Полный текст (61 стр.). Показаны 36–61 · переход к 41.
стр. 36
فإذا علم المؤمن أن الميزان الذي تقاس به الأمور مختلف عما يظنه كثير من الناس، وإذا علم أن هذا الميزان يختلف بين المؤمنين والكافرين، فقد يتساوى المؤمن والكافر في الظاهر في صورة الابتلاء بالمنع أو العطاء، لكن بينهما ما بين المشرق والمغرب؛ فهذا المؤمن استقرت نفسه وهدأ خاطره، فأقبل على عبادة ربه بطمأنينة وسكينة، واستقبل قضاء الله وقدره بمزيد من الرضا والتسليم، شاكراً لنعمائه، صابراً على ابتلائه، فنال بذلك أعلى الدرجات وحصَّل أعلى الكرامات، وليس ذلك إلا للمؤمن، كما قال ﵇: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير -وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".
الركن السابع: فقه التعامل مع أقدار الله الشاملة للسراء والضراء ما يلي:
يقول أهل العلم من علامات السعادة أن المسلم إذا أُنعم عليه شكر وإذا ابتُلي صبر وإذا أذنب استغفر, فعلى المؤمن أن يصبر على كل ما يُصيبه من مصائب وبلايا لينال أجر الصابرين الشاكرين، كما قال الرسول ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" رواه مسلم. فالمؤمن الذي تُصيبه السراء والنعمة فيشكر ربه فله العاقبة الحسنة، وذلك لأن الله يحب الشاكرين، ويزيدهم من نعمه، قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:٧]. والمؤمن الذي يصبر على الضراء ينال أجر الصابرين، كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
وقد بين النبي ﷺ أن من يصبر على فقد (موت) ولده ولا يجزع، بل يسترجع، ويحمد الله، أن الله يبني له بيتاً في الجنة جزاءً على صبره وشكره، قال رسول الله ﷺ : "إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد" رواه الترمذي، وقال حديث حسن.
ومعنى استرجع: قال: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) فعلى المؤمن أن يقول ذلك إذا أصابته مصيبة من المصائب، وعليه أن يرجع إلى الله، وأن يكثر من ذكره ومن الصلاة، حيث كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر يفزع إلى الصلاة.
ومعنى حزبه: أي نزل به أمر مهم.
стр. 37
ومن الأمور التي تهون المصائب: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والوضوء، وتلاوة القرآن الكريم، وتوثيق الصلة بالله سبحانه، والتوبة من كبائر الذنوب ... إلخ.
استدراك: ليس من الصبر المحمود, الصبر على المعاصي إنما المحمود الصبر عن المعاصي وفرقٌ بين المسألتين.
• بيان عدم التعارض بين قوله تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) وقوله ﵊ (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل):
لا تعارض بين الآية والحديث المذكورين حتى يُوَفَق بينهما، وسر الفرق بينهما أن المصائب أعم من العقوبة فليست كل مصيبة تكون عقوبة بل قد تكون المصيبة ابتلاء لرفع الدرجات كما هو الحال مع ما أصاب الأنبياء ﵈ وأما قوله تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) المقصود بالمصيبة هنا هي المصائب الجارية مجرى العقوبة والجزاء على الذنب لا مُطلق المصيبة , ومجيء العام على معنى بعض أفراده أمر معروف، وقد تقدم أن المصيبة أعم من العقوبة , والذي يدلك على هذا هو أن البهائم والأطفال ليسوا بمنأى عن المصائب فهل يقول عاقل أن ما أصابهم بسبب ذوبهم؟!!.
وبهذا يتبين لك أن من أسباب المصائب الذنوب، ولكنها ليست السبب الوحيد، فقد يبتلي الله تعالى بعض عباده الصالحين الذين لم يستوجبوا العقاب بذنوبهم، لينالوا أجر الصابرين، وترتفع بذلك درجاتهم، كما قد يصيب الله بعض الأطفال بالمصائب، وهم لا ذنب لهم.
أما على مذهب من يرى عدم عصمة الأنبياء من الذنوب الصغائر ويرى أن جميع المصائب للمكلفين بسبب الذنوب بلا استثناء فتكون الآية على ظاهرها وأن ابتلاء الله لأنبيائه بالمصائب لعلو منزلتهم ولإرادة الله تكميل عبوديتهم له ليقربهم إليه أكثر ويُكرمهم يوم القيامة ولمعاملة الله لهم معاملة خاصة ويُشدد الحساب عليهم لعلو منزلتهم عنده وكما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين وعلى هذا تكون المصائب في حقهم رفعة درجات نتيجة تكفير صغائر ذنوبهم والله أعلم.
وعلى هذا؛ فلا تعارض بين الآية والحديث في كلا الحالين.
стр. 38
• تأويل هلاك الأفاضل في الحوادث والزلازل والكوارث:
في البداية إن من رحمة الله بالخلق أنه لا يعذبهم بعذاب عام ينال المسيء والمحسن إلاّ إذا فشى فيهم الخبث وظهر بينهم، وابتعدوا عن منهج الله، قال المهلب " ظهور الزلازل والآيات وعيد من الله تعالى لأهل الأرض، قال الله تعالى: "وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً" [الإسراء: ٩٥]، والتخويف والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة والإعلان بالمعاصي، ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين زلزلت المدينة في أيامه قال: (يا أهل المدينة ما أسرع ما أحدثتم والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم). فخشي أن تصيبه العقوبة معهم" ... انتهى.
وحينها يكون الهلاك خيراً عند أهل الإيمان المغلوبين على أمرهم من الحياة وسط بيئة يُحارب فيها الله صباح مساء، ويُجاهر فيها بمعصيته ومحادته.
وعلى هذا جرت سنة الله في خلقه فمتى استشرى السرطان في الجسد، وتمكن منه، فغلب عليه فساد أعضائه، بعث الله برحمته ملك الموت ليقبض المُصاب على الرغم من صلاح الكبد والطحال أو غيرها من الأعضاء، فيموت المريض وله قلب ينبض، وعقل يحمد، ولو مد الله في أجله لفسدا تأثراً بالبيئة السرطانية.
وهكذا إذا استشرى الفساد في المجتمعات، وأبى مفارقتها أهل الصلاح لغير موجب شرعي , أوشك أن يعمهم العذاب، إما عقوبة لهم على بقائهم بلا موجب شرعي، أو رحمة بهم قبل أن ينالهم الفساد الذي أحكم قبضته فحال بينهم وبين المفارقة.
وفي حديث أنس المتفق عليه: "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي"، فدل هذا بمفهومه على أن الوفاة قد تكون خيراً للمسلم.
قال ابن عبد البر عند هذا الحديث بعد أن قرر النهي عن تمني الموت لبلاء نزل: "وقد يجوز تمني الموت لغير البلاء النازل، مثل أن يخاف على نفسه المرء فتنة في دينه ... انتهى"، قال النووي: "فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضرراً في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث وغيره وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم ... انتهى".
وما ضر مشتاق إلى لقاء ربه، طامع في النظر إلى وجهه، أن تعجلت له بوادر ذلك، بأمر الله إذا فسد الناس.
وهنا أخي القاراء الكريم قد يقول قائل: كيف تعدون هذه الزلازل وتلك الكوارث والحوادث عقوبات من الله وقد يهلك فيها الصالحون، أو يجوز نزول العذاب على الصالحين عندكم؟ ومع أن هذه المقدمة تشير إلى الجواب، بل النص النبوي فيها
стр. 39
صريح، غير أن بسطه من الأهمية بمكان؛ لأن التشغيب بنحو هذا من قبل أولياء الباطل من أجل تقرير أن الزلازل والفيضانات والبراكين التي تصيب بعض الأمم الباغية لا علاقة لها ولا مدلول يشير إلى صلاح أو فساد نجمت عنه الكارثة، والحجة عندهم أن تلك الكوارث بعينها تصيب أهل الإسلام فيهلك من الصالحين أناس.
مع أن الله يقول: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [الروم:٤١]. وقال سبحانه: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" [الشورى:٣٠]، وقال لخير القرون ﵃: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [آل عمران:١٦٥].
