Полный текст (130 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
في الدراسة، أو في العلاج داخل في الإيمان بالقدر، ولا ينافيه، وإنما هو مقتضى من مقتضياته، وبغير هذا الفهم للقدر تبطل الحكمة، وتتعطل السنن، وتفسد مصالح الناس.
وحاصل الأمر أن الإيمان بالقدر على الوجه الشرعي لا يتنافى مع التوكل على الله ، والأخذ بالأسباب، وقد قال رسول الله ﷺ ، للأعرابي: اعقلها وتوكل على الله , وأمر بالتداوي كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة صحيحة.
وقال ابن القيم: لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، والأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله تعالى، والذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج.
- السؤال الرابع: هل التداوي مشروع وهل هو يُنافي التوكل على الله؟
التداوي مشروع ولا ينافي التوكل على الله تعالى، بل يُستحب كما حكاه النووي في شرحه على مسلم عن جماهير السلف والخلف.
وأما التداوي بالمُحرَم فحرام، وأما التداوي بالمكروه فالأولى تركه، وللعلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب كلام جيد في هذا الموضوع في كتابه (شرح كتاب التوحيد) عند شرحه لحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب الذين قال عنهم النبي ﷺ : "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". متفق عليه.
قال رحمه الله تعالى: واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يُباشرون الأسباب - أصلاً - كما يظنه الجهلة، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه، حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:٣. أي كافيه.
إنما المُراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلاً على الله، كالاسترقاء والاكتواء، فتركهم له ليس لكونه سبباً، لكن لكونه سبباً مكروهاً، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سبباً لشفائه بخيط العنكبوت.
أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهية فيه فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعاً، كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء".
وعن أسامة بن شريك قال: "كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: نعم، يا عباد الله تداووا فإن الله لم
стр. 72
يضع داءاً إلا وضع له شفاء غير داء واحد. قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" رواه أحمد. قال ابن القيم: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح بمباشرته في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلاً للأمر والحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً. ا. هـ.
وعلى ضوء ما سبق، فتناول الأدوية المباحة لدفع الأمراض لا ينافي العقيدة ولا التوكل، بل هو أمر مطلوب والله أعلم.
- السؤال الخامس: الله وعد عباده المؤمنين بكثير من الوعود في
الحياة الدنيا ولا نراها تتحقق فما تأويل ذلك؟
وعود الله الكريمة للمؤمنين لا بد أن تحصل وتتحقق، ولكن بطريقة تتفق مع الحكمة من الخلق، التي هي ابتلاء بمعنى الامتحان والاختبار، فقد خلق الله تعالى الإنسان ليمتحنه ويختبره، كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿الملك:٢﴾، وقال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿العنكبوت:٢ - ٣﴾، وقال : مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿آل عمران:١٧٩﴾، وهذا الامتحان يكون بالأحكام الشرعية كالأوامر والنواهي، ويكون كذلك بالأحكام القدرية سواء ما نكره منها كالمصائب والشدائد، أو ما نحب كالأموال والأولاد، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿الأنبياء:٣٥﴾، ومن ذلك ابتلاء الله لخليله إبراهيم ﵇ بأمره بذبح ولده بعدما بلغ معه السعي، فقد عقب الله تعالى على ذلك بقوله: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ ﴿الصافات:١٠٦﴾، قال الطبري: إن أمرنا إياك يا إبراهيم بذبح ابنك لهو البلاء، يقول: لهو الاختبار الذي يبين لمن فكر فيه أنه بلاء شديد ومحنة عظيمة. انتهى.
وقد ابتلاه الله أيضاً بالإلقاء في النار وبتسليط جبار من الجبابرة على امرأته سارة، وبوضع امرأته هاجر وابنه إسماعيل في واد غير ذي زرع ولا ماء، وغير ذلك. ولكن الله نجاه وحفظه وأهل بيته، وأجزل له المثوبة في الدنيا مع ما ينتظره من ثواب الآخرة، قال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ* وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ
стр. 73
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿النحل:١٢٠ ... ١٢٣﴾، فصار إبراهيم ﵇ مثلاُ يلزم الاقتداء به، ومثالاً ينبغي القياس عليه، فالجزاء من جنس العمل، فكل من أحسن في عبادة الله كان جزاؤه عند الله الإحسان، كما قال تعالى: هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴿الرحمن:٦٠﴾، وقال سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿الزمر:١٠﴾، وقال : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴿النجم:٣١﴾، فمن استجاب لأمر الله وصبر على امتحانه واستقام على أمره نال في الدنيا الحياة الطيبة، وفاز في الآخرة بالنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، كما حصل للصحابة الكرام ﵃ في غزوة حمراء الأسد بعد غزوة أحد وما كان فيها من البلاء المبين والقرح الشديد، قال تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ* الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿آل عمران:١٧٢ - ١٧٣ - ١٧٤﴾.
فللبلاء في حق المؤمنين طعم آخر، حتى إن خواصهم ليفرحون بالبلاء كما يفرح غيرهم بالعطاء، مع ما يُدَخر لهم في الآخرة من الأجر المُضاعف، كما قال أبو سعيد الخدري: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر. قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء. رواه ابن ماجه. وصححه الحاكم والبوصيري والألباني.
فإذا كان هذا البلاء في ذات الله تعالى ونصرة لدين الله فهو أحب إليهم وأيسر عليهم، كما قال تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿الأحزاب:٢٢﴾، وقال أيضاً: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿آل عمران:١٤٦﴾.
وأما غير المؤمن القوي الموفق فإنه إذا امتُحن فقد يخسر دينه ودنياه والعياذ بالله، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿الحج:١١﴾.
وقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ* وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴿العنكبوت:١٠ - ١١﴾. ثم اعلم أخي الكريم أن الإنسان لا يستطيع الإحاطة بحكمة الله في قضائه وقدره، ولذلك قال تعالى: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ
стр. 74
شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴿البقرة:٢١٦﴾، فعلى المؤمن أن يصبر ويرضى بأمر الله تعالى، وأن يُبصر الرحمة من خلال البلاء، فقد قال ﷺ : إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجه وحسنه الألباني.
واعلم أخي أن وعود الله متحققة لا محالة لمن أقام شرطها قال تعالى (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) (التوبة: من الآية١١١) وقال أيضاً "وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ" (الرعد: من الآية٣١) فعلى المسلم أن يُحسن الظن بربه وخاصة تجاه وعوده الكريمة ولماذا نسيء الظن بربنا وقد علمنا أنه لا يُخلف وعده ولِمَ نتشاءم، والله تعالى يقول: "أنا عند ظن عبدي بي" فمن أحسن الظن به أعانه وبلغه مُراده، ومن أساء بالله الظن لن يعطيه الله تعالى إلا ظنه، وقد استوجب مسيئو الظن بالله غضبه ولعنته قال الله تعالى: "الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً" (الفتح: من الآية٦).
وإن من أسماء الله تعالى البر الرحيم الودود العزيز اللطيف وغيرها من الأسماء الحسنى، فربٌ هذه أسماؤه وتلك صفاته يُظن به ظن السوء؟ والله ما قدرنا الله حق قدره، وما عرفناه حق معرفته، فالمتأمل في الأسماء الحسنى للخالق تعالى لن يجد بُداً من التفاؤل وحسن الظن به والثقة بما عنده من الخير والعطاء الجزيل.
وحسن الظن بالله من العبادات الجليلة، والطاعات القلبية العظيمة التي تدل على حب العبد لربه وتصديقه بوعده وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج/٤٧]. والسبب الكبير في ضعف اليقين تجاه الوعود الربانية، هو: التعلق بالدنيا، والركون إليها، ولهذا فإنك لو تأملتَ لوجدت أن أضعف الناس يقيناً بموعود الله هم أهل الدنيا، الراكنين إليها، وأقواهم يقيناً هم العلماء الربانيون، وأهل الآخرة، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. قال تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦، ٧]
ولا يُشكل على هذا ما يمر على القارئ من آيات قد يُفهم منها أن فيها نوعاً من التردد في تصديق وعد الله، أو الشك في ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وكقوله : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠]، فإن هذه الآيات إنما تحكي حالةً عارضة تمر بالإنسان ـ بسبب ضعفه حيناً، وبسبب استعجاله أحياناً ـ وليست حالةً دائمةً، وإذا كان الشك في موعود الله لا يصح أن ينسب إلى آحاد المؤمنين، فهو من الأنبياء والمرسلين أبعد وأبعد، ولكن ـ ولحكمة بالغة ـ جاءت هذه الآيات لتطمئن المؤمنين من هذه الأمة أن حالات
стр. 75
اليأس التي قد تعرض للعبد مجرد عرْض بسبب شدة وطأة أهل الباطل، أو تسلط الكفار، فإنها لا تؤثر على إيمانه، ولا تقدح في صدقه وتصديقه؛ ولهذا ـ والله تعالى أعلم ـ يأتي مثل هذا التثبيت في بعض الأحوال التي تعترض نفوس أهل الإيمان فترة نزول الوحي، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٢، ٤٧].
والمؤمن ليس من شأنه أن يقترح أجلاً لإهلاك الكفار، أو موعداً لنصرة الإسلام، أو غيرِ ذلك من الوعود التي يقرأها في النصوص الشرعية، ولكن من شأنه أن يسعى في نصرة دينه بما يستطيع، وأن لا يظل ينتظر مُضي السنن، فإن الله لم يتعبدنا بهذا ولا يغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم، وعليه أن يفتش في مقدار تحققه بالشروط التي ربطت بها تلك الوعود، فإذا قرأ ـ مثلاً ـ قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] فعليه هنا أن يفتش عن أسباب النصر التي أمر الله بها هل تحققت فيه فرداً أو في الأمة على سبيل المجموع؛ ليدرك الجواب على هذا السؤال: لماذا لا تنتصر الأمة على أعدائها؟!.
- السؤال السادس: هل تعسر بعض الأمور يدل على أن الله لا يُحب إتمامها
ولو كانت حقاً؟
تعسر بعض الأمور لا يعني بالضرورة أن الله لا يُحب إتمامها فالمؤمن مُطالب بالأخذ بالأسباب المشروعة والمباحة مع التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، والحرص على ما ينفعه، ثم إذا لم يوفق بعد ذلك في أمر من الأمور، فلا يتأسف أو يتحسر على ما فات بل يؤمن بقضاء الله وقدره ويقول: قدر الله وما شاء فعل. وهذا ما أرشد إليه النبي ﷺ .
ويحدث في أحيان كثيرة أن تتعلق النفس بأشياء وقد لا يكون الخير فيها، فيصرفها الله برحمته وحسن تدبيره للعبد، وبعض الناس لقصر نظرهم لا يشعرون أن النعمة في المنع أحياناً تكون أعظم مما تكون في العطاء، وقد قال سبحانه: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ﴿البقرة: ٢١٦﴾.
قال الشيخ ابن سعدي في تفسير الآية: الغالب على العبد المؤمن، أنه إذا أحب أمراً من الأمور، فقيض الله له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له، فالأوفق له في ذلك، أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع، لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه كما قال تعالى: "وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" , فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم. انتهى. ثم المؤمن كذلك يعلم أنه مهما أخذ بالأسباب وبالغ في الجهد فهناك
стр. 76
قدر مكتوب، كما قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. ﴿الحديد:٢٢﴾.
