نحو ثقافة إسلامية أصيلة
تأليف
الدكتور عمر سليمان الأشقر
стр. 2
الطبعة الرابعة
١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م
حقوق الطبع محفوظة
دار النفائس للنشر والتوزيع
الأردن - عمان - العبدلي - مقابل جوهرة القدس
هاتف: ٦٩٣٩٤٠ - فاكس: ٦٩٣٩٤١ - ص. ب: ٢١١٥١١
إن دار النفائس للنشر والتوزيع - الأردن هي صاحبة الحق وحدها في طباعة مؤلفات الدكتور عمر سليمان الأشقر ولا صحة لما تزعمه بعض دور النشر من حصولها على إذن من المؤلف بطباعة مؤلفاته، وعليه فلا يجوز لأي جهة أن تطبع أو تترجم أو تصور كتب المؤلف المذكور أو جزءًا منها، وسوف نقوم بالإجراءات القانونية المتبعة للحفاظ على حقوقنا
بين يدي الكتاب
الحمد لله واهب النعم، رافع النقم، العزيز الوهاب، الذي لا يَعِزُّ من عصاه، ولا يضل من اتبع هداه، الذي جعل الرفعة والكرامة لمن سلك سبيله، والتزم شريعته، واقتدى برسوله المصطفى المختار، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، الذي جاءنا بالهدى والنور، فما زال بالبشرية حتى أقامها على المحجة البيضاء، وخلصها من سبل الغواية، وطرق الضلالة، وأوصلها إلى الشاطئ الآمن، والرياض الفيحاء، وعلى آله وصحبه الأخيار الأبرار الذين رضوا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا، وجاهدوا في الله حق جهاده، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فالدين الإسلامي المنزل من عند الله منهج حياة كامل واف، وهذا الدين يمثل الأصالة في حياة الأمة المسلمة، بل في حياة البشرية جميعًا، والانحراف عن هذا المنهج ونبذه يعدُّ جمودًا وتأخرًا ورجعية، وقد خسر العالم كثيرًا عندما انحط المسلمون حملة هذا الدين، خسر العَالم الروح الدافقة، والنور الهادي، والقيم والموازين، وقد حاول الغرب جاهدًا أن يذيب المسلمين في بوتقة ثقافته وحضارته، وأن يبعد المسلمين عن دينهم وشريعتهم، وأن يبث فيهم عقائده وأفكاره ونظرياته، وأن يحول قبلتهم إلى لندن وباريس وواشنطن وموسكو، وأن يرفع من شأن الذين تأثروا بفكره ومبادئه، حتى يكونوا رجال الفكر والأدب،
стр. 5
وعلماء الاقتصاد والسياسة، والمنظِّرون والمفكرون، وصبغ مناهج التعليم عندنا بالنظرة المادية، وسلب من مناهجنا ومحعبنا محتواها الإسلامي، وجاء بالمسرح والتلفاز والسيما وصبغها بالصبغة المعادية للإسلام، فأقام في ديارنا صروحًا تهزأ بالإسلام، وتسخر منه، وتغرضه بصورة منفرة، وجاء بأقوام سلمهم قيادنا" جعلوا كل همهم فصل الدين عن الحياة، وتطبيق القوانين التي تضاد الإسلام وتنابذه العداء، لقد اهتزت ثقافتنا الإسلامية بعنف ورياح الغرب العاتية تحاول أن تجتث أصولها، وتعرضت الشخصية الإسلامية للمسخ والذوبان بسبب الموثرات الهائلة التي صبت عليها من الغرب صبًا، ولقد صدق المفكر المسلم روجيه جارودي الذي اعتنق الإسلام بعد عمر طويل من الضياع عندما قال: "إن الحضارة الغربية ارتكبت أعظم جرم عرفه التاريخ بحق ثقافات العالم وشعوبه، لتبني لنفسها حضارة سلطوية شرسة تتجه اتجاهًا كارثيًا مخيفًا ربما يؤدي في النهاية إلى الدمار".
ولقد شاهدنا في فترة من هذا القرن ردة عنيفة عن الإسلام، وقد هالت تلك الردة المفكر المسلم أبا الحسن الندوي فإذا به يصرخ من أعماق قلبه: ردة ولا أبا بكر لها، لقد وُجِدَ لتلك الردة التي حاولت أن تجتث الإسلام في عصره الأول رجال في طليعتهم الصديق، ولكنها لم تجد في وقتنا حاكمًا من حكام المسلمين يواجه تلك الردة.
وضرب المسلمون في بيداء الفكر الإنساني، فجاؤوا بأفكار الشرق والغرب، وأصبح العالم الإسلامي بحرًا لجيًّا هادرًا يموج بالأفكار والنظريات. وانقسم عالمنا الإسلامي إلى فرق وأحزاب ودول وتكتلات فيها كل شيء إلا الإسلام، ونُبذ دعاة الإسلام نبذ النواة، وأقيمت لدعاة الإسلام في ديار الإسلام أعراس حمر
стр. 6
قطعت فيها رؤوسهم، وانتهكت حرماتهم، وصودرت أموالهم، وألصقت بهم كل تهم الخيانة والفساد، وتكشّف ليل الأمة الإسلامية عن بلاء رهيب ضاعت فيه المقدسات، وأقيمت فيه لأعداء الإسلام في مسرى الرسول ﷺ دولة، وصال أعداؤنا وجالوا في ديارنا وقهروا دولنا وجيوشنا وأذاقونا البلاء أشكالًا وألوانًا، وأفاقت الأمة على واقع مرير، ونظرت إلى الزعامات والرئاسات والنظريات والفلسفات التي كانت تمنيها بالعزة والكرامة والحياة الطيبة ... ، فإذا بذلك كله سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده، وبلغت المأساة قمتها عندما أثارها الصليبيون واليهود في لبنان فتنة راح ضحيتها رجالنا ونساؤنا وأطفالنا ونحن ساكتون سكوت الموت، وأثارها الشيوعيون علينا حربًا شعواء في أفغانستان، وما أخبار ما يفعله الصليبيون في الحبشة والفلبين بسر.
لقد أفاقت الأمة الإسلامية وخيول الصليبيين واليهود والشيوعيين تدق معاقل الإسلام في شرقه وغربه، وتلفتت إلى الدول المتمدنة والمتحضرة التي أقامت هيئة الأمم ومجلس الأمن تطلب نصرًا، وتريد عدلًا، وتطمع في الخلاص، فكان حالها كحال المستجير من الرمضاء بالنار.
لقد اقتنع كثير من المسلمين اليوم أن الإسلام هو الملاذ الوحيد لهذه الأمة التي اجتمع عليها أعداؤها وأحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم، والأكلة بالقصعة، فعادت الأصوات ترتفع من هنا وهناك معلنة التوبة عن ماض شائن، وأفكار عفنة، وعمالة منتنة، عادت الوجهة إلى الإسلام وكعبة الإسلام ورب الإسلام، وأسلمت الجموع قيادها لربها، ورضيت به إلها وبدينه منهجًا، وبرسوله مرشدًا وموجهًا، وأخذت الأصوات تتعالى هنا وهناك، مطالبة برفع راية الجهاد، وتحكيم شرع الله، والالتزام بأخلاق الإسلام، ومنابذة الكفرة العداء، ومن جملة
стр. 7
ذلك العودة إلى العلوم الصافية الأصيلة، وإصلاح الفاسد من مناهج التعليم، ونبذ الدخن الذي خالط العلوم والكتب والمناهج.
