← Общие книги

Общие книги · id 96254

نحو ثقافة إسلامية أصيلة

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (309 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأصدق ما يوصف به نمط الحياة الذي تحياه الأمّة الإسلامية - أنّه صبغة إلهية، فأنماط الحياة عند غير المسلمين تحددها العادات والتقاليد والنظريات والمناهج التي يضعها مفكروها وعباقرتها، وتتفرد الأمّة الإسلامية دون غيرها بنمط إلهي، أصدق ما يقال فيه إنه صبغة إلهية، كما قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]. فالله أنزل لنا دينا بين لنا فيه الحال التي ينبغي أن نكرن عليها في أحوالنا الظاهرة والباطنة، كما وضَّح لنا الغاية التي ينبغي أن نهدف إليها من وراء الحياة، لقد أوضح لنا ديننا الأسلوب الذي تنهجه الأمَّة الإسلامية في حياتها، وقد سماه القرآن الكريم الصراط المستقيم، وشرع لنا أن ندعوه أن يهدينا إليه في كل ركعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. وهذا الطريق مخالف لطريق اليهود والنصارى والمشركين في القديم والحديث ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. ولم يتوف الرسول ﷺ حتى اتضح الطريق والمنهج الذي تسير عليه الأمّة الإسلامية في حياتها، ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقد سمى القرآن هذا الطريق أيضًا سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فسبيل المؤمنين كانت واضحة بينة، وهي التي سلكها الرسول ﷺ واقتدى به أصحابه فيها عملا بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد سار على ذلك النهج التابعون وأتباعهم، ومن شذَّ عن هذا السبيل عدَّ فاسقًا أو كافرًا بحسب المعصية التي يرتكبها، وهذا السبيل الإلهي الرباني سبيل ثابت،

стр. 37

فقد سئلت عائشة ﵂ عن خلق الرسول ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن" (١)، والخلق الصفة الثابتة الراسخة، وإذا تفكر المسلم في شأنه وحاله وجد أنه يعرف سبيله وطريقه: في عقيدته، وإرادته، وأعماله القلبية: من الخوف، والرجاء والرغبة، والرهبة، والحب والبغض، كما يعرف ما يأخذ وما يدع من أعمال، وما يقوم به من عبادات تجاه ربه، بل يعلم سبيله في كثير مما يدخل في العادات من طعام ولباس ونكاح ومسكن واجتماع وافتراق ... الخ. وقد بلغ من دقة هذا السبيل الذي أعيناه أسلوب حياة الأمّة أن المسلم عندما يتنقل في ديار الإسلام لا يشعر بالغربة مهما نأت به الديار، ذلك أن سبيل المؤمنين في عقائدهم وتصوراتهم وأفكارهم وعباداتهم وأعمالهم سبيل واحد. وفي ظلال هذه الصبغة الإلهية التي تحيط بالأمّة الإسلامية تتربى الأجيال، فتتشرب الأسلوب الذي تحيا به الأمّة، فيتربى الناشئة على الإسلام وتعاليمه وآدابه وأخلاقه. ٢ - اتساع آفاقها: الثقافات الإنسانية ثقافات ضيقة، يعيش أفرادها في إطار ضيق من الحياة الدنيا، أمّا الثقافة الإسلامية فآفاقها رحبة واسعة، وقد عبر عن هذا المعنى موفد المسلمين إلى قائد جيش الفرس، حيث قال له مبينا الهدف الذي خرجوا من أجله: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة" (٢).

стр. 38

فالبشر في المجتمعات الجاهلية تحكمهم قوانين البشر، وعادات البشر، وأعراف البشر، وتسرى فيهم العقائد الضالة المحرفة، وكل ذلك يشكل ضيقا في الأفق، ويحجر على الفكر، ويجعل العباد يعيشون في دائرة ضيقة تقيد أعمالهم، ويؤيد الأمر آصارًا وأغلالًا أن العباد يحصرون أنفسهم في ظلال المناهج الجاهلية في دائرة الحياة الدنيا ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. وهذه الدائرة الضيقة، وذلك الضلال عن الآخرة يحوَّل الحياة إلى شقاء وأي شقاء، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. انظر كيف حصر الشيوعيون أنفسهم في نظرية ضالة لا تؤمن بخالق الكون، وتؤمن بأزلية المادة، وهي نظرية فاسدة، وانظر كيف أقاموا الحياة على ما سموه يصراع الطبقات، وكيف جعلوا الإنسان محكومًا للمادة، تسيره وتوجهه، ولا يملك لنفسه شيئًا, ومثل هذا يجعل المبدأ يضيق ضيقا لا يزيد عمّا كان يعيشه العابد للوتن، والساجد للصنم، والزاعم أن عيسى ابن الله تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، والثقافة الغربية كبقية الثقافات المعرضة عن هدي السماء قتلت أشواق الروح، وقطعت الصلة بين النفس وخالقها، فجفت فيها ينابيع المودة والمحبة والطمأنينة، وتحول الإنسان في عالم الغرب إلى آلة كبقية الآلات التي تعمل بغير شعور وإحساس. ٣ - عالمية الثقافة: تقوم الثقافات البشرية على اعتبارات وأسس محكومة بالنظرة القومية والعنصرية، يقول رينان الفرنسي: "جنس واحد يلد السادة والأبطال هو

стр. 39

الجنس الأوربي، فإذا ما نزلت بهذا الجنس إلى مستوى الحظائر التي يعمل فيها الزنوج والصينيون فإنه يثور، فكل ثائر عندنا هو بطل لم يتح له ما خلق له، هو إنسان ينشد حياة البطولة، فإذا هو مكلف بأعمال لا تتفق وخصائص جنسه، إن الحياة التي يتمرد عليها عمالنا يسعد بها صيني أو فلاح أو كائن لم يخلق لحياتنا" (١). وصنف هتلر البشر فجعل أمته في المرتبة الأولى، وجعل العرب في المرتبة الرابعة عشرة، ولم يبق وراءهم إلا اليهود والكلاب، وكان شعاره: ألمانيا فوق الجميع، ولا يزال داء العنصرية يسري في الأمم الغربية، فالأسود هناك ممقوت مكروه، يضرب ويهان، ويحرم من حقه في التعليم والوظائف، ولا عجب إذا رأيت لافتة كتب عليها: ممنوع دخول السود والكلاب، ولذلك فإن الزنوج هناك يثورون بين فترة وأخرى ويقتلون ويدمرون، وينتسب بعض الناس إلى رقعة من الأرض يسمونها الوطن, بها يعتزون وإليها ينتسبون. أما الثقافة الإسلامية فليست ثقافة العرب ولا الفرس ولا البربر، وليست ثقافة الرجل الأبيض ولا الأسود، إنها ثقافة البشر كلهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم، لم توضع لجنس ولا لون ولا بيئة معينة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. إن الإسلام يقرر أن انقسام البشر إلى شعوب وقبائل إنما هو للتعارف، لا للتناحر والتقاتل والتفاضل، أما مقياس التفاضل في الإسلام فهو التقوى: الإيمان والعمل الصالح.

стр. 40

وفي ظل هذا المقياس الذي وضع للناس كافة يرتقي الناس جميعًا، ويتنافسون في ميدان العمل الصالح، لا فرق بين أبي بكر العربي، وبين سلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وتدخل الشعوب في الإسلام، فلا تشعر بغضاضة في نفوسها، ذلك أن الناس في ظل الإسلام ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقد جاءت تعاليم الإسلام للإنسان كإنسان بغض النظر عن جنسه ولونه وموطنه، فالعناصر الثقافية الإسلامية: التربوية، والنفسية، والروحية، والأخلاقية - جاءت أحكامها وفق الطيعة الذاتية للإنسان مجردة عن إطار الزمان والمكان، ذلك أن الإنسان كإنسان ثابت لا يتغير، ولا يتبدل في روحه وعواطفه وأشواقه وضروراته وغرائزه، والجانب المتغير في الإنسان هو الجانب العملي، أو الجانب الذي يتعامل فيه الإنسان مع الكون. إن هذا الدين يسع البشرية كلها، لأنه من عند الله، منزل إلى الناس كلهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. أمَّا الثقافات البشرية فكل أمّة تستمد ثقافتها من مألوفها وذوقها وموارثيها الأدبية وظروفها الجغرافية، وضروراتها الإقليمية، وحاجاتها الاجتماعية، فكيف يمكن أن ئكون ثقافة أمّة من هذه الأمم ثقافة للعالم كله، وهذا يدلنا على بطلان ما ينادي به الغرب من عالمية الثقافة الغربية. وغاية الإسلام إيجاد الإنسان الصالح، أما المبادئ الأرضية فغايتها تكوين المواطن الصالح، الإسلام يجعل كل إنسان هدفًا لمنهجه، بينما المبادئ الأرضية تتجه إلى فئة معينة من الناس دون سواهم.