ونحن نأخذ بالأسباب مع التوكل على الله؛ لأن ذلك هو واجبنا، فأما ما جرت به المقادير مما هو مكتوب لنا فهذا غيب لا نعلمه إلا بعد وقوعه، وعندها يجب الصبر على القضاء، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ في قوله: "وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَل"َ.
وأما وجود العوائق فلا يعني بالضرورة أن هذا علامة من الله بعدم محبة إتمام الأمر، بل قد يكون للامتحان , والمعيار في معرفة ما يُحب الله وما يكره هو معرفة شرعه وحدود ما أنزل على رسوله الكريم وعليك بالتوكل على الله والسعي وتسليم الأمر إلى الله، فإذا لم يحدث هذا الأمر لك فحينها تعلم أنه ليس مُقدراً لك حصوله.
- السؤال السابع: هل هنالك تعارض بين إحساس العبد بالتقصير وحسن ظنه
بربه حين يتوكل عليه؟
لا منافاة بين إحساس العبد بالتقصير وحسن ظنه بربه حين يتوكل عليه وليس ثم إشكال أصلا حتى يُطلب رفعه، فإن التوكل على الله والثقة به تحصل لمن كمل إيمانه وتصديقه بما أخبر الله به، وأنه يكفي من توكل عليه ويكون حسب من التجأ إليه، وبقدر كمال العلم بأسماء الرب عزوجل الحسنى وصفاته العلا تكون ثقته بربه ﵎.
فمن علم وأيقن أن الله تعالى أرحم بعبده من الأم بولدها، وعلم أنه تعالى هو الغني الحميد الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه تعالى هو الأعلم بمصالح العبد، وأنه هو القادر على سوقها إليه أقبل بقلبه على ربه ولم يكن له تعلق بسواه، وكان حسن الظن به واثقا بما في يده تعالى، وإن كان يعلم من نفسه التقصير والتفريط والعجز، فالتوكل على الله والوثوق به ينبعث في القلب من مطالعة أسماء الرب وصفاته، فمن كان بالله وصفاته أعلم كان توكله أتم وأكمل , يقول ابن القيم ﵀: وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب , والقيام بمصالح العباد, وسوق أرزاقهم إليهم, ودفع المصائب عنهم ونصره لأوليائه, وحمايته لهم, ومعيته الخاصة لهم, انبعثت من العبد قوة ليتوكل عليه, والتفويض إليه والرضا به في كل ما يُجريه على عبده, ويقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه، والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله, وحسن اختياره لعبده, وثقته به, ورضاه بما يفعله ويختاره له. انتهى.
وليس بين هذا وبين شعور العبد بالتقصير والتفريط تنافٍ ألبتة, فإن العبد يسير إلى الله تعالى بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل , بل إن افتقار العبد لله وشعوره بالذل والانكسار واستحضاره أنه لا حول له ولا قوة من دون الله وأنه لا يملك لنفسه شيئا وافتقاره إلى الله تعالى في جلب مصالحه ودفع المضار عنه من أعظم الأسباب الجالبة لكفاية الرب تعالى لعبده وجبره كسره وإقالة عثرته,
стр. 77
يقول ابن القيم ﵀: فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت وأن لا يرى نفسه إلا مفلساً، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلق به ولا وسيلة منه يمن بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف والإفلاس المحض دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته وشهد ضرورته إلى ربه وكمال فاقته وفقره إليه وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه ﵎ وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تُجبر إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته , ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية ولا حجاب أغلظ من الدعوى ... انتهى. والله أعلم.
- السؤال الثامن: ما حكم الثقة بالنفس وهل تتنافى الثقة بالنفس مع اتهام
السلف لأنفسهم بالتقصير ومع التواضع المشروع؟
الثقة بالنفس بعد التوكل على الله مطلوبة شرعاً، فالمسلم يتعين عليه أن يُحسن الظن بالله تعالى، وأن يتفاءل لنفسه الخير والنجاح دائماً، ويسعى باستمرار في سبيل الارتقاء لتحصيل الكمال، ويستخدم لذلك فكره وطاقته، ويبذل جهده وما تيسر له من الوسائل في تحقيق طموحاته والوصول إلى أهدافه، فقد قال الله تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ﴿آل عمران: ١٥٩﴾.
وفي حديث الصحيحين: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي.
وفي رواية لأحمد: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيراً فله، وإن ظن بي شراً فله.
وفي حديث مسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل).
وأما عدم الثقة بالنفس: فهو نوع من العجز لا يرتضيه الإسلام، فإن النبي ﷺ كان يتعوذ من العجز، يقول ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي، وقضى عني ديني. رواه الترمذي وحسنه.
وإذا كان عدم الثقة بالنفس خلقا ذميما، فهو ليس مرادفا للتواضع ولا مظهرا من مظاهره، لأن التواضع خلق محمود، وهو لا ينافي الثقة بالنفس، ويكفي دلالة على ذلك ما كان عليه رسول الله ﷺ ، فقد كان متواضعا مع شجاعة وإقدام وتوكل على الله في كل ما هو من أمور الخير.
ولا بأس بالنظر في عواقب الأمور، ووضع احتمال الإخفاق في أمرٍ ما، والنظر في العلاج لما يمكن حصوله، فيحذر من أسباب الفشل ويحاول إصلاح ما فسد، وأما الاتهام للنفس الذي كان يفعله السلف فهو اتهامهم أنفسهم بعدم الوصول
стр. 78
للإيمان المطلوب وخوفهم على أنفسهم من النفاق، ولكنهم إذا أرادوا أمراً توجهوا له بعزم وجد وتوكل على الله في إنجاح وتحقيق مآربهم وهذا هو التوكل الذي عرفه العلماء بمباشرة الأسباب مع استشعار أنها لا تؤثر إلا بإذن الله، كما في الحديث: قيدها وتوكل. رواه الحاكم وجود إسناده الذهبي وحسنه الألباني.
وفي رواية: اعقلها وتوكل. رواه ابن حبان والترمذي وحسنه الألباني.
(المعلم السادس عشر: مالا يسع العابد والناسك جهله)
• التقوى هي العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله.
• الله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين والله يريد
العبد لمنفعة نفسه والخلق يريدون العبد لمنفعة أنفسهم والله غني حميد.
• ينبغي للمسلم التفكر بالمخلوق وعدم التفكير في الخالق لأن التفكير مبناه على
القياس والخالق ﷻ ليس له شبيه ولا نظير.
• شروط قبول العمل الصالح عند الله هي: الإسلام، الإخلاص، المتابعة
للرسول ﷺ في العمل المُراد قبوله، وهذه الشروط كل من أتى بها قبل الله عمله ولو كان مبتدعاً أو فاسقاً , ومن كان لعمله أصل في الشرع ودخلت عليه البدعة فإن كانت البدعة الداخلة على العمل مخلة بشروط صحته فهو مردود وإلا فلا.
• الإنسان مسئول عن عمله بـ (لِم) و (كيف)؟ لِم: الإخلاص، كيف:
المتابعة.
• الصرط المستقيم مبني على قاعدة (إياك أُريد بما تريد) ومعناها (إياك أُريد
أي الله وهو الإخلاص- بما تريد -أي متابعة الرسول-).
• عبادة الله هي كمال المحبة له مع كمال الذل له فلا يستحق المحبة والذل التام
إلا الله.
• الإيمان أصل له شعب متعددة كل شعبة منها تسمى إيماناً وكذلك الكفر
ذو أصل وشعب متعددة كل شعبة منها تسمى كفراً , لكن لا يلزم من انتفاء بعض هذه الشعب انتفاء أصل الإيمان كما لا يلزم من وجود بعض
стр. 79
شعب الكفر في المسلم وجود أصل الكفر وانتفاء ما يضاده فقد يكون الإنسان مؤمناً وعنده بعض شعب الكفر ولا يكون بها كافراً كما أنه قد يكون كافراً وعنده بعض شعب الإيمان ولا يكون بها مؤمناً إلا أن هذه الشعب تتفاوت فمنها ما هو ناقض لأصل الإيمان محقق لأصل الكفر كالاستهزاء بالدين ومنها ما ليس كذلك , وشعب الإيمان قسمان قولية وفعلية وشعب الكفر نوعان قولية وفعلية ومن شعب الإيمان ما يوجب زوالها زوال الإيمان وأصله بالكلية كترك النطق بالشهادتين مع القدرة عليها وترك الصلاة مُطلقاً وكذلك شعب الكفر منها ما يوجب فعلها أو قولها زوال الإيمان وأصله بالكلية كقول كلمة الكفر وسب الله ورسوله اختياراً والسجود للصنم والاستهانة بالمصحف.
• الإيمان ذو أصل وشعب متعددة وكل شعبة منه تسمى إيماناً وأعلاها لا إله إلا
الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق ومنها شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً، منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب. وكذلك الكفر ذو أصل وشعب فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر فالطاعات كلها من شعب الإيمان كما أن المعاصي كلها من شعب الكفر, وإن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور ونفاق وإيمان وهذا من أعظم أصول أهل السنة بشرط ألا يكون الكفر والشرك والفجور والنفاق مما يناقض أصل الإيمان وما هيته.
• من كان همَه الآخرة فالله هو مالك يوم الدين ومن كان همه الدنيا فلا
يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذنه وإن كان هذا المتحرك أو الساكن أحياناً قد لا يعلم أن تحرَكه أو سكونه لم يكن دون إذن الله له.
• من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به فلم
ينتفع ابتُلي بالانشغال بما يضره فمن ترك عبادة الرحمن ابتلي بعبادة الأوثان ومن ترك محبة الله وخوفه ورجائه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان ومن ترك الذل لربه ابتلي بالذل للعبيد ومن ترك الحق ابتلي بالباطل ولا يظلم ربك أحداً.
• سبب ابتلاء الله للعبد بالإعراض عنه: الله يذيق عبده ألم الحجاب عنه
стр. 80
وزوال ذلك الأنس به والقُرب منه ليمتحن عبده فإن أقام العبد على الرضا والحال واطمأنت نفسه وسكنت إلى غيره علم أنه لا يصلح فوضعه في مرتبته التي تليق به وإن استغاثه به سبحانه استغاثة الملهوف ودعاه دعاء المضطر رد الله عليه أحوج ما هو محتاج إليه فعظمت به فرحته وتمت به نعمته وعلم العبد حينئذٍ مقدار ربه فعضَ على شرعه بالنواجذ وثنَى عليه بالخناصر.
• من عمل بما يعلم ورَثه الله علم ما لم يعلم.
• المأمور (الواجب) يفعل منه الإنسان ما استطاع والمحظور (المحرم) يجتنبه
الإنسان كله وعلى هذا فلا يكون ما يُفعل من المحرم عند الضرورة حراماً بل هو حلال مباح.
• خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطَلع عليها الناس والله أعلم.