لقد طالب رجال الفكر بأسلمة مناهج التعليم، وجعل الإسلام محور المناهج والدراسات، وعَرْض الإسلام لأبناء الإسلام عرضًا غضًا طريًّا، وطالب الأخيار بأن يزود الطلبة في الجامعات بقسط من الثقافة الإسلامية يمثل الحدَّ الأدنى من المعرفة التي ينبغي أن يحيط بها كل طالب. وقد وجدنا الطلبة في جميع الجامعات يقبلون على دراسة الثقافة الإسلامية إقبالًا منقطع النظير، وألفت في الثقافة مؤلفات كثيرة بين مطول ومختصر، ويأتي هذا الكتاب في الثقافة الإسلامية ليضم إلى الجهود التي سبقت في هذا المجال، ولم يأت هذا الكتاب من فراغ، فهو حصيلة لمطالعات كثيرة، ودراسات متواصلة في علوم مختلفة، انتهت إلى هذه الخلاصة في مجال الثقافة الإسلامية، وقد قمت بتدريس الثقافة في المعاهد التابعة لوزارة التربية وفي جامعة الكويت عده سنوات، وكانت مباحث هذا الكتاب محور المحاضرات والدروس.
وهذا الكتاب يقع في مقدمة وسبعة أبواب، وقد حاولت أن أضع في المقدمة تصورًا وافيًا للثقافة الإسلامية، فقد حددَّت مفهومها وأصولها وموضوعها وأهم معالمها ومراجعها وبينت خصائصها، وألقيت الضوء على الثقافة الغربية التي تزاحم الثقافة الإسلامية في ديار الإسلام، ورصدت الانحراف الذي طرأ على الثقافة الإسلامية الأصيلة.
وختمت هذه المقدمة ببيان عناوين الدين الإسلامي ومراتبة وعلومه، والعلوم الرئيسة التي تدور في فلك الشريعة الإسلامية ثلاثة، هي العقيدة والأخلاق والفقه، وقد تعرضت لبيان كل علم من هذه العلوم وأعطيت فكرة واضحة عنه
стр. 8
وعرضت لأهم مباحثه، وحددت أهم المراجع التي يرجع إليها في كل علم من هذه العلوم.
ففي الباب الأول الخاص بالعقيدة بينت أهمية العقيدة، كما أوضحت المناهج التي سلكها العلماء من قبل في إثبات العقائد، وأشدت بالمنهج القرآني النبوي، وحذرت من المنهج الذي يزاحمه ويعارضه وهو المنهج الفلسفي الكلامي، وبينت أمورا في غاية الأهمية في باب العقائد، ثم تناولت كل أصل من أصول الاعتقاد بشيء من التفصيل، وركزت على الأصل الأول، وهو العقيدة في الله، لأنه أصل الأصول، والركيزة التي يقوم عليها الإيمان والإسلام، وتعرضت تعرضًا سريعًا لنفي بعض الشبه التي يوردها الملحدون، بعد أن ذكرت براهين وجود الله، وفي ختام هذا الباب تحدثت عن أثر الإيمان في الأفراد والجماعات.
وعقدت الباب الثاني للآداب الشرعية ومكارم الأخلاق، فعرفت كلًّا منهما, وعرضت لجملة من الآداب الشرعية والأخلاق الإسلامية.
وعرفت في الباب الثالث الفقه الإسلامي، وألقيت نظرة عجلى على أقسام موضوعاته، وفرقت بينه وبين الشريعة الإسلامية، وألمحت إلى مساره عبر القرون، ثم تحدثت عن الأسس التي قامت عليها الشريعة الإسلامية، وختمت بحثي في هذا الموضوع بتعريف موجز لكل أصل من الأصول التي قام عليها الفقه الإسلامي.
والأبواب الأربعة التالية عرضت فيها لعلوم انفصلت عن الفقه الإسلامي ولا غنى للمسلم عن أخذ فكرة وافية عنها.
ففي الباب الرابع عرضت للأسرة في الإسلام مبينًا أهميها ومنهج الإسلام في تكوين الأسرة معرجًا على نظام الطلاق في الإسلام رادًّا للشبهات التي أثيرت حول
стр. 9
تعدد الزوجات، وعقدت فصلًا طويلًا لبيان وضع المرأة في التشريع الإسلامي، كاشفًا اللثام عن أدعياء التقدم الذين يزعمون مناصرة المرأة وواقع الأمر أنهم يدمرونها ويدمرون الأسرة، وبينت كثيرًا من الشبهات التي أثارها المستغربون في دعواهم أن الإسلام ظلم المرأة.
وفي الباب الخامس تعرضت لنظام العقوبات في الإسلام، وبينت أنواع الجرائم والعقوبة التي أوقعتها الشريعة على كل منها، ورددت بعض الشبهات التي تثار حول العقوبات في الإسلام، وأعطيت صورة عجلي لوضع الجريمة في العالم الغربي، تبين الدمار الذي تنحدر إليه تلك المجتمعات عاجلًا أم آجلًا.
وفي الباب السادس، تعرضت للنظام الاقتصادي الإسلامي، مبينًا أهم المبادئ التي يقوم عليها هذا النظام، معرفًا بالمجالات الإقتصادية الإسلامية، وفي ثلاثة فصول عرضت عرضا سريعًا، لأنواع الملكية والربا والمصارف الإسلامية.
وفي الباب السابع والأخير عرضت للنظام السياسي الإسلامي، وقد افتتحته بالتدليل على وجود هذا النظام في الإسلام, مبينا أن الذين نفوا ذلك مغرضون، ثم تحدثت في فصلين متتاليين عن مميزات الدولة الإسلامية ووظيفها، وفي الفصل الرابع تحدثت عن رئيس الدولة الإسلامية: ألقابه والشروط الواجب توافرها فيه، وطريقة اختياره، وحقه على الرعية، وحق الرعية في الدولة الإسلامية، وختمت هذا الباب كما ختمت كل باب قبله يذكر بعض المؤلفات في النظام السياسي.
وأحب أن أقرر في خاتمة هذا التمهيد أن هذا الكتاب جاء ليعطي فكرة عن الإسلام وعن العلوم الدائرة في فلكه، ولم يأت ليبلغ الغاية في كل علم من العلوم التي تعرضت لها فيه، لأن هذا ليس شأن الثقافة، بل شأن الدراسات المتخصصة، وأحب أن أصرح أيضًا بأنني لم أبلغ الغاية في بحثي، فالكمال لله
стр. 10
وحده، ولكنني بذلت في ذلك جهدًا ليس بالقليل، وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت، وأسأله تعالى إن كان هذا الكتاب صالحًا نافعًا - أن يهيئ انتشاره في بقاع الأرض لينتفع به عباد الله الذين يريدون معرفة دين الله، وأن يسخر الصالحين من القائمين على شأن التعليم في بقاع الأرض لتسهيل الانتفاع به في مجال الثقافة الإسلامية في المعاهد والجامعات، وأسأل الله تعالى أن ينفعني به ويثيبني عليه، ويجعله حجة لي لا علي في يوم لقياه، إنه نعم المولى ونعم المجيب.
د. عمر سليمان الأشقر
كلية الشريعة - جامعة الكويت
стр. 11
المقدمة
مفهوم الثقافة وخصائصها
وتشتمل على ستة (*) فصول:
الفصل الأول: مفهوم الثقافة وموضوعاتها.
الفصل الثاني: أصول الثقافة الإسلامية.
الفصل الثالث: الثقافة الإسلامية بين الأصالة والانحراف.
الفصل الرابع: خصائص الثقافة الإسلامية.
الفصل الخامس: الصراع بين الثقافة الإسلامية والثقافات الجاهلية.
الفصل السادس: عناوين الدين الإسلامي ومراتبه.
стр. 12
الفصل الأول مفهوم الثقافة
المبحث الأول: تعريف الثقافة عند إطلاقها وعند إضافتها .
شاع استعمال لفظ "الثقافة" في عصرنا في مجال الحديث والتأليف والمحاضرات والندوات، فيقال: فلان مثقف، وفلان غير مثقف، وفلان ثقافته واسعة، وفلان ثقافته ضحلة، ويقال: الثقافة الغربية، والثقافة الإسلامية، والثقافة الفرنسية، فما المراد بالثقافة؟
ليس الجواب عن ذلك سهلًا، فالثقافة لم تعرف تعريفًا واضحًا لا يختلف عليه، على الرغم من كثرة المؤتمرات والمؤلفات والمحاضرات التي تبحث في الثقافة وميادينها، وقد ناقشت إحدى لجان المؤتمر العالمي الثاني الذي دعت إليه اليونسكو للبحث في السياسات الثقافية، والمنعقد في دولة المكسيك في الفترة من ٢٦ يوليو - تموز إلى ٦ أغسطس - آب من عام ١٩٨٢، وحضره ممثلون عن (١٢٩) دولة - ناقشت تعريف الثقافة، وقد أجمع أعضاء اللجنة على أن هذه الكلمة لا تزال غامضة، وغير محددة، على الرغم من أن مفهومها أصابه توسع ملموس في المناقشات التي جرت منذ انعقاد المؤتمر العالمي الأوّل للثقافة في البندقية في عام ١٩٧٠.
وقد استخدمت أثناء المناقشة بعض التعريفات التي تتخذ مكانها بين مفهومين متعارضين:
أحدهما: عام مستمد من (الانثربولوجيا) الثقافية، ويشمل كل ما أضافه الإنسان إلى الطبيعة، ومجموع طرائق التفكير والممارسة والفن وأسلوب الحياة،
стр. 13
والتعبير عن الكرامة الإنسانية، والمفهوم الثاني: ضيق إلى درجة أن بعضهم وصفه بأنّه ثقافة الثقافة، ولذا فقد طالبت اللجنة بأن يتجه الجهد إلى البحوث، وتعميق المفاهيم حتى يمكن التأمل في مفهوم الثقافة (١).
وعدم وضوح التعريف يجعل الباحثين والكتاب في الثقافة غير محددي الاتجاه، وغير واضحي المباحث والأفكار، ولذلك يجدر بنا أن نقف مع تعريف الثقافة وقفة تحدد التعريف وتبين مفهومه.
والذي يظهر لي أن هناك فرقًا بين اللفظ المفرد: (ثقافة)، واللفظ المركب: (ثقافة الأمة).
المبحث الأول تعريف الثقافة عند إطلاقها
فالثقافة كلفظ مفرد يراد بها في الاستعمال الأخذ من كل علم بطرف، ولا يراد بها التعمق في دراسة علم من العلوم، ولذلك يقولون: "تعلم شيئًا عن شيء لتكون مثقفًا، وتعلم كل شيء عن شيء لتكون عالمًا" (٢).
وإذا رجعت إلى معاجم اللغة العربية، فإنك تجد بين معنى الثقافة هذا والمعنى اللغوي صلة ونسبًا، فالإنسان لا يكون واسع الاطلاع، ملمًا بمختلف العلوم إلا إذا كان حاذقا جيد الفهم، والحذق وجودة الفهم هما المحور الذي تدور عليه مادة: "ثقف" في لغة العرب، فهم يقولون: "ثقف الشيء ثقفًا: حذقه، ورجل ثقف - وثَقْفٌ: حاذق فَهِم، ويقولون: رجل ثقف لقف، إذا كان
стр. 14
ضابطا لما يحويه، قائمًا به، ويقولون:
هو غلام ثقف: أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، وجاء في حديث أم حكيم بنت عبد المطلب: "إنّي حصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم" (١).
وتقول العرب: ثقفه أدركه ببصره، لحذق في النظر، ثم أطلق على مجرد الإدراك، وتحصيل الشخص للعلوم المختلفة - يدخل في هذا الباب، لأنّه إدراك لتلك العلوم.
وقد أدرك العلماء المسلمون أهمية وضع علم يعطى قارئه اطلاعًا جيدًا في العلوم المختلفة، والعلم الذي وضعوه لهذا الغرض هو "علم الأدب"، وإذا أنت رجعت إلى كتاب من كتب الأدب كصبح الأعشى للقلقشندي، ونهاية الأرب للنويري، وتصفحت الموضوعات التي تناولتها هذه الكتب - فإنك تجدها تطلع قارئها على جملة جيدة في كل علم من العلوم التي لا بدَّ منها لمن نعده - اليوم - شخصًا مثقفًا.
وهذه الكتب وضعت في الأصل لتثقيف الذين يقومون على ديوان الإنشاء، وهو الجهاز الذي يخاطب الحاكم من خلاله الشعب والولاة وحكام الدول الأخرى، وما لم يكن موظفو هذا الديوان ملمين بالعلوم التي توسع آفاقهم، وتقوم ألسنتهم، وتزيد معارفهم، وتكشف لهم عن طبائع الذين يخاطبونهم، فإنهم لن يستطعوا القيام بالمهمة المناطة بهم.
يقول القلقشندي في صبح الأعشى: "اعلم أن كاتب الإنشاء، وإن كان يحتاج
стр. 15
إلى التعلق بجميع العلوم، والخوض في سائر الفنون، فليس احتياجه إلى ذلك على حدّ سواء" (١).
وهو هنا يقرر أمرين:
الأول: أن كاتب الإنشاء ينبغي أن يكون آخذًا من كل علم بطرف.
الثاني: أن حاجته إلى هذه العلوم متفاوتة، وأهم هذة العلوم لكاتب الإنشاء علم اللغة.
وقد أصبحت كنب الأدب - في تلك العصور - محل عناية الفئة المثقفة من أبناء المسلمين خاصة أولئك الذين يطمعون في الوصول إلى ديوان الإنشاء، ولا يستننى عنه طالب علم يبغي تهذيب نفسه وتقويمها، وتوسيع آفاق فكره، يقول ابن قتيبة في مقدمة كتابه: "عيون الأخبار": "جمعت لك منها (أي الأخبار) ما جمعت في هذا الكتاب، لتأخذ تفسك بأحسنها، وتقومها بثقافها، وتخلصها من مساوئ الأخلاق، كما تخلص الفضة البيضاء من خبثها، وتروضها على الأخذ بما فيها من سنّة حسنة، وسيرة قويمة، وأدب كريم، وخلق عظيم، وتصل بها كلامك إذا حاورت، وبلاغتك إذا كتبت" (٢).
وقد شبه الكتاب في فنون الأدب كتبهم التي صنفوها في هذا العلم بالمائدة التي حفلت بكل ما لذَّ وطاب: "وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين" (٣).
وفي لسان العرب: "الأدب الذي يتأدب به الأديب من الناس، سمي أدبًا، لأنه يؤدي بالناس إلى المحامد، وينهاهم عن القبائح" (٤).
стр. 16
تعريف الثقافة عند إضافتها للأمّة:
وضح لنا المراد بكلمة "ثقافة" عند إطلاقها، أما إذا أضيفت إلى الأمّة، فالمراد بها تراث تلك الأمّة الحضاري والفكري في جميع جوانبه النظرية والعملية الذي تمتاز به الأمّة، وهذا التراث الذي يشكل ثقافة الأمّة متداخل مترابط يشكل إطارًا ومحيطًا يحكم الأفراد والأسر والمجتمع في كل أمّة.
وثقافة الأمّة في جوانبها المختلفة تشكل أسلوبها في الحياة, فعقيدة الأمّة وتاريخها ونظرتها إلى الحياة، والأفكار والنظريات التي تدور في عقول أبنائها ومفكريها، وتدون في كتبها ودراساتها - تشترك جميعًا في تحديد الأسلوب الذي يحكم حياة الأمّة، ويضبط مسارها، ولذلك عرف بعض الباحثين الثقافة بقوله: "هي أسلوب الحياة السائد في مجتمع من المجتمعات" (١).
والأفراد في كل مجتمع من المجتمعات يتشربون -منذ أن تتفتح عيونهم على الحياة- ثقافة الأمّة التي يعيشون فيها، وتأثر هذه الثقافة في تكوينهم الفكري والعقائدي والخلقي، ويندمج الفرد بذلك في مجتمعه، وتتكون عاداته وتقاليده شيئًا فشيئًا، يقول الرسول ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (٢)، فالوليد خامة نظيفة طاهرة ليس فيها دنس الشرك والمعاصي، ولكن الوالدين يغرسان في ولدهما فكرهما وعقيدتهما وأسلوب حياتهما، وإذا خرج بعض الأفراد في مجتمع ما عن الطريقة التي ينهجها ذلك المجتمع- فإنَّ أبناء جلدته لا ينظرون إلى هذا الخارج عن طريقتم نظرة الرضا،
стр. 17
ويعتبرهم خارجين على تعاليم الآباء والأجداد، ومتمردين على قيم وآداب مجتمعهم، وقد يعاقب المجتمع هؤلاء الخارجين عن نمط حياته عقوبات رادعة.