стр. 41

٤ - الشمول والكمال: يتصف الدين الإسلامي الذي تقوم عليه ثقافتنا بالشمول والكمال، ويتبدى هذا الشمول في أمور كثيرة نكتفي منها بثلاثة: الأول: العقيدة التي تعطى المسلم تصورًا كاملًا عن الإنسان والكون والحياة، كما تعطي تفسيرًا للقضايا الكبرى التي شغلت الفكر الإنساني، ولا تزال تشغله، فالإنسان كان ولا يزال يتساءل عن أصله ونشأته، ومصيره ونهايته، ومنشئه وعلاقته بخالقه ومنشئه، ودوره في هذا الوجود، والعوالم الخافية المستورة وراء هذا الكون المشهود، وعلاقته بتلك العوالم، والعقيدة تجيب عن ذلك كله. الثاني: إحاطة الشريعة بالإنسان، فهي من جانب تصاحب الإنسان طفلًا وشابًا وشيخًا، بل إنها تعنى به قبل ميلاده، وبعد وفاته، فهناك أحكام الجنين، وأحكام تتعلق بالموتى، من غسل وتكفين وصلاة وقسمة ميراث، ونحو ذلك، وتعني أيضًا بجوانب حياته كلها، في زواجه وطلاقه، وطعامه وشرابه، وعسره ويسره، وأفراحه وأتراحه ... ومن جانب ثالث تعنى بروحه وجسده وعقله. وكما عنيت الشريعة بالفرد عنيت بالمجتمع في كل المجالات التي تهمه. الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية. الثالث: الشريعة قانون شامل يضم كل القوانين التي سماها البشر بأسماء مختلفة، كالقانون الدستوري، والقانون المدني، والقانون الإداري، والقانون المالي، والقانون الجنائي، والقانون الدولي. ٥ - التوازن: إن الموازنة بين الحقوق والواجبات، والموازنة بين الحقوق بعضها مع بعض،

стр. 42

والواجبات بعضها مع بعض، والموازنة بين مطالب الروح والجسد أمر عسير ليس بالسهل، فالإنسان يغرق بطبعه في الميل إلى أحد الجانبين، وهذا الميل يسبب فسادًا للفرد والمجتمع. وقد جاء الإسلام بتشريعه حافظًا هذا التوازن، فأمر الإنسان بعبادة ربه، ولكنه أمره أن يصرف شيئًا من اهتمامه لنفسه وأولاده ومجتمعه، وجعل ذلك نمطًا من التعبد. وأمره أن يصرف همه للدار الآخرة ونهاه عن أن ينسى نصيبه من الدنيا، ونهاه عن تحريم الطيبات التي أباحها الله لعباده، ونهى الرسول ﷺ أصحابه عن الانقطاع للتعبد، وترك الجهاد والزواج. ووازن بين مطالب الروح والجسد، كل ذلك وفق توازن عجيب يبرز خصائص الإنسان، ويقيم الحياة على نحو فريد. ٦ - الإيجابية الفاعلة: إحدى السمات البارزة في ثقافة الأمّة الإِيجابية الفاعلة، فالإسلام يأمر أتباعه بالسعي في الأرض وإعمارها، وفي مجال الحياة الاجتماعية لا يتوقف عند النهي عن الإفساد في الأرض بالقتل والسرقة والزنا وشرب الخمر وتخريب الحضارة والعمران، ولكنه يأمر بالإصلاح والتعمير، وتستطيع أن ترى هذا المبدأ من خلال أمر الإسلام بالمعروف ونهيه عن المنكر ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ونراه من خلال الأمر بالتعاون على البر والتقوى والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

стр. 43

إن الثقافة الغربية تقول: لا تؤذ عيرك، لا تؤذ جارك، لا ترم الأذى في الطريق، ولكن الإسلام يقول ذلك ويضيف إليه أحسن إلى غيرك، أحسن إلى جارك، أمط الأذى عن الطريق، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]. وفي الحديث "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١). ٧ - الواقعية: ليس المراد بالواقعية الرضا بالحال التي عليها الإنسان في حال سموه، وفي حال انحداره، كما هو حال الأدب الهابط الذي يصف الواقع المريض الذي يعيشه كثير من البشر، ولكن المراد بالواقعية أنها تضع التشريعات للإنسان من حيث هو إنسان، فالإنسان فيه القوة والضعف، يعلو أحيانًا ويهبط أحيانًا، وهو بحاجة إلى الشريعة التي ترقى به إلى مدارج الكمال، وتثني على استقامته إذا استقام، وتبصره بخطئه حين يخطئ، وتفتح له باب التوبة إذا عصى، وتشرع له الرخص التي يأخذ بها حين الضعف والمرض وعدم القدرة على العمل، والشريعة الإسلامية هي التي تفعل ذلك كله، أحلت الطيبات وحرمت الخبائث، وأحلت للمضطر تناول ما حرم عليه من الطعام، وأوجبت الوضوء للصلاة، وأباحت التيمم حين فقد الماء أو حين عدم القدرة على استعماله، وألزمت بالصلوات في أوقاتها بأعدادها المقررة، ورخصت بالجمع والقصر في السفر، وشرعت الفطر للمسافر في رمضان.

стр. 44

وكثير من المذاهب تفترض في الإنسان المضي في الحياة على استقامة، وحين يعجز البشر عن المضي وفق التشريعات المثالية يفقدون الثقة بتلك التشريعات أو يفقدون الثقة بأنفسهم. وجانب آخر هو أن الشريعة لا تكلف البشر فوق ما يطيقون، بعكس الشرائع التي ترهق الناس بالتكاليف التي تسبب لهم العنت والإرهاق، فتصبح بذلك آصارًا وأغلالًا. ٨ - الحركة حول محور واحد: لم تزل المذاهب البشرية المختلفة تتنازع النفس البشرية، فالمنهج الذي يسير عليه البشر البعيدون عن الوحي السماوي خليط من الأفكار والمبادئ والعقائد والتصورات، وهذه قد تتضارب فيما بينها، وتلك طبيعة المبادئ الأرضية ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فالمجتمع الواحد البعيد عن هدي السماء كالمجتمع الغربي اليوم - قد توجد فيه المثل التي تطالب بالأخذ بالفضيلة، وهي بقايا الدين النصراني المحرف، ولكن المذهب المادي النفعي القائم على الكفر بالله واليوم الآخر يناديه كي يغرق في الشهوات، ويعيش لدنياه فحسب، ودين الإنسان في الغرب يناديه كي يؤمن بالمسيح إلهًا وربا، فهو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وعقله يرفض هذا المنطق. وهذا الاختلاف والتضارب في المناهج يمزق النفس الإنسانية، ويجلب لها الصراع الذي ينتج الهموم والحيرة القلق. أمّا في الإسلام فإنَّ حياة المسلم تدور حول محور واحد ثابت، فهو يؤمن بالله

стр. 45

ربًا واحدًا لا شريك له، فلا تعدد في الأرباب ولا تعدد في الآلهة، ومن الله يستمد تصعوره ومعرفته لربه، ومعرفته للكون من حوله، ولما وراء الكون المشهود، كما يستمد منه القيم والأحكام التي يقوّم بها الأشياء، فلا تضارب ولا تعارض، ولا تصادم، لأنه يأخذ كل ذلك من الله ﵎، ودين الله وِحْدة متكاملة تتوافق ولا تتعارض، وبذلك تتحقق طمأنينة القلب، وانشراح النفس، وهدوء البال، فلا عقد نفسية، ولا صراع داخلي، ولا قلق، ولا هموم.

