىء بقتل أبيه الحربي وقيل لا يجوز لأنه يجب صلة الرحم مع الوالد ولا يجب صلة رحم من سواه , وقيل يُكره لغازٍ قتل قريب له كافر إلا إذا بلغه أنه يسب الله ورسوله فلا كراهة حينئذٍ والله أعلم , بل ينبغي الاستحباب تقديماً لحق الله ورسوله , ولا كراهة إذا قصد -ذوي الرحم الكافر في المعركة-هو قتله فقتله دفعاً عن نفسه.
هل للمسلم أن يعمد لقتل أبيه الباغي أم لا ؟
إقامة الحدود وقتال البغاة والقتال لإعلاء كلمة الله فلا نختار أن يعمد المرء إلى أبيه خاصة أو غيرهم من قرابته مادام يجد غيرهم فإن لم يفعل فلا حرج , لقوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدّنيا معروفاً﴾ ولما روى الشّافعيّ أنّ ﴿النّبيّ ﷺ كفّ أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه﴾.
حكم قتل المسلم بالكافر:
لا يُقتل المسلم بالحربي بإجماع أما إذا كان ذمياً أو مستأمناً فالجمهور يرى عدم القتل أيضاً , ولكن على المسلم الجاني عقوبة تعزيرية بما دون القتل وعلماً أن هذه الجناية لا تُعفي المسلم من الإثم العظيم عند الله أما في جناية المسلم على الذمي أو المعاهد أو المستأمن فيما دون النفس ففيها القصاص إن كانت من أجل مصلحة دنيوية لا تغييراً للمنكر ونحوه.
حكم مساكنة الكفار والفجار على وجه العموم:
مساكنة الفجار والكفار جائزة إذا كان للمسلم مرافق مستقلة ويبتعد عن موالاتهم ولا يشهد منكراتهم وإن كان الأولى مفارقتهم أما لو كان يعسر التحرز من شهود منكراتهم أو عدم موالاتهم ولم يكن لهم حق عليه في الصحبة بالمعروف كالوالدين والزوجة الكتابية فيجب عليه المفارقة حينئذ.
حكم تقبيل رأس الكافر المحارب وتقبيل غير المحارب:
يحرم تقبيل رأس الكافر المحارب إلا إذا اقتضت المصلحة الشرعية الراجحة ذلك وأما مصافحة الكافر غير المحارب وتقبيله مكروه ولا يصل إلى حد التحريم.
حكم بر الأقارب المشركين المسالمين للدين وأهله:
رغم قطع الولاء سواء في الحب في الله أو النصرة على الدين بين المسلم وأقاربه الكفار فإن القرآن أمر بعدم قطع صلتهم وبرهم والإحسان إليهم ولا حرج في إظهار المودة لهم على سبيل المداراة مع انطواء القلب على بغض كفرهم أو فسقهم ومع ذلك فلا ولاء مطلق بينهم , فالولاء لله ودينه والمؤمنين شيء وبر القريب المشرك شيء آخر وقد يكون بره من باب تأليفه وترغيبه في الإسلام.
حكم السفر لبلاد الكفر والشرك:
يحرم السفر لبلاد الكفار إلا لحاجة كالعلاج والتجارة والتعليم الذي لا يمكن الحصول عليه إلا عندهم ويشترط كذلك لجواز السفر أن يكون مظهراً لدينه معتزاً بإسلامه , وأما السفر إلى بلادهم لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام فهو مستحب وقد يكون واجباً أحياناً.
стр. 55
حكم إعطاء الزكاة للكافر:
لا يجوز إعطاء الكفار من الزكاة إلا في أحد حالتين الأولى إذا عُدم وجود المستحق لها من المسلمين وتعذر إرسالها إلى بيت مال المسلمين وكانوا من الكفار الغير محاربين.
والحال الثانية أن يكون الكافر من المؤلفة قلوبهم وهم من يُرجى حسن إسلامهم أو إسلام نظيرهم أو معاونتهم للمسلمين أو دفع شرهم أو كف أذاهم عن الدين وأهله أو لغير ذلك، ويشترط أن يكون القصد مصلحة الدين وأهله أما الصدقة فالأمر واسع.
حكم خيانة العهد مع الكفار:
إذا خاف المسلمين من المعاهدين خيانة للعهد لم يجز لهم أن يقاتلوهم حتى يُعلموهم بإنهاء العهد الذي بينهم ولا يفاجئونهم بالقتال بدون إعلام.
حكم العمل عند المشركين:
العمل عند المشركين جائز بشروط:
١ - أن لا يكون في العمل إذلال للمسلم.٢ - أن يكون طبيعة العمل حلالاً (فلا يكون في عمله إعانة على ظلم أو باطل أو معصية أو حماية للطاغوت أو التحاكم إليه أو توليه على كفره ومظاهرته على المسلمين ونحوها وأن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين).
حكم إطلاق كلمة أخ على الكافر:
إطلاق كلمة أخ على الكفار فيها تفصيل فإن كان القائل يُريد أخوة الدين أو الموالاة فإن ذلك لا يجوز , وإن كان يُريد أخوة النسب ولو النسب البعيد فلا بأس بذلك بل قد يكون مستحباً كأن يكون مداراة لهم لاتقاء شرهم أو من باب تأليف قلوبهم على الإسلام قال تعالى (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) وقال تعالى عن دعوة إبراهيم ﵇ لأبيه (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا).
حكم مؤاكلة ومشاربة الكافر:
ليس مجرد الأكل مع الكافر حراماً إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو المصلحة الشرعية لكن لا تتخذهم أصحاباً وخلاناً فتأكل من غير سبب شرعي أو مصلحة شرعية ولا تؤانسهم وتضحك معهم ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كالأكل مع الضيف أو لتدعوهم إلى الله وترشدهم إلى الحق أو لأسباب أخرى شرعية كصلة الرحم فلا بأس.
حكم تغسيل الكافر ودفنه:
لا يجوز للمسلم تغسيل الكافر، ولا تكفينه؛ لأن الرسول ﷺ ألقى قتلى بدر من المشركين في القليب، بلا غسل، ولا تكفين، ولا تجوز الصلاة عليه؛ لقوله ـ جل وعلا ـ: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) التوبة [٨٤]. ولا الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، أو قول: المرحوم فلان؛ لقوله ـ جل وعلا ـ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) التوبة [١١٣]، كما لا يجوز للمسلم تولي دفن غير المسلم كما يدفن أموات المسلمين، وإذا لم يكن للكافر الميت قريب يدفنه، فللمسلم أن يواري جثته في التراب ليمنع تأذي الخلق من نتنها، كما لا يجوز للمسلم أن يتبع جنازته، أو يمشي فيها، أو يحملها معهم، أو يحضر دفنه إذا أراد أهله دفنه؛ لقوله ـ جل وعلا ـ: (
стр. 56
وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) التوبة [٨٤]، وأما إن لم يوجد من الكفار من يدفن الكافر دفنه المسلمون كما فعل النبي ﷺ بقتلى بدر وبعمه أبي طالب لما توفي قال لعلي" اذهب فواره ". ولا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، بل يدفن في مقابر مثله من غير المسلمين؛ لفعل النبي ﷺ وإجماع المسلمين على ذلك، إلا إذا ماتت امرأة كتابية زوجها مسلم وهي حامل منه، وقد بلغ عمر الحمل أكثر من ثلاثة أشهر فإنها تدفن في قبر المسلمين، ويكون ظهرها إلى القبلة؛ ليكون وجه حملها مستقبل القبلة؛ لأن الجنين مسلم؛ لكون أبيه مسلما، والمسلم لا يجوز دفنه في مقابر غير المسلمين، فرعاية لحقه تقدم مصلحة دفنه في مقابر المسلمين على مفسدة دفن أمه فيها.
شروط تشييع جنازة الكافر القريب:
إذا كان الكافر محارباً لا تجوز تعزيته مُطلقاً ولا تشييعه , أما إذا كان الكافر غير مُحارب للمسلمين وكان قريباً للمسلم فيجوز أن يحضر جنازته ويشيعها مع المشيعين بشروط ثلاثة:
١ - ألا يحضر الصلاة عليه ولا يصلي عليه وألا يقوم على قبره أثناء الدفن.
٢ - أن يسير أمام الجنازة بعيداً عنها قليلاً يقف بعيداً عن القبر وإذا أردوا الدفن رجع.
٣ - وأن يكون الكافر قريباً للمسلم قرابة مباشرة.
حكم الالتزام بقوانين بلاد غير المسلمين:
حكم الالتزام بقوانين بلاد غير المسلمين يختلف بحسب تلك القوانين التي لا تخلو من أحد أمرين:
١ - أن تكون غير مخالفة لأحكام الشرع، كالأحكام المتعلقة بأنظمة السير، وإصدار التراخيص، واحترام حقوق الآخرين، وممتلكاتهم فهذه يجب على المسلم الالتزام بها؛ لأن عقد إقامته متضمن وجوب التزام نظام بلده وقوانينه، والله ـ جل وعلا ـ يقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود) ِ المائدة [١].
٢ - أن تكون مخالفة لأحكام الشريعة فإن كان يستطيع تحاشي الالتزام بها؛ لكونه لا يحتاجها، كالمعاملات المالية المحرمة، فعليه تحاشيها ولم يضره كونها موجودة في البلد الذي يعيش فيه، لقوله ـ جل وعلا ـ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) المائدة [١٠٥]، وإن كان يستطيع تحاشيها اتقى الله ما استطاع في تحاشي الوقوع في أسبابها، فما وقع فيه بعد ذلك منها فيكون من باب الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.
أحكام غير المسلمين في القصاص والحدود والتعزيرات:
أولا: إذا ارتكب غير المسلم ـ ممن له عهد وذمة ـ في بلاد المسلمين جناية يمكن القصاص منه بها خُيَر صاحب الحق بين إقامة القصاص عليه، أو دفع الدية، أو العفو، فإن كانت جناية على النفس كقتله معصوم الدم، خير أولياء المقتول، وإن كانت جناية على عضو كقطع رجل أو فقء عين خير المجني عليه، وإن كانت الجناية لا يمكن القصاص منه بها خير المجني عليه بين الدية أو العفو، فهو في هذا كالمسلم؛ لقوله ـ جل وعلا ـ (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) المائدة [٤٥]، وقوله ـ جل وعلا ـ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) إلى قوله (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) البقرة [١٧٨].
стр. 57
ثانيا: إذا اعتدى المسلم على غير مسلم من ذمي أو مستأمن فقتله فقد ارتكب إثما عظيما، قال فيه رسول الله ﷺ "من قتل ذميا أو معاهدا لم يرح رائحة الجنة" رواه البخاري. وهو مستحق للعقوبة، كما عليه دفع ديته، لكن لا يقتص منه به بقتل، لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري "لا يقتل مسلم بكافر، كما أن الذمي لو قتل حربيا فإنه لا يقام عليه القصاص، ولا يعاقب، وليس عليه دية، ولا كفارة؛ لأنه قتل غير معصوم الدم.
ثالثا: الراجح من أقوال أهل العلم أن دية الكتابي إذا كان معصوم الدم في جناية القتل أو الجراح إذا كان خطئا نصف دية المسلم، فإن كان ذكرا فديته نصف دية المسلم الذكر، وإن كان أنثى فنصف دية الأنثى المسلمة، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى أن عقل الكتابي نصف عقل المسلم. رواه أحمد، والعقل هو الدية، وإن كانت الجناية عمدا والاني مسلما، فقد ذهب الإمام أحمد إلى تضعيف الدية على المسلم فتصبح مثل دية المسلم، وروى ذلك عن عثمان بن عفان، لكن رأي جمهور أهل العلم على عدم تضعيفها.
رابعا: إذا ارتكب غير مسلم من الذميين والمعاهدين في بلاد الإسلام معصية توجب الحد في شرعنا على المسلم لو ارتكبها نظرنا فإن كانت المعصية مما أقره الإسلام على فعلها خفية كشرب الخمر فلا يقام عليه الحد الواجب فيه، لكن لو جاهر بشربها جاز تعزيره بعقوبة مناسبة تردعه عن تكرار المجاهرة، وإن كانت المعصية مما لم يقره الإسلام على فعلها كالزنا وجب إقامة حد الزنا عليه وهو الرجم إن كان محصنا أو الجلد مائة جلدة إن كان غير محصن، وهذا إذا ثبت الزنا عليه باعترافه أو شهادة أربعة شهود عدول، كما يفعل بالمسلم إذا زنا، لعموم قوله ـ جل وعلا ـ (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) النور [٢].
ولحديث ابن عمر أن النبي ﷺ أقام حد الرجم على يهوديين زنيا في المدينة حين رفع اليهود أمرهما إلى النبي ﷺ . متفق عليه. ومثله السرقة والقذف.
ويجدر التنبيه هنا أن بعض أهل العلم لا يوجب إقامة الحدود عليهم إلا إذا ترافعوا إلى محاكم المسلمين، أو كان المعتدي عليه مسلما، فإن كان الأمر فيما بينهم وليس فيه طرف مسلم ولم يترافعوا إلينا لم يلزم الحكم بينهم، ولا إقامة الحدود عليهم.
خامسا: إذا اعتدى المسلم على غير المسلم من الذميين والمعاهدين بما يوجب حدا كما لو زنى بامرأة من نسائهم، أو عمل عمل قوم لوط مع أحدهم أو سرق ماله المحترم أقيم عليه الحد الواجب في كل معصية منها كما يقام عليه لو فعل ذلك بمسلم، فإن كان الاعتداء قذفا له بالزنا أو اللواط لم تجب إقامة الحد على المسلم، ولكن يجب تأديبه، ردعا له عن الكلام في أعراضهم، وكفا له عن أذاهم.
سادسا: لا يقام القصاص ولا الحدود على من ارتكب موجبها من أفراد الجالية المسلمة في الدول غير المسلمة، سواء أكانت معادية لدول المسلمين، أو غير معادية بل بينها وبين المسلمين صلح وعهد، ولكن لا يسقطان عمن ارتكب موجبهما، بل تؤخر إقامتهما حتى يسافر إلى بلد مسلم فيقام عليه في ذلك البلد القصاص أو الحد، إذا كملت شروط إقامتهما وانتفت الموانع، وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم، والدليل على ذلك ـ إن حصل في
стр. 58
الدولة المحاربة للمسلمين ـ ما روى بشر بن أبي أرطاة أنه أتى برجل في الغزاة قد سرق فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقطع الأيدي في الغزاة لقطعتك، أخرجه أبو داود وغيره. وروى سعيد بن منصور عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر (كتب إلى الناس ألا يجلدن أمير جيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدا وهو غار، حتى يقطع الدرب قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار)، وعن أبي الدرداء وحذيفة بن اليمان نحوه، فإذا كان هذا في الغزاة المسلمين وهم تحت حكم المسلمين فمن الأولى إجراء هذا الحكم على أفراد الجالية المسلمة وهم تحت حكم دولة كافرة محاربة للمسلمين.
والدليل على ذلك ـ إن حصل في دولة مهادنة للمسلمين ـ أن الحكم فيها لغير المسلمين، وليس ثمة للمسلمين ولاية تحكم بما أنزل الله، وتقيم القصاص والحدود، وقد تعد تلك الدولة إقامة الحدود فيها والقصاص خارج محاكمها ودوائرها الأمنية افتياتاً عليها وانتهاكاً لسيادتها على أراضيها، وتعدها جريمة يعاقب عليها، فلا يلزم المسلمين فعل ما يعاقبون عليه في غير أراضيهم.
وبناء على هذا يكون واجب القصاص وإقامة الحدود مما يترك في غير بلاد المسلمين عجزاً عن إقامته أو رعاية للمصلحة التي اعتبرها الشرع، ودرءاً للمفسدة.
فأما دليل إقامة القصاص أو الحد إذا دخل المرتكب ما يوجبهما بلاد المسلمين فلعموم النصوص الآمرة بذلك، وإنما أخرت لعارض كما تؤخر بعض الواجبات لمرض أو شغل.
حكم الاستعانة بالمشركين في الحرب والاستعانة بسلاحهم:
تجوز الاستعانة بالمشركين في الحرب بشرطين: الأول الحاجة إلى ذلك.
والثاني أن يكون الكفار ممن يوثق بهم فلا تُخش ثائرتهم , وأما الاستعانة بسلاح الكفار فهو أمر جائز.
حكم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم الدينية أو الدنيوية:
تتفاوت أحكام المشابهة بالكفار فيما هو من خصائصهم الدينية أو الدنيوية تفاوتاً عظيماً فمنها كفر ومنها معصية ومنها مكروه ومنها مباح ومنها مستحب ومنها واجب إلا أن الأصل أن حكم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم الدينية أو الدنيوية هو التحريم.
وهناك حالات معينة قد تجعل المسلم يشارك الكفار في الهدي الظاهر ذلك أن المخالفة لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار ولما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء فإنه لم يشرع لهم المخالفة فلما كمل الدين وظهر وعلا شُرع ذلك. فلو أن المسلم بدار الحرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل يُستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه وجُعل على الكافرين بها الصغار ففيها ُشرعت المخالفة.
стр. 59
ما بين التشبه والولاء من علاقة:
المشابهة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، والمحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وجنس مخالفة الكفار وترك مشابهتهم أمر مشروع، والمشابهة في الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل، ومن الحِكم في مخالفة الكفار فيما هو من خصائصهم: أن المخالفة في الظاهر توجب المباينة منهم في الباطن، وأن المشاركة في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز ظاهراً بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين.
حكم مصافاة الكافر المسالم للدين وأهله وصداقته وموالاته ومباطنته ومباسطته:
يحرم اتخاذ المسلم بطانة من غير المسلمين ويحرم اتخاذهم أولياء وتحرم موادتهم ومحبتهم شرعاً , إذ ليس كل أحد يُجعل بطانة والبطانة هم الدخلاء الذين يستبطنون أمره وينبسط إليهم المرء, يُقال فلان بطانة لفلان أي مُداخل له مؤانس وهذا الحكم في حق عموم الكفار.
