← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96252

معالم الطريق إلى الله

أبو فيصل البدراني

Полный текст (130 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

"بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , أما بعد: فهذا كتاب أعددته لكل من عقد العزم على الرجوع إلى الله وسمَيته معالم الطريق إلى الله , وعدد هذه المعالم ستة عشر وحصرها بهذا العدد هو اجتهاد مني , وقد جمعت في كل معلم بعض المسائل المهمة التي يحتاجها السالك إلى الله , وجعلتها على هيأة نقاط , علماً بأن هذه المسائل مُستفادة من استقراء الكتاب والسنة, وهي مُجرَدة عن الأدلة بُغية الاختصار والاختزال إذ المقام ليس مقام إطالة وإسهاب وهذا في الأعم الأغلب

стр. 2

تنبيه: لا يجب قراءة هذا الكتاب من أوله إلى آخره مُرتباً , بل للقاريء الكريم أن يتخيَر ويقرأ كل معلم من هذه المعالم مجرَداَ عن ما قبله وعن ما بعده. (المعلم الأول: عوارض الأهلية وشروط التكليف وموانعه) • الأهلية هي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق الشرعية له أو عليه أو صلاحيته لصدور الفعل منه على وجه يُعتد به شرعاً. • عوارض الأهلية هي أحوال منافية لأهلية الإنسان غير لازمة له. وهي نوعان: ١ - عوارض سماوية: (وهي ما ثبت من قبل صاحب الشرع بدون اختيار للعبد فيه وهذه العوارض خارجة عن قدرة العبد وهي أحد عشر (الصغر، الجنون، العته، والنسيان، النوم، الإغماء، الرق، المرض، الحيض، النفاس، الموت) ويخرج الحمل والرضاع والشيخوخة القريبة إلى الفناء من العوارض لدخولها في المرض ولو أفردا من بين العوارض فلا بأس. والعته: هو اختلاط كلامه مرة وعدم اختلاطه مرة فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء وبعضه كلام المجانين. ٢ - عوارض مكتسبة: (وهو ما كان لاختيار العبد فيه دخل باكتساب أو ترك إزالتها وهي نوعان منه ومن غيره أما الذي منه فهي الجهل والسكر والهزل والسفه والخطأ والسفر أما الذي من غيره فالإكراه بما فيه من إلجاء وبما ليس فيه إلجاء.) لكن ليُعلم أنه ليس كل جهل هو عذر وعارض فهناك جهل باطل ولا يصلح عذراً في الآخرة , أما السكر فالمتفق في جعل السكر عارضاً وعذراً مؤثراً كونه بطريق مباح فيكون كالإغماء، وأما السفه فهو خفة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مُقتضى العقل.

стр. 3

• الغضب عند أهل العلم له ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: أن يشتد غضبه حتى يفقد عقله، وحتى لا يبقى معه تمييز من شدة الغضب. فهذا حكمه حكم المجانين لا يترتب على كلامه حكم؛ لا طلاقه، ولا سبّه، ولا غير ذلك، ويكون كالمجنون لا يترتب عليه حكم. المرتبة الثانية: دون ذلك، أن يشتد معه الغضب ويغلب عليه الغضب جدًّا حتى يغير فكره، وحتى لا يضبط نفسه ويستولي عليه استيلاءً كاملاً، حتى يصير كالمكره والمدفوع الذي لا يستطيع التخلص مما في نفسه، لكنه دون الأول، فلم يَزُلْ شعوره بالكيلة، ولم يفقد عقله بالكلية، لكن معه شدة غضب بأسباب المسابَة والمخاصمة والنزاع بينه وبين بعض الناس كأهله أو زوجته أو ابنه أو أميره أو غير ذلك. وهذا يُلحق بالأول الذي فقد عقله؛ لأنه أقرب إليه، ولأن مثله مدفوع مكره إلى النطق، لا يستطيع التخلص من ذلك لشدة الغضب. وحكمه حكم من فقد عقله في هذا المعنى، أي في عدم وقوع طلاقه، وفي عدم ردْته؛ لأنه يشبه فاقد الشعور بسبب شدة غضبه واستيلاء سلطان الغضب عليه حتى لم يتمكن من التخلص من ذلك. المرتبة الثالثة: فهو الغضب العادي، الذي لا يزول معه العقل، ولا يكون معه شدة تضيِّق عليه الخناق، وتُفقده ضبط نفسه، بل هو دون ذلك، غضب عادي يتكدّر ويغضب، ولكنه سليم العقل سليم التصرف. فهذا عند أهل العلم تقع تصرفاته، ويقع بيعه وشراؤه وطلاقه وغير ذلك؛ لأن غضبه خفيف لا يغيَر عليه قصده ولا قلبه , والله أعلم. • التمييز هو أن يميَز الطفل بين ما يضره وما ينفعه ويكون غالباً في السادسة أو السابعة من عمره. • الصغير (الطفل) المميز يجري عليه قلم الحسنات ولا يجري عليه قلم السيئات وليس عليه واجب وليس عليه محرم لكن يجب على ولي الطفل مُميزاً كان أو غير مميز أن يجنبه المحرمات من الأطعمة والملابس وغير ذلك.

стр. 4

• للتكليف موانع منها: الجهل وهو عدم العلم فمتى فعل المكلف محرماً جاهلاً بتحريمه فلا شيء عليه ومتى ترك واجباً جاهلاً بوجوبه لم يلزمه قضاؤه إذا كان قد فات وقته. النسيان وهو ذهول القلب عن شيء معلوم فمتى فعل محرماً ناسياً فلا شيء عليه ومتى ترك واجباً ناسياً فلا شيء عليه حال نسيانه ولكن عليه فعله إذا ذكره. الإكراه وهو إلزام الشخص بما لا يريد فمن أُكره على شيء محرم فلا شيء عليه ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه وعليه قضاؤه إذا زال. وهذه الموانع إنما هي في حق الله لأنه مبني على العفو والرحمة أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه والله أعلم. • شروط التكليف: العلم والقدرة. ومن موانعه الجهل والعجز والإكراه والنسيان وغير ذلك. • من أسباب الإعذار: التأويل. • الغلط والنسيان والسهو وسبق اللسان بما لا يريده العبد بل يريد خلافه به مكرهاً أو غير عارف لمقتضاه من لوازم البشرية لا يكاد ينفك الإنسان من شيء منه فلو رتب عليه الحكم لحرجت الأمة وأصابها غاية التعب والمشقة فرفع عنها المؤاخذة بذلك كله حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسكر وكذلك الخطأ والنسيان والإكراه والجهل بالمعنى وسبق اللسان بما لم يرده والتكلم في الإغلاق ولغو اليمين فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ الله بها عبده بالتكلم في حال منها لعدم قصده وعقد قلبه الذي يؤاخذ به. • الغافل والذاهل والناسي لا يُؤخذ بما يصدر منه. • من همَ بالسيئة ولم يفعلها معفوٌ عنه وإن تركها لله فهو مأجور.

стр. 5

(المعلم الثاني: مصير الناس بعد الموت ومنازلهم عند ربهم) • الله رحيم واسع الرحمة وحكيم يُنزل الأمور منازلها ويعطي كل أحد بحسب حاله ومقامه , قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) اشترك هؤلاء الثلاثة في الإيمان وفي اصطفاء الله لهم من بين الخليقة وفي دخول الجنة وافترقوا في تكميل مراتب الإيمان وفي مقدار الاصطفاء من الله وميراث الكتاب وفي منازل الجنة ودرجاتها بحسب أوصافهم. وهم ثلاث مراتب كلية: الأول: ظالم لنفسه. الثاني: مقتصد. الثالث: سابق بالخيرات. أما الظالم لنفسه فهو المؤمن الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وترك من واجبات الإيمان ما لا يزول معه الإيمان بالكلية وهذا القسم ينقسم إلى قسمين القسم الأول: من يرد القيامة وقد كُفَر عنه السيئات كلها إما بدعاء أو شفاعة أو آثار خيرية ينتفع بها في الدنيا أو عُذَب في البرزخ بقدر ذنوبه ثم رُفع عنه العقاب وعمل الثواب عمله فهذا من أعلى هذا القسم. القسم الثاني: من ورد القيامة وعليه سيئات فهذا توزن حسناته وسيئاته ثم هم بعد هذا النوع ثلاثة أنواع: النوع الأول: من ترجح حسناته على سيئاته فهذا لا يدخل النار بل يدخل الجنة برحمة الله. النوع الثاني: من تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهؤلاء هم أصحاب الأعراف وهي موضع مرتفع بين الجنة والنار يكونون عليه ويلبثون فيه ما شاء الله ثم بعد ذلك يدخلون الجنة. النوع الثالث: من رجحت سيئاته على حسناته فهذا قد استحق دخول النار إلا أن يمنع من ذلك مانع من شفاعة الرسول ﷺ له أو أحد أقاربه أو معارفه أو تدركه رحمة الله المحضة بلا واسطة وإلا فلا بد له من دخول النار يُعذب فيها بقدر ذنوبه ثم مآله إلى الجنة ولا يبقى في النار أحد في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل. أما المقتصد فهو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات ولم يُكثر من نوافل العبادات وإذا صدر منه بعض الهفوات بادر إلى التوبة , فيُعاد إلى مرتبته فهؤلاء أهل اليمين فهؤلاء سلموا من عذاب البرزخ وعذاب النار وسلم لهم إيمانهم وأعمالهم فأدخلهم الله بها الجنة.

стр. 6

وأما السابق إلى الخيرات فهو الذي كمل مراتب الإسلام وقام برتبة الإحسان فعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه وبذل ما استطاع من النفع لعباد الله فكان قلبه ملآن من محبة الله والنصح لعباد الله فأدى الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات المنقصة لدرجته فهؤلاء هم صفوة الصفوة وهم المقربون. علماً أن أصحاب هذه المراتب كلٌ على حسب درجته وبينهما تفاوت عظيم. • مراتب أعمال الناس من حيث ميزان الشرع: المرتبة الأولى: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه: فهو سنة الرسول ﷺ الباطنة والظاهرة والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. المرتبة الثانية: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها إما لحُسن القصد أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع , وهذا الضرب كثير جداً في طرق المتأخرين ومن عامة المسلمين أيضاً, فقد يكون الشخص الواحد في العمل الواحد آثماً من جهة وفي ذات الوقت مُحسناً مأجوراً من جهة أخرى. المرتبة الثالثة: ما ليس صلاح أصلاً إما لكونه تركاً للعمل الصالح مطلقاً أو لكونه عملاً فاسداً محضاً. فأفضل هذه المراتب بلا شك الأولى ثم الثانية أما الثالثة فأعاذنا الله منها. • أولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور وتركوا المحظور وصبروا على المقدور. • هناك فرق بين القوة العلمية والقوة العملية والعلم شيء والتحلي بالعلم شيء آخر والناس مع هاتين القوتين (العلمية والعملية) أربعة أقسام: القسم الأول: من الناس من تكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة العلمية أغلب القوتين عليه ويكون ضعيفاً في القوة العملية يُبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاه فهو فقيه ما لم يحضر العمل فإذا حضر العمل شارك الجهَال في التخلَف وفارقهم في العلم وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المنشغلة بالعلم والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله. القسم الثاني: ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في

стр. 7

الآخرة والجد والتشمير في العمل ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات فداء هذا من جهله وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم. القسم الثالث: من كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله ورُجي له النفوذ وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته فإن القواطع كثيرة شأنها شديد ولا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين ولو شاء الله لأزالها وذهب بها ولكن الله يفعل ما يريد. القسم الرابع: فإذا كان السير ضعيفاً والهمة ضعيفة والعلم بالطريق ضعيفاً والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء إلا أن يتداركه الله برحمة منه. • العلماء ثلاثة عالم بالله دون أمره وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله وعالم بالله عالم بأمر الله وهذا هو الراسخ في العلم.