стр. 46

الفصل الخامس الصراع بين الثقافة الإسلامية والثقافات الجاهلية المبحث الأول نظرة في ثقافة الغرب الحياة مجال صراع بين بني البشر، وكثير من البشر يجهل حقيقة هذا الصراع، فيقضي نحبه في صراع يدمره ويهلكه، وقد وجه الإسلام أبناءه إلى مصارعة الباطل، وأمرهم بمناصرة الخير. والإسلام أمر بمصارعة الباطل في حنايا النفس الإنسانية، وفي داخل المجتمع المسلم، كما أمر بمصارعة الباطل في معاقله، وهي تلك المجتمعات التي تقيم حياتها بعيدًا عن هدي السماء. ولقد أهدى الإسلام البشرية الحياة والنور والضياء والحق، وأنقذهم من الجهل والشرك والضلال، ولكن البشر يأبون إلا أن يحاربوا الخير والهدى، ويصرون على الحياة في الظلام. لقد كان الإسلام دينًا زاحفا يهاجم الجاهلية في معاقلها، وكانت ثقافته ثقافة زاحفة أيضًا، وقد كان تأثير الإسلام وثقافته في العالم كله تأثيرا كبيرا، وكان همّ كثير من الأمم كاليهودية والنصرانية والمجوسية حماية مجتمعاتهم من هذا الدين الآسر الزاحف، ثم حاولوا مهاجة الإسلام، وقذف النصارى بمئات الألوف من أبنائهم في هجمة شرسة على معاقل الإسلام، ولكن المسلمين أطاحوا بهم وردوهم على أعقابهم بعد جهاد مرير، وتلك الحروب هي التي عرفت "بالحروب الصليبية" في التاريخ.

стр. 47

وعاد الصليبيون إلى ديارهم وقد فتح الشرق أعينهم على كثير من الحقائق العلمية، وغيَّر كثيرًا في تفكيرهم، ولم تزل علوم المسلمين تعمل عملها فيهم، حتى ثاروا على الأغلال والآصار التي قيدتهم الكنيسة بها، فرجال الدين النصراني كانوا يمارسون هيمنة على المجتمعات النصرانية باسم الدين، وكانوا يحاكمون ويقتلون ويسجنون، ولكنهم لم يكونوا بقادرين على تقديم الأنموذج الممتاز للأمّة النصرانية، فالمبادئ التي يعتقدونها تعتبر الرجل الفاضل هو الذي يهرب من الحياة وينقطع للعبادة، ولا يعافس زوجة ولا ولدًا، ولكن الفطرة تغلبهم على هذا الانحراف الفكري، فيرتد إلى انحراف عملي، فتصبح كثير من الأديرة مباءة للفسق والفجور، ويتحول كثير من رجال الدين إلى كانزي مال، يكدسون منه في دورهم ما يعييهم حمله وحفظه، ويشرعون من الطرق لاكتسابه ما يمجه الدين والعقل، وما بيعهم لصكوك الغفران وتعاملهم بالربا ببعيد عن أذهاننا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. وقام العلماء المتنورون بمحاربة الكنيسة ومخالفتها خاصة في الآراء العلمية التي تبنتها الكنيسة، وعدتها من الدين، وما هي من الدين. وأقام رجال الكنيسة محام التفتيش، ودفعوا بالألوف إلى المشانق والمقاصل، ودفنوا الأحياء، وأخيرًا انهار الجدار الصلب تحت ضربات رجال النهضة العلمية، فاندحر رجال الدين إلى أديرتهم وكنائسهم، وقصرت مهمة الدين على التعبد، أمّا الحياة فقد أصر المتنورون على إخراجها من سلطان الكنيسة، وأصرَّ البشر على حكم أنفسهم بأنفسهم.

стр. 48

وابتعد النصارى كثيرًا عن الدين النصراني، وأنشؤوا دينًا يقوم على احترام المادة، والتحلل من الدين، وأصبح الدين المهيمن هو النفعية العنصرية، وسرت هذه النفعية في دم قادة تلك الأمم ومفكريها وشعوبها، وأصبح الإنسان مهما كان اتجاهه في عالم الغرب يعرف دينًا واحدًا هو الرقي المادي، وأصبح الاعتقاد السائد أنه لا غاية في الحياة إلّا أن يجعلها الإنسان حرة طليقة من كل القيود، وأقاموا معابد لهذا الدين الجديد، وهي تمثل في المصانع العملاقة الضخمة، ودور السينما، ومختبرات الكيمياء، ودور الرقص، وكهنة هذه المعابد هم رؤساء المصارف والمهندسون والممثلون وكواكب السينما، وأقطاب التجارة والصناعة. والملاحظ أن الثقافة الغربية أهملت الروح، وانعدم الاهتمام بها، ذلك أن مذهب النفعية المادية المرتبط بالحياة الدنيوية الضيقة قتل أشواق الروح وتطلعاتها. وبناء الثقافة الغربية على هذا النحو جعلها تناصب الإسلام العداء، وتكيد له في السر والعلانية، وقد استعانت على تحقيق أهدافها بما بلغته من قوة وعلم. المبحث الثاني مدى عداء الغرب للإسلام المسلم النبيه المتابع للحياة في العالم الغربي يراها تنضح بالحقد والكراهية والعداء للإسلام وأهله، وقد بلغ العداء إلى درجة الإسفاف، لقد طبعوا صفحات من القرآن الكريم على الأوراق التي تغلف بها المبيعات، ورأينا الملابس الداخلية التي تستر العورة وقد كتب عليها شعار الإسلام "لا إله إلا الله"، وأطلق الحاقدون اسم "مكة" على محلات يجتمعون فيها للفساد والإفساد، وفي كل يوم تصدر مجلات وصحف وكتب تسخر بالإسلام وتعاليم الإسلام ونبي الإسلام، واستغلوا المنظمات العالمية لحرب الإسلام، فمنظمة اليونسكو تشرف على موسوعة تعرف باسم (تاريخ الجنس البشري وتقدمه الثقافي والعلمي) وفي الجزء الثالث من هذه

стр. 49

الموسوعة (الحضارات الكبرى في العصر الوسيط) الذي ترجم عن الإنجليزية والفرنسية نجد في الفصل العاشر حديثًا مسهبا عن العرب، وقد ملئ بالتشويه والمسخ لتاريخ الإسلام، والكذب على رسول الله ﷺ وخلفائه. والغرب هو الذي أقام لأبناء القردة والخنازير دولة في مسرى رسول الله ﷺ وأمدها بالمال والرجال والسلاح، وبحراب الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين والأمريكيين ... سقط ملايين وملايين من أبناء المسلمين في فلسطين وسوريا ومصر والجزائر وليبيا والهند وأفغانستان ... إن الحقد والكراهية هي التي توجّه العالم الغربي، وهو يخشى أن يتجمع المسلمون على الإسلام، يخشون أن يعود المارد الذي كان يقف في وجه مطامعهم، فلذلك يحاربون الإسلام بكل سبيل، وعندما انتصر الصليبيون على تركيا في الحرب العالمية الأولى - اشترطوا على دولة الخلافة أربعة شروط وهي الشروط المعروفة باسم شروط (كرزون) وهي: ١ - أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام. ٢ - أن تلغي الخلافة الإسلامية. ٣ - أن تتعهد بإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة. ٤ - أن تختار تركيا لنفسها دستورًا مدنيًّا بدلا من الدستور العثماني المستمد من أحكام الشريعة الإسلامية والقائم على قواعدها. وقد نفذ كمال أتاتورك شروط (كرزون)، وانسحبت جيوش الحلفاء من تركيا، ولاقى هذا الانسحاب معارضة شديدة من النواب الإنجليز، ولما وقف (كرزون) في مجلس العموم البريطاني يتحدث عن هذا الاتفاق مع تركيا، انهالت عليه الاحتجاجات: كيف اعترفت انجلترا باستقلال تركيا التي يمكن أن