واعتبر في هذا بحال الأنبياء مع أقوامهم، فقد اعتبروهم خارجين عن طريقهم، وناصبوهم العداء، ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣].
وتهددوهم بالقتل على خلافهم لهم ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦].
واستمسك الضالون بتراث الآباء والأجداد ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ [سورة: الزخرف ٢٢ - ٢٥].
إن هذا الذي وجدوا عليه آباءهم وصدّهم عن اتباع الرسل هو تراث الآباء العقائدي والفكري والحضاري، ذلك التراث الذي تربوا عليه ونشؤوا عليه، وهو الذي نطلق عليه اليوم اسم الثقافة، فالأمم جميعًا ثقافتها تحيط بها وتشكل حياتها، وتأسر الذين يعيشون في إطار مجتمعاتها.
الثقافة الصالحة والثقافات الجاهلية:
من العرض السابق يمكن أن نستنتج أن الثقافة قد تكون سويّة صالحة، وقد تكون ضالة جاهليَّة، فإذا كانت الثقافة مبنية على الإيمان بالله، والتوجه إليه،
стр. 18
والتحاكم إلى شريعته، والتصديق بما جاء من عنده - فإنها ثقافة سويّة صالحة، وإلَّا فإنها ثقافة جاهلية ضالة، وكلّ الأمم التي رفضت دعوة الرسل على اختلاف مناهجها ثقافها ضالة منحرفة ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
وقد جاءت الرسل لإصلاح الحياة الإنسانية وتقويمها وتطهيرها، ولا يجوز لأحد أنه يدعي أن ثقافات الأمم متساوية، وهي بذلك غير قابلة للنقد والتقويم، وقد خلط الإعلان النهائي للمؤتمر العالمي الثاني للثقافة الذي نظمته اليونسكو عام ١٩٨٢ م في المكسيك حقًّا بباطل عندما قال: "إن لكل ثقافة قيمها، وإن تأكيد الذاتية الثقافية يسهم في تحرير الشعوب، ويزيد من ازدهار الجنس البشري، وإن جميع الثقافات جزء لا يتجزأ من التواث المشترك للإنسانية، وإن كل الثقافات متساوية في إطار الكرامة، وإنه لا بدَّ من الاعتراف لكل شعب، ولكل مجتمع ثقافي بحقه في تأكيد ذاتيته الثقافية، وفي صونها، وفي كفالة الاحترام الواجب لها" (١).
والباطل الذي ورد في هذا الإعلان أن الثقافات متساوية، ووجوب الاعتراف لكل مجتمع ثقافي بحقه في تأكيد ذاتيته الثقافية .. ، وهذا القول قد يكون صوابًا في ثقافات الأمم النابعة من عاداتها وتقاليدها .. ، ، فليس من حق أمّة أن تفرض على أمة أخرى ثقافتها، لأن ثقافات الأمم في هذه الحال متساوية، ولكن الحال يختلف إذا كانت ثقافة الأمّة نابعة من دين إلهي سماوي منزل من عند العليم الحكيم، فيكون التسوية بين هذه الثقافة الصالحة، والثقافات الجاهلية تسوية ظالمة ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [سورة: القلم ٣٥ - ٣٦].
стр. 19
المبحث الثاني الفرق بين العلم والثقافة وأثر هذا الفرق
" العلم هو مجموعة الحقائق التي توصل إليها العقل الإنساني في مراحل تفكيره وتجاربه وملاحظاته المتسلسلة بتسلسل الزمن، والمحررة بالامتحانات المتكررة، فلا تختلف بتفاوت الأذواق، ولا تتغير بتغير المصالح" (١).
وهذا النوع من العلم تراث إنساني عالمي، لا تختص به أمّة دون أمّة، ولا تحتكره قارة من قارات الأرض، فيكون غيرها عالة عليها فيه، إنه مشاع كالهواء الذي نتنفسه، والبحار التي تحيط باليابسة، وتمخر فيها ألوف السفن حاملة مئات الأعلام، ولا زالت الدول تتبارى وتتنافس في تحصيل هذه العلوم، بل إن الدول الكبرى تبذل الأموال النفيسة لمن يعرفها الأسرار العلمية التي توصلت إليها الدول التي تخالفها في عقيدتها ومبدئها، ولكن رجال الإصلاح ورجال القيادة في تلك الدول نفسها يقضون الليالي الطوال باحثين عن الطريقة التي يحمون بها أبناء أمتهم من العقائد الدخيلة الوافدة.
وقد أقام الغرب الرأسمالي بناءه العلمي الشامخ على النتائج التي توصل إليها علماؤنا المسلمون من قبل في مجال الطب والهندسة والحساب والجبر والفلك وغيرها من العلوم. وإذا كان العلم تراثًا إنسانيًا عالميًا، تتوقف نهضة آية أمة من الأمم على الأخذ به - فإن واجبنا أن نستفيد من علوم الشرق والغرب، والأوائل والأواخر، ونبني الصروح العلمية التي تجعلنا أمّة قويّة مرهوبة الجانب، وقد أمرنا القرآن ببناء القوة الحربية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وإعداد القوة اليوم المتمثلة في الطائرة والدبابة والبارجة والغواصة والبندقية والمدفع
стр. 20
والصاروخ والقنبلة الذريّة والهيدروجينية - لا يتم إلا بإتقان علوم كثيرة. هذا في العلم المادي.
أمّا الثقافة فالأمّة الإسلامية لها ثقافها التي تشكل شخصية الفرد والأمّة، وتميزها عمن عداها، ومتى انسلخت الأمّة الإسلامية من ثقافتها التي تتمثل في قيمها وأخلاقها وتشريعها وآدابها فإن ذلك مؤذن بزوالها ودمارها، وبذلك ترتد إلى الجاهلية التي جاء الإسلام لينقذها منها.
وإذا عرفنا هذا علمنا ما نأخذ وما ندع من حضارة الغرب.
المبحث الثالث الفرق بين الثقافة والحضارة
كلمة "حضارة" ككلمة ثقافة، يكثر دورانها اليوم في المحاضرات والندوات والتأليف، فيقولون: فلان متحضر، وفلان غير متحضر، والأمّة الإسلامية أمّة متحضرة، وكما يوصف الأفراد والجماعات بالتحضر توصف بها الأعمال، فالمعاملة المهذبة توصف بأنها حضارة، والغلظة والجفاء توصف بعكس ذلك.
والعرب تريد بالحضارة ما يقابل البداوة، والحاضرة تقابل البادية، وخلاصة ما في المعاجم اللغوية عن مادة حضارة تنتهي بنا إلى أن الحضارة هي حياة المدينة، والبداوة هي حياة البادية، والحضر سكان المدن، والبدو سكان الصحراء.
ولم تعد كلمة حضارة في العرف المعاصر مقصورة على مدلولها القديم المقابل لمدلول كلمة "بداوة"، وإنما جاوزته إلى مدلول آخر هو التعبير عن ارتقاء المجتمع وارتفاعه عن المستويات البدائية, ويقصدون عادة بالمجتمع المتحضر ذلك المجتمع الذي له قيمه الروحية الرفيعة، وأساليبه المادية المتطورة في مواجهة الحياة الطبيعية.
стр. 21
وبناءً على هذا التعريف لكلمة "حضارة يكون مصطلح الحضارة أوسع وأشمل من كلمة ثقافة، فالثقافة كما عرفنا هي أسلوب الحياة السائد في مجتمع ما، وهذا الأسلوب إنما هو ثمرة الصفات الخلقية، والقيم الإجتماعية، والمبادئ الروحية، والأصول العقائدية، فالثقافة على ذلك هي المحيط الذي يشكل طباع الفرد وشخصيته، أمّا الحضارة فإنها تضم إلى جانب هذا الرقي المادي الذي بلغه الفرد، وبلغته الأمّة.