стр. 8

(المعلم الثالث: الشيطان وموقفنا منه) • الملائكة عباد مكرمون يقومون بأمر الله الكوني المحبوب لله وهم يعلمون ذلك ولو كان صورة هذا الأمر عذاب وانتقام فهو خير ومحبوب لله فهو جزاء لظلم الناس وما ظلمهم الله , والملائكة مسخَرون كالشمس والقمر فلا تتأتى منهم المعصية ألبتة والله أعلم , وهم يأتمرون بأمر الله المباشر . • إذا أطلق اسم الشيطان فالمراد به فاسق الجن , والله لا يجعل للشيطان على العبد سلطاناً حتى يجعل له العبد سبيلاً بطاعته والشرك به فجعل الله حينئذٍ له عليه تسلطاً وقهراً , فلا سلطان للشيطان على عباد الله الصالحين , وأما تسليطه على المؤمنين فيكون بسبب ذنوبهم. • وكَل الله بكل إنسان قريناً من الملائكة وقريناً من الجن والقرين الملكي والقرين الجني يتسابقان على توجيه الإنسان فللملك لمَته وهي إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولَمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق. • للإنسان عدوان: عدو ظاهر وهو شيطان الإنس وعدو باطن وهو شيطان الجن ومحاربة العدو الباطن أولى من العدو الظاهر. • خواطر القلب السيئة قسمان: ١ - طارئة (ضرورية) غير مستقرة وهي ما يجري في الصدر من الخواطر ابتداءً ولا يقدر الإنسان على دفعها فهذه مدافعتها تكون بالإعراض عنها وعدم التكلم بها. ٢ - مستقرة (اختيارية) وهي التي أوجبتها شبهة وُجدت فيه فهذه لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها وتكون بمناقشتها ومعرفة الدليل وإقامة الحجة والبرهان لدحضه. • المؤاخذة تكون في أعمال القلوب المستقرة. • الأفكار والخواطر حسنها وسيئها تتوارد على القلب والإنسان يقبل منها ما شاء ويرفض ما شاء فمن فتح أبوابه للملك الكريم وأغلقه عن الشيطان الرجيم فقد أفلح. • قد يخاف الشيطان ويهرب من بعض عباد الله. • يدخل كافر الجن النار. • كل مخالفة للرحمن فهي طاعة للشيطان.

стр. 9

• أساليب الشيطان في إضلال الإنسان: تزيين الباطل، وتشويه الحق، والإفراط والتفريط ولا ينجي من ذلك بعد الله إلا علم راسخ وإيمان قوي، ومن الأساليب أيضاً التسويف والكسل والتثبيط، والوعد والتمنية وهو في الواقع لا حقيقة له، وإظهار النصح للإنسان، والتدرج في الإضلال، وتخويف المؤمنين أولياء الشيطان وهم الكفرة، ودخوله إلى النفس من الباب الذي تحبه وتهواه، وإلقاء الشبهات، وسائر أمراض قلوب بني آدم هي مداخل الشيطان. • الأذكار والتحصينات الشرعية والرقية وجميع الأوراد لها شروط ولها موانع فمن حقق شرطها واجتنب موانعها حصل على ثمرتها تامة والأوراد والأذكار والاستعاذة تكون بحسب ما يقوم بالقلب والسيف بضاربه. • كلما كان المؤمن حسن الصلة بالله كان لذكره ودعائه وتعوذه وورده أثر أقوى , وقيل وإن كان مرجوحاً بأن القول اللساني للأذكار والدعاء والاستعاذة بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر. • ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين دميمين فكما أن الجافي عن الأمر مُضيع له فالغالي فيه مضيع، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد. • الذي يعبد غير الله إنما يعبد إبليس في نفس الأمر لأنه هو الذي أمره بذلك وحسَنه وزيَنه له. • الذي يميل ويحب ويريد ويستجيب لوحي الشيطان استجابة مطلقة هو من لا يؤمن بالآخرة وهو الكافر والناس بين مستقل ومستثكر. • شأن المتقين إذا مسهم طائفٌ من الشيطان التذكر والاستعاذة بالله والالتجاء إليه وإن كان الطائف يسير , أما الفجار فإنهم لا ينتهون ولا يقصر الشياطين في مدهم في الغي. • عبادة الشيطان المراد بها طاعته المطلقة فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم , وتكون طاعة الشيطان شركاً إذا أطاعه في الاعتقاد بالذي هو محل الكفر والإيمان أما من أطاعه في الفعل وعقده مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص.

стр. 10

• سؤال العرافين والكهنة على وجه الامتحان لإظهار تناقضهم وكشف عوارهم لا بأس به. • تعليل صدق المنجمين والعرافين بعض الأحيان: أنهم يقولون للناس كلاماً عاماً حمَال للوجوه فإذا حدث الأمر فسَروه على الوجه الذي يريدون وبعض الأحيان يكون فراسة وتوقع وأحياناً تكون هذه الكلمة الصادقة مما خطفه الجن من خبر السماء علماً بأن المسلم مأمور بعدم تصديقهم طاعةً لرسول الله ﷺ . • كيف تصنع بالشيطان إذا سوَل لك الخطايا؟ تجاهده هذا حسن ولكنه يطول , والحل الناجع تستعين بخالقه فيكفَه عنك وهو على كل شيء قدير. • إذا ذُكر الله تصاغر الشيطان حتى يكون كالذباب. • قلوب بني آدم ثلاثة: ١ - قلب خالٍ من الإيمان والخير قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس عليه , وهذا قلب الكافر والمنافق. ٢ - قلب محشو بالإيمان وتوحيد الله لو دنا منه الوسواس لاحترق وهذا قلب حقيقٌ أن يُحرس ويُحفظ من كيد العدو فلا ينال منه شيئاً إلا خطفة. ٣ - قلب قد استنار بنور الإيمان ولم يتمكن منه وللشيطان فيه إقبال وإدبار فالحرب دول وسجال. • يشرع علاج الوسواس أحياناً بالعلاج الحسي الطبيعي النفسي كالأدوية وهذا الوسواس خبل في العقل. • الشيطان يتسلط على بني آدم ببعض ذنوبهم فهم الذين أدخلوه على أنفسهم ومكنوه بما فعلوا من المعاصي لأنها مركبه ومدخله فلو اعتصموا بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان. • من أبرز علامات وحي الشيطان ووسوسته قذف سوء الظن برب العالمين. • ينحصر شر الشيطان في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحداً منها أو أكثر: الأول: الكفر والشرك. الثاني: البدعة. الثالث: الكبائر من الذنوب. الرابع: الصغائر. الخامس: الانشغال بالمباحات عن الخير. السادس: العمل بالمفضول عن الفاضل.

стр. 11

• من شر الشيطان أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه فإن خالفه وسلكه ثبَطه فيه وعوقه وشوَش عليه بالمعارضات والقواطع فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته. • الشيطان بمنزلة قاطع طريق كلما أراد العبد أن يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه , وكلما أرد العبد توجهاً إلى الله بقلبه جاءه من الوسواس ما يقطع الطريق عليه. • من أسباب الوسواس: قلة العلم، ضعف الأيمان، الاسترسال مع الهواجس، الغفلة عن ذكر الله، عدم مخالطة الناس، عدم الاتباع إما بإفراط أو تفريط. • الوسوسة عموماً: هي حديث النفس والأفكار وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير وقد تكون خواطر رديئة مشينة قادحة في الإيمان أو داعية إلى المعاصي أو تكون فيما لا طائل تحته من تافه الأحاديث وخرافاتها مما يستند إلى الوهم والتخيل. • الشيطان يستطيع أن يصل إلى فكر الإنسان وقلبه بطريقة لا نُدركها ولا نعرفها يساعده على ذلك طبيعته التي خُلق عليها وهذه الوسوسة. • الوسوسة الشيطانية: هي الهمس والصوت الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع ثم يخنس أي يتأخر ويرجع عن الوسوسة إذا ذكر العبد ربه واستعاذ بالله من عدوه. • الوسوسة لغةً هي تردد الشيء في النفس من غير اطمئنان واستقرار. • الوسوسة على أقسام: باعتبار مصادرها والله أعلم: القسم الأول: حديث النفس. القسم الثاني: شياطين الإنس. القسم الثالث: شياطين الجن. • من حصل له وسوسة فتردد في الإيمان أو الصانع أو تعرض بقلبه لنقص أو سب وهو كاره لذلك كراهة شديدة ولم يقدر على دفعه لم يكن عليه شيء ولا إثم بل هو من الشيطان فيستعين بالله على دفعه ولو كان من نفسه لما كرهه. • وساوس الشيطان تتعلق بعلم القلب وعمله وأعمال الجوارح على حدٍ سواء وتكون بالإفراط أو التفريط ويأتي من باب الطاعة وأيضاً من باب المعصية. • من السنة قطع أسباب الوسوسة.

стр. 12

• قطع أسباب الوسوسة مشروعة ويُستحب أحياناً إيجاد بديل مشروع لسبب الوسواس لصرف الذهن عن السبب الموسوس. • على الموسوس أن يشتغل بطهارة باطنه قبل ظاهره. • فرح المؤمن مما يغيظ الشيطان فيكف عن الوسوسة وإذا حزنت تسلَط عليك الشيطان. • كيفية التعامل مع شيطان الإنس: أمر الله بمصانعة شيطان الإنس والعدو الإنسي والإحسان إليه ومداراته ليرده عنه طبعه الطيب الأصل عما هو فيه من الأذى. أما شيطان الجن: أمر الله بالاستعاذة من شيطان الجن والعدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً ولا رشوة ولا يؤثر فيه جميل لأنه شرير بالطبع ولا يبتغي غير هلاك بني آدم. • الأسباب التي يعتصم بها العبد من الشيطان: الاستعاذة بالله منه , كثرة ذكر الله وهو أنفع الحروز , توحيد الله والتوكل عليه, والإخلاص. • كل ما يثبطك عن الخير ويحثك على الشر فاعلم أنه من الشيطان , وإذا وجدت شيئاً من الخوف وعدم الإقدام في أمر من أمور الخير وعلى هدي السنة فاعلم أن وراء ذلك الشيطان. • بالجملة الوقوع في المعصية المحققة سبب لتسلط الشيطان على الإنسان. • دواء الوسواس: الاستعاذة بالله وهي الاعتصام بالله والتوكل عليه، والانتهاء يعني الاعراض عن هذا التفكير وعن هذه الوسوسة وامض في سبيلك واترك هذه الوساوس ولا تلتفت إليها وسيشق عليك هذا الأمر ابتداءً ولكن اصبر وسيزول إن شاء الله. • مراد الشيطان من الوسوسة في بعض الطاعات الصد عن سبيل الله بإلحاق المشقة وتبغيض الطاعة للموسوس. • إذا كان الشيطان لا يريد من العبد أكثر مما هو عليه من المعصية فإنه لا يوسوس له. • من أسباب الوسوسة التكلف والتفكير في كيفية الغيبيات ونحوها , وهذا غلو منهيٌ عنه. • من وسائل دفع الوسواس الطبيعية: الاغتسال والتنظَف والتطيب.

