← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96252

معالم الطريق إلى الله

أبو فيصل البدراني

Полный текст (130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

على أصل المشروعيّة , وأما إن كان ظنياً: فقد اختلف أهل العلم فيه هل يُمنع أو لا؟ ولعل الصحيح في هذا القسم الأخير أنه يُنظر فيه إلى المصلحة والمفسدة. • ما لا خلاف فيه من سد الذرائع. ١ - ما كان إفضاؤه إلى المفسدة قطعياً. ٢ - ما كان في ذاته محرماً ويفضي إلى محرم. • الواجب عدم التوسع في سد الذريعة لأن ذلك يؤدي إلى إدخال الحرج على الناس فلا يُفتى بسد الذريعة إلا فيما كان إفضاؤه إلى المفسدة غالباً بحيث يغلب على ظنه إفضاؤه إليها أو يكون إفضاؤه إليها كثيراً , ثم لا يكون سد الذريعة شاملاً عاماً لكل صور المحكوم فيه وكل أحواله بل بالقدر الذي تندريء به المفسدة وإذا زالت الخشية زال الحظر والله أعلم. • فتح الذرائع هو إباحة ارتكاب المحرم إن كان تركه يؤدي إلى ضرر أعظم وهو مشروع بل يجب ولكن لا يرتكب المحرم إلا بشرطين: ١ - أن لا يمكن منع الضرر بطريق آخر مأذون فيه شرعاً. ٢ - أن يكون الضرر المخوف أعظم وأخطر من المحرم المرتكب. (المعلم التاسع: فقه القلوب) المراد بفقه القلوب:"علمه – إرادته- وارداته- مناط الثواب والتأثيم فيه-عمله" • تعلق الإدراك بالأشياء كالآتي: - علم وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. - جهل بسيط وهو عدم الإدراك بالكلية. - جهل مركب وهو إدراك الشيء على وجه يُخالف ما هو عليه. - ظن وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. - وهم وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح. - شك وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مساوٍ. • الشك في العبادة له أربع حالات: ١ - أن تكون مجرد وهم طرأ على قلبه وهماً ليس له مرجح ولا تساوى عنده الأمران بل هو مجرد شيء خطر في قلبه فهذا لا يهتم به ولا يلتفت إليه.

стр. 37

٢ - أن يكون كثير الشكوك وهذا أيضاً لا يلتفت إلى الشك ولا يهتم به. ٣ - أن يقع الشك بعد فراغه من العبادة فهذه أيضاً لا يلتفت إليها إلا إذا تيقن فيبني على يقينه. هذه ثلاث حالات لا يلتفت إليها في الشك: الوهم، أو أن يكون كثير الشكوك، أو أن يكون الشك بعد الفراغ من العبادة. ٤ - أن يكون الشك شكاً حقيقياً وليس كثير الشكوك وحصل قبل أن يفرغ من العبادة ففي هذه الحال يجب عليه أن يبني على اليقين. • سوء الظن بالآخر على ضربين: ١ - محرم وهو سوء الظن بالله تعالى، وسوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة. ٢ - جائز وقد يكون واجباً أحياناً وهو سوء الظن بمن هو أهلٌ له إذ لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراماً واجب الاجتناب وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح وأونست منه الأمانة في الظاهر فظن الفساد به والخيانة محرم بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث. • يُشرع العمل بالمظنون لمشقة الاطلاع على اليقين. • ما لم ينصب عليه دليل يوصل إلى العلم اليقيني به قد تعبدنا الله بتنفيذ الحكم فيه والاقتصاد على غالب الظن , وإجراء الحكم عليه واجب , وأكثر الأحكام الشرعية مبنية على غلبة الظن. • تحقيق المناط – أي تطبيقه على الواقع مبني على غلبة الظن. • حقيقة النية: القصد إلى الشيء والعزيمة على فعله , ومحل النية القلب. • جميع أقوال وأفعال المكلف تختلف نتائجها وثمارها وأحكامها الشرعية باختلاف قصد الإنسان وغايته من هذه الأقوال والأفعال , والنية هي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه ينبني فإنها روح العمل وقائده وسائقه والعمل تابع ينبني عليها ويصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يُستجلب التوفيق وبعدمها يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة. • انقلاب المباح مستحباً أو واجباً أو محرماً أو غير ذلك مرجعه إلى اختلاف النيات والأحوال , ولهذا الوسائل لها أحكام المقاصد. • مَن فعل الواجبات (حقوق العباد) الشرعية بنية التقرب إلى الله تعالى فله أجره أما من فعلها بدون هذه النية فلا أجر له ولكن تسقط عنه المطالبة. • الأعمال التي لا تفعل إلا على جهة العبادة يجب إفراد الله بها ولا تصح بدون ذلك , والأعمال التي قد تفعل على جهة العادة فهذه يصح فعلها بدون نية ومن نوى التقرب بها إلى الله استحق الأجر ولا يجوز التقرب بفعلها لغير الله على جهة العبادة , أما التروك أي "المحظورات الشرعية" فمن تركها لله أثيب ومن تركها بدون نية التقرب لله لم يستحق الثواب ولا العقاب. • ترك العمل يكون عملاً إذا كان كفاً أي وجود باعثه والقدرة على فعله وأما الترك الذي يكون بمعنى العدم وليس داخلاً تحت القدرة للعبد لا يُعد عملاً. • يبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله والأعمال البدينة قد تتوقف بخلاف النية وقاصد فعل الخير يُثاب وإن لم يُصب المراد وإذا خالف اللسان ما نواه العبد في القلب فالعبرة عند الله بما نوى العبد في قلبه. • النية شرط في الثواب لا في الخروج عن العهدة فالنواهي يخرج الإنسان عن عهدتها وإن لم يشعر بها فضلاً عن القصد إليها أي ترك المعصية لأجل الله فإن فيها الثواب في هذه الحالة أما الأوامر فالعادات والمعاملات فيخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها أما العبادات فلا بد لها من النية ولا تصح إلا بها. • أثر النية على الأعمال: لا يثاب العبد إلا بالنية , والأفعال التي لا تؤدى إلا على جهة العبادة لا تصح إلا بالنية كما ذكرنا فالنية تدخل في جميع الواجبات والمستحبات وتحوَل المباحات إلى طاعات ومن فعل المحرم غير ناوٍ له لم يستحق العقوبة لكونه مخطأ , ومن فعل حراماً ناوياً به الحلال ظاناً أنه كذلك لم يؤاخذ , ومن فعل الحلال ناوياً به الحرام ترتب عليه إثم الفعل دون إثم نتائجه. • أعمال القلوب يؤاخذ بها الإنسان إن استقرت. • حديث النفس والوسوسة متقاربان إذ المعنى كليهما تردد في النفس من غير اطمئنان إليه واستقرار عليه. • ما يقع في النفس خمس مراتب: الأولى: هاجس وهو ما يُلقى في النفس وهو أضعف هذه المراتب. الثانية: خاطر وهو ما يجري في النفس ثم يذهب في

стр. 38

الحال بلا تردد. الثالثة: حديث النفس وهو ما يقع فيه التردد هل يفعل أم لا؟ فمرة يميل إلى الفعل وأخرى ينفر عنه ولا يستقر على حال. الرابع: الهم وهو أن يميل إلى الفعل ولا ينفر عنه لكنه لا يصمم على فعله وهو ترجيح قصد الفعل. والمراتب الأربع السابقة تندرج تحت مسمى الإرادة غير الجازمة. الخامسة: العزم وهي المسماة بالإرادة الجازمة وهو أن يميل إلى الفعل ولا ينفر منه بل يصمم عليه وهو قوة ذلك القصد والجزم به ومنتهى الهم , ومتى وُجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل لكمال وجود المقتضى السالم عن المُعارض المقاوم , ومتى وُجدت الإرادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل لم تكن الإرادة جازمة , والإرادة الجازمة إذا تخلف عنها ما يقدر عليها فذلك المتخلف لا يكون مراداً إرادة جازمة بل هو الهم الذي وقع العفو عنه. • الإرادة غير الجازمة إذا لم تتمثل في فعل من أفعال الجوارح فهي من حيث الثواب والعقاب كالآتي: ١ - ما لا ثواب عليه ولا عقوبة عليه: وهذا يشمل مرتبة الهاجس والخاطر. ٢ - ما يُثاب صاحبه إذا كان خيراً ولا يُعاقب إن كان شراً , وهذا يشمل حديث النفس والهم فالهام بالحسنة إذا لم يفعلها ينال حسنة تامة والهام بالسيئة لا تُكتب عليه سيئة وتكتب له حسنة إن تركها لله وإلا فلا. • الإرادة الجازمة إذا لم تتمثل في فعل من أفعال الجوارح فهي من حيث الثواب والعقاب كالآتي: فهذا يثاب صاحبه إذا كان خيراً ويُعاقب إن كان شراً. • حديث النفس يتجاوز الله عنه إلى أن يتكلم فهو إذا صار نية وعزماً وقصداً ولم يتكلم فهو معفوٌ عنه، والإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التامة توجب وقوع المقدور، والهمة التي لم يقترن بها فعل ما يقدر عليه الهام ليست إرادة جازمة , والإرادة الجازمة لابد أن يوجد معها ما يقدر عليه العبد والعفو وقع بمن هم بسيئة ولم يعملها لا عمن أراد وفعل المقدور عليه وعجز عن قيام مراده. • حديث النفس العابر والذي لا يستقر في القلب ولا يركن إليه المسلم معفوٌ عنه ولم يشتمل على هم ولا على إرادة جازمة وأما الهم فإنه مرتبة فوق التحديث فهذا هو الذي يُثاب عليه إن كان طاعة وإذا وقعت منه ضاعفها الله عشر أضعاف وقد يزيد وإن كانت معصية فهي

стр. 39

مغفورة إذا لم تقع منه , ويُثاب عليها إذا ترك المحرم الذي هم به لله فإن الله تعالى يكتبه حسنة كاملة وأما الإرادة الجازمة فيثاب عليها المرء ويُعاقب حسب إرادته ولو لم يصدر منه شىء على الجوارح. • إن الله لا يؤاخذ العبد بما دار في نفسه، لعسر التحرز منه، ولكن يؤاخذه بما قال أو عمل. • من كان عازماً على الفعل عزماً جازماً وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل. • الأصل أن يفرَق في قول القلب وعمله بين ما كان مجامعاً لأصل الإيمان وما كان منافياً له ويُفرَق أيضاً بين ما كان مقدوراً عليه فلم يُفعل وبين ما لم يترك إلا للعجز عنه. • كل ما وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه وألقاه ازداد إيماناً ويقيناً كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله ازداد صلاحاً وبراً وتقوى. • ميل الطبع إلى المعصية بدون قصدها ليس إثماً. • الأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع، كما في الرؤية، فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا بما يحصل منها بغير الاختيار، وكذلك في اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم، فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه , وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس ـ من السمع والبصر والشم والذوق واللمس ـ إنما يتعلق الأمر والنهي من ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل، وأما ما يحصل بغير اختياره، فلا أمر فيه ولا نهي. (المعلم العاشر: الإلهام والرؤى والكرامات) • الإلهام: هو ما يقع في القلب من آراء وترجيحات , وهو نور يختص الله به من يشاء من عباده , والإلهام حق وهو وحي باطن، وإنما حُرمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه. وحكمه: حق وهو ترجيح شرعي لصاحب القلب المعمور بالتقوى بشرط أن لا يعارض نصاً صريحاً فإن من المسائل ما ليس فيها نص وكان الأمر فيها مشتبهاً والرأي فيها محتملاً فهنا يرجع فيه المؤمن إلى ما حك في صدره ووقع في قلبه.