ويرى بعض الباحثين أن مدلول الثقافة مساوٍ لمدلول الحضارة، فيشمل كل منهما الجانب المعنوي والجانب المادي.
ويرى فريق ثالث أن الحضارة تعني ما توصل إليه مجتمع ما من تقدم مادي في الصناعات والابتكارات والمخترعات والبناء والزراعة وغير ذلك، ولا يُعدُّونها إلى الجانب المعنوى في حياة الأمة (١).
وينبغي أن نلاحظ هنا أمرين، الأول: أن علاقة الثقافة بالحضارة مبنية على تحديد المعنى الاصطلاحي لكل منهما، فقد يكون الاصطلاحان متساويين، وقد يكون مدلول الحضارة أوسع, وقد يكون مدلول كل منهما مختلفًا عن الآخر، وقد قال العلماء قديمًا: لا مشاحَّة في الاصطلاح.
الثاني: أن العلاقة بين الثقافة والحضارة علاقة وثيقة، فإمّا أن تكون الحضارة والثقافة شيئًا واحدًا، فثقافة الأمّة وحضارتها بناء على ذلك تعني المستوى الرفيع الذي بلغته الأمّة في فكرها وتصوراتها وعقائدها وأخلاقها، وإمّا أن تكون الثقافة
стр. 22
هي الركيزة التي تقوم الحضارة عليها - إذا عنينا بالثقافة الجانب المعنوي، وبالحضارة الجانب المادي.
المبحث الرابع موضوع الثقافة الإسلامية
بعد أن عرَّفنا الثقافة بمعناها المفرد ومعناها المركب يحسن بنا أن نحدد موضوع الثقافة الإسلامية، وهنا ينبغي أن نتذكر تعريف الثقافة بمعناها المركب، وقد قلنا إن الثقافة بهذا المعنى تعني: "أسلوب حياة الأمة" وهذا الأسلوب يحدده عند الأمم الأخرى تراثها الفكري والحضاري، وأمّا عند المسلمين فيحدده الإسلام، بل إن الإسلام في حقيقته "منهج حياة متكامل"، ومحور ثقافة الأمة بناء على ذلك الإسلام في عقائده وأخلاقه وطرائقه وفي السلوك والاقتصاد والسياسة والاجتماع والتشريع.
стр. 23
الفصل الثاني أصول الثقافة الإسلامية
كل ثقافة لها منابعها وأصولها، فأصول الثقافة الغربية يمكن إعادتها إلى الكتابين السماويين المحرفين: التوراة والإنجيل، وإلى القانون الروماني, وجهود العلماء الأوربيين، والتاريخ الأوربي.
أما أصول الثقافة الإملامية فهي الوحي الإلهي الذي يتمثل في الكتاب والسنة، فالوحي الإلهي هو الذي بنى التصور العقائدي الواضح السليم عند الأمّة الإسلامية، وهو الذي حدد الوجهة والطريق، كما حدد معالم الطريق، وبين النطم والتشريعات التي تحكم الأمّة.
وقد كان الوحي يعيد صياغة الفرد في معتقداته وأفكاره ويزكيه ويطهره، وينشئ العلائق والروابط، ويؤسس الصرح الذي يقوم عليه بناء الأمّة.
وكان الرسول ﷺ هو الأنموذج الذي يمثل هذا الدين، وكان المعلم والمربي والقائد والحاكم الذي اختاره الله ليرفع صرح الإسلام عاليا.
ولا تزال نصوص الوحي السماوي وسيرة الرسول ﷺ هي التي تحكم ثقافة الأمّة وتقومها.
وتاريخنا الإسلامي يمثل نماذج للثقافات التي تفاعلت مع الإسلام عبر القرون.
стр. 24
الفصل الثالث الثقافة الإسلامية بين الأصالة والانحراف
المبحث الأول أهم معالم الثقافة الإسلامية الأصيلة
كلما انضبطت ثقافة الأمة الإسلامية بالاسلام كلما صعدت في مدارج الرقي, وقد تحقق هذا الكمال في عصر الصحابة والتابعين، ثمَّ دخل في ثقافة الأمة، ليس منها، وعند ذلك خالطها الدخن الذي أخبرنا الرسول ﷺ به، وقد يشتد هذا الدخن حتى لا تكاد تظهر معه معالم الثقافة الإسلاية الأصيلة، وقد يخف نتيجة جهود الدعاة والمصلحين فتعود الأصالة إلى البروز.
والباحث في هذا الجانب لا بدَّ أن يعود إلى أمرين:
الأول: الإسلام، لأنه هو الذي شكل ثقافة الأمة، ووضع لها القواعد والضوابط.
والثاني: المجتمع الإسلامي، الذي تفاعل مع الإسلام وكوّن تلك الثقافة في واقع مشهود، بحيث أصبحت إطارًا تؤثر في حياة الأفراد وتوجهاتهم.
وسنحاول أن نبرز في هذا المبحث أهم معالم الثقافة الإسلامية الأصيلة:
١ - بناء العقل الإنساني بناء سويّا:
لقد كان العقل الإنساني نتيجة المبادئ الضالة والانحرافات العقائدية -
стр. 25
مشوها في بعض جوانبه، مظلمًا في جوانب أخرى، يفكر تفكيرًا معوجًا، ويحكم حكما مشربًا بالهوى، لقد ارتضى العقل الإنساني الخضوع للأشجار والأحجار، وعبد الشمس والقمر، والإنسان والحيوان، وسيطرت عليه الخرافة، فاعتقد أن الملائكة بنات الله، وظن أن أرواح الملائكة حَلت في النجوم، وقامت الحروب انتصارًا لعقيدة فاسدة يكذبها الواقع الصادق، فجاء الإسلام ليعيد ترتيب العقل الإنساني، ويكشف عنه الزيف والخرافة, ويفك عنه إساره، ثم يطلقه ليعرف ربّه من خلال آياته المسطورة والمنظورة, ثمَّ يأمره أن يفكر في نفسه وفي الكون بقصد البناء والإعمار.
٢ - وضوح الهدف والغاية:
أصدق ما يطلق على البشر الذين لم يهتدوا بهدي الله أنهم ضالون، والضال هو الضائع التائه الذي لا يعرف طريقه ووجهته، والبشر قبل إشراق نور النبوة كانوا كذلك، الأنعام أهدى سبيلًا منهم، لا يعرفون لماذا خلقوا، ولا يعلمون الوجهة التي ينبغي أن تتجه أعمالهم وأقوالهم إليها، فجاء الإسلام فعرفهم بالهدف والطريق الموصل إليه، وقال لهم أنتم مخلوقون لعبادة الله وحده، وهذا الدين أنزله الله إليكم ليدلكم كيف تعبدونه، وعرفهم بالجزاء الذي يستحقونه في حال استقامتهم، وفي حال اعوجاجهم.
وعندما وضح السبيل والغاية وتحركت الأمّة الإسلامية في المسار الصحيح صلح أمر الناس، وإنجابت عنهم الظلمات.
٣ - الإيمان الصادق العميق:
الذي ينظر في المجتمع الإسلامي يجد أن أفراده كانوا شديدي الصلة بالله،
стр. 26
وكان ارتقاء الفرد في مجتمعه محكوما بارتقافه بصلته بربّه، وإذا خبا هذا الاتصال فإن الفرد يضعف، وتبدو عليه علامات المرض، والإيمان الصادق معرفة قويّة قويمة بالله، وتوجه إليه بالقلوب والمشاعر توكلًا واعتمادًا وحبًا ورجاءً وخوفًا، وتوجه إليه بالعمل، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [سورة الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
٤ - الانتماء لأمة الفكرة والعقيدة:
أصبح الانتماء في المجتمع الإسلامي للأمة الإسلامية، والأمّة في الإسلام هي الفئة التي ارتضت أن تجتمع على أساس من عقيدة الإسلام بغض النظر عن اختلاف أجناسها ولغاتها وألوانها وديارها.