стр. 13

• لابد في الاستعاذة من الشيطان تدبر المعنى واعتماد القلب على الله في صرفه عنه. • كثيراً ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق ثم يتوب الله عليه، وقد يرِد على قلبه بعض ما يوجب النفاق ويدفعه الله عنه، والمؤمن يُبتلى بوساوس الشيطان وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قال الصحابة: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: ذاك صريح الإيمان. وفي رواية: ما يتعاظم أن يتكلم به، قال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له ودفعه عن القلب هو من صريح الإيمان، كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه فهذا أعظم الجهاد، والصريح الخالص كاللبن الصريح، وإنما صار صريحاً لما كرهوا تلك الوساوس الشيطانية ودفعوها فخلص الإيمان صريحاً، ولا بد لعامة الخلق من هذه الوساوس، فمن الناس من يجيبها فيصير كافراً ومنافقاً، ومنهم من غمرت قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها إلا إذا طلب الدين، فإما أن يصير مؤمناً، وإما أن يصير منافقاً. • داء الوسوسة، هل له دواء؟ نعم , له دواء نافع، وهو الإعراض عنها جملة كافية، وإن كان في النفس من التردد ما كان؛ فإنه متى لم يلتفت لذلك لم يثبت بل يذهب بعد زمن قليل كما جرَب ذلك الموفَقون، وأما من أصغى إليها وعمل بقضيتها فإنها لا تزال تزداد به حتى تخرجه إلى حيز المجانين، بل وأقبح منهم كما شاهدناه في كثيرين ممن ابتلوا بها وأصغوا إليها وإلى شيطانها. فالوسوسة من الشيطان اتفاقاً، واللعين لا غاية لمراده إلا إيقاع المؤمن في وهدة الضلال والحيرة ونكد العيش وظلمة النفس وضجرها إلى أن يخرجه من الإسلام وهو لا يشعر فدواء الوسوسة أن يعتقد أن ذلك خاطر شيطاني وأن إبليس هو الذي أورده عليه وعليه مقاتلته ومدافعته فيكون له ثواب المجاهد لأنه يحارب عدو الله، فإذا استشعر ذلك فرَ عنه. وإذا أردت أن ينقطع عنك، في أي وقت أحسست به فافرح، فإنك إذا فرحت به انقطع عنك؛ لأنه ليس شيء أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن، وإن اغتممت به زادك. وإن الوسواس إنما يُبتلى به من كمل إيمانه، فإن اللص لا يقصد بيتا خرباً, وغرض الشيطان من تلك الوسوسة أن يحول بين العبد وربه.

стр. 14

• أمر الله نبيه ﷺ أن يكتفي من شر شيطان الإنس بالإعراض عنه والعفو والدفع بالتي هي أحسن، ومن شيطان الجن بالاستعاذة بالله منه فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله والتجأت إليه كفَه عنك ورد كيده. • الخواطر وحديث النفس إذا لم تستقر ويستمر عليها صاحبها فمعفوٌ عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه ولا طريق له إلى الانفكاك عنه. • اعلم أن الوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو غيره، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ويلازم ما هو فيه فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه، ولهذا قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب. • حصول الوسوسة نفسها لا يدل على قوة الإيمان ولا على ضعفه , والمراد بصريح الإيمان الوارد في الحديث المعروف هو الذي يعظم في نفوسهم إن تكلموا به، ويمنعهم من قبول ما يلقي الشيطان، فلولا ذلك لم يتعاظم في نفوسهم حتى أنكروه، وليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، بل هي من قبل الشيطان وكيده وعلى هذا يُعلم أن الذي دل على صحة الإيمان هو تعاظم هذه الوساوس وردها، وأن عدم تعاظمها والسماح للنفس بالاسترسال فيها يدل على ضعف الإيمان , مالم تكن شركاً أكبر فتكون كفراً مع شرح الصدر لها واعتقادها والعمل بموجبها. • في باب التطهر من النجاسة يُحاول رش المحل الذي يعرض له فيه الوسواس بالماء ويُقنع نفسه أن ما يجده من بلل من أثر الماء لا من البول وهكذا يحاول المُبتلى اتخاذ حلول عملية. • مجاهدة الوساوس ومدافعتها تكون بالإعراض عنها. • من علاج الوسوسة البعد عن الفراغ والإنسان حارثٌ همَام والعزلة والانطواء على النفس من أسباب الوسوسة. • يُشرع تقليد المذهب المرجوح إذا كان تقليده يقطع أسباب الوسوسة. • شدة الخوف من الوقوع في الشيء توقع في الوسوسة فيه غالباً. • اعلم رحمك الله أن ربك ما جعل عليك في الدين من حرج ومتى ما وجدت الحرج في الدين فعليك بمدافعته فذاك شيطان أراد أن يحول بينك وبين ربك واعلم أن دين الله منه بريء ومتى ما تشتت فيك المذاهب ولا مرجح لها فافعل ما هو أصلح لقلبك.

стр. 15

• الطريق إلى الخلوص من فتنة الشيطان هي القيام بعبودية الله. • الخلاص من الشيطان هو التزام المسلم بشرائع الإسلام الظاهرة والباطنة. • كل ما يصيب بني آدم من شرور ما هي إلا محفزات لتحقيق العبودية لربه ويا ليت بني آدم يفهم هذه المسألة , ولو كانت هذه المحفزات لا تريد ذلك ولا تعلمه أصلاً كتسليط الكفار والشياطين على المؤمن فالنجاة هي توحيد الله . • اتباع ما جاءنا عن الله ورسوله من عقائد وأقوال وأعمال وشرائع ظاهرة وباطنة هو الحرز من الشيطان. • المخرج الحقيقي والمختصر وأقصر الطرق إلى الحصول على المرغوب ودفع المرهوب هو توحيد الله بشموله فلا دافع للآفات إلا هو ولا معطي للخيرات إلا هو. • الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله. (المعلم الرابع: التوبة) • التوبة هي الرجوع إلى الله. • تأخير التوبة ذنب تجب التوبة منه , ويجب تعجيل التوبة حتى لا تصير المعاصي راناً وطبعاً لا يقبل المحو , ومن يدري لعل العبد يُمنع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. • العباد قسمان إما تائب أو ظالم وليس ثمَ قسمٌ ثالث ألبته. • من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب , إلا أن التوبة هي أمر زائد على الاستغفار. • من أي الذنوب تكون التوبة؟ التوبة تكون من الكبائر والصغائر , والتوبة من الكبائر والصغائر واجبة كحكم شرعي واجب على المكلف أما ما يتعلق بتكفير الذنوب وهذا أمرٌ أخروي فإن الصغائر تُغفر باجتناب الكبائر وأداء الفرائض, وها هنا أمرٌ ينبغي التفطّن له، وهو أن الكبائر قد يقترن بها من الحياء والخوف من الله، والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر, وقد يقترن بالصغائر من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر, بل يجعلها في أعلى المراتب, وهذا أمرٌ

стр. 16

مرجعه إلى ما يقوم بالقلب, وهو قدر زائد على مجرّد الفعل, والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره , وخلاصة القول أن التوبة تكون من الكبائر والصغائر، لكن من تاب من الكبائر غفر الله له الصغائر. • التوبة نوعان: واجبة وهي من ترك المأمور وفعل المحظور وهذه للأبرار المقتصدين, ومستحبة وهي من ترك المستحبات وفعل المكروهات وهي للسابقين المقربين. • التوبة من ترك أعمال القلوب قد تكون أهم من التوبة من فعل المنهيات أحياناً، والتوبة من الاعتقادات أعظم من التوبة من الإرادات. • تختلف طبقات التائبين ورتبهم تبعاً لاختلاف أحوالهم وتباينهم في أعمالهم واصطحابهم التوبة إلى آخر العمر واستقامتهم عليها , ومن التائبين من يكون حاله بعد الذنب أحسن مما كان قبله بحسب التوبة. • لا بد للتائب من الصبر على سفهاء الناس والمثبطين عن الخير. • من أضرار الذنوب: حرمان العلم , الوحشة في القلب , تعسير الأمور , وهن البدن , حرمان الطاعة , محق البركة , قلة التوفيق , ضيق الصدر , تولد السيئات , اعتياد الذنوب , هوان المذنب على الله وعلى الناس , لعنة البهائم له , لباس الذل , الطبع على القلب والدخول تحت اللعنة , منع إجابة الدعاء , الفساد في البر والبحر وانعدام الغيرة , ذهاب الحياء , زوال النعم , نزول النقم , الرعب في قلب العاصي , الوقوع في أسر الشيطان , سوء الخاتمة , عذاب الآخرة. • وسائل دفع آثار الخطيئة دون الشرك: ١ - التوبة النصوح وهي للشرك وما دونه. ... ٢ - الاستغفار. ٣ - عمل الحسنات الماحية. ٤ - أن يدعو له إخوانه المؤمنون ويشفعوا له حياً وميتاً. ٥ - أن يهدي له إخوانه المؤمنون من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به. ٦ - شفاعة النبي محمد ﷺ . ٧ - ابتلاء الله له في الدنيا بمصائب في نفسه وماله وأولاده وأقاربه ومن يُحب ونحو ذلك. ٨ - أن يبتليه الله في البرزخ بالفتنة والضغطة وهي عصرة القبر فيكفَر بها عنه. ٩ - أن يبتليه الله في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه. ١٠ - أن يرحمه أرحم الراحمين. فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومنَ إلا نفسه. • مكفرات الذنوب: قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب:

стр. 17

السبب الأول: التوبة وقت المهلة وهذا متفق عليه بين المسلمين. السبب الثاني: الاستغفار قال رسول الله ﷺ (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم) والاستغفار بدون التوبة ممكن واقع فيكون في حق بعض المستغفرين الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنوب ويستغفرون بنوع من الصدق والإخلاص. السبب الثالث: الحسنات الماحية كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كذلك قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً وحج البيت الحرام بلا رفث ولا فسوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعتق الرقبة المؤمنة والصدقة وغيرها. السبب الرابع: الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على جنازته والدعاء من أسباب المغفرة للميت. السبب الخامس: ما يُعمل للميت من أعمال البر ونحوه. السبب السادس: شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة وخاصة في حق أهل الكبائر. السبب السابع: المصائب المكفَرة في الدنيا. السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما يكفَر به الخطايا. السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها. السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد, ودعوى أن عقوبات أهل الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مُخالف لذلك. • مسألة: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط فأما الكبائر فلا تُغفر إلا بالتوبة؟ الجواب من وجوه: الأول: أن هذا الشرط جاء في الفرائض كالصلوات الخمس والجمعة وصيام رمضان وذلك أن الله تعالى يقول (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلا بد أن يكون لها ثواب آخر فإن الله سبحانه يقول (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ & وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).