وهنا تنبيه مهم وهو أن المصاحبة للكافر بالمعروف لمن له حق في الصحبة كالرحم الكافرة والجار في الدار أو العمل مشروعة بل قد تكون واجبة أحياناً كما في الوالدين المشركين وهذه المصاحبة لا تدخل في المنهي عنه وفرقٌ بين أن أصاحب الكافر بالمعروف وبين أن أتخذه خليلاً وسر الفرق بينهما أن الخليل مشتق من الخلة وهي المودة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه، والصاحب مشتق من الصحبة وهي المصاحبة في شيء والمعاشرة، يُقال صحبه وصاحبه أي عاشره والصاحب المعاشر، كذا في اللسان والنهاية، وقد دلت نصوص الوحي على أن الخليل أعمق صداقة وعلاقة بخليله من الصاحب فكل خليل لا بد أن يكون محبوباً وأما الصاحب فقد يكون محبوباً وقد لا يكون.
وعلى هذا فالواجب على المؤمن ألا يتخذ الكفار أولياء وأن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه وأن لا تأخذه فيه لومة لائم وأن لا يخاف من تطبيق شرعه لكن في الوقت ذاته يجوز التعامل مع غير المسلمين والإنصاف لهم والعدل معهم والإحسان إليهم والبر بهم وللتوفيق بين ذلك قال العلماء إن المحرم المنهي عنه هو الحب القلبي والمودة للإعجاب بما عندهم من عقائد وتشريعات وكذلك الموالاة والنصرة والثقة بهم والاطمئنان الكامل للتعامل معهم وأما التعامل الظاهري الخالي من الإعجاب والموالاة فلا بأس.
حكم تزويج المرأة المسلمة بالرجل الكافر:
حكم زواج المرأة المسلمة بالرجل الكافر محرم وقد حال الإسلام بين المرأة المسلمة وبين زواجها من غير المسلم، نظرًا إلى أن المرأة في غالب أحوالها ضعيفة الإرادة أمام زوجها، فيُخشى عليها أن تطيعه في معصية الله أو أن توافقه في الردة عن دين الله، أو أن تواليه على ما يُغضب الله، فلذلك منع الإسلام زواج المسلمة بغير المسلم، وأباح زواج المسلم بالكتابية على قول من قال بذلك مع بعض الشروط ومن قبيل زواج المسلمة بالكافر ما يقع فيه بعض المسلمين في العصر الحاضر حين يزوجون نساءهم لأشخاص يعتنقون مبادئ وينتمون إلى أحزاب خارجة عن الإسلام، توجب كفر من ينتمي إليها أو يعتقد اعتقاداتها كحال الذين يعتنقون الشيوعية أو ينتمون إلى أحزابها أو يوالونها على كفرها ومثل ذلك من ينتمي إلى حزب البعث أو الأحزاب الاشتراكية، فهؤلاء لا يجوز نكاحهم للنساء المسلمات ابتداء لأنهم غير مسلمين، كما لا يجوز بقاء النساء المسلمات في عصمتهم بعد اعتناقهم لتلك المبادئ الكافرة التي توجب كفر من يعتقدها أو يتبعها أو يدعو إليها، لأن كل من خرج
стр. 60
من حزب الله دخل في حزب الشيطان بلا جدال، قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). أما إذا أسلمت المرأة وهي في عصمة رجل كافر سواء كان يهوديًا أو بعثيًا أو نصرانيًا أو اشتراكيًا أو شيوعيًا أو وثنيًا، فإن كان ذلك قبل الدخول بها فمذهب جمهور العلماء من الفقهاء أن الفرقة تقع بينهما في الحال، أما إن كان إسلام المرأة بعد الدخول بها فقال بعض العلماء: إن أسلم في عدتها فهي على نكاحها، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة، فقد بانت منه، وهناك رأي آخر وهو أن المرأة إذا أسلمت تخير بين طلب الفرقة أو انتظار إسلام الزوج وإن طالت المدة , ولكن لا يلزمها خلال العدة الانتظار والبقاء مع الزوج الكافر عملاً بقوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا).
أما إن أسلم الزوج ولم تسلم المرأة، فإنه يعرض على المرأة الإسلام فإن أسلمت في العدة بقيا على نكاحهما وإن أبت انفسخ النكاح ساعة إبائها سواء كان ذلك قبل الدخول بها أو بعده، وهذا إذا كانت الزوجة مشركة وثنية.
حكم الدعاء وقول جزاك الله خير للكافر:
الظاهر ـ والله أعلم ـ أنه لا حرج في أن يقول المسلم للكافر الحي " جزاك الله خيرا" مكأفاة له على معروفه , وذلك أن أهل العلم قد نصوا على أنه يجوز الدعاء للكافر بالهداية للإيمان والدخول في الإسلام، وكذلك الدعاء له بمصالح الدنيا من نعمة المال والولد ونحو ذلك إذا كان مسالماً، وهذا كله من الخير الذي يجوز الدعاء له به.
قال النووي في المجموع: وأما الصلاة على الكافر، والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع أما الدعاء له بالهداية، والدخول في الإسلام فيجوز ... انتهى.
حكم السلام على الكافر:
لا يجوز للمسلم أن يبدأ غير المسلم بالسلام من غير حاجة , لورود النهي عن ذلك قال النبي ﷺ : " لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام .. ". رواه مسلم، وله أن يحيه بغير السلام كقوله: أهلا وسهلا ونحو ذلك أما لو كان هناك موجب شرعي لابتداءهم بالسلام فلا بأس.
"قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" (٢/ ٤٢٤) في ابتداء الكفار بالتحية:
" وقالت طائفة - أي من العلماء -: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك " انتهى.
وأما إذا قال أحدهم " السام عليكم " - أي: الموت عليكم -، أو لم يُظهر لفظ السلام واضحاً من كلامه: فإننا نجيبه بقولنا " وعليكم ".
لِما جاء عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم السام عليكم فقل: عليك ". رواه البخاري ومسلم.
فإذا تحققنا من سلام الكفار علينا باللفظ الشرعي، فقد اختلف العلماء في وجوب الرد عليهم، والوجوب هو قول الجمهور.
قال ابن القيم ﵀: واختلفوا في وجوب الرد عليهم فالجمهور على وجوبه وهو الصواب وقالت طائفة لا يجب الرد عليهم كما لا يجب على أهل البدع وأَوْلى، والصواب الأول والفرق أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيراً لهم وتحذيرا منهم بخلاف أهل الذمة. أ. هـ " زاد المعاد "
стр. 61
ويقول الرادّ من المسلمين الرد الشرعي باللفظ الشرعي، مثل تحيته أو أحسن لعموم قوله تعالى: (وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردّوها).
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ:
" فلو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام أو يقتصر على قوله: وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها). فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه ﷺ ، إنما أمر بالاقتصار على قول الراد: وعليكم على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، ثم قال ابن القيم: والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه. قال الله تعالى: (وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) المجادلة / ٨.
فإذا زال هذا السبب، وقال الكتابي: سلام عليكم ورحمة الله فالعدل في التحية أن يرد عليه نظير سلامه. انتهى من أحكام أهل الذمة ٢٠٠/ ١.
حكم الثناء على الكفار ومدحهم:
الثناء والمدح إما أن يكون للصفات والخلال، أو أن يكون للأشخاص والأعيان.
فأما حكم الثناء والمدح للصفة فكل صفة محمودة شرعاً فلا مانع من مدحها بل يلزم ذلك أحياناً بغض النظر عمن صدرت منه , وكل صفة مذمومة شرعاً فيحرم إقرارها والثناء عليها بغض النظر عمن صدرت منه.
ويدل على هذا بوضوح مدح رسول الله ﷺ لحلف الفضول أو حلف المطيبين.
وقد كان حلفا في الجاهلية بين قوم كفار، لكنه لما كان من أجل إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم ورد الحقوق إلى أهلها جاز الثناء عليه لأجل ذلك.
فقال ﷺ : (شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه). وحلف المطيبين – كما في النهاية -: (اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية وجعلوا طيبا في جفنه وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فسموا مطيبين) أهـ.
والمراد بحلف المطيبين هو حلف الفضول، كما جزم بذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٩١).
ومن الأدلة أيضاً قول النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، وقد قال لبيد ذلك في جاهليته قبل أن يسلم، فإنه ترك الشعر بعد إسلامه ولم يقل إلا بيتاً واحداً ليس هذا هو، فلم يتحرج النبي ﷺ من مدح كلمة قالها كافر حال كفره، ما دامت حقاً.
وأما حكم الثناء على أشخاص الكفار ومدحهم لأجل كفرهم فمحرم بل هو كفر بالاتفاق وأما الثناء على الكفار ومدحهم لأجل دنياهم فيختلف حكمه بحسب الباعث عليه فإن كان الثناء عليهم ومدحهم بلا سبب يقتضي ذلك شرعاً , وكان على وجه يدعو للفتنة بهم وموالاتهم
стр. 62
فيحرم لا سيما وأن المدح والثناء من غير إكراه وموجب شرعي فرع عن المحبة المحرمة لهم، قال العلامة صديق حسن خان في كتابه (العبرة فيما ورد في الغزو والشهادة والهجرة)
" مدح الكفار لكفرهم ارتداد عن دين الإسلام، ومدحهم مجردا عن هذا القصد، كبيرة يعزر مرتكبها بما يكون زاجراً له ".