• من أحبه الله تعالى لا بد من ابتلائه كبر هذا البلاء أو صغر وهو على قدر
دينه وذلك لتمحيص هذا العبد وتطهيره من درن الذنوب والتعلق بغيره , علماً أن هذا البلاء المقصود منه إصلاح العبد وليس إتلافه وللعلم أيضاً لا منافاة بين البلاء والحياة الطيبة.
• مما يُعين على الصبر ملاحظة حُسن الجزاء وانتظار روح ولذة الفرج.
• طريق الجنة محفوف بالمكاره.
• القنوط من رحمة الله واليأس من روحه من أعظم الخطايا وبعدها
الأمن من مكر الله وهذا الذنبان هما أعظم الذنوب بعد الشرك.
• من أصلح باطنه (موضع نظر الله) أعانه الله على إصلاح ظاهره
(موضع نظر الخلق).
• لا يحسن المبالغة في محاسبة النفس لأن ذلك قد يؤدي إلى انقباضها
وانكماشها.
• النفس إن لم تُشغل بالطاعة شغلت صاحبها بالمعصية.
• المُنعم بالذات هو الله تعالى وما سواه فهو مُنعم لمُقابل يُريده منك أو من ربه أو
من غيرك بغض النظر عن هذا المقابل فقد يكون محموداً , والخلق كلهم لا يُريدونك إلا لأنفسهم ولا أحد يُريدك لنفسك وهو غنيٌ عنك غير الله تعالى.
стр. 81
• الله هو ربَّ السَّماواتِ السَّبْعِ، وربَّ العرشِ العظيمِ ورَبَّ السَّماواتِ
السَّبْعِ وَما أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضينَ السَّبْعِ وَما أقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّياطينِ وَما أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّياحِ وَما ذَرَيْنَ لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيي وَيُميتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ , فالخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْه، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْه، ونحن بِه وَإِلَيْه، ﵎, والله هو الأول والآخر والظاهر والباطن والعلي الأعلى المتعال العظيم المجيد الكبير السميع البصير العليم الخبير الحميد العزيز القدير القادر المقتدر القوي المتين الغني الحكيم الحليم العفو الغفور الغفار التواب الرقيب الشهيد الحفيظ اللطيف القريب المجيب الودود الشاكر الشكور السيد الصمد القاهر القهار الجبار الحسيب الهادي الحكم القدوس السلام البر الوهاب الرحمن الرحيم الكريم الأكرم الرءوف الفتاح الرازق الرزاق الحي القيوم الرب الملك المليك الواحد الأحد المتكبر الخالق الخلاق البارئ المصور المؤمن المهيمن المحيط المقيت الوكيل الكافي الواسع الحق الجميل الرفيق الحي الستير الإله القابض الباسط المعطي المقدم المؤخر المبين المنان الولي المولى النصير الشافي مالك الملك جامع الناس نور السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام بديع السماوات والأرض لا قابض لما بسط، ولا باسط لما قبض، وربنا هو الهادي فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى، ولا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى، ولا مقرب لما باعد، ولا مباعد لما قرب , وهو المنعم بالذات، فلا معطي ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط , وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك , فالله واحد لا شريك له , ولا شيء مثله , ولا شيء يعجزه , ولا إله غيره , أولٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء ,لا يفنى ولا يبيد, ولا يكون إلا ما يريد, لا تبلغه الأوهام , ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام , حيٌّ لا يموت, قيومٌ لا ينام, خالقٌ بلا حاجة، رازقٌ بلا مؤنة , مميتٌ بلا مخافة , باعثٌ بلا مشقة , ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه, لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته, وكما كان بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً, ليس بعد خلق الخالق استفاد اسم (الخالق) , ولا بإحداث البرية استفاد اسم (الباري) , له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق, وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم , ذلك بأنه على كل شيء قدير, وكل شيء إليه فقير, وكل أمر عليه يسير , لا يحتاج إلى شيء , (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) , خلق الخلق بعلمه, وقدر لهم أقداراً, وضرب لهم آجالاً, ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم, وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم , وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته, وكل شيء يجري بتقديره, ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن, يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً, وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله, وهو متعال عن الأضداد والأنداد, لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره, آمنّا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده, وأن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى.
стр. 82
وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين, وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى, وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء, وأن القرآن كلام الله, منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً, وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً, وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة, ليس بمخلوق ككلام البرية , فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر، فقد كفر, وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: (سأصليه سقر) , فلما أوعد الله بسقر لمن قال: (إن هذا إلا قول البشر) , علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر, ولا يشبه قول البشر, ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر, فمن أبصر هذا اعتبر, وعن مثل قول الكفار انزجر, وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر, والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية, كما نطق به كتاب ربنا: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) , وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه, وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﵌ فهو كما قال , ومعناه على ما أراد, لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا , فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﵌, وردَّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه, ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام, فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان, فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار, موسوساً تائهاً، شاكاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً, ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم, إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم, وعليه دين المسلمين , ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه, فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية, منعوت بنعوت الفردانية. ليس في معناه أحد من البرية , وهو فوق العالم ومحيطٌ به, والمعراج حق، وقد أُسري بالنبي ﵌, وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء , ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى (ما كذب الفؤاد ما رأى) , فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى, والحوض الذي أكرمه الله تعالى به –غياثاً لأمته- حق, والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما رُوي في الأخبار, والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق, وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزداد في ذلك العدد، ولا ينقص منه, وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه , وكل ميسرٌ لما خُلق له , والأعمال بالخواتيم , والسعيد من سعد بعلم الله قضاؤه، والشقي من شقي بعلم الله وقضاؤه , وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه, لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل, والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان, فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة, فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه , ونهاهم عن مرامه لا يُسأل عما يفعل لكمال حكمته لا لقهره وهم يسألون. فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب, ومن رد حكم الكتاب كان من
стр. 83
الكافرين, فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى وهي درجة الراسخين في العلم والله لا يُسأل عما يفعل لعلمه وحكمته وقدرته ومشيئته النافذة وحكمه الذي لا يُرد ولا يُمانع ولا يُغالب ولأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود.
ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رُقم.
فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائنٌ، ليجعلوه غير كائن –لم يقدروا عليه ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه، ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه.
فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل، ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً)، وقال تعالى: (وكان أمر الله قدراً مقدوراً).
فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً, والعرش والكرسي حق, وهو مستغن عن العرش وما دونه, محيط بكل شيء وفوقه , وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.
ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم الله موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً, ونؤمن بالملائكة والنبيين.
والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين, ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين, ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين.
ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله , ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بكل ذنب، ما لم يستحله ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة والإيمان: قولٌ باللسان وعملٌ بالأركان وعقدٌ بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الشرع والبيان كله حق والإيمان درجات، والتفاضل بين أهله بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى.
والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن.
стр. 84
والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، والقدر: خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى.
ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به.
وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النار
لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون.
وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين "مؤمنين" وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته اللهم يا وليّ الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به.
ونرى الصلاة خلف كل برٍّ وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم, ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً.
ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك , ونذر سرائرهم إلى الله تعالى , ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا من وجب عليه السيف, ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا, وإن جاروا, ولا ندعو عليهم ,
ولا ننزع يداً من طاعتهم, ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية , وندعو لهم بالصلاح والمعافاة , ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة, ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة, ونقول: الله أعلم، فيما اشتبه علينا علمه, ونرى المسح على الخفين، في السفر والحضر، كما جاء في الأثر والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين: برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما, ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين, ونؤمن بملك الموت، الموكل بقبض أرواح العالمين, وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعن الصحابة رضوان الله عليهم , والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران, ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان, والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان, وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً, فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه, ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه, وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له, والخير والشر مقدران على العباد, والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به –فهي مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات –فهي قبل الفعل، وبها يتعلق
стр. 85
الخطاب، وهو كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد.
ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون وهو تفسير: "لا حول ولا قوة إلا بالله". نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره غلبت مشيئته المشيئات كلها , وغلب قضاؤه الحيل كلها , يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً، تقدس عن كل سوء وحين، وتنزه عن كل عيب وشين , وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات, ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء, ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين , ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر , والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى.
ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, ولا نفرط في حب أحد منهم, ولا نتبرأ من أحد منهم , ونبغض من يبغضهم, وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير.
وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أولاً لأبي بكر الصديق ﵁، تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبشرهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين –أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) وقال تعالى (ورضيت لكم الإسلام ديناً) وهو بين الغلو والتقصير.
وبين التشبيه والتعطيل وبين الجبر والقدر وبين الأمن والإياس فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً ونحن براء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه
стр. 86
ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة, والمذاهب الردية, وبالله العصمة والتوفيق.
• الواجب على المسلم أن يعتقد أن الله تعالى مستو على عرشه، وعرشه فوق
سماواته، وأنه بائن من خلقه جل وعلا ليس حاّلاً فيهم، فهو العلي الأعلى، فوق جميع مخلوقاته وتقدس وكيفية العلو لا يعلمها إلا الله تعالى , وذلك أن الله تعالى لا يُقارن بمخلوقاته، فهو فوقها جميعاً، وفوقيته ليست كفوقية الأشياء فيما بينها، وقد أثبتها لنفسه وإذا كان ذهن الإنسان أضعف من أن يدرك هذه الفوقية، ولا يمكن أن يتصورها في المخلوقات التي بين يديه، فليعلم أن الله على كل شيء قدير، وليُسلِّم بما أخبر الله به، ويترك الخوض فيما لا يستطيع أحد الوصول إلى كنهه عالمين أنه لا سبيل إلى معرفة كيفية صفاته تعالى بل نعتقد أن كل ما دار بخلد إنسان في كيفية صفة الرب تعالى فالله تعالى منزه عنه، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله تعالى، وكذا لا يعلم كيف صفاته إلا هو سبحانه، فمن خاض في كيفية صفات الرب فقد تعاطى ما لا علم له به وما لا سبيل إلى العلم به وقال على الله بغير علم، وهذا من أكبر الكبائر , قال تعالى (ليس كمثله شىء وهو السميع البصير) , فعلى هذا يجب على المسلم أن يؤمن بعلو الله على خلقه ذاتاً وقدراً وقهراً وعليه كذلك التوقف في الإيمان بلوازم هذا العلو الذي لم ينص عليها كتاب أو سنة بنفيها أو إثباتها , ناهيك لو كانت هذه اللوازم باطلة كما هو الحال في كثير من الشبهات , ولنقف حيث وقف السلف ﵏ الذين هم أعلم بالله تعالى منا مثبتين لله ما أثبته لنفسه من غير تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل , نافين عنه ما نفاه عن نفسه , وهذا الذي قررناه هو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة.
• مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته أن ما أثبته الله تعالى لنفسه
وأثبته له نبيه ﵊، فهو ثابت له على حقيقته بلا تمثيل ولا تعطيل، والصفات كلها من باب واحد قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
• كروية الأرض أمر متفق عليه، وأما دوران الأرض حول نفسها، ثم حول
المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية بأكملها حول المجرة، كل ذلك أضحى حقيقة علمية، فدوران الأرض حول نفسها ينتج منه الليل والنهار، ودوران القمر حولها ينتج منه الشهر القمري، ودوران الأرض حول الشمس ينتج عنه الفصول الأربعة.
стр. 87
• مكان الجنة والنار:
لا شك أن النار موجودة الآن كما أن الجنة موجودة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، لكن ينبغي أن يُعلم أن نصوص الكتاب والسنة لم تعين تحديد مكان لهما بصريح العبارة.
• أول المخلوقات العرش وهو سابق في الخلق للقلم.
• حقيقة العرش والكرسي:
قد دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن العرش حق، وأن الله تعالى مستو عليه، وأنه أعلى المخلوقات وسقفها، وأنه مقبب وله قوائم.
وأما الكرسي في قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴿البقرة:٢٥٥﴾، فقيل: هو العرش ذاته، وقيل: هو علم الله، وقيل: هو موضع القدمين من العرش , وأنه بين يدي العرش كالمرقاة إليه، فهو غير العرش، وهذا القول هو الأقرب والراجح , والله تعالى أعلم.
• هل العرش كالقبة على العالم أم كالفلك المستدير؟
لا شك أن العرش هو أعلى المخلوقات وسقفها ولكن اختُلف في صفة العرش فقيل: أن العرش فلك مستدير محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفلك الأطلس، والفلك التاسع , وهذا مذهب طائفة من أهل الكلام، وهذا ليس براجح؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة.
وعلى كل تقدير فالعرش فوق سواء كان محيطاً بالأفلاك أو غير ذلك ; فيجب أن يُعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق في غاية الصغر ; لقوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية.
وليعلم المسلم بأن السكوت عن الكلام في العرش وأنه كالقبة أو فلك مستدير محيط بالكائنات خير من الخوض في ذلك، والجدل وكثرة الحديث فيه، فإن الخوض في ذلك والتعمق فيه من شره الفكر، واستشراف العقل إلى إدراك أمر غيبي لا يُعلم إلا بالتوقف، فينبغي الوقوف عند النقل وخاصة أن الحديث الذي استدل به من استدل على أن العرش مقبب وله قوائم إسناده ضعيف وعلى فرض صحته فهو لا يدل على أن العرش كالقبة فوق السماوات من جانب واحد، فإن السماوات محيطة بالأرض،
стр. 88
ومع ذلك فهي كالقبة بالنسبة لكل جماعة على سطح الأرض من الجهة التي تليهم إلا أن هذه المذهب هو ظاهر كلام أهل السنة المتأخرين وهو الأرجح لأن العرش ثبت أن له قوائم بالأدلة الصحيحة وأن الملائكة تطوف من حوله - علماً بأن متقدموا أهل السنة لم يفصحوا بتفصيل في ذلك في أن العرش هو كالقبة فوق العالم، أو أنه ليس مستديراً من كل جهة فلذلك فليسعنا ما وسعهم.
وهنا تنبيه مهم: يجب أن يعلم المسلم أن استواء الله على العرش ليس لحاجته
إليه، ولا لكون العرش حاملاً له، فإن السماء فوق الأرض ومحيطة بها، ولم يلزم أن تكون السماء في قيامها وتماسكها محتاجة إلى الأرض، ولا أن تكون الأرض حاملة لها، فالله مستو على عرشه، وهو مستغن عنه وعما فيه من الكائنات، وهو فوق عباده حقيقة، محيط بهم إحاطة تليق بجلاله لا كإحاطة الفلك بما فيه من الكائنات، والجميع قائم بحوله وقوته ابتداء ودواما، محفوظ بعنايته ورعايته، جلت قدرته، وتعالت عظمته علوا كبيرا.
• قطعي الوحي وقطعي العقل لا يتعارضان أبداً، فقطعي العقل يؤيد قطعي
الوحي، فإن حدث تعارض بين العقل والنقل فالقطعي منهما يقضي على الظني، وإن حدث تعارض بين ظني الوحي وظني العقل فظني الوحي مقدم، حتى يثبت العقلي أو ينهار وهذا على قول وأما القول الآخر فالمقدم منهما هو الراجح مطلقاً.
• الله قبل أن يخلق مخلوقاته كان في عماء، كما أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم، فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء.
• سبب تعليق قلب العبد بالله تعالى مطلوب شرعاً؟
لأنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذن الله وكل ما يُصيب العبد من سراء أو ضراء لا يكون إلا بعد إذن الله ومشيئته وإرادته , علماً بأن الشر لا يُنسب إلى الله سبحانه باعتبار رضاه به وأمره به لكنه يُنسب إليه باعتبار الخلق فالله خالق كل شيء , والله بائن عن خلقه لكنه بحكمته يُجري أقداره على عبده من خلال خلقه, وهؤلاء الخلق ماهم إلا وسائط لإرادة الله تعالى بعبده وهذه الوسائط قسمان وسائط مباشرة محمودة , ووسائط غير مباشرة , فأما الوسائط المباشرة المحمودة فهم الذين يُصيبون العبد بالسراء أو
стр. 89
الضراء بأمر الله الكوني أو الشرعي المباشر كالملائكة وعباد الله المتقين القائمين بشرعه والرياح والجبال وما يعلم جنود ربك إلا هو ولإيضاح الصورة نضرب مثالاً على الوسائط المباشرة المحمودة لإرادة الله بعبده السراء: كالرجل الصالح الذي يُحسن للعبد بشفاعة أو صدقة أو إعانة ونحو ذلك من ألوان الإحسان طاعة لله وطمعاً في ثوابه , مثال آخر ملائكة الرحمة حينما تُريد قبض روح العبد وتبشره بروح وريحان وجنة نعيم ونحو ذلك. ومثال الوسائط المباشرة المحمودة لإرادة الله بعبده الضراء جزاءً وفاقاً: كالرجل الصالح الذي يُقيم الحد على العبد الذي أصاب حداً من حدود الله. مثال آخر ملائكة العذاب حينما تريد قبض روح العبد وتبشيرها له بالعذاب ونحو ذلك.
أما القسم الثاني فهي الوسائط الغير مباشرة وهم الذين يُصيبون العبد بالسراء أو الضراء بأمر الله الكوني الغير مُباشر لهم, وقد تكون هذه الوسائط مذمومة مستدرجة كالشياطين والظالمين والكفار ونحوهم أو تكون وسائط غير مذمومة كأن يقيَض الله لك من ينتفع من تجارتك وتنتفع منه بالبيع والشراء ونحو ذلك أو يُسلَط الله عليك من يظلمك وهو متأول معذور عند الله. مثال الوسائط المذمومة الغير مباشرة لإرادة الله بعبده السراء: كالرجل الكافر يحوط وينصر قريبه العبد المؤمن الداعي إلى الله كما كان من أبي طالب حين دافع عن النبي ﷺ .وكذلك عطف الوالدين الكافرين على ولدهما ومثال الوسائط غير المباشرة لإرادة الله بعبده الضراء المذمومة كتسليط شياطين الإنس والجن على العبد بالحبس والتضييق والسحر والمس ونحو ذلك علماً أن هذه الوسائط (مُستدرجة) مذمومة وهي ظالمة.
وكيفية تعامل المسلم مع هذه الوسائط ما يلي:
من صنع إليك معروفاً كافئه ومن أرادك بسوء فدافعه.
أما كيفية تعامل المسلم مع الله : المسلم إذا ابتُلي صبر وإذا أُنعم عليه شكر وإذا أذنب استغفر.
وعلى هذا فالمعطي للعبد والمانع حقيقةً هو الله وما بالعبد من نعمة فمن الله وما به من سوء فبسبب ذنوبه , والله لا يظلم أحداً من خلقه ولكن الخلق أنفسهم يظلمون وهنا ننبه إلى أن ما أصاب الأنبياء من مصائب ليس بسبب ذنوبهم ولكن رفعة لهم ثم إنه من قال أن ما أصاب الأنبياء من ضراء هو نقمة عليهم وليس نعمة لهم بل الحق هو أن هذه المصائب هي عين رحمتهم والنعمة لهم
стр. 90
باعتبار مآل هذه المصائب وعلى هذا فمصائب الأنبياء والصالحين المتبعين لهم ليست من المصائب أصلاً بل هي من الفضل والنعمة لهم ولكن لقصور نظرنا قد لا نُدرك هذه الحقيقة وصدق الله (كلا بل تحبون العاجلة).
وخلاصة القول: أقبل على الله واصدقه يصدقك وتعرف عليه في الرخاء يعرفك وقت الشدة واحفظه يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك فما أخطأك لم يكن ليُصيبك وما أصابك لم يكن ليُخطئك رُفعت الأقلام وجفت الصحف.
• بيان حقيقة جزاء لله لخلقه: الله واحدٌ أحد لم يكن له كفواً أحد بائن
عن خلقه فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن وما يشاء الخلق إلا أن يشاء الله رب العالمين وقد أحاط الله بكل شيءٍ علماً وهو على كل شيءٍ قدير فما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة قد سبق به علمه وجرى به قلمه في اللوح المحفوظ من غير جبرٍ لنا فيما خيَرنا فيه فلقد هدانا النجدين وطريق الخير والشر ولا يظلم ربَُنا أحداً , والخير كله بيديه والشر ليس إليه باعتبار سببه فالشر يقع من مفعولاته ومخلوقاته ابتداءً ومنه سبحانه جزاءً وفاقاً إن لم يتجاوز ويعفُ وهو لا يسمَى في هذه الحالة شراً أصلاً بل حكمة وعدلاً, وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة على خلقه وأفعال الله كلها خيرات محض لا شر فيها بوجه من الوجوه وإنما الشر قائم بمفعوله المُباين له لا بفعله الذي هو فعله وفرقُُ بين الفعل والمفعول أما باعتبار خلق الشر وإيجاده والإذن به فهو إليه سبحانه لحكمة هو أعلم بها وما بنا من نعمة فمن الله وحده وما بنا من سوء وشر فمن أنفسنا والشيطان , ولا يظلم ربنا أحداً ولكن الخلق أنفسهم يظلمون , وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ويعفُ عن كثير وجزاؤه لخلقه من جنس أعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر أو يتجاوز إلا الشرك إذا مات عليه العبد وجزاء الله لخلقه إمَا ثواب أو عقاب والثواب والعقاب نوعان:
الأول: حسَي مادي. الثاني: معنوي.
فالثواب الحسَي المادي كالأموال والأولاد وجمال الهيأة وصحة الأبدان ونحوها , والعقاب الحسي المادي هو بضد الثواب المادي الحسي.
أما الثواب المعنوي هو ما يشمل جميع شعب الإيمان القلبية كاليقين والرضا والفرقان بين الحق والباطل والنور والإلهام على هدى من الله وحب الإيمان
стр. 91
وبغض الكفر والفسوق والعصيان والإ يعاد بالخير والتصديق بالحق وحسن الظن بالله والربط على القلب ونحو ذلك والعقاب المعنوي هو بضد الثواب المعنوي.