стр. 40

• الإلهام ويُراد به ما يُلقى في روع الإنسان من علم أو عمل أو إرادة وهو قسمين: ١ - حق في ذاته ومتعلقاته وهو ما كان ثمرة للعبودية والمتابعة والصدق مع الله والإخلاص له وتلقي العلم من مشكاة رسوله ﷺ وكمال الانقياد له. ٢ - باطل في ذاته ومتعلقاته وهو ما كان ثمرة للإعراض عن الوحي وتحكيم الهوى والشيطان وما تشتهيه الأنفس. فأما الأول فهو رحماني والثاني شيطاني , وبالنسبة لموقف المسلم من الإلهام فإذا كان الذي وقع في القلب إنما هو من باب الترجيح الشرعي بين الأدلة المتكافئة أو النظر في مناط الحكم أو عند الاشتباه بين الحلال والحرام ونحو ذلك وكان الذي وقع عليه الإلهام ممن شرح الله صدره ووفقه للعلم النافع وهداه للاعتصام بالسنة فهو إلهام رحماني ويعتبر دليلاً في حقه , وترجيحه بهذا الإلهام ترجيح شرعي بشرط أن لا يكون مخالفاً لصريح الشرع. • الرؤيا: وهي ما يراه الشخص في منامه , وحكمها كالإلهام فتُعرض على الوحي الصريح فإن وافقته وإلا لم يعمل بها. • الكرامة تكون بحسب حاجة الرجل الدينية أو القدرية ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنياً عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهُدى الخلق ولحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة وهم الرسل ﵈. • كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى , والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله. • ينبغي للمسلم إذا جرت له كرامات ألا يقف عندها ولا يجعلها همته ولا يتبجح بها , فهناك طائفة يعتبرون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة أو استجابة دعوة مخالفة العادة العامة ونحو ذلك فيشتغل أحدهم عما أُمر به من العبادة والشكر ونحو ذلك فهذه الأمور ونحوها كثيراً ما تعرض لأهل السلوك والتوجه وإنما ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت فالاعتصام بالسنة نجاة والسنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلَف عنها غرق.

стр. 41

(المعلم الحادي عشر: الإخلاص) • النية لها مرتبتان إحداها تمييز العادة عن العبادة , الثاني تمييز العبادات بعضها عن بعض, ومن مراتب النية الإخلاص وهو قدر زائد على مجرد نية العمل فلابد من نية نفس العمل والمعمول له وهذا هو الإخلاص. • الإخلاص هو إفراد الله سبحانه بالقصد في الطاعة وتصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين ومن كل شائبة. • الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه حتى لتكون صورة العملين واحدة وبينهما في الفضل ما لا يُحصيه إلا الله تعالى. • اعلم رحمك الله أن من تنسب إليه شيء من الشر والظلم لا يُمكن أن تكون عابداً له مهما تكلَفت عبادته فنزَه ربك عمَا لا يليق بمقامه جل وعلا. • المستقل حقيقة هو الله. • سوء الظن بالله تلقين الشيطان , وحسن الظن بالله تلقين من الله تعالى. • مقاصد المكلفين في ميزان الشرع: المقصود الذي يجب أن يتوجَه إليه العبد هو الله وحده وأن هذا هو الإخلاص الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه , إلا أن المقاصد تتنوع فيما بينها ذلك أن العباد يقصدون ربهم من جوانب مختلفة فمنهم الذي يعبده تعظيماً له وتوقيراً , ومنهم الذي يقصد الدخول في طاعته وعبادته, ومنهم الذي يطلب رضوانه ورضاه ومنهم الذي يقصد الأُنس به والتلذذ بطاعته وعبادته , ومنهم من يرجو التنعم برؤيته في يوم القيامة , ومنهم من يطلب ثوابه من غير أن يستشعر ثواباً معيناً , ومنهم من يطلب ثواب معيناً , ومنهم من يخاف عقابه من حيث الجملة غير ناظر إلى عقاب معين ومنهم من يخشى عقاباً معيناً وتنوع المقاصد باب واسع , والعبد قد يقصد هذا مرة وهذا مرة وقد يقصد أكثر من واحد من هذه المقاصد وكلها تنتهي إلى غاية واحدة وتعني في النهاية شيئاً واحداً أن العبد يريد الله سبحانه ولا يريد سواه وكل مطلب محقق للإخلاص وأصحاب هذه المقاصد على الصراط المستقيم وعلى الهدى والصواب , وإن كان العبد لا ينبغي أن يُخلي قصده من الحب والخوف فإن قوام العبادة بهما ومدارها عليهما.

стр. 42

• المسلم يعبد ربه على قدر معرفته به. • لتوحيد الله آثار ولوازم قد لا تنفك عنها أحياناً كغضب بعض الناس وبغضهم لك وهجرهم إياك ونحو ذلك فينبغي على المسلم أن لا يُبالي بذلك ويمضي لعبادة ربه ويعلم أن ربه لن يُضيَعه وهو وليه وناصره وكفى به وكيلاً. • التوحيد يُذهب أصل الشرك والاستغفار يمحو فروعه والذنوب كلها من شعب الشرك. • تحقيق شهادة لا إله إلا الله شهادة التوحيد يقتضي ألا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يوالي إلا لله ولا يعادي إلا لله وأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما أبغضه الله ويأمر بما أمر الله به وينهى عما نهى الله عنه وإنك لا ترجو إلا الله ولا تخاف إلا الله ولا تسأل إلا الله هذا ملة إبراهيم وهذا الذي بعث الله به جميع المرسلين , وهذا هو الفناء المأمور به الذي جاءت به الرسل فيفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وبرجائه وخوفه عن رجاء ما سواه وخوفه فيكون مع الحق بلا خلق. • العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه ومنتهى يطلب منه هو مستعانه وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في استعانته وعبادته والمعبود الحق والمستعان الحق والصمد الحق هو الله ﷻ . (المعلم الثاني عشر: الخوف) • الخوف هو توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة. • الخوف المحمود هو ما حجز العبد عن محارم الله. • حقيقة وبيان الشرك في الخوف هو: أن يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته المستقلة عن الله، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقاد للضر والنفع في غير الله، والمراد بالخوف المخرج من الملة هو خوف العبادة، وهو الخوف الذي يكون معه تعظيم وإجلال وخشية ورجاء للمخوف، هذا هو خوف العبادة، وهو المسمى بخوف السر، وهو الخوف الذي يكون فيما وراء الأسباب، فهو لا يخاف لأن أمامه سبب، بل يخاف لأنه يعتقد أن هناك سر يستطيع به أن يغفر ذنبه، أو يسلط عليه عدوه، أو يقطع رزقه، أو يُميت ولده، أو يحرمه دخول الجنة، فهذا شرك أكبر. أما إذا خاف من شيء أسبابه ظاهرة فهذا لا يكون خوف عبادة، كأن يخاف من السباع فيبتعد عنها، أو من

стр. 43

الحيات والعقارب، أو من عدو كسلطان ظالم، فهذا أسبابه ظاهرة، وهذا لا يكون شركاً، بل هو خوف طبيعي. • أقسام الخوف: للخوف أقسام منه الجائز ومنه المستحب ومنه المحرم ومنه المخرج من الملة. ١ - خوف العبادة وخوف التعظيم وهو لا يجوز أن يكون إلا لله وهو ما يسمى بخوف السر وهو من لوازم الألوهية، وهذا الخوف من أعظم مقامات الدين وأجلها فمن صرفه لغير الله فقد أشرك بالله الشرك الأكبر كأن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أو ميت أو غائب من جن أو إنس أن يصيبه بما يكره. فمن خاف مخلوقاً أن يُميته أو يضرَه أو يملك قطع رزقه, وهذا الخوف هو ... خوف الشرك المخرج من الملة. ٢ - أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفاً من ملامة وأذى الناس كأن يترك أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر أو يترك الصلاة مثلاً خوفاً من سخريتهم , وهذا الخوف هو خوف محرم وهو شرك أصغر. ٣ - خوف أولياء الله من الله وهو خوف محمود وهو من مقامات الإيمان. ٤ - الخوف الطبيعي وهو أن يخاف الإنسان الضرر ومما يُخاف منه عادة كأن يخاف حيواناً مفترساً أو من نار أن أو يخاف من بحر أن يغرقه, فهذا الخوف جائز وهو من الطبيعة البشرية ولكن قد يُذم إذا تجاوز حدَه الطبيعي فيخاف من الأمور التي لا يُخاف منها عادة وهذا نوع من الضعف والخور والوساوس فيكون مذموماً من هذه الناحية. • من أخلص الخوف لله أعطاه الله ما يريد وأمَنه مما يخاف , والأمن التام لأهل الإيمان, والشرك بالله هو سبب الخوف فالرعب والهلع والخوف قرين الشرك, وأما أهل الإيمان فهم يجردون هذا الخوف لله. • الله يريد من عباده أن يرجو رحمته أكثر من أن يخافوا عقابه ولأن تغليب رجاء رحمته يورثهم محبته. • الخشية أبداً متضمنة للرجاء ولولا ذلك لكانت قنوطاً كما أن الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان أمناً فأهل الخوف والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. • المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء بحيث لا يذهب مع الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله ولا يذهب مع الرجاء فقط حتى يأمن من مكر الله لأن القنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله ينافيان التوحيد , وتوازن القلب بين

стр. 44

الخوف والرجاء يدفع على العمل الصالح والبعد عن المعاصي والتوبة من الذنوب. (المعلم الثالث عشر: المحبة) • المحبة هي أصل دين الإسلام الذي تدور عليه رحاه فبكمال محبة الله يكمل دين الإسلام وبنقصها ينقص توحيد الإنسان , ومحبة الله هي محبة العبودية المُستلزمة للذل والخضوع وكمال الطاعة وإيثار المحبوب على غيره فهذه المحبة خالصة لله لا يجوز أن يُشرك معه فيها أحد لأن المحبة قسمان، محبة مختصة وهي محبة العبودية، ومحبة عامة مشتركة وهي ثلاثة أنواع، محبة طبيعية، محبة إشفاق، محبة أنس وألف وهذه المحبة بأقسامها الثلاث لا تستلزم التعظيم والذل ولا يؤاخذ أحد بها ولا تُزاحم المحبة المختصة , فلا يكون وجودها شركاً لكن لابد أن تكون المحبة المختصة مقدمة عليها. • محبة العبادة مصحوبة بالخوف والرجاء، أما المحبة المنفردة عن الذل والخضوع فلا تكون عبادة، بل تكون محبة طبيعية، كمحبة المال والولد والزوجة؛ هذه تسمى محبة طبيعية ليست محبة عبادة، فمحبة العبادة هي التي تقتضي كمال المحبة وكمال الذل، أما إذا خرجت عن ذلك فلا تكون محبة عبادة، بل تكون محبة طبيعية، ومن أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كالزوجة تُحبها لكن لا تخضع لها , ومن خضع لشيء ولم يحبه لم يكن عابداً له، كالعدو تخضع له لكن لا تحبه, فلهذا لا يكون المرء عبداً لله حتى يكون الله أحب إليه من كل شيء، وأعظم عنده من كل شيء. • لا يُحب أحد لذاته من كل وجه إلا الله تعالى. • المحبة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: محبة عبادة وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فيكون لله كالند والنظير فهذا مشرك شركاً أكبر. ويُعبَر العلماء عنها بالمحبة الخاصة , ومحبة الله على درجتين: إحداهما: فرض، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة، والانتهاء عن زواجره المحرمة، والصبر على مقدوراته المؤلمة، فهذا القدر لا بد منه في محبة الله، وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه الله لنقص محبة الله الواجبة في القلوب، وتقديم الهوى والنفس على محبته، وبذلك ينقص الإيمان.