وقال العلامة الأهدل: " أما حكم من يمدحهم فهو فاسق، عاص مرتكب لكبيرة، يجب عليه التوبة منها، والندم عليها، هذا إذا كان مدحه لذات الكفار من غير ملاحظة صفة الكفر التي فيهم، فإن مدحهم من حيث صفة الكفر فهو كافر، كأنه مدح الكفر " من كتاب: السيف البتار على من يوالي الكفار للعلامة عبدالله بن عبدالباري الأهدل المتوفى سنة ١٢٧١ هجرية.
وعلى هذا فذكر ما عند الكفار من أخلاق محمودة على وجه الإعجاب بهم وتعظيم شأنهم والمدح لهم بلا موجب شرعي حرام لأن ذلك مناقض لحكم الله فيهم والله قد ذمهم وتوعدهم وشبههم بالأنعام كما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) وقال تعالى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) وقال تعالى: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم) وهذا شأن جميع أصناف الكفار.
وأما إن كان الثناء عليهم ومدحهم بسبب وموجب شرعي أو على الأقل يكون على وجه لا يدعو للفتنة بهم ولا موالاتهم فلا بأس بذلك ومنه ما يرويه محمد بن إسحاق أن النبي ﷺ قال لأصحابه لما اشتد أذى قريش لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه).
ومنه قول الرسول ﷺ (وَقَدْ) رَأَى عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي الْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ - إنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا , كما في سيرة ابن هشام , ومنه ما قال المستورد القرشي، عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول "تقوم الساعة والروم أكثر الناس "فقال له عمرو: أبصر ما تقول.
قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأوشكهم كرة بعد فرة. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك. رواه مسلم في صحيحه.
ومن الموجبات الشرعية لمدحهم والثناء عليهم أن يكون مدحهم على سبيل إنصافهم ودفع تهمة موجهه لهم زوراً ومن ذلك قوله ﵎: ((ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤديه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما .. )).
ومن الموجبات أيضاً أن يكون مدحهم على سبيل بث روح الاجتهاد في نفوس المسلمين ومحاولة منافستهم بما نحن أولى به منهم لإسلامنا ومن ذلك قول عمر ﵁: (عجبتُ من جلَد الكافر، وعجز الثقة). يقولها تحفيزا للثقات.
ومن الموجبات أيضاً أن يكون مدحهم على سبيل الشكر والمكافأة بالمعروف ومنه قول النبي ﷺ في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حيّا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له). رواه البخاري عن جبير بن مطعم.
стр. 63
وذلك لأن المطعم بن عدي، كان من أشراف قريش، وكان له عند رسول الله ﷺ يد، فقد كان أجاره حين رجع من الطائف، على إثر ذهابه لدعوة ثقيف .. وكان أيضا أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم .. وكانت وفاته قبل بدر بنحو سبعة أشهر.
فقول الرسول ﷺ هذا، نوع من المكافأة لمطعم والشكر لإحسانه، خصوصا وأنه قد قاله لابنه قبل إسلامه أيضا،،وقد كان حضر للشفاعة في أسارى بدر .. وقد رثى حسان بن ثابت المطعم بن عدي لمَا توفي.
وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول وذكر حديث المطعم، ثم قال: (كان ﷺ يكافئ المحسن إليه بإحسانه وإن كان كافرا) أهـ.
ومن الموجبات الشرعية كذلك أن يكون مدحهم على سبيل تطييب قلوب المؤلفة قلوبهم وتأليفهم على الإسلام ومنه ما رواه البيهقي أن النبي ﷺ قال لابنه حاتم الطائي لما سألته أن يخلي سبيلها وعددت بعض سجايا أبيها: ( .. خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله تعالى يحب مكارم الأخلاق .. ).
حكم مشاركة الكافر في التجارة:
مشاركة الكافر في التجارة جائزة مع الكراهة بشرط أن تكون إدارة الشركة بيد المسلم أو بيد الكافر ولكن يلتزم بحدود الشرع وإن كان الأولى للمسلم أن يختار لنفسه شريكاً مسلماً عدلاً أميناً، لتكون تجارتهما مباركة ورابحة بعون الله وتوفيقه، فقد روى أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما".
قال الشوكاني: المراد أن الله ﷻ يضع البركة للشريكين في مالهما مع عدم الخيانة، ويمدهما بالرعاية والمعونة، ويتولى الحفظ لمالهما. ا. هـ
فإذا خان أحدهما صاحبه نزعت البركة، والكافر والفاسق لا تؤمن خيانتهما وبغيهما خصوصاً في الجوانب المالية، ولذلك قال الله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) [صّ:٢٤].
ولذا كره الفقهاء مشاركة الكافر ومن لا يتحاشى التعامل بالحرام من المسلمين.
محل مشروعية إظهار العداوة والبغضاء والهجر للكفار المسالمين:
محل إظهار العداوة والبغضاء للكفار هو المصلحة سواءً كانت لمصلحة المُبغض الهاجر أو لمصلحة المبغوض المهجور ثم إن تحصيل هذه المصلحة تتفاوت فقد تكون واجبة أحياناً وقد تكون مستحبة , وأما دعوى إظهار البغض للكافر مطلقاً فغير صحيحة، وذلك لأنهم أنواع أولهم من لم تقم عليه الحجة، فهذا لا يُشرع إظهار البغض له، وقيل وإن كان مرجوحاً لا يُشرع بغضه ولكن يكفي ما جاء في صحيح مسلم (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب (لإثبات مشروعية بغضه , وإن اختلفنا في الوجوب من عدمه فالله أبغض الكافرين الذين هم أهل فترة من الرسل قبل بعثة الرسول ﷺ لمجرد كفرهم وشركهم بالله , وبغض الله لهم لا يعني أنهم معذبون قبل الحجة.
النوع الثاني من أقيمت عليه الحجة، ولم يبدر منه عداء للإسلام ولا محادة لله ورسوله، فهذا يُشرع بغضه في الله ولكن لا يلزم إظهار البغض له بل ذلك منوط بالمصلحة.
النوع الثالث أقيمت عليه الحجة، وبدر منه عداء للإسلام وأهله ومحادة لله ورسوله، فهذا
стр. 64
تحرم محبته وموادته قولاً واحداً بل يجب بغضه وإظهار العداوة له ولا تُخفى عداوته إلا لمصلحة شرعية راجحة.
وعلى هذا يتبين لنا أن إظهار العداوة والبغضاء للكفار مشروعة في حق من بلغهم دين الإسلام الصحيح على وجه تقوم به الحجة، بحيث يفهمونه، ويدركون أصول عقائده وشرائعه، فلم يقبلوا به، وأبوا الدخول فيه، فهؤلاء جزاؤهم المعاداة في الله وإظهار البغض لهم إذا اقتضت الحكمة والمصلحة ذلك كأن يُرجي من وراء ذلك حملهم على الإسلام وإلا فالأولى معاملتهم بالحسنى والبر والإقساط من غير اتخاذهم أولياء, ودليل مشروعية إظهار العداوة والبغض للكفار المُسالمين قوله تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) ودليل برهم والإحسان إليهم (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وأما من لم يبلغهم دين الإسلام ولم يسمعوا به أبداً، أو بلغهم على وجه لا تقوم به الحجة عليهم كأنه يبلغهم مشوها، ولم يمكنهم التعرف على الحق والبحث عنه، فهؤلاء ينبغي معاملتهم بالحسنى ودعوتهم للإسلام باللين واللطف وإن قيل يجب فلا يبعد.
الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم:
مسألة علاقة المسلمين بغيرهم أثارت الكثير من الجدل بين فقهاء المسلمين وقد
انقسم الرأي إلى فريقين:
الرأي الأول: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب وبهذا قال كثير من علماء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة , واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. فأما الأدلة من القرآن الكريم: فقوله " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ"، وقوله " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ " وكذلك قوله تعالى " وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ "، فهذه الآيات وما شابهها مما لم يُذكر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقاً دون قيد أو شرط.
ومن الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في ذلك قوله ﷺ " بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري" ومعنى هذا الحديث أن للسيف المقام الأول في تقرير دعوة التوحيد.
وكذلك قوله ﷺ " أُمِر ت أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَشْهَدُوا أَنْ َلا إَِلهَ إلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصََّلاَة وَيُؤُْتوا الزَّكاَة فإذا َفعَُلوا ذلك عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَاَلهُمْ إلا ِبحَقِّ الْإِسَْلاِم وَحِسَابُهُمْ على اللَّهِ "
وهذا يدل على أن الأمر بقتال الناس هو من أجل الدخول في الإسلام.
الرأي الثاني: أن أصل علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم , واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة من الكتاب والسنة الشريفة، أما من القرآن الكريم فقوله " وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " فالآية الكريمة تحث المسلمين على قبول السلم من الكفار حين اللجوء إليه.