стр. 18

الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر كما في قوله ﷺ (غُفر له وإن كان فرَ من الزحف)، وغيرها. الثالث: أن قوله تعالى لأهل بدر ونحوهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم إن حُمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد عُلم أن الكفر لا يُغفر إلا بالتوبة فلا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. • شروط التوبة: الإقلاع عن الذنوب والندم على ما فات والعزم على عدم العودة وإرجاع حقوق من ظلمهم أو طلب البراءة منهم وأن تصدر في زمن التوبة وهو ما قبل حضور الأجل أو طلوع الشمس من مغربها , ثم إن كان الذنب مما يوجب الكفر فلا بد من الإتيان بالشهادتين وإثبات ما أنكر وإنكار ما قد اعتقد مما يوجب الكفر. وقد ذكر أهل العلم تفصيلات أخرى لشروط التوبة النصوح منها: أن يكون ترك الذنب لله لا لشيء آخر, وأن يستشعر قبح الذنب وضرره, فلا يشعر باللذة والسرور حين يتذكر الذنوب الماضية ولا يتمنى العود لذلك في المستقبل , والمبادرة إلى التوبة , وأن يخشى على توبته من النقص ولا يجزم بأنها قد قُبلت فيركن إلى نفسه ولا يأمن مكر الله ولكن دون التعمق في ذلك إلى حد القنوط من رحمة الله بل عليه إحسان الظن بربه فيكون بين رجاء وخوف , واستدراك ما فات من حق الله إن كان مُمكناً كإخراج المعصية , وإتلاف المحرمات الموجودة عنده التي لا ينتفع بها -أن الزكاة التي منعها في الماضي - مفارقة موضع المعصية إذا كان وجوده فيه قد يُوقعه في المعصية مرة أخرى , ومفارقة من أعانه على المعصية ويختار من الرفقاء الصالحين من يعينه على نفسه ويكون بديلاً عن رفقاء السوء , وأن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت فيصرف طاقته في طاعة الله ويتحرَى الحلال حتى ينبت له لحم طيب. • ماذا تفعل إذا أذنبت؟ عملان الأول: عمل القلب (ندم على ما فات –العزم على عدم العودة) الثاني: عمل الجوارح (الإقلاع فوراً – فعل الحسنات المختلفة من الحسنات والطاعات ومنها صلاة التوبة) والنتيجة يُغفر ما تقدم من ذنبه + تجب له الجنة).

стр. 19

• الإصرار على المعصية: هو عقد القلب على شهوة الذنب والاستقرار على المخالفة والعزم على المعاودة , أو بمعنى آخر الإصرار هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها وقضاء حاجته منها فهذا حكمه حكم من كررها فعلاً. • مصير ذنوب التائب: ذنوب التائب تُغفر وسيئاته تُبدَل حسنات بحسب صدق التائب وكمال توبته , وتكون الحسنات عوض السيئات بأقل منها أو مساوياً أو أكثر منها كماً أو كيفاً , والحسنات أيام الجاهلية تثبت لصاحبها بعد التوبة. • مسألة هل الشخص إذا تاب من ذنب ثم عاد إليه هل يعود إثم هذا الذنب الأول عليه لأنه رجع إليه إذا مات عليه؟ الراجح أنه لا يُؤخذ إلا بالثاني وأما الأول فقد محت أثره التوبة وصار بمنزلة من لم يعمله ما لم يكن كفراً أكبر , وعلى هذا فمن عاد إلى الذنب بعد توبة صحيحة مستكملة الشروط فهو كمن عمل معصية جديدة تلزمه توبة جديدة منها وتوبته الأولى صحيحة. • حكم التوبة الجزئية فيما دون الشرك: تصح التوبة من أي ذنب ولو أصر على ذنب آخر إذا لم يكن من النوع نفسه ولا يتعلق بالذنب الأول , أي بمعنى آخر أن هناك توبة عامة وهناك توبة خاصة وهي صحيحة وذلك بأن يتوب عن ذنب بعينه مع مباشرة آخر لا تعلَق له به ولا هو من نوعه فيتوب عن بعض الذنوب دون بعض , لكن إن تاب من ذنب وهو مصر على آخر من نوعه فتوبة من هذا حاله غير صحيحة. • حكم توبة العاجز عن المعصية: صحيحة وتكون التوبة من عزمه على المعصية لو قدر عليها ومن وساوس الشيطان له بالمعصية بألا يستحليها ويستعذبها. • توبة تارك الصلاة: الراجح أنه لا يلزمه القضاء لأنه قد فات وقتها ولا يمكن استدراكه ويُكثر الاستغفار والإكثار من النوافل لعل الله أن يتجاوز عنه ومن أحسن فيما بقي غُفر له ما مضى. • توبة تارك الصيام وتارك الزكاة: تارك الصيام فإن كان مسلماً وقت تركه للصيام فإنه يجب عليه القضاء مع إطعام مسكين عن كل يوم أخَره من رمضان حتى دخل رمضان الذي بعده من غير عذر وهذه

стр. 20

كفارة التأخير وهي واحدة لا تُضاعف ولو توالت أشهر رمضان , أما تارك الزكاة فيجب عليه إخراجها. • التوبة من ظلم الناس: إذا كانت السيئة في حق آدمي فعلى التائب أن يخرج من هذه المظالم إما بأدائها إلى أصحابها وإما باستحلالها منهم وطلب مسامحتهم فإن سامحوه وإلا ردها. • توبة المغتاب والقاذف: توبة المغتاب والقاذف بعد توبته لله يبقى حق المجني عليه فهنا المسألة تعتمد على المصالح والمفاسد فعليه استحلالهم إن لم يقتضي ذلك إذكاء العداوة والبغضاء بينهم , وإلا فعليه أن يُبريء المقذوف ويثني بالخير على من اغتابه في المجالس التي ظلمه فيها ويذكر محاسنه بما فيه ويدافع عمن اغتابه ويرد عنه إذا أراد أحد أن يسيء إليه ويستغفر له بظهر الغيب. • توبة القاتل العمد: القاتل العمد عليه ثلاثة حقوق: حق لله فلا يُقضى إلا بالتوبة , حق القتيل فلا يُمكن الوفاء به في الدنيا فإذا حسنت توبة القاتل فإن الله يتولى حق القتيل والله يضمن التبعات , حق الورثة أن يُسلَم نفسه إليهم ليأخذوا حقهم إما بالقصاص أو بالدية أو بالعفو. • توبة السارق: توبة السارق بعد توبته لله إن كان المسروق عنده الآن فعليه رده إلى أصحابه وإن تلف أو نقصت قيمته وجب عليه أن يعوضهم إلا إذا سامحوه , علماً أنه لا يلزم أن يُصارح ويواجه المجني عليه بل له الحيلة في رد حقوقهم تفادياً للإحراج وغيره , ومن سرق مالاً وأراد التوبة ورد الحق لأهله ولم يجدهم فعليه البحث والاستقصاء عنهم فإن لم يجدهم فليدفعه لورثتهم فإن لم يجدهم فليتصدق بالنيابة عنهم ولو كانوا كفاراً , ومن سرق مالاً واتَجر به ونما وأراد التوبة ورد الحق لأهله فعليه رد رأس المال لأهله ويأخذ النصف من الربح الزائد (النامي) وإن تلف بعض رأس المال فعليه بالتعويض. • توبة المرتشي: تكون بإرجاع الحق لأهله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً بسبب الرشوة، وعليه أن يتخلص من المال الحرام في وجوه الخير هذا إذا كان الراشي ظالم أما إذا كان الراشي صاحب حق ولم يكن له سبيل للوصول إلى حقه إلا بالرشوة فعلى المرتشي رد المال إلى الراشي صاحب الحق.

стр. 21

• الشخص الذي يعمل في أعمال محرمة أو يقدم خدمات محرمة ويأخذ مقابلاً وأجرة على ذلك إذا تاب إلى الله وعنده هذا المال الحرام فإنه يتخلص منه ولا يُعيده إلى من أخذه منه. • من اشترى شيئاً لا يتجزَأ كالبيت بمال بعضه حلال وبعضه حرام فيكفيه أن يُخرج ما يُقابل الحرام من ماله الآخر ويتصدَق به تطييباً لتلك الممتلكات فإن كان هذا الجزء من المال الحرام هو حق للآخرين وجب رد مثله إليهم على التفصيل السابق. • توبة من لديه أموال من كسب حرام: من لديه أموال من كسب حرام وأراد أن يتوب فإن كان كافراً أو مسلم غير عالم بالتحريم عند كسبها فلا يلزم عند التوبة بإخراجها , وإن كان مسلماً عند كسبها عالماً بالتحريم فإنه يُخرج ما لديه بحسب غلبة الظن من الحرام. • توبة فاعل الفاحشة على حالتين: إذا زنى بالمرأة اغتصاباً وإكراهاً فهذا عليه أن يدفع لها مهراً مثلها عوضاً عما ألحق بها من الضرر مع توبته إلى الله وإقامة الحد عليه إذا وصل أمره إلى الإمام أو من ينوب عنه كالقاضي ونحوه وأما إذا لم يصل الأمر إلى الإمام أو من ينوب عنه فليستر على نفسه , وأما إذا زنى بالمرأة برضاها فهذا لا يجب عليه إلا التوبة ولا يُلحق به الولد مُطلقاً ولا تجب عليه النفقة لأن الولد جاء من سفاح ومثل هذا يُنسب لأمَه لكنه لو تاب وتابت المرأة فإنه يجوز له حينئذٍ أن يتزوج منها لكن بعد تبيَن براءة حملها , إذ لا يجوز العقد على امرأة في بطنها جنين من الزنا ولو كان منه. • توبة الإمام المتبوع في الباطل: عليه إعلان التوبة على الملأ والبراءة مما كان عليه وبيان عوار الباطل الذي كان عليه. • لا يلزم الكافر قضاء العبادات إذا أسلم بل تسقط تخفيفاً عنه وترغيباً له في الإسلام. • توبة المبتدع ممكنة والطريق إليها أن يتبع من الحق ما علمه. • حكم توبة الزنديق أو المنافق قضاءً: توبة الزنديق أو المنافق الذي أظهر الكفر وطعن في الإسلام تُقبل توبته إذا جاء تائباً من قبل نفسه قبل أن يُعثر عليه وإلا فلا , أما التوبة فيما بين العبد وربه مقبولة كائناً من كان إذا كانت في زمن المهلة والخلاف في قبول توبة الزنديق المقصود به في أحكام الدنيا.

стр. 22

• من علامات صدق التائب أن يكون حاله بعد التوبة خيراً مما كان قبلها. • المرتد تحبط أعماله إذا مات عليها ويحبط ثواب أعماله قبل الردة فلا يجب عليه إعادتها ولكن أيضاً لا ثواب عليها والله أعلم , وذلك أن الحبوط نوعان عام وخاص فالعام حبوط الحسنات بالردة والسيئات كلها بالتوبة والخاص حبوط السيئات والحسنات بعضها ببعض وهذا حبوط مقيد جزئي ولما كان الكفر والإيمان كل منهما يُبطل الآخر ويُذهبه كانت شعبة كل واحد منهما لها تأثير في إذهاب بعض شعب الآخر فإن عظمت الشعبة أذهبت في مُقابلها شعباً كثيرة. • ما معنى الاستقامة على دين الله , وهل من لازم الاستقامة والتقوى أن يكون المسلم معصوماً من الزلل والخطأ , وما توجيهكم للقانطين من رحمة الله؟ الاستقامة هي السداد فإن لم يقدر ولن يقدر فعليه المقاربة فإن نزل عن المقاربة فلم يبق إلا التفريط والضياع ولا ينجي أحدٌ عمله إلا أن يتغمده الله برحمة منه وفضل , وليس في المؤمنين إلا من له ذنب من ترك مأمور أو فعل محظور، وليس من شرط ولي الله أن لا يكون له ذنب أصلاً بل أولياء الله تعالى هم الذين قال الله فيهم (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ & الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) ولا يخرجون عن التقوى بإتيان ذنب صغير لم يصرَوا عليه ولا بإتيان ذنب كبيراً أو صغير إذا تابوا منه , وما من عبد إلا وقد اقترف ذنباً وفعل إثماً وكل بني آدم خطاء , وقال ربك ﷻ في وصفه لعباده المؤمنين المحسنين (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) واللمم هي الذنوب الصغار التي لا يصر صاحبها عليها أو التي يُلم بها العبد المرة بعد المرة على وجه النُدرة والقلَة فهذه ليست مجرد الإقدام عليها مُخرجاً للعبد من أن يكون من المحسنين فإنها مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء , والمكلف يجب عليه العزم على عدم المعصية صغيرةً كانت أو كبيرة وإن كان بحسب الطبيعة التي جبله الله عليها لا يمكنه الاحتراز عن هذه الصغائر بالكلية لأن الله ما أراد له العصمة وهذا أمر مُتفق عليه قد أيدتَه النصوص الشرعية، والمسلم لا ينفك عن مواقعة شيء من صغائر الذنوب، وما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الحياة إذ أن المؤمن خُلق مفتَنا توَاباً نسياً إذا ذُكَر ذكر, بل وأجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام معصومون من الخطأ لما