وللجواب على هذا الإشكال لابد في البداية أن نفهم مسألة مهمة في هذا الباب وهي أنهلك وفينا الصالحون؟ أو بصيغة أخرى أيهلك القوم وفيهم الصالحون؟ أجيب بأن الله قد أعذر فأنذر عباده، قال عز سلطانه: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (الأنفال:٢٥)، وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش –﵂ قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟
قال: "نعم إذا كثر الخبث".
قال أبو الوليد الباجي، وهو من علماء القرن الخامس: "فهذا مع الصالحين فكيف مع قلتهم أو مع عدمهم نسأل الله أن يتجاوز عنا بفضله ويتغمد زللنا برحمته ... انتهى"، ولا يسعنا إلاّ أن نقول: آمين!
وفي صحيح البخاري بابٌ: إذا أنزل الله بقوم عذاباً.
قال ابن حجر: بتصرف يسير مني "حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث"، ثم ساق حديث يونس بن زيد: "إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بٌعثوا على نياتهم"، قال ابن حجر: "والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم، قوله: "ثم بعثوا على أعمالهم" أي: بعث كل واحد منهم على حسب عمله، إن كان صالحاً فعقباه صالحة، وإلاّ فسيئة فيكون ذلك العذاب طُهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين" ثم ذكر آثاراً عدة في هذا المعنى، وقال: "والحاصل أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يُجازى كل أحد بعمله على حسب نيته"، ثم ذكر قول ابن أبي جمرة في سبب إهلاك الصالحين، فقال: "إنما يقع بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -بغير موجب شرعي-، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقاً، لا يرسل الله عليهم العذاب، بل يدفع بهم العذاب، ويؤيده قوله تعالى: "وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ" [القصص:٥٩]، وقوله تعالى: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" [الأنفال:٣٣]، ويدل على تعميم العذاب لمن لم ينه عن المنكر -مع عدم المفارقة حال
стр. 40
وقوعه- وإن لم يتعاطاه قوله تعالى: "فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ" [النساء:١٤٠]، ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار، ومن الظلمة، لأن الإقامة معهم -بلا موجب شرعي- من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضي فهو منهم، ويؤيده أمره ﷺ بالإسراع في الخروج من ديار ثمود.
وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل؛ لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة، وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيراً لما قدموه من عمل سيئ، فكان العذاب المُرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم يُنكر عليهم فكان ذلك جزاءً لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يُبعث كلٌ منهم فيُجازى بعمله.
وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي -بلا موجب شرعي-، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضي، فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة، قلتُ: فأتى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة وإلى ذلك جنح القرطبي في التذكرة" اهـ.
ثم مال ابن حجر إلى أنه ليس من شرط إهلاكهم سكوتهم عن الإنكار فقال: "وما قدمناه قريباً أشبه بظاهر الحديث وإلى نحوه مال القاضي بن العربي".
ولعل هذا القول قريب من قول ابن قتيبة ﵀ في تأويل مختلف الحديث:" فأما عقاب الله تعالى إذا هو أتى فيعم وينال المسيء والمحسن قال الله تعالى: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً" (الأنفال: من الآية٢٥) [الأنفال:٢٥] يريد أنها تعم فتصيب الظالم وغيره، وقال : "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا" (الروم: من الآية٤١) [الروم:٤١]. وقالت أم سلمة: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون، فقال: نعم إذا كثر الخبث، وقد تبين لهم أن الله تعالى غرق أمة نوح ﵇ كلها وفيهم الأطفال والبهائم بذنوب البالغين وأهلك قوم عاد بالريح العقيم وثمود بالصاعقة وقوم لوط بالحجارة ومسخ أصحاب السبت قردة وخنازير وعذب بعذابهم الأطفال، قال أنس بن مالك: إن الضب في جحره ليموت هزلاً بذنب ابن آدم، وقد دعا رسول الله ﷺ على مُضر، فقال:"اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف" فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين، حتى أكلوا القد والعظام .. فنال ذلك الجدب رسول الله ﷺ وأصحابه ..... "إلخ.
ثم عقب ﵀ بكلمة تسطر بماء الذهب، رأى صوابها كل من له عينين، فقال: " وقد رأينا بعيوننا ما أغنى عن الأخبار، فكم من بلد فيه الصالحون والأبرار، والأطفال والصغار، أصابته الرجفة، فهلك به البر والفاجر، والمسيء والمحسن، والطفل والكبير؛ كقومس ومهرجان وقذق والري ومدن كثيرة من مدن الشام واليمن
стр. 41
وهذا شيء يعرفه كل من عرف الله من أهل الديانات وإن اختلفوا".
وحاصل القول هو أن ما اختاره ابن أبي جمرة من عدم وقوع العذاب على المُصلحين بل دفع الله بهم العذاب عن العاصين أقرب للصواب (ويُلحق بالمُصلحين المقيمين بينهم لموجب شرعي)، ويشهد لمذهب أبي جمرة أدلة كثيرة منها:
١ - تقييد الإهلاك العام في النصوص التي احتج بها المخالف بالسكوت عن الإنكار في أحاديث أخر، كما في حديث الترمذي الذي صححه هو وغيره، عن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه". وكما في حديث السفينة، وغيرهما.
٢ - قول الله تعالى: "ولاتزر وازرة وزر أخرى" وقوله سبحانه "لايكلف الله نفساً إلا وسعها" وما في معناهما.
٣ - عموم الأدلة في حفظ الله من حفظه، كحديث ابن عباس: يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، الحديث. قال ابن رجب: "وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان؛ أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله ... النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة ويحفظ عليه دينه ثم موته فيتوفاه على الإيمان".
٤ - النصوص الواردة في حفظ الله للقرى وأهلها الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، كقول الله تعالى: " فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ" [هود:١١٦ - ١١٧].
٥ - نصوص الوعد بالسلامة والنجاة للأنبياء والمؤمنين إذا نزل العذاب، كما في قول الله تعالى: "فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ" [يونس: ١٠٢ - ١٠٣].
٦ - إخبار الله عن إنجائه الذين ينهون عن المنكر ويدعون إلى المعروف في مواطن عديدة، إذا نزل العذاب، كشأن كثير من أنبياء الله ورسله وأتباعهم من المؤمنين، قال الله تعالى: "وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ" [هود:٥٨]، "فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ " [هود:٦٦]، "وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي
стр. 42
دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ" [هود:٩٤]، وكما في خبر نوح، ولوط، وغيرهم من رسل الله، قال الله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ" [الأنبياء: ٧ - ٩]، وقال الله عن أصحاب السبت: "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف:١٦٥]. ولهذا قال حبر الأمة وترجمان القرآن: "لم يُعذب أهل قرية حتى يخرج النبي ﷺ ، ويخرج المؤمنون، ويلحقوا بحيث أمروا".
فهذه وغيرها أدلة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لمنع العذاب العام، فإذا قيل فما بال القرى ترتجف فيهلك فيها الصالح والطالح، أجيب بأن الصالح لا يلزم أن يكون مُصلحاً، وإن كان صالحاً، فإن تركه الأمر والنهي قد يكون معصية لا ترفع عنه وصف مُطلق الصلاح، وبخاصة مع تأوله وتركه الهجرة المتعينة، ولهذا قال: عمر بن عبد العزيز كان يقال: إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم. قال أبو الوليد الباجي: "يريد قول الله : "وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" [الأنعام:١٦٤ وغير آية]، وقوله _رضي الله عنه_ ولكن إذا عمل المنكر جهاراً يقتضي أن للمجاهرة بالمنكر من العقوبة مزية ما ليس للاستتار به وذلك أنهم كلهم عاصون من بين عامل للمنكر وتارك للنهي عنه والتغيير على فاعله، إلا أن يكون المُنكر له مستضعفاً لا يقدر على شيء فينكره بقلبه فإن أصابه ما أصابهم كان له بذلك كفارة وحُشر على نيته".
وقال ابن العربي في قول الله تعالى: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً" [الأنفال:٢٥]: "وتحقيق القول في ذلك أن الله قال: "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" [البقرة:٢٨٦]. وقال: "وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" [الأنعام:١٦٤ وغير آية]، فقد أخبرنا ربنا أن كل نفس بما كسبت رهينة، وأنه لا يؤاخذ أحداً بذنب أحد، وإنما تتعلق كل عقوبة بصاحب الذنب، بيد أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سُكت عنه فكلهم عاص؛ هذا بفعله، وهذا برضاه به. وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل؛ فانتظم الذنب بالعقوبة، ولم يتعد موضعه، وهذا نفيس لمن تأمله".
(وللتنبيه فقط مقولة الراضي كالفاعل للإثم صحيحة لكن هذا من حيث الإثم أما من حيث رتبة الإثم فلا , وشتَان ما بينهما إذ أن الراضي أقرب للمغفرة من الفاعل , علماً بأن السكوت عن المنكر لغير موجب شرعي لا يلزم منه الرضا بالمنكر وإن كان آثماً على سكوته أما السكوت عن المنكر لموجب شرعي لا إثم فيه بل فيه الأجر والمثوبة).
стр. 43
نعود إلى موضوعنا ونقول إنه ربما قام بعض هؤلاء الصالحين بالأمر والنهي ولكن قام بهم مانع يحول دون تحقق وصف الصلاح أو الإصلاح فيهم، وإن خفي هذا على البشر فليس بخاف على الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وقد يكون السبب المانع من العذاب قائماً متحققاً كأن يكون الأمر بالمعروف لا يكل عنه المصلحون، والنهي عن المنكر لا يمل منه الطيبون، ومع ذلك ينزل الله العذاب، فيكون هذا من قبيل تخلف النتيجة مع تحقق السبب بقدر الله وأمره لاقتضاء الحكمة له في ذلك الموطن، كتخلف الولد على الرغم من حصول سببه وهو الزواج، ونحو ذلك مما هو مخالف للأصل، فيقدر بقدره.
والأصل هو أن الإصلاح من أسباب نجاة الداعين، وتقليل خبث المخبثين، وتأخير العقوبة عن عامة الناس أجمعين.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا شك أنه سبب رئيسي لإكرام الله للمُحتسِب بالنجاة عند حلول العذاب.
ويمكن تقسيم تعلق النجاة بالأمر والنهي؛ إلى أقسام:
١ - فإن وضع المصلحون المعروف ورفعوا المنكر بأمرهم ونهيهم، سلموا وسلم الناس جميعاً.
٢ - وإن تركوا الأمر والنهي بلا موجب شرعي هلكوا وهلك الناس، ومثال صورة هذين الفريقين هي المذكور في حديث السفينة؛ حديث النعمان بن بشير في الصحيح والذي قال فيه النبي ﷺ : "مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك! قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء! فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم".
٣ - فإن أمروا ونهوا وبذلوا ما في وسعهم فلم يستجب لهم، ففارقوا قومهم وفاصلوهم، كما فعل كثير من أنبياء الله قبل حلول العذاب بأقوامهم، حينها تكون المُفاصلة نجاة لهم، كما كانت نجاة لأنبياء الله ورسله، وعندها يكون البقاء محرماً لوجوب الهجرة المتعينة، وهذا المعنى يُمكن انتزاعه من حديث السفينة فقد ضربت صورة للمسألة وبُيّن المآل لاحتمالين، وسكت عن تبين المآل فيما إذا لو حاول الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر الأخذ بأيدي الواقعين في محارم الله فلم ينتهوا وأصروا على الخرق بالوقوع في المحارم، فهنا يتعين على الآمرين والناهين المفارقة لينجو بأنفسهم قبل أن يُدركهم الغرق، وقد استدل غير واحد من أهل العلم على وجوب المفارقة إن استشرى الفساد بالآثار المؤذنة بحلول العذاب العام، قال الزرقاني: "وفي الاستذكار هذا يقتضي أنه لا ينبغي المُقام بأرض يظهر فيها المنكر
стр. 44
ظهوراً لا يُطاق والمقام بموضع يظهر فيه الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأغلب" ونحوه نقل ابن حجر. أما إن لم يأن أوان المفاصلة فيظل الإنكار والقيام بأمر الله صارفاً للعذاب، قال الله : "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" [الأنفال:٣٣]، ولذا قال ابن عباس _رضي الله عنه_: لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي ﷺ ، ويخرج المؤمنون، ويلحقوا بحيث أمروا , وللعلم والتنبيه الهجرة من دار الفسق والبدعة مشروعة كما قرر العلماء ولكنها لا تجب , ومناط إيجاب الهجرة هو عدم القدرة على إظهار الدين سواء كانت دار كفر أو لا.
٤ - وقد يأمر أهل الخير بالمعروف وينهون عن المنكر فلا يُستجاب لهم، ويستشري الفساد فلا يمايزون قومهم، وقد يكون هذا بعذر كعدم القدرة على المفارقة مع سعيهم لها، أو بغير عذر غير استمرارهم في الأمر والنهي طمعاً في أن يغير الله حالهم، فيدأبون على ذلك حتى ينزل العذاب، فهؤلاء قد يكرمهم الله بالنجاة وبالأخص إن سعوا في التمايز وبذلوا أسبابه، كما أكرم الله سبحانه موسى وقومه بالمعجزة الباهرة يوم فرق البحر فأنجاهم، ثم أغرق عدوهم ودمر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون, وقد يأخذهم الله مع الهالكين وبالأخص إن لم يعمدوا إلى مفاصلة قومهم، ولم يسعوا في مفارقتهم، رحمة بهم وتداركاً لهم قبل أن تصلهم يد الباطل المفسدة، ثم يبعثهم على نياتهم، ولعل من لطف الله بعباده المخلصين أنه يقدر لهم في مثل هذه الأحوال ما هو خير لهم فيكتب النجاة لمن كانت الحياة خيراً له، ويقبض إليه من كان قبضه خيراً له.
وبهذا يظهر وجه احتجاج نبي الله الحليم إبراهيم ﵇ على الملائكة بقوله: "إِنَّ فِيهَا لُوطاً" [العنكبوت:٣٢]، أثناء مجادلته عن قوم لوط طمعاً في تأخير العذاب عنهم، فجاءه الجواب: "قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ" [العنكبوت:٣٢].
فكان اعتراضه صحيحاً، ومراده منه تأخير العذاب عن القوم لعلهم يرجعون، كما قال الله تعالى في الآية الأخرى: "فلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ" [هود:٧٤ - ٧٥]، فاعتراضه بلوط كان من أجل قومه، ولهذا قال الله تعالى: "يجادلنا في قوم لوط"، فجاءه الرد بأن ما اعترض به لن يناله السوء هو وأهله المؤمنون به، فلم تبق حجة تمنع حلول العذاب بالمفسدين، وفي هذا إقرار لصحة الاعتراض الأول القاضي بمنع إهلاك الأنبياء بعذاب يعمهم وأقوامهم، وكذلك المؤمنين من أتباعهم، وقد أورد أهل التفسير ما يدل على هذا أثناء حكايتهم لمجادلة إبراهيم، ويشهد له ما سبق عن ابن عباس ﵄.
стр. 45
• تأويل ابتلاء الأنبياء:
بداية أخي المسلم اعلم أن العلماء اختلفوا في عصمة الرسل ﵈، فذهب كثير منهم إلى أنهم معصومون من تعمد الذنب مطلقا، وأن ما نسب إليهم من ذلك فهو من الخطأ والنسيان أو فعل خلاف الأولى مما يقال في مثله: حسنات الأبرار سيئات المقربين , وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الأنبياء تجوز عليهم صغائر الذنوب ولكنهم لا يقرون عليها، فهم معصومون من الإقرار على الذنوب بل يبادرون بالتوبة النصوح وتكون التوبة في حقهم كمالا ويكونون بعدها خيرا وأفضل مما كانوا قبلها، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية قال ﵀: وَلِهَذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إنَّمَا هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ وَأَنَّ اللَّهَ يَسْتَدْرِكُهُمْ بِالتَّوْبَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فإنه يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَإِنْ كَانَتْ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتِ الْمُقَرَّبِينَ. وَأَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مَنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِكَمَالِ النِّهَايَةِ بِالتَّوْبَةِ لَا لِنَقْصِ الْبِدَايَةِ بِالذَّنْبِ. وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ. انتهى.
وعلى كل تقدير فما يصيب الأنبياء من المصائب والبلايا ليس لذنب ارتكبوه فإنهم إما معصومون من تعمد الذنوب مطلقا كما ذكرنا وإما من الإقرار عليها، ولكن تكون المصائب في حقهم لحكم عظيمة منها رفع درجاتهم، ومنها أن يكونوا أسوة لمن بعدهم من أممهم، ومنها ألا يغلوا فيهم أتباعهم فيخلعوا عليهم ما هو من خصائص الألوهية.
قال شيخ الإسلام: وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لينالوا جزيل الأجر ولتعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم ويتأسوا بهم. انتهى.
قال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة"
" وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان. . . وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين الكرامة في حقهم، فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله مِن نعمة جسيمة ومنَّة عظيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان.
فتأمل حال أبينا آدم ﷺ وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة. . .
وتأمل حال أبينا الثاني نوح ﷺ وما آلت إليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة وهم أولو العزم الذين هم أفضل الرسل , وأمَر رسولَه ونبيه محمَّداً أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشكر فقال: (إنه كان
стр. 46
عبداً شكوراً) فوصفه بكمال الصبر والشكر.
ثم تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم ﷺ إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وعمود العالم وخليل رب العالمين من بني آدم، وتأمل ما آلت إليه محنته وصبره وبذله نفسه لله، وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه ونصره دينه إلى أن اتخذه الله خليلاً لنفسه. . . وضاعف الله له النسل وبارك فيه وكثر حتى ملؤوا الدنيا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته خاصة، وأخرج منهم محمَّداً ﷺ وأمَره أن يتبع ملة أبيه إبراهيم. . .
ثم تأمل حال الكليم موسى ﵇ وما آلت إليه محنته وفتونه من أول ولادته إلى منتهى أمره حتى كلَّمه الله تكليما، وقرَّبه منه، وكتب له التوراة بيده، ورفعه إلى أعلى السموات، واحتمل له ما لا يحتمل لغيره، فإنه رمى الألواح على الأرض حتى تكسرت، وأخذ بلحية نبي الله هارون وجرَّه إليه، ولطم وجه ملك الموت ففقأ عينه، وخاصم ربه ليلة الإسراء في شأن رسول الله، وربه يحبه على ذلك كله، ولا سقط شيء منه من عينه، ولا سقطت منزلته عنده، بل هو الوجيه عند الله القريب، ولولا ما تقدم له من السوابق وتحمل الشدائد والمحن العظام في الله ومقاسات الأمر الشديد بين فرعون وقومه ثم بني إسرائيل وما آذوه به وما صبر عليهم لله لم يكن ذلك.
ثم تأمل حال المسيح ﷺ وصبره على قومه واحتماله في الله وما تحمله منهم حتى رفعه الله إليه وطهره من الذين كفروا وانتقم من أعدائه، وقطَّعهم في الأرض ومزَّقهم كل ممزق وسلبهم ملكهم وفخرهم إلى آخر الدهر. . .
فإذا جئت إلى النبي ﷺ وتأملت سيرتَه مع قومه وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، وتلون الأحوال عليه مِن سِلْم وخوف، وغنى وفقر، وأمن وإقامة في وطنه وظعن عنه وتركه لله وقتل أحبابه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى من القول والفعل والسحر والكذب والافتراء عليه والبهتان، وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله يدعو إلى الله فلم يؤذ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يعط نبي ما أعطيه، فرفع الله له ذكره وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهاً، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفاً وفضلاً، وساقه بها إلى أعلى المقامات.
وهذا حال ورثته من بعده الأمثل فالأمثل كلٌّ له نصيب من المحنة، يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له " انتهى.
стр. 47
• تأويل تقدير المصائب على الحيوانات:
في البداية يجب على المسلم أولاً أن يعلم أن حكمة الله تعالى في خلقه لا يمكن الإحاطة بها، فمنها ما ندركه، ومنها ما لا ندركه، لكننا نقطع ونؤمن أن الله سبحانه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة بالغة؛ لأنه سبحانه منزه عن العبث، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعلى هذا فكل ما فعله علمْنا أن له فيه حكمة، وهذا يكفينا من حيث الجملة، وإن لم نعرف التفصيل، وعدم علْمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا وأما كنه ـ أي حقيقة ـ ذاته فغير معلومة لنا: فلا نكذب بما علمناه ـ أي من كماله ـ ما لم نعلمه ـ أي من تفاصيل هذا الكمال ـ، وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به، وعدم علْمنا بالحكمة فى بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها، ونحن نعلم أن مَن علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفاً بصفاتهم التى استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو: لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه، والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته فى خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلاً وتكلفاً للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح فى الحساب والطب والنحو بغير علمٍ بشاءٍ من ذلك. اهـ هذا الكلام الجميل من " مجموع الفتاوى ".
وينبغي أن يُعلم أن قياس أفعال الله تعالى على أفعال البشر من أفسد القياس وأشنعه، فلا يمكن للإنسان أن يحيط علماً بحكمة الله تعالى في خلقه وأمره، وقضائه وقدره، مهما أوتي من الفطنة والذكاء والعلم والفهم.
قال ابن القيم في (مفتاح دار السعادة): مذهب أهل السنة والجماعة أن أفعال الله تعالى لا تقاس بأفعال عباده، ولا تدخل تحت شرائع عقولهم القاصرة، بل أفعاله لا تشبه أفعال خلقه، ولا صفاته صفاتهم، ولا ذاته ذواتهم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. اهـ.
قال ابن الجوزي في (صيد الخاطر): أترى يظن الظان أن التكاليف غسل الأعضاء برطل من الماء، أو الوقوف في محراب لأداء ركعتين؟! هيهات! هذا أسهل التكليف! وإن التكليف هو الذي عجزت عنه الجبال، ومن جملته: أنني إذا رأيت القدر يجري بما لا يفهمه العقل، ألزمت العقل الإذعان للمقدر، فكان من أصعب التكليف، وخصوصًا فيما لا يعلم العقل معناه، كإيلام الأطفال، وذبح الحيوان، مع الاعتقاد بأن المقدر لذلك، والآمر به أرحم الراحمين، فهذا مما يتحير العقل فيه، فيكون تكليفه التسليم وترك الاعتراض، فكم بين تكليف البدن وتكليف العقل. اهـ.
стр. 48
وقال أيضا: القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن، بل هو يتنوع، حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر، فمن ذلك ... تسليط الكفار على المسلمين، والفساق على أهل الدين. وأبلغ من هذا إيلام الحيوان وتعذيب الأطفال؛ ففي مثل هذه المواطن يتمحض الإيمان. اهـ.
ثانياً على السلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله حرم الظلم على نفسه وأنه لا يظلم خلقه شيئاً ولو مثقال حبة من خردل , والظلم معناه وضع الشيء في غير موضعه، ومنع ذي الحق حقه، كأن ينقص أحداً من ثواب حسناته، أو يحمل أحداً أوزار غيره , وليثق المسلم أن كل مخلوق له حق عند الله فسيأخذه لا محالة وهذا متفق عليه بين جميع المسلمين وإن اختلفت مذاهبهم في معرفة وبيان تفصيل هذه الحقوق , ولهذا صدق القائل حين قال:
ما للعباد عليه حق واجب * كلا ولا سعي لديه ضائع.
إن عذبوا فبعدله أو نعموا * فبفضله وهو الكريم الواسع.
وأما بالنسبة للمصائب المقدرة على الحيوانات، فالبهائم والوحوش وإن كانت لا تكليف عليها إلا أنه إذا كان يوم القيامة يُقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، كما ثبت في السنة، فلا يمتنع أن يكون بعض ما يصيبها في الدنيا - بالإضافة إلى كونه عقوبة أو ابتلاء لأصحابها - عقوبة دنيوية لها هي كذلك أسوة بالعقوبة الأخروية!.
ثم إننا لو افترضنا عدم تعويض هذه الحيوانات التي وقع عليها الظلم في الآخرة فاعلم أن منطق العدل يقول بوجوب معاقبة الظالم ما لم يعفو صاحب الحق أما إثابة المظلوم فهي قدر زائد عن الواجب ومعاقبة الظالم ثابتة في الآخرة قال ﵊ لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. رواه مسلم. وقال النبي ﷺ : عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. متفق عليه.
وقال الكرمي في (رفع الشبهة والغرر) ناصا على مسألة ألم الحيوانات: تعليل أفعال الله كلها الجارية في المكلفين وغيرهم مما لا سبيل إلى معرفته والوقوف على سر حقيقته، وفي مثل هذا المقام تخبطت الأفهام، فقالت طائفة: إن البهائم والأطفال لا تتألم ولا تحس بالألم. وهذا جحد للضرورة ومكابرة في المحسوس. وقالت طائفة: إن ذلك لا يصدر إلا من فاعل الشر. وقالت طائفة من غلاة الرافضة بالتزام التناسخ وقالوا: إنما حسن ذلك لاستحقاقهم ذلك بجرائم سابقة اقترفوها في غير هذه القوالب فنقلت أرواحهم إلى هذه القوالب عقوبة لهم. وموجب هذا التخليط تعلق أمل هؤلاء بمعرفة حقيقة أسرار أفعال الله تعالى في المكلفين وغيرهم، وهذا مما لا سبيل إلى
стр. 49
معرفته، ويكفي معرفة الحكمة والتعليل في ثواب وعقاب المكلفين وهو المراد، وإلا فمن المحال معرفة أسرار أفعاله كلها لأن الرب تعالى لا يمثل بالخلق لا في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله، بل له المثل الأعلى، فما ثبت لغيره من الكمال فهو أحق به، وما تنزه عنه من النقص فهو أحق بتنزيهه عنه سبحانه، وليس كل ما كان ظلماً من العبد يكون ظلماً من الرب، ولا ما كان قبيحاً من العبد يكون قبيحاً من الرب؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، لكن القدرية شبهت في الأفعال فقاسوا أفعال الله على أفعال خلقه وهو أفسد القياس. اهـ.
وقد ترتب على تضييع هذا الأصل اختلاف شديد بين المتكلمين في هذه المسألة، فأطالوا فيها النفس وحاروا وتماروا ولو أنهم سلموا لقول ربهم (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) لكفاهم وكما قال رسولنا ﵊ " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
ثم إن تسليط الله تعالى لبني آدم وغيرهم على البهائم ليس من باب العقوبة لها، بل هو في الأصل ابتلاء شرعي لبني آدم أنفسهم، حيث أمروا بالإحسان إليها حتى في القتل والذبح، كما قال رسول الله ﷺ : إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته. رواه مسلم.
فمن ذنوب بني آدم التي يحاسبون ويعاقبون عليها يوم القيامة: إيلام أو إتلاف الحيوان بغير حق، وقد ثبت في ذلك نصوص كثيرة، من أشهرها قول النبي ﷺ : عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. متفق عليه. وقال أيضا ﷺ : من قتل عصفورا في غير شيء إلا بحقه سأله الله عنه يوم القيامة. رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني. ولذلك قال رسول الله ﷺ : لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثيرا. رواه أحمد. وحسنه الألباني، وجوده المناوي في (التيسير) وقال: أي ما تفعلون بها من الضرب وتكليفها فوق طاقتها من الحمل والركوب. اهـ.
فلا بد من التنبه إلى أن إقامة العدل المطلق لا يكون في الدنيا، وإنما يكون في الآخرة، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴿الأنبياء:٤٧﴾
وقال : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ ﴿إبراهيم ٤٢﴾
стр. 50
ومن هذا الباب قول النبي ﷺ : لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. رواه مسلم.
قال القاري في (مرقاة المفاتيح): القضية دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين؛ فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف والقوي والضعيف اهـ.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذه المذاهب تفصيلا في (طريق الهجرتين) في فصل: (بيان ما للناس في دخول الشر في القضاء الإلهي من الطرق والأصول) فراجعه إن شئت. وكذلك تعرض لذلك في (شفاء العليل) في الباب الحادي والعشرين: (تنزيه القضاء الإلهي عن الشر ودخوله في المقضي) ولتمام البحث يرجى الاطلاع على فصل (الأسماء الحسنى والصفات العلا مقتضية لآثارها من العبودية) من كتاب (مفتاح دار السعادة).
وأما ما يُثار من شبهات حول تشريع الذبح للأضاحي قربة لله وإنكاره فقد قال الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأنْعَامِ﴾ قال: المسألة الثانية: قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام، والإيلام قبيح، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم، فيمتنع أن يكون الذبح حلالاً مباحاً بحكم الله. قالوا: والذي يحقق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة عن الدفع عن أنفسها، ولا لها لسان تحتج على من قصد إيلامها، والإيلام قبيح إلا أن إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى هذا الحد أقبح. واعلم أن فرق المسلمين افترقوا فرقاً كثيرة بسبب هذه الشبهة، فقالت المكرمية: لا نسلم أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح، بل لعلّ الله تعالى يرفع ألم الذبح عنها. وهذا كالمكابرة في الضروريات. (قلتُ هذا الكلام من الرازي فيه نظر) وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقاً، بل إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحقاً بعوض، وهاهنا الله سبحانه يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض شريفة، وحينئذ يخرج هذا الذبح عن أن يكون ظلماً، قالوا: والذي يدل على صحة ما قلناه ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألم الفصد والحجامة لطلب الصحة، فإذا حسن تحمل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة، فكذلك القول في الذبح. وقال أصحابنا: إن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه، والمالك لا اعتراض عليه إذا تصرف في ملك نفسه. والمسألة طويلة مذكورة في علم الأصول. اهـ.
وقال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس): وَقَدْ ألقى إبليس إِلَى البراهمة ست شبهات ... الشبهة الخامسة: قالوا: قد جاءت الشرائع بأشياء ينفر منها العقل فكيف يجوز أن تكون صحيحة من ذلك إيلام الحيوان، والجواب: أن العقل ينكر إيلام الحيوان بعضه لبعض فأما إذا حكم الخالق بالإيلام لم يبق للعقل اعتراض، وبيان ذلك أن العقل قد
стр. 51
عرف حكمة الخالق وأنه لا خلل فيها ولا نقص فأوجبت عَلَيْهِ هذه المعرفة التسليم لما خفي عنه، ومتى اشتبه علينا أمر فِي فرع لم يجز أن نحكم عَلَى الأصل بالبطلان. ثم قد ظهرت حكمة ذلك فإنا نعلم أن الحيوان يفضل عَلَى الجماد، ثم الناطق أفضل مما ليس بناطق بما أوتي من الفهم والفطنة والقوى النظرية والعملية، وحاجة هَذَا الناطق إِلَى إبقاء فهمه ولا يقوم فِي إبقاء القوى مقام اللحم شيء، ولا يستطرف تناول القوي الضعيف، وما فيه فائدة عظيمة لما قلت فائدته وإنما خلق الحيوان البهيم للحيوان الكريم، فلو لم يذبح لكثر وضاق به المرعى ومات فيتأذى الحيوان الكريم بجيفته فلم يكن لإيجاده فائدة، وأما ألم الذبح فإنه يسير. وَقَدْ قيل إنه لا يوجد أصلا لأن الحساس للألم أغشية الدماغ لأن فيه الأعضاء الحساسة ولذلك إذا أصابها آفة من صرع أَوْ سكتة لم يحس الإنسان بألم، فَإِذَا قطعت الأوداج سريعا لم يصل ألم الجسم إِلَى محل الحس ولهذا قَالَ ﵊: "إذا ذبح أحدكم فليحد شفرته وليرح ذبيحته. اهـ.
قلتُ وقد ثبت علمياً أن ما تجده البهيمة من ألم في الذبح الشرعي ما هو إلا ألم يسير جداً لا يكاد يُذكر وفي ذلك يقول د. جواد الهدمي الحاصل على دكتوراه في علوم الدواجن التطبيقية وأمراضها/ لندن في بحث له منشور على النت باسم "الإعجاز العلمي في التخدير بالذبح ووجوب عدم نخع الذبائح " ولكن الحقيقة العلمية أن الألم عند الحيوان المذبوح لا يستمر لأكثر من ثوان قليلة، لأن جميع أجهزة الجسم تكون منشغلة في إمداد الدماغ بالدم.
فالأعصاب التي تحوي الدم تتلقى الأوامر من المخ بإمداده بالدم بسبب نقص الدم عند ذبح الحيوان، وتبدأ عضلات الجسم بالتشنج وردود الأفعال والتي من خلالها يتدفق الدم عبر الأوعية الدموية باتجاه القلب، ثم يوجه القلب هذه الدماء باتجاه المخ، ولكنها سوف تخرج خارج جسد الحيوان لأنه مذبوح." ثم قال " ومن الفروق الجوهرية بين الذبح الإسلامي وغير الإسلامي, أن الذبح الإسلامي يؤدي إلي عدم الشعور بالألم وكأنه تخدير للذبيحة, والتخدير هنا كما نفهمه اليوم طبيا هو عدم الشعور بالألم، أما في الغرب فيلجأون إلي تدويخ أو إغماء الحيوان قبل ذبحه وهي شكل من أشكال التخدير البدائية التي مورست في سنوات خلت قبل تقدم وتطور الطب وتم التخلي عنها, وهذا يؤدي إلى بقاء نسبة عالية من الدم في الذبيحة, وذلك لفقدانه القدرة علي الحركة العضلية وبالتالي تسبب احتقان الجسم بالدماء. " وقال أيضاً " يدعي بعض المستشرقين أن الطريقة الإسلامية في الذبح طريقة لا إنسانية ويستدلون على ذلك بالتقلصات والاختلاجات التي يقوم بها الحيوان بعد عملية الذبح.
والحقيقة أنه عكس ذلك تماماً فإن الطريقة الإسلامية في الذبح إذا أجريت بالطريقة
стр. 52
الصحيحة تقطع الدم والهواء فوراً عن الدماغ فيصاب الحيوان بإغماء كامل ويفقد الحس تماماً والاختلاجات التي تحدث هي عبارة عن أفعال انعكاسية لها أهمية كبيرة في تخليص الذبيحة تماماً مما بها من الدم."
وقال " لا بد هنا من التفريق بين عدم الوعي وعدم الإحساس بالألم فالحيوان هنا مع عملية الذبح يكون كامل الوعي لكنه عديم الإحساس بالألم فالمخ والقلب نشيطان وهي من المتطلبات الفسيولوجية والتشريحية للتخلص من الدم. "
ثم قال " وإن ما نراه في الحيوان من رفس وتشنج وما شابه ذلك هي من مؤثرات بقاء الحياة في الجهاز العصبي، ولا يشعر الحيوان المذبوح بها على الإطلاق."
وعموماً على المسلم أن يعتقد أن الله لا يضع الشيء في غير موضعه، ولا يمنع ذي الحق حقه ولا يظلم خلقه مثقال حبة من خردل أياً كانوا , هذا وإن كنا قد نختلف في تعيين هذه الحقوق على التفصيل.
• تأويل مصائب الأطفال:
لا شك أن ولادة الولد أعمى أو معاقاً ليس بسبب الذنوب لأنه لم يقع منه ذنب وليس مكلفاً، وإنما هو ابتلاء قد يرفعه الله تعالى به ويكرم والديه وذويه إذا صبروا على البلاء.
فمرض الطفل, أو ولادته مُعوَّقاً , فى ميزان حسناته يوم القيامة , قال رسول الله ﷺ : ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه, وولده, وماله, حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)) [سنن الترمذي, صحيح الجامع:٥٨١٥] والله ﴿لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] ومما ذكر أهل العلم من حكمة ابتلاء الأطفال ببعض الآلام أن الله تعالى يعوضهم عن ذلك بعد موتهم، قال القرطبي في تفسيره: قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحاً وأقل فساداً منهم عند ألم الأطفال وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ويتعلق بهم من التربية والكفالة، ثم هو يعوض هؤلاء الأطفال عوضاً إذا صاروا إليه ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم وأذى ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر. انتهى.
فلن يضيع أجر هذا الطفل, فهو الذي لا يضيع حتى أجر الكافر, ولكنه يعجِّل أجره في الدنيا من مال, وولد, وصحة, وشُهرة ... إلى غير ذلك, قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ
стр. 53
يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴿١٥﴾ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] وقال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] وقال رسوله ﷺ : ((إن الله تعالى لا يظلم المؤمن حسنة, يُعطَى عليها فى الدنيا, ويُثاب عليها فى الآخرة, وأما الكافر فيُطعَم بحسناته فى الدنيا, حتى إذا أفضى إلى الآخرة, لم تكن له حسنة يُعطَى بها خيراً)) [صحيح الجامع:١٨٥٣]
ثم إن ما يترتب على الألم من بكاء الطفل ونحو ذلك له فيه مصالح دنيوية أيضاً، قال ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة: ثم تأمل حكمة الله تعالى في كثرة بكاء الأطفال وما لهم فيه من المنفعة، فإن الأطباء والطبائعين شهدوا منفعة ذلك وحكمته، وقالوا: في أدمغة الأطفال رطوبة لو بقيت في أدمغتهم لأحدثت أحداثاً عظيمة، فالبكاء يسيل ذلك ويحدره من أدمغتهم فتقوى أدمغتهم وتصح. وأيضاً: فإن البكاء والعياط -أي: الصراخ- يوسع عليه مجاري النفس، ويفتح العروق، ويصلبها ويقوي الأعصاب.
وكم للطفل من منفعة ومصلحة فيما تسمعه من بكائه وصراخه، فإذا كانت هذه الحكمة في البكاء الذي سببه ورود الألم المؤذي وأنت لا تعرفها ولا تكاد تخطر ببالك، فهكذا إيلام الأطفال فيه وفي أسبابه وعواقبه الحميدة من الحكم ما قد خفي على أكثر الناس .. انتهى.
وقد يكون مرض الإنسان فى صغره, أو إعاقته الخِلْقية, مما يخفف عنه عقوبة ذنوبه عند كبره, بمعنى أنه إذا كبر وعمل ذنوباً تستوجب المؤاخذة عليها, فربما خفف الله عنه بهذه الأمراض والتشوهات التي أصابته في الصغر, لأن الله إذا أراد بعبده الخير عجَّل له العقوبة فى الدنيا, كما قال رسول الله ﷺ : ((إذا أراد الله بعبده الخير, عجَّل له العقوبة فى الدنيا, وإذا أراد بعبده الشر, أمسك عنه بذنبه, حتى يُوافَى به يوم القيامة)) [صحيح الجامع:٣٠٨] وربما منعته هذه الإعاقة عن بعض المعاصي, وكانت سبباً في تقربه لله , فكان ذلك خيراً له, وربما عوضه الله مَلَكات أخرى خيراً مما فقدها, وربما كانت حافزاً له على العلم والتفوق, وهذا الأمر مُشاهد فى كثير ممن أصيبوا بأمراض خِلْقية, فنبغوا في علوم شتى, فكم من شخص ولد أعمى وأكرمه الله بكثير من الميزات في الدنيا مع ما أعده له في الآخرة، فهذا قتادة بن دعامة السدوسي الشافعي إمام المفسرين والمحدثين ولد أعمى وأكرمه الله بوافر النعم، فقد ذكر العيني في شرح البخاري أنه أجمع على جلالته وحفظه وتوثيقه وإتقانه وفضله،
стр. 54
وذكر الذهبي في التذكرة أن المغيرة بن مقسم وعلي بن زيد بن جدعان وحفص بن عمر وأبو العباس الرازي ولدوا عميانا وأكرمهم الله بالذكاء والحفظ والعلم، وقد ذكر أهل الأدب والتاريخ أن بشار بن برد الشاعر ولد أعمى. قال ابن كثير في البداية: ولد أعمى، وقال الشعر وهو دون عشر سنين، وله التشبيهات التي لم يهتد إليها البصراء، وقد أثنى عليه الأصمعي والجاحظ وأبو تمام وأبو عبيدة.
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية والخطيب في تاريخ بغداد أن الحسن بن علي بن ثابت المقري ولد أعمى، وكان يحضر مجلس ابن الأنباري فيحفظ ما يقول وما يمليه كله. وذكر أنه نظم قصيدة في القراءات السبع، وكانت تعجب بعض العلماء.