وكانت العصبيات القبلية والجنسية ولا زالت تمزق الشعوب وترفع بينها لواء العداوة والبغضاء، وتقوم الحروب ليؤكد كل فريق أنه الأعز.
جاء الإسلام ليقول للناس: أصلكم واحد، وأبوكم واحد، وربكم واحد، ودينكم واحد، فالتفاضل بينكم بالتقوى، لا باللون أو الجنس.
وارتقى المسلمون في تصورهم للعلاقة التي تربط بين البشر إلى مستوى القمة، فالرابطة التي تجمعهم رابطة العقيدة، والأمة التي ينتسبون إليها هي أمّة الإسلام.
٥ - مجاهدة الباطل:
التقوى والفجور خطَّان يتعاوران النفس الإنسانية والمجتمعات الإنسانية، وقد مرنت المجتمعات الإسلامية بتوجيهات الإسلام على محاربة الباطل، فالإنسان
стр. 27
يحارب النفس الأمارة بالسوء، ووساوس الشيطان، وهو يأمر غيره بالعدل والحق، ويحارب الباطل الذي يتلبس به، والأمّة في مجموعها تدعو إلى الحق وتحارب الباطل الذي يطل بعنقه هنا وهناك، وتجرد الجيوش لمحاربة أهل الكفر والضلال.
وإذا نظرت إلى هذا المعلم من خلال المجتمع الإسلامي تجد الأمثلة لديك وفيرة، والنصوص الآمرة بذلك كثيرة، فلقد دعا الرسول ﷺ الناس إلى الحق، وبعد قيام المجتمع المسلم حارب الباطل الذي كان يخالط النفوس، وحارب المسلمون الكفار، وحارب الصحابة المرتدين، ووقف العلماء في وجه الحكام الظلمة، ووقف الإمام أحمد في وجه الزيغ العقائدي، وكانت العقوبات توقع على العصاة والمتمردين ...
٦ - السعي لاستعمار الأرض:
لم يكن المسلمون فئة من الكسالى القاعدين، بل كانوا دائمًا وأبدًا ذوي همّة عالية، يجوبون البلاد، يبحثون ويثمِّرون ويعمِّرون، استجابة لأمر الله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١].
وآثار المسلمين شاهدة في كل قطر نزلوه أنهم لم يكونوا مخربين، بل معمرين، هذه آثار حضارتهم في بلادنا، وتلك آثارهم في الهند والأندلس وتركيا وكثير من دول أوربا.
وهذا الاستعمار لا بدَّ له من العلم، فالعلم خارطة العمل، واستعمار الأرض لا يمكن أن يتحقق للجهلاء، فالأرض لا تخرج كنوزها، ولا تنقاد لمن يستعمرها
стр. 28
ما لم يكن معه المفتاح، ومفتاح ذلك العلم الذي يعرفنا بالسبيل الذي يسخر لنا فيه الكون.
٧ - تحقيق المبادئ في عالم الواقع:
إن الدول التي ترفع الشعارات الجملة كالحرية والعدل والمساواة والإخاء اليوم هي أشدُّ الدول انتهاكا لهذه المبادئ واعتبر بأمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا وما فعلته هذه الدول بأمّة الإسلام في عصرنا الحاضر، بل إن الذين يستظلون بظل هذه الدول من أبنائها ليعانون من الظلم والعبودية والتفرقة في الحقوق والواجبات، وما أمر المتشدقين بالشيوعية في روسيا بسر، فأفراد الحزب الشيوعي يملكون كل شيء، بينما الأمّة مغلوبة على أمرها، تعيش كالقطيع لا تملك من أمرها شيئًا.
لقد حقق المسلمون العدل في أرقى صوره، لقد كان القاضي المسلم يحاكم الخليفة، ويقضي عليه، وقد كان القاضي لا يفرق في قضائه بين حاكم ومحكوم، وكانت روح الإخاء هي التي تسيطر على أبناء المجتمع الإسلامي.
٨ - وضع الضوابط والتنظيمات والتشريعات:
الفرد المسلم والأمة المسلمة كلهم محكومون في تصرفاتهم وأعمالهم بالشريعة الإسلامية، ولذلك فإنهم يعلمون ما يأخذون وما يدعون، وكيف يتصرفون فيما بينهم، وكيف يعاملون خصومهم، وهذا يوحد مسارهم، ويضبط حركتهم, ويؤلف قلوبهم، ويعلي كلمتهم، وهذه الضوابط والتنظمات والتشريعات كلها
стр. 29
كاملة وافية، ولذلك جاءت صورة المجتمع المسلم في غاية الضبط والتنظيم والتماسك.
٩ - الصبغة الأخلاقية الطاهرة:
والأخلاق هي الضابط الأعظم في حياة الفرد وحياة الأمة، والمسلمون يحرصون على العمل بمقتضاها مهما كان الثمن باهظًا، لقد أوقف المشركون جماعة من المسلمين المستخفين في إسلامهم، كانوا ذاهبين إلى المدينة أثناء حصار المشركين للمدينة في موقعة الخندق، ولم يسمحوا لهم بالمرور إلا بعدما أخذوا عليهم العهود والمواثيق بأن لا يحاربوهم مع المسلمين، فلما أخبروا الرسول ﷺ قال: "نفي بعهدهم ونستعين الله عليهم" (١)، ولم يأذن لهم بالمقاتلة معه، وعندما أخرج الذين كفروا رسول الله ﷺ من مكة لم يسمح لنفسه بالاستيلاء على أمانات الكفار، بل أمر عليًّا بردها إلى أهلها، والقصة معروفة مشهورة.
ولقد تحدثت بأخلاق المسلمين الركبان في المشارق والمغارب، ولقد كانت هذه الأخلاق من أعظم ما حبب الكفار بدين الإسلام، فدخلت الأمم المغلوبة في دين الله أفواجًا، لمّا رأوا عدل المسلمين، وصدقهم ووفاءهم بالعهود، وما كان للمسلمين إلا أن يكونوا كذلك والإسلام يأمرهم بذلك ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
стр. 30
المبحث الثاني انحراف مسار الثقافة الإسلامية
خالط الدخن الثقافة الإسلامية في التصورات والأفكار والعقائد والأعمال وأثر في العقول، كما أثر في تكوين الفرد فانحرف بها السار، وأثر في تكوين الأمة ومسلكها، وقد أنبأنا الرسول ﷺ عن هذا الذي أصاب الأمة، ففي حديث حذيفة، قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله جاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: نعم، قلت: فهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي" (١).
وهذا الدخن انحراف عن مصادر التلقي الأصيلة، وانحراف في المفهومات والتصورات نتيجة الانحراف عن تلك المصادر الأصيلة، وسنحاول أن نشير إلى أهم هذه الانحرافات:
١ - الانحراف عن مصادر التلقي الأصيلة:
كان المسلمون يستمدون تصوراتهم ومعارفهم وأحكامهم من الكتاب والسنة، ولم يكونوا يقدمون بين يدي الله ورسوله، ولم يكن لهم خيار إذا قضى الله ورسوله أمرًا، وكان العقل تابعًا للشرع، وكانوا ينخلعون من كل الأفكار والعقائد والتصورات التي تخالف الإسلام، ولما ترجمت الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية والصابئية عملت عملها في إفساد عقائد المسلمين، وزاحمت الكتاب والسنة في تكوين عقائد الأمّة وتصوراتها.
стр. 31
هذا جانب، وجانب آخر أن الفلاسفة وعلماء الكلام نصبوا العقل حاكمًا على الشرع، وردوا كثيرًا مما جاء به الشرع إلى أحكام العقل، فرفعوا العقل، عن منزلته، وأنزل الشرع عن مكانته، وخاض العقل في مجالات ما كان ينبغي له أن يخوض فيها.