وثواب الله بنوعيه المادي والمعنوي في الآخرة واقع لا محالة للمؤمنين.
وعقابه الأخروي بنوعيه واقع لا محالة للكافرين الذين قامت عليهم الحجة أما عصاة المؤمنين فهم تحت المشيئة ومآلهم إلى الثواب المادي والمعنوي بفضل الله تعالى.
أما ثواب الله المعنوي واقع لا محالة في الدنيا على خلقه وعقابه المعنوي إن لم يتجاوز ويعفُ واقع لا محالة في الدنيا على خلقه.
بالنسبة لثواب الله المادي في الدنيا كالوعد بالنصرة والحفظ والتمكين في الأرض والكفاية فيما أهم المسلم ونحو ذلك فقد يقع وهو الأصل وقد لا يقع لحكمة ولطف بالعبد والله يقضي له الخير حيث كان ثم يُرضيه به والعاقبة للعبد المتقي ولو بعد حين والله يعلم ونحن لا نعلم وخيرته لعبده خيرٌ من خيرة العبد لنفسه هذا من حيث أفرادهم أما من حيث مجموعهم فهو واقع لا محالة وعلى هذا تُحمل آيات نصرة الله وحفظه وعدم جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ونحوها علماً بأن هذه الوعود من الله خاصة بمن أقام شرطه فيها.
وأما عقاب الله المادي في الدنيا لمن عصاه إن لم يتجاوز الله عنه فقد يقع زجراً للعبد لعلَه يتوب أو لكف شرَه عن المسلمين أو كفارة له بتعجيله أو عبرة لغيره وقد لا يقع استدراجاً له مالم يعفُ الله عنه في الآخرة.
• طاعة الله وعبادته هي مصلحة العبد التي فيها سعادته ونجاته وأما إجابة دعائه
وإعطائه سُؤله فقد يكون منفعة وقد يكون مضرة.
• في سيرك إلى الله لا تُقارن نفسك بأحد من خلق الله لأن الله لا يُعامل
خلقه معاملة واحدة لأن الخلق مختلفين في معاملتهم لربهم فمنهم الكافر وهم دركات ومنهم المؤمن وهم درجات ويبتلي الله العبد على قدر دينه وهو مع عبده بين القبض والبسط رحمةً منه وحكمة.
• الفاعل لما يُريد مطلقاً المستقل عن غيره هو الله تعالى , واعلم أن المدبر لهذا
الكون حقيقةً هو الله تعالى، وأنه لا معطي ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط.
• الخلق جميعهم لا يستغنون عن الله طرفة عين وإن جحد ذلك بعض
стр. 92
خلقه وهو غنيٌ عنهم , وخلقه لا يُمكن أن ينفكوا عنه فلولاه ما كانوا شيئاً مذكوراً والخلق كلهم بلا استثناء لا يخرجون عن مُراد الله ومشيئته وإذنه الكوني القدري ولو قيد أنملة.
• حقيقة مراقبة الله هي مراقبة العبد لقلبه فهو موضع نظر الرب وماسوى ذلك
فلا أراه إلا تكلف مذموم.
• الهوى المذموم هو ما خالف الشرع.
• قلَ أن يؤتى الإنسان في دينه إلا من قبل الهوى فالجهل سهل علاجه ولكن
الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها.
وهما أمران لا ثالث لهما: اتباع السنة واتباع الهوى , فمن أراد اتباع السنة فإنه سيأخذ بجادة الطريق وهي النصوص المحكمة وعمل السلف الصالح وسبيلهم ومن أراد اتباع هواه فسيسلك لذلك بنيات الطريق وسيجد هنالك عمومات أو قياسات أو قول صحابي أو تابعي أو رأياً لبعض أهل العلم وجميع هذه في ظاهرها أدلة وما هي عند التحقيق بأدلة، وكل صاحب مذهب لا يُعجزه أن يستدل لمذهبه بدليل شرعي صح أو لم يصح والحق يا مبتغيه إنما يُبتغى في اتباع الدليل الناصع واقتفاء السبيل الواضح لا في موافقة جمهور الناس ومجاراتهم والتوسعة عليهم.
• إصدار أي حكم لا يخلو من واحد من مأخذين لا ثالث لهما الشريعة أو الهوى.
• أسباب فتن الشبهات: لفتن الشبهات أسباب منها:
١ - اتباع الهوى وفساد القصد. ٢ - الإفراط والتفريط.
٢ - اتباع المتشابه وترك المحكم. ٣ - الجهل بما جاء به النبي ﷺ .
(تساؤلات وإشكالات في باب العقيدة)
السؤال الأول: ما هو الدليل على علو الله؟
الواجب على المسلم أن يعتقد أن الله تعالى مستو على عرشه، وعرشه فوق سماواته، وأنه بائن من خلقه جل وعلا ليس حاّلاً فيهم، فهو العلي الأعلى، فوق جميع مخلوقاته وتقدس وكيفية العلو لا يعلمها إلا الله تعالى , وذلك أن الله تعالى لا يُقارن بمخلوقاته، فهو فوقها جميعاً، وفوقيته ليست كفوقية الأشياء فيما بينها، وقد أثبتها لنفسه وإذا كان ذهن الإنسان أضعف من أن يدرك هذه الفوقية، ولا يمكن أن يتصورها في المخلوقات التي بين يديه، فليعلم أن الله على
стр. 93
كل شيء قدير، وليُسلِّم بما أخبر الله به، ويترك الخوض فيما لا يستطيع أحد الوصول إلى كنهه عالمين أنه لا سبيل إلى معرفة كيفية صفاته تعالى بل نعتقد أن كل ما دار بخلد إنسان في كيفية صفة الرب تعالى فالله تعالى منزه عنه، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله تعالى، وكذا لا يعلم كيف صفاته إلا هو سبحانه، فمن خاض في كيفية صفات الرب فقد تعاطى ما لا علم له به وما لا سبيل إلى العلم به وقال على الله بغير علم، وهذا من أكبر الكبائر , قال تعالى (ليس كمثله شىء وهو السميع البصير) , فعلى هذا يجب على المسلم أن يؤمن بعلو الله على خلقه ذاتاً وقدراً وقهراً وعليه كذلك التوقف في الإيمان بلوازم هذا العلو الذي لم ينص عليها كتاب أو سنة بنفيها أو إثباتها , ناهيك لو كانت هذه اللوازم باطلة كما هو الحال في كثير من الشبهات , ولنقف حيث وقف السلف ﵏ الذين هم أعلم بالله تعالى منا مثبتين لله ما أثبته لنفسه من غير تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل , نافين عنه ما نفاه عن نفسه , وهذا الذي قررناه هو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة.
قال الله تعالى (سبح اسم ربك الأعلى).
وقال الله تعالى (يخافون ربهم من فوقهم).
وأما الأرض فهي حبة في فلاة بالنسبة لملكوت الله تعالى وهو سبحانه فوق ذلك كله، وله الفوقية المطلقة.
وقال الله تعالى (ثم استوى على العرش) في سبعة مواضع من القرآن وقد فسر السلف الاستواء بالعلو والارتفاع والصعود , مع نفي علمنا بالكيفية، كما قال الإمام مالك ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ... انتهى. ولنعلم أنه لا يجوز إبطال دلالة النصوص المثبتة لصفة الاستواء بمجرد أوهام يظن صاحبها أنها دلالات عقلية، إذ أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح.
وقال الله تعالى (إليه يصعد الكلم الطيب).
وقال الله تعالى (بل رفعه الله إليه).
وقال الله تعالى (أأمنتم من في السماء).
والسماء بمعنى العلو، أو هي السماوات المعروفة و (في) بمعني (على) أي: على السماء، إذ ليس الله تعالى محصوراً ولا داخلاً في شيء من خلقه، وهذا نحو قوله تعالى (قل سيروا في الأرض) أي على الأرض. وكقوله تعالى (ولأ صلبنكم في جذوع النخل) أي على جذوع النحل.
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على علوه تعالى على خلقه.
стр. 94
كما دلت عليه نصوص السنة ومنها:
١ - ما رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي في قصة ضربه لجاريته وفيه .. فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟
قال: "ادعها، فدعوتها، فقال لها أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة ".
٢ - ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: " ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم _ يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم _ ويقول: اللهم اشهد ".
٣ - ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون ".
٤ - ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ".
٥ - ما رواه البخاري عن أنس أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول:" زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات ".
٦ - ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال: رسول الله ﷺ :" ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء".
٧ - ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها ".
٨ - ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ " كان ملك الموت يأتي الناس عياناً، فأتى موسى ﵇ فلطمه فذهب بعينه، فعرج إلى ربه فقال: يارب بعثتني إلى موسى فلطمني" الحديث.
٩ - ما رواه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن معاذ: " لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات ".
١٠ - وما جاء في قصة معراجه ﷺ وارتفاعه إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وكلامه مع ربه جل وعلا، ثم مروره على موسى، ثم رجوعه إلى ربه جل وعلا سائلاً التخفيف في أمر الصلاة.
стр. 95
إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة الدالة على إثبات هذا الأمر العظيم.
وهذا الأمر مستفيض عن أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وحسبنا من ذلك ما قال عبد الله بن رواحة ﵁:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مقربينا
وأما الإجماع فقد حكاه غير واحد من أئمة المسلمين.
١_ قال الإمام الأوزاعي (المتوفى سنة ١٥٧هـ): (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته).
٢ - وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (المتوفى سنة ٢٨٠ هـ) في رده على بشر المريسي:
(اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته).
٣ــ وقال الإمام قتيبة بن سعيد (المتوفى سنه ٢٤٠هـ): (هذا قول الأئمة في الإسلام وأهل السنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال (الرحمن على العرش استوى)
٤ــ وقال الإمام أبو زرعة الرازي (المتوفى سنة ٢٦٤هـ) والإمام أبو حاتم: (أدركنا العلماء في جميع الأمصار، فكان مذهبهم أن الله على عرشه بائن من خلقه، كما وصف نفسه، بلا كيف، أحاط بكل شيء علما).
٥ــ وقال الإمام بن عبد البر حافظ المغرب (المتوفى سنة ٤٦٣هـ) في كتابه التمهيد (٦/ ١٢٤) في شرح حديث النزول ( ... وهو حديث منقول من طرق متواترة، ووجوه كثيرة من أخبار العدول عن النبي ﷺ ... وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش. والدليل على صحه ما قاله أهل الحق في ذلك: قول الله (الرحمن على العرش استوى ... ) انتهى.
٦ - وقال الإمام الحافظ أبو نعيم صاحب الحلية في كتابه محجة الواثقين: (وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عال على عرشه، مستو عليه، لا مستولٍ عليه كما تقول الجهمية إنه بكل مكان ... ).
وبهذا يُعلم أن القول بأن الله في كل مكان ليس من أقوال أهل السنة، بل هو قول الجهمية والمعتزلة، ولهذا قال ابن المبارك ﵀ (المتوفى سنه ١٨١هـ) وقد سئل: كيف ينبغي أن نعرف ربنا؟ قال: على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول: كما تقول الجهمية: إنه هاهنا في الأرض).
стр. 96
قال الإمام الذهبي في نهاية كتابه: العلو: (والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول، ونقله عنهم الأئمة. وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله (وهو معكم) فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم، وهما قولان معقولان في الجملة. فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجا عنها ولا فوق العرش ولا هو متصل بالخلق، ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة، ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات، ولا خارجا عن الجهات، ولا، ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم، مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين). انتهى
فمن قال: إن الله في كل مكان، يريد نفي علوه على عرشه، وأنه بذاته في الأمكنة فقوله باطل بل هو كفر بالله تعالى، لما فيه من إثبات الحلول والامتزاج بالمخلوقات.
ولهذا قال الإمام ابن خزيمة (من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى به أهل القبلة ولا أهل الذمة).
ومن قال إن الله في كل مكان يريد بذلك علمه تعالى وأنه لا يعزب مكان عن علمه، فهذا حق، وينبغي له أن يصرح مع ذلك بأن الله بائن عن خلقه مستو على عرشه لئلا يوهم كلامه حلول الله في خلقه، تعالى الله عن ذلك.
وهذا هو معنى قوله تعالى (وهو معهم أينما كانوا) وقوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ... ) الآية. وقد صح عن الإمام مالك بن أنس ﵀ أنه قال: (الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء) وقد نقل الإمام أبو عمرو الطلمنكي الإجماع على أن المراد بهذه الآية: العلم. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الإبانة:
(فإن قال: فهل تقولون إنه في كل مكان؟
قيل له: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال الرحمن على العرش استوى) وقال الله (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور). ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش، والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يُرْغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله) انتهى.
стр. 97
وذكر ابن القيم أن من جحد فوقيته فقد جحد لوازم اسمه " الظاهر " ولا يصح أن يكون الظاهر من له فوقية القَدْر فقط كما يقال الذهب فوق الفضة؛ لأن هذه الفوقية تتعلق بالظهور بل قد يكون المفوق أظهر من الفائق فيها، ولا يصح أن يكون القهر والغلبة فقط وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة، فله سبحانه العلو المطلق من كل وجه وهو علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.
وهذه المسألة قد اهتم أهل السنة ببيانها والتصنيف فيها، فمن أراد الاطلاع على كلام السلف واستدلالاتهم فليرجع إلى هذه المصادر، ومنها:
١ - كتاب الإيمان والتوحيد لابن منده.
٢ - الإبانة لابن بطة العكبري.
٣ - التوحيد لابن خزيمة.
٤ - كتاب أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للطبري اللالكائي.
٥ - كتاب الإبانة للإمام أبي الحسن الأشعري.
٦ - كتاب العلو للحافظ الذهبي.
٧ - كتاب الفتوى الحموية لابن تيمية.
٨ - كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم. ...
والله أعلم.
السؤال الثاني: ما هو الدليل على إثبات العينين والقدم والرجل والساق لله على ما يليق بجلاله؟
مذهب أهل السنة والجماعة أن ما أثبته الله تعالى لنفسه وأثبته له نبيه ﵊، فهو ثابت له على حقيقته بلا تمثيل ولا تعطيل، والصفات كلها من باب واحد قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الشورى: ١١.
أما بخصوص الأدلة على صفة القدم والرجل والساق والعينين فهي كثيرة، نقتصر منها على ما يلي:
فمن أدلة إثبات القدم والرجل لله على مايليق بجلاله ما يلي:
١ - ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى يُنشئ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة. هذا لفظ مسلم.
وقد ورد لفظ الرجل في رواية البخاري وهي: فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله تقول: قط قط.
стр. 98
٢ - قال ابن عباس ﵄: الكرسي موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره. أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم. .
٣ - قال الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد ٢/ ٢٠٢: باب ذكر إثبات الرجل لله وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية، الذين يكفرون بصفات خالقنا التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه ﷺ .
٤ - قال الشيخ ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية:
والحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بأن لله تعالى قدماً، وإن شئنا قلنا رجلاً على سبيل الحقيقة مع عدم المماثلة، ولا تكيف الرجل، لأن النبي ﷺ أخبرنا بأن لله تعالى رجلا أو قدما، ولم يخبرنا كيف هذه الرجل أو القدم. انتهى.
٥ - ومن ذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن مسعود الطويل في الحشر, وفيه: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه، قيل: وما هي؟ قالوا: يكشف عن ساق، قال: فيكشف عند ذلك عن ساق .... الحديث قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ووافقه الذهبي قائلا: على شرط البخاري ومسلم.
وفي البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساق فيسجد كل مؤمن. أخرجه البخاري في التوحيد, وكذلك مسلم في الإيمان, وورد ذكر هذا في عدة أحاديث مخرجة في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم والجوامع وغيرها.
قال الحافظ ابن حجر قوله: هل بينكم وبينه علامة تعرفونها فيقولون الساق: فهذا يحتمل أن الله عرفهم على ألسنة الرسل من الملائكة أو الأنبياء أن الله جعل لهم علامة تجليه الساق وذلك أنه يمتحنهم.
وذكر نحو هذا القرطبي ونقله عن الحافظ في الفتح.
وأما أدلة إثبات الساق للرب على ما يليق بجلاله فهي ما يلي:
١ - فقد ورد في تفسير قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق أقوال متعددة: فمنها تفسير هذا بالساق الحقيقية استنادً على الحديث المعروف في البخاري، وعند الضمير ساقه، وتفسير القرآن بالحديث مقدم على غيره من أقوال المفسرين، وروايات
стр. 99
الحديث وسياقاته متطابقة في الجملة مع ما في القرآن: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون.
وقال ابن عباس وجماعة إن الساق: الشدة واستدل باللغة، وهو مروي عنه بسندين حسنين كما قال ذلك الحافظ، وعلة ذلك عدم الضمير في الآية، وتفسير هذا الوجه في اللغة، وما جاء في الحديث لا ينافي اللغة وهو مقدم على غيره. وخاصة لفظ البخاري بالضمير يكشف ربنا عن ساق.
والخطابي وجماعة فسروه بالنور في الآية، وبعضهم بالنفس كما في الفتح، والذي عليه المعول الحديث لأنه حجة بخلاف غيره.
وحاصل الحديث الوارد في البخاري هو أن الله جعل علامة للمؤمنين يوم القيامة وهي الكشف عن ساقه سبحانه كما هو منصوص في صحيح البخاري وهو تفسير الآية الكريمة على الأرجح.
وأما من أدلة إثبات العينين لله فهي ما يلي:
١ - قال تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) هود: ٣٧ ..
ثبت عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: (واصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنا)، قال: بعين الله ﵎، رواه عنه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ١١٦).
قال ابن جرير الطبري ﵀: " وقوله: (بأعيننا)، أي: بعين الله ووحيه كما يأمرك " انتهى.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " مذهب أهل السنة والجماعة: أن لله عينين اثنتين، ينظر بهما حقيقة على الوجه اللائق به، وهما من الصفات الذاتية " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٤/ ٥٨).
٢. قال تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) طه: ٣٩
٣. قال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) الطور: ٤٨
وأما الأدلة من السنة؛ فمنها ما رواه البخاري (٦٨٥٨) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية).
стр. 100
قال ابن خزيمة ﵀ – بعد ذكره للنصوص السابقة -: " فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما ثبَّت الخالق البارئ لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله ﵎ ما قد ثبَّته الله في محكم تَنْزيله ببيان النبي صلى الله عليه الذي جعله الله مبيِّناً عنه في قوله: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، فبين النبي ﷺ أن لله عينين، فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التَنْزيل، الذي هو مسطور بين الدفتين، مقروء في المحاريب والكتاتيب " انتهى.
"كتاب التوحيد" (١/ ٦٤).
السؤال الثالث: هل إثبات الوجه والعين واليدين لله تعالى يستلزم التركيب كما يزعم البعض؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
قال ابن تيمية في (العقيدة الواسطية): ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفء له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه. ثم رسله صادقون مصدقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين) فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب. وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .. اهـ.
وكذلك قال تلميذه ابن القيم (مدارج السالكين): العصمة النافعة في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل تثبت له الأسماء والصفات، وتنفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزها عن التشبيه، ونفيك منزها عن التعطيل اهـ.
стр. 101
فإن أهل السنة يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ويفوضون العلم بكيفيتها إلى الله ، فهم لا يثبتون له صفات كصفات البشر حتى ينقض قولهم بتوابع الصفات البشرية ولوازمها، وبيان ذلك في أن نقول: الوجه واليد والعين في البشر أبعاض وأجزاء، لأنها قد تفارق الجسم، وأما صفة الوجه والعين واليد لله تعالى فليست أبعاضاً ولا أجزاء، لأن الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها، وذلك في حق الرب تعالى محال، فليست هي في حق الله سبحانه جوارح مركبة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً، قال الإمام الدارمي في نقضه على المريسي: أما ما ادعيت أن قوما يزعمون أن لله عينا فإنا نقوله، لأن الله قاله ورسوله ﷺ ، وأما جارح كجارح العين من الإنسان على التركيب، فهذا كذب ادعيته عمداً، لما أنك تعلم أن أحدا لا يقوله، غير أنك لا تألو ما شنعت، ليكون أنجع لضلالتك في قلوب الجهال، والكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، فمن أي الناس سمعت أنه قال: جارح مركب؟ فأشر إليه، فإن قائله كافر، فكم تكرر قولك: جسم مركب، وأعضاء وجوارح وأجزاء، كأنك تهول بهذا التشنيع علينا أن نكف عن وصف الله بما وصف نفسه في كتابه، وما وصفه الرسول ﷺ ونحن وإن لم نصف الله بجسم كأجسام المخلوقين، ولا بعضو ولا بجارحة، لكنا نصفه بما يغيظك من هذه الصفات التي أنت ودعاتك لها منكرون، فنقول: إنه الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصرالبصير، نورالسموات والأرض. اهـ.
وذكر الدكتور عبد الرحمن المحمود في أطروحته للدكتوراة: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ـ مناقشة شيخ الإسلام لأدلة نفاة الصفات الخبرية ـ ومنها دليل التركيب والتجسيم ـ فقال: أما دليل التركيب والتجسيم، فهو من أشهر أدلتهم وأكثرها دورانا في كتبهم، وقد بين شيخ الإسلام بطلان حجتهم من خلال الوجوه التالية ـ فذكر خمسة أوجه فكان الخامس منها: والذين يدعون أن في إثبات العلو أو الوجه واليدين تركيبا، يرد عليهم بأنه يلزمهم التركيب فيما أثبتوه من الصفات كالحياة والعلم، يقول شيخ الإسلام: فإن قال من أثبت هذه الصفات التي هي فينا أعراض كالحياة والعلم والقدرة، ولم يثبت ما هو فينا أبعاض كاليد والقدم: هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب والتجسيم، قيل له: وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقلي، كما استلزمت هذه عندك التركيب الحسي، فإن أثبت تلك على وجه لا تكون أعراضا، أو تسميتها أعراضا لا يمنع ثبوتها، قيل له: وأثبت هذه
стр. 102
على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا، أو تسميتها تركيبا وأبعاضا لا يمنع ثبوتها، فإن قيل: هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء، قيل له: وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض، فإن قال: العرض ما لا يبقى وصفات الرب باقية، قيل: والبعض ما جاز انفصاله عن الجملة، وذلك في حق الله محال، فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة في حق الله تعالى مطلقا، والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه فإن قال: ذلك تجسيم، والتجسيم منتف، قيل: وهذا تجسيم، والتجسيم منتف، وهذا منهج في الإلزام قوي، كثيرا ما يستخدمه شيخ الإسلام مع نفاة بعض الصفات خاصة. اهـ.
ويحسن الرجوع للكتاب للوقوف على بقية الوجوه لفائدتها.
وقال ابن الموصلي في مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم: قالت طائفة أخرى: ما لم يكن ظاهره جوارح وأبعاضا كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام لا يتأول، وما كان ظاهره جوارح وأبعاضا كالوجه واليدين والقدم فإنه يتعين تأويله لاستلزام إثباته التركيب والتجسيم، قال المثبتون ـ يعني أهل السنة المثبتين للصفات: جوابنا لكم هو عين الذي تجيبون به خصومكم من الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات، فهم قالوا لكم: لو قام به سبحانه صفة وجودية كالسمع والبصر والعلم والقدرة والحياة لكان محلا للأعراض ولزم التركيب والتجسيم والانقسام، كما قلتم: لو كان له وجه ويد وإصبع لزم التركيب والانقسام وحينئذ فما هو جوابكم لهؤلاء نجيبكم به؟ فإن قلتم: نحن نثبت هذه الصفات على وجه لا تكون أعراضا ولا نسميها أعراضا فلا يستلزم تركيبا ولا تجسيما، قيل لكم: ونحن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه ونفيتموها أنتم عنه على وجه لا يستلزم الأبعاض والجوارح ولا يسمى المتصف بها مركبا ولا جسما ولا منقسما، فإن قلتم: هذا لا يعقل منها إلا الأجزاء والأبعاض، قلنا لكم: وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض، فإن قلتم: العرض لا يبقى زمانين، وصفات الرب تعالى باقية دائما أبدية فليست أعراضا، قلنا: وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها وذلك في حق الرب تعالى محال، فليست أبعاضا ولا جوارح، فمفارقة الصفات الإلهية للموصوف بها مستحيل مطلقا في نوعين، والمخلوق يجوز أن تفارقه أبعاضه وأعراضه فإن قلتم: إن كان الوجه عين اليد وعين الساق والإصبع فهو محال، وإن كان غيره يلزم التميز ويلزم التركيب، قلنا لكم: وإن كان السمع هو عين البصر وهما نفس العلم وهي نفس الحياة والقدرة فهو محال، وإن تميز لزم التركيب، فما هو جوابكم؟ فالجواب مشترك، فإن قلتم: نحن نعقل صفات ليست أعراضا تقوم بغير جسم وإن لم يكن له في الشاهد نظير، ونحن لا ننكر الفرق بين
стр. 103
النوعين في الجملة، ولكن فرق غير نافع لكم في التفريق بين النوعين، وإن أحدهما يستلزم التجسيم والتركيب والآخر لا يستلزمه. اهـ.
وقال الدكتور/ خالد كبير علال، في أطروحته للدكتوراة (الأزمة العقيدية بين الأشاعرة وأهل الحديث): للأشاعرة في تبنيهم للتأويل ودفاعهم عنه مبررات يتذرّعون بها، فيقولون: إن في الشرع نصوصا تُوهم النقص في صفات الله تعالى، كالاستواء والنزول والمجيء والوجه واليدين والعينين، فإثباتها على ظاهرها يُؤدي إلى التشبيه في اعتقادهم، ونظرتهم هذه ناقصة وخطأ، لا تعتمد على أساس شرعي ولا عقلي؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفؤا أحد، وهو موصوف بصفات الجلال والعظمة والإكرام، والصفات التي اعترض عليها الأشاعرة، الله هو الذي وصف بها نفسه، فهي إذن صفات كمال، وليست صفات نقص، ويجب علينا أن ننظر إليها بما يليق به تعالى ويجب له من كمال وعظمة وجلال، وفي إطار نصوص التنزيه .. فنحن إذا نظرنا لتلك الصفات في إطارها الشرعي الكامل وأرجعنا المتشابه – إن وُجد - إلى المحكم زال الإشكال المُتوّهم نهائيا بلا تأويل ولا تعطيل. اهـ.
وهكذا ترد النصوص الشرعية بدعوى مناقضتها للأدلة العقلية، وكأن أهل العلم في عصر النبوة وصدر هذه الأمة لم يكن عندهم من الفهم للنصوص الشرعية ما يفطنون به إلى مناقضة العقل وهكذا يدخل العبد في سلسلة من الانحرافات بسبب هذا الخلط وسوء الفهم عن الله ورسوله ﷺ ، ومثال ذلك ما قاله الإيجي في (المواقف) حيث أصل لضرورة تقديم العقل على النقل وقال: لو وجد ذلك المعارض (العقلي) لقدم على الدليل النقلي قطعا بأن يؤول الدليل النقلي عن معناه إلى معنى آخر. مثاله قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى. ﴿طه:٥﴾ فإنه يدل على الجلوس، وقد عارضه الدليل العقلي الدال على استحالة الجلوس في حقه تعالى، فيؤول الاستواء بالاستيلاء أو يجعل الجلوس على العرش كناية عن الملك. اهـ.
ومن ذلك قول الرازي في (تأسيس التقديس) والذي نقله شيخ الإسلام للرد عليه في (بيان تلبيس الجهمية): أن القائلين بكونه جسما مؤلفا من الأجزاء والأبعاض لا يمنعون من جواز الحركة عليه، فإنهم يصفونه بالذهاب والمجيء، فتارة يقولون: إنه جالس على العرش وقدماه على الكرسي!! وهذا هو السكون، وتارة يقولون إنه ينزل إلى السماء الدنيا، وهذا هو الحركة. اهـ.
стр. 104
وهكذا يتيسر نسف كل دليل شرعي، ولو كان قرآنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إما بتحريفه وتزييفه، أو بتأويله وتعطيله، وإما بتحميله ما لا يحتمل ولزومه ما لا يلزم من اللوازم الباطلة.
قال الدكتور محمد أمان في كتاب (الصفات الإلهية): خلاصة شبهتهم أنهم تصوروا - خطأ - أن النصوص التي نطقت بأن الله في السماء تدل بظاهرها على أنه تعالى مظروف في جوف السماء فشبهوه بمخلوق داخل مخلوق آخر، كما فهموا - خطأ - أيضاً من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وما في معناه من النصوص أنه تعالى جالس على العرش، وأنه محتاج إليه، فشبهوه بإنسان جالس على سريره، محتاجاً إليه، فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي وقعوا فيه لسوء فهمهم، فوقعوا في التعطيل. اهـ.
وعلى أية حال فالتشبيه الممنوع هو نحو قول القائل: يد كيد، أو: يد كأيدينا. كما سبق عن الإمام أحمد، وأما قول: يد ليست كأيدنا. فليس فيها شيء محظور، بل هي الموافقة للتنزيل، حيث يجمع بين الإثبات والتنزيه، كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ﴿الشورى: ١١﴾.
قال الإمام الترمذي في سننه: قال إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع، فهذا التشبيه. وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ﴿الشورى: ١١﴾. اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: التشبيه الممتنع إنما هو مشابهة الخالق للمخلوق في شيء من خصائص المخلوق، أو أن يماثله في شيء من صفات الخالق. فإن الرب تعالى منزه عن أن يوصف بشيء من خصائص المخلوق، أو أن يكون له مماثل في شيء من صفات كماله، وكذلك يمتنع أن يشاركه غيره في شيء من أموره بوجه من الوجوه. اهـ.
وقال الهروي في منازل السائرين في بيان درجة معرفة الصفات والنعوت: هي على ثلاثة أركان، أحدها: إثبات الصفة باسمها من غير تشبيه، ونفي التشبيه عنها من غير تعطيل، والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها. اهـ.
стр. 105
ومما قال ابن القيم في شرح ذلك: الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فالعارفون به المصدقون لرسله المقرون بكماله: يثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سيئتين، وهدى بين ضلالتين، فصراطهم صراط المنعم عليهم، وصراط غيرهم صراط المغضوب عليهم والضالين. قال الإمام أحمد: لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين. وقال: التشبيه: أن تقول يد كيدي تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. اهـ.
السؤال الرابع: هل الأرض الكروية؟ وهل إثبات دوران الأرض حول نفسها، ثم حول المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية بأكملها حول المجرة يُخالف صريح الكتاب والسنة؟
بسم الله والحمد لله:
قبل الجواب نذكر بقاعدة عظيمة لأهل العلم مُجمع عليها وهي:
أن قطعي الوحي وقطعي العقل لا يتعارضان أبداً، فقطعي العقل يؤيد قطعي الوحي، ولذا ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) في (١١) مجلداً فإن حدث تعارض بين العقل والنقل فالقطعي منهما يقضي على الظني، وإن حدث تعارض بين ظني الوحي وظني العقل فظني الوحي مقدم، حتى يثبت العقلي أو ينهار وهذا على قول وأما القول الآخر فالمقدم منهما هو الراجح مطلقاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في درء التعارض ١/ ٨٠: كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي، ومثل هذا الغلط يقع فيه كثير من الناس. انتهى
وقال شيخ الإسلام ﵀ في ١/ ٨٨ من نفس المرجع: فما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ هو ثابت في نفس الأمر، سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه.
وقال: لا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان لا عقليان ولا سمعيان ولا سمعي ولا عقلي، ولكن قد ظن من لم يفهم حقيقة القولين تعارضهما لعدم فهمه لفساد أحدهما.
ولذا .. فلا يمكن أن يحدث تعارض بين حقيقة علمية وخبر شرعي قطعي، وإنما عبرنا بالحقيقة العلمية لتخرج النظرية العلمية والفرضية العلمية، فالنظرية العلمية قابلة للصواب وللخطأ وكذا الفرضية، أما الحقيقة العلمية فلا تقبل التشكيك، وكثير
стр. 106
من الناس يأتي إلى بعض النظريات التي مازالت تحت الدراسة ولم يمط عنها اللثام ويجعل بينها وبين نصوص الوحي إشكالات ومعارضات.