стр. 23

يبلغونه عن الله- -من الأحكام, وهذا لا نزاع فيه بين أهل العلم, وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأنبياء معصومون من المعاصي الكبائر دون الصغائر, وقد تقع الصغيرة منهم لكن الله لا يُقرهم عليها بل يُنبههم عليها فيتركونها, أما في أمور الدنيا فقد يقع الخطأ منهم ثم ينبهون على ذلك. فهؤلاء الأنبياء ﵈ فما بالك بما هو دونهم وقد قال نبينا ﷺ (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) وليعلم المسلم أن تكفير السيئات الوارد في قوله تعالى (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) مشروط باجتناب الكبائر هذا من حيث الوعد ولكن قد يغفر الله لمن يشاء مما هو دون الشرك , ويدخل في اجتناب الكبائر فعل الفرائض التي يكون تاركها مرتكباً كبيرة كالصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان, واللمم المعفو عنه هو ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يُقيم عليه, فيُقال ألممت , ويُقال ما فعلته إلا إلماماً أي الحين بعد الحين , واللمم هي صغائر الذنوب, كما ذكرنا , والفقيه كل الفقه هو الذي لا يؤيَس الناس من رحمة الله ولا يُجرئهم على معصية الله ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب , والله رحيم أمر عباده بما يُصلحهم ونهاهم عما يُفسدهم ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته بل جعل لهم أسباباً يتوصلون بها إلى رفع الضر عنهم والله يحب العبد المُفتَن التوَاب , وما دام العبد يُذنب ثم يتوب فقد غفر الله له , والله عفو غفور تواب يقبل التوب ويغفر الذنب ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار فضلاً منه وإحساناً فاستغفر ربك في كل حين إنه كان غفاراً والله يعدك مغفرة منه وفضلاً وهو واسع المغفرة وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وهو الغفور الودود , واعلم أنك ما دعوت الله ورجوته إلا غفر لك على ما كان فيك ولا يبالي ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرته غفر لك ولا يبالي ولو أتيته بقراب الأرض خطايا ثم لقيته لا تشرك به شيئاً لأتاك بقرابها مغفرة , والله غفور رحيم , وينبغي حسن الظن بالله والوثوق برحمته وعدم القنوط من عفوه فإن الله عند حسن ظن عبده فليظن عبده به ما شاء , ومن أصلح ما بقي من عمره يُغفر له ما مضى , والتائب من الذنب كمن لا ذنب له , وأخيراً أوصيك بتقوى الله فيما بقي من عمرك فإنه من يتق الله يجعل له مخرجاً ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويُعظم له أجراً ومن يتق الله يرزقه من حيث لا يحتسب , فاتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة

стр. 24

الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن, والنفس لها داعيان داع للخير وداع للشر فمن أخذ بداعي الخير نجا وسعد في الدنيا والآخرة ومن أخذ بداعي الشر هلك وشقي في الدنيا والآخرة أعاذنا الله من الخذلان. (المعلم الخامس: الغلو) • الغلو هو مجاوزة الحد الشرعي والمبالغة فيه والتشديد. • الغلو درجات متفاوتة منه ما هو كفر ومنه ما هو كبيرة ومنه ما هو صغيرة ومنه ما هو خلاف الأولى. • من أسباب نشأه الغلو: -١ - الابتداع في الدين. -٢ - الجهل. وسوء الفهم عن الله ورسوله ﷺ وهو أصل كل بدعة وضلالة. -٣ - اتباع الهوى. -٤ - تقديم العقل على النقل: فللعقول مجالاً تعمل فيه فإذا تعدته وقعت في التيه والضلال والحيرة لاسيما إذا كان هذا التعدي في مجال الغيبيات التي لا تُدرك بالعقول أصلاً.-٥ - التقليد والتعصب الأعمى:-والتقليد المذموم إنما هو التقليد في الباطل أما التقليد في الحق فهو في الحقيقة اتباع لا تقليد.-٦ - الاستقلالية في استنباط الإحكام الشرعية. • من أسباب الغلو عدم الجمع بين الأدلة واتباع المتشابه واتباع الهوى وانعدام النظرة الشمولية والمنهج الحرفي في فهم النصوص والتلقي المباشر من النص والجهل بمآخذ الأدلة وأدوات الاستنباط والجهل بمراتب الناس والأعمال وغيرها. • عامة ضلال أهل البدع كان بسبب عدم معرفة دلالة الألفاظ على المعاني وتحميل كلام الله ورسوله ما لا يحتمل , والعلماء إذا تكلّموا في أحاديث الوعيد أجروها على ظاهرها، لأنهم يَرون أن هذا أردع وأبلغ في النفوس. • عدم فهم القرآن يجعل المرء يأخذ آيات نزلت في الكفار فيحملها على المسلمين بسبب الجهل. • إياك وتحميل النصوص الشرعية العامة ما لا تحتمل فإن دلالة العام ظنية وليست قطعية حتى أنه اشتهر قولهم (ما من عام إلا وقد خُصَص إلا قوله تعالى (والله بكل شيء عليم). • هناك نصوص في الوعيد يُراد بها التشديد والتغليظ لا الحقيقة.

стр. 25

• ليس كل ما نُسب للنبي ﷺ صحت نسبته وليس كل ما صحت نسبته صح فهمه وليس كل ما صح فهمه صح وضعه في موضعه. • كلام العلماء في التصانيف يجب ألا يُقطع عن ظرفه الزماني والمكاني أحياناً. • الإطلاق في المصنفات ليس كالإطلاق في الفتاوي. • سبب الوقوع في التأويل الفاسد وقع بسبب الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله مما يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان ويشتت الأذهان ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن وقد تكون هناك نصوص مجملة لبعض أهل العلم أو التي أطلقوها على سبيل التغليظ أو أخطأوا فيها. • يكون الغلو أحياناً متعلقاً بفقه النصوص وتحميلها ما لا تحتمل. • لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب. • كل متنطع في الدين ينقطع وليس المراد منع طلب الكمال والأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل. • التيسير المطلوب هو التيسير الجاري على وفق الشرع والعدل لا على وفق الأهواء. • أحب الإعمال إلى الله أدومها وإن قل وتكلف مالا يُطاق على وجه العبادة منهي عنه. • التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب أو المستحب في العبادات وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه. • يُشرع النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور. • هنالك فرق بين ترك فضول المباح وهو ما لا يُحتاج إليه لمصلحة الدين فهذا يُثاب المرء عليه وبين ترك المباح بالجملة فهذا ليس من الزهد المُستحب بل هو من تحريم ما أحل الله. • الولاء والبراء لهما حدود فما نقص عن حدود الولاء المطلوب فهو تفريط , وما زاد على حدود الولاء المشروع فهو إفراط (غلو مذموم)

стр. 26

, وهنالك غلو في البراءة من المجتمعات الإسلامية , فالبراءة من المجتمع العاصي وتكفير أفراده واعتزالهم بالكلية من الغلو المذموم. • إلزام ما لا يلزم من الغلو. • الإنسان له في ذاته أن يأخذ نفسه بالأشد من المشروع ولكن ليس له أن يُلزم الناس بهذا. • التشديد على الناس لا يدخل فيه إلزامهم بما شرع الله بل التشديد هو إلزام الناس بغير ما شرع الله وهو قسمان: الأول: ما لم يُشرع أصلاً. الثاني: ما شُرع أصله ولكن الغلو واقع في صفته أو قدره. • المساواة بين الأحكام الشرعية غلو لأنها مُتفاضلة. • التكلف في معرفة كيفية ما حُجب عنا من الغيب تكلف وتنطع مذموم. • الفقه كل الفقه في الاقتصاد في الدين والاعتصام بالسنة , واقتصاد في السنة خيرٌ من الاجتهاد في البدعة , ونهى النبي ﷺ عن التشديد في الدين وذلك بالزيادة على المشروع وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه إما بالقدر وإما بالشرع فالتشديد بالشرع كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل فيلزمه الوفاء به وبالقدر كفعل أهل الوسواس فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة له. • إن هذا الدين يُسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا. • قيام الدين على اليسر ورفع الحرج. • رسول الله ﷺ ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. • الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ولا يكون الرفق في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ومن الفطرة النفور من الشدة والعنف. • لن ينجي أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته. • ما جعل عليكم في الدين من حرج وأحب الدين إلى الله الحنفية السمحة. والسداد هو التوسط وطلب الصواب من غير غلو أو تقصير والسنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحُمق والتعمق. • الله يُحب أن يؤتى ما أباح لعباده وما رخص لهم به ويُبغض التشدد والترهبن بتحريم الطيبات.

стр. 27

• التزام النصوص الشرعية بفهم السلف الصالح هذا هو عين الوسطية الحقة. • علاج الغلو الجامع المانع الشافي المبريء هو (التمسك بالكتاب والسنة الصحيحة عملاً وقولاً واعتقاداً بفهم سلف الأمة). (المعلم السادس: المشقة والحرج) • التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة. • قد تكون أحياناً المشقة القلبية أكبر من المشقة الفعلية. • المشقة نوعان: ١ - مشقة معتادة: وهي التي لا يخلو منها عمل ديني ولا دنيوي وهي ليست من مقصود الشارع فلم يقصدها لذاتها بل من جهة ما في العمل نفسه من المصالح العائدة على المكلف في دنياه وأخراه والمطلوبات الشرعية كلها فيها كلفة وهذه الكلفة متفاوتة في المقدار, والمقصود أن هذا النوع من المشقة ليس مانعاً من التكليف لأن أحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار. ٢ - مشقة غير معتادة: إذا كان الاستمرار على العمل يؤدي إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه أو أدى إلى وقوع خلل في صاحبه فهو مشقة غير معتادة والانقطاع عن العمل يكون بأحد أمرين: ١ - بالسآمة والملل ثم العجز. ٢ - بسبب تزاحم الحقوق. أما وقوع الخلل فالعمل متى ما كان مؤدياً إلى خلل في العامل -نفسي أو بدني-بأن يعذب الإنسان نفسه أو يمنع عن لوازم الحياة تديناً وتعبداً فإنه من المشقة على النفس فلذلك مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا مشروعاً لنا بل أمرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا. • الفرق بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة أو التي تعد مشقة: هو أنه إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه أو وقوع خلل في صاحبه في نفسه أو ماله أو حال من أحواله فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة. • المكلف ليس له أن يقصد المشقة في العمل نظراً إلى عظم أجرها ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته والقصد معتبر هنا. • لا يُشرع للعبد أن يقصد المشقة لذاتها لكن لو ترتب على فعل ما أمر به الشارع مشقة أكبر فإن العبد يفعل ذلك ويزيد أجره بزيادة المشقة عليه.