стр. 45

والدرجة الثانية من المحبة: وهي فضل المتسحب أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات، والرضا بالأقضية المؤلمات. القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها وهذه نوعان: النوع الأول: المحبة لله وفي الله: وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله أي كون الشيء محبوباً لله تعالى من أشخاص كالأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين، أو أعمال كالصلاة والزكاة وأعمال الخير. وميزان المحبة الخالصة لله: أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء , أما محبة الآخرين لإحسانهم جائزة ولكنها لا تزيد من المحبة الطبيعية ولكن المُتكلم عنها المحبة التي تكون لله فمن أحب لله وأبغض لله فهي أوثق عرى الإيمان وعلى المسلم أن يقتصد في حبه وأن يكون متوازناً. النوع الثاني: محبة لغير الله وهي نوعان: الأول: مذمومة وهي محبة ما يبغضه الله من كفر وفسوق وعصيان, وهذه المحبة منها ما هو شرك أكبر ومنها ما هو دون ذلك , فمحبة الشخص الكافر لكفره كفر أكبر , أما محبّة الشخص كافراً كان أو مسلماً لِفسْقِه أو لمعصيةٍ يقترفها , فهذا إثمٌ ولاشك، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر لكونه لا ينافي أصل الإيمان؛ وهذا الحبّ قد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، وقد لا يكون كذلك، بحسب حال المحبوب ومعصيته، فمن أحبّ محبوباً لارتكابه الكبائر، فهذا الحب كبيرة، ومن أحبّه لصغيرة يرتكبها، فلا يزيد إثمه على إثم من ارتكبها وأمّا الحبّ المباح فهو الحب الطبيعي، وهو الخارج عمَا سبق , كحبّ الوالد لولده الكافر، أو الوَلَدِ لوالديه الكافرين، أو الرجل لزوجه الكتابيّة، أو المرْءِ لمن أحسنَ إليه وأعانه من الكفار , فهذا الحُبّ المقيد مباح وهو رخصة، مادام لم يؤثر في بُغْضه لكفر الكافرين، وفسق الفاسقين، ومعصية العاصين , أمّا إذا أثّر في بُغْضه، فإنه يعود إلى أحد القسمين السابقين، بما فيهما من تفصيل. الثاني: المحبة الطبيعية وهي مذمومة إذا لم تُضبط بالضوابط الشرعية أو كانت في حق عموم الكفار وإلا فهي جائزة وقد تكون مستحبة , وهي أربعة أصناف: الصنف الأول: محبة إشفاق ورحمة وذلك كمحبة الولد والصغار والضعفاء والمرضى. الصنف الثاني: محبة تقدير واحترام وإجلال لا عبادة كمحبة الإنسان لوالده ولمعلمه والكبير من أهل الخير.

стр. 46

الصنف الثالث: محبة أُنس وألف، كمحبة المشتركين في صناعة أو تجارة، ... والطلبة بعضهم لبعض. الصنف الرابع: محبة ما يلائم طبع الإنسان من الجمادات كمحبة الطعام والشراب والملبس والمركب والمسكن ومحبة الوطن. والمحبة الطبيعية من قسم المباح؛ إلا إذا اقترن بها نية صالحة فتصير عبادة كمحبة الولد شفقة إذا اقترن بها الاقتداء بالنبي ﷺ في محبة الأولاد ورحمتهم, والأكل والشرب إذا قُصد به الاستعانة على عبادة الله صار عبادة , وعلى هذا فالمحبة الطبيعية قد تكون أحياناً مستحبة إذا أدت إلى شيء مستحب، وقد تكون محرمة إذا أدت إلى حرام، كمحبة المال في الأصل هي مباحة فإذا تجاوزت حدها الطبيعي أي إذا صارت زائدة عن الحد فصار يوالي فيه ويعادي فيه فتكون والحال هكذا محبة محرمة , وخلاصة القول يجب تقديم المحبة الشرعية على الجبلية الطبيعية عند التعارض. • يجب تقديم وإيثار محبة الله ورسوله وما أراده الله وأحبه على ما يريد ... العبد وذلك عند التزاحم , والمحبة الجبلية لا اختيار للإنسان فيها ولكن لا تُزاحم محبة الله ورسوله وما يحب الله ويريده. • حسن الظن بالله من واجبات التوحيد وسوء الظن به ينافي التوحيد. • هل من لازم إحسان الظن بالله العصمة من الزلل والخطأ؟ لا إشكال في حسن الظن بالله تعالى مع وجود المعاصي وإنما يأتي الإشكال في حال العاصي المُصر على معصيته السادر في غفلته المُستزيد من غيَه المُستهين بحدود ربه وهو مع ذلك يرجو المغفرة. • سر الحياة الطيبة: تفريغ القلب من تألَُه غير الله كائناً من كان والإقبال على الله وحده. • الأسباب الجالبة لمحبة الله والموجبة لها عشرة: أحدهما: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به. الثاني: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض. الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع: إيثار محاب الله على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في

стр. 47

رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة. السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته. السابع: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى. قال ابن القيم: وهو من أعجبها. الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب، والتأدب بأدب العبودية بين يديه ثم يختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله . العاشر: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر. (المعلم الرابع عشر: القضاء والقدر) • القدر هو تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته أو هو علم الله وكتابته للأشياء ومشيئته وخلقه لها. والإيمان بالقدر يقوم على أربعة أركان تسمى مراتب القدر وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق , وأفعال العباد داخلة في عموم خلقه ولا يخرجها عن ذلك العموم شيء. ومفهوم هذه المراتب ما يلي: ١ - العلم: فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيء عليم , علم ما كان وما يكون وكيف يكون بعلمه الأزلي الأبدي فلا يتجدد له علم بعد جهل ولا يلحقه نسيان بعد علم. ٢ - الكتابة فنؤمن بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة. ٣ - المشيئة فنؤمن بأن الله تعالى قد شاء كل ما في السموات والأرض لا يكون شيء إلا بمشيئته , فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ٤ - الخلق فنؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل. وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من الله تعالى نفسه ولما يكون من العباد فكل ما يقوم به من العباد من أقوال أو أفعال أو تروك فهي معلومة لله تعالى مكتوبة عنده والله تعالى قد شاءها وخلقها ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرة بهما يكون الفعل ونرى أنه لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله

стр. 48

تعالى لأن العاصي يُقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن الله تعالى قدَرها عليه , إذ لا يعلم أحد قدر الله تعالى إلا بعد وقوع مقدوره ونؤمن بأن الشر لا يُنسب إلى الله تعالى لكمال رحمته وحكمته فنفس قضاء الله تعالى ليس فيه شر أبداًَ لأنه صادر عن رحمة وحكمة وإنما يكون الشر في مقضياته ومع هذا فإن الشر في المقضيات ليس شراً خالصاً محضاً بل هو شر في محله من وجه , خيرٌُ من وجه أو شر في محله خيرٌُ في محل آخر. والتقدير ينقسم إلى خمسة أقسام وهي: ١ - التقدير العام لجميع الكائنات. ٢ - التقدير البشري: وهو التقدير الذي أخذ الله فيه الميثاق على بني آدم في عالم الذر. ٣ - التقدير العمري: وهو تقدير كل ما يجري على العبد من لدن نفخ الروح فيه إلى نهاية أجله. ٤ - التقدير السنوي: وهو تقدير ما يجري كل سنة وذلك ليلة القدر من كل سنة. ٥ - التقدير اليومي: وهو تقدير ما يجري كل يوم. والتقدير البشري يدخل في التقدير العام على مذهب بعض أهل العلم فلا حاجة لذكره والله أعلم. • ما شاء العبد إن لم يشأ الله لم يكن , وما شاء الله وإن لم يشأ العبد كان. • ما لم يشأ الله كونه فإنه لا يكون لعدم مشيئته له لا لعدم قدرته عليه. • أفعال العباد الاختيارية هي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً وهي من العباد فعلاً وكسباً فالله هو الخالق لأفعالهم وهم الفاعلون لها. • القدر قدران أحدهما المثبت أو المُبرم وهو ما في أم الكتاب فهذا لا يتغير ولا يتبدَل , والثاني: القدر المعلَق أو المقيًد وهو ما في كتب الملائكة فهذا الذي يقع فيه المحو والإثبات. • القضاء يعني قضاؤ الله به عند وقوعه والقدر يعني تقدير الله الشيء في الأزل , فالقدر سابق والقضاء لاحق. • القدر هو نظام التوحيد فمن وحَد الله وآمن بالقدر تمَ توحيده ومن وحَد الله وكذَب بالقدر نقص توحيده. • التقدير الذي قدَره الله تابع لحكمته ورحمته وما تقتضيه تلك الحكمة من غايات حميدة وعواقب نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم.

стр. 49

• الله أحاط بكل شيء علماً سواء مما يتعلق بأفعاله أو بأفعال عباده فهو مُحيط بها جملة وتفصيلاً بعلمه الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً. • كل ما سوى الله فهو مخلوق له وكما أن ذوات المخلوقات مخلوقة فكذلك أن صفاتها من أقوالها وأعمالها مخلوقة. • المستقبل بالنسبة للعبد أُنُف وإن كان بالنسبة لله قد سبق به علمه وجرى به قلمه , والله يختص برحمته وفضله من يشاء ولا يمنع ما هو للعبد. • ينبغي للمؤمن استشعار واستحضار أنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذن الله وأما الإيمان بمراتب القدر فيكفي فيها الإيمان المجمل من غير استشعاره كل حين , بل ينبغي عدم التعمق والوسوسة في مراتب القدر فهو ذريعة الخذلان وسلم الحرمان. • الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير. • لا يُحتج بالقدر على الشرع. • يجوز الاحتجاج بالقدر على وجه الإيمان به والتوحيد والتوكل على الله والنظر إلى سبق قضائه وقدره محمود مأمورٌ به وكذلك الاحتجاج به على نعم الله الدينية والدنيوية , وكذلك إذا فعل ما يقدر عليه من الأسباب النافعة في دينه ودنياه ثم لم يحصل له مراده بعد اجتهاده فإنه إذا اطمأن في هذه الحال إلى قضاء الله وقدره كان محموداً وكذلك إذا احتج بعد التوبة من الذنب ومغفرة الله له وأيضاً الاحتجاج بالقدر في العذر بالأخطاء الواقعة في حق العبد الخاص. • حكم الاحتجاج بالقدر على الذنوب وظلم العباد فيما بينهم: إن اعتذار المذنبين والظالمين واحتجاجهم بالقدر يُنافي التوبة إلى الله من الذنوب والمعاصي، ويعتبر خللاً في العقيدة، وينقل العبد من دائرة الإسلام إلى دائرة الشرك والكفر، ويؤدي إلى فساد عقيدة الولاء والبراء إلا أن هناك جانب من الاعتذار لا بأس أن يقوم به الإنسان، وهذا الاعتذار هو ما كان في حق العبد الخاص، فإن رسول الله ﷺ كان يعذر في حقه، فإذا كان الخطأ في حقك أنت أيها المسلم، فإن من السنة أن تعذر أخاك المسلم في حقك، فقد قال أنس ﵁: "خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنعه، وكان إذا عاتبني بعض أهله قال الرسول ﷺ : دعوه فلو قُضي

стр. 50

شيء لكان". فقد كان ﵊ يعذر المسلمين بالقدر للأخطاء التي تكون في حقه، فلم يكن يضربهم ولا يلومهم ولا يقرعهم وهذا إذا كان الوضع يحتمل ذلك. أما الأشياء التي تكون في حق الله، فلم يكن الرسول ﷺ يعذر فيها أحداً بالقدر مطلقاً، فإنه لما سرقت المرأة قطع يدها، وما قال الرسول ﷺ أبداً: هذه المرأة قدر الله عليها بالسرقة، وما ذنبها، إذاً لا نقطع يدها، كلا؛ بل قطع يدها؛ لأن هذا حق من حقوق الله , وكذلك لما تخلف بعض الناس عن صلاة الجماعة، ما قال الرسول ﷺ هذا قضاء الله وقدره، دعونا نستسلم للقضاء والقدر ولا نعاقب هؤلاء؛ بل قد همَّ بتحريق بيوتهم عليهم, ولما زنت المرأة، وزنى الرجل رجمهما ﷺ ، ولم يعذرها بالقدر، وكان رسول الله ﷺ أعرف بالله وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمر الله تعالى، ولكنه يقبل هذا إذا كان في حقه، فقد عذر أنس بالقدر في حقه كما ذكرنا وقال: "لو قضي شيء لكان" فصلوات الله وسلامه عليه , أما عذر النفس بالذنوب، أو عذر العباد في تقصيرهم في حقوق الله تعالى، فهذا مزلق عظيم يؤدي إلى معذرة عبدة الأصنام والأوثان، وقتلة الأنبياء، وعذر فرعون وهامان، ونمرود بن كنعان وأبو جهل وأصحابه، وسيؤدي بك الأمر إلى إعذار إبليس وجنوده، وكل كافر وظالم ومتعدٍ لحدود الله. • الموقف من المصائب ومن المعائب: أمر الله نبيه إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه فالنظر إلى القدر عند المصائب , والاستغفار عند المعائب ; قال تعالى) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور) وقال تعالى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) قال علقمة وغيره هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. • الإنسان مخيَر باعتبار ومسيَر باعتبار فهو مخيَر باعتبار أن له قدرة ومشيئة واختياراً ومسيَر باعتبار أنه في جميع أفعاله داخل في القدر راجع إليه ولكونه لا يخرج عمَا قدره الله له.