стр. 50

تجمع حولها الدول الإسلامية مرة أخرى وتهجم على الغرب؟ ! فأجاب (كرزون): لقد قضينا على تركيا ولن تقوم لها قائمة بعد اليوم، لأننا قضينا على قوتها المتمثلة في أمرين: الإسلام والخلافة، فصفق النواب الإنجليز كلهم، وسكتت المعارضة (١). ولم يكتف حكام تركيا الموالون للغرب بذلك، بل غيروا الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية، ومنعوا الكتابة بالعربية، ومنعوا الأذان بالعربية، وألزموا الشعب بلبس القبعة الأوربية (البرنيطة). وفي الديار الإسلامية أقصى الحكام الشريعة الإسلامية عن الحكم، واستبدلوا بها قوانين من وضع البشر، وامتلأت الحياة الاجتماعية بالأعمال والتصرفات المخالفة للشريعة الإسلامية، لقد انتشر في كثير من ديار الإسلام الزنا والخمر والميسر والربا، وسخر الساخرون من الإسلام وتعاليمه، ورمى المتمسكون بدينهم بالجمود والرجعية، وتقلص ظل الشريعة الإسلامية عن الهيمنة على حياة المسلمين. ولا يزال مدّ الثقافة الغربية إلى اليوم طاغيًا متمردًا يريد أن يجتاح كل شيء، ويمكننا أن نلخص آثاره في النقاط التالية: ١ - عزلة الإسلام عن قيادة المجتمعات الإسلامية. ٢ - التمزق الثقافي الذي أصاب الأمّة الإسلامية. ٣ - الافتتان بالحضارة المادية الغربية. ٤ - فقدان الذات وضياع معالم الشخصية الإسلامية. ٥ - انتشار الإلحاد في صفوف المسلمين. ٦ - الفهم الخاطئ للإسلام وتاريخه بسبب تحكم أعداء الإسلام في فهمنا.

стр. 51

المبحث الثالث الغزو الفكري والثقافي الغربي: أهدافه ووسائله لقد درس قادة الدول الغربية وعلماؤها تاريخ الأمّة الإسلامية، ووجدوا أن منابع القوة عند المسلمين تتمثل في العقيدة الإسلامية المستقرة في القلوب، والشريعة الإسلامية التي تحكم الحياة، ووجدوا أن آباءهم الصليبيين هزموا قديما بسبب تمسك المسلمين بهذا الدين، فوجهوا همهم لخلخلة الثقافة الإسلامية، حتى يسهل عليهم اقتلاع عقيدة الإسلام، وتشويه صورته في نفوس المسلمين، وبذلك يسهل السيطرة عليهم. وسائل الغزو الفكري والثقافي اتخذوا وسائل كثيرة لتحقيق أهدافهم نفذوها بدقة متناهية، وقد عقدوا مؤتمرات كثيرة لتقويم هذه الوسائل وتطويرها، وأهم هذه الوسائل: ١ - ادعاؤهم عالمية الثقافة: غلف الغرب دعوته إلى سيادة الثقافة الغربية بغلاف جميل براق، يخدع البسطاء والسذج من البشر، فأخذوا ينادون بوحدة الثقافة العالمية، وهي عبارة خلابة المظهر، براقة الصورة، والهدف من وراء ذلك صهر الثقافات الإنسانية في بوتقة الثقافة الأوربية، وقد ركزوا هجومهم على القيم والخصائص التي تميز الثقافة الإسلامية لهدمها في الفرد المسلم والأمة المسلمة. وشبيه بهذه الدعوة دعوتهم الأمة الإسلامية إلى التحضر والتمدن، ويزعمون أن

стр. 52

التمدن والتحضر هو نمط الحياة التي يعيشها العالم الغربي، فهي الدول المتقدمة أما نحن ودول العالم الثالث فمتخلفون ومرادهم من وراء هذه الدعوة سوق، الناس جميعًا إلى الولاء والعبودية لسيادة الفكر الغرو، وإحلال القيم والمفاهيم الغربية محل القيم الفكرية الثقافية التي يدين بها الشرق والعالم الإسلامي، وهي قيم ومفاهيم تختلف في جوهرها وأصولها وفلسفتها عن مثيلاتها في العالم الغربي. وهذا الذي نقرره هنا من التضاد بين الثقافتين يدركه قادة الفكر والسياسة الغربيون، ولكنهم يخادعون ويمكرون، يقول (أيوجين روستو) رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس السابق (جونسون) لشؤون الشرق الأوسط إلى سنة ١٩٦٧. "إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي ... فلسفته، عقيدته، ونظامه ... وذلك يجعلها تقف معادية للشرق الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي، والدولة الصهيونية، لأنها إن فعلت عكس ذلك، فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها" (١)، وصدق الله إذ يقول: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وإذا أنت دققت في كلام (أيوجن) هذا علمت أمرين: الأول: الخلفية التي تحرك الشعوب النصرانية بالعداء لهذه الأمة، والثاني: السبب الذي من أجله أقامت الأمم الغربية دولة اليهود في مسرى رسول الله ﷺ وقد أدرك هذه الحقيقة المسلم المهتدي روجيه جارودي عندما قال: "تعتبر الكنائس النصرانية ومن ورائها كل العالم الغربي أنها الوريثة للشعب المختار ومتضامنة معه حيث إنها مكلفة

стр. 53

بالرسالة نفسها، وبهذا الخلط المستمر بين إسرائيل الواردة في التوراة ودولة إسرائيل، فإن الأخيرة تمكنت من أن تواصل بدون رادع القيام بدور الوكيل للاستعمار الغربي الجماعي" (١). ٢ - إفساد التعليم: حرص الصليبيون عندما احتلوا ديارنا على إفساد التعليم الديني وتكريه المسلمين بالإسلام بطرق مختلفة، لقد نصبوا رجالاتهم والذيت تربوا على أعينهم مستشارين للمؤسسات التعليمية، فقد كان القسيس النصراني دنلوب مستشار وزارة المعارف في مصر أيام الانتداب البريطاني، وقد قلصوا حصص الدين من المدارس النظامية، وأهملوا العناية بالمدارس الدينية, وأرسلوا الطلبة النابهين إلى المدارس والجامعات الغربية وربوهم على أعينهم، ثم سلموا هؤلاء مهمة قيادة التعليم في ديارنا وجعلوا المميزات الأدبية والمالية من نصيبهم، وفتحوا المدارس والجامعات التبشيرية في ديارنا، وفد فعلت هذه المدارس والجامعات بنا ما لم تفعله حراب المستعمرين ومدافعهم، ولا تزال الجامعة الأمريكية ببيروت تخرج أجيالًا ينتشرون في كل مراكز التوجيه انتشار المرض العضال في أجزاء الجسد. ولا يزال الصليبيون يعنون بإرسال رجالهم إلينا خبراء ومفكرين ومدرسين، كما يحرصون على عقد المؤتمرات لمفكرينا ورجالات الحكم والشباب من أبنائنا ليستمر تأثير الثقافة الغربية فينا عبر مراكز التوجيه، وعبر الأجيال الناشئة، ومن أشهر المؤتمرات التي عقدت في هذا المجال، مؤتمر الثقافة الإسلامية، في عام ١٩٥٣، عقدته جامعة برنستون، ومكتبة الكونغرس بواشنطن، وقد حضره جمع من المفكرين من أبناء المسلمين.