стр. 28

• دخول المشقة على المكلف أمر نسبي يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. • من لا يدخل عليهم بسبب تلك الأعمال الشاقة ملل ولا كسل لوزاع هو أشد من المشقة أو حادٍ يسهل به الصعب فصارت تلك المشقة في حقهم غير مشقة فلم يقع لهم شيء من العلل التي تجعل العمل غلواً بل وُفقوا للجمع بين الحقوق وصاروا أكثر أعمالاً فيسعهم من الأعمال الشرعية المتعلقة بالقلوب والجوارح ما يستعظمه غيرهم فهؤلاء لا يعد عملهم غلواً. • ليس كل ما كان العمل أشق كان أفضل عند الله إنما كل ما كان العمل أخلص وأصوب كان عند الله أفضل. • الأصل في أحكام الشريعة أنها داخلة تحت قدرة المكلفين واستطاعتهم ولا يوجد في أحكام الشريعة ما هو شاق أو ما لا يستطاع فعله بالنسبة للمكلفين بل إن العباد يطيقون أكثر مما كُلفوا به , هذا موضوع إجماع الأمة , ولكن قد يعرض للمكلف من العوارض التي جعلها الشارع الحكيم أسباباً للتخفيف رحمة منه سبحانه والمشقة التي تجلب التيسير والتخفيف هي الخارجة عن المعتاد والتي تنفك عنها العبادات غالباً , أما المشقة المعتادة والتي لا تنفك عنها العبادات غالباً فهذه لا أثر لها في التيسير والتخفيف. والأمور نوعان: نوع لا يطيقه العباد فهذا لا يكلفهم الله به. ونوع يطيقونه واقتضت حكمته أمرهم به فأمرهم به ومع هذا إذا حصل لهم بفعله مشقة وعسر فلا بد أن يقع التخفيف فيه والتيسير إما بإسقاطه كله أو تخفيفه وتسهيله. • التكاليف الشرعية لا تكون بما فيه مشقة فادحة على المكلف ولو كان يقدر عليها ببذل جهود كبيرة والتكاليف المعتادة إن خرجت في بعض الظروف إلى المشقة والحرج والشدة جلب ذلك معه التيسير والترخيص والتسهيل بطرقه المختلفة إلا أن هناك تكاليف معينة هي ذات مشقة فادحة وهي قليلة جداً وإنما وقع التكليف بها لأن المصالح المرادة منها أعظم من تلك المشقات ولا يمكن تحقيقها بوسيلة أخرى كالجهاد ونحوه. • من التيسير يُشرع العمل بالمظنون لمشقة الاطلاع على اليقين. • غرائز الإنسان وجبلته التي طبع عليه لا يُطالب الشارع برفعها ولا بإزالتها فإنه تكليف بما لا يطاق ولكن يطالب الشارع بتهذيبها. • قاعدة القيام بالمأمورات مشروط بالاستطاعة وأما ترك المحظورات لا يشترط فيه الاستطاعة إلا في حالة الإكراه والضرورة. • الضرورة: هي ما يلحق الضرر بفقده ولا يقوم غيره مقامه وأما الحاجة: فهي ما يلحق الضرر بفقد جنسه وقد يقوم غيره مقامه. • ليس واجب بلا اقتدار ولا محرم مع اضطرار وكل ما جاز للضرورة فبقدر ما تحتاجه الضرورة. • كل ممنوع فللضرورة يُباح والمكروه عند الحاجة وكل ما حرم للذريعة فإنه كالمكروه يجوز عند الحاجة , فما كان تحريمه تحريم وسيلة فإنه يجوز عند الحاجة , والحاجة ترفع الشبهة. • الضرورات تبيح المحظورات , والمسلم مطالب بالسعي للخلوص من حال الضرورة , ومن كانت ضرورته إلى المحظور بذنب منه لم يكن ذلك مانعاً من ذمه وعقابه. • شروط استباحة المحظور بالضرورة: ١ - أن تكون الضرورة تندفع بالمحظور. ٢ - أن لا يملك دفع الضرورة إلا بفعل هذا المحرم. ٣ - أن تكون الضرورة أقل ضرراً من فعل المحرم. ٤ - أن يكون ضرر الضرورة متيقناً أو غالباً على الظن. ٥ - ألا يفعل من المحظور إلا القدر الذي تندفع به الضرورة. • إن الله فرض فرائض على عباده وحرم عليهم محرمات فإذا عجزوا عما أمرهم به وضعفت قدرتهم عنه لم يُوجب عليهم فعل ما لم يقدروا عليه بل أسقطه عنهم ومع هذا إذا كانت لهم أعمال قبل وجود هذا المانع فإنه يجري أجرها عليهم تفضلاً منه تعالى. • الرخصة منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب ومنها ما هو مباح ومنها ما هو مكروه والأصل في الترخص أنه يجوز لمن قام به العذر أن يأخذ بالعزيمة وأن يأخذ بالرخصة ويترجح أحد الأمرين فيكون أفضل من الآخر لظرفٍ يقتضيه ولا يجب الأخذ بالرخصة إلا بدليل. • أسباب الرخص مختلفة منها: السفر والمرض والإكراه والجهل والنقص الحكمي كالرق والنقص العقلي أو البدني والعسر والمشقة وعموم البلوى وعسر التحرَز , وبالجملة إذا ضاق الأمر اتسع , والمشقة تجلب التيسير.

стр. 29

• الشرع رخصة وعزيمة. (المعلم السابع: التقليد والافتاء) • المفتي هو المُخبر عن الحكم الشرعي. • المستفتي هو السائل عن حكم شرعي. • التقليد هو اتباع من ليس قوله حجة. • ينبغي للمستفتي أن يختار أوثق المفتين علماً وورعاً. • يجوز للعامي استفتاء المفضول المجتهد مع القدرة على استفتاء الفاضل المجتهد. • من لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد وجب عليه التقليد ويجوز تقليد من يظن أن قوله صواب وأنه حكم الله وذلك في جميع المسائل. • من لم يعرف العامي أهليته للفتوى لا يحق له سؤاله , ولابد من سكون نفس العامي إلى أن فتوى المفتي هي شرع الله بحيث تطمئن نفسه إليه. والعامي مقلد في كل شيء من أمور الدين إلا فيمن يستفتيه ويتمذهب بمذهبه فهو مجتهد في ذلك. • لو استفتى الإنسان عالمين كلاهما أهل للفتوى واختلفا فإن تساويا عنده في العلم والدين فليأخذ بالأيسر إلا أن لا تطمئن النفس إليه فحينئذٍ يأخذ بما تطمئن نفسه إليه ولو كان الأشد , وقد قيل أن من المرجحات بين الأدلة المتعارضة أن يقدَم ما كان أقرب إلى الاحتياط ما لم يفض الاحتياط إلى الحرج والتضييق. • مذهب العامي هو مذهب مفتيه ولا يلزم العامي أن ينتسب إلى مذهب معين يأخذ بعزائمه ورخصه والجمهور على عدم جوازه. • التقليد نوعان عام وخاص. فالخاص هو أن يأخذ بقول معين في قضية معينة فهذا جائز إذا عجز عن معرفة الحق بالاجتهاد سواء كان العجز حقيقي أو استطاع ذلك مع المشقة العظيمة. أما التقليد العام فهو أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ برخصه وعزائمه في جميع أمور دينه , فقد اختلف العلماء فيه فمنهم من حكى وجوبه ومنهم من حكى تحريمه لما فيه الالتزام المطلق لاتباع غير النبي ﷺ لكن إن التزم مذهباً معيناً ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك ولا عذر شرعي يقتضي حل ما فعله فهو

стр. 30

متبع لهواه فاعل للمحرم بغير عذر شرعي وهذا منكر وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها وإما بأن يرى أحد الرجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى لله فيما يقوله فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا , فهذا يجوز بل يجب. • إذا عمل العامي في حادثة بما أفتاه مجتهد فإنه يلزم هذا العامي العمل بهذه الفتوى والبقاء عليه وليس له الرجوع عن فتواه إلى فتوى غيره في هذه المسألة إلا إذا غلب على ظنه أن فتوى ذلك العالم تُخالف شرع الله , أما إذا لم يعمل العامي بفتوى المجتهد فلا يلزمه العمل بفتواه إلا إذا ظن أنها حكم الله في المسألة فيجب عليه العمل بهذه الفتوى. • في المسائل الظنية إذا تغير اجتهاد من سأله العامي أولاً فإن كان قد عمل بالاجتهاد الأول فيجوز الاستمرار على الاجتهاد الأول ولا يجب عليه العمل بالاجتهاد الجديد , لأن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد أمَا إذا لم يكن قد عمل بالاجتهاد الأول فحينئذٍ يعمل بالاجتهاد الجديد دون الاجتهاد الأول. • إذا تكررت الحادثة للمستفتي فإنه لا يلزمه إعادة الاستفتاء للمجتهد الذي أفتاه أول مرة وعمل بفتواه وقتئذٍ إلا أنه يجوز له ذلك , وهذا إذا كان مستند المجتهد ظني طبعاً لا قطعي لأنه لو كان قطعي فحينئذٍ لا حاجة للتكرار. • لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين فإن القائل بالرخصة في هذه المسألة لا يقول بالرخصة في المسألة الأخرى غالباً فلذلك تتبع الرخص محرم. • الإخبار بالفتوى ونقلها جائز ومشروع ولو كان مقلداً. • فتوى المقلد جائزة عند الحاجة وعدم العالم المجتهد وقد يكون بين المسألة والأخرى وما عرفه بوساطة المفتي فرق لا يعرفه الناقل فينبغي عدم التوسع. • إذا تعارضت مذاهب العلماء ولا مُرجَح لأحدهما على الآخر ولم يمكن الجمع بينهما وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه إذا كان ذلك ممكناً والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها , ولكن لا يمكن التعارض بين النصوص في نفس الأمر على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا النسخ ولا الترجيح لأن النصوص لا تتناقض والرسول ﷺ قد بين وبلَغ ولكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد لقصوره والله أعلم.

стр. 31

• كثير من مسائل الفقه ظنية لا قطعية , والعمل بالراجح واجب , ولا يُنقض حكم المجتهد في المسائل المظنونة ويحرم على المجتهد القادر على الاجتهاد بدون مشقة أن يقلد غيره. • إذا اجتهد العبد في مسألة ما ثم تبين له اجتهاد آخر في نفس المسألة فليتبع ما استقر عليه اجتهاده وذلك الاجتهاد الأول على ما قضى وهذا على ما يقضي ولا تثريب عليه. • الحق واحد من الأقوال في جميع المسائل ومن اجتهد فأخطأ فله أجر اجتهاده وخطأه مغفور ويجب عليه اتباع اجتهاده إلا إذا قصر في الاجتهاد. • إذا اجتهد العالم المؤهل للاجتهاد في مسألة وتوصل إلى الحكم فيها فليس له تقليد غيره ممن يخالفه القول في تلك المسألة , وإن لم يظهر له الحكم وجب عليه التوقف وجاز التقليد حينئذٍ للضرورة. • المسلم إذا تبين له من العلم ما كان خافياً عليه اتبعه وليس هذا مذبذباً بل هذا مهتد زاده الله هدى. • عمل المفتي يتألف من عنصرين: ١ - الوصول إلى معرفة الحكم المجرد. ٢ - التطبيق على الواقعة وهذا العنصر الثاني لا تبيَنه الأدلة بل هو عمل اجتهادي صرف ولا غنى عنه في كل الوقائع وهو مزلة أقدام لمن لم يتثبت ولم يُمارس. • قد تقع معرفة الحكم دون اجتهاد بل بالتقليد ممن لا يتمكن من الاجتهاد ولكن هناك نوع من الاجتهاد آخر لابد منه لكل من يتولى القضاء أو الإفتاء حتى لو كان مقلداً ويسمى هذا النوع (تحقيق المناط) أي تحقيق وجود مناط الحكم في الواقعة المحكوم فيها أو عدم وجوده. • تحقيق المناط وتطبيق الشريعة على الواقع لا يكون إلا اجتهاداً. • من لا يكون قصده في استفتاؤه وحكومته الحق بل غرضه من يوافق على هواه كائناً من كان سواء كان صحيحاً أو باطلاً فهذا لا يجب بذل العلم له والفتوى. • لا يجوز كتم العلم إلا أن يعلم من حال السائل أن قصده التعنت أو تتبع الرخص أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض أو غير ذلك من المقاصد السيئة ففي هذه الحال يجوز له كتم الفتوى وكذلك إذا ترتب على الفتوى ما هو أكثر منها ضرراً فإن ترتب عليها ذلك وجب الإمساك عنها.