стр. 51

• أفعال العبد قسمان أفعال هو مُجبر عليها مسيَر عليها كحركة القلب والهرم ونحوها وأفعال هو مُخيَر فيها وهي مناط التكليف. • الفرق بين فعل العبد اللاإرادي والفعل الإرادي المُختار: أن ما وقع باختيار العبد هو مناط التكليف وفعل العبد الاختياري وغير الاختياري هما من جملة القضاء والقدر. • هل للإنسان قدرة ومشيئة أو لا؟ نعم له مشيئة وقدرة جزئية , ومشيئته وقدرته واقعتان بمشيئة الله تابعتان لها. • للعبد قدرة واختيار ومشيئة لا يُجبره على فعله الاختياري أحد حتى خالقه بل يفعل ما يفعله بمحض إرادته وحسب مشيئته, لكن فعله هذا وإرادته هذه داخله في خلق الله تعالى له كما أنها مسبوقة بعلم الله الأزلي فلا يعمل عملاً إلا وقد سبق تقديره وإرادته في علم الله الأزلي وكتبه عنده في كتابه الذي جرى بما كان ويكون إلى قيام الساعة. • علم الله كاشف لا مُكره. • لا تأثير لما سبق في علم الله وكتابته وتقديره على محض اختيار العبد وإرادته. • كتابة الله المقادير في اللوح المحفوظ هي كتابة علم وليست كتابة إجبار. • الله يعلم ما كان , ويعلم ما يكون , ويعلم ما سيكون , ويعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون , فعلمه مطلق وقد أحاط بكل شيءٍ علماً ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء , وكتابة أفعال العباد الاختيارية في اللوح المحفوظ فرع عن علمه عن الخلق وما سيعملون. • المكتوب من أعمال العباد الاختيارية واقع لا محالة , لا , لأن المكتوب جبر للعبد بل لأن المكتوب فرع عن علم الله المُحيط بخلقه. • الله سبحانه منزهٌ عن الشر والشر هو الظلم والظلم هو وضع الشيء في غير محله فإذا وُضع في محله لم يكن شراً, فعلم أن الشر ليس إليه وأسماءه الحسنى تشهد بذلك والله ﵎ منزهٌ عن نسبة الشر إليه بل كل ما نُسب إليه فهو خير والشر إنما صار شراً لانقطاع نسبته وإضافته إليه، وإيجاد الله للعقوبة على ذنب لا يُعد شراً له بل ذلك عدل منه تعالى وتمكين الله بعض خلقه لفعل الشر وإذنه الكوني به ومشيئته لها هو خير باعتبار حكمة الله ومآلات هذا الإذن الكوني والله له الحكمة البالغة التي يُحمد عليها فهو خير

стр. 52

وحكمة ومصلحة علمها من علمها وجهلها من جهلها , هذا وإن كان وقوع هذا الفعل السيء والظلم من العبد يُعد عيباً ونقصاً وشراً في حقه. • ليس في القدر شر وإنما الشر في المقدور والشر ليس في فعل الله وتقديره , وإنما الشر في مفعولات الله لا في فعله والله تعالى لم يقدر هذا الشر إلا لخير وهذه المفعولات والمخلوقات هي شر من وجه وخير من وجه آخر فتكون شراً بالنظر إلى ما يحصل منها من الأذية ولكنها خير بما يحصل فيها من العاقبة الحميدة. • الشر لا يُنسب إلى الله تعالى فهو منزه عن الشر ولا يفعل إلا الخير والقدر من حيث نسبته إلى الله لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه وذلك خير محض فالشر إنما هو في المقضي لا في القضاء وفي مفعولات الله لا في أفعاله . • الله خالق كل شيء لكن مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه فقد فرق بين المخلوقات أعيانها وأفعالها كما قال تعالى "أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ" وكما قال "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ" وقال تعالى "أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار"ِ وقال تعالى" وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ" وأمثال ذلك مما يبين الفرق بين المخلوقات وانقسام الخلق إلى شقي وسعيد كما قال تعالى "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ". • حكم وصف الله بأفعال خلقه السيئة باعتبار أنه خالقها: لا يجوز وصف الله بأفعال خلقه السيئة وإن كان خالقها. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم "وكونُه خَلَقَ أفعالَ العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم ، كما أنَّه لا يُوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خَلْقُهُ وتقدِيرُه، فإنَّه لا يُوصَف إلاَّ بأفعاله، لا يوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنَّما يوصف بما قام به مِن صفاته وأفعاله، والله أعلم" ... انتهى. ثم إن الله قد تبرأ من الشرك والظلم والكفر وأهله فلذلك توعد الكفار والمشركين والظالمين بالعذاب يوم القيامة , ولكنه قد شاء الكفر والظلم في الحياة الدنيا لحكم ومصالح من وراء ذلك , وفرق بين فعل الله سبحانه وبين ما

стр. 53

هو مفعول مخلوق له، وليس في مخلوقه ما هو ظلم منه وإن كان بالنسبة إلى فاعله الذي هو المخلوق هو ظلم، كما أن أفعال الإنسان هي بالنسبة إليه تكون سرقة وزنا وصلاة وصوماً، والله تعالى خالقها بمشيئته، وليست بالنسبة إليه كذلك؛ إذ هذه الأحكام هي للفاعل الذي قام به هذا الفعل، كما أن الصفات هي صفات للموصوف الذي قامت به لا للخالق الذي خلقها وجعلها صفات، والله - تعالى - خلق كل صانع وصنعته كما جاء ذلك في الحديث، وهو خالق كل موصوف وصفته. ثم صفات المخلوقات ليست صفات له؛ كالألوان والطعوم والروائح لعدم قيام ذلك به , وكذلك حركات المخلوقات ليست حركات له ولا أفعالاً له بهذا الاعتبار؛ لكونها مفعولات هو خلقها , وبهذا الفرق تزول شبه كثيرة. ولهذا ألزم السلف بعض أهل البدع في القدر أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك أيضاً ما خلقه في الحيوانات، ولا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق وإنما قالت الجلود: ﴿أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ولم تقل: نطق الله بذلك؛ بل يلزم أن يكون متكلماً بكل كلام خلقه في غيره , زوراً كان أو كذباً أو كفراً أو هذياناً تعالى الله عن ذلك؛ ولهذا قال من قال من السلف كسليمان بن داود الهاشمي وغيره ما معناه: إنه على هذا يكون الكلام الذي خلق في فرعون حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، كالكلام الذي خلق في الشجرة حتى قالت: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾، فإما أن يكون فرعون محقًا، أو تكون الشجرة كفرعون وهذا يستوعب أنواع الكفر؛ ولهذا كان من الأمر البين للخاصة والعامة أن مَنْ قال: المتكلم لا يقوم به كلام أصلا - فإن حقيقة قوله أنه ليس بمتكلم؛ إذ ليس المتكلم إلا هذا؛ ولهذا كان أولوهم يقولون: ليس بمتكلم. ثم قالوا: هو متكلم بطريق المجاز، وذلك لما استقر في الفطر أن المتكلم لابد أن يقوم به كلام وإن كان مع ذلك فاعلا له، كما يقوم بالإنسان كلامه وهو كاسب له. أما أن يجعل مجرد أحداث الكلام في غيره كلاما له - فهذا هو الباطل. وهكذا القول في الظلم، فَهَبْ أن الظالم من فعل الظلم فليس هو من فعله في غيره، ولم يقم به فعل أصلا، بل لابد أن يكون قد قام به فعل، وإن كان متعدياً إلى غيره، فهذا جواب. ثم يقال لهم: الظلم فيه نسبة وإضافة، فهو ظلم من الظالم، بمعنى أنه عدوان وبغي منه، وهو ظلم للمظلوم، بمعنى أنه بغي واعتداء عليه. وأما من لم يكن معتدي عليه به ولا هو منه عدوان على غيره فهو في حقه ليس بظلم، لا منه ولا له.

стр. 54

ثم إن الله سبحانه إذا خلق أفعال العباد فذلك من جنس خلقه لصفاتهم فهم الموصوفون بذلك، فهو سبحانه إذا جعل بعض الأشياء أسود، وبعضها أبيض، أو طويلا، أو قصيرًا، أو متحركاً، أو ساكنًا أو عالمًا، أو جاهلا، أو قادرًا، أو عاجزًا، أو حيًا، أو ميتًا. أو مؤمنًا أو كافرًا، أو سعيدًا، أو شقيًا، أو ظالمًا , أو مظلومًا كان ذلك المخلوق هو الموصوف بأنه الأبيض والأسود، والطويل والقصير، والحي والميت، والظالم والمظلوم، ونحو ذلك, والله سبحانه لا يوصف بشيء من ذلك، وإنما إحداثه للفعل الذي هو ظلم من شخص وظلم لآخر بمنزلة إحداثه الأكل والشرب الذي هو أكل من شخص وأكل لآخر، وليس هو بذلك آكلاً ولا مأكولاً. ونظائر هذا كثيرة، وإن كان في خلق أفعال العباد لازمها ومتعديها حكم بالغة، كما له حكمة بالغة في خلق صفاتهم وسائر المخلوقات، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك , والله تعالى أعلم. • لا يُعصى الله قسراً بل بإذنه وهو لا يرضى ذلك ولكنه يأذن به لحكمة. • الله خلق كل شيء الخير والشر، ولكن الشر لا يُنسب إليه، لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيراً، فالشر ليس في فعل الله، بل في مفعولاته، أي مخلوقاته, ومخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: ١ - شر محض كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير. ٢ - خير محض، كالجنة والرسل والملائكة. ٣ - فيه شر وخير، كالإنس والجن والحيوان. • الشر في المقضي لا في القضاء. • السيئة ذات شطرين: سبب , وعقوبة جزاءً وفاقاً , فالسبب فهو من العبد لكفره وظلمه وإعراضه والجزاء والعقوبة من الله. • ليس كل ما يريد الله كوناً , يرضاه ويحبه شرعاً وديانة. فالإرادة الربانية تنقسم إلى قسمين: ١ - كونية قدرية: وهي مرادفة للمشيئة ولا يخرج عن مرادها شيء أبداً ولا بد أن تقع.