وكذلك قوله " فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ
стр. 65
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا " فهذه الآيات وما شابهها مما لم يُذكر تدل على الأمر بقبول السلم من الكفار إذا جنحوا إليه.
أما الأدلة من السنة النبوية الشريفة فكثيرة منها، قوله ﷺ "لا تتمنوا
لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا"
حيث نهى النبي ﷺ في هذا الحديث عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو.
وكذلك رسائله ﷺ إلى الملوك والأمراء ودعوته لهم بالدخول إلى
الإسلام، فهذا يدل على أن الأصل هو السلم فلو كان الأصل هو الحرب لما أرسل إليهم هذه الرسائل.
قال الزحيلي: وإن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم، والحرب عارض لدفع الشر، وإخلاء طريق الدعوة ممن وقف أمامها وتكون الدعوة إلى الإسلام بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان.
أنواع القتال في الإسلام والحكمة منه:
بدايةً أخي المسلم اعلم أن ما يسميه البعض عنفاً، قد يسميه غيره قوةً وحزماً وردعاً، والناس ليسوا على شاكلة واحدة، فمنهم من يقف عند حده ويلتزم العدل والإنصاف، ولا يحارب الحق ولا يعاديه، ومنهم من يبغي ويطغى، ويظلم ويتعدى، ويبغض الحق ويحاربه، ويصد عن سبيل الله. وليس من العقل ولا من الحكمة أن يعامَل الجميع معاملة واحدة، ولذلك تجد في القرآن قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿الأنفال: ٦١﴾.
كما تجد فيه قوله : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿التوبة: ١٢ـ ١٣﴾.
وتجد فيه كذلك قوله سبحانه: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴿النساء: ٧٥﴾.
وما أحسن قول المتنبي:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى.
فالعنف قد يُحمد أحيانا، كما قد يُذم اللين أحيانا، والحكمة أن يوضع الشيء في موضعه، والجهاد في الإسلام لم يشرع لتحصيل أغراض دنيوية، بل شرع ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، مما يدرأ الفتنة، ويحاصر أبوابها ومنافذها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان، لكونهم مالا للمسلمين، والأول هو الصواب، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله، وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى: والفتنة أكبر من القتل ـ أي أن القتل وإن كان
стр. 66
فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين لله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم. اهـ.
ولمعرفة أسباب القتال في الإسلام يحسن أن ننقل كلام الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه أصول الدعوة حيث يقول: يقول بعض الكتاب المحدثين: إن القتال في الإسلام أو الجهاد في الإسلام هو دفاعي لا هجومي، بمعنى أنَّه لا يجوز للدولة الإسلامية أن تهاجم دولة غير إسلامية إلّا إذا هاجمتها هذه الأخيرة، والواقع أنَّ هذا القول غير سديد وينقصه التحقيق والتدقيق، ولا تدل عليه دلائل الشريعة، ذلك أنَّ القتال في الإسلام له أسباب: منها: ردّ الاعتداء، وفي هذا قال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. ومنها: القتال لنصرة ضعفاء المسلمين الذين يتعرَّضون لظلم الكفرة، قال تعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا.
ومنها: أن يبدأ المسلمون قتال الكفرة إذا رفضوا الإسلام ومنعوا المسلمين من تولي الحكم والسلطان، لإقامة شرع الله وتطبيقه في الأرض، وهذا هو الذي يجادل فيه البعض ويعتبره من قبيل القتال الذي يبدأ به المسلمون غيرهم بلا مبرِّر، والحقيقة أنَّ القرآن والسنة النبوية يدلان على هذا النوع من القتال، وقال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ـ والحقيقة أنَّ بدء المسلمين لغيرهم بالقتال إذا رفضوا الإسلام أو الجزية إنَّما هو لمصلحة عموم المشركين الذين يخضعون لسلطان الكفر، لأنَّ المسلمين يريدون بهذا القتال رفع هذا الحكم الكافر عنهم، وإزالة شرائعه الباطلة، ورفع الحواجز عن عموم الناس لرؤية الإسلام وشرائعه، فمن شاء آمن، ومن شاء بقي على كفره بشرط الولاء للدولة الإسلامية. وهذا كله من مصلحة المشركين الدنيوية والأخروية، أمَّا الدنيوية فتظهر في تمتعهم بعدل الإسلام والمحافظة على أموالهم وحقوقهم، وأمَّا الأخروية فبتهيئة سبل رؤيتهم الإسلام واحتمال دخولهم فيه عن رضًى واختيار، لا عن جبر وإكراه، وفي هذا سعادتهم وفوزهم في الآخرة. اهـ.
وجاء في الموسوعة الفقهية تحت عنوان: حكمة تشريع الجهاد ـ القصد من الجهاد دعوة غير المسلمين إلى الإسلام أو الدخول في ذمة المسلمين ودفع الجزية وجريان أحكام الإسلام عليهم، وبذلك ينتهي تعرضهم للمسلمين، واعتداؤهم على بلادهم، ووقوفهم في طريق نشر الدعوة الإسلامية، وينقطع دابر الفساد، قال تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين. وقال : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اهـ.
وأخيرا نذكر بأن غير المسلمين قد جرّوا على البشرية من أنواع الحروب والعنف والقتال ما لم يعرفه الإسلام، ولا يقبله المسلمون، لا من حيث الغاية، ولا من حيث الأسلوب والضوابط، ولا من حيث الآثار، ويكفي للوقوف على حقيقة ذلك مقارنة التاريخ الحربي للمسلمين بطوله، بالتاريخ الغربي في الحربين العالميتين فقط، جاء في الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي: انتهت الحرب العالمية الثانية في سنة ١٩٤٥م بعد استسلام ألمانيا في مايو ١٩٤٥م، وإلقاء القنبلة الذرية على اليابان واستسلامها في سبتمبر سنة ١٩٤٥م، ونتج عن هذه الحرب خسائر فادحة في الأرواح والأموال والعمران، كما أنها خلفت مشكلات
стр. 67
اجتماعية عديدة، وقدرت هذه الخسائر بـ ١١٥٤مليار دولار، وفقد فيها ٤١ مليون قتيل بخلاف الجرحى والأسرى. اهـ.
تعريف الجزية وحكمها:
الجزية هي ما يؤخذ من أهل الذمة، قال القرطبي إنها مشتقة من جزى يجزى إذا كافأ عَمَّا أسدى إليه فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وقد كان الصحابة عندما يخافون الخطر على أهل الذمة يردون إليهم ذمتهم، وهي إنما تؤخذ من الحر البالغ العاقل المقاتل عند القدرة على دفعها، ولا تؤخذ من النساء والصبيان والعبيد والمجانين والشيوخ الهرمين ولا من العاجز عن دفعها فقد أعفى عمر منها يهوديا فقيراً وجده يسأل، وهي من محاسن الإسلام فقد كان ملوك الروم يأخذون من العاملين نصف إنتاجهم، وأحياناً يغتصبون منهم مالهم بغير حد، فجاء الإسلام وأخذ منهم ديناراً واحداً كما في حديث الترمذي عن معاذ بن جبل قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فأمرني أن أخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم ديناراً. والحديث صححه الألباني.
وفي تاريخ الإِسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد المعنى الذي ذكرناه، ومن ذلك، ما جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد: وينبغى يا أمير المؤمنين ـ أيدك الله ـ أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد ﷺ والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم، فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: من ظلم من أمتي معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه، وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته: أوصي الخليفة من بعدي بذمة رسول الله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم، وجاء فى كتاب أشهر مشاهير الإِسلام أن جيوش التتار لما اكتسحت بلاد الإِسلام من حدود الصين إلى الشام، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار، ودان ملوكهم بالإِسلام، خاطب شيخ الإِسلام ابن تيمية أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذمة، فقال له شيخ الإِسلام: لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة فأطلقهم له، وجاء في كتاب: الإِسلام والنصرانية للأستاذ الإِمام محمد عبده ما ملخصه: الإِسلام كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين، ثم يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عوناً على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار، لا يضايقون في عمل، ولا يضامون في معاملة، خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديرة للعبادة، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال، جاءت السنة بالنهي عن إيذاء أهل الذمة، وبتقرير ما لهم من الحقوق على المسلمين لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ومن آذى ذميا فليس منا، واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإِسلام، ولست أبالي إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف في أبناء الإِسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف، ثم قال: أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم بعد العجز عن
стр. 68
إخراجهم من دينهم طردتهم عن ديارهم، وغسلت الديار عن آثارهم كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقاً، ولا يمنع غير المسيحي من تعدي المسيحي إلا كثرة العدد أو شدة العضد، كما شهد التاريخ، وكما يشهد كاتبوه، ثم قال: فأنت ترى الإِسلام يكتفي من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها، بشيء من المال أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم، وبأن يعيشوا في هدوء لا يعكرون معه صفو الدولة ولا يخلون بنظام السلطة العامة، ثم يرخى لهم بعد ذلك عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم. اهـ.