стр. 32

(المعلم الثامن: مالا يسع جهله من بعض أصول الفقه وقواعده) • باب التعارض والموازنات باب واسع جداً في الفقه الإسلامي، فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما , ولم يكن الآخر في هذه الحال واجباً ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجباً في الحقيقة وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما , لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة وإن سمي ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر, ويُقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم. • فقه الموازنات يكون بميزان الشرع لا ميزان الهوى وميل الطباع. • تقدير المصالح والمفاسد وفقه الموازنات مما تتفاوت فيه الاجتهادات وتتباين فيه التقديرات وهذا الباب مزلة أقدام ومضلة أفهام وقد تقارن الأهواء الآراء والمعصوم من عصمه الله وجعل له فرقاناً وهو لا بد له من دراية بالشرع وفقه للواقع مع قوة في العقل والفراسة والإخلاص التام والتجرد من الهوى علماً أن هذا الأمر لا يُتوصَل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة رسول الله ﷺ وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له. • من يقدَر المصلحة الشرعية؟ المسائل التي تحتاج إلى فقه موازنات وترجيح شرعي تتفاوت تفاوتاً عظيماً باعتبار أهميتها وخطورتها وتأثيرها وما تتعلق به وكل مسلم قلَت بضاعته في العلم أو كثرت لا بد أن يكون عنده فقه للموازنات فمستقل أو مستكثر لأنه لا يُعقل البحث عن مجتهد ليُقدَر المصلحة الشرعية في كل مسألة عابرة وهذا بخلاف المسائل الكبار العظيمة من حيث أهميتها وخطورتها وتأثيرها وما تتعلق به فإنها بلا شك تحتاج إلى مشورة أهل العلم والاجتهاد , وضابط المصالح والمفاسد في كثير من المسائل مما تختلف فيه أنظار العلماء والمجتهدين وأهل الخبرة.

стр. 33

علماً أن فقه الموازنات قد يكون بين خيارات ومذاهب كلها مباحة في الأصل. • هنالك فرق بين المفاسد التي لا تنفك عمَا فيها من المصالح وبين المفاسد التي يُمكن أن تنفك عن المصالح. • إذا كان في السيئة حسنة راجحة لم تكن سيئة وإذا كان في العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة لم تكن حسنة بل تكون سيئة وإن كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة. • إذا دار الأمر بين فعل إحدى المصلحتين وتفويت الأخرى بحيث لا يمكن الجمع بينهما روعي أكبر المصلحتين وأعلاهما ففُعلت , إلا أنه قد يعرض للعمل المفضول من العوارض ما يكون به أفضل من الفاضل بسبب اقتران ما يوجب التفضيل. • من الأسباب الموجبة لتفضيل العمل المفضول على الفاضل أن يكون المفضول أزيد مصلحة للقلب من الفاضل كما قال الإمام أحمد لما سُئل عن بعض الأعمال "انظر إلى ما هو أصلح لقلبك فافعله". • إذا تزاحمت المفاسد بأن اضطر الإنسان إلى فعل إحداها فالواجب أن لا يرتكب الكبرى بل يفعل الصغرى ارتكاباً لأهون الشرين لدفع أعلاهما. • الترجيح الشرعي قد يكون باعتبار مصلحة الغير أو مصلحة النفس الشرعية أو كلاهما. • المجتهد قد يعدل عن الدليل الظاهر العام أو القاعدة العامة أو القياس في بعض الوقائع إلى الدليل الخفي تحقيقاً للمصالح ورداً للمفاسد ولا يكون بذلك العدول استحساناً بمجرد الرأي والهوى بل بدليل يقتضي هذا العدول أي دليل معتبر كرفع الحرج ودفع المشقات , والاستحسان: هو العدول بالمسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى حكم آخر لدليل اقتضى ذلك. • إذا اختلط الواجب بالمحرم فتراعى مصلحة الواجب غالباً ما لم يكن المحرم أعظم مفسدة من ترك الواجب. • إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام. • ترك الشبهة مستحب ولا تتقي شبهه بترك واجب. • الأحوط هو اتباع ما دل عليه النص لا اتباع الأشد. • الخروج من الخلاف محمود إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر. • الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف , ويُحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام , والضرر يُزال بلا ضرر , ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح حال التساوي. • المصالح من حيث اعتبارها في الشرع وعدمه قسمان:

стр. 34

١ - مصلحة معتبرة وهي قسمان: مصلحة اعتبرها الشارع بعينها وراعاها في أصل معين فيقاس عليه ما يماثله وهذه هي المصلحة التي تضمنته العلة في القياس. ٢ - مصلحة اعتبر الشارع جنسها ولا يشهد لها بعينها أصل معين وهذه هي التي تسمى (المصلحة المرسلة). ٣ - مصلحة ملغاة , وذلك لاشتمالها على مفسدة أعظم منها أو لأنها تفوت مصلحة أعظم منها. • يجب الالتزام بأحكام المصلحة المرسلة إن كان الإخلال بها يؤدي إلى الإضرار بالناس وحصول الفوضى ولو صدرت من جهة لا تجب طاعتها شرعاً. • لا يتم الحكم حتى تجتمع كل الشروط والموانع ترتفع. • تتفاوت الأحكام الشرعية (الحرام، الواجب، المكروه ,المستحب) تفاوتاً عظيما ً. • فعل الغير لا تكليف به , ولاتزر وازرةٌ وزر أخرى , وإثم ترك الاحتساب الواجب المتعين على المحتسب عليه شيء ومخالفة وإثم المحتسب عليه شيء آخر, وإثم اتخاذ الكفار أولياء على الوجه المحرم شيء وكفر الكفار شيء آخر. • اليقين لا يزول بالشك , والأصل بقاء ما كان على ما كان , والأصل براءة الذمة , والأصل في الصفات العارضة العدم. • الأشياء ثلاثة: مقاصد، وسائل، متممات لها كرجوعه إلى محله الذي خرج منه فالوسائل والمتممات لها أحكام المقاصد فإن من خرج للطاعة فهو في عبادة من حيث يخرج من محله للعبادة حتى يرجع. • يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً , فإن من الأحكام أشياء يختلف حكمها في حال الانفراد وفي حال التبع لغيرها فلها حكم إذا انفردت ولها حكم إذا تبعت غيرها, وهذا التبع يثبت له حكم متبوعه والحكم لا يثبت له لو كان مستقلاً وإنما اكتسبه من تبعه لغيره. • يثبت الشيء ضمناً وحكماً ولا يثبت قصداً , ويُغتفر في التوابع ما لا يُغتفر في غيرها , والتابع يسقط بسقوط المتبوع , والتابع لا يُفرد بحكم , ولا يشترط في التابع ما يشترط في المتبوع.

стр. 35

• ما نشأ عن غير المأذون فيه فإنه مضمون , وأما ما تولد عن المأذون فيه فهو تابع للمأذون فيه وما تولد عن غير المأذون فيه فهو تابع له. • الآثار الناشئة عن الطاعة مُثاب عليها المسلم والآثار الناشئة عن المعصية تبع للمعصية. • الآثار الناشئة عن الطاعة إذا كانت معصية فهي أقرب إلى العفو إن كان يُمكن التحرز منها وأما إن كانت من لوازمها فلا شيء عليه أصلاً وهو مُثاب ولا تكون معصية حينئذٍ. • إذا لم تتحقق الكفاية في فرض الكفاية أثم كل قادر بحسب قدرته. • من ترك الواجب المتعين أثم إن كان عالماً بوجوبه قادراً عليه غير ناسٍ ولا مُكره. • الواجبات المطلقة التي لم يقدر لها وقت بالكلية فإنها تُفعل بحسب الحاجة كبر الوالدين وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. • المقدور عليه الذي لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وأما ما لا يتم الوجوب إلا به سواءً كان شرطاً أو سبباً أو انتفاء مانع فليس تحصيله بواجب. • ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب. • تارك السنن المؤكدة على الداوم ملوم. • الصحيح من العبادات هو ما أغنى عن الإعادة والقضاء , والصحيح من المعاملات هو ما ترتب عليه الأحكام المقصودة. • هل العبادة أو العقود إذا خالطها منهيٌ عنه تكون باطلة أو صحيحة مع التحريم؟ إذا كان النهي عائداً إلى ذات المنهي عنه أو شرطه فيكون باطلاً أما ما عدا ذلك فلا يكون باطلاً وإن كان صحيحاً مع التحريم والإثم , فقد يكون الشخص الواحد في العمل الواحد آثماً من جهة وفي ذات الوقت مُحسناً مأجوراً من جهة أخرى. • الذريعة هي الوسيلة المؤدية إلى الشيء سواء كانت مصلحة أم مفسدة. • سد الذرائع: المراد بها منع الجائز لئلا يتوصّل به إلى الممنوع. ونتيجة إعمالها تحريم أمرٍ مباح لما يفضي إليه من مفسدة , وأداء الوسيلة إلى المفسدة: إما أن يكون قطعياً أو ظنيًّا أو نادراً. فإن كان قطعياً: فقد اتفق العلماء على سدّه والمنع منه سواء سُمّي سَدَّ ذريعة أو لا , وإن كان نادراً: فقد اتفق العلماء أيضاً على عدم المنع منه، وأنّه

стр. 36

على أصل المشروعيّة , وأما إن كان ظنياً: فقد اختلف أهل العلم فيه هل يُمنع أو لا؟ ولعل الصحيح في هذا القسم الأخير أنه يُنظر فيه إلى المصلحة والمفسدة. • ما لا خلاف فيه من سد الذرائع. ١ - ما كان إفضاؤه إلى المفسدة قطعياً. ٢ - ما كان في ذاته محرماً ويفضي إلى محرم. • الواجب عدم التوسع في سد الذريعة لأن ذلك يؤدي إلى إدخال الحرج على الناس فلا يُفتى بسد الذريعة إلا فيما كان إفضاؤه إلى المفسدة غالباً بحيث يغلب على ظنه إفضاؤه إليها أو يكون إفضاؤه إليها كثيراً , ثم لا يكون سد الذريعة شاملاً عاماً لكل صور المحكوم فيه وكل أحواله بل بالقدر الذي تندريء به المفسدة وإذا زالت الخشية زال الحظر والله أعلم. • فتح الذرائع هو إباحة ارتكاب المحرم إن كان تركه يؤدي إلى ضرر أعظم وهو مشروع بل يجب ولكن لا يرتكب المحرم إلا بشرطين: ١ - أن لا يمكن منع الضرر بطريق آخر مأذون فيه شرعاً. ٢ - أن يكون الضرر المخوف أعظم وأخطر من المحرم المرتكب. (المعلم التاسع: فقه القلوب) المراد بفقه القلوب:"علمه – إرادته- وارداته- مناط الثواب والتأثيم فيه-عمله" • تعلق الإدراك بالأشياء كالآتي: - علم وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. - جهل بسيط وهو عدم الإدراك بالكلية. - جهل مركب وهو إدراك الشيء على وجه يُخالف ما هو عليه. - ظن وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. - وهم وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح. - شك وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مساوٍ. • الشك في العبادة له أربع حالات: ١ - أن تكون مجرد وهم طرأ على قلبه وهماً ليس له مرجح ولا تساوى عنده الأمران بل هو مجرد شيء خطر في قلبه فهذا لا يهتم به ولا يلتفت إليه.