стр. 55

٢ - شرعية دينية: وتتضمن محبة الرب ورضاه ولا يلزم وقوعها فقد تقع وقد لا تقع لأنها تتعلق بفعل العبد الاختياري. • قد يريد الله أمراً ويشاؤه , وفي الوقت نفسه لا يحبه إذ أن المراد نوعان: ١ - مراد لنفسه إرادة الغايات ومنه خلق جبريل ﵇. ٢ - مراد لغيره فهو وسيلة إلى غيره مثل خلق إبليس فهو مكروه لله من حيث نفسه وذاته ومُراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مُراده فهو سبب لحصول محاب كثيرة فيجتمع الأمران بغضه له وإرادته له ولا يتنافيان. • كيف يُريد الله أمراً ولا يحبه أو كيف يجمع بين إرادته له وبُغضه وكراهته؟ إن المراد نوعان: الأول: مراد لنفسه. الثاني: مراد لغيره. فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير , فهو مُراد إرادة الغايات والمقاصد والمراد لغيره قد لا يكون مقصوداً لذاته ولا فيه مصلحة بالنظر إلى ذاته وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروهٌ له من حيث نفسه وذاته مراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مُراده فيجتمع الأمران بغضه وإرادته ولا يتنافيان فيُبغض من وجه ويُحب من وجه آخر. • المحبوب قسمان: محبوب لذاته، محبوب لغيره , والمحبوب لغيره قد يكون مكروهاً لذاته ولكن يُحب لما فيه من الحكمة والمصلحة فيكون حينئذ محبوباً من وجه ومكروهاً من وجه آخر. • كون الله لا يريد أمراً ما لا يعني عدم قدرته عليه فالله على كل شيء قدير لكنه لا يفعل إلا ما يريد وفرق بين قدرة الله المطلقة وبين ما يريد فعله. • الله أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وقضاؤه وقدره لا يخرج عنهما وهو أعلم بمصالح عباده منهم وهو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم , والإنسان لا يعلم عاقبة أمره وقضاء الله لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة منع ونعمة وإن كان في صورة محنة وبلاءه عافية وإن كان في صورة بلية والله يعلم ونحن لا نعلم ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل وكان ملائماً لطبعه.

стр. 56

• لله الحكمة البالغة في كل فعل من أفعاله وقد تظهر لنا الحكمة وقد تخفى ولا يلزم أن ندرك حكمته في كل شيء أو أن يدرك ذلك كل أحد. • على المسلم أن يعلم أن لله تعالى في جميع أفعاله حكماً جليلة ظهرت لنا أو خفيت فالله لم يُطلع خلقه على جميع حكمه بل أعلمهم بما شاء وما خفي عليهم أكثر مما يعلموه فأفعال الله وأوامره لا تخلو من الحكم الباهرة العظيمة التي تُحيَر العقول وإن كُنا لا نعلمها على وجه التفصيل لأن عدم العلم بالشيء لا يلزم منه عدمه. • من حِكم خلق إبليس أن يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات والمتقابلات وأن يكمل الله لأوليائه مراتب العبودية وحصول الابتلاء ليكون محكاً يُمتحن به الخلق ليتبين به الخبيث من الطيب وظهور آثار أسماء الله تعالى ومقتضياتها ومتعلقاتها واستخراج ما في طبائع البشر من الخير بإرسال الرسل ومن الشر بخلق إبليس, وغيرها من الحكم. • من حِكم خلق المصائب والآلام الدنيوية استخراج عبودية الضراء وهي الصبر كما تستخرج عبودية السراء وهي الشكر وطهارة القلب والخلاص من الخصال القبيحة كآفات القلوب المعلومة من كبر وعجب وفرعنة وقسوة قلب ونحوها والنظر إلى قهر الربوبية وذل العبودية وإيقاظ المبتلى من غفلته ومعرفة قدر العافية وحصول رحمة أهل البلاء والصلاة من الله والرحمة والهداية وحصول الأجر وكتابة الحسنات وحط الخطيئات والعلم بحقارة الدنيا وهوانها والدخول في زمرة المحبوبين وغير ذلك من الحكم. • القدر سر الله في خلقه والبحث فيه بحث في بحر عميق مظلم وحيرة عقول وأفهام إلا من سلمه الله تعالى , وكل الخلق سائرون إلى ما خلقهم الله له واقعون فيما قدر عليهم وهو عدل منه جل ربنا وعز. • الواجب على العبد في باب القدر أن يؤمن بقضاء الله وقدره ويؤمن بشرع الله وأمره ونهيه فعليه تصديق الخبر وطاعة الأمر فإذا أحسن حمد الله تعالى وإذا أساء استغفر الله تعالى وعلم أن ذلك بقدر الله. • أحوال المسلم مع أقدار الله المؤلمة: ١ - الصبر وهو واجب وهو أن يرى هذا المقدور ثقيل عليه لكنه يتحمله وهو يكره وقوعه ولكن يحميه إيمانه من السخط.

стр. 57

٢ - الرضا وهو مستحب وذلك بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها ولا يتحمل لها حملاً ثقيلاً. ٣ - الشكر وهو أعلى المراتب وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير السيئات وربما لزيادة الحسنات. • الشكوى إذا لم تكن على سبيل التسخط وعدم الرضا بالمقدور فلا تُبطل العمل ولا تتعارض مع الصبر ولابد للمصدور أن ينفث , إلا أن الصبر وعدم الشكوى أولى. • قد يُريد العبد شيئاً والخير في عكسه والرب أعلم بالعبد المسلم من نفسه ولا يريد لعبده إلا ما هو خيرٌ له ولا يأمره إلا بما فيه مصلحة له. • هناك فرق بين ما أريد بنا وما أريد منا فما أراده الله بنا طواه الله عنَا إلا ما أطلعنا عليه من خلال رسوله وما أرداه منَا أمرنا بالقيام به فلنُشغل أنفسنا فيما أريد منا عن ما أريد بنا ولنحسن الظن بربنا. • القضاء والقدر يُعالج بالقضاء والقدر. • المعتدي على النفس أو المال أو البضع أي العرض يسميه العلماء صائلاً، ودفع الصائل بما يندفع به مشروع، ويُدفع بالأخف فما فوقه والأخف كالزجر والتهديد , ويختلف حكم دفع الصائل باختلاف ما يريد الاعتداء عليه، فإن كان يريد أخذ المال فدفعه جائز لا واجب، والمُعتدى عليه مُخيَر بين أن يدفع عن ماله، وبين أن يعطيه المال، وكذا في الدفع عن النفس، وأما في الدفع عن البضع "العرض" فقد قال كثير من العلماء بوجوب الدفع، ومما ينبغي أن يُعلم أن الواجب دفع الصائل بالأخف فالأخف، فلا يجوز قتله إن كان يندفع بما دون ذلك, فإن لم يمكن دفعه إلا بالقتل جاز قتله، ولا إثم على القاتل. • إذا صال عليك إنسان يريد قتلك أو أخذ مالك أو انتهاك عرضك أو قتل معصوم أو أخذ ماله أو انتهاك عرضه فإنك تدفعه بالأسهل فالأسهل فإن لم يندفع إلا بالقتل فلك قتله. • الله هو الذي سلَط الصائل على العبد بسبب ذنوبه ولا يظلمُ ربَك أحداً وإن كان هذا الصائل أحياناً ظالماً مُستحقاً للعقوبة , فحق الله سبحانه الاستغفار وحق الصائل المُدافعة. • الله قد شرع دفع الصائل ومدافعة الشر. • الله قد شرع مكافأة المُحسن إلينا بالمعروف.

стр. 58

• لا مانع من مباشرة الأسباب لكن المحظور أو الممنوع أن يلتفت إليها، ويظن بها التأثير المستقل، فالمسبب هو الله ، وهو النافع الضار. • يجب على المسلم فعل الأسباب المشروعة المقدور عليها لتحقيق المراد فإن أتت الأمور على ما يريد حمد الله وإن أتت على خلاف ما يريد تعزَى بقدر الله وعلم أن ذلك كله وقع بقدر الله وخيرة الرب لعبده خيرٌ من خيرة العبد لنفسه. • إذا جاءت أقدار الله على خلاف ما يُريد المسلم وقد بذل الأسباب المشروعة لتحقيق المراد فليقل قدر الله وما شاء فعل ولا يسترسل مع أحزانه ويعلم أن ربه قضى ما هو خير له ولو بعد حين ولو لم يدركه عقله في الحال. • السعيد يستغفر من المعائب ويصبر على المصائب والشقي يجزع عند المصائب ويحتج بالقدر على المعائب. • استحباب الرضا بقضاء الله فيه تفصيل نرضى بالقضاء الذي هو فعل الله وأما المقضي الذي هو فعل العبد ففيه تفصيل فإن كان مرضياً لله رضينا به كالطاعات والإيمان وإن كان غير مرضي لله لم نرض به كالمعاصي. (المعلم الخامس عشر: التوكل) • التوكل هو: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع الدينية والدنيوية ودفع المضار الدينية والدنيوية مع فعل الأسباب المأمور تعاطيها شرعاً وقدراً. • التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة , والتوكل أعم من الاستعانة فالاستعانة هي الاعتماد على الله فيما يقدر عليه العبد والتوكل هو الاعتماد على الله فيما يقدر عليه العبد ومالا يقدر عليه من جلب منفعة ودفع مضرة , فالتوكل يكون في جلب المنافع ودفع المضار والاستعانة تكون على العبادة. • حُسن الظن بالله يدعو إلى التوكل على الله والتوكل على الله لابد فيه من حُسن الظن بالله والتوكل على الله هو تفويض قبل وقوع المقدور ورضاً بعد وقوع المقدور ومن فعل ذلك فقد قام بالعبودية. • التوكل هو الثقة بحسن اختيار الله وقضاءه وقدره والرضا بمشيئته , ويتوكل المؤمن على ربه لعلمه بتمام كفايته وكمال قدرته وعميم إحسانه ويثق به. • التوكل على غير الله تعالى أقسام:

стр. 59

الأول: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت في تحقيق المطالب من النصر والحفظ والرزق أو الشفاعة فهذا شرك أكبر. الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة كمن يتوكل على سلطان أو أمير أو أي شخص حي قادراً أقدره الله من عطاء أو دفع أذى ونحو ذلك فهذا شرك أصغر لأنه اعتماد على الشخص. الثالث: التوكل الذي هو إنابة الإنسان من يقوم بعمل عنه مما يقدر عليه كبيع وشراء فهذا جائز ولكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وكَل فيه بل يتوكل على الله في تيسير أموره التي يطلبها بنفسه أو نائبه. • بيان الأسباب: - السبب هو ما يُتوصَل به إلى غيره. - السبب باعتبار المشروعية ينقسم إلى قسمين: ١ - سبب مشروع وهو ما كان سبباً للمصلحة أصالة وإن كان مؤدياً إلى بعض المفاسد تبعاً كالجهاد في سبيل الله فإنه سبب لإقامة الدين وإعلاء كلمة الله وإن أدى في الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف الأنفس وإضاعة الأموال. ٢ - سبب غير مشروع وهو ماكان سبباً للمفسدة أصالة وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعاً كالقتل بغير حق فإنه سبب غير مشروع وإن ترتب عليه ميراث ورثة المقتول. - السبب باعتبار مصدره ينقسم إلى ثلاثة أقسام. ١ - سبب شرعي وهو ما كان مستمداً من الشارع فقط. ٢ - سبب عقلي وهو ما كان مستمداً من العقل فقط. ٣ - سبب عادي وهو ما كان مستمداً من العادة المألوفة المتكرر وقوعها وقد يكون الشرع أشار إليها ضمناً أو تعييناً. - هنالك أسباب شرعية مصدرها الكتاب والسنة وهنالك أسباب طبيعية أرشد إليها الشرع بشكل عام , وكل سبب شرعي هو سبب طبيعي وليس كل سبب طبيعي هو سبب شرعي على التفصيل والتعيين وما سوى هذه الأسباب فهي أسباب وهمية.