стр. 54

٣ - الدعوة إلى القومية: كانت الرابطة التي تجمع الشعوب الإسلامية هي الرابطة الإسلامية، فشجع الغرب الصليبي الشعوب المختلفة على المناداة بالقوميات التي تنتسب إليها الأمم المختلفة، فنادى العرب بالقومية العربية، والأتراك بالتركية الطورانية، ونادى الأكراد بالكردية، وبذلك تفسخت عرا الرابطة الواحدة التي كانت تجمع هذه الأمّة وتوحدها، وقد كان ظهور هذه الدعوات سببًا في إزالة الخلافة العثمانية وتحطمها. وقد أغرق دعاة الضلال في دعوتهم عندما أحيوا الحضارات القديمة لإيجاد مزيد من الانقسام والفرقة، فرأينا الدعوة إلى الفرعونية، والدعوة إلى البابلية، والآشورية ... وغيرها. ٤ - إفساد المرأة: وقد حرص الكفار على إفساد المرأة، لأنَّ فسادها يفسد الأبناء والأزواج، أخرجوها من بيتها، وهتكوا حجابها، وزينوا لها التمرد على دينها بمختلف الأساليب، وزعموا أن تحضرها وتقدمها لا يكون إلا إذا سارت مسيرة المرأة في أوروبا. ٥ - إقصاء الشريعة الإسلامية من الحكم: وهذا الأسلوب بذل الكفار في سبيل تحقيقه الكثير من الجهد والمال والفكر، وقد أقنعوا به كثيرًا من الحكام في الديار الإسلامية، وقد تبنت دولة الخلافة في آخر عهدها كثيرًا من القوانين الكافرة، وفرضت القوانين الفرنسية على الشعب

стр. 55

المسلم في مصر في عام ١٨٨٢ م ولم ينتصف القرن الرابع عشر الهجري حتى أقصيت الشريعة الإسلامية من الديار الإسلامية، باستثناء أحكام الزواج والطلاق والميراث. ٦ - تنصير المسلمين: على الرغم من أن الأمم النصرانية تبتعد عن النصرانية، وعلى الرغم من بيعهم للكنائس في ديارهم، إلا أنهم حريصون على تنصير المسلمين، وبناء الكنائس في ديارنا، وقد رصدوا لذلك مئآت الملايين من الدولارات، وأرسلوا البعثات التبشيرية مجهزة بكل ما يمكن أن يحقق الهدف الذي قامت من أجله، وعلى الرغم من الصعاب التي تقف في طريقهم، إلا أنهم ماضون في هذا الطريق، وهم يصطادون المسلمين الجهلة، وينشبون أنيابهم في فقراء المسلمين، حيث يقدمون لهم بعض ما يحتاجون إليه مقابل تركهم لدينهم وعقيدتهم. ٧ - استخدام وسائل الإعلام: استغل الغربيون والمستغربون وسائل الإعلام المختلفة لحرب الإسلام, ونظرة سريعة إلى وسائل الإعلام في ديارنا ترينا مدى البلاء الذي تصبه ليل نهار على معتقداتنا وشعائرنا وسلفنا وعلمائنا، سيل من الشبهات التي تشكك في الدين وأحكامه، وسيل آخر من الأفلام والتمثيليات والمسرحيات التي تتهكم بالإسلام، وتقوم بعرض نماذج من أنماط الحياة تضاد الإسلام في كل شيء، أنماط جاهلية عفنة، تمجد الجريمة، وتدعو إلى الفسق والفجور، وتكره في الحياة المستقيمة الفاضلة، وتتهكم بالمسلمين والمسلمات، وتتخذ الدين هزوًا، وتعرض ما حرّم الله: الرقص الفاضح، وشرب الخمر، والكذب والدجل، وإخلاف الوعد،

стр. 56

وقد قامت للتافهين أسواق ضخمة في كل مكان باسم الفن، ولو صدقوا لسموا ذلك فجورًا وقباحة وخلاعة. ٨ - الاستشراق: منذ عدة قرون اهتم الغربيون بدراسة ديننا ولغتنا، ودفعوا أبناءهم لدراسة الإسلام، وقد تحقق لهم ما أرادوا، وقد ألفوا ودرسوا وكتبوا، ولكنهم لم يكونوا أمناء في ذلك كله، لقد أرادوا إضلال أبناء المسلمين، وتشكيكهم في دينهم، لقد كان الاستشراق واحدًا من السبل التي خطط أعداء الإسلام لها لغزو عقول المسلمين. المبحث الرابع في مواجهة الثقافة الغربية قامت في العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر حركات إسلامية أخذت تنادي أبناء الإسلام، وتدعوهم إلى العودة إلى الإسلام، وتحذرهم من الخطر الداهم والمصاب الجلل الذي أصابتهم به الثقافة الغربية الغازية، وقد بدأ طلائع المد الإسلامي يظهرون في كل مكان يعرضون الإسلام الصحيح، ويُبصِّرون المسلمين بثقافتهم الإسلامية الحقة، وبدأ يسري في الأمّة الإسلامية تيار دافق مرتبط بالإسلام يحيي القلوب والنفوس، وبدأت قلاع الكفر تهتز في ديارنا، ويوشك أن تسقط، ويمكننا أن نجمل مظاهر الصحوة المباركة التي يعيشها المسلمون اليوم في النقاط التالية: ١ - توجه الشباب إلى الفكر الإسلامي والحماس للإسلام والدعوة إليه، وعمارتهم للمساجد، ومحاولتهم الالتزام بشعائر الإسلام وشعاراته.

стр. 57

٢ - عودة نسبة كبيرة من النساء .. إلى الالتزام بالإسلام فكرًا وسلوكًا. ٣ - تردد أصداء الدعوة إلى الإسلام في مختلف ديار الإسلام. ٤ - الدعوة إلى إصدار تشريعات وقوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية أو مستمدة منها. ٥ - النشاطات والمجامع العلمية ومعاهد العلم التي تقام في كل مكان، كالمؤتمرات والتجمعات والمدارس والكليات الإسلامية ... التي نراها تنتشر في كل مكان. وحتى تؤتي هذه الصحوة أكلها الطيبة، وتبلغ مداها المرجو لا بدَّ من تحقيق الأمور التالية: أ - إصلاح التعليم في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، بحيث نجعله تعليمًا إسلاميًا صافيا، ولا يكفي في هذا توجيه الشباب إلى الكتاب والسنة فحسب، بل يجب أن تجعل التعاليم والموازين والمقاييس الإسلامية ضابطة لكل العلوم، ومحورًا للعلوم أيضًا، وهذا ما يطلق عليه بعض المفكرين المسلمين اسم "أسلمة العلوم"، وقد انعقد المؤتمر التأسيسي للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو) في مايو ١٩٨٢، ووضع قضية أسلمة مناهج التعليم في طليعة أهداف المنظمة، ثم عقدت ندوة (دور المنظمة في خدمة الفكر الإسلامي) بفاس في يناير ١٩٨٣، وأدرجت مسألة أسلمة العلوم ضمن الأولويات التي ينبغي على المنظمة أن تسعى لتحقيقها، وبناء على هذا أدخل المؤتمر الإسلامي العام الأول لوزراء التربية والعلوم والثقافة الذي انعقد بالدار البيضاء في يونيه عام ١٩٨٣ برناج (جعل الثقافة الإسلامية محور مناهج التعليم) في خطة عمل المنظمة لسنتي (٨٣ - ٨٥)، وفي هذا المجال عقدت ندوة في مدينة الرباط في ٨ فبراير - ١٩٨٤ باسم (ندوة جعل الثقافة الإسلامية محور مناهج التعليم) وقد

стр. 58

قال مدير المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الأستاذ عبد الهادي أبو طالب في كلمته التي افتتح بها الندوة: "ليس الهدف من برنامج (جعل الثقافة الإسلامية محور مناهج التعليم)، زيادة حصص مادة التربية الإسلامية، أو تعميمها في جميع مراحل التعليم، وإنما إعادة صياغة المنهج المدرسي كله على أسس إسلامية، وتأليف مفرداته وصوغ معطياته من منظور إسلامي، وصبغ التعليم كله بالصبغة الإسلامية، لخلق جيل متماسك الشخصية، محدد الهوية, واثق بنفسه، مؤمن برسالته. ولا يتأتى هذا إلا إذا أعدنا النظر في جيع مناهج العلوم سواء منها الإنسانية أو المنضبطة أو التطبيقية في المدارس والجامعات بحيث يقع التركيز فيها على المبادئ الغربية في مادية العلم ونفعيته، ويتم فيها الإطلاع على منجزات العلماء المسلمين وإسهامهم في شتى ميادين المعرفة ومختلف فروع العلم، فليس من المعقول، ولا من الموضوعية، ولا من الأمانة العلمية في شيء أن نلقن أبناءنا مثلًا نظريات كارل ماركس وآدم سميث في الاقتصاد دون أن نعرفهم بنظريات ابن خلدون والقاضي أبي يوسف فيه، أو أن نقدم لهم منجزات غاليلو ونيوتن في الفيزياء، ونغفل إبداعات ابن الهيثم والبيروني فيها، أو أن يتدارسوا أعمال ليبنز وباسكال في الرياضيات، ونهمل أعمال الخوارزمي وجابر بن حيان فيها، أو أن نعلمهم منهج ديكارت وسبينوزا ومنطقهما دون التطرق إلى منهج الرازي والأنصاري ومنطقهما، أو نشرح لهم آراء جان جاك روسو وجون ديوي في التربية وعلم النفس بلا إشارة إلى نظريات الغزالي وابن سحنون في هذه الميادين". وتابع الأستاذ عبد الهادي قائلًا: "إن على شبابنا أن يدركوا بأن لهم أيضًا ثقافة إسلامية كاملة أسهمت في تطوير المعرفة الإنسانية وشاركت في تقدمها.