٢ - الاختلاف العقائدي وفرقة الأمّة:
ونتج عن الأمور السابقة: تعدد مصدر التلقي، ومخالطة الفلسفة وعلم الكلام للعقيدة الإسلامية وتحكيم العقل في الشرع - اختلافُ الأمّة وافتراقها، فانقسمت إلى سنَّة وشيعة وخوارج ومرجئة ومعتزلة ... وغير ذلك.
ونتج عن هذا الاختلاف عداء وبغضاء، وحروب أدت إلى سفك الدماء، واختلاف في المناهج والسبل، مما أضعف المسلمين، وجعل بأسهم بينهم.
٣ - الانحراف في المفاهيم الإسلامية:
أصاب المفاهيم الإسلامية انحرافات أدت إلى انحراف مسار الفرد والأمة، فالتوكل أصبح تواكلًا، والإيمان بالقدر أصبح عجزًا وقعودا عن العمل، والزهد أصبح خمولًا وقعودا عن الجهاد، والعبادة رهبنة وانقطاعًا عن الحياة، وذكر الله أصبح همهمات وتمايلًا ورقصا وفقدانًا للعقل في حلقات الذكر.
٤ - التعصب المذهبي والجمود الفكري:
كان الكتاب والسنة محور الدراسة والعلم, ومنطلق العمل، وقاعدة الفهم، يدلك على ذلك الأمرُ بتدبرهما وتعلمهما وتعليمهما، وكان التعصب للحق لا
стр. 32
لآراء الرجال، ثم تغير الحال فاقتصر الطلب على تعلم آراء الرجال، وتعصبوا لهذه الأقوال، وتلك الآراء، من غير دليل ولا برهان، وأصبحت تلك الكتب هي المحور الذي تدور حوله الدراسة.
وقد قتل هذا الإبداع في الفهم والتفكير، وأبعد المسلمين عن النبع الصافي المتدفق، وشغل طلبة العلم بحل الرموز والعبارات الجامدة، وشغلهم في بعض الأحيان بسفاسف الأمور.
٥ - فشو الجهل وقلة العلم:
قل نور العلم، وكثر الجهل في الأمة الإسلامية، وأصبحت الأمّة - التي جاءها دينها بالعلم، وجعله فريضة في بعض الأحيان، وفرض كفاية في أحيان أخرى، ومستحبًا حينا ثالثًا - تعوم في مستنقع الجهل، البلاد التي كانت تغص بالعلماء، أصبحت تسير في مشارقها ومغاربها لا ترى فيها عالمًا، والأمّة التي كانت تصارع الدول الكبرى بما تصنعه من قوة أصبحت لا تستطيع أن تصنع مسمارًا أو إبرة خياطة، وتوقف المسلمون في تنمية العلم في الوقت الذي تلقف الغرب علمنا ونماه، ثمَّ جاءنا يصفع به وجوهنا، ويدوس ظهورنا، وينتهك حرماتنا ومقدساتنا، وتلفتنا فوجدنا أننا قصرنا في حق أنفسنا.
٦ - الانحراف السياسي:
لقد جاء الإسلام ليعبِّد العباد لرب العباد، وقام الإسلام حكمًا فيهم، وألزم المسلمين باختيار حاكم يقيم فيهم كتاب الله، وكان أول من قام بالمهمة الرسول ﷺ ثم اختار المسلمون أبا بكر لهذه المهمة، ثم عمر، ثم عثمان، وكان قاعدة
стр. 33
الحكم الالتزام بالشريعة، ومشاروة المسلمين، فلما تولى الحكم بنو أمية أصبح الحكم لا يسير على هذه القاعدة، ثمَّ أصبح وراثيًا في عهد بني العباس، وتصرف الحكام في بعض الأحيان وفق أهوائهم في الأموال وفي الأحكام، ولكن الحياة الإسلامية في الجوانب الأخرى كانت أكثر استقامة.
٧ - فشو البدع والحرافات:
كثرت البدع وانتشرت الخرافات، وشكلت هذه البدع والخرافات جزءًا من عقائد المسلمين، وأثرت في سلوك الفرد وحياة المجتمع، فقد أصبح لبعض الصالحين مكانة تحاط بهالة من التقديس، وتحاك حول هؤلاء الأساطير, فكان هؤلاء يُقْصَدون في حياتهم وبعد مماتهم بما لا يقصد به إلا الله ﵎، فيذهب كثير من جهود المسلمين هباءً مثورًا، واخترعت العبادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وفشت في ديار الإسلام, حتى أصبح المسلمون لا يعرفون السنة من البدعة.
آثار هذه الانحرافات
لقد أثرت تلك الانحرافات على بنية الأمّة وبنية الفرد ومسارهما، وغشى الدخن عيون بعض أبناء الإسلام، فأصبح يرى في الإسلام عقبة تحول دون تقدم المسلمين، وما درى أن الذي يحول دون ذلك هو تلك الآصار والأغلال التي كبل المسلمون بها أنفسهم، وتلك العقائد والتصورات التي وفدت إلينا من خارج الأصول الإسلامية.
ولما كانت هذه الانحرافات أمراضا هدَّت جسد الأمّة، وأضعفت قواها،
стр. 34
وفرقت شملها، فإن الأمر الطبيعي أن يطمع فيها أعداؤها الذين يتربصون بها الدوائر، وعندما سنحت لهم الفرصة وثبوا عليها وثوب الأسد على الفريسة، وأعملوا أنيابهم في جسدها المريض، فمزقوه إربًا إربًا، لقد وجهوا حرابهم وسيوفهم إلى الأمّة الإسلامية، فاحتلوا ديارنا وقسموها وأزالوا الخلافة، واستعبدوا شعوبنا، وامتصوا خيراتنا.
стр. 35
الفصل الرابع خصائص الثقافة الإسلامية
الثقافة الإسلامية ثقافة فريدة متميزة بين الثقافات، ذلك أن ثقافات الأمم هي نتيجة لأفكارها ومعتقداتها وعاداتها، فالثقافة وإن شكلت إطارًا يحيط بكل أفراد المجتمع بحيث يوجه قلوبهم ووجوههم وجهة معينة، إلا أنها نتاج المجتمع نفسه.
أما الثقافة الإسلامية فإن أصولها العقائدية والأخلاقية والعملية وحى الهي رباني، فالإسلام هو الذي أنشأ عقائد الأمّة الإسلامية وتصورها وأخلاقها وقيمها، وهو الذي حدد مسارها، وبين منهجها، ووضع لها قانونها، وأقام لها الضوابط التي تعصم الفكر من الانحراف، وهيمن الإسلام على الدراسات الإنسانية، وقوم الفنون التي تمارسها الأمّة: خلاصة القول أن الإسلام هو الذي صنع الأمّة، فالفرق بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى ليس به خفاء.
والثقافة الإسلامية بين الثقافات الإنسانية نسيج وحدها، فهي كالزيتونة التي وصفها الله في كتابه ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] والسرّ الكامن وراء ذلك أن الذي بنى أصول هذه الثقافة، وحدد مسار فروعها هو الإسلام، والإسلام منهج إلهي رباني فريد.
وسنتناول بعض خصائص الإسلام الذي قامت عليه الثقافة الإسلامية
١ - صبغة إلهية ربانية:
سبق أن بينا أن الثقافة هي أسلوب الحياة السائد في مجتمع من المجتمعات،
стр. 36
وأصدق ما يوصف به نمط الحياة الذي تحياه الأمّة الإسلامية - أنّه صبغة إلهية، فأنماط الحياة عند غير المسلمين تحددها العادات والتقاليد والنظريات والمناهج التي يضعها مفكروها وعباقرتها، وتتفرد الأمّة الإسلامية دون غيرها بنمط إلهي، أصدق ما يقال فيه إنه صبغة إلهية، كما قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨].
فالله أنزل لنا دينا بين لنا فيه الحال التي ينبغي أن نكرن عليها في أحوالنا الظاهرة والباطنة، كما وضَّح لنا الغاية التي ينبغي أن نهدف إليها من وراء الحياة، لقد أوضح لنا ديننا الأسلوب الذي تنهجه الأمَّة الإسلامية في حياتها، وقد سماه القرآن الكريم الصراط المستقيم، وشرع لنا أن ندعوه أن يهدينا إليه في كل ركعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦].