стр. 60

- الأسباب لا يُعتمد عليها وإنما يُعتمد على الله سبحانه الذي هو مُسبَب الأسباب ومُوجد السبب والمسبب، ولا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل والتوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان والإسلام ومنزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، والتوكل على الله لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها فإن الله سبحانه قدَر مقدورات مربوطة بأسبابها وقد أمر الله بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل فالأخذ بالأسباب طاعة لله وهو من عمل الجوارح والتوكل على الله طاعة له سبحانه وهو من عمل القلب وهو إيمان بالله. - لا يضر مباشرة العبد للأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها , والأسباب تذهب وتأتي ومسبب الأسباب باقٍ موجود , ويجب أن يكون الأخذ بالأسباب الجائزة شرعاً فإن من توكل على الله حق توكله لم يرتكب ما يخالف شرعه. - من يترك الأخذ بالأسباب مع القدرة عليها يُخشى عليه أنه يمتحن ويختبر ربه تعالى الله عن ذلك , والله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله . - التوكل على الله سبب وهو من أقوى الأسباب في حصول المأمول ومن اعتمد على عقله ضل ومن اعتمد على جاهه ذل ومن اعتمد على ماله قل ومن اعتمد على الله لا قل ولا ضل ولا ذل. - من تمام التوكل على الله العمل بشرعه ومن شرعه اتخاذ الأسباب وأخذ ظروف الواقع بعين الاعتبار دون إفراط أو تفريط , ومن حقق ذلك فهو المتوكل حقاً وكان الله حسبه. - التوكل وغيره من الأسباب الشرعية كالدعاء وتقوى الله والاستغفار مما يُستدفع به المقدور المكروه ويُستجلب به المقدور المحبوب , والقدر يُدفع بعضه ببعض كما يُدفع قدر المرض بالدواء وقدر الذنوب بالتوبة وقدر العدو بالجهاد فكلاهما من القدر والله يلوم على العجز ويحب الكيس ويأمر به , والكيس هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده فهذه تفتح عمل الخير , أما العجز فإنه يفتح عمل الشيطان ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله , وتحقيق وعد الله الكريم لا يعلم كيفيته وموعده إلا الله فلا يُقال كيف ولا متى ولكن يوقن بذلك وينتظر الفرج ويرضى بتدبير الله له وتصاريف الله تعالى خفية عجيبة , وإذا ثبت في نفسك أنه لا فاعل لما يُريد مُطلقاً سوى الله واعتقدت مع ذلك أنه تام القدرة والعلم والرحمة وأنه ليس

стр. 61

وراء قدرته قدرة ولا وراء علمه علم ولا وراء رحمته رحمة اتكل قلبك عليه وحده لا محالة ولم يلتفت إلى غيره بوجه وليس معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب. - الله الذي أمر بالتوكل هو الذي أمر باتخاذ الأسباب المشروعة. - من اعتمد قلبه على الله في جلب المنافع ودفع المضار وقرن مع ذلك فعل الأسباب المُستطاعة شرعاً وقدراً فهو المتوكل حقاً. - السنة الكونية هي القانون الإلهي المطَرد الثابت الذي لا يتخلَف إلا لحكمة إلهية بالغة كالمعجزة والكرامة , والله جعل لهذا الكون نواميس وقوانين ينتظم بها وإن كان هو قادراً على خرق هذه النواميس وتلك القوانين , وإن كان لا يخرقها لكل أحد. - كون الله قادراً على الشيء لا يعني أن المسلم قادر عليه أيضاً , فقدرة الله صفة خاصة به وقدرة العبد خاصة به والخلط بين قدرة الله والإيمان بها وقدرة العبد وقيامه بما أمره الله به كثيراً ما يحصل وهو خطأٌ بيَن. • من كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش وأما أن يضره العدو بما يبلغ به مراده فلا يكون إلا لعاقبة حسنة عاجلة أو آجلة أو كلاهما. • الله تعالى إذا حكم لا مرد له ولا معقَب لحكمه فمن قسم الله له نصيباً دنيوياً أو دينياً فلابد له من حصوله ومن لم يقسم الله له ذلك فلا سبيل إليه ألبتة حتى يدخل الجمل في سم الخياط , وطلب الرزق مشروع وما يُفتح بالطلب والكسب يكون من طيب وخبيث وما يُفتح بالتوكل لا يكون إلا طيباً. • من صدق توكله على الله في حصول شيء فناله فإن كان ما ناله محبوباً لله مرضياً كانت له فيه العاقبة المحمودة وإن كان مسخوطاً مبغوضاَ كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه , وإن كان مباحاً حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعته. • المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر بل ربه هو الذي خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه فإذا مسه الله بضر لم يكشفه عنه غيره وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه والعبد المخلوق لا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله.

стр. 62

• إذا توكل العبد على ربه وسلم له وفوض إليه أمره أمده الله بالقوة والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي هي عُرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه. • ارض عن الله في جميع ما يفعله بك فإنه ما منعك إلا ليعطيك ولا ابتلاك إلا ليعافيك ولا أمرضك إلا ليشفيك ولا أصابك إلا ليحييك وكن كما قال القائل أصبحت والسراء والضراء مطيتان على بابي لا أبالي أيهما ركبت. • ينبغي التفويض لمن يعلم عواقب الأمور والرضا بما يقضيه عليك لما ترجوه من حسن عاقبته وألا تقترح على ربك ولا تسأله ما ليس لك به علم فلعل مضرتك فيه وأنت لا تعلم فلا تختار على ربك بل اسأله حسن العاقبة فيما يختاره لك ولربما طمحت نفسك لسبب من الأسباب الدنيوية التي تظن أن بها إدراك بُغيتك فيعلم الله أنها تضرك وتصدك عما ينفعك فيحول الله بينك وبينها فتظل كادحاً للمقدور ولم تدر أن الله قد لطف بك وهو الحليم الغفور. • المسلم إذا علم أن ما قدره الله كائن وأن كل ما ناله من خير أو شر إنما هو بقدر الله وقضاءه هانت عليه المصائب ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة , وقد جعل الله لكل شيء قدراً أي تقديراً وتوقيتاً أو مقداراً. • من يتوكل على الله في دينه ودنياه بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ويثق به في تسهيل ذلك فهو حسبه وكافيه الأمر الذي توكل عليه به ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له , فلذلك قال تعالى في سورة الطلاق بعد أمره بالتوكل إن الله بالغ أمره أي لابد من نفوذ قضائه وقدره ولكنه قد جعل لكل شيء قدراً أي وقتاً ومقداراً لا يتعداه ولا يقصر عنه , فلا يستعجل المسلم النتائج. • من تمام التوكل على الله الصبر على الأذى في سبيله والعاقبة للمتقين. • توكل العبد على الله هو أن يعتمد عليه وأن يثق في قدرته التامة على تدبير الأمور كيف شاء ومتى شاء, وما وقع للأنبياء والأولياء من أنواع الابتلاء ليس هو من ضعف التوكل ولا يدل على نقصه عندهم بل التوكل عقيدة سابقة للمخوف يريدها الله من العبد ومن منافعها أن تكون عوناً له على تحمل ما يحذره ويخافه وما يقع بعد ذلك منه إنما هو ابتلاء وامتحان أو كفارة ورفع درجة تزيد الإيمان والتقوى , والله لا يترك أولياءه إلى أعدائه إلا فترة الإعداد والابتلاء ثم

стр. 63

يُظهرهم على عدوهم وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله وانتظار الفرج من الله عبادة. • من يتوكل على الله فهو حسبه قدراً وشرعاً قدراً باعتبار العاقبة وشرعاً باعتبار الثبات في الأمر من ربط على القلب ونحوه والعزيمة على الرشد , ومن توكل على الله فإن الله يُقدَر له الخير حيث كان وييسره له ويبارك له فيه في دينه ومعاشه وعاقبة أمره ثم يُرضيه به والله يعلم ما هو خير للعبد والعبد لا يعلم ما هو خيرٌ لنفسه. • شبهات وإشكالات وتساؤلات في باب التوكل والقدر: - السؤال الأول: قرأت كثيراً عن التوكل، ولكن عندي شبهات أرجو كشفها، وهي: هل التوكل يرد المقدور؟ وهل التوكل يؤدي إلى وقوع المقدور حسب ما يريد العبد؟ وهل معنى الحسب والكفاية في قوله تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، وقوله: "أليس الله بكاف عبده" أن يقضي الله الخير للعبد حيث كان ثم يُرضيه به، وإن كان في قالب ضراء في نظر العبد القاصر بخفايا الأمور ومآلاتها، وأن تكون العاقبه له ولو بعد حين كما قال تعالى: "والعاقبة للمتقين"؟ وكيف نجمع بين قوله ﵊: "احفظ الله يحفظك"، وقوله تعالى: "والله يعصمك من الناس" وبين أنهُ سُحِرْ وقد شجًََت رباعيته يوم أحد وهناك من أهل العلم من يقول: إنه قتل بالشاة المسمومة؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فالتوكل وغيره من الأسباب الشرعية كالدعاء وتقوى الله تعالى والاستغفار، مما يُستدفع به المقدور المكروه، ويُستجلب به المقدور المحبوب، بل هو من أعظم أسباب ذلك، قال الشيخ حافظ حكمي في معارج القبول: ليس في فعل الأسباب ما ينافي التوكل مع اعتماد القلب على خالق السبب، وليس التوكل بترك الأسباب، بل التوكل من الأسباب وهو أعظمها وأنفعها وأنجحها وأرجحها. اهـ. وفي (زاد المعاد) لابن القيم: القدر يُدفع بعضه ببعض، كما يُدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الذنوب بالتوبة، وقدر العدو بالجهاد، فكلاهما من القدر ... والله يلوم على العجز ويحب الكيس ويأمر به، والكيس هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده، فهذه تفتح عمل الخير, وأما العجز فإنه يفتح عمل الشيطان. اهـ.

стр. 64

وقال في (مدارج السالكين): من صدق توكله على الله في حصول شيء ناله. اهـ. قلتُ من صدق توكله على الله في حصول شيء ناله مالم تكن المصلحة خلافه. ومن الوقائع النبوية في دفع المكروه بصدق التوكل على الله تعالى ما رواه جابر بن عبد الله قال: قاتل رسول الله ﷺ محارب بن خصفة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف فقال: من يمنعك مني؟! قال: الله . فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك , فخلى سبيله فأتى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له. وفي ذلك نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿المائدة: ١١﴾ قال ابن كثير: يعني: من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس وعصمه. اهـ. ومن ذلك أيضا رد النبي ﷺ على أبي بكر حين قال له في الغار أثناء الهجرة: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا , فقال صلوات الله وسلامه عليه: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما. متفق عليه. وفي ذلك نزل قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿التوبة: ٤٠﴾. ويدل على عموم هذا المعنى الآيتان اللتان ذكرهما السائل، قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴿الزمر: ٣٦﴾ قال البغوي يعني: محمدًا ﷺ ، وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي: (عباده) بالجمع يعني: الأنبياء ﵈، قصدهم قومهم بالسوء كما قال: (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه) "غافر: ٥" فكفاهم الله شر من عاداهم. اهـ.

