← Общие книги

Общие книги · id 96254

نحو ثقافة إسلامية أصيلة

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (309 стр.). Показаны 281–309 · переход к 286.

стр. 281

وأقام المسلمون اقتصادهم عبر التاريخ الإسلامي بعيدًا عن هذا الداء العضال، ولكنهم في هذا العصر أقاموا صرح الاقتصاد على أساس من الربا، بفعل أعداء الإسلام الذين استعمروا ديارنا وعقولنا ومناهج التعليم في ديارنا، وإنك واجد - حيث سرت في ديار الإسلام - البنوك الربوية تقوم شامخة البنيان تتحدى أحكام الله المحرمة للربا، وإذا نظرت إلى الصحف والمجلات والإذاعة والتلفاز رأيت الدعاية إلى الربا المحرم تكاد تملأ آفاق الأمة الإسلامية وتنتشر فيه انتشار الغبار الذي يغطي جو الأرض ويصل إلى كل شيء، أضف إلى ذلك أن الربا يدرس في مدارسنا وجامعاتنا، ويتعامل فيه كثير من رجالنا. والأمّة كلها مطالبة بأن تتقي الله في أنفسها وأموالها، وأن تجتنب هذا الطريق الذي حرم الله سلوكه، وإلا أصابها البلاء. تعريف الربا: الربا في اللغة الزيادة والنماء، وفي الاصطلاح هو ما نسميه اليوم بالفائدة، وهي الزيادة الكائنة على رأس المال المقترض، ويعرفه الفقهاء بقولهم: "الربا في الشريعة عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال". والدليل على أن المال الزائد على رأس المال ربا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٩]. فالتائب يأخذ رأس ماله، والزائد عن رأس المال ربا بنص الآية، ولا فرق بين أن يكون الزائد واحدًا في المائة أو عشرين في المائة، فكل زيادة قليلة أو كثيرة حرام، وهي ربا، والذي يمنعه القائمون على الاقتصاد هو الزيادة الفاحشة أما الزيادة المعقولة فإنها جائزة عندهم، ويدعون أن الربا هو الفائدة المرتفعة، أمّا

стр. 282

الفائدة المعقولة فلا تدخل في الربا. وهذا الذي يقولونه باطل من القول، وليس له نصيب من الصحة، فالربا عندنا هو الزائد على رأس المال وإن كان فلسًا واحدًا، وهذا التفريق بين الكثير والقليل منهج غير إسلامي يقصد به التلاعب بعقول العباد، يدلنا على ذلك أن الفائدة التي كانت تعدُّ فاحشة في أول هذا القرن أصبحت اليوم جائزة ومباحة، فكانت العشرة في المائة فائدة فاحشة، ثم أصبحت العشرين في المائة اليوم جائزة.

стр. 283

الفَصْل الرابع المