← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96250

فقه الابتلاء وأقدار الله المؤلمة

أبو فيصل البدراني

Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

"بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , أما بعد: فهذه رسالة تتحدث عن فقه أقدار الله المؤلمة أصالة وأقداره السارة على وجه التبع وموقف المسلم منها , وحقيقة الحياة الطيبة. • القضاء والقدر: • تعريف القضاء والقدر: هو تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته أو هو علم الله وكتابته للأشياء ومشيئته وخلقه لها. والإيمان بالقدر يقوم على أربعة أركان تسمى مراتب القدر وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق , وأفعال العباد داخلة في عموم خلقه ولا يُخرجها عن ذلك العموم شيء. ومفهوم هذه المراتب ما يلي: ١ - العلم: فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيء عليم , علم ما كان وما يكون وكيف يكون بعلمه الأزلي الأبدي فلا يتجدد له علم بعد جهل ولا يلحقه نسيان بعد علم. ٢ - الكتابة فنؤمن بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة. ٣ - المشيئة فنؤمن بأن الله تعالى قد شاء كل ما في السموات والأرض فلا يكون شيء إلا بمشيئته , فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ٤ - الخلق فنؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل. وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من الله تعالى نفسه ولما يكون من العباد فكل ما يقوم به العباد من أقوال أو أفعال أو تروك فهي معلومة لله تعالى مكتوبة عنده والله تعالى قد شاءها وخلقها ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرة بهما يكون الفعل ونرى أنه لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله تعالى لأن العاصي يُقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن الله تعالى قدَرها عليه , إذ لا يعلم أحد قدر الله تعالى إلا بعد وقوع مقدوره ونؤمن بأن الشر لا يُنسب إلى الله تعالى لكمال رحمته وحكمته فنفس قضاء الله تعالى ليس فيه شر أبداًَ لأنه صادر عن رحمة وحكمة وإنما يكون الشر في مقضياته ومع هذا فإن الشر في المقضيات ليس شراً خالصاً محضاً بل هو شر في محله من وجه , خيرٌ من وجه أو شر في محله خيرٌ في محل آخر.

стр. 2

والتقدير ينقسم إلى خمسة أقسام وهي: ١ - التقدير العام لجميع الكائنات. ٢ - التقدير البشري: وهو التقدير الذي أخذ الله فيه الميثاق على بني آدم في عالم الذر. ٣ - التقدير العمري: وهو تقدير كل ما يجري على العبد من لدن نفخ الروح فيه إلى نهاية أجله. ٤ - التقدير السنوي: وهو تقدير ما يجري كل سنة وذلك ليلة القدر من كل سنة. ٥ - التقدير اليومي: وهو تقدير ما يجري كل يوم. والتقدير البشري يدخل في التقدير العام على مذهب بعض أهل العلم فلا حاجة لذكره والله أعلم. - ما شاء العبد إن لم يشأ الله لم يكن , وما شاء الله وإن لم يشأ العبد كان. - ما لم يشأ الله كونه فإنه لا يكون لعدم مشيئته له لا لعدم قدرته عليه. - ينبغي للمؤمن استشعار واستحضار أنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذن الله وأما الإيمان بمراتب القدر فيكفي فيها الإيمان المجمل من غير استشعاره كل حين , بل ينبغي عدم التعمق والوسوسة في مراتب القدر فهو ذريعة الخذلان وسلم الحرمان. - أفعال العباد الاختيارية هي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً وهي من العباد فعلاً وكسباً فالله هو الخالق لأفعالهم وهم الفاعلون لها. - القدر قدران أحدهما المُثبت أو المُبرم وهو ما في أم الكتاب فهذا لا يتغير ولا يتبدَل , والثاني: القدر المعلَق أو المقيَد وهو ما في كتب الملائكة فهذا الذي يقع فيه المحو والإثبات. - أفعال العبد قسمان أفعال هو مُجبر عليها مُسيَر عليها كحركة القلب والهرم ونحوها وأفعال هو مُخيَر فيها وهي مناط التكليف. - الفرق بين فعل العبد اللاإرادي والفعل الإرادي المُختار: أن ما وقع باختيار العبد هو مناط التكليف وفعل العبد الاختياري وغير الاختياري هما من جُملة القضاء والقدر.

стр. 3

• هل للإنسان قدرة ومشيئة أم لا ؟ نعم له مشيئة وقدرة , ومشيئته وقدرته واقعتان بمشيئة الله تابعتان لها. فللعبد قدرة واختيار ومشيئة لا يجبره على فعله الاختياري أحد حتى خالقه بل يفعل ما يفعله بمحض إرادته وحسب مشيئته, لكن فعله هذا وإرادته هذه داخله في خلق الله تعالى له كما أنها مسبوقة بعلم الله الأزلي فلا يعمل عملاً إلا وقد سبق تقديره وإرادته في علم الله الأزلي وكتبه عنده في كتابه الذي جرى بما كان ويكون إلى قيام الساعة وعلم الله كاشف لا مُكره ولا تأثير لما سبق في علم الله وكتابته وتقديره على محض اختيار العبد وإرادته فكتابة الله المقادير في اللوح المحفوظ هي كتابة علم وليست كتابة إجبار والله يعلم ما كان , ويعلم ما يكون , ويعلم ما سيكون , ويعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون فعلمه مطلق وقد أحاط بكل شيءٍ علماً ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء , وكتابة أفعال العباد الاختيارية في اللوح المحفوظ فرع عن علمه عن الخلق وما سيعملون وعلى هذا فالمكتوب من أعمال العباد الاختيارية واقع لا محالة , لا, لأن المكتوب جبر للعبد بل لأن المكتوب فرع عن علم الله المُطلق المُحيط بخلقه. • حكمة الله : - الله له الحكمة البالغة في كل فعل من أفعاله وقد تظهر لنا الحكمة وقد تخفى ولا يلزم أن ندرك حكمته في كل شيء أو أن يدرك ذلك كل أحد. - على المسلم أن يعلم أن لله تعالى في جميع أفعاله حكماً جليلة ظهرت لنا أو خفيت فالله لم يُطلع خلقه على جميع حكمه بل أعلمهم بما شاء وما خفي عليهم أكثر مما يعلموه فأفعال الله وأوامره لا تخلو من الحكم الباهرة العظيمة التي تُحيَر العقول وإن كُنا لا نعلمها على وجه التفصيل لأن عدم العلم بالشيء لا يلزم منه عدمه. - من حِكم خلق إبليس أن يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات والمتقابلات وأن يكمل الله لأوليائه مراتب العبودية وحصول الابتلاء ليكون محكاً يمتحن به الخلق ليتبين به الخبيث من الطيب وظهور آثار أسماء الله تعالى ومقتضياتها ومتعلقاتها واستخراج ما في طبائع البشر من الخير بإرسال الرسل ومن الشر بخلق إبليس , وغيرها من الحكم.

стр. 4

ومن حِكم خلق المصائب والآلام الدنيوية استخراج عبودية الضراء وهي الصبر كما تُستخرج عبودية السراء وهي الشكر وطهارة القلب والخلاص من الخصال القبيحة كآفات القلوب المعلومة من كبر وعجب وفرعنة وقسوة قلب ونحوها والنظر إلى قهر الربوبية وذل العبودية وإيقاظ المبتلى من غفلته ومعرفة قدر العافية وحصول رحمة أهل البلاء والصلاة من الله والرحمة والهداية وحصول الأجر وكتابة الحسنات وحط الخطيئات والعلم بحقارة الدنيا وهوانها والدخول في زمرة المحبوبين وغير ذلك من الحكم. • الاحتجاج بالقدر: - لا يُحتج بالقدر على الشرع. - محل جواز الاحتجاج بالقدر: الاحتجاج بالقدر على وجه الإيمان به والتوحيد والتوكل على الله والنظر إلى سبق قضائه وقدره محمود مأمورٌ به وكذلك الاحتجاج به على نعم الله الدينية والدنيوية , وكذلك إذا فعل ما يقدر عليه من الأسباب النافعة في دينه ودنياه ثم لم يحصل له مُراده بعد اجتهاده فإنه إذا اطمأن في هذه الحال إلى قضاء الله وقدره كان محموداً وكذلك إذا احتج بعد التوبة من الذنب ومغفرة الله , وأيضاً يجوز الاحتجاج بالقدر والعذر به في أخطاء الخلق في حق العبد الخاص. • القضاء والقدر يُعالج بالقضاء والقدر: القضاء والقدر يُعالج بالقضاء والقدر فالمعتدي على النفس أو المال أو البضع (العرض) يسميه العلماء صائلاً، ودفع الصائل بما يندفع به مشروع، ويُدفع بالأخف فما فوقه والأخف كالزجر والتهديد، وعلى هذا فالواجب دفع الصائل بالأخف فما فوقه، فلا يجوز قتله إن كان يندفع بما دون ذلك فإن لم يمكن دفعه إلا بالقتل جاز قتله، ولا إثم على القاتل. فإذا صال عليك إنسان يريد قتلك أو أخذ مالك أو انتهاك عرضك أو قتل معصوم أو أخذ ماله أو انتهاك عرضه فإنك تدفعه بالأسهل فالأسهل فإن لم يندفع إلا بالقتل فلك قتله والله هو الذي سلَط الصائل على العبد بسبب ذنوبه ولا يظلمُ ربَك أحداً وإن كان هذا الصائل أحياناً ظالماً مُستحقاً للعقوبة , فحق الله سبحانه الاستغفار وحق الصائل المُدافعة. - الله قد شرع دفع الصائل ومدافعة الشر. - الله قد شرع مكافأة المُحسن إلينا بالمعروف.

стр. 5

• وجوب تنزيه الله سبحانه عن الشر والظلم: - الله سبحانه منزهٌ عن الشر والشر هو الظلم والظلم هو وضع الشيء في غير محله فإذا وُضع في محله لم يكن شراً, فعُلم أن الشر ليس إليه وأسماءه الحسنى تشهد بذلك والله ﵎ منزهٌ عن نسبة الشر إليه بل كل ما نسب إليه فهو خير والشر إنما صار شراً لانقطاع نسبته وإضافته إليه، وإيجاد الله للعقوبة على ذنب لا يُعد شراً له بل ذلك عدل منه تعالى وتمكين الله بعض خلقه لفعل الشر وإذنه الكوني به ومشيئته لها هو خير باعتبار حكمة الله ومآلات هذا الإذن الكوني والله له الحكمة البالغة التي يُحمد عليها فهو خير وحكمة ومصلحة علمها من علمها وجهلها من جهلها وإن كان وقوع هذا الفعل السيء والظلم من العبد يُعد عيباً ونقصاً وشراً في حقه. - ليس في القدر شر وإنما الشر في المقدور والشر ليس في فعل الله وتقديره وإنما الشر في مفعولات الله لا في فعله والله تعالى لم يقدر هذا الشر إلا لخير وهذه المفعولات والمخلوقات هي شر من وجه وخير من وجه آخر فتكون شراً بالنظر إلى ما يحصل منها من الأذية ولكنها خير بما يحصل فيها من العاقبة الحميدة. - الشر لا يُنسب إلى الله تعالى فهو منزه عن الشر ولا يفعل إلا الخير والقدر من حيث نسبته إلى الله لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه وذلك خير محض فالشر إنما هو في المقضي لا في القضاء وفي مفعولات الله لا في أفعاله . - مخلوقات الله باعتبار الخير والشر تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: ١ - شر محض كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير. ٢ - خير محض، كالجنة والرسل والملائكة. ٣ - فيه شر وخير، كالإنس والجن والحيوان. - وجه عدم إضافة الشر مفردا إلى الله تعالى: من المعلوم المقطوع به أن الله تعالى هو خالق كل شيء، وأنه لا تكون حركة ولا سكنة إلا بإذنه ومشيئته، ولا يوجد في الكون إلا ما قدره وقضاه، فالشر مخلوق لله تعالى كما قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الزمر:٦٢﴾. لكن الشر ليس إلى الله

стр. 6

تعالى فهو ليس من أفعاله وإن كان من مفعولاته، وذلك أن الله إنما خلق الشر لحكم بالغة تترتب على وجوده، فخلقه وإيجاده له ليس شرا وإن كان هو في نفسه شرا. ولذا لا يضاف الشر إلى الله تعالى، بل إما أن يدخل في العموم كقوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الزمر:٦٢﴾. أو يضاف إلى سببه كقوله: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿الفلق:٢﴾. أو يحذف فاعله كقول مؤمني الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴿الجن:١٠﴾. ومن الثاني قول الخليل: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. ﴿سُورَةُ الشُّعَرَاءِ:٨٠﴾ قال شيخ الإسلام: وَاللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ خَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا كَانَ فِعْلُهُ حَسَنًا مُتْقَنًا، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: ٧] وَقَالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: ٨٨] فَلِهَذَا لَا يُضَافُ إِلَيْهِ الشَّرُّ مُفْرَدًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الْعُمُومِ، وَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إِلَى السَّبَبِ، وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ فَاعِلُهُ. فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِ [اللَّهِ تَعَالَى]: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: ٦٢] وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [سُورَةُ الْفَلَقِ: ١، ٢] وَالثَّالِثُ كَقَوْلِهِ فِيمَا حَكَاهُ عَنِ الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [سُورَةُ الْجِنِّ: ١٠] وَقَدْ قَالَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: ٦، ٧] فَذَكَرَ أَنَّهُ فَاعِلُ النِّعْمَةِ، وَحَذَفَ فَاعِلَ الْغَضَبِ، وَأَضَافَ الضَّلَالَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ الْخَلِيلُ [﵇] ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٨٠]، وَلِهَذَا كَانَ لِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، فَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُقْتَضِيَةِ لِلْخَيْرِ. وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الشَّرُّ فِي الْمَفْعُولَاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٩٨]. انتهى. وهذا من تمام الأدب مع الله تعالى في الخطاب بحيث لا يضاف إليه مفردا إلا أشرف قسمي أفعاله سبحانه. قال ابن القيم ﵀: وأما المسألة الخامسة وهي أنه قال: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل المنعم عليهم كما قال المغضوب عليهم فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد، وفيه فوائد عديدة: إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبني الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبني الفعل معها للمفعول أدبا في الخطاب، وإضافته إلى الله تعالى أشرف قسمي أفعاله فمنه هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها، ولما ذكر الغضب حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول فقال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وقال في الإحسان الذين أنعمت عليهم. ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي

стр. 7

وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى ولما جاء إلى ذكر المرض قال وإذا مرضت ولم يقل أمرضني، وقال فهو يشفين ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول. ومنه قول الخضر ﵊ في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ فأضاف العيب إلى نفسه وقال في الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾. لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل. انتهى. - حكم وصف الله بأفعال خلقه السيئة باعتبار أنه خالقها: لا يجوز وصف الله بأفعال خلقه السيئة وإن كان خالقها. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم "وكونُه خَلَقَ أفعالَ العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم ، كما أنَّه لا يُوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خَلْقُهُ وتقدِيرُه، فإنَّه لا يُوصَف إلاَّ بأفعاله، لا يوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنَّما يوصف بما قام به مِن صفاته وأفعاله، والله أعلم" ... انتهى. ثم إن الله قد تبرأ من الشرك والظلم والكفر وأهله فلذلك توعد الكفار والمشركين والظالمين بالعذاب يوم القيامة , ولكنه قد شاء الكفر والظلم في الحياة الدنيا لحكم ومصالح من وراء ذلك , وفرق بين فعل الله سبحانه وبين ما هو مفعول مخلوق له، وليس في خلقه ما هو ظلم منه وإن كان بالنسبة إلى فاعله الذي هو المخلوق هو ظلم، كما أن أفعال الإنسان هي بالنسبة إليه تكون سرقة وزنا وصلاة وصوماً، والله تعالى خالقها بمشيئته، وليست بالنسبة إليه كذلك؛ إذ هذه الأحكام هي للفاعل الذي قام به هذا الفعل، كما أن الصفات هي صفات للموصوف الذي قامت به لا للخالق الذي خلقها وجعلها صفات، والله - تعالى - خلق كل صانع وصنعته كما جاء ذلك في الحديث، وهو خالق كل موصوف وصفته. ثم صفات المخلوقات ليست صفات له؛ كالألوان والطعوم والروائح لعدم قيام ذلك به , وكذلك حركات المخلوقات ليست حركات له ولا أفعالاً له بهذا الاعتبار؛ لكونها مفعولات هو خلقها , وبهذا الفرق تزول شبه كثيرة. ولهذا ألزم السلف بعض أهل البدع في القدر أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك أيضاً ما خلقه في الحيوانات، ولا يفرق حينئذ بين نطق

стр. 8

وأنطق وإنما قالت الجلود: ﴿أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ولم تقل: نطق الله بذلك؛ بل يلزم أن يكون متكلماً بكل كلام خلقه في غيره , زوراً كان أو كذباً أو كفراً أو هذياناً تعالى الله عن ذلك؛ ولهذا قال من قال من السلف كسليمان بن داود الهاشمي وغيره ما معناه: إنه على هذا يكون الكلام الذي خلق في فرعون حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، كالكلام الذي خلق في الشجرة حتى قالت: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾، فإما أن يكون فرعون محقًا، أو تكون الشجرة كفرعون وهذا يستوعب أنواع الكفر؛ ولهذا كان من الأمر البين للخاصة والعامة أن مَنْ قال: المتكلم لا يقوم به كلام أصلا - فإن حقيقة قوله أنه ليس بمتكلم؛ إذ ليس المتكلم إلا هذا؛ ولهذا كان أولوهم يقولون: ليس بمتكلم. ثم قالوا: هو متكلم بطريق المجاز، وذلك لما استقر في الفطر أن المتكلم لابد أن يقوم به كلام وإن كان مع ذلك فاعلا له، كما يقوم بالإنسان كلامه وهو كاسب له. أما أن يجعل مجرد أحداث الكلام في غيره كلاما له - فهذا هو الباطل. وهكذا القول في الظلم، فَهَبْ أن الظالم من فعل الظلم فليس هو من فعله في غيره، ولم يقم به فعل أصلا، بل لابد أن يكون قد قام به فعل، وإن كان متعدياً إلى غيره، فهذا جواب. ثم يقال لهم: الظلم فيه نسبة وإضافة، فهو ظلم من الظالم، بمعنى أنه عدوان وبغي منه، وهو ظلم للمظلوم، بمعنى أنه بغي واعتداء عليه. وأما من لم يكن معتدي عليه به ولا هو منه عدوان على غيره فهو في حقه ليس بظلم، لا منه ولا له. ثم إن الله سبحانه إذا خلق أفعال العباد فذلك من جنس خلقه لصفاتهم فهم الموصوفون بذلك، فهو سبحانه إذا جعل بعض الأشياء أسود، وبعضها أبيض، أو طويلا، أو قصيرًا، أو متحركاً، أو ساكنًا أو عالمًا، أو جاهلا، أو قادرًا، أو عاجزًا، أو حيًا، أو ميتًا. أو مؤمنًا أو كافرًا، أو سعيدًا، أو شقيًا، أو ظالمًا , أو مظلومًا كان ذلك المخلوق هو الموصوف بأنه الأبيض والأسود، والطويل والقصير، والحي والميت، والظالم والمظلوم، ونحو ذلك, والله سبحانه لا يوصف بشيء من ذلك، وإنما إحداثه للفعل الذي هو ظلم من شخص وظلم لآخر بمنزلة إحداثه الأكل والشرب الذي هو أكل من شخص وأكل لآخر، وليس هو بذلك آكلاً ولا مأكولاً. ونظائر هذا كثيرة، وإن كان في خلق أفعال العباد لازمها ومتعديها حكم بالغة، كما له حكمة بالغة في خلق صفاتهم وسائر المخلوقات، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك , والله تعالى أعلم. - لا يُعصى الله قسراً بل بإذنه وهو لا يرضى ذلك ولكنه يأذن به لحكمة. - الشر في المقضي لا في القضاء. - السيئة ذات شطرين: سبب , وعقوبة جزاءً وفاقاً, فالسبب فهو من العبد لكفره

стр. 9

وظلمه وإعراضه والجزاء والعقوبة من الله. - ليس كل ما يريد الله كوناً يرضاه ويحبه شرعاً وديانة. فالإرادة الربانية تنقسم إلى قسمين: ١ - كونية قدرية: وهي مرادفة للمشيئة ولا يخرج عن مرادها شيء أبداً ولا بد أن تقع. ٢ - شرعية دينية: وتتضمن محبة الرب ورضاه ولا يلزم وقوعها فقد تقع وقد لا تقع لأنها تتعلق بفعل العبد الاختياري. - قد يُريد الله أمراً ويشاؤه وفي الوقت نفسه لا يحبه إذ أن المراد نوعان: ١ - مراد لنفسه إرادة الغايات ومنه خلق جبريل ﵇. ٢ - مراد لغيره فهو وسيلة إلى غيره مثل خلق إبليس فهو مكروه لله من حيث نفسه وذاته ومُراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مُراده فهو سبب لحصول محاب كثيرة فيجتمع الأمران بغضه له وإرادته له ولا يتنافيان فيُبغض من وجه ويُحب من وجه آخر. • حقيقة الظلم المنفي عن الله وحدَُه: أهل السنة والجماعة لا يقصرون معنى الظلم في حق الله على: (التصرف في ملك الغير، أو مخالفة من تجب طاعته) كما تقوله بعض المذاهب. فيكون الظلم ممتنعاً لذاته على الله , بل الظلم عندهم أعم من هذا، فالظلم في حق الله سبحانه هو: وضع الشيء في غير موضعه. فالله سبحانه قادر على الظلم، لكنه منزه عنه، وقد حرمه على نفسه. وقد جمع شيخ الإسلام بين المعنيين فقال في (الرسالة الأكملية): الظلم من الله إما أن يقال: هو ممتنع لذاته؛ لأن الظلم تصرف المتصرف في غير ملكه، والله له كل شاء، أو الظلم مخالفة الأمر الذي تجب طاعته، والله تعالى يمتنع منه التصرف في ملك غيره، أو مخالفة أمر من يجب عليه طاعته، فإذا كان الظلم ليس إلا هذا أو هذا، امتنع الظلم منه. وإما أن يقال: هو ممكن لكنه سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، ولكمال نفسه يمتنع وقوع الظلم منه، إذ كان العدل والرحمة من لوازم ذاته، فيمتنع اتصافه بنقيض صفات الكمال التي هي من لوازمه على هذا القول، فالذي يفعله لحكمة اقتضت ذلك، كما أن الذي يمتنع من فعله لحكمة تقتضي تنزيهه عنه. اهـ. وقال ابن القيم في (الفوائد): زعمت طائفة أن العدل هو المقدور والظلم ممتنع لذاته، قالوا: لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير، والله له كل شيء فلا يكون تصرفه في خلقه إلا عدلا .... وأما أهل السنة فالظلم عندهم هو وضع الشيء في غير موضعه

стр. 10

كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له، وهذا قد نزه الله نفسه عنه في غير موضع من كتابه. اهـ. بتصرف يسير. فالظلم لغة هو وضع الشيء في غير موضعه كما ذكرنا، وقد تمدح الله بنفي الظلم عن نفسه ونزه نفسه عنه لكمال عدله وحكمته ﵎، وأما التأويل المذكور القائل بأن معنى الظلم مقصور على: (التصرف في ملك الغير، أو مخالفة من تجب طاعته) كما تقوله بعض المذاهب فيكون الظلم ممتنعاً لذاته على الله. فغير صحيح في اللغة ولا في المعنى، قال شيخ الإسلام ﵀: وَأَمَّا مَنْ قَالَ: هُوَ ـ أي الظلم ـ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَهَذَا لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ، فَقَدْ يَتَصَرَّفُ الْإِنْسَانُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَقٍّ وَلَا يَكُونُ ظَالِمًا، وقد يتصرف في ملكه بغير حق فيكون ظالما. انتهى. وفي الحديث " ياعبادي إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي" أي منعته مع قدرتي عليه، وإنما قلنا: مع قدرتي عليه لأنه لو كان ممتنعاً على الله لم يكن ذلك مدحاً ولا ثناءً، إذ لايُثنى على الفاعل إلا إذا كان يمكنه أن يفعل أو لا يفعل. فلو سألنا سائل مثلاً وقال: هل يقدر الله أن يظلم الخلق؟ فالجواب: نعم، لكن نعلم أن ذلك مستحيل بخبره، حيث قال: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) ... [الكهف:٤٩] وأيضاً مستحيل لكمال عدله. وقال ابن القيم ﵀ مبينا وجه نفي الظلم عن الله تعالى: قد اتفق أهل الأرض والسماوات على أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَدْلٌ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، حَتَّى أَعْدَاءَهُ الْمُشْرِكِينَ الْجَاحِدِينَ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ، فَإِنَّهُمْ مُقِرُّونَ لَهُ بِالْعَدْلِ وَمُنَزِّهُونَ لَهُ عَنِ الظُّلْمِ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَدْخُلُونَ النَّارَ وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِعَدْلِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ ﴿الملك: ١١﴾ وَقَالَ تَعَالَى: يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴿الأنعام: ١٣٠﴾ فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُهْلِكُ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ، وقد اختلفت طرق الناس في حقيقة الظلم الذي ينزه عنه الرب ، فَقَالَتِ الْجَبْرِيَّةُ: هُوَ الْمُحَالُ الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَكَوْنُ الشَّيْءِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا، قَالُوا: لِأَنَّ الظُّلْمَ إِمَّا التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِمَّا مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَكِلَاهُمَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، فَإِنَّ اللَّهَ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ فَوْقَهُ أَمْرٌ تَجِبُ طَاعَتُهُ، قَالُوا: وهو قول كثير من الفقهاء أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، ثم ذكر قول القدرية المتضمن لنفي خلق أفعال العباد ثم قال: وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ

стр. 11

فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، لَا يَضَعُ الشَّيْءَ إِلَّا فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي يُنَاسِبُهُ وَيَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ وَالْحِكْمَةُ وَالْمَصْلَحَةُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ وَلَا يُسَاوِي بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلَا يُعَاقِبُ إِلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، وَيَضَعُهَا مَوْضِعَهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَلَا يُعَاقِبُ أَهْلَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ قَاطِبَةً، وَتَفْسِيرُ الظُّلْمِ بِذَيْنِكَ التَّفْسِيرَيْنِ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ وَوَضْعٌ جَدِيدٌ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، يُقَالُ: ظَلَمَ الرَّجُلُ سِقَاءَهُ إِذَا سَقَى مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ زُبَدُهُ، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هُوَ أَظْلَمُ مِنْ حَيَّةٍ، لِأَنَّهَا تَأْتِي الْحُفَرَ الَّذِي لَمْ تَحْفُرْهُ فَتَسْكُنُهُ وَيُقَالُ: قَدْ ظَلَمَ الْمَاءُ الْوَادِي إِذَا وَصَلَ مِنْهُ إِلَى مَكَانٍ لَمْ يَكُنْ يَصِلُ إِلَيْهِ فِيمَا مَضَى، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَسْعُودٍ وَالْفَرَّاءُ: أَصْلُ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهذا القول هو الصواب المعروف في لغة الْعَرَبِ وَالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا تُحْمَلُ أَلْفَاظُهُمَا عَلَى لُغَةِ الْقَوْمِ لَا عَلَى الِاصْطِلَاحَاتِ الْحَادِثَةِ، فَإِنَّ هَذَا أَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ وَتَحْرِيفٍ وَبِدْعَةٍ، وَهَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ دَائِمًا، يَصْطَلِحُونَ عَلَى مَعَانٍ يَضَعُونَ لَهَا أَلْفَاظًا مِنْ أَلْفَاظِ الْعَرَبِ ثُمَّ يَحْمِلُونَ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تِلْكَ الِاصْطِلَاحَاتِ الْحَادِثَةِ. انتهى بتصرف. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن حديث:"لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا لهم من أعمالهم".قال: يبين أن العذاب لو وقع لكان لاستحقاقهم ذلك؛ لا لكونه بغير ذنب، وهذا يبين أن من الظلم المنفي عقوبة من لم يذنب. وكذلك قوله تعالى: ﴿وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد﴾. يبين أن هذا العقاب لم يكن ظلما؛ لاستحقاقهم ذلك وإن الله لا يريد الظلم. اهـ. وقال ابن تيمية أيضاً معلقاً على ذات الحديث في موضع آخر: والتحقيق أنه إذا قدر أن الله فعل ذلك فلا يفعله إلا بحق لا يفعله وهو ظالم، لكن إذا لم يفعله فقد يكون ظلما يتعالى الله عنه. اهـ. وقال بعض أهل العلم بأن تعذيب المطيع ومن لا ذنب له يعتبر من هذه الحيثية هو من الظلم الذي تنزه الله تعالى عنه وإلا لو عذبه في الدنيا لمقتضى آخر كالابتلاء والاختبار ونحوه فلا يكون ظلماً. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في أحد دروسه:﴾ والمستحيل ما لا يمكن وجوده، والجائز ما يمكن وجوده وعدمه، والواجب ما لا يمكن عدمه، والموجودات إما من قبيل الجائز أو من قبيل الواجب أو من قبيل المستحيل. ونرجع في استحالة الشيء وعدمه قطعاً إلى الشرع؛ أي إلى الكتاب والسنة، فيما يتعلق بالشرعيات، وإلى الواقع وأهل الخبر فيما سوى ذلك، وإلا لأمكن كل واحد

стр. 12

أن يقول: هذا مستحيل، كما قال أهل التعطيل: إن الله مستحيل أن يكون له وجه، ومستحيل أن يكون له يد، ومستحيل أن يكون له عين، وما أشبه ذلك. لكن الكلام على الواقع، فالمستحيل غير ممكن، والواجب غير ممكن عدمه، والجائز ما أمكن وجوده وعدمه. ولنضرب لهذا أمثلة: فوجود إله مع الله مستحيل ولا شك، وعدم الله مستحيل، ووجود الله واجب، ووجود الآدمي جائز؛ لأن الله تعالى جائز أن يخلق الآدميين وجائز ألا يخلق، وتعذيب الله للطائع ممتنع وإن كان يمكن أن يقع، لكنه ممتنع شرعاً، وممتنع عقلاً من وجه آخر، ممتنع شرعاً لأن الله تعالى أخبر أنه لا يظلم أحداً، وتعذيب الطائع ظلم، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) (طه: الآية١١٢) إذاً فهو مستحيل شرعاً، وهو مستحيل عقلاً بالنسبة لله ؛ لأن الله منزه عن الظلم لذاته. فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث: ((إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم))، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: ((لن يدخل أحد الجنة بعمله)) قالوا: ولا أنت؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)).قلنا لا إشكال، أما الأول: فمعناه أن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهم مستحقون للعذاب، وهو غير ظالم، وهم إنما يستحقون متى خالفوا؛ بترك الطاعة أو بفعل المعصية. وأما الثاني: فالباء في قوله: ((بعمله)) للمعاوضة، يعني لو رجعنا إلى التعويض لم يدخل أحد الجنة؛ لأن الإنسان لو حُوسب على أدنى نعمة من الله لهلك، لكن برحمة الله ... انتهى. ويقول أحد أهل العلم عن ذات الحديث: الإشكال أننا تصورنا أن العذاب كائن قبل العمل والنص لا يدل عليه بل يدل أن العذاب لو كان لكان بعد العمل بدليل قوله لو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، فالنبي ﵊ يريد أن يطمئننا ويثبت قلوبنا بأنه لو فُرض أن الله سيعذب خلقه فلن يكون ذلك إلا بذنوب تستحق ذلك، فليطمئن كل إنسان إلى عدل الله وقدره وحكمته، وأنه لا يعذب أحداً إلا مستحقاً للعذاب، والدليل على دقة هذا الفهم أنه رد على ما حاك في صدر ابن الديلمي من القدر، وأنه ربما فهم من بعض الآيات أن الله يعذب من يشاء أو أن الله قدر كل شيء، وعليه فلا مهرب من قدر الله، فكيف يعذب الله الناس ولا مهرب لهم من القدر؟!!! فجاء الحديث يرسخ عنده وعندنا أنه لو فرض أن الله عذب جميع الخلق فلن يكون ذلك إلا بعد استحقاقهم ذلك بالذنوب , وهو معنى قوله " لعذبهم وهو غير ظالم لهم " ولا يعذب الله من لا يرتكب الذنب ... انتهى).

стр. 13

وقيل بأن معنى الحديث أنه لا ينجو أحد من الخلق بعمله معاوضةً لعظيم فضل الله عليه وفي ذلك يقول ابن القيم في (شفاء العليل): هذا الحديث حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه، وله شأن عظيم، وهو دال على أن من تكلم به أعرف الخلق بالله وأعظمهم له توحيدا وأكثرهم له تعظيما، وفيه الشفاء التام في باب العدل والتوحيد؛ فإنه لا يزال يجول في نفوس كثير من الناس كيف يجتمع القضاء والقدر والأمر والنهي؟ وكيف يجتمع العدل والعقاب على المقضي المقدر الذي لا بد للعبد من فعله؟ ثم سلك كل طائفة في هذا المقام واديا وطريقا. اهـ. وذكر كلاما طويلا ومفيدا، ثم أطال النفس في تقرير عظيم إحسان الله إلى خلقه وإنعامه عليهم بما لا يقدرون عن إحصائه فضلا عن شكره وأداء حق عبوديته، وأنه لا ينجو أحد منهم بعمله، ثم قال ﵀: فعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم ببعض حقه عليهم. اهـ. وقال في آخر الباب: وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره وعلى قدر نعمه ولا يقوم بذلك أحد، كان حقه سبحانه على كل أحد وله المطالبة به، وإن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه، فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه، فإن لم يحفظهم هلكوا، وإن لم يرزقهم هلكوا، وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا. اهـ. وقد أجاب الشيخ ابن عثيمين في موضع آخر من (شرح العقيدة السفارينية) عن هذا الحديث فقال: الجواب عنه يكون من أوجه: أولاً: ينظر في صحة الحديث. ثانياً: فإذا صح كان المعنى أن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لكان تعذيبه إياهم في غير ظلم، أي لكان تعذيبه إياهم بسبب منهم وهو المعصية. ثالثاً: لو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وذلك بأن يقابل إحسانه بإحسانهم، فإنه إذا قابل إحسانه بإحسانهم صار إحسانهم ليس بشيء، ولهذا قال النبي ﷺ : "لن يدخل أحد الجنة بعمله" أي من باب المقابلة، لأن الله لو حاسبنا على وجه المناقشة لكان فعلنا للخيرات دَيناً علينا، لأنه هو الذي منَّ علينا بذلك، وحينئذٍ لو عذبنا في هذه الحال أو من هذا الوجه لعذبنا وهو غير ظالم، هذا إذا صح الحديث، وعلى ذلك فلا يكون في هذا إشكال. اهـ. وقال ابن القيم أيضاً مقرراً هذا المعنى: الصراط المستقيم الذي فطر الله عليه عباده وجاءت به الرسل ونزلت به الكتب وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب مقتضية لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله وفضله ومنه وصدقته على عبده إن أعانه عليها ووفقه لها وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها وحببها إليه وزينها في قلبه وكره إليه أضداها، ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ولا هي على قدره بل غايتها إذا بذل العبد فيها نصحه

стр. 14

وجهده وأوقعها على أكمل الوجوه أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه، فلو طالبه بحقه لبقي عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بشكرها، فلذلك لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ . اهـ. وقال ابن القيم كذلك في (مفتاح دار السعادة): لو عذب أهل سماواته وأرضه لكان ذلك تعذيبا لحقه عليهم وكانوا إذ ذاك مستحقين للعذاب؛ لأن أعمالهم لا تفي بنجاتهم. اهـ. وأما ابن رجب فنحا نحوا آخر في (جامع العلوم والحكم) حيث قال: في هذا الحديث نظر، ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم. وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم، لقدر لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم لهم حينئذ. اهـ. وعلى هذا يتبين لنا بأن الظلم المنفي عن الله والذي حرمه الله على نفسه هو وضع الشيء في غير موضعه، ومنع ذي الحق حقه، كأن ينقص أحداً من ثواب حسناته، أو يحمل أحداً أوزار غيره , وليثق المسلم أن كل مخلوق له حق عند الله فسيأخذه لا محالة وهذا متفق عليه بين جميع المسلمين وإن اختلفت مذاهبهم في معرفة وبيان تفصيل هذه الحقوق , ولهذا صدق القائل حين قال: ما للعباد عليه حق واجب * كلا ولا سعي لديه ضائع. إن عذبوا فبعدله أو نعموا * فبفضله وهو الكريم الواسع. ثم اعلم أخي المسلم بأنه ليس للناس على الله حق إلا ما أحقه الله على نفسه، وقد أحق الله على نفسه لعباده حقوقا كثيرة، منها: حق النصرة للمؤمنين، كما قال تعالى [وكان حقا علينا نصر المؤمنين] ومنها أن لا يعذب من لم يشرك به شيئا، فقد ثبت في ((الصحيحين)) من قوله ﷺ لمعاذ ﵁، وهو رديفه: يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم. فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، ومنها أن من حفظ الله منهم حفظه ووجده تجاهه. وهنا مسألة مهمة وهو أنه لا يجب العدل في الفضل إنما العدل يكون في الحقوق علماً بأن الله لا يتفضل على أحد من خلقه إلا بسبب وموجب من العبد علمه من علمه وجهله من جهله والله أعلم بمن يصلح لفضله فعن عبد الله بن عمر

стр. 15

بن الخطاب ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: " إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود على قيراط قيراط، ثم عملت النصارى على قيراط قيراط، ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين "، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء، قال: " هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ " قالوا: لا، فقال: " فذلك فضلي أوتيه من أشاء " رواه البخاري. - من أسباب امتناع الله عن الظلم: سبب الظلم الرئيسي هو الفقر والحاجة والله هو الغني الحميد ولا يحتاج إلى أحد من خلقه فقد كان ولم يكن قبله شيء قال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (. السبب الثاني للظلم: الجهل والجهل هو معرفة الأشياء على غير حقيقتها أو عدم معرفتها أصالةً والله هو العليم الذي لم يُسبق علمه بجهل وقد أحاط بكل شاء علماً وهو علام الغيوب يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور قال تعالى (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) وبالتالي جميع أسباب الظلم ممتنعة على الله سبحانه قال تعالى ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أنْفُسَهُم يَظْلِمُونَ). - معنى قوله تعالى (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ): قال شيخ الإسلام ﵀: وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، وَلَهُ فِيمَا خَلَقَهُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَنِعْمَةٌ سَابِغَةٌ، وَرَحْمَةٌ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، لَا لِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ، بَلْ لِكَمَالِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَهُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، وَقَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ. انتهى. • كيفية التوفيق بين اعتقاد أن القدر خيره وشره من الله وبين محبة الله: لا تلازم بين اعتقاد أن القدر خيره وشره من الله وبين محبة الله وذلك مثل المريض والطبيب والمرض فالمريض هو العبد والمرض هو الشر المقدور والطبيب هو الله وله المثل الأعلى فهذا المريض يحب الطبيب ويبغض المرض والعلاج المر لكن لعلمه بنصح الطبيب فهو يحب الطبيب وإن كان يكره ويبغض المرض وعلاجه المر.

стр. 16

• حكم الرضا بالقضاء: الرضا بقضاء الله فيه تفصيل نرضى بالقضاء الذي هو فعل الله وأما المقضي الذي هو فعل العبد ففيه تفصيل فإن كان مرضياً لله رضينا به كالطاعات والإيمان وإن كان غير مرضي لله لم نرض به كالمعاصي. يقول القرافيّ: اعلم أنّ السخط بالقضاء حرام إجماعاً والرّضا بالقضاء واجب إجماعاً بخلاف المقضيّ به، فعلى هذا إذا ابتلي الإنسان بمرض فتألم من المرض بمقتضى طبعه فهذا ليس عدم رضا بالقضاء بل عدم رضا بالمقضيّ ونحن لم نؤمر بأن تطيب لنا البلايا والرزايا ومؤلمات الحوادث، ولم ترد الشريعة بتكليف أحد بما ليس في طبعه، ولم يؤمر الأرمد باستطابة الرمد المؤلم ولا غيره من المرض، بل ذم الله قوماً لا يتألمون ولا يجدون للبأساء وقعاً فذمهم بقوله تعالى: «وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ»، فمن لم يستكن ولم يذل للمؤلمات ويظهر الجزع منها ويسأل ربه إقالة العثرة منها فهو جبار عنيد بعيد عن طرق الخير، فالمقضيّ والمقدور أثر القضاء والقدر، فالواجب هو الرّضا بالقضاء فقط، أما المقضيّ فقد يكون الرّضا به واجباً كالإيمان بالله تعالى والواجبات إذا قدرها الله تعالى للإنسان، وقد يكون مندوباً في المندوبات وحراماً في المحرمات، ومباحاً في المباحات، وأما الرّضا بالقضاء فواجب على الإطلاق، وقد «حزن رسول الله ﷺ لموت ولده إبراهيم ورمي السيّدة عائشة بما رميت به» إلى غير ذلك ; لأنّ هذا كله من المقضيّ، والأنبياء ﵈ طباعهم تتألم وتتوجع من المؤلمات وتسرّ بالمسرات، وإذا كان الرّضا بالمقضيّ به غير حاصل في طبائع الأنبياء فغيرهم بطريق الأولى ... انتهى. • فقه الابتلاء بالضراء: • تعريف البلاء والابتلاء والمصيبة والعقوبة: البلاء والابتلاء كلاهما امتحان واختبار، ويكونان بالسراء والضراء، ويقعان شرعا وقدرا، فالتكاليف الشرعية فعلا كانت أو تركاً، وكذلك مقادير الخير والشر، كل ذلك مما يُمتحن به العبد، وإن كان استعمال الابتلاء في الشر والضر والأمور الشاقة أغلب. قال العسكري في (الفروق اللغوية) في الفرق بين الابلاء والابتلاء: هما بمعنى الامتحان والاختبار اهـ. قال الخازن: الابتلاء يكون في الخير وفي الشر، وإذا أطلق كان في الشر غالباً، فإذا أريد به الخير قيد به. اهـ. وقال ابن عاشور في (التحرير والتنوير): لما كان الاختبار يوجب الضجر والتعب سمي بلاء، كأنه يُخلِق النفس، ثم شاع في اختبار الشر لأنه أكثر إعناتا للنفس،

стр. 17

وأشهر استعماله إذا أطلق أن يكون للشر، فإذا أرادوا به الخير احتاجوا إلى قرينة أو تصريح .. فيطلق غالبا على المصيبة التي تحل بالعبد لأن بها يختبر مقدار الصبر والأناة اهـ. ويقول الإمام البخاري في صحيحه: الابتلاء والتمحيص من بلوته ومحصته أي استخرجت ما عنده، يبلو يختبر، (مبتليكم) مختبركم، وأما قوله بلاء عظيم (فهو) النعم، وهي من أبليته، وتلك من ابتليته. انتهى. قال الحافظ في الفتح: والمراد به الاختبار، ولهذا قال: هو من بلوته إذا استخرجت ما عنده، واستشهد بقوله نبلو أي نختبر، ومبتليكم أي مختبركم، ثم استطرد فقال: وأما قوله: بلاء من ربكم عظيم أي نعيم، وهو من ابتليته إذا أنعمت عليه، والأول من ابتليته إذا امتحنته .. إلى أن قال: وتحرير ذلك أن لفظ البلاء من الأضداد، يطلق ويراد به النعمة، ويطلق ويراد به النقمة، ويطلق أيضاً على الاختبار، ووقع ذلك كله في القرآن، كقوله تعالى: بلاء حسناً فهذا من النعمة والعطية، وقوله بلاء عظيم فهذا من النقمة، ويحتمل أن يكون من الاختبار، وكذلك قوله ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم، والابتلاء بلفظ الافتعال يراد به النقمة والاختبار أيضاً. انتهى كلام الحافظ، ومنه يعلم المراد. فالبلاء والابتلاء معناهما الاختبار والامتحان كما ذكرنا، قال في النهاية: والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معا من غير فرق بين فعليهما، ومنه قوله تعالى: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ... ﴿الأنبياء:٣٥﴾، ومنه الحديث: من أبتلي فذكر فقد شكر ... والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان، يقال بلوته وأبليته وابتليته. ومنه حديث كعب بن مالك: ما علمت أحداً أبلآه الله أحسن مما أبلاني. ومنه الحديث: اللهم لا تبلنا إلا بالتي هي أحسن أي لا تمتحنا .... وفي فتح القدير للشوكاني، عند تفسير قول الله تعالى: إن هذا لهو البلاء المبين قال: البلاء والابتلاء: الاختبار والمعنى: إن هذا هو الاختبار الظاهر حيث اختبره الله في طاعته بذبح ولده ... وأما المصيبة فهي تُقال لكل ما أصاب الإنسان من نوائب الدهر، قال في لسان العرب: والصابة والمصيبة: ما أصابك من الدهر. وأما العقوبة فهي الجزاء على الذنب , وقد تكون معنوية كظلمة القلب وعدم انتفاعه بالمواعظ ونحو ذلك وقد تكون العقوبة حسية كالأقدار المؤلمة التي تصيب العبد الظالم لنفسه.

стр. 18

وقد تبين من هذه التعريفات أن البلاء والابتلاء أعم من المصيبة من وجه وأخص من وجه آخر، فالبلاء والابتلاء أعم من المصيبة من وجه لأنهما يكونان في السراء والضراء، وأما المصيبة فلا تكون إلا في الضراء، ولكن في ذات الوقت البلاء والابتلاء أخص من المصيبة من وجه آخر لأن المصيبة تصيب المكلفين وغيرهم كالأطفال بينما البلاء والابتلاء لا يكون إلا في حق المكلفين. وعلى هذا فالمرء إذا اختبر بنعمة أنعم الله عليه بها لتبين ما سيكون حاله من شكر لتلك النعمة أو كفران لها، فهذا إنما يوصف بأنه بلاء وابتلاء، ولا يمكن وصفه بأنه مصيبة، وأما إذا اختبر ببعض الفواجع والدواهي لتبين ما سيكون عليه حاله من الصبر أو الجزع، فهذا يمكن أن يوصف بأنه مصيبة وبلاء واختبار. • معالم العقوبة: المعلم الأول: لا عقوبة من الله إلا بذنب والأدلة على ذلك أكثر من أن تُحصر وأشهر من أن تُذكر. المعلم الثاني: العقوبة تنقسم إلى قسمين من حيث الصورة: القسم الأول: عقوبة ظاهرة حسية وهي ما كانت في قالب ضراء. القسم الثاني: عقوبة خفية معنوية وهي ما كانت في قالب سراء في الحال وإن كان مآلها الضراء لا محالة باعتبار العاقبة , فكما أن العقوبة الظاهرة تكون بالضراء فقد تكون بقالب سراء ومن ذلك عقوبة المُعرض عن ربه بإقبال الدنيا عليه استدراجاً له وعقوبته بوحشة في قلبه حين يذنب وعقوبته بإتباع السيئة بسيئة أخرى. المعلم الثالث: العقوبة تنقسم إلى قسمين من حيث المقاصد: القسم الأول: عقوبة مخففة وتسمى الكفارة وهي العقوبة الناتجة عن محبة الله للعبد وإحسانه إليه من حيث العاقبة وذلك كالعقوبات التي تكون كفارة للمؤمن كقوله تعالى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) وقوله (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) والمقصود بالمصيبة هنا هي المصائب الجارية مجرى العقوبة والجزاء على الذنب لا مُطلق المصيبة وقول الرسول ﵊ "ما يصيب المسلم من هم، ولا حزن، ولا وصب، ولا نصب، ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" رواه مسلم. وقول الرسول الله ﷺ (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده أو في ماله أو في ولده حتى يلقى الله سبحانه وما عليه خطيئة) رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة , ومن العقوبة المخففة العقوبة التي يُراد منها التنبيه والتذكير لعل المسيء يتوب وهذه عامة للمسلم بإطلاق ولغير

стр. 19

المسلم في الحياة الدنيا ومنها قوله تعالى "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". القسم الثاني: العقوبة المغلظة وهذه تكون ناتجة عن غضب الرب على عبده ومقته وبغضه له أعاذنا الله من ذلك , وهذه تكون لإتلاف العبد ومحقه وقطع دابره وهذه للكفار والمنافقين والمشركين. • الفرق بين المصيبة والعقوبة: الفرق الأول: كل عقوبة بذنب وليس كل مصيبة بذنب فقد تكون المصيبة بذنب فتصبح عقوبة وقد لا تكون , وبالتالي العقوبة يُشترط لها أن تكون جزاءً على ما مضى أي بذنب ماضي بخلاف المصيبة فلا يُشترط لها ذلك. الفرق الثاني: العقوبة خاصة بالمكلفين أما المصيبة فقد يُصاب غير المكلف كالأطفال والبهائم ونحو ذلك. قال الشيخ مرعي الكرمي ﵀، في كتابه " دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدَر " قال: أنا نراه تعالى يؤلم الأطفال إلى الغاية، وكذلك بقية الحيوانات التي لا تكليف لها أصلاً. ولعل الجواب: أن هذا ليس من باب العقاب؛ لأن العقاب أن تقع تلك العقوبة في مقابلة الذنب بخصوصه، وأما هذا فلعله من باب الابتلاء والاعتبار: " فاعتبروا يا أولي الأبصار "، ومما يدل على أن هذا ليس من باب العقوبة أن الله لا يُعاقب أنبياءه ورسله الكرام، مع أنا نجدهم من أشد الناس بلاءً، وفيهم من قُتل ونُشر بالمنشار، فظهر أن جهة البلاء غير جهة العقوبة؛ لأن العقوبة هي التي تقع في مقابلة الذنب لما مر، لقوله تعالى: (ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)، وقوله تعالى: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، وقوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)، وأما ما يقع لا في مقابلة ذنب؛ فهو بلاء وابتلاء من الله تعالى لعباده، لكن يبقى الكلام في نفس هذه الحكمة الكلية في هذه الحوادث، فهذه ليس على الناس معرفة أسرارها الحقيقية، ويكفيهم التسليم لمن قد علموا أنه بكل شئ عليم، وأنه أرحم الراحمين ". ... انتهى. الفرق الثالث: المصائب تختلف عن العقوبات من حيث الدفع والرفع؛ فالمصيبة إذا لم تكن عقوبة تحتاج إلى الاستعانة بالله ودفعها بالسنن الطبيعية، والصبر والتقوى، والرضا وما إلى ذلك من أمور، أما العقوبة فتحتاج بالإضافة إلى ما سبق إلى التوبة والاستغفار والاستقامة. الفرق الرابع: المصيبة لا تكون إلا ضراء وأما العقوبة فهي لا تقتصر على العقوبات الظاهرة الحسية المادية والتي تكون في قالب ضراء بل قد تكون في قالب

стр. 20

سراء كبعض العقوبات المعنوية الخفية ومن ذلك استدراج العبد الفاجر بالنعم واتباع السيئة بسيئة أخرى وهذه أعظم العقوبات لمن نور الله قلبه بالحكمة , وقد روي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: يارب ما أكثر ما أعصيك ولا تعاقبني فأوحى الله لنبي ذلك الزمان أن قل لذلك العبد: ما أكثر ما أعاقبك ولا تشعر بهذا. • الفرق بين الابتلاء والعقوبة: الفرق الأول: من حيث زمن الوقوع، فإن الابتلاء يكون في الدنيا، وأما العقاب فإنه يكون في الدنيا والبرزخ والآخرة. الفرق الثاني: من حيث السبب والباعث , فإن الابتلاء يكون لاختبار حال الإنسان، كما في قوله سبحانه "لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً" [الملك:٢]. أو يكون، أو رفعة في الدرجات، أما العقاب فلا يكون إلا جزاءً على الذنب. الفرق الثالث: الابتلاء عام للمكلفين من الجن والإنس فهو يقع على الأنبياء والصالحين، كما في الحديث "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ... ". أما العقاب فإنه خاص إذ يقع على أهل الذنوب والمعاصي فقط. • الفرق بين المصيبة والابتلاء: الفرق الأول: المصيبة لا تكون إلا ضراء أما الابتلاء فقد يكون بالضراء وقد يكون بالسراء. الفرق الثاني: المصيبة تكون في الدنيا والبرزخ والآخرة وأما الابتلاء فلا يكون إلا في الدنيا. الفرق الثالث: الابتلاء خاص بالمكلفين أما المصيبة فهي عامة تشمل المكلفين وغيرهم كالبهائم والأطفال. • الفرق بين المصائب العامة والخاصة: الغالب أن المصائب العامة هي عقوبات أما المصائب الخاصة التي تصيب الأفراد وآحاد الناس، فهذه قد تكون فعلاً عقوبة، وقد تكون ابتلاء من الله- لرفعة العبد.

стр. 21

• أحوال المصيبة في الدنيا: المصيبة في الدنيا على ثلاث أحوال: الحال الأولى: أن تكون عقوبة كعقوبة بعض المكلفين المذنبين بالعقوبات. الحال الثانية: أن تكون ابتلاء كابتلاء الأنبياء ﵈. الحال الثالثة: أن تكون مصيبة محضة وإن كانت لا تخلو من حكم كالمصائب الواقعة على البهائم والأطفال. وأما المصيبة في الآخرة والبرزخ فلا تكون إلا عقوبة , والله أعلم. • علاقة المصائب بالذنوب: لا شك أن الذنوب من أسباب المصائب، ولكن ليس في نصوص الشرع ما يدل على أن المصائب لا تكون إلا بالذنوب، فقد يُصاب بعض الناس لحكم أخرى , فالمصيبة أعم من العقوبة فقد تكون بذنب وقد تكون بلا ذنب وذلك لسبب مقتض مصلحته أعظم من مراعاة المصلحة العاجلة والخاصة للعبد ويدلك على ما قررناه قوله تعالى عن الموت (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) فسماه مصيبة وهو يصيب كل إنسان، من أشرف الأنبياء إلى أكفر الخلق, فكل عقوبة بذنب وليست كل مصيبة بذنب، وكذا الابتلاء والبلاء , قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) وقال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ)، وهو كما ترى مما لا تعلق له بالذنب وإنما المصائب أحياناً تكون لمجرد الزيادة في اليقين والرفعة والاختبار، قال تعالى (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ). ولا نُنكر أنه قد جاء لفظ "المصيبة" يُراد به العقوبة كما قال تعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)). كما هي العادة بمجيء العام على معنى بعض أفراده، وقد تقدم أن المصيبة أعم من العقوبة , وبهذا يتبين لك أن من أسباب المصائب الذنوب، ولكنها ليست السبب الوحيد، فقد يبتلي الله تعالى بعض عباده الصالحين الذين لم يستوجبوا العقاب بذنوبهم، لينالوا أجر الصابرين، وترتفع بذلك درجاتهم، كما قد يصيب الله بعض الأطفال بالمصائب، وهم لا ذنب لهم. وهنالك مذهب آخر يقول: أن كل ما أصاب العبد المكلف من المصائب لا يكون إلا بسبب من العبد إما من أصل الشر الذي في نفسه لأنه خلق ظلوماً جهولاً، وإما من الذنب الذي قد اقترفه , واستدلوا بالحديث الوارد في خطبة الحاجة: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا). ومن الأدعية النبوية الصديقية: (أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم).فالاستعاذة بالله من شرور النفس من جنس الابتلاء والامتحان، وهو تمحيص للشرور الموجودة

стр. 22

في النفوس نفس كل واحد من بنى آدم بلا استثناء وقد لا يسمى هذا النوع عقوبة، لكن السبب بلا شك من العبد، كما قال تعالى: "وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ". ومن الملاحظ هنا، أن سبب الامتحان ليس هو الإيمان والصلاح والتقوى! بل سببه ما يتبقى في النفوس من الشرور , ولذلك كان لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وأهله وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة , فالأنبياء أشد الناس بلاءً، ليصبح شر النفس عندهم أقل القليل أو عدماً , هذا والله تعالى أعلم. • بيان بأن طاعة الله ليست سبب للشؤم والمصائب: طاعة الله ليست سبب للشؤم والمصائب بل السبب هي المعاصي والذنوب قال شيخ الإسلام في الفتاوى: (والمقصود أن ما جاء به الرسول ﷺ ليس سبباً لشيء من المصائب ولا تكون طاعة الله ورسوله قط سبباً لمصيبة بل طاعة الله والرسول لا تقتضى إلا جزاء أصحابها بخيري الدنيا والآخرة. ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم لا بما أطاعوا فيه الله والرسول كما لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم لا بسبب طاعتهم الله ورسوله ﷺ . وكذلك ما ابتلوا به في السراء والضراء والزلزال ليس هو بسبب نفس إيمانهم وطاعتهم لكن امتحنوا به ليتخلصوا مما فيهم من الشر وفُتنوا به كما يُفتن الذهب بالنار ليتميز طيبه من خبيثه والنفوس فيها شر والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر الذي في نفسه قال تعالى (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) وقال تعالى (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) ولهذا قال صالح ﵇ لقومه (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ). ولهذا كانت المصائب تكفر سيئات المؤمنين وبالصبر عليها ترتفع درجاتهم وما أصابهم فى الجهاد من مصائب بأيدي العدو فانه يعظم أجرهم بالصبر عليها. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال (ما من غازية يغزون في سبيل الله فيسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم وإن أصيبوا وأخفقوا تم لهم أجرهم. وأما ما يلحقهم من الجوع والعطش والتعب فذاك يكتب لهم به عمل صالح كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وشواهد هذا كثيرة ... انتهى). وأما حديث عبد الله بن مغفل فإنه قال: قال رجل: يا رسول الله، إني لأحبك، فقال ﷺ : "انظر ما تقول" قال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات، فقال عليه

стр. 23

الصلاة والسلام: "إن كنت تحبني، فأعد للفقر تجفافاً، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه" رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. لكن أهل العلم بالحديث قالوا: إن هذا الحديث لا يصح. قال الألباني عنه: حديث منكر. وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، لأنه لا ارتباط بين الغنى ومحبة النبي ﷺ ، فكم من إنسانٍ غني يحب النبي ﷺ ، وكم من فقير أبغض ما يكون إليه الرسول ﷺ . ملاحظة مهمة: المصائب والابتلاءات والعقوبات قد تتقاطع أحياناً فتجتمع في المقدور الواحد وقد تفترق أحيان أخرى. مثال اجتماع المصيبة والعقوبة والابتلاء كالزاني المُصاب بمرض مميت بسبب معصيته فهي مصيبة من حيث كونها ضراء وفي ذات الوقت عقوبة على ذنبه وأيضاً ابتلاء وامتحان له فإن صبر كانت عاقبته حميدة وإن جزع وسخط على ربه كانت عاقبته غير محمودة. مثال افتراق المصيبة عن الابتلاء والعقوبة كالمصائب التي تصيب البهائم والأطفال. مثال افتراق العقوبة عن المصيبة والابتلاء كالعقوبات الخفية الواقعة على الكافر باستدراجه بالنعم والسراء. مثال افتراق الابتلاء عن المصيبة والعقوبة كابتلاء المؤمن بالسراء ليشكر ربه. أحوال المسلم مع أقدار الله المؤلمة عموماً: ١ - الصبر وهو واجب وهو أن يرى هذا المقدور ثقيل عليه لكنه يتحمله وهو يكره وقوعه ولكن يحميه إيمانه من السخط. ٢ - الرضا وهو مستحب وذلك بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها ولا يتحمل لها حملاً ثقيلاً. ٣ - الشكر وهو أعلى المراتب وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير السيئات وربما لزيادة الحسنات.

стр. 24

• فقه الابتلاء بالضراء: تمهيد: قال الشيخ ناصر العمر حفظه الله في كتابه آيات للسائلين "بتصرف": الدنيا دار بلاء، فالناس كل الناس مبتلون فيها بالضراء أو السراء، قال تعالى "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ" [محمد:٣١]، وقال في مواضع أُخر "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" [الأنبياء:٣٥]، "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً" [الكهف:٧]، "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" [البقرة:١٥٥]، وقال عن السابقين: "وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [لأعراف:١٦٨]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وكلما نظر صاحب المصيبة إلى حال غيره من المصابين هان عليه ما هو فيه، ورأى لطف الله - تعالى- به , ومن الحكمة المنقولة ما يروى من أن الإسكندر بن فيلبس المعروف بالمقدوني لما حضرته الوفاة بعث لأمه رسالة يقول فيها: إذا بلغك نبأ وفاتي فأقيمي مأدبة، وادعي كل الناس إلاّ من أصابته مصيبة، ففعلت، فلم يحضر أحد، فعلمت أنه أراد أن يعزيها، فإن المصائب إذا عُلم بأن جنسها يطرق الناس كل الناس، لم يبغت العاقل ثابت الجنان راجح اللب بها، ومهما كان المُصاب فالمؤمن على غُنم، قال رسول الله ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" رواه مسلم، بل مع الصبر على الضراء تراه يحمد الله أن جعل مصيبته في دنياه لا في دينه، بل ترى بعضهم يشهد في ذلك المقام المنة، فيعلم أنه وإن أُعسر شهراً فقد أيسر دهراً، وإن مارس الشدة أياماً، فقد لابس النعمة أعواماً، على ثقة من أن ساعة الضراء تزول، كما أن مدة السراء قد تحول، وكما لم تثبت نوبة المنحة، فلن تلبث نوبة المحنة، فما أعظم طمأنينة قلب من كان هذه حاله، وهنيئاً له الفوز بالدرجات العلى يوم القيامة. ومما ينبغي التنبه له هو أن الصبر والفرار إلى الله لا يُنافي بذل الأسباب بل يقتضيها، فهذا يعقوب ﵇، صاحب الصبر الجميل، قال وهو الصادق فيما يقول: "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله"، ومع ذلك لم يُغفل قانون الأسباب، "يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"، فأنت تراه يوجه بنيه كل بنيه: يا بَنيَّ، لا تيأسوا من روح الله، فكل عسير إذا يسره الله يهون، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، لا يقعدنكم اليأس، تحركوا وامضوا، فباحثوا عن أخبار من تلوموني في ذكره، وعن أخيه، وفي هذا بيان لقوة نفسه ﵇ وثبات جنانه، ولك أن تقدر ما يقوله الناس له، وعظيم إنكارهم عليه، وما يتحدثون به في مجتمعه، وخذ مقياساً لذلك كلمة بنيه: " قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ " فإذا كان هذا قول الأبناء المقربين فكيف بالغرباء الأبعدين، بل كيف بمن لم يعرف له مقام نبوة؟ إن يعقوب ﵇ لقي من الإنكار ما لقي حتى من الأبناء، وربما رأى من لا يبصر بنور الوحي أن رأيهم هو الرأي، إلاّ أن يقين

стр. 25

يعقوب وصبره عكسا القضية، فإذا بالمُنْكِرِ المخالفِ منذ قليل يتوجه إلى البحث عما أنكر، لما رأى الصبر واليقين ماثلين أمامه!!!. فاللهم ارزقنا يقين الأنبياء وحسن صبرهم وارزقنا حسن التأسي بهم يا أرحم الراحمين. تنبيه مهم: على المسلم أن يسأل ربه العفو والعافية في الدنيا والآخرة وأن لا يتمنى الابتلاء ولكن إذا ابتُلي وكان الابتلاء أمراً واقعاً فعليه بالصبر والرضا والاستعانة بربه. • أركان فقه الابتلاء بالضراء: فقه الابتلاء بالضراء للمُكلفين يتكون من سبع أركان: الركن الأول: سبب الابتلاء الرئيسي والغالب هو الذنوب والخطايا وقيل أن سبب الابتلاء الرئيسي للمكلفين هو الاختبار من الله ﷻ واستدلوا بقوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) ولا منافاة بين كون الابتلاء بسبب الذنوب وفي ذات الوقت يكون اختباراً من الله سبحانه لا سيما وأن أكثر بني آدم مسرفين على أنفسهم بالذنوب والخطايا , وقد قال الله تعالى في شأن الذنوب وآثارها ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. وهذه القاعدة القرآنية المحكمة تكررت بلفظ قريب في عدد من المواضع، كما تكرر معناها في مواضع أخرى. فمن نظائرها اللفظية المقاربة قول الله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، ويقول : ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... ﴾ [القصص: ٤٧]. وأما الآيات التي وردت في تقرير هذا المعنى فكثيرة جداً، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وكقوله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، وقال جل وعلا: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨١، ١٨٢] في ثلاث مواضع من كتاب الله .

стр. 26

ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ملخصاً ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة بتلخيص العالم المتتبع المستقرئ لنصوص القرآن الكريم، يقول ﵀: "والقرآن يبين في غير موضع: أن الله لم يهلك أحداً ولم يعذبه إلا بذنب". وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآيات الكريمة دلت عليه أيضاً نصوص من الوحي الآخر، ألا وهو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبى ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في الحديث القدسي العظيم ـ الذي يرويه عن ربه تعالى قال الله : "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه" وفى صحيح البخاري من حديث شداد بن أوس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ... الحديث" وفى الصحيحين لما سأل أبو بكر ﵁ النبيَّ ﷺ أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته، قال له ﵊: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" فتأمل ـ أيها القاراء الكريم ـ تأمل في هذه الأحاديث جيداً! فَمَنْ هو السائل؟ ومَنْ هو المجيب؟ أما السائل فهو أبو بكر الصديق الأكبر الذي شهد له النبي ﷺ بالجنة في مواضع متعددة، وأما المجيب فهو الرسول الناصح المشفق صلوات الله وسلامه عليه! ومع هذا يطلب منه ﵊ أن يعترف بذنوبه، وظلمه الكبير والكثير، ويسأل ربه مغفرة ذلك والعفو عنه، والسؤال هنا ـ أيها القاراء الكريم ـ مَنْ الناس بعد أبي بكر ﵁؟ بل ويقول تعالى لنبيه محمد ﷺ (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ) , ويقول جل ذكره في موضع آخر (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) , فمن نحن بعد رسول الله ﵊ وهذا على مذهب من يفسر الآية على ظاهرها وأن الأنبياء غير معصومين من صغائر الذنوب ولكن لا يُقرون عليها. إذا تقررت هذه الحقيقة الشرعية ـ وهي أن الذنوب سببٌ للعقوبات العامة والخاصة ـ فحري بالعاقل أن يبدأ بنفسه، فيفتش عن مناطق الزلل فيه، وأن يسأل ربه أن يهديه لمعرفة ذلك.

стр. 27

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ـ وهو يتحدث عن الأمور التي تورث العبد الصبر وتعينه عليه ليبلغ مرتبة الإمامة في الدين ـ قال ﵀: "أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلط الناس عليه بسبب ذنبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلطهم عليه بسببها عن ذنبهم ولومهم، والوقيعة فيه، وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار، فاعلم أن مصيبته مصيبة حقيقية، وإذا تاب واستغفر، وقال: هذا بذنوبي، صارت في حقه نعمة، قال علي ﵁ كلمة من جواهر الكلام: "لا يرجونّ عبدٌ إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه"، وروي عنه وعن غيره: "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة" انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀. وهنا ننبه إلى أن للمظلوم حق في القصاص ممن ظلمه ولكن مراد ابن تيمية والله أعلم هو الاستغراق في لوم الآخرين دون الرجوع إلى النفس ومحاسبتها على التقصير في جنب الله. يقول ابن القيم رحمة الله عليه ـ وهو يوضح شيئاً من دلالات هذه القاعدة القرآنية المحكمة ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ قال ﵀: وهل فى الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟! فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم، والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء؟ وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه؟ فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّلَ بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى، وبالإيمان كفراً، وبموالات الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجلَ الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان؟ فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحلّ عليه غضب الرب تعالى، فأهواه ومقته أكبر المقت! وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم؟ حتى علا الماء فوق رأس الجبال، وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض، كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ ودمرت ما مرَّ عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم؟ حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟

стр. 28

وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة، حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها؟ فأهلكهم جميعاً ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء، أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد. وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل؟ فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات، ودمرها تدميراً؟ ... إلى أن قال ﵀: قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، ثنا صفوان بن عمر، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: لما فتحت قبرص، فُرِّقَ بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي! فقلت: يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره؟! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى! انتهى كلام بن القيم. وهنا تنبيه مهم وهو أنه ينبغي أن ندرك أن العقوبات حينما تُذكر، فلا يصح حصرها في العقوبات الحسية أو العقوبات الجماعية ـ التي أشار ابن القيم إلى شيء منها ـ كالهدم والغرق والصيحة، أو السجن والعذاب الحسي، ونحو ذلك، فهذه لا شك أنها أنواع من العقوبات، ولكن ثمة أنواع من العقوبات قد تكون أشد وأعظم، وهى تلك العقوبات التي تتسلط على القلب، فيُضرب بالغفلة وقسوته، حتى إن جبال الدنيا لو تناطحت أمامه ما اعتبر ولا اتعظ ـ عياذاً بالله ـ بل يظن المسكين، أو تظن أمة من الأمم ـ وهى ترى النعم تتابع وتزداد مع استمرارها في البعد عن شرع الله ـ تظن أن ذلك علامةً على رضى الله عنها، وهذه لعمر الله من أعظم العقوبات التي يُبتلى بها العبد وتُبتلى بها أمة من الأمم. استمع جيداً إلى قول الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ فما الذي حصل؟ هل تابوا أم رجعوا؟ اقرأ تتمة الآية: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا

стр. 29

يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤] فنعوذ بالله أن نكون من أهل هذه الآية، ونسأله بمنه وكرمه أن يتوب علينا وأن يبصرنا بمواطن الزلل منا، وأن لا يضربنا بقسوة القلب، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. ملاحظة هامة: قيل أن سبب الابتلاء بالضراء الرئيسي للمكلفين هو الاختبار من الله ﷻ للمكلفين وأما الذنوب فلا شك أنها من أسباب المصائب، ولكن ليس في نصوص الشرع ما يدل على أن المصائب لا تكون إلا بالذنوب، فقد يُصاب بعض الناس لحكم أخرى , فالمصيبة أعم من العقوبة فقد تكون بذنب وقد تكون بلا ذنب وذلك لسبب مقتض مصلحته أعظم من مراعاة المصلحة العاجلة والخاصة للعبد ويدلك على هذا قوله تعالى عن الموت (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) فسماه مصيبة وهو يصيب كل إنسان، من أشرف الأنبياء إلى أكفر الخلق, فكل عقوبة بذنب وليست كل مصيبة وابتلاء بضراء تكون بذنب، وكذا الابتلاء والبلاء , قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) وقال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ)، وهو كما ترى مما لا تعلق له بالذنب وإنما المصائب أحياناً تكون لمجرد الزيادة في اليقين والرفعة والاختبار، قال تعالى (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ). ولا نُنكر أنه قد جاء لفظ "المصيبة" يُراد به العقوبة كما قال تعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)). كما هي العادة بمجيء العام على معنى بعض أفراده، وقد تقدم أن المصيبة أعم من العقوبة , وبهذا يتبين لك أن من أسباب المصائب الذنوب، ولكنها ليست السبب الوحيد، فقد يبتلي الله تعالى بعض عباده الصالحين الذين لم يستوجبوا العقاب بذنوبهم، لينالوا أجر الصابرين، وترتفع بذلك درجاتهم. وهنالك مذهب آخر يقول: أن كل ما أصاب العبد المكلف من المصائب لا يكون إلا بسبب من العبد إما من أصل الشر الذي في نفسه لأنه خلق ظلوماً جهولاً، وإما من الذنب الذي قد اقترفه , واستدلوا بالحديث الوارد في خطبة الحاجة: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا). ومن الأدعية النبوية الصديقية: (أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم).فالاستعاذة بالله من شرور النفس من جنس الابتلاء والامتحان، وهو تمحيص للشرور الموجودة في النفوس نفس كل واحد من بنى آدم بلا استثناء وقد لا يسمى هذا النوع عقوبة، لكن السبب بلا شك من العبد، كما قال تعالى: "وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ". ومن الملاحظ هنا، أن سبب الامتحان ليس هو الإيمان والصلاح والتقوى! بل سببه ما يتبقى في النفوس من الشرور , ولذلك كان لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وأهله وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة , فالأنبياء أشد الناس بلاءً، ليصبح شر النفس عندهم أقل القليل أو عدماً , هذا والله تعالى أعلم.

стр. 30

والغالب هو الذنوب والخطايا كما ذكرنا لكن ليس من لازم الابتلاء الوقوع في ذنوب لا يُكفرها إلا الابتلاء فقد يكون للابتلاء أسباب أخرى كما هو حال ابتلاء الأنبياء ﵈ وقد قيل أن سبب الابتلاء الرئيسي. الركن الثاني: وجوب اعتقاد أن كل قضاء للمؤمن هو خيرٌ له وإن كان ظاهره الشر: فإنه قد ثبت في الصحيح (أن الله تعالى لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). الركن الثالث: مقاصد الابتلاء للمُكلفين ستة وهي ما يلي: اعلم أولاً أن كل ابتلاء من الله بلا استثناء لا يخلو من حكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها ولكن قد استنبط أهل العلم بعض مقاصد الابتلاء من خلال كتاب الله وسنة نبيه فتارة يكون: ١/ لتكفير الخطايا، ومحو السيئات فيُعاقب المؤمن بالبلاء على بعض الذنوب فتكون في حقه كفارة وعقوبة مخففة ظاهرها القسوة وباطنها الرحمة، كما قال الرسول ﷺ : "إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر" رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وحسنه السيوطي.، وكما في قول الرسول ﷺ : "ما يصيب المسلم من هم، ولا حزن، ولا وصب، ولا نصب، ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" رواه مسلم. وقال رسول الله ﷺ (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده أو في ماله أو في ولده حتى يلقى الله سبحانه وما عليه خطيئة) رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة. وقوله ﷺ : ((من يُرد الله به خيراً يُصب منه)). ولذلك؛ فالمؤمن ينظر إلى الابتلاء أنه نعمة ورحمة من اللَّه على عباده، يتعهدهم بالابتلاء المرة بعد المرة؛ لينقيهم، ويطهرهم، ويذهب عنهم رجز الشيطان، ويربط على قلوبهم، ويُثبَت به الأقدام, وكذلك ينظر إليه أنه دليل رضى ومحبة من اللَّه لعباده؛ فإن اللَّه إذا أحب عبداً ابتلاه، لا لحبه لابتلاء عبده بل لما في هذا الابتلاء من عواقب حميدة قد يجهلها العبد نفسه , وكلما صلب إيمان المرء وقوي يقينه؛ اشتد بلاؤه، فمن رضي؛ فله الرضى، والعكس بالعكس, وهنا معلومة مهمة وهو أن الابتلاء وإن كان لتكفير الخطايا، ومحو السيئات إلا أنه مُتضمَن لرفع الدرجات بطريق اللزوم. ٢/ وتارة يكون لرفع الدرجات، وزيادة الحسنات، كما قال ﵊: إذا سَبَقَتْ للعبدِ من الله مَنْزِلَة لم يَبْلُغْهَا بِعَمَلِه ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صَبَّرَه حتى يُبَلِّغَه المنْزلة التي سَبَقَتْ له منه. رواه الإمام أحمد.

стр. 31

وكما هو الحال في ابتلاء الله لأنبيائه، قال رسول الله ﷺ : "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ... فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" رواه البخاري. قال العلماء: يُبتلى الأنبياء لتُضاعف أجورهم، وتتكامل فضائلهم، ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيُقتدى بهم، وليس ذلك نقصاً ولا عذاباً. انتهى. وبعض الناس يظن أن هذا الذي يُصاب بالأمراض ونحوها مغضوب عليه وليس الأمر كذلك فإنه قد يُبتلى بالمرض والمصائب من هو من أعز الناس عند الله وأحبهم إليه كالأنبياء والرسل وغيرهم من الصالحين كما تقدم , وكما حصل لنبينا ﷺ في مكة وفي يوم أحد وغزوة الأحزاب وعند موته ﷺ وكما حصل لنبي الله أيوب ﵊، ولنبي الله يونس ﵊، وذلك ليرفع شأنهم ويعظم أجورهم وليكونوا أسوة صالحة للمبتلين بعدهم. ٣/ وتارة يقع البلاء لتمحيص المؤمنين، وتمييزهم عن المنافقين، فلا بد أن يمتحن اللَّه أهل الإيمان ويبتليهم حتى يميز الصادق من الكاذب، هذا وإن كان الله يعلم من هم أهل الإيمان ومن هم أهل الكفر والنفاق قبل أن يخلق الخلق سبحانه ولكن ليُقيم الحجة على الخلق , ولذلك اقتضت حكمة اللَّه -تعالى- البالغة أن نَصَبَ الابتلاء سبباً مُفضياً إلى تمييز الخبيث من الطيب، والشقي من السعيد، ومن يصلح مما لا يصلح. قال تعالى: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ [آل عمران: ١٧٩] , ويخلص الصادق من الوهن البشري الذي لا تسلم منه نفس بشرية؛ فتسمو همته فوق الألم فيدرك أنه جسر إلى المعالي. لا تحْسبنّ المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ويُبتلى المرء على قدر دينه، كلما اشتد إيمانه عظم ابتلاؤه، حتى يخلص من شرور نفسه وسيئات أعماله، ويطهر طيب نفسه بكير الامتحان؛ كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بكير النيران وقال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت:٢ - ٣]. فيبتلي الله عباده ليتميز المؤمنون الصادقون عن غيرهم، وليُعرف الصابرون على البلاء من غير الصابرين , وإذا قلنا بأن الابتلاء يكون أحياناً اختباراً يُعرف به الصابرون ويتميزون عن غيرهم، فليس معناه أن الله تعالى يجهل حال هؤلاء المُبتلين -حاشاه من ذلك- وإنما معناه أن يظهر على المرء لنفسه ولغيره من بني جنسه ما هو عليه من رضا بقضاء الله فيُثاب على ذلك، أو من سخط لذلك فيُحاسب أي على حسب ما ظهر منه. ٤/ وتارة يقع البلاء بالمؤمن رحمة به وحماية له من أضرار الدنيا وفتنها, فالله

стр. 32

تعالى قد يمنع عبده الدنيا رحمة به وحماية له من أضرارها كما يحمي الناس بعض المرضى من الماء إذا كان يضر بهم، ففي الحديث: إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء. رواه الترمذي والحاكم وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي والألباني. ٥/ وتارة يقع البلاء بالمؤمن لتنبيه العبد وتوجيهه ومن ذلك قوله تعالى (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). ٦/ وتارة يقع البلاء بالمؤمن للتمكين والإمامة فى الأرض ومن ذلك قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذالِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ) وكان عاقبة هذا البلاء العظيم (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَأَىئِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) وكذلك قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ). الركن الرابع: ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة: روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. متفق عليه. قال ابن حجر العسقلاني: والأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، قال القرافي: المصائب كفارات جزماً سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قلّ، كذا قال، والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عُِّوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه ..... انتهى فتح الباري. الركن الخامس: للتمييز بين العقوبة والابتلاء لرفعة الدرجة في حق المؤمن: إن كان العبد قائماً بأمر الله، متمسكاً بشرعه، مستقيماً على دينه، فنرجو أن يكون ما أصابه من مصائب رفعة له في الدرجات، ومُثقلاً لموازين حسناته , وأما إن كان العبد مُقيماً على معصية الله، مُفرطاً في دينه، لاهياً عابثاً، فقد تكون المصائب والآفات التي يُبتلى بها تنبيهاً له من الله ليتوب ويرجع قبل فوات الأوان، وقد تكون عقوبة له في الدنيا نظير ظلمه لنفسه , وكل ما سبق لا نقطع به، ولكن نستشرفه من قرائن الأحوال. هذا، وإن الواجب على العبد أن إذا أصيب بمصيبة أن يقابلها بالصبر الجميل، فلا يسخط ولا يجزع؛ فإنه غانم على جميع الاحتمالات إن هو صبر واحتسب، فما

стр. 33

ينزل بالعبد من مصائب وآلام وأحزان، مما يكفر به من سيئاته، فهي رحمة من الله تعالى به، سواء كانت عقوبة على ذنب، أو كانت ابتلاء لرفع الدرجات، فقد روى أحمد والترمذي أن النبي ﷺ قال):إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة). وللحديث قصة مثبتة في رواية أحمد عن عبد الله بن مغفل ﵁: أن رجلاً لقي امرأة بغياً في الجاهلية، فجعل يلاعبها حتى بسط يده إليها فقالت المرأة: مه، فإن الله قد ذهب بالشرك، -وفي رواية ذهب بالجاهلية- وجاءنا بالإسلام، فولى الرجل، فأصاب وجهه الحائط فشجه، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: أنت عبد أراد الله بك خيراً، إذا أراد الله بعبد خيراً ..... الحديث. ومجيء المصيبة عقب الذنب دليل على أنها عقوبة، كما في الحديث السابق. لكن ما أكثر الذنوب التي يقترفها العبد وهو لا يشعر بخطرها وشناعتها، ومن هذا الذي لا ينفك عن ذنب ظاهراً أو باطناً، سراً أو علانية، كبيراً أو صغيراً؟ ولا ينبغي للعبد أن يُحسن الظن بنفسه، فيراها نقية من الذنوب، ثم يتوهم أن ما نزل به هو بلاء لم يترتب على ذنب، وخاصةً أنه ليس من فائدة تعود على الإنسان إذا ميز بين العقوبة والابتلاء، فهو مأمور بالصبر في الحالين، مع تكفير سيئاته وكونه ممن أراد الله بهم الخير أيضاً. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. الركن السادس: ابتلاء الله لخلقه بالسراء والنعماء ليس دليلاً على محبته إياهم كما أن ابتلاءهم بالضراء والمصائب ليس دليلاً على بغضه لهم: إن كثيراً من الناس يقعون في خطأ كبير عندما يجري عليهم قدر الله بشيء من العطاء أو بشيء من المنع؛ فإذا وسع الله على أحدهم في رزقه، أو أكرمه الله في تجارته، أو وفقه في دراسته، أو يسر له الزواج بمن يريد، أو أعطاه من الذرية ما يشاء، أو حفظه من مكروه، حسب أن هذا دليل إكرام من الله ، بل دليل حب منه له، ومن العجيب أن مِن هؤلاء مَن قد يكون من المسرفين على أنفسهم الظالمين لها بترك ما أمر الله وركوب ما نهى عنه من الشرور والمعاصي، ومع ذلك نجده يقول: لو لم يحبني لما أعطاني كذا وكذا، لو لم يحبني لما جنبني كذا وكذا! وفي المقابل نجد من الناس من إذا تعرض لما يسوؤه؛ من خسارة أو مرض أو فقد حبيب وما أشبه ذلك، اسودت الدنيا في عينه وأرجع هذا الأمر لعدم محبة الله

стр. 34

سبحانه وتعالى له، وأنه لو كان يحبه لما فعل به ما فعل، مع أن مِن هؤلاء مَن قد يكون من الطيبين الحافظين لحدود الله جل وعلا المقيمين على طاعته والمجانبين لمعصيته! ولا شك أن كلا الموقفين يدل على جهل ببعض ما جاء به هذا الشرع الحنيف، وجهل بحقيقة هذه الدنيا، وبحقيقة محبة الله لعباده وآثارها. إن اعتقاد هؤلاء الناس كان يمكن أن يكون صحيحاً لو أن الله جعل هذه الدنيا دار جزاء وحساب، لكنها ليست كذلك، بل هي دار ابتلاء واختبار، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وبين سبحانه أن هذا الاختبار يكون بالشر والخير جميعاً، قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. إن اعتقاد هؤلاء الناس كان يُمكن أن يكون صحيحاً لو أن الله جعل متاع الدنيا لأحبائه المؤمنين خاصة دون غيرهم من عباده، لكن الأمر ليس كذلك، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]، قال ابن الجوزي: (قال المفسرون: كُلاًّ نعطي من الدنيا، البَرَّ والفاجرَ، والعطاء هاهنا: الرزق، والمحظور: الممنوع، والمعنى: أن الرزق يعم المؤمن والكافر، والآخرة للمتقين خاصة). إن اعتقاد هؤلاء الناس كان يُمكن أن يكون صحيحاً لو كان لمتاع الدنيا قيمة حقيقية عند الله، لكنه ليس كذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، وقال صلى الله عليه سلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء". بل إنه قد ثبت أن أشد الناس بلاءً هم أولياؤه وأحباؤه من النبيين والصالحين، فقد قيل للنبي ﷺ : "يا رسول الله من أشد الناس بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتَلى العبد على حسب دينه، فما يبرح بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة"، ولهذا كان الصالحون يخشون على أنفسهم إذا مر عليهم زمن لم يتعرضوا فيه للابتلاء في أنفسهم أو أهليهم أو أموالهم وغير ذلك , هذا مع أن المؤمن مُطالب بسؤال الله العفو والعافية وكما قيل السلامة لا يعدلها شاء لكن لو ابتُلي فليصبر مُستعيناً بربه. أخى القاراء الكريم لقد أرشد الله العقول إلى الصواب في هذه المسألة في كتابه العزيز وبين بما لا يدع مجالاً للشك بطلان ما ذهب إليه كلا الفريقين، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، قال ابن

стр. 35

كثير ﵀: (يقول تعالى مُنكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له؛ وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان. كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥،٥٦]. وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضَيَّق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله: ﴿كَلا﴾ أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنياً بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر). فإذا صحح المسلم مفاهيمه في ضوء الحقائق السابقة نظر إلى مقادير الله نظرة مختلفة؛ فعلم أن ما نزل به من محنة هو اختبار من الله لينظر أيقوم بواجب الصبر على الابتلاء ويرضى بقضاء الله وقدره، أم يسخط ويعترض على مولاه، وعلم أن ما نزل به من منحة هو اختبار من الله له كذلك لينظر أيقوم بواجب الشكر على النعمة أم يكفرها وينسى بارئها. ثم هو ينظر لما يراه من تنعم الكافرين بمتاع الحياة الدنيا فلا يفتنه ذلك عن دينه بل يعلم أن هذا محض إملاء واستدراج لهؤلاء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: وسأملي لهم، أطول لهم ما هم فيه ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: قوي شديد). قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (ومعناه: أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤،٤٥]؛وقوله مُبْلِسُونَ أي آيسون من كل خير والعياذ بالله. ويقول جل وعلا: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ). وخلاصة القول أن المحبة عند الله ليست بالجاه والأولاد والمال والمناصب وإنما تكون المحبة عند الله بالعمل الصالح والتقوى لله والإنابة إليه والقيام بحقه وكل من كان أكمل تقوى كان أحب إلى الله. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وإنما يعطي الإيمان والدين من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه))، فمن ابتُلي بالكفر والمعاصي فهذا دليل على أنه مبغوض عند الله على حسب حاله.

стр. 36

فإذا علم المؤمن أن الميزان الذي تقاس به الأمور مختلف عما يظنه كثير من الناس، وإذا علم أن هذا الميزان يختلف بين المؤمنين والكافرين، فقد يتساوى المؤمن والكافر في الظاهر في صورة الابتلاء بالمنع أو العطاء، لكن بينهما ما بين المشرق والمغرب؛ فهذا المؤمن استقرت نفسه وهدأ خاطره، فأقبل على عبادة ربه بطمأنينة وسكينة، واستقبل قضاء الله وقدره بمزيد من الرضا والتسليم، شاكراً لنعمائه، صابراً على ابتلائه، فنال بذلك أعلى الدرجات وحصَّل أعلى الكرامات، وليس ذلك إلا للمؤمن، كما قال ﵇: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير -وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له". الركن السابع: فقه التعامل مع أقدار الله الشاملة للسراء والضراء ما يلي: يقول أهل العلم من علامات السعادة أن المسلم إذا أُنعم عليه شكر وإذا ابتُلي صبر وإذا أذنب استغفر, فعلى المؤمن أن يصبر على كل ما يُصيبه من مصائب وبلايا لينال أجر الصابرين الشاكرين، كما قال الرسول ﷺ : "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" رواه مسلم. فالمؤمن الذي تُصيبه السراء والنعمة فيشكر ربه فله العاقبة الحسنة، وذلك لأن الله يحب الشاكرين، ويزيدهم من نعمه، قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:٧]. والمؤمن الذي يصبر على الضراء ينال أجر الصابرين، كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. وقد بين النبي ﷺ أن من يصبر على فقد (موت) ولده ولا يجزع، بل يسترجع، ويحمد الله، أن الله يبني له بيتاً في الجنة جزاءً على صبره وشكره، قال رسول الله ﷺ : "إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد" رواه الترمذي، وقال حديث حسن. ومعنى استرجع: قال: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) فعلى المؤمن أن يقول ذلك إذا أصابته مصيبة من المصائب، وعليه أن يرجع إلى الله، وأن يكثر من ذكره ومن الصلاة، حيث كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر يفزع إلى الصلاة. ومعنى حزبه: أي نزل به أمر مهم.

стр. 37

ومن الأمور التي تهون المصائب: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والوضوء، وتلاوة القرآن الكريم، وتوثيق الصلة بالله سبحانه، والتوبة من كبائر الذنوب ... إلخ. استدراك: ليس من الصبر المحمود, الصبر على المعاصي إنما المحمود الصبر عن المعاصي وفرقٌ بين المسألتين. • بيان عدم التعارض بين قوله تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) وقوله ﵊ (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل): لا تعارض بين الآية والحديث المذكورين حتى يُوَفَق بينهما، وسر الفرق بينهما أن المصائب أعم من العقوبة فليست كل مصيبة تكون عقوبة بل قد تكون المصيبة ابتلاء لرفع الدرجات كما هو الحال مع ما أصاب الأنبياء ﵈ وأما قوله تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) المقصود بالمصيبة هنا هي المصائب الجارية مجرى العقوبة والجزاء على الذنب لا مُطلق المصيبة , ومجيء العام على معنى بعض أفراده أمر معروف، وقد تقدم أن المصيبة أعم من العقوبة , والذي يدلك على هذا هو أن البهائم والأطفال ليسوا بمنأى عن المصائب فهل يقول عاقل أن ما أصابهم بسبب ذوبهم؟!!. وبهذا يتبين لك أن من أسباب المصائب الذنوب، ولكنها ليست السبب الوحيد، فقد يبتلي الله تعالى بعض عباده الصالحين الذين لم يستوجبوا العقاب بذنوبهم، لينالوا أجر الصابرين، وترتفع بذلك درجاتهم، كما قد يصيب الله بعض الأطفال بالمصائب، وهم لا ذنب لهم. أما على مذهب من يرى عدم عصمة الأنبياء من الذنوب الصغائر ويرى أن جميع المصائب للمكلفين بسبب الذنوب بلا استثناء فتكون الآية على ظاهرها وأن ابتلاء الله لأنبيائه بالمصائب لعلو منزلتهم ولإرادة الله تكميل عبوديتهم له ليقربهم إليه أكثر ويُكرمهم يوم القيامة ولمعاملة الله لهم معاملة خاصة ويُشدد الحساب عليهم لعلو منزلتهم عنده وكما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين وعلى هذا تكون المصائب في حقهم رفعة درجات نتيجة تكفير صغائر ذنوبهم والله أعلم. وعلى هذا؛ فلا تعارض بين الآية والحديث في كلا الحالين.

стр. 38

• تأويل هلاك الأفاضل في الحوادث والزلازل والكوارث: في البداية إن من رحمة الله بالخلق أنه لا يعذبهم بعذاب عام ينال المسيء والمحسن إلاّ إذا فشى فيهم الخبث وظهر بينهم، وابتعدوا عن منهج الله، قال المهلب " ظهور الزلازل والآيات وعيد من الله تعالى لأهل الأرض، قال الله تعالى: "وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً" [الإسراء: ٩٥]، والتخويف والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة والإعلان بالمعاصي، ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين زلزلت المدينة في أيامه قال: (يا أهل المدينة ما أسرع ما أحدثتم والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم). فخشي أن تصيبه العقوبة معهم" ... انتهى. وحينها يكون الهلاك خيراً عند أهل الإيمان المغلوبين على أمرهم من الحياة وسط بيئة يُحارب فيها الله صباح مساء، ويُجاهر فيها بمعصيته ومحادته. وعلى هذا جرت سنة الله في خلقه فمتى استشرى السرطان في الجسد، وتمكن منه، فغلب عليه فساد أعضائه، بعث الله برحمته ملك الموت ليقبض المُصاب على الرغم من صلاح الكبد والطحال أو غيرها من الأعضاء، فيموت المريض وله قلب ينبض، وعقل يحمد، ولو مد الله في أجله لفسدا تأثراً بالبيئة السرطانية. وهكذا إذا استشرى الفساد في المجتمعات، وأبى مفارقتها أهل الصلاح لغير موجب شرعي , أوشك أن يعمهم العذاب، إما عقوبة لهم على بقائهم بلا موجب شرعي، أو رحمة بهم قبل أن ينالهم الفساد الذي أحكم قبضته فحال بينهم وبين المفارقة. وفي حديث أنس المتفق عليه: "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي"، فدل هذا بمفهومه على أن الوفاة قد تكون خيراً للمسلم. قال ابن عبد البر عند هذا الحديث بعد أن قرر النهي عن تمني الموت لبلاء نزل: "وقد يجوز تمني الموت لغير البلاء النازل، مثل أن يخاف على نفسه المرء فتنة في دينه ... انتهى"، قال النووي: "فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضرراً في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث وغيره وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم ... انتهى". وما ضر مشتاق إلى لقاء ربه، طامع في النظر إلى وجهه، أن تعجلت له بوادر ذلك، بأمر الله إذا فسد الناس. وهنا أخي القاراء الكريم قد يقول قائل: كيف تعدون هذه الزلازل وتلك الكوارث والحوادث عقوبات من الله وقد يهلك فيها الصالحون، أو يجوز نزول العذاب على الصالحين عندكم؟ ومع أن هذه المقدمة تشير إلى الجواب، بل النص النبوي فيها

стр. 39

صريح، غير أن بسطه من الأهمية بمكان؛ لأن التشغيب بنحو هذا من قبل أولياء الباطل من أجل تقرير أن الزلازل والفيضانات والبراكين التي تصيب بعض الأمم الباغية لا علاقة لها ولا مدلول يشير إلى صلاح أو فساد نجمت عنه الكارثة، والحجة عندهم أن تلك الكوارث بعينها تصيب أهل الإسلام فيهلك من الصالحين أناس. مع أن الله يقول: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [الروم:٤١]. وقال سبحانه: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" [الشورى:٣٠]، وقال لخير القرون ﵃: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [آل عمران:١٦٥]. وللجواب على هذا الإشكال لابد في البداية أن نفهم مسألة مهمة في هذا الباب وهي أنهلك وفينا الصالحون؟ أو بصيغة أخرى أيهلك القوم وفيهم الصالحون؟ أجيب بأن الله قد أعذر فأنذر عباده، قال عز سلطانه: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (الأنفال:٢٥)، وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش –﵂ قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث". قال أبو الوليد الباجي، وهو من علماء القرن الخامس: "فهذا مع الصالحين فكيف مع قلتهم أو مع عدمهم نسأل الله أن يتجاوز عنا بفضله ويتغمد زللنا برحمته ... انتهى"، ولا يسعنا إلاّ أن نقول: آمين! وفي صحيح البخاري بابٌ: إذا أنزل الله بقوم عذاباً. قال ابن حجر: بتصرف يسير مني "حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث"، ثم ساق حديث يونس بن زيد: "إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بٌعثوا على نياتهم"، قال ابن حجر: "والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم، قوله: "ثم بعثوا على أعمالهم" أي: بعث كل واحد منهم على حسب عمله، إن كان صالحاً فعقباه صالحة، وإلاّ فسيئة فيكون ذلك العذاب طُهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين" ثم ذكر آثاراً عدة في هذا المعنى، وقال: "والحاصل أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يُجازى كل أحد بعمله على حسب نيته"، ثم ذكر قول ابن أبي جمرة في سبب إهلاك الصالحين، فقال: "إنما يقع بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -بغير موجب شرعي-، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقاً، لا يرسل الله عليهم العذاب، بل يدفع بهم العذاب، ويؤيده قوله تعالى: "وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ" [القصص:٥٩]، وقوله تعالى: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" [الأنفال:٣٣]، ويدل على تعميم العذاب لمن لم ينه عن المنكر -مع عدم المفارقة حال

стр. 40

وقوعه- وإن لم يتعاطاه قوله تعالى: "فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ" [النساء:١٤٠]، ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار، ومن الظلمة، لأن الإقامة معهم -بلا موجب شرعي- من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضي فهو منهم، ويؤيده أمره ﷺ بالإسراع في الخروج من ديار ثمود. وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل؛ لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة، وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيراً لما قدموه من عمل سيئ، فكان العذاب المُرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم يُنكر عليهم فكان ذلك جزاءً لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يُبعث كلٌ منهم فيُجازى بعمله. وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي -بلا موجب شرعي-، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضي، فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة، قلتُ: فأتى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة وإلى ذلك جنح القرطبي في التذكرة" اهـ. ثم مال ابن حجر إلى أنه ليس من شرط إهلاكهم سكوتهم عن الإنكار فقال: "وما قدمناه قريباً أشبه بظاهر الحديث وإلى نحوه مال القاضي بن العربي". ولعل هذا القول قريب من قول ابن قتيبة ﵀ في تأويل مختلف الحديث:" فأما عقاب الله تعالى إذا هو أتى فيعم وينال المسيء والمحسن قال الله تعالى: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً" (الأنفال: من الآية٢٥) [الأنفال:٢٥] يريد أنها تعم فتصيب الظالم وغيره، وقال : "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا" (الروم: من الآية٤١) [الروم:٤١]. وقالت أم سلمة: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون، فقال: نعم إذا كثر الخبث، وقد تبين لهم أن الله تعالى غرق أمة نوح ﵇ كلها وفيهم الأطفال والبهائم بذنوب البالغين وأهلك قوم عاد بالريح العقيم وثمود بالصاعقة وقوم لوط بالحجارة ومسخ أصحاب السبت قردة وخنازير وعذب بعذابهم الأطفال، قال أنس بن مالك: إن الضب في جحره ليموت هزلاً بذنب ابن آدم، وقد دعا رسول الله ﷺ على مُضر، فقال:"اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف" فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين، حتى أكلوا القد والعظام .. فنال ذلك الجدب رسول الله ﷺ وأصحابه ..... "إلخ. ثم عقب ﵀ بكلمة تسطر بماء الذهب، رأى صوابها كل من له عينين، فقال: " وقد رأينا بعيوننا ما أغنى عن الأخبار، فكم من بلد فيه الصالحون والأبرار، والأطفال والصغار، أصابته الرجفة، فهلك به البر والفاجر، والمسيء والمحسن، والطفل والكبير؛ كقومس ومهرجان وقذق والري ومدن كثيرة من مدن الشام واليمن
следующие страницы →