стр. 59

وإذا ما كان قد علاها الصدأ أو دب إلى أطرافها الهرم فهذا لا يعني أن الأسس التي قامت عليها واهية، أو أن الجذور التي تأصلت منها سقيمة، وإن دعوتنا للاعتزاز بتراثنا الأصيل وإقامة مناهج التعليم كلها على أسس إسلامية ليس فيه انغلاق أو رجوع إلى الوراء، وإنما فيه انفتاح على تراثنا وثقافتنا إلى جانب انفتاحنا على تراث الآخرين وثقافتهم بحيث نستطيع دخول العالم الجديد بهويتنا المتميزة القائمة على ثقافتنا النوعية لنسهم في الحضارة الإنسانية برافد متميز". ب - تحكيم الشريعة الإسلامية ونبذ القوانين الوضعية، فالشريعة هي القانون الذي أنزله الله ليحكم الذين رضوا به ربًا وبالاسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا, والمسلم لا يستطيع أن يدعي الإسلام وهو يرفض شريعة الله، ويطبق قوانين البشر. جـ - بناء الشخصية الإسلامية وفق المنهج القرآني النبوي، لتخرج الشخصية الإسلامية شخصية مستقلة متوازنة، بعيدة عن الضياع والنفاق والتناقض. د - كشف عيوب الثقافة الغربية، وأنماط الحياة الغربية، وإبراز محاسن الحياة الإسلامية المنبثقة عن الإسلام. المؤلفات في الغزو الفكري والثقافي ألفت مؤلفات كثيرة تكشف الغزو الفكري والثقافي والديني للعالم الإسلامي، كما تكشف مخططات أعداء الإسلام وتبين أهدافهم، فمن ذلك كتاب الغارة على العالم الإسلامي، وهو محاضر واحد من أخطر مؤتمرات المبشرين نشره وعلق عليه محب الدين الخطيب، وكتاب التبشير والاستعمار لفروخ والخالدي، وكتاب

стр. 60

خطر اليهودية العالمية لعبد الله التل، وكتاب أجنحة المكر الثلاثة لعبد الرحمن حسن حبنكة، وكتاب غارة تبشيرية على أندونيسيا لأبي هلال الأندونيسي. المبحث الخامس التحصين الثقافي الإسلام منهج حياة، يصوغ المسلم صياغة ربانية خالصة من خلال الوحي السماوي الذي يتمثل في الكتاب والسنة، وقد كان الوحي السماوي منذ الوهلة الأولى يحصن المسلمين من الغزو الفكري والثقافي المتمثل في العقائد الضالة والمنحرفة، والمناهج الباطلة، لقد أعلمهم الله أن وحيه هو الحق، وغيره ضلال، وأنكر الرسول ﷺ إنكارًا شديدًا على من طلب الهداية من كتب اليهود والنصارى، وزادنا تحصينًا عندما أعلمنا بما عند اليهود والنصارى من انحراف وباطل. والواجب على الدعاة المسلمين ورجال الفكر والكتاب والباحثين أن يقوموا بعملية التحصين الثقافي ضد الفلسفات والنظريات والمناهج التي تغزو عقول المسلمين، وكان الواجب على الدول التي تنتمي إلى الإسلام أن تسخر وسائل الإعلام للقيام بهذه المهمة، كما يجب عليها أن تعالج هذه الأمور من خلال مناهج وزارات التربية في بلادنا، ولكن الأمر يجري بما لا تشتهي السفن، فقد أصبحت وسائل الإعلام ومناهج التربية في كثير من ديار الإسلام منابر للغزو الثقافي والفكري، ومن هنا عظمت مهمة العلماء والدعاة، إذ يجب عليهم أن يحصنوا أبناء الإسلام بتعريفهم بدينهم أولًا، ثم ببيان مفاسد الحياة الغربية ومدى ضلال أهلها، ومن خير من عالج هذا الموضوع العلامة أبو الأعلى المودودي في كتابة "الحضارة الإسلامية"، وكتابه الآخر "نحن والحضارة الغربية", وللدكتور محمد

стр. 61

محمد حسين ﵀ مؤلف بعنوان: "موقف الإسلام من الحضارة الغربية" ولأبي الحسن النووي كتاب "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية". المبحث السادس إلى أي مدى غير الإسلام ثقافات الأمم قبل أن أنهي حديثي عن صراع الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية أحب أنّ أنبه إلى أن الثقافة الإسلامية على الرغم من اتساعها ورحابتها، فإنها لا تصوغ جميع الأمم في بوتقة واحدة وقالب واحد، بحيث تكون نسخًا مكرورة، وأفضل ما يمكن عرضه في هذا هو الثقافة العربية قبل الإسلام، فالإسلام غير كثيرًا من القضايا العقائدية، والفكرية والعلمية للأمة العربية، وإقرار العقائد والفضائل والشعائر الصحيحة التي كانت عند العرب. والسرّ في ذلك أن الأمم لا يتمخض فكرها وعملها للشرّ، ولكن الخير يختلط بالشرّ، ويأتي الوحي السماوي لتقويم الاعوجاج، ولكنه يقر الخير الذي قد يكون باقيًا عند تلك الأمم. والإسلام يشكل الهيكلية الأساسية للفرد والمجتمع، ولكنه لا يتدخل في كل الجوانب والقضايا، فالشعوب التي دخلت في الإسلام لم يسلخها الإسلام سلخًا كاملًا عن مألوفها، فالفضائل قد تتعدد، ودائرة المباح واسعة، وبذلك تتمايز الشعوب التي تدخل في الإسلام فيما بينها تمايزًا واضحًا مع اشتراكها في كثير من السمات والخصائص، والإسلام من السعة بحيث يسع الأفراد والشعوب مع اختلاف خصائص الأفراد والشعوب.

стр. 62

الفصل السادس المؤلفات في الثقافة الإسلامية ألفت في الثقافة الإسلامية عدة مؤلفات، ومن أجودها كتاب لمحات في الثقافة الإسلامية لعمر عودة الخطيب، وكتاب دراسات في الثقافة الإسلامية، شارك في تأليفه الدكتور محمد عبد السلام، ومؤلف هذا الكتاب وزملاؤهما، وهو مقرر على طلبة المعاهد في دولة الكويت. واشترك مجموعة من العلماء، منهم الشيخ محمد الغزالي والأستاذ محمد قطب وغيرهما في كتاب "الثقافة الإسلامية, وهو مقرر على طلبة جامعة الملك عبد العزيز في جدة". وللدكتور عدنان زرزور كتيب بعنوان "إنسانية الثقافة الإسلامية"، وكتب الدكتور محمد رشاد سالم كتابًا بعنوان "المدخل إلى الثقافة الإسلامية"، وقد كتب الدكتور يوسف القرضاوي كتابًا يدور موضوعه حول "ثقافة الداعية" وهناك كتب كثيرة تعطي فكرة شاملة عن الإسلام يمكن أن تدخل في عداد كتب الثقافة الإسلامية منها: ١ - منهاج المسلم للشيخ أبي بكر الجزائري. ٢ - نظام الحياة في الإسلام لأبي الأعلى المودودي. ومن رام أن ترسخ قدمه في فهم الإسلام فلا بدَّ له من الاطلاع على ما كتبه أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحاضر في الموضوعات والمفهومات الإسلامية المختلفة، مثل مبادئ الإسلام للمودودي، ومعالم في الطريق لسيد قطب، وجاهلية القرن العشرين، والتطور والثبات، كلاهما لمحمد قطب.