ويقول القطان في تفسيره: والجزيةُ ضريبة مالية من أموال غير المسلمين المستظِلّين براية الاسلام، وهي مقدار يتراوح بين اثني عشر درهما، وثمانيةٍ وأربعين وذلك ليُسهموا في ميزانية الدولة التي تحميهم في أنفسِهم وأموالهم وأعراضهم فهي في مقابل ما يؤخذ من المسلم، فالمسلم يُؤخَذ منه خُمس الغنائم والزكاة، وصدّقة الفطر، وغير ذلك مثل الكفّارات للذنوب المختلفة، وتنفق الجزية في المصالح العامة، وعلى فقراء أهل الذمة أيضا، وتفرض الجزية على أهل الكتاب، ولا تُفرض على المشركين هكذا عند جمهور العلماء، ويقرر أبو حنيفة أنها تفرض على غير المسلمين جميعا، أما المشركون الذين لا تقبل منهم فهم مشركو العرب فقط، وفيما يلي عهد كتبه أحد أمراء عمر بن الخطاب إلى مَرزُبان وأهل دهستان: هذا كتاب سويد بن مقرن لمرزبان بن صول بن رزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان أن لكم الذمة وعليكم المنعة، على أن عليكم من الجزاء في كل سنة على قدر طاقتكم على كل حالم، ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضا عن جزائه، ولكن الأمان على أنفسكم وأموالكم ومللكم وشرائعكم ولا يغير شيء من ذلك. اهـ.
وأما حكم الجزية ومن تُقبل منه فاعلم أن الكفار ينقسمون بالنسبة إلى الجزية إلى ثلاثة أقسام:
١ - أهل كتاب وهم: اليهود والنصارى، فهؤلاء يقاتلون حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويقرون على دينهم إذا بذلوها.
٢ - قسم لهم شبهة كتاب وهم: المجوس، فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم وإقرارهم بها، لقوله ﷺ في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" رواه مالك وابن أبي شيبة. ولا يعلم خلاف في هذين القسمين بين أهل العلم، إلا ما حكي عن الحسن البصري من أن الجزية لا تؤخذ من أهل الكتاب العرب.
٣ - وقسم ثالث وهم: من لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب، وهم عبدة الأوثان وسائر الكفار، فلا يقبل منهم سوى الإسلام. وهذا هو مذهب الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب، وروي ذلك عن مالك وأحمد.
وذهب مالك في الراجح عنه إلى أن الجزية تقبل من جميع الكفار، ومنهم المشركون وعبدة الأوثان مطلقاً: عرباً ـ ولو كانوا من قريش ـ فأحرى إذا كانوا غير عرب. وإلى هذا ذهب الأوزاعي.
واستدل القائلون بأن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس فقط، بعموم الأدلة الدالة على قتال المشركين كقوله سبحانه في سورة التوبة: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا
стр. 69
الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقول النبي ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله ) متفق على صحته، فلم يخيرهم النبي ﷺ بين الإسلام وبين البقاء على دينهم الباطل، ولم يطلب منهم الجزية، فدل ذلك أن الواجب إكراه الكفار على الإسلام، حتى يدخلوا فيه ما عدا أهل الكتاب والمجوس؛ لما في ذلك من سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، وهذا من محاسن الإسلام، فإنه جاء بإنقاذ الكفرة من أسباب هلاكهم وذلهم وهوانهم وعذابهم في الدنيا والآخرة إلى أسباب النجاة، والعزة والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة، فإلزام الإنسان بالحق الذي فيه الهدى والسعادة خير له من الباطل، كما يلزم الإنسان بالحق الذي عليه لبني آدم ولو بالسجن أو بالضرب، فإلزام الكفار بتوحيد الله والدخول في دين الإسلام أولى وأوجب؛ لأن فيه سعادتهم في العاجل والآجل , وأما لو أسلم المُكره على الإسلام في الظاهر فعلينا قبول ذلك منه، وإن كان لم يأت بالواجب عليه من الاستسلام ظاهرا وباطنا وحسابه على الله وهو يجازيه على سريرته كما قال شيخ الإسلام: فالإسلام هو الاستسلام لله والانقياد له ظاهرا وباطنا، فهذا هو دين الإسلام الذي ارتضاه الله كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن أسلم بظاهره دون باطنه فهو منافق يقبل ظاهره فإنه لم يؤمر أن يشق عن قلوب الناس. اه، وخُصّ أهل الكتاب من وجوب الإكراه على الإسلام بقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [التوبة: ٢٩] والمجوس بقول النبي ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فمن عداهم يبقى على مقتضى العموم. وروى البخاري أن عمر لم يقبل الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. وهذا يدل على أن الصحابة توقفوا في أخذ الجزية من المجوس حتى عرفوا المخصص لهم من بين سائر الكفار، فيدل على أنهم لم يأخذوها من غيرهم. وقول النبي ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" يدل على اختصاص أهل الكتاب ببذل الجزية، إذ لو كان عاماً في جميع الكفار لم يختص أهل الكتاب بإضافتها إليهم.
وأما المذهب الآخر القائل بأن الجزية تقبل من جميع الكفار واستثنى بعضهم عبدة الأوثان من العرب فهو قول الجمهور وقالوا بأن قوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ليس فيه دليل بتخصيص أهل الكتاب بالجزية بل يشمل كل الكفار بدليل أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر , وهم وثنيون وليسوا أهل كتاب، وقد ألحق الجمهور بقية الكفار بالمجوس، وخالفهم الشافعي وبعض أهل العلم، ويدل لرجحان قول الجمهور حديث النسائي: فإذا أنت لقيت عدوا من المشركين فادعهم إلى ثلاث، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم أدعهم إلى أن يتحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن هم أبوا أن يتحولوا إلى دار المهاجرين فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله كما يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء ولا
стр. 70
الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فقاتلهم على إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم. اهـ
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: وعند مالك وأصحابه أن أهل الكفر كلهم في الجزية سواء كما هم عند الجميع في مقاتلتهم وسبي ذراريهم في الدنيا وفي الخلود في النار، فلا وجه لفرق بين شيء من أحكامهم إلا ما خصته السنة فيسلم لها كما خصت الكتابيين في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وقال أيضا: واختلف الفقهاء في مشركي العرب ومن لا كتاب له، هل تؤخذ منهم الجزية أم لا؟ فقال مالك: تقبل الجزية من جميع الكفار عربا كانوا أو عجما، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور وأحمد وداود وإليه ذهب عبد الله بن وهب، وقال الأوزاعي ومالك وسعد بن عبد العزيز: إن الفرازنة ومن لا دين له من أجناس الترك والهند وعبدة النيران والأوثان وكل جاحد ومكذب بدين الله يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فإن بذلوا الجزية قبلت منهم وكانوا كالمجوس في تحريم مناكحهم وذبائحهم وسائر أمورهم. قال أبو عبيد: كل عجمي تقبل منه الجزية إن بذلها، ولا تقبل من العرب إلا من كتابيهم، وحجة من رأى الجزية القياس على المجوس لأنهم في معناهم في أن لا كتاب لهم ... اهـ
وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ: وأما عبدة الأوثان وغيرهم ممن ليس بأهل كتاب فإنهم يقرون على الجزية هذا ظاهر مذهب مالك وقال عنه القاضي أبو الحسن: يقرون على الجزية إلا قريشا. وقال الشافعي: لا يقرون على الجزية بوجه. وقال أبو حنيفة: لا يقر منهم على الجزية إلا العجم دون العرب وبه قال ابن وهب من أصحابنا، والدليل على ما نقوله ما روى ابن بريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على سرية أو جيش وصاه وقال له إذا أنت لقيت عدوا من المشركين فادعهم إلى ثلاث فأيتهن ما أجابوك إليها اقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم , ثم ادعهم إلى أن يتحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا إلى دار المهاجرين فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب الإسلام يجري عليهم حكم الله كما يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم , ودليلنا من جهة القياس أن هؤلاء أهل دين يجوز استبقاؤهم بالاسترقاق فجاز استبقاؤهم بالجزية كأهل الكتاب. اهـ
المقاطعة الاقتصادية:
أولاً: تعريف المقاطعة الاقتصادية:
المقاطعة: هي عدم التعامل مع شخصٍ أو شركة أو مؤسسة أو دولة، ومنه مقاطعة بلد لمنتجات وحاصلات بلدٍ آخر.
وقال في المعجم الوسيط: (المقاطعة: هي الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصادياً أو اجتماعياً وفق نظام جماعي مرسوم).
ثانياً: قواعد ومقدمات:
وهي سبع أسردها تباعاً:
الأولى: جواز معاملة الكفار: الأصل أنه يجوز معاملة الكفار بالبيع والشراء سواء كانوا أهل ذمّة أو عهد أو حرب إذا وقع العقد على ما يحل، ولا يكون ذلك من موالاتهم ,هذا هو
стр. 71
الأصل العام في معاملة الكفار إلا أنه يُستثنى من هذا الأصل مسائل؛ منها: أنه لا يجوز أن يبيع المسلم للكفار ما يستعينون به على قتال المسلمين.