стр. 65

وقوله سبحانه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿الطلاق: ٣﴾ قال العلامة ابن عاشور في (التحرير والتنوير): وجملة ﴿إن الله بالغ أمره﴾ في موضع العلة لجملة ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، أي لا تستبعدوا وقوع ما وعدكم الله حين ترون أسباب ذلك مفقودة، فإن الله إذا وعد وعدا فقد أراده، وإذا أراد الله أمراً يسر أسبابه. ولعل قوله: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ إشارة إلى هذا المعنى، أي علم الله أن يكفي من يتوكل عليه مهمَّه فقدر لذلك أسبابه كما قدر أسباب الأشياء كلها، فلا تشكوا في إنجاز وعده، فإنه إذا أراد أمراً يسر أسبابه من حيث لا يحتسب الناس وتصاريف الله تعالى خفية عجيبة. اهـ. وهنا لابد من التنبيه على أن تحقيق هذا الوعد الكريم لا يعلم كيفيته وموعده إلا الله، فلا يقال: كيف ولا متى؟ ولكن يوقن بذلك وينتظر الفرج ويرضى بتدبير الله له، ولهذا خُتِمت الآية بما ختِمت به، قال السعدي: ﴿فهو حسبه﴾ أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: ﴿إن الله بالغ أمره﴾ أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ أي: وقتا ومقداراً، لا يتعداه ولا يقصر عنه اهـ. ووعود الله الكريمة للمؤمنين تتحقق بالطريقة التي تتفق مع الحكمة من الخلق، وهي الابتلاء والامتحان، والتمييز والتمحيص. وأما الجمع بين قوله تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴿المائدة:٦٧﴾ وحديث: "احفظ الله يحفظك"، وبين ما أصاب النبي ﷺ في بدنه من بلاء، فقال ابن عادل في (اللباب): الجواب أن قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) المراد به عصمة القلب والإيمان لا عصمة الجسد عما يرد عليه من الأمور الحادثة الدنيوية، فإنه ﵇ قد سحر وكسرت رباعيته ورمي عليه الكرش والثرب وآذاه جماعة من قريش اهـ. وقال أحد أهل العلم عن ذات الإشكال: نظراً لشدة عداوة الكفار للنبي ﷺ ، وكثرتهم وقوتهم، وحرصهم على قتله ﷺ والتخلص منه بكل وسيلة اتخذ النبي ﷺ الحرس في بداية الأمر كما تُمليه السنن الكونية والطبيعة البشرية .. فلما نزل عليه قول الله ﵎: وَاللَّهُ

стр. 66

يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴿المائدة: ٦٧﴾. ترك الحرس فلم يصل إليه عدوّ بقتل ولا أسر ولا قهر .. مع كثرة الأعداء وكثرة محاولاتهم، والأمثلة على ذلك كثيرة ثابتة فمنها محاولة عمير بن وهب وصفوان بن أمية، ومحاولة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس، ومحاولة بني قينقاع، ومحاولة اليهودية التي أهدت للنبي ﷺ ذراع الشاة المسمومة، وهي ثابتة في كتب السنة، ولكن الله عصمه من تلك المحاولات ومن غيرها , وقد استشكل بعضهم أن اليهود سحروه ووضعوا له السم وأن قريشاً شجوه وكسروا رباعيته ... ولا إشكال في ذلك، فما أصابه ﷺ من الآلام والأذى ... في سبيل الله إنما هو لرفع درجاته وتعظيم أجره عند الله تعالى، وليتأسى به الدعاة والعلماء المصلحون .. من بعده. فالله ضمن له العصمة والسلامة من القتل والأسر وزوال العقل وتلف الجملة .. حتى يبلغ رسالته ويكمل دينه , وأما عوارض الأذى فلا تمنع عصمة الجملة، ولم تكن تهم النبي ﷺ ، وإنما كان الذي يهمَه هو الخوف من القضاء على شخصه قبل أن يبلغ رسالة ربه , وعندما أكمل الله الدين لعباده وأتم عليهم نعمته بكمال تشريعه وأصبح رجال الإسلام الذين تعهدهم النبي ﷺ بالتربية قادة قادرين على حمل الدين وتبليغه أجرى الله تعالى على نبيه ﷺ سنته الماضية في خلقه، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿آل عمران: ١٨٥﴾. وبدأ النبي ﷺ يحس بأن مهمته في هذه الحياة قد انتهت، وأنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده ... فأشار إلى ذلك في حجة الوداع عندما خطب في تلك الجموع الحاشدة، فبين لهم شرائع الإسلام وأوصاهم وصية مودع .. وقال: لعلي لا ألقاكم في موضعي هذا بعد عامي هذا!. فلم يكن موته ﷺ فجأة ولا بسبب قتل أو اغتيال وإنما كانت موتة طبيعية بسبب الحمى والصداع الذي كان من أسبابه آثار تلك الأكلة المسمومة التي تناولها بخيبر، فلم تؤثر عليه في ذلك الوقت، فقاد الجيوش بعد ذلك ودخل المعارك الكبرى وانتصر فيها، وفاوض الأعداء، واستقبل الوفود، ومارس حياته العادية اليومية بصورة طبيعية حتى وافاه الأجل المحتوم بصورة طبيعية , وتأثير السم عليه بعد ذلك عند نهاية الأجل إنما هو لرفع درجاته وعلو منزلته عند الله تعالى، ولينال بذلك مقام الشهداء, وبهذا نعلم أنه لا تعارض بين عصمة الله تعالى لنبيه ﷺ ، وبين ما لقيه ﷺ من الأذى.

стр. 67

وقال الشيخ ابن باز عن نفس هذا الإشكال ما يلي: لم يترتب على ذلك شيء مما يضر الناس أو يُخل بالرسالة أو بالوحي، والله جل وعلا عصمه من الناس مما يمنع وصول الرسالة وتبليغها، أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء فإنه لم يعصم منه ﵊, بل أصابه شيء من ذلك, فقد جرح يوم أحد, وكسرت البيضة على رأسه, ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر, وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك, وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقا شديداً, فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل, ومما كتبه الله عليه, ورفع الله به درجاته, وأعلى به مقامه, وضاعف به حسناته, ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله ولا منعه من تبليغ الرسالة, ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ . اهـ. والله أعلم. وأما ما وقع للأنبياء والأولياء من أنواع الابتلاء فلا يُقال أنه من ضعف التوكل، ولا يدل على نقصه عندهم؛ بل التوكل عقيدة سابقة للمخوف يريدها الله من العبد، ومن منافعها أن تكون عونا له على تحمل ما يحذره ويخافه، وما يقع بعد ذلك منه إنما هو ابتلاء وامتحان، أو كفارة ورفع درجة، تزيد الإيمان والتقوى؛ قال تعالى: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما". وللعلم حفظ الله للعبد ليس المراد به حفظه في بدنه وأهله وماله فحسب بل يشمل حفظ دينه وحفظه من الزيغ والضلال بعد الهداية والإسلام والله أعلم. - السؤال الثاني: هل التوكل يُنافي الأخذ بالأسباب؟ التوكل على الله لا يُعارض فعل الأسباب؛ ولا ينافيها؛ قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ"، وقال سبحانه: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ"، وقد دلت السنة على ذلك. فالأخذ بالأسباب من صدق التوكل، وصحة الدين، وسلامة المعتقد، وقوة اليقين، لكن الأخذ بالأسباب يكون دون الاعتماد عليها وحدها، ونسيان المسبب وهو الله سبحانه، فاعتماد المرء على الأسباب وحدها خلل في عقيدته، وترك أخذه بالأسباب خلل في عقله، وقد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب وهذا ظن الجهال، فليس من شرط التوكل ترك مباشرة الأسباب الدافعة للضرر , والرافعة للظلم، بل الواجب السعي لإزالة الضرر وجلب المصالح، قال الله تعالى لرسوله ﷺ : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 68

الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: من الآية١٥٩]. فأمره بالأخذ بالأسباب، وهي هنا الاستشارة في الأمور وتقليب النظر فيها، فإذا اطمأن قلبه وعزمت نفسه عليه توكل على الله في فعل ذلك، فهذا سيد المتوكلين رسول الله ﷺ ما أخل بشيء من الأسباب ... ظاهر بين درعين يوم أحد ولم يحضر الصف قط عرياناً، واستأجر دليلاً مشركاً يدله على طريق الهجرة، وكان يدَخر لأهله قوت سنة، وإذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد، فالواجب على المسلمين أن يفهموا التوكل كما فهمه رسول الله ﷺ . وخلاصة القول أن سنة الله جارية في إعمال الأسباب مع التوكل، كما قال النبي ﷺ : احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. رواه مسلم. ومن أمثلة القرآن على ذلك قول يعقوب ﵇ لبنيه: يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿يوسف: ٦٧﴾ قال السعدي: ذلك أنه خاف عليهم العين، لكثرتهم وبهاء منظرهم، لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب. ﴿وَ﴾ إلا فـ ﴿مَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فالمُقدَر لا بد أن يكون، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ أي: القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بد أن يقع، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصيتكم به من السبب، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإن بالتوكل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب. اهـ. وترك الأسباب واعتقاد تعارضها مع التوكل على الله هو من مكائد الشطان كما روى ابن أبي الدنيا في كتاب مكائد الشيطان): أن عيسى ﵊ كان يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم. قال: ألق نفسك من الجبل وقل: قُدَر علي. قال: يالعين! الله يختبر العباد، وليس للعباد أن يختبروا الله . اهـ. وقد نقل ذلك ابن الجوزي في تلبيس إبليس وقال: ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب , وقلبه ساكن مفوض إلى الحق منع أو أعطى؛ لأن لا يرى إلا أن الحق لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة، فمنعه عطاء في المعنى، وكم زين للعجزة عجزهم وسولت لهم أنفسهم أن التفريط توكل، فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة، ومتى وُضِعت أسباب فأهملت كان ذلك جهلاً بحكمة الواضع، مثل وضع الطعام سببا للشبع والماء للري والدواء للمرض

стр. 69

، فإذا ترك الإنسان ذلك إهواناً بالسبب، ثم دعا وسأل، فربما قيل له: قد جعلنا لعافيتك سبباً فإذا لم تتناوله كان إهواناً لعطائنا، فربما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب , وما هذا إلا بمثابة من بين قراحه أي مزرعته وماء الساقية رفسه بمسحاة، فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر، فإنه لا يستحسن منه ذلك شرعاً ولا عقلاً اهـ. قال ابن مفلح في الآداب: قال الشيخ تقي الدين ﵀ الله هو الذي خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التي يقدرها، فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ، والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغير ذلك ما يشاء. ا. هـ وقال أيضاً: وقال أحمد للميموني: استغن عن الناس، فلم أر مثل الغني عن الناس، وقال رجل للفضيل بن عياض ﵀ لو أن رجلاً قعد في بيته وزعم أنه يثق بالله فيأتيه برزقه، قال: إذا وثق به حتى يعلم أنه وثق به لم يمنعه شيئاً أراده، ولكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غيرهم، وقد الله تعالى: وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (الجمعة: من الآية١٠، ولا بد من طلب المعيشة. ا. هـ وقال ابن العربي في أحكام القرآن، عند تفسير قوله تعالى: وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك. قال: فيها جواز التعلق بالأسباب، وإن كان اليقين حاصلاً، لأن الأمور بيد مسببها، ولكنه جعلها سلسلة، وركب بعضها على بعض، فتحريكها سنة، والتعويل على المنتهى يعني القدر يقين، والذي يدلك على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان، كما جرى لموسى ﷺ في لقاء الخضر، وهذا بين فتأملوه. ا. هـ. والمقصود أن تعلق القلب بالله تعالى لا يتعارض مع تعلق البدن بالأسباب , وأن حقيقة التوكل هي عمل القلب وعلمه، فعمل القلب الاعتماد على الله والثقة به، وعلمه معرفته بتوحيد الله سبحانه بالنفع والضر. وعمل القلب لا بد أن يؤثر في عمل الجوارح والذي هو الأخذ بالأسباب، فمن ترك العمل -أي الأخذ بالأسباب-فهو العاجز المتواكل الذي يستحق من العقلاء التوبيخ والتهجين، ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرَز والأخذ بالأسباب، قال الله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ﴿آل عمران:١٥٩﴾، وقد قال عليه

стр. 70

الصلاة والسلام للذي سأله: يا رسول الله أعقلها -أي الناقة- وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟! قال: اعقلها وتوكل. رواه الترمذي وحسنه الألباني. فمن كان توكله صحيحاً أخذ بالأسباب. أما حكم الأخذ بالأسباب على التعيين فهو يختلف باختلاف المسبب المطلوب إيجاده، فقد يكون الأخذ بالأسباب واجباً، وذلك إذا كان فعله لتحصيل واجب، كتحصيل أسباب الواجبات الشرعية كالعلم بأحكام الصلاة والصيام ونحوهما من الواجبات، وقد يكون الأخذ بالأسباب حراماً، وذلك إذا كان السبب المطلوب فعله يؤدي إلى حرام، كالأسباب المفضية إلى الزنا وشرب الخمر ونحوهما، وهكذا يكون الأخذ بالأسباب مكروها ومستحباً بحسب ما يفضي إليه، وبهذا يُعلم أن الأخذ بالأسباب مُختلف المراتب من جهة الحكم، وأنه لا يتنافى مع الإيمان بالقدر ولا التوكل ولا الثقة في الله تعالى. - السؤال الثالث: هل الإيمان بالقدر يعني التخلي عن الأسباب؟ وهل التوكل على الله تحصيل حاصل؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فلقد غاب عن ذهن الأخ السائل أن الإيمان بالقدر لا يعني التخلي عن الأسباب، بل إن وقوع المسببات على حسب أسبابها هو من قدر الله تعالى. فمع إيماننا بأن الله بيده كل شيء، وأنه قدرّ كل شيء، فنحن مأمورون من قبل الله بالأخذ بالأسباب، ونؤمن بأن هذه الأسباب لا تُعطي النتائج إلا بإذن الله. ويجمع ذلك عبارة ابن تيمية حيث يقول: فالالتفات إلى الأسباب، واعتبارها مؤثرة في المسببات شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع. ا. هـ مجموع الفتاوى٨/ ٥٢٨. ويقول شارح العقيدة الطحاوية: قد يظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب، وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب، وهذا فاسد، فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين يلبس لأمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب. وقال ابن القيم: فلا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، وإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد من هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً. زاد المعاد ٣/ ٦٧. والحاصل أن تعاطي العبد للأسباب النافعة، سواء في الزواج، أو في الرزق، أو