أمّا الذين يموتون وهم صغار, فربما لو عاشوا لفسدوا, أو أفسدوا في الأرض, وأصبحوا من أهل النار, فحين يقبضهم الله في الصغر, فهذا رحمة بهم, وبمن حولهم, مثل الولد الذي قتله الخضِر, ووردت قصته في سورة (الكهف) وأطفال المسلمين في الجنة, يسرحون فيها حيث شاءوا (والجمهور على أن أطفال الكفار أيضاً في الجنة) قال رسول الله ﷺ : ((صغاركم دعاميص الجنة, يتلَّقى أحدهم أباه فيأخذ بثوبه, فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة)) [صحيح الجامع:٣٧٦٤] (الدعموص) قيل إنه نوع من السمك الصغير كثير الحركة, أو هو الزوّار للملوك, الذي يدخل ويخرج من عندهم كما يشاء, بغير إذن ولا حاجب يحجبه, وقد شبّه بذلك الأطفال لكثرة دخولهم وخروجهم ولعبهم في الجنة.
وقال ﷺ : «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود والوليدة»، وفي لفظ: «والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة»، وهذا عام لم يخصه النبي ﷺ : بأطفال المؤمنين دون غيرهم.
ومما يشهد له قوله ﷺ : «سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم».
وبهذا يختلف أطفال المشركين عن والديهم في أحكام الآخرة، ويظهر عظم هذه النعمة على أطفال المشركين من حيث إن أحدهم لو عاش إلى ما بعد البلوغ لكان على دين آبائه -غالباً- فيموت يوم يموت وهو مشرك، ويكون يوم القيامة من أصحاب الجحيم، فكان موته صغيراً قبل التكليف ولو مظلوماً خيراً له من موته بالغاً مشركاً.
إذن فما رآه الناس مما يصيب الأطفال من المكاره شراً وخسارةً في الدنيا كان خيراً وكسباً في الآخرة مع الصبر والاحتساب.
стр. 55
وأما المنافع المتعدية للوالدين فكثيرة منها:
تكفير سيئاتهم التي قد يطالهم بسببها العذاب المتوعد عليها في الآخرة؛ لقوله ﷺ : «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه»، ومن ذلك ما يصيب أطفالهم، وقد قال ﷺ : «ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة».
ومنها رفع درجاتهم -وكذا الأولاد المبتلين- إن لم يكن لهم ذنوب يستحقون بسببها العذاب؛ لقوله ﷺ : «إن الرجل لتكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها».
ومنها كتابة الأجر العظيم لهم إذا ما صبروا واحتسبوا؛ لقوله ﷺ : «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».
ومن هذا الخير أن الله يخلفهم خيرا مما نزل بهم مع الصبر والاحتساب؛ لقوله ﷺ : «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها».
ومنه أيضاً أن الله يجعل موت الأطفال حجاباً لوالديهم من النار مع الصبر والاحتساب، لقوله ﷺ : «ما من امرأَين مسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة، فاحتسبا وصبرا، فيريان النار أبداً».
ومنه قبول شفاعة الأطفال في والديهم يوم القيامة؛ لقوله ﷺ : «يُقال للولدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة» قال: «فيقولون: يا رب، حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا» قال: «فيأتون»، قال: «فيقول الله : ما لي أراهم مُحْبَنْطِئِينَ؟ ادخلوا الجنة» قال: «فيقولون: يا رب آباؤنا، وأمهاتنا» قال: «فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم».
ومنه إكرام العبد الصابر الحامد ببيت الحمد في الجنة؛ لقوله ﷺ : «إذا مات ولد الرجل يقول الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال عبدي؟ قال: حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد».
стр. 56
ومنه إدخال والديه الجنة؛ لقوله ﷺ : «من وُلِد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث، أدخله الله الجنة برحمته إياهم»، ولما خطب رسول الله ﷺ النساء قال لهن: «ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة؛ إلا أدخلها الله الجنة» فقالت أجلُّهن امرأةً: يا رسول الله، وصاحبة الاثنين في الجنة؟ قال: «وصاحبة الاثنين في الجنة».
ومن فوائد الابتلاءات التي تصيب الأطفال وحكمها أيضاً، إنها تفتح للمسلم أبواباً كثيرة من الأعمال الصالحة التي يحبها الله تعالى من عباده ويكافئهم عليها ويثيبهم، مثل: الدعاء، والشكر، والصبر، والاستغفار، والإيثار، والرحمة، والصدقة، وغير ذلك كثير، مما يكون سببا في زيادة حسناتهم، وحط سيئاتهم، ورفع درجاتهم.
ومن الحكم والمنافع المتعدية لمن يشهدون آلام الصغار وما ينزل بهم من المكاره حصول العظة والعبرة، واستشعار فضل الله عليهم ونعمه التي خصهم بها؛ فيوجب لهم ذلك شكر المنعم وتحقيق مزيد من العبودية والطاعة له وفعل الخيرات، ومنها تقديم العون للمبتلين أو دفع الظلم عنهم.
هذه بعض حكم ابتلاءات غير المكلفين من الأطفال، ولو ذهبنا نستقصي لخرجنا بأكثر من ذلك بكثير , والله أعلم.
• مفهوم الحياة الطيبة:
اعلم أخي رعاك الله أن سبب الحياة الطيبة هو تقوى الله والعمل الصالح فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه. رواه البخاري ومسلم.
وقد قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:٩٧]. وقال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق:٤].
وقال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:٢، ٣]. وقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:١٨٩].
وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران:١٣٢].
وقال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:١٢٤]، وقال: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [لقمان:٣٣]، وقال: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:٨٧].
стр. 57
وما دلت عليه هذه الآيات والحديث السابق في أن التقوى والعمل الصالح وصلة الرحم جوالب للسعادة، وأن المعاصي تجلب المشاكل هو الحق وهو المُشاهد وقوعه في أغلب الأحوال قديماً وحديثاً.
فكم من التائبين أخبروا عما حصل لهم من السعادة بعد التوبة والاشتغال بالأعمال الصالحة، وهذا ما يجب أن يوقن به كل المؤمنين.
فالحياة الطيبة السعيدة إنما تحصل بالإيمان والعمل الصالح كما ذكرنا، قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:٩٧]، وفي المقابل إنما يتحصل العبد على حياة الضنك والضيق والشقاء بالإعراض عن الإيمان وعن ذكر الله وهذا في الأعم الأغلب، قال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:١٢٤]، فجاهد نفسك في طاعة الله، والتزم ما فرضه عليك، وارض بقضائه وقدره , وفي الحديث: فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط. رواه الترمذي بسند صحيح، فكل مؤمن له نصيب من الحياة الطيبة كما وعده ربه ولكن ليس كل كافر يكون تعيس في الدنيا بإطلاق بدليل قوله تعالى (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا).
ثم إنه ينبغي أن يُعلم أن كثرة المال بيد الشخص ليست معياراً لسعادته بدليل أن النبي ﷺ وأصحابه كانت تمر عليهم فترات يقل المال فيها بأيديهم ويقعون في وضع أشبه ما يكون بحافة المجاعة، وبدليل أن الله قد يمنع عبده الدنيا رحمة به وحماية له من أضرارها كما يحمي الناس بعض المرضى من الماء إذا كان يضر بهم، ففي الحديث: إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء. رواه الترمذي والحاكم وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي والألباني, وعلى هذا فتحصيل الحياة الطيبة يكون بالإيمان والعمل الصالح , وأكثر الناس يُخطئون فيزنون ذلك بنعيم البدن وراحته وكثرة العرض ووفرته، والصواب أن آلة ذوق السعادة وطيب الحياة إنما هي القلب، وأن الغنى الحقيقي إنما هو غنى النفس، كما قال النبي ﷺ : ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس. متفق عليه.