стр. 63

الفصل السابع عناوين الدين الإسلامي ومراتبه أولًا: عناوين الدين: الإسلام، الإيمان، الملة، الشريعة: الدين الإسلامي هو ذلك المنهج الذي أنزله الله إلى عباده عبر رسله وأنبيائه - مشتملًا على العقائد والمعارف والتعاليم والأخلاق والأوامر والنواهي، ومهمته إصلاح الفرد وسياسة المجتمع وفق نمط معين حدد هذا الدين مساره، وأصل الدين الخضوع والذلة، سمي بذلك لأن صاحبه يدين لله ﵎ بالامتثال لشرعه. وقد أطلق القرآن على هذا الدين عدة عناوين، فقد سماه إسلامًا، وإيمانًا، وملة، وشريعة، فكل واحد من هذه الأسماء عَلَمُ على الدين كله، ولكن باعتبارات مختلفة: فالدين باعتبار وجوب الاستسلام لتعاليمه والانقياد لها إسلام، ومن حيث التصديق بالله وما جاء من عند الله إيمان، وباعتبار أنه يملى ويكتب هو ملة، وباعتبار أن الله سنه وابتداه هو شريعة، فالإسلام والإيمان عنوانان للدين كله، وكل منهما شامل للاعتقاد والقول والعمل والأخلاق. وهذا هو المشهور عند علماء السلف، وأهل الحديث في معنى الإيمان, وقد حكى الشافعي رحمه الله تعالى إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم على ذلك، وأنكر السلف عل من أخرج الأعمال من مسمى الإيمان إنكارًا شديدًا، وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولًا محدثا سعيد بن جبير، وميمون بن

стр. 64

مهران وقتادة، وأيوب السختياني، والنخعي، والزهري وغرهم، وقال الثوري هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره، وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد: فإن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، ذكره البخاري في صحيحه. (١) وقد دل على دخول الأقوال والأفعال في مسمى الإيمان نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [الأنفال: ٢ - ٣]. وفي تحويل القبلة قال الحق: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي صلاتكم، وفي حديث ابن عباس في الصحيحين قال الرسول ﷺ لوفد عبد القيس: "آمركم بالايمان بأربع: الإيمان بالله وحده، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس"، (٢) وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ولفظه لمسلم (٣). وقد ألف الحافظ البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ سفرًا عظيمًا سماه "شعب

стр. 65

الإيمان"، ثم جاء الإمام أبو جعفر عمر القزويني المتوفى سنة ٦٩٩ هـ فاختصره في مجلد لطيف. وإذا أنت تتبعت هذه الشدب وجدتها تتناول الإيمان بالله وبالرسل والملائكة والقرآن والقدر واليوم الآخر والبعث والحشر والجنة والنار، كما تتناول أعمال القلوب من محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه، ومحبة الرسول وتعظيمه، كما تتناول طلب العلم ونشره، وتتناول أيضًا الأعمال الظاهرة من الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وبر الوالدين وأداء الخمس والعتق والكفارات، كما تتناول الأخلاق من الوفاء بالعهد، وشكر ندم الله، وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش، كما تتناول ترك المحرمات من قتل النفوس وإيذائها وعدم قربان الزنا والخمر، ... وبالجملة فإن الإيمان شامل للدين كله. أما إطلاق الإسلام على الدين كله فيدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. والإسلام دين الرسل جميعا وإن كنا نخصه بما أنزل على محمد ﷺ ، لأنه الصورة الأخيرة المنزلة من عند الله. ومدار مادة (ش ر ع) في لغة العرب على الظهور والبيان والوضوح، والشريعة مأخوذة - (١) كما يقول اللغوي الأزهري - من قولهم شرع الإرهاب إذا شقَّ، ولم يزقق، أي يجعل زقا، ولم يرجل، وهذه ضروب من السلخ معروفة أوسعها وأبينها الشرع (٢).

стр. 66

وتطلق العرب "الشريعة" على مورد الناس للاستقاء، سميت بذلك لوضوحها وظهورها، (١) ولا تسمى العرب هذا المورد شريعة إلا إذا كان الماء المورود "عدًا لا انقطاع له، ظاهرًا معينا لا يسقى منه بالرشاء" (٢)، كما تطلق العرب الشرع على نهج الطريق الواضح (٣). وتطلق الشريعة في اصطلاح العلماء على كل ما سنه الله لعباده من الأحكام الاعتقادية والأخلاقية والعملية، يقول ابن تيمية: "الشريعة تنتظم كل ما شرعه الله من العقائد والأعمال" (٤)، ويقول التهانوي: "الشرع ما شرع الله لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء، سواءً أكانت متعلقة بكيفية عمل وتسمى فرعية عملية، ودون لها علم الفقه، أو بكيفية اعتقاد، وتسمى اعتقادية، ودون لها علم الكلام" (٥). وبعض العلماء يريد بالشريعة الأحكام الشرعية العملية دون غيرها، إلا أن الاصطلاح القرآني يطلقها على كل ما أنزله الله تعالى، وهذا هو الاصطلاح الأولى والأطيب. ثانيا: مراتب الدين: الإسلام، الإيمان، الإحسان: قد يكون كل من الإسلام والإيمان مرتبتين من مراتب الدين الثلاثة، وهي الإسلام، والإيمان، والإحسان.

стр. 67

وفي هذه الحال يكون المراد بالايمان التصديق القلبي، وبالإسلام الاستسلام الظاهري، وقد سأل جبريل الرسول ﷺ عن مراتب الدين الثلاثة عندما جاءه في صورة رجل يعلم الصحابة دينهم، وقد فسر الرسول ﷺ في إجابته الإسلام بالانقياد الظاهرى: "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" وعرف الإيمان بالتصديق القلبي "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى". وقال في الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). وقد أرشدنا علماؤنا إلى كيفيه تحديد المعنى المراد بالإسلام والإيمان عند ورودهما في آيات الكتاب وأحاديث الرسول ﷺ فقالوا: إذا اقترنا افترقا، وإذا افترقا اتفقا، والمراد أنه إذا وردا مقترنين في آية واحدة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. افترقا، أي حمل الإيمان على التصديق بالقلب، والإسلام على الانقياد بالعمل، وإذا ذكر الإيمان وحده فإنه يكون شاملًا للإسلام كقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] وكذلك إذا ذكر الإسلام وحده فإنه يكون شاملًا لمعنى الإيمان، أي شاملًا للتصديق القلبي والانقياد بالعمل الظاهرى كقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]

стр. 68

أقسام علوم الشريعة الإسلامية مما سبق يتبين لنا أن العلوم التي جاءت بها الشريعة الإسلامية تقسم إلى ثلاثة أقسام. الأول: أحكام اعتقادية، ووضع لها علم العقيدة أو علم التوحيد. الثاني: أحكام أخلاقية، ووضع لها علم الأخلاق. الثالث: أحكام فرعية عملية ووضع لها علم الفقه. وسنتناول كل علم من هذه العلوم الثلاثة بشيء من التفصيل.

стр. 69

الباب الأول العقيدة الإسلامية ويشتمل على تسعة فصول: الفصل الأول: مدخل إلى دراسة العقيدة. الفصل الثاني: العقيدة في الله. الفصل الثالث: الملائكة والجن. الفصل الرابع: الكتب السماوية. الفصل الخامس: الرسل والأنبياء. الفصل السادس: اليوم الآخر. الفصل السابع: القضاء والقدر. الفصل الثامن: أثر الإيمان في الفرد والمجتمع. الفصل التاسع: المؤلفات في العقيدة.