стр. 71

في الدراسة، أو في العلاج داخل في الإيمان بالقدر، ولا ينافيه، وإنما هو مقتضى من مقتضياته، وبغير هذا الفهم للقدر تبطل الحكمة، وتتعطل السنن، وتفسد مصالح الناس. وحاصل الأمر أن الإيمان بالقدر على الوجه الشرعي لا يتنافى مع التوكل على الله ، والأخذ بالأسباب، وقد قال رسول الله ﷺ ، للأعرابي: اعقلها وتوكل على الله , وأمر بالتداوي كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة صحيحة. وقال ابن القيم: لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، والأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله تعالى، والذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج. - السؤال الرابع: هل التداوي مشروع وهل هو يُنافي التوكل على الله؟ التداوي مشروع ولا ينافي التوكل على الله تعالى، بل يُستحب كما حكاه النووي في شرحه على مسلم عن جماهير السلف والخلف. وأما التداوي بالمُحرَم فحرام، وأما التداوي بالمكروه فالأولى تركه، وللعلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب كلام جيد في هذا الموضوع في كتابه (شرح كتاب التوحيد) عند شرحه لحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب الذين قال عنهم النبي ﷺ : "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". متفق عليه. قال رحمه الله تعالى: واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يُباشرون الأسباب - أصلاً - كما يظنه الجهلة، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه، حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:٣. أي كافيه. إنما المُراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلاً على الله، كالاسترقاء والاكتواء، فتركهم له ليس لكونه سبباً، لكن لكونه سبباً مكروهاً، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سبباً لشفائه بخيط العنكبوت. أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهية فيه فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعاً، كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء". وعن أسامة بن شريك قال: "كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: نعم، يا عباد الله تداووا فإن الله لم

стр. 72

يضع داءاً إلا وضع له شفاء غير داء واحد. قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" رواه أحمد. قال ابن القيم: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح بمباشرته في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلاً للأمر والحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً. ا. هـ. وعلى ضوء ما سبق، فتناول الأدوية المباحة لدفع الأمراض لا ينافي العقيدة ولا التوكل، بل هو أمر مطلوب والله أعلم. - السؤال الخامس: الله وعد عباده المؤمنين بكثير من الوعود في الحياة الدنيا ولا نراها تتحقق فما تأويل ذلك؟ وعود الله الكريمة للمؤمنين لا بد أن تحصل وتتحقق، ولكن بطريقة تتفق مع الحكمة من الخلق، التي هي ابتلاء بمعنى الامتحان والاختبار، فقد خلق الله تعالى الإنسان ليمتحنه ويختبره، كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿الملك:٢﴾، وقال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿العنكبوت:٢ - ٣﴾، وقال : مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿آل عمران:١٧٩﴾، وهذا الامتحان يكون بالأحكام الشرعية كالأوامر والنواهي، ويكون كذلك بالأحكام القدرية سواء ما نكره منها كالمصائب والشدائد، أو ما نحب كالأموال والأولاد، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿الأنبياء:٣٥﴾، ومن ذلك ابتلاء الله لخليله إبراهيم ﵇ بأمره بذبح ولده بعدما بلغ معه السعي، فقد عقب الله تعالى على ذلك بقوله: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ ﴿الصافات:١٠٦﴾، قال الطبري: إن أمرنا إياك يا إبراهيم بذبح ابنك لهو البلاء، يقول: لهو الاختبار الذي يبين لمن فكر فيه أنه بلاء شديد ومحنة عظيمة. انتهى. وقد ابتلاه الله أيضاً بالإلقاء في النار وبتسليط جبار من الجبابرة على امرأته سارة، وبوضع امرأته هاجر وابنه إسماعيل في واد غير ذي زرع ولا ماء، وغير ذلك. ولكن الله نجاه وحفظه وأهل بيته، وأجزل له المثوبة في الدنيا مع ما ينتظره من ثواب الآخرة، قال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ* وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ

стр. 73

مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿النحل:١٢٠ ... ١٢٣﴾، فصار إبراهيم ﵇ مثلاُ يلزم الاقتداء به، ومثالاً ينبغي القياس عليه، فالجزاء من جنس العمل، فكل من أحسن في عبادة الله كان جزاؤه عند الله الإحسان، كما قال تعالى: هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴿الرحمن:٦٠﴾، وقال سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿الزمر:١٠﴾، وقال : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴿النجم:٣١﴾، فمن استجاب لأمر الله وصبر على امتحانه واستقام على أمره نال في الدنيا الحياة الطيبة، وفاز في الآخرة بالنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، كما حصل للصحابة الكرام ﵃ في غزوة حمراء الأسد بعد غزوة أحد وما كان فيها من البلاء المبين والقرح الشديد، قال تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ* الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿آل عمران:١٧٢ - ١٧٣ - ١٧٤﴾. فللبلاء في حق المؤمنين طعم آخر، حتى إن خواصهم ليفرحون بالبلاء كما يفرح غيرهم بالعطاء، مع ما يُدَخر لهم في الآخرة من الأجر المُضاعف، كما قال أبو سعيد الخدري: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر. قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء. رواه ابن ماجه. وصححه الحاكم والبوصيري والألباني. فإذا كان هذا البلاء في ذات الله تعالى ونصرة لدين الله فهو أحب إليهم وأيسر عليهم، كما قال تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿الأحزاب:٢٢﴾، وقال أيضاً: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿آل عمران:١٤٦﴾. وأما غير المؤمن القوي الموفق فإنه إذا امتُحن فقد يخسر دينه ودنياه والعياذ بالله، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿الحج:١١﴾. وقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ* وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴿العنكبوت:١٠ - ١١﴾. ثم اعلم أخي الكريم أن الإنسان لا يستطيع الإحاطة بحكمة الله في قضائه وقدره، ولذلك قال تعالى: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ

стр. 74

شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴿البقرة:٢١٦﴾، فعلى المؤمن أن يصبر ويرضى بأمر الله تعالى، وأن يُبصر الرحمة من خلال البلاء، فقد قال ﷺ : إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجه وحسنه الألباني. واعلم أخي أن وعود الله متحققة لا محالة لمن أقام شرطها قال تعالى (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) (التوبة: من الآية١١١) وقال أيضاً "وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ" (الرعد: من الآية٣١) فعلى المسلم أن يُحسن الظن بربه وخاصة تجاه وعوده الكريمة ولماذا نسيء الظن بربنا وقد علمنا أنه لا يُخلف وعده ولِمَ نتشاءم، والله تعالى يقول: "أنا عند ظن عبدي بي" فمن أحسن الظن به أعانه وبلغه مُراده، ومن أساء بالله الظن لن يعطيه الله تعالى إلا ظنه، وقد استوجب مسيئو الظن بالله غضبه ولعنته قال الله تعالى: "الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً" (الفتح: من الآية٦). وإن من أسماء الله تعالى البر الرحيم الودود العزيز اللطيف وغيرها من الأسماء الحسنى، فربٌ هذه أسماؤه وتلك صفاته يُظن به ظن السوء؟ والله ما قدرنا الله حق قدره، وما عرفناه حق معرفته، فالمتأمل في الأسماء الحسنى للخالق تعالى لن يجد بُداً من التفاؤل وحسن الظن به والثقة بما عنده من الخير والعطاء الجزيل. وحسن الظن بالله من العبادات الجليلة، والطاعات القلبية العظيمة التي تدل على حب العبد لربه وتصديقه بوعده وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج/٤٧]. والسبب الكبير في ضعف اليقين تجاه الوعود الربانية، هو: التعلق بالدنيا، والركون إليها، ولهذا فإنك لو تأملتَ لوجدت أن أضعف الناس يقيناً بموعود الله هم أهل الدنيا، الراكنين إليها، وأقواهم يقيناً هم العلماء الربانيون، وأهل الآخرة، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. قال تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦، ٧] ولا يُشكل على هذا ما يمر على القارئ من آيات قد يُفهم منها أن فيها نوعاً من التردد في تصديق وعد الله، أو الشك في ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وكقوله : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠]، فإن هذه الآيات إنما تحكي حالةً عارضة تمر بالإنسان ـ بسبب ضعفه حيناً، وبسبب استعجاله أحياناً ـ وليست حالةً دائمةً، وإذا كان الشك في موعود الله لا يصح أن ينسب إلى آحاد المؤمنين، فهو من الأنبياء والمرسلين أبعد وأبعد، ولكن ـ ولحكمة بالغة ـ جاءت هذه الآيات لتطمئن المؤمنين من هذه الأمة أن حالات

стр. 75

اليأس التي قد تعرض للعبد مجرد عرْض بسبب شدة وطأة أهل الباطل، أو تسلط الكفار، فإنها لا تؤثر على إيمانه، ولا تقدح في صدقه وتصديقه؛ ولهذا ـ والله تعالى أعلم ـ يأتي مثل هذا التثبيت في بعض الأحوال التي تعترض نفوس أهل الإيمان فترة نزول الوحي، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٢، ٤٧]. والمؤمن ليس من شأنه أن يقترح أجلاً لإهلاك الكفار، أو موعداً لنصرة الإسلام، أو غيرِ ذلك من الوعود التي يقرأها في النصوص الشرعية، ولكن من شأنه أن يسعى في نصرة دينه بما يستطيع، وأن لا يظل ينتظر مُضي السنن، فإن الله لم يتعبدنا بهذا ولا يغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم، وعليه أن يفتش في مقدار تحققه بالشروط التي ربطت بها تلك الوعود، فإذا قرأ ـ مثلاً ـ قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] فعليه هنا أن يفتش عن أسباب النصر التي أمر الله بها هل تحققت فيه فرداً أو في الأمة على سبيل المجموع؛ ليدرك الجواب على هذا السؤال: لماذا لا تنتصر الأمة على أعدائها؟!. - السؤال السادس: هل تعسر بعض الأمور يدل على أن الله لا يُحب إتمامها ولو كانت حقاً؟ تعسر بعض الأمور لا يعني بالضرورة أن الله لا يُحب إتمامها فالمؤمن مُطالب بالأخذ بالأسباب المشروعة والمباحة مع التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، والحرص على ما ينفعه، ثم إذا لم يوفق بعد ذلك في أمر من الأمور، فلا يتأسف أو يتحسر على ما فات بل يؤمن بقضاء الله وقدره ويقول: قدر الله وما شاء فعل. وهذا ما أرشد إليه النبي ﷺ . ويحدث في أحيان كثيرة أن تتعلق النفس بأشياء وقد لا يكون الخير فيها، فيصرفها الله برحمته وحسن تدبيره للعبد، وبعض الناس لقصر نظرهم لا يشعرون أن النعمة في المنع أحياناً تكون أعظم مما تكون في العطاء، وقد قال سبحانه: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ﴿البقرة: ٢١٦﴾. قال الشيخ ابن سعدي في تفسير الآية: الغالب على العبد المؤمن، أنه إذا أحب أمراً من الأمور، فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له، فالأوفق له في ذلك، أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع، لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه كما قال تعالى: "وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" , فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم. انتهى. ثم المؤمن كذلك يعلم أنه مهما أخذ بالأسباب وبالغ في الجهد فهناك
следующие страницы →