فأتعس الناس من شقي قلبه وإن تنعم بدنه بأنواع الشهوات، وأسعد الناس من طابت نفسه واطمأن قلبه وإن حُرم بدنه من شهواته، وقد ضرب ابن القيم ﵀ مثلاً على ذلك بشيخ الإسلام ابن تيمية فقال في الوابل الصيب: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة،
стр. 58
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أنى رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير, ونحو هذا , وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك, ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ. وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً وأقواهم قلباً وأسرهم نفساً تلوح نضرة النعيم على وجهه , وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، فسبحانه من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.
وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف، وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره. أو نحو هذا. وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً. وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. انتهى.
فالحياة الطيبة لا تعني تحصيل نعيم البدن بالطعام والشراب واللذة والراحة، وإنما تعني في الأساس نعيم القلب وطيب النفس وانشراح الصدر، وهذا لا يكون في الدنيا إلا للمؤمن بمحبته لربه وكثرة ذكره واستقامته على شرعه واتباعه لأمر نبيه ﷺ .
ومما قال ابن القيم في الجواب الكافي ما يلي: قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى. فالجنة مأواه يوم اللقاء، وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والفرح به والرضا عنه وبه مأوى روحه في هذه الدار، فمن كانت هذه الجنة مأواه ههنا كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد، ومن حُرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرماناً، والأبرار في نعيم وإن اشتد بهم العيش وضاقت بهم الدنيا، والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا، قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً. وطيب
стр. 59
الحياة جنة الدنيا، قال تعالى: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا. فأي نعيم أطيب من شرح الصدر! وأي عذاب أضيق من ضيق الصدر! وقال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ* لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) , فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشاً وأنعمهم بالاً وأشرحهم صدراً وأسرهم قلباً، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة. انتهى.
وكذلك كان حال الصحابة الكرام ﵃، ضُيَق عليهم وخُوَفوا ومع ذلك كانت قلوبهم مطمئنة، كما قال تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿الأحزاب:٢٢﴾. قال السعدي: إلا (إيماناً) في قلوبهم و (تسليماً) في جوارحهم. انتهى.
وهذا إمامهم رسول الله ﷺ يقول في أحرج المواقف لصاحبه أبي بكر إذ هما في الغار: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ﴿التوبة:٤٠﴾،
ثم اعلم أخي أن بلاء الله للمؤمنين أمر مهم لهم لا ينافي إسعاد الله لهم ولا يُعارض تكريمه إياهم بأنواع التكريم، فالبلاء يكون سبباً لتكفير السيئات ورفع الدرجات، وأهل الإيمان يظلون مرتاحين صابرين، ويسعون في رفعه بالصبر والدعاء والاستقامة على الطاعات، والأمثلة على كونهم ظلوا في سعادة وارتياح بال وطمأنينة مهما كانت الابتلاءات زيادة على ما أسلفنا كثيرة، فمن ذلك ابتلاء إبراهيم ﵇ بالإلقاء في النار لم يجعله يفزع أو يفر من قومه، وكذلك ابتلاء أيوب ﵇ وبلال وأصحاب الأخدود وغيرهم.
إن ابتلاء المؤمن بالمصائب لا يتنافى مع تكريم الله له، ولا يتعارض مع ما وعده الله تعالى به من الحياة الطيبة، وكثرة الخير، وذلك لأن ابتلاء الله تعالى لخلقه له حكمة، كما أن إكثار الخير بين أيديهم له حكمة، وحكمة الله لا تتعارض أبداً وإن اختلفت محالُّها، إذ لو حصل تعارض بينها لكان علامة على نفي اسم من أسماء الله تعالى وهو (الحكيم) أو على الأقل اتصافه بالنقص فيه، والله تعالى منزه عن النقص، فقد قال عن نفسه: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:٦٠].
وقال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠].
كما أن الحياة الطيبة المذكورة في الآية (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) لا تنحصر في الطعام والشراب واللباس ونحوها من الأشياء، بل قال بعض المفسرين: الحياة الطيبة هي
стр. 60
حلاوة الطاعة، وقال بعضهم: هي المعرفة بالله. وقد قال ابن الجوزي في تفسيره لهذه الآية: اختلفوا أين تكون هذه الحياة الطيبة على ثلاثة أقوال:
أحدها أنها في الدنيا: رواه العوفي عن ابن عباس، ثم فيها للمفسرين تسعة أقوال: أحدها: أنها القناعة، قاله علي وابن عباس في رواية والحسن في رواية ووهب بن منبه.
والثاني: أنها الرزق الحلال، رواه أبو مالك عن ابن عباس، وقال الضحاك: يأكل حلالاً ويلبس حلالاً.
والثالث: أنها السعادة، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
والرابع: أنها الطاعة قاله عكرمة.
والخامس: أنها رزق يوم بيوم، قاله قتادة.
والسادس: أنها الرزق الطيب والعمل الصالح، قاله إسماعيل بن أبي خالد.
والسابع: أنها حلاوة الطاعة قاله أبو بكر الوراق.
والثامن: العافية والكفاية.
والتاسع: الرضا بالقضاء ذكرهما الماوردي.
والثاني أنها في الآخرة: قاله الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد وذلك إنما يكون في الجنة.
والثالث أنها في القبر: رواه أبو غسان عن شريك. انتهى.
والصواب من ذلك -والله أعلم- أن الحياة الطيبة هي العيش في طاعة الله، والبعد عن معصيته، لأن ذلك يحقق له السعادة وانشراح الصدر، والحياة لا تكون طيبة بدون سعادة، ولا سعادة إلا في ذلك، قال الله : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:١٢٤].
وأمامنا أعظم مثل وهو الرسول ﷺ فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وكثير من أصحابه كانوا فقراء، فهل كان هذا بسبب عدم طاعتهم وتقواهم؟ أم كان بعدم حب الله لهم؟ والحق أن الأمر ليس كذلك، لأن إغداق النعم ليس دليلاً على التكريم، كما أن منعها ليس دليلاً على الإهانة، قال حافظ الحكمي في السبل السوية في فقه السنن المروية:
لو كان في الفقر ازدراء لم ير ... آلُ النبي والصحاب فقراً
стр. 61
كما أن قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف:٩٦].
لا يُحَدُّ في الزينة الظاهرة للدنيا، بل يعم النعم الظاهرة والباطنة، قال صديق خان في فتح البيان: والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك من الخيرات والأنعام والأرزاق والأمن والسلامة من الآفات، وجميع ما فيها، وكل ذلك من فضل الله وإحسانه، وأصل البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء. انتهى.
وما يُلاحظ في بعض الأحيان من تعقد بعض أمور المسلم فهو ابتلاء يعقبه يسر بإذن الله وتكفير للذنوب ورفع للدرجات، فالواجب أن يُراجع المُصاب نفسه ويُخلص في التوبة ويُكثر الدعاء ويصبر على ما أصابه، حتى يبدل الله العسر يسراً؛ ففي الحديث: ما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة. رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.
وإذا لوحظ أن الفساق أو الكفار تيسرت أمورهم؛ فهو استدراج من الله؛ ففي الحديث: إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله ﷺ : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ. رواه أحمد والبيهقي في الشعب، والطبراني في الكبير وصححه الألباني.
الخاتمة: وقبل الختام ليعلم القاراء الكريم أن مصدر هذه الرسالة بعض المواقع والفتاوى والمقالات لأهل العلم المعاصرين ومنهم الشيخ ابن باز وناصر العمر وعمر المقبل وهيثم الكناني وابراهيم الأزرق وعلي بن سعيد العبيدي رحم الله الميت منهم وحفظ الباقي وموقع إسلام ويب-مركز الفتوى-وموقع المسلم ولكن بتصرف يسير مني.
ختاماً هذا ما من الله به، ثم ما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصل إليه الفهم المتواضع، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن فيه خطأ أو نقص فتلك سنة الله في بني الإنسان، فالكمال لله وحده، والنقص والقصور واختلاف وجهات النظر من صفات الجنس البشري، ولا أدعي الكمال، وحسبي أني قد حاولت التسديد والمقاربة، وبذلت الجهد ما استطعت بتوفيق الله - تعالى-، وأسأل الله أن ينفعني بذلك، وينفع به جميع المسلمين؛ فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لإبداء الملاحظات والاقتراحات فيرجى التواصل على البريد الإليكتروني:
wBadrany@hotmail.com ... أخوكم أبو فيصل البدراني.