الثانية: وسائل التعامل مع الكفار: شراء بضائع الكفار يتخذ في هذا العصر صوراً متعددة، وله وسائل لا بد من معرفتها ليتم الحكم عليها من خلالها, ولعله يمكن حصرها في الصور الآتية:
١ - الشراء المباشر من الكافر الذي يبيع أو يصنع أو ينتج السلعة، وهذا آكد ما يشمله حديثنا.
٢ - الشراء من خلال وسيط (سمسار)؛ حيث يكون لديه علم بعدد من المصانع والشركات المنتجة، فيقوم بالتنسيق والتقريب بين المشتري وبين المنتج أو المصنع، ويتولى كتابة وثيقة البيع بين الطرفين، وكل ذلك مقابل نسبة يستلمها الوسيط من الشركة أو المصنع المصدّر.
وهنا تكون الأموال مدفوعة للبائع الأصلي فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة.
٣ - الشراء من (وكيل بالعمولة) إذ يستورد البضائع باسمه ولحسابه هو، وتجري معاملاته باسمه أو بعنوان شركة ما، ثم ينقل الحقوق والالتزامات إلى موكله تنفيذاً لعقد الوكالة المبرم بينهما مقابل أجرة تسمى: (عمولة).
والفرق بينه وبين الذي قبله أن هذا يستورد البضائع ويبقيها لديه معروضة ليبيعها باسمه هو، ويتم التعاقد معه أو مع شركته، ثم بعد ذلك يسلم للمنتج أو المصنع قيمة المبيع ويطالبه بالالتزامات, أما الأول فإنه وسيط فقط يربط بين الطرفين، ثم تنتهي مهمته , وفي هذه الحالة تكون الأموال أيضاً مدفوعة للبائع الأصلي؛ فهو كالشراء المباشر في الاستفادة من الشراء والتضرر بالمقاطعة، إلا أن المقاطعة تضر بهذا الوكيل أيضاً لتحمله تخزين وعرض البضائع.
٤ - شراء بضائع أصلها من صنع الكفار، وجرى تصنيعها داخل بلاد المسلمين على يد شركة مسلمة تأخذ امتياز تصنيعها من الشركة الأصلية مقابل مبلغ مالي يدفعه صاحب امتياز التصنيع للشركة الأصلية بشكل دوريّ , وهنا يستفيد أولاً من البيع: الشركة المسلمة وتتضرر هي أولاً من المقاطعة, أما الكافر فيكون ضرره غير مباشر من خلال ما قد يعرض لصاحب امتياز التصنيع من الاستغناء عن حق الامتياز المذكور فيتوقف عن مواصلة دفع ما يقابله.
٥ - الشراء من مسلم اشترى بضائع صنعها الكفار أو أنتجوها؛ فهنا المتضرر من المقاطعة أولاً المسلم الذي اشترى البضاعة, مع أن المقاطعة تضر الكافر إذا امتنع التاجر المسلم من شراء منتجاته مرة أخرى لعدم رواجها.
الثالثة: أنواع بضائع الكفار: البضائع عموماً سواء باعها كفار أو مسلمون، إما أن تكون ضرورية أو حاجيّة أو تحسينية.
ولا شك أن بينها فرقاً كبيراً؛ فالشرع جاء بالتفريق بين الضروري وغيره، وأباح المحرم عند الاضطرار, ومعلوم أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة إذا كانت عامّة, وعليه فإننا لا بد أن نفرّق بين بضاعة ضروريّة لا غنى عنها كالدقيق مثلاًً، أو حاجيّة عامة كبعض المراكب وبين التحسينيات من أنواع الألبسة والكماليات ونحوها.
стр. 72
وعلى هذا نقول: إنّه يخفف في أمور الضرورات والحاجيات العامة ويراعى فيها ما لا يراعى في غيرها.
الرابعة: سد الذرائع.
سد الذرائع من الأدلة المستعملة عند أهل العلم, والمراد بها منع الجائز لئلا يُتوصّل به إلى الممنوع.
ونتيجة إعمالها: تحريم أمرٍ مباح لما يفضي إليه من مفسدة.
وأداء الوسيلة إلى المفسدة: إما أن يكون قطعياً أو ظنيًّا أو نادراً.
فإن كان قطعياً: فقد اتفق العلماء على سدّه والمنع منه سواء سُمّي سَدَّ ذريعة أو لا.
وإن كان نادراً فقد اتفق العلماء أيضاً على عدم المنع منه، وأنّه على أصل المشروعيّة , وأما إن كان ظنياً فقد اختلف أهل العلم فيه , ولعل الصحيح في هذا القسم الأخير أنه يُنظر فيه إلى المصلحة والمفسدة.
الخامسة: قاعدة المصالح والمفاسد.
ولا شك أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.
ونظرنا في المصالح والمفاسد ينحصر في ملحظين:
الأول: أن الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، فإنه يُنْهى عنه؛ وذلك لأن الشريعة مبنيّة على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقاً إلى مفسدة؛ ولذا سدّت ذرائع مفضية إلى الإضرار والفساد في شواهد كثيرة من الكتاب والسنة.
الثاني: أن المصالح والمفاسد يكفي فيها الظن الغالب؛ وذلك أن المصالح والمفاسد لا يُعرف مقدارها إلا بالتقريب؛ أما تحديدها بدقة فغير مُمكن غالباً.
السادسة: الإضرار الاقتصادي طريق من طرق الجهاد المشروع.
السابعة: ارتباط المقاطعة بإذن ولي الأمر: لا شك أن من الأصول المقررة عند أهل السنة والجماعة وجوب السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين في المعروف.
وأعمال الرعيّة منها ما يشترط لفعله إذن الإمام، ومنها ما لا يشترط له إذنه ,
والمقاطعة بشكلها المعاصر مما لا يظهر لي ارتباطه بإذن ولي الأمر.
ثالثاً: حكم المقاطعة الاقتصادية:
لا شك أن التعامل التجاري والاقتصادي الحاصل في هذا الزمن يباين التعاملات التجارية في الأزمان السابقة؛ فهو الآن أوسع وأشمل وأيسر، ولا شك أن ارتباط الاقتصاد بالسياسة وتأثيره على التوجهات السياسية والنزاعات الحزبيّة صار أكبر وأقوى.
ولذا فإن بحث هذه المسألة بالتوسع في النظر فيها هو من خصائص هذا العصر.
والذي يظهر أن حكم المقاطعة يختلف باختلاف الأحوال، وإليك التفصيل:
الأول: إذا أمر بها الإمام.
إذا أمر الإمام بمقاطعة سلعة معينة أو بضائع دولة من دول الكفر فإنه يجب على رعيته امتثال أمره, وليس للإمام أن يأمر بذلك إلا أن يرى في ذلك مصلحة عامّة لا تُقابلها مفسدة أو ضرر أرجح منه؛ وذلك أن الأصل في تصرّفات الولاة النافذة على الرعية الملزمة لها
стр. 73
في حقوقها العامة والخاصَّة أن تبنى على مصلحة الجماعة، وأن تهدف إلى خيرها.
وتصرّف الولاة على خلاف هذه المصلحة غير جائز.
ولذا قعَّد أهل العلم قاعدة: تصرّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.
الثاني: إذا لم يأمر بها الإمام.
إذا لم يأمر الإمام بالمقاطعة فلا يخلو الحال من أمرين:
١ - أن يعلم المسلم أنَّ قيمة ما يشتريه يُعين الكفار على قتل المسلمين أو إقامة الكفر , فهنا يحرم عليه أن يشتري منهم؛ وذلك لأن الشراء منهم والحال ما ذكر مشمول بالنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، ومشمول بقاعدة سد الذرائع المفضية إلى الحرام , وإذا علم المسلم أن أهل العلم حرَّموا بيع العنب لمن يتخذه خمراً، وبيع السلاح لأهل الحرب أو وقت الفتنة خشية استعماله لقتل المسلمين، وحَرَّموا إقراض من يغلب على الظن أنه يصرف ماله في محرم؛ فكيف إذا كان عين الثمن الذي يشتري به يُقتل به مسلم أو يُعان به على كفر؟!
هذا حكم ما لو علم ذلك يقيناً سواء باطلاع مباشر، أو خبر موثوق به، أو غير ذلك, وغلبة الظن تجري مجرى العلم كما سبق.
٢ - أن لا يتيقن أن عين ما يشتري به منهم يستعان به على حرام من قتال المسلمين أو إقامة الكفر؛ فهذا باق على الأصل العام وهو جواز البيع والشراء وسائر المعاملات.
فإن الأصل في البيوع الإباحة سواء منها ما كان مع المسلمين أو الكفار كما سبق وحيث لم يوجد ناقل عن هذا الأصل فلا يتغير الحكم ولكن يرتبط به الحالة الآتية:
٣ - أن لا يتيقن أن عين ما يشتري به منهم يُستعان به على حرام؛ لكن في مقاطعتهم مصلحة، ولعل هذه الحالة هي أكثر ما يكون الحديث عنه.
ولبيان حكم هذه الحالة فإني أحتاج لتقسيمها إلى قسمين:
أ - أن يتم الشراء من الكافر مباشرة أو من خلال سمسار أو وكيل بعمولة.