وكروية الأرض أمر متفق عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: اعلم أن الأرض قد اتفقوا على أنها كروية الشكل، ثم قال: والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع، ثم قال: وأهل الهيئة والحساب متفقون على ذلك. انتهى
وأما دوران الأرض حول نفسها، ثم حول المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية بأكملها حول المجرة، كل ذلك أضحى حقيقة علمية، فدوران الأرض حول نفسها ينتج منه الليل والنهار، ودوران القمر حولها ينتج منه الشهر القمري، ودوران الأرض حول الشمس ينتج عنه الفصول الأربعة، فهل هذه الحقيقة العلمية تعارض نصوص القرآن أم تؤيدها؟
إذا نظرنا إلى قوله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) [يس:٣٨] وقوله تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) [الأنبياء:٣٣] وقوله تعالى (وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى) [لقمان:٢٩] فهذه الآيات تدل على جريان الشمس والقمر وبقية الأفلاك، أما ما يدعيه بعض الناس من أن القول بدوران الأرض لا يتفق مع القرآن فليس مع أصحاب هذه الدعوى حجة ولا دليل، أما قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [غافر:٦٤]
(أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) [النمل:٦١] (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [الأنبياء:٣١]
فهذه الآية تدل على أن الأرض قرار بالنسبة لنا وهذا ما نشعر به، ولكنها في ذاتها تدور وتسبح، ولا تعارض بين هذا وذاك.
وكون الأرض تدور لا يفيد أنها تضطرب، فاضطراب الأرض منفي بكتاب الله حيث وصفها بالقرار وثبتها بالجبال الرواسي حتى لا تميد وتضطرب بمن عليها، وخذ على ذلك مثلاً مشاهداً: فالسفينة التي تسير في البحر إن كانت خفيفة لعب بها الموج واضطربت يمنة ويسرة، فإذا وضعت فيها الأثقال امتنعت عن الميلان والاضطراب فثبتت ورسخت مع أنها متحركة.
وعلى كل حال الثابت -فعلاً- أن الكون يسبح ويتحرك، هذا ما أثبته العلم، وليس في القرآن ما ينفيه أبداً.
فليس في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ما ينفي حركة الأرض ودورانها
стр. 107
أو يثبت سكونها واستقرارها، وهناك آيات ذكر بعض المفسرين أنها تدل إجمالاً على حركة الأرض ودورانها ... وقد تواترت الأخبار من علماء الفلك المسلمين وغير المسلمين أن الأرض تدور وتتحرك كغيرها من الكواكب المبثوثة في هذا الكون، ومن المعلوم -كما هو مقرر في علم الأصول- أن من الأخبار المقطوع بها خبر التواتر، ولا يشترط فيه أن يكون من المسلمين بل يجوز أن يكون من المسلمين ومن غيرهم، قال الشيخ سيدي عبد الله في المراقي (ألفية الأصول):
واقطع بصدق خبر التواتر**** وسو بين مسلم وكافر
واللفظ والمعنى، وذاك خبر**** من عادة كذبهم منحظر.
فلا تكاد اليوم تطالع كتاباً يتحدث عن هذا الموضوع إلا وجدته يقرر هذه الحقيقة .... وهكذا الأمر بالنسبة لوسائل الإعلام وأحاديث أهل الاختصاص، يقول الدكتور حماد العبيدي في كتابه: الكون من الذرة إلى المجرة (الأرض هي الكوكب السيار الثالث من كواكب المجموعة الشمسية .... وتتميز عن كواكب المجموعة كلها بصلاحيتها للحياة ... ) ثم يقول: تسبح الأرض بنا في الفضاء كأنها سفينة، وسقفها هو غلافها الجوي، وهي مكيفة بالطاقة الشمسية .... وعند سيرها في دورانها حول الشمس تسير مهتزة متمايلة وتبدو وكأنها تتدرج إلى الوراء ذلك أنها تدور ضد عقارب الساعة وبسرعة تزيد عن (٢٣) كم في الثانية فكأنها صاروخ عابر للقارات، ورغم هذه السرعة المدهشة فإننا لا نشعر بشيء منها، لأن قوة جاذبية الأرض وثقل ضغطها الجوي على رؤوسنا يثبتنا على سطحها تثبيتا يجعلنا كأننا جزء من أديمها، وذلك من عجيب صنع الله تعالى.
هذه الدورة للأرض حول الشمس هي التي تنتج عنها الفصول الأربعة، وتتم في سنة هي السنة الشمسية التي يجري الحساب بها في سائر الأنشطة والأعمال التي يقوم بها الناس، وهناك دورة ثانية للأرض تتم في نفس الوقت مع دورانها حول الشمس، هذه الدورة هي دورتها حول نفسها من الغرب إلى الشرق في اتجاه عقارب الساعة بسرعة (١٦٠٩) كم في الساعة وتكملها في أربع وعشرين ساعة وينشأ عنها الليل والنهار.
وهذا ما درج عليه علماء التفسير في هذا العصر، حيث يقول الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه التفسير المنير: وكل من الشمس والقمر والأرض يسبح ويدور في فلكه في السماء كما يسبح السمك في الماء، فالشمس تسير في مدار نصف قطره (٩٣) مليون ميل، وتتم دورتها في سنة، والقمر يدور حول الأرض كل
стр. 108
شهر في مدار نصف قطره (٢٤) ألف ميل، والأرض تدور حول الشمس في سنة، وحول نفسها في يوم وليلة.
وهذا دليل على أن الله جعل لكل من الشمس والقمر والأرض مدارا مستقلا يدور فيه، فلا يحجب أحدهما ضوء الآخر إلا نادرا حينما يحدث خسوف الشمس أو كسوف القمر، كما قال الله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. كأنه أخبر أن كل كوكب سيار يدور ...
ويقول سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن: ..... إن كون الأرض تدور دورتها هذه حول نفسها أمام الشمس، وكون القمر بهذا الحجم وبهذا البعد من الأرض، وكون الشمس كذلك بهذا الحجم وهذا البعد وهذه الدرجة من الحرارة ... هي تقديرات من (العزيز) ذي السلطان القادر (العليم) ذي العلم الشامل ..... ولولا هذه التقديرات ما انبثقت الحياة من الأرض على هذا النحو، ولما انبثق النبت والشجر من الحب والنوى .... إنه كون مقدر بحساب دقيق .. لا مجال فيه للمصادفة العابرة ....
وفي موضع آخر يقول ﵀: وهذه الأرض تدور دورتها، وتخرج زرعها وتقوت أبناءها وتواري موتاها، وتفجر ينابيعها .... وفق سنة الله تعالى بلا إرادة منها.
ويقول في موضع آخر: .... فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس، فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهاراً، ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور، وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار.
وهذا السطح مكور، فالنهار كان عليه مكورا، والليل يتبعه مكورا كذلك، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل، وهكذا في حركة دائبة: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ. واللفظ يرسم الشكل ويحدد الوضع ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها، وكروية الأرض ودورانها يفسران هذا التعبير أدق من أي تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية .... انتهى.
وحركة الأرض ودورانها ليست من الواجب عقلاً أو المستحيل عقلاً بل هي من الجائز، فإذا أثبت أهل الاختصاص من المسلمين وغيرهم هذه الحقيقة ولم يكن في شرعنا ما يخالفها، فإن علينا أن نسلم بذلك ونحن على يقين جازم بأن ثابت الوحي لن يتعارض مع حقيقية علمية ثابتة، فمرد هذه الأمور التي لم يرد نص فيها قطعي
стр. 109
من الوحي إلى أهل الاختصاص من علماء الفلك، فالله يقول: فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴿الفرقان:٥٩﴾، ويقول تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴿النحل:٤٣﴾، ومما يجدر وضعه في الاعتبار أن هذه المسألة لا يترتب عليها حكم شرعي ولا ينبني عليها عمل تكليفي، فينبغي أن يكون البحث فيها لأهل الاختصاص من علماء الفلك هذا والله تعالى أعلم.
السؤال الخامس: ما تأويل قوله تعالى (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)؟
اعلم رحمك الله أن المفسرون اتفقوا على أن السماوات سبع، بعضها فوق بعض، واختلفوا في تفسير الأرضين السبع، فذهب الجمهور إلى أنها كرات كالكرة الأرضية، بعضها فوق بعض، بين كل أرض منها مسافة كما بين السماء والأرض، وأن في كل أرض منها خلق، لا يعلم حقيقتهم إلا الله تعالى. وقيل: إنها سبع أرضين، إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض. وقيل: إن الأرض كرة واحدة منقسمة إلى سبعة أقاليم وهذا القول ضعيف جداً. قال القرطبي في تفسيره: ذكر تعالى أن السماوات سبع، ولا خلاف في أنها كذلك، بعضها فوق بعض، كما دلَّ على ذلك حديث الإسراء وغيره، ولم يأتِ للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق:١٢]، وقد اختلف في المثلية؛ هل تكون في العدد واللفظ؟ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار، والجمهور على أنها سبع أرضين طباقًا، بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وعن الضحاك: أنها سبع أرضين، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات. قال القرطبي: والأول أصح؛ لأن الأخبار دالّة عليه. ومن هذه الأخبار ما رواه النسائي وغيره عن النبي ﷺ قال: لو أن السماوات السبع وعامرهنَّ، والأرضين السبع جعلن في كفةٍ، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهنَّ لا إله إلاالله. وقال ابن كثير في تفسيره: ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وخالف القرآن والحديث بلا مستند. أما ما رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (رقم:٨٣٢) عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق:١٢] قال:
стр. 110
سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. فقد تكلم فيه أهل العلم. قال البيهقي بعده: هو شاذ بمرة. وقال السيوطي في الحاوي: هذا الكلام من البيهقي في غاية الحسن، فإنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن، لاحتمال صحة الإسناد مع أن في المتن شذوذًا أو علة تمنع صحته. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: هو محمول - إن صح عن ابن عباس - على أنه أخذه من الإسرائيليات .. وذلك وأمثاله إذا لم يصح سنده إلى معصومٍ فهو مردود على قائله. وقال صديق حسن خان في "أبجد العلوم": وقد وقعت الزلازل والقلاقل لأجل ذلك الأثر لهذا العهد بين أبناء الزمان بما لا يأتي بفائدة، ولا يعود بعائدة .. ثم من استدل بهذا الأثر على إمكان وجود مثله ﷺ ، وكونه داخلاً تحت القدرة الإلهية فقد أطال المسافة، وأبعد النجعة، وأتى بما هو أجنبي عن المقام، وخارج عن النزاع. والله أعلم.
السؤال السادس: أين الجنة والنار؟
لا شك أن النار موجودة الآن كما أن الجنة موجودة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم.
قال الله تعالى عن فرعون وقومه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:٤٦].
ومن الأحاديث في ذلك:
- حديث: "أن النبي ﷺ رأى عمرو بن لحي في النار" رواه الشيخان.
- حديث: "أن الله لما خلق النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها ... الخ الحديث، وقد رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
- حديث: "اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء" رواه البخاري ومسلم.
والأدلة على ذلك كثيرة، لكن لينبغي أن يُعلم أن نصوص الكتاب والسنة لم تعين تحديد مكان لهما بصريح العبارة، ولهذا قال زروق المالكي في شرح الرسالة عند قوله: وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به .. ثم قال: لم يرد نص صريح في مكان الجنة والنار، والأكثر على أن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش؛ لقول الله تعالى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى*عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. والنار تحت الأرضين السبع. وقال العدوي في حاشيته عند النص المذكور: إن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش وإنه سقفها، ولم يصح شيء في مكان النار، وقيل إنها تحت الأرضين السبع، وقيل إنها محيطة بالدنيا وإن الجنة بعدها ... انتهى.
следующие страницы →