стр. 70

الفصل الأول مدخل إلى دراسة العقيدة المبحث الأول أهمية العقيدة لا شك أن العقيدة لها أهمية عظيمة في حياة الإنسان، بل في حياة البشرية جمعاء، ويدلنا على ذلك أمور كثيرة يمكننا أن نوجزها في النقاط التالية: ١ - العقائد هي الركائز والأسس التي تقوم عليها المبادئ والشرائع، فالبشر أسرى المعتقدات والأفكار، فالذين يعتقدون أن الله هو ربهم ومعبودهم، وأن مصيرهم إليه، وأن الدنيا معبر وطريق - يقيمون حياتهم وفق شريعة الله، بحيث تهيمن هذه الشريعة على تصرفاتهم وأعمالهم. والذين كفروا بالله، وقالوا بأزلية المادة، أقاموا حياتهم وفق معتقداتهم، وعملوا لهذه الحياة: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. والذين ألَّهوا الأبقار فضلوها على آبائهم وأمهاتهم، وقدموا لها القرابين والنذور، وحرموا ذبحها، وأهلكوا أنفسهم في سبيل تقديسها. وقل مثل ذلك في الذين عبدوا النيران والأشجار والأحجار والشمس والقمر. ٢ - العقائد تستولي على أنفس أصحابها، وتدفعهم لبذل أموالهم وأنفسهم في

стр. 71

سبيل تحقيق ما يعتقدونه، وهم راضون مطمئنون، وهذا يفسر لنا السرّ في انتصار أصحاب العقائد وعدم تنازلهم عن مبدئهم على الرغم من الآلام والمصائب التي تعترض طريقهم. ويدلنا على صدق هذا - المعنى اللغوي للعقيدة، فعقد الحبل نقيض حله، ومادة (عقد) في اللغة مدارها على اللزوم والتأكد والاستيثاق، ففي القرآن: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وتعقيد الإيمان إنما يكون بقصد القلب وعزمه، بخلاف لغو اليمين التي تجري على اللسان بدون قصد. و(العقود) أوثق العهود، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وتقول العرب: "اعتقد الشيء: صلب واشتدَّ" (١). والعقائد في الإسلام هي الأمور التي تصدق بها النفوس، وتطمئن إليها القلوب، وتكون يقينًا عند أصحابها، لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك، وأصول عقائد الإسلام حددها الرسول ﷺ بقوله: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى" (٢). ٣ - ضلال الإنسان في معتقده، يجر عليه البلاء، ويضل عمله وسعيه، واعتبر في هذا بالذين قدسوا الأصنام - والفئران كيف أهانوا أنفسهم، وكيف ضيعوا أموالهم، وكيف سفكت دماؤهم عندما حاربهم المسلمون، وعندما يقدمون على

стр. 72

الله يكونون من الأخسرين، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، ويخلدون في النار. ٤ - أعظم خلاف حصل على مدار التاريخ هو الاختلاف حول قضايا الاعتقاد، ولذلك كانت أعظم مهمات الرسل تصحيح عقائد البشر الزائفة، وتصحيح تصوراتهم عن الله والكون والحياة. عبد البشر على مدار التاريخ الأصنام والأوثان والقبور، فجاءتهم رسلهم تردهم إلى الله مولاهم الحق، فنوح نهى قومه عن عبادة الأصنام والأوثان، فلم يستجيبوا ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. وإبراهيم قال لقومه مناقشا إياهم فيما يعبدون ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾ [الشعراء: ٧٢]. وقال القرآن للعرب منكرًا عليهم ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢٠ - ٢٢]. ونسب الضالون إلى الله الولد، ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. والنصارى زعموا في عيسى ما زعموه ﴿وَقَالتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] والعرب زعموا أن الملائكة إناث ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩].

стр. 73

وذلك إفك كبير ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٥٦]. واختلف البشر في صفات ربهم، ونسبوا إليه القبائح، فاليهود قالوا إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وتعب في اليوم السابع واستراح، فأكذبهم الحق في مقالتهم أنه تعب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. ومن افتراءاتهم على الله قولهم ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]. وهذه الخلافات العقائدية تسبب اختلافًا بين الأمم، بل بين أبناء الأمة الواحدة، فيتعادون ويتباغضون، ثمَّ يتقاتلون ويتتاحرون، وما خبر الحروب الدينية التي قامت بين النصارى عنا ببعيد، وقد أهلك الحرث والنسل وصدق الله، إذ يقول: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَينَا بَينَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]. أمّا العقيدة الصافية المستقيمة، فإنها تجلب المودة والمحبة بين البشر ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٥ - يقف كثير من الطواغيت وراء العقائد الفاسدة الزائفة التي تمكن لسلطانهم، وتعبد الناس لهم، أو من يحكمون الناس باسمه، وقد كان سدنة الأصنام أحرص

стр. 74

الناس على تعبيد الناس لها، لما يحصلون عليه من مركز اجتماعي عظيم، ومال وفير، من الهدايا والقرابين. وقد كان الملوك حريصين على تكريم الكهنة والسحرة الذين يعبدون الناس للحكام، وادعى أقوام القداسة والعصمة، وأنهم أبناء الآلهة، وأن الدماء الزرقاء تجري في عروقهم، ونادى فرعون في قومه قائلًا ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ [القصص: ٣٨]. ولقد كان الفلاسفة والحكام ينسبون إلى الآلهة الفسق والفجور ومرادهم بذلك تبرير فسقهم وفجورهم. ٦ - العقيدة التي جاء بها الرسل ضرورية للبشر ضرورة الما والهواء، لأنها تحرر العقل من الخرافة، وتفسر للإنسان لغز الحياة، وتدله على مصدر وجوده ومصدر وجود الكون، كما تعرِّفه بالعلاقة التي بينه وبين الله، وبينه وبين الكون، وتحدثه عن العوالم الأخرى التي هي من عالم الغيب، وتبصره بمصيره بعد الحياة، والإنسان إذا لم يجد الإجابة الشافية عن هذه القضايا فإنه يبقى متعبًا قلقا حائرًا، والذي ينظر في حال الفلاسفة والمفكرين الذين لم يهتدوا بهدى الله سيشعر بمدى التعب النفسي، والإرهاق الفكري الذي عانى منه هؤلاء الرجال. المبحث الثاني المناهج في إثبات العقائد هناك منهجان لمعرفة قضايا الاعتقاد: الأول: منهج الرسل، وهذا المنهج يقف العقل الإنساني فيه عند حدّ التصديق بالله، ثمّ بعد ذلك يتلقى عن الله عقيدته في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر

стр. 75

والقدر، والعقل الإنساني هنا يتدبر وحي الله ويفقهه، ولا يخوض في هذه القضايا بعيدًا عما أوحى الله إليه، وعلى المسلم في هذه الحال أن يتأكد من صدق نسبة النصوص إلى الرسول التي أُوحى إليه بها، فإن كانت صادقة فعليه أن يترك رأيه وهواه، ويحكِّم ما أوحاه الله، وهذا المنهج يمكن أن نطلق عليه المنهج "الإيماني القرآني النبوي"، وعمدة هذا المنهج الأخذ بنصوص الكتاب، وصحيح حديث الرسول ﷺ في مسائل الاعتقاد. الثاني: منهج الفلاسفة الذين رفضوا الاحتكام إلى الشرع، وأصروا على أن يضربوا في بيداء شاسعة من غير دليل، فضلوا وأضلوا، لقد غفل هؤلاء عن أن العقل لا يستطع أن يخوض في هذه الميادين بنفسه، لأنها فضايا غيبية، لا تدخل في نطاق قدرات العقول البشرية، ولذلك فإن الفلاسفة كانوا أعدى أعداء الرسل. وقد تأثر كثير من المنتسبين إلى الإسلام بهؤلاء الفلاسفة، فاحتكموا إلى الموازين والمقاييس العقلية التي أخذوها من أولئك الفلاسفة، وعارضوا بها الشرع، وحكموها في الشرع، وردوا بها كثيرًا من الأحكام الشرعية بحجة أن الأدلة العقلية يقينية، والأدلة الشرعية كثير منها ظني الثبوت ظني الدلالة، أو ظني الثبوت وإن كان قطعي الدلالة، أو ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت، فرد هؤلاء أحاديث الآحاد في العقيدة، ومنهم من ردها في العقيدة والأحكام، ومنهم من لم يأخذ بنصوص الكتاب لكونها ظنية الدلالة ويمكننا أن نسمي هذا المنهج "المنهج الفلسفي الكلامي". وهذا الفريق من الناس أكثر الناس اختلافا وتناقضا، وقد حذر العلماء الجهابذة من مغبة السير في هذا الطريق، وبعض سالكيه تراجع عنه جزئيًّا أو كليًّا بعد أن عرفوا ما فيه من اعوجاج.
следующие страницы →