وإذا أردت الوصول للحكم الشرعي في هذا القسم فإني بحاجة لتقرير مسلَّمات شرعيّة توصلنا للنتيجة: فالأصل جواز التعامل مع الكفار ولو كانوا من أهل الحرب، وأن وسائل الحرام حرام ولا يُحكم على فعلٍ حتى يُنْظر في مآله وعاقبته.
ولا يُباح مما يفضي إلى مفسدة إلا ما كانت مصلحته أرجح ولا يحرم مما يفضي إلى مصلحة إلا ما كانت مفسدته أرجح ولا مانع من استعمال الإضرار المالي جهاداً لأعداء الله ولو لم يأذن به الإمام.
وعليه فإن كان في المقاطعة والحال ما ذكر مصلحة فإنه يُنْدب إليها على أنه يراعى مدى الحاجة للبضائع كما سبق.
ب - أن يتم الشراء من مسلم اشترى البضاعة أو صاحب امتياز, ولبيان الحكم فإني مع تذكيري بما سبق من مسلَّمات فإني أذكر بأن المنتج الكافر يأخذ مقابل منحه امتياز التصنيع، وهو يأخذه سواء قلَّ البيع أو كثر، فالمقاطعة إضرار به وبعمالته وبالمساهمين معه في رأس ماله، وكذا الحال بالنسبة لمن اشترى بضاعة من الكافر وصارت من ماله فالمقاطعة إضرار به.
ولذا فإن القول بندب المقاطعة فيه ثِقَل لوجود المفسدة والضرر الكبيرين، ولا يقال فيها إن المفسدة خاصة والمصلحة عامة؛ وذلك لأن المسلم سيكون هو المتضرر، ولأنَّ نفع المقاطعة مظنون وتضرر الشركة مقطوع به، والمقطوع يقدم على المظنون.
стр. 74
وعلى كلٍّ فاعتراض المفسدة قد يمنع القول بندب المقاطعة في هذا القسم، والله تعالى أعلم.
وأنبّه هنا إلى أن من قاطع البضائع والسلع المنتجة من دول الكفار بنيّة حسنة كتقديم البديل الإسلامي أو زيادة في بغض الكفار فإنه إن شاء الله ممدوح على فعله مثاب.
الإعانة على الإثم والعدوان حدوده وضوابطه:
لا شك أن الإعانة المباشرة على الإثم والعدوان محرمة بنص القرآن وكذلك الإعانة الغير مباشرة على الإثم والعدوان محرمة إذا كانت مقصودة والأعمال بالنيات قال تعالى "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" وعلى هذا فالإعانة على الإثم والعدوان أربعة أقسام:
١ - مباشرة مقصودة كمن أعطى آخر خمراً بنية إعانته على شربها.
٢ - مباشرة غير مقصودة ومنه بيع المحرمات التي ليس لها استعمال مباح إذا لم ينو إعانتهم على استعمالها المحرم.
٣ - مقصودة غير مباشرة كمن أعطى آخر درهماً ليشتري به خمراً ومنه القتل بالتسبب.
٤ - غير مباشرة ولا مقصودة كمن باع ما يستعمل في الحلال والحرام ولم ينو إعانة مستعمليه في الحرام، وكمن أعطى آخر درهماً لا ليشتري به خمراً فإن اشترى به خمراً وشربه فلا إثم على من أعطاه الدرهم طالما لم ينو به إعانته على المحرم، ومن هذا القسم الرابع البيع والشراء والإجارة من المشركين وفساق المسلمين والتصدق عليهم بالمال , وقد كان قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا " في دورته الخامسة التي انعقدت بالبحرين سنة ١٤٢٨هـ تحريم الأنواع الثلاثة الأولى وإباحة القسم الرابع وهو ما ليس مباشراً ولا مقصودا.
وأما ضابط الإعانة على الإثم والعدوان الذي يحدد ما يكون إعانة مباشرة وما لا يكون فهو العادة الجارية الغالبة؛ فما يُعتبر فيها إعانة على المحرم مباشرة فهي الإعانة التي نُهينا عنها , وأصل ذلك أنه لا ضابط للإعانة المباشرة في اللغة، ولا في الشريعة؛ فوجب اعتبار العرف والخبرة.
فعليه فكل ما عدَّه الناس إعانة مباشرة على معصية من وجبت طاعته في الدنيا من
حاكم أو أب أو زوج، وكان سبباً لغضبه، ومستحقاً عندهم لعقوبته؛ فإن نظير
تلك الإعانة في معصية الله يُعد محرماً , وهذا كله يُبنى على قاعدة أخرى وهي
أن كل ما اُعتبر تعظيماً لمخلوق، ووفاء لحقه الواجب فالخالق أولى به , وقد دل
على ذلك قوله تعالى: "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، وهذا يحصل بمطلق
ما يُعرف إعانة عند الناس , وقد تأيد هذا الأصل بالسنة حيث كان صلى الله علي
وسلم يتعامل مع اليهود والنصارى وبعض المشركين بيعا وشراء وكراء ورهناً،
ولم يُعتبر هذا من إعانتهم المباشرة , وحين غاب هذا الأصل عند البعض رأيت من
ضيّق ما يكون إعانة محرمة حتى أباح بيع العنب لمن يعلم أنه يتخذه خمراً، وكراء
الدار لمن يعلم أنه يتخذها في محرم أصالة، بحجة أن الأصل حل التصرف
بالمباح؛ حتى قال الثوري ﵀: بع الحلال من شئت. وهذا مشهور
مذهب أهل الكوفة؛ فقد أجاز أبو حنيفة ﵀ بيع العنب وعصيره من خمار
، وعلل ذلك بأن المعصية لا تقوم بعينه، ولأن العصير يصلح لأشياء كلها جائز شرعاً فيكون الفساد إلى اختيار المشتري، وليس هو من فعل البائع ولا من قصده.
وخالفه صاحباه في ذلك؛ فقالا بالمنع فيه , وكيف يصح هذا وقد ثبت في حديث
стр. 75
ابن عمر مرفوعا:"لعن الله الخمر، وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها" رواه أبوداود. ووسعه آخرون
حتى حرموا ما أحل الله، وتنزهو عما كان يفعله رسول الله ﷺ .
فقد سأل خياطٌ بعضهم، فقال: أنا ممن يخيط للظلمة؛ فهل أُعّدُّ من أعوانهم؟
فقال: لا! أنت منهم، والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم. ذكره الآلوسي في "روح المعاني".
فعليه كل ما كانت العادة فيه جارية أن العقلاء المحبون يجيزونه لمتبوعيهم
مما قد يُظن أنه ذريعة إلى معصيتهم فمثله في الشريعة مباح، وكل ما يمقتونه
من أسباب غضب أولئك المتبوعين فمنع مثله في الشريعة أولى , وإذا أخذت
بهذا الضابط تجلى لك الأمر، وكنت وسطاً بين الغالين والجافين بغير برهان.
ثم ما يقع ـ بعد ذلك ـ بين الواضح في حرمته، وبين الواضح في إباحته فهو من
مسائل الشبهات التي تُكره عند عامة أهل العلم، ويتحول حكمها إلى الإباحة
إذا وجدت حاجة إليها , ومع عدم الحاجة فإن هذا الموضع المشكل محلٌ للورع
والاحتياط عند ذوي الديانة والله أعلم.
حكم إعانة الكافر على المعصية:
قبل بيان حكم هذه المسألة لا بد من تحرير القول في مسألة وهي هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
أقول لا شك أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهو قول الجمهور، قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير: والكفار مخاطبون بالفروع -أي بفروع الإسلام- كالصلاة والزكاة والصوم ونحوها، عند الإمام أحمد والشافعي والأشعرية وأبي بكر الرازي والكرخي وظاهر مذهب مالك، فيما حكاه القاضي عبد الوهاب وأبو الوليد الباجي، وذلك لورود الآيات الشاملة لهم، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا). وقوله تعالى: (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ). وقوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ). وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ). وقوله : (يَا بَنِي آدَمَ). وقوله أيضاً: (يَا أُولِي الْأَبْصَارِ). ا. هـ
والمقصود بخطابه بها، أنه يعاقب عليها في الآخرة، لا أنه يُطالب بفعلها في الدنيا.
قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: فالكافر الأصلي مخاطب بها خطاب عقاب عليها في الآخرة، لتمكنه من فعلها بالإسلام، لا خطاب مطالبة بها في الدنيا لعدم صحتها منه. ا. هـ
وقال في شرح الكوكب المنير: والفائدة أي: فائدة القول بأنهم مخاطبون بفروع الإسلام كثرة عقابهم في الآخرة، لا المطالبة بفعل الفروع في الدنيا، ولا قضاء ما فات منها. ا. هـ
ونقل ابن النجار عن النووي قوله: ومرادهم في كتب الأصول: أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعاً، لا على الكفر وحده. ا. هـ
ومما استدل به جمهور العلماء على ما ذهبوا إليه:
١ - قول الله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل:٨٨].
قال ابن النجار: أي فوق عذاب الكفر، وذلك إنما هو على بقية عبادات الشرع. ا. هـ
٢ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران:٩٧].
وجه الدلالة أن لفظ (الناس) اسم جنس معرف بأل الاستغراقية، فيشمل جميع الناس، والكفار
следующие страницы →