وهذا الطريق مخالف لطريق اليهود والنصارى والمشركين في القديم والحديث ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧].
ولم يتوف الرسول ﷺ حتى اتضح الطريق والمنهج الذي تسير عليه الأمّة الإسلامية في حياتها، ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وقد سمى القرآن هذا الطريق أيضًا سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فسبيل المؤمنين كانت واضحة بينة، وهي التي سلكها الرسول ﷺ واقتدى به أصحابه فيها عملا بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد سار على ذلك النهج التابعون وأتباعهم، ومن شذَّ عن هذا السبيل عدَّ فاسقًا أو كافرًا بحسب المعصية التي يرتكبها، وهذا السبيل الإلهي الرباني سبيل ثابت،
стр. 37
فقد سئلت عائشة ﵂ عن خلق الرسول ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن" (١)، والخلق الصفة الثابتة الراسخة، وإذا تفكر المسلم في شأنه وحاله وجد أنه يعرف سبيله وطريقه: في عقيدته، وإرادته، وأعماله القلبية: من الخوف، والرجاء والرغبة، والرهبة، والحب والبغض، كما يعرف ما يأخذ وما يدع من أعمال، وما يقوم به من عبادات تجاه ربه، بل يعلم سبيله في كثير مما يدخل في العادات من طعام ولباس ونكاح ومسكن واجتماع وافتراق ... الخ.
وقد بلغ من دقة هذا السبيل الذي أعيناه أسلوب حياة الأمّة أن المسلم عندما يتنقل في ديار الإسلام لا يشعر بالغربة مهما نأت به الديار، ذلك أن سبيل المؤمنين في عقائدهم وتصوراتهم وأفكارهم وعباداتهم وأعمالهم سبيل واحد.
وفي ظلال هذه الصبغة الإلهية التي تحيط بالأمّة الإسلامية تتربى الأجيال، فتتشرب الأسلوب الذي تحيا به الأمّة، فيتربى الناشئة على الإسلام وتعاليمه وآدابه وأخلاقه.
٢ - اتساع آفاقها:
الثقافات الإنسانية ثقافات ضيقة، يعيش أفرادها في إطار ضيق من الحياة الدنيا، أمّا الثقافة الإسلامية فآفاقها رحبة واسعة، وقد عبر عن هذا المعنى موفد المسلمين إلى قائد جيش الفرس، حيث قال له مبينا الهدف الذي خرجوا من أجله: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" (٢).
стр. 38
فالبشر في المجتمعات الجاهلية تحكمهم قوانين البشر، وعادات البشر، وأعراف البشر، وتسرى فيهم العقائد الضالة المحرفة، وكل ذلك يشكل ضيقا في الأفق، ويحجر على الفكر، ويجعل العباد يعيشون في دائرة ضيقة تقيد أعمالهم، ويؤيد الأمر آصارًا وأغلالًا أن العباد يحصرون أنفسهم في ظلال المناهج الجاهلية في دائرة الحياة الدنيا ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
وهذه الدائرة الضيقة، وذلك الضلال عن الآخرة يحوَّل الحياة إلى شقاء وأي شقاء، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
انظر كيف حصر الشيوعيون أنفسهم في نظرية ضالة لا تؤمن بخالق الكون، وتؤمن بأزلية المادة، وهي نظرية فاسدة، وانظر كيف أقاموا الحياة على ما سموه يصراع الطبقات، وكيف جعلوا الإنسان محكومًا للمادة، تسيره وتوجهه، ولا يملك لنفسه شيئًا, ومثل هذا يجعل المبدأ يضيق ضيقا لا يزيد عمّا كان يعيشه العابد للوتن، والساجد للصنم، والزاعم أن عيسى ابن الله تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، والثقافة الغربية كبقية الثقافات المعرضة عن هدي السماء قتلت أشواق الروح، وقطعت الصلة بين النفس وخالقها، فجفت فيها ينابيع المودة والمحبة والطمأنينة، وتحول الإنسان في عالم الغرب إلى آلة كبقية الآلات التي تعمل بغير شعور وإحساس.
٣ - عالمية الثقافة:
تقوم الثقافات البشرية على اعتبارات وأسس محكومة بالنظرة القومية والعنصرية، يقول رينان الفرنسي: "جنس واحد يلد السادة والأبطال هو
стр. 39
الجنس الأوربي، فإذا ما نزلت بهذا الجنس إلى مستوى الحظائر التي يعمل فيها الزنوج والصينيون فإنه يثور، فكل ثائر عندنا هو بطل لم يتح له ما خلق له، هو إنسان ينشد حياة البطولة، فإذا هو مكلف بأعمال لا تتفق وخصائص جنسه، إن الحياة التي يتمرد عليها عمالنا يسعد بها صيني أو فلاح أو كائن لم يخلق لحياتنا" (١).
وصنف هتلر البشر فجعل أمته في المرتبة الأولى، وجعل العرب في المرتبة الرابعة عشرة، ولم يبق وراءهم إلا اليهود والكلاب، وكان شعاره: ألمانيا فوق الجميع، ولا يزال داء العنصرية يسري في الأمم الغربية، فالأسود هناك ممقوت مكروه، يضرب ويهان، ويحرم من حقه في التعليم والوظائف، ولا عجب إذا رأيت لافتة كتب عليها: ممنوع دخول السود والكلاب، ولذلك فإن الزنوج هناك يثورون بين فترة وأخرى ويقتلون ويدمرون، وينتسب بعض الناس إلى رقعة من الأرض يسمونها الوطن, بها يعتزون وإليها ينتسبون.
أما الثقافة الإسلامية فليست ثقافة العرب ولا الفرس ولا البربر، وليست ثقافة الرجل الأبيض ولا الأسود، إنها ثقافة البشر كلهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم، لم توضع لجنس ولا لون ولا بيئة معينة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
إن الإسلام يقرر أن انقسام البشر إلى شعوب وقبائل إنما هو للتعارف، لا للتناحر والتقاتل والتفاضل، أما مقياس التفاضل في الإسلام فهو التقوى: الإيمان والعمل الصالح.
стр. 40
وفي ظل هذا المقياس الذي وضع للناس كافة يرتقي الناس جميعًا، ويتنافسون في ميدان العمل الصالح، لا فرق بين أبي بكر العربي، وبين سلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وتدخل الشعوب في الإسلام، فلا تشعر بغضاضة في نفوسها، ذلك أن الناس في ظل الإسلام ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
وقد جاءت تعاليم الإسلام للإنسان كإنسان بغض النظر عن جنسه ولونه وموطنه، فالعناصر الثقافية الإسلامية: التربوية، والنفسية، والروحية، والأخلاقية - جاءت أحكامها وفق الطيعة الذاتية للإنسان مجردة عن إطار الزمان والمكان، ذلك أن الإنسان كإنسان ثابت لا يتغير، ولا يتبدل في روحه وعواطفه وأشواقه وضروراته وغرائزه، والجانب المتغير في الإنسان هو الجانب العملي، أو الجانب الذي يتعامل فيه الإنسان مع الكون.
إن هذا الدين يسع البشرية كلها، لأنه من عند الله، منزل إلى الناس كلهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨].
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
أمَّا الثقافات البشرية فكل أمّة تستمد ثقافتها من مألوفها وذوقها وموارثيها الأدبية وظروفها الجغرافية، وضروراتها الإقليمية، وحاجاتها الاجتماعية، فكيف يمكن أن ئكون ثقافة أمّة من هذه الأمم ثقافة للعالم كله، وهذا يدلنا على بطلان ما ينادي به الغرب من عالمية الثقافة الغربية.
وغاية الإسلام إيجاد الإنسان الصالح، أما المبادئ الأرضية فغايتها تكوين المواطن الصالح، الإسلام يجعل كل إنسان هدفًا لمنهجه، بينما المبادئ الأرضية تتجه إلى فئة معينة من الناس دون سواهم.