стр. 37

٢ - أن يكون كثير الشكوك وهذا أيضاً لا يلتفت إلى الشك ولا يهتم به. ٣ - أن يقع الشك بعد فراغه من العبادة فهذه أيضاً لا يلتفت إليها إلا إذا تيقن فيبني على يقينه. هذه ثلاث حالات لا يلتفت إليها في الشك: الوهم، أو أن يكون كثير الشكوك، أو أن يكون الشك بعد الفراغ من العبادة. ٤ - أن يكون الشك شكاً حقيقياً وليس كثير الشكوك وحصل قبل أن يفرغ من العبادة ففي هذه الحال يجب عليه أن يبني على اليقين. • سوء الظن بالآخر على ضربين: ١ - محرم وهو سوء الظن بالله تعالى، وسوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة. ٢ - جائز وقد يكون واجباً أحياناً وهو سوء الظن بمن هو أهلٌ له إذ لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراماً واجب الاجتناب وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح وأونست منه الأمانة في الظاهر فظن الفساد به والخيانة محرم بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث. • يُشرع العمل بالمظنون لمشقة الاطلاع على اليقين. • ما لم ينصب عليه دليل يوصل إلى العلم اليقيني به قد تعبدنا الله بتنفيذ الحكم فيه والاقتصاد على غالب الظن , وإجراء الحكم عليه واجب , وأكثر الأحكام الشرعية مبنية على غلبة الظن. • تحقيق المناط – أي تطبيقه على الواقع مبني على غلبة الظن. • حقيقة النية: القصد إلى الشيء والعزيمة على فعله , ومحل النية القلب. • جميع أقوال وأفعال المكلف تختلف نتائجها وثمارها وأحكامها الشرعية باختلاف قصد الإنسان وغايته من هذه الأقوال والأفعال , والنية هي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه ينبني فإنها روح العمل وقائده وسائقه والعمل تابع ينبني عليها ويصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يُستجلب التوفيق وبعدمها يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة. • انقلاب المباح مستحباً أو واجباً أو محرماً أو غير ذلك مرجعه إلى اختلاف النيات والأحوال , ولهذا الوسائل لها أحكام المقاصد. • مَن فعل الواجبات (حقوق العباد) الشرعية بنية التقرب إلى الله تعالى فله أجره أما من فعلها بدون هذه النية فلا أجر له ولكن تسقط عنه المطالبة. • الأعمال التي لا تفعل إلا على جهة العبادة يجب إفراد الله بها ولا تصح بدون ذلك , والأعمال التي قد تفعل على جهة العادة فهذه يصح فعلها بدون نية ومن نوى التقرب بها إلى الله استحق الأجر ولا يجوز التقرب بفعلها لغير الله على جهة العبادة , أما التروك أي "المحظورات الشرعية" فمن تركها لله أثيب ومن تركها بدون نية التقرب لله لم يستحق الثواب ولا العقاب. • ترك العمل يكون عملاً إذا كان كفاً أي وجود باعثه والقدرة على فعله وأما الترك الذي يكون بمعنى العدم وليس داخلاً تحت القدرة للعبد لا يُعد عملاً. • يبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله والأعمال البدينة قد تتوقف بخلاف النية وقاصد فعل الخير يُثاب وإن لم يُصب المراد وإذا خالف اللسان ما نواه العبد في القلب فالعبرة عند الله بما نوى العبد في قلبه. • النية شرط في الثواب لا في الخروج عن العهدة فالنواهي يخرج الإنسان عن عهدتها وإن لم يشعر بها فضلاً عن القصد إليها أي ترك المعصية لأجل الله فإن فيها الثواب في هذه الحالة أما الأوامر فالعادات والمعاملات فيخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها أما العبادات فلا بد لها من النية ولا تصح إلا بها. • أثر النية على الأعمال: لا يثاب العبد إلا بالنية , والأفعال التي لا تؤدى إلا على جهة العبادة لا تصح إلا بالنية كما ذكرنا فالنية تدخل في جميع الواجبات والمستحبات وتحوَل المباحات إلى طاعات ومن فعل المحرم غير ناوٍ له لم يستحق العقوبة لكونه مخطأ , ومن فعل حراماً ناوياً به الحلال ظاناً أنه كذلك لم يؤاخذ , ومن فعل الحلال ناوياً به الحرام ترتب عليه إثم الفعل دون إثم نتائجه. • أعمال القلوب يؤاخذ بها الإنسان إن استقرت. • حديث النفس والوسوسة متقاربان إذ المعنى كليهما تردد في النفس من غير اطمئنان إليه واستقرار عليه. • ما يقع في النفس خمس مراتب: الأولى: هاجس وهو ما يُلقى في النفس وهو أضعف هذه المراتب. الثانية: خاطر وهو ما يجري في النفس ثم يذهب في

стр. 38

الحال بلا تردد. الثالثة: حديث النفس وهو ما يقع فيه التردد هل يفعل أم لا؟ فمرة يميل إلى الفعل وأخرى ينفر عنه ولا يستقر على حال. الرابع: الهم وهو أن يميل إلى الفعل ولا ينفر عنه لكنه لا يصمم على فعله وهو ترجيح قصد الفعل. والمراتب الأربع السابقة تندرج تحت مسمى الإرادة غير الجازمة. الخامسة: العزم وهي المسماة بالإرادة الجازمة وهو أن يميل إلى الفعل ولا ينفر منه بل يصمم عليه وهو قوة ذلك القصد والجزم به ومنتهى الهم , ومتى وُجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل لكمال وجود المقتضى السالم عن المُعارض المقاوم , ومتى وُجدت الإرادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل لم تكن الإرادة جازمة , والإرادة الجازمة إذا تخلف عنها ما يقدر عليها فذلك المتخلف لا يكون مراداً إرادة جازمة بل هو الهم الذي وقع العفو عنه. • الإرادة غير الجازمة إذا لم تتمثل في فعل من أفعال الجوارح فهي من حيث الثواب والعقاب كالآتي: ١ - ما لا ثواب عليه ولا عقوبة عليه: وهذا يشمل مرتبة الهاجس والخاطر. ٢ - ما يُثاب صاحبه إذا كان خيراً ولا يُعاقب إن كان شراً , وهذا يشمل حديث النفس والهم فالهام بالحسنة إذا لم يفعلها ينال حسنة تامة والهام بالسيئة لا تُكتب عليه سيئة وتكتب له حسنة إن تركها لله وإلا فلا. • الإرادة الجازمة إذا لم تتمثل في فعل من أفعال الجوارح فهي من حيث الثواب والعقاب كالآتي: فهذا يثاب صاحبه إذا كان خيراً ويُعاقب إن كان شراً. • حديث النفس يتجاوز الله عنه إلى أن يتكلم فهو إذا صار نية وعزماً وقصداً ولم يتكلم فهو معفوٌ عنه، والإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التامة توجب وقوع المقدور، والهمة التي لم يقترن بها فعل ما يقدر عليه الهام ليست إرادة جازمة , والإرادة الجازمة لابد أن يوجد معها ما يقدر عليه العبد والعفو وقع بمن هم بسيئة ولم يعملها لا عمن أراد وفعل المقدور عليه وعجز عن قيام مراده. • حديث النفس العابر والذي لا يستقر في القلب ولا يركن إليه المسلم معفوٌ عنه ولم يشتمل على هم ولا على إرادة جازمة وأما الهم فإنه مرتبة فوق التحديث فهذا هو الذي يُثاب عليه إن كان طاعة وإذا وقعت منه ضاعفها الله عشر أضعاف وقد يزيد وإن كانت معصية فهي

стр. 39

مغفورة إذا لم تقع منه , ويُثاب عليها إذا ترك المحرم الذي هم به لله فإن الله تعالى يكتبه حسنة كاملة وأما الإرادة الجازمة فيثاب عليها المرء ويُعاقب حسب إرادته ولو لم يصدر منه شىء على الجوارح. • إن الله لا يؤاخذ العبد بما دار في نفسه، لعسر التحرز منه، ولكن يؤاخذه بما قال أو عمل. • من كان عازماً على الفعل عزماً جازماً وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل. • الأصل أن يفرَق في قول القلب وعمله بين ما كان مجامعاً لأصل الإيمان وما كان منافياً له ويُفرَق أيضاً بين ما كان مقدوراً عليه فلم يُفعل وبين ما لم يترك إلا للعجز عنه. • كل ما وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه وألقاه ازداد إيماناً ويقيناً كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله ازداد صلاحاً وبراً وتقوى. • ميل الطبع إلى المعصية بدون قصدها ليس إثماً. • الأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع، كما في الرؤية، فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا بما يحصل منها بغير الاختيار، وكذلك في اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم، فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه , وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس ـ من السمع والبصر والشم والذوق واللمس ـ إنما يتعلق الأمر والنهي من ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل، وأما ما يحصل بغير اختياره، فلا أمر فيه ولا نهي. (المعلم العاشر: الإلهام والرؤى والكرامات) • الإلهام: هو ما يقع في القلب من آراء وترجيحات , وهو نور يختص الله به من يشاء من عباده , والإلهام حق وهو وحي باطن، وإنما حُرمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه. وحكمه: حق وهو ترجيح شرعي لصاحب القلب المعمور بالتقوى بشرط أن لا يعارض نصاً صريحاً فإن من المسائل ما ليس فيها نص وكان الأمر فيها مشتبهاً والرأي فيها محتملاً فهنا يرجع فيه المؤمن إلى ما حك في صدره ووقع في قلبه.

стр. 40

• الإلهام ويُراد به ما يُلقى في روع الإنسان من علم أو عمل أو إرادة وهو قسمين: ١ - حق في ذاته ومتعلقاته وهو ما كان ثمرة للعبودية والمتابعة والصدق مع الله والإخلاص له وتلقي العلم من مشكاة رسوله ﷺ وكمال الانقياد له. ٢ - باطل في ذاته ومتعلقاته وهو ما كان ثمرة للإعراض عن الوحي وتحكيم الهوى والشيطان وما تشتهيه الأنفس. فأما الأول فهو رحماني والثاني شيطاني , وبالنسبة لموقف المسلم من الإلهام فإذا كان الذي وقع في القلب إنما هو من باب الترجيح الشرعي بين الأدلة المتكافئة أو النظر في مناط الحكم أو عند الاشتباه بين الحلال والحرام ونحو ذلك وكان الذي وقع عليه الإلهام ممن شرح الله صدره ووفقه للعلم النافع وهداه للاعتصام بالسنة فهو إلهام رحماني ويعتبر دليلاً في حقه , وترجيحه بهذا الإلهام ترجيح شرعي بشرط أن لا يكون مخالفاً لصريح الشرع. • الرؤيا: وهي ما يراه الشخص في منامه , وحكمها كالإلهام فتُعرض على الوحي الصريح فإن وافقته وإلا لم يعمل بها. • الكرامة تكون بحسب حاجة الرجل الدينية أو القدرية ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنياً عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهُدى الخلق ولحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة وهم الرسل ﵈. • كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى , والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله. • ينبغي للمسلم إذا جرت له كرامات ألا يقف عندها ولا يجعلها همته ولا يتبجح بها , فهناك طائفة يعتبرون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة أو استجابة دعوة مخالفة العادة العامة ونحو ذلك فيشتغل أحدهم عما أُمر به من العبادة والشكر ونحو ذلك فهذه الأمور ونحوها كثيراً ما تعرض لأهل السلوك والتوجه وإنما ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت فالاعتصام بالسنة نجاة والسنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلَف عنها غرق.
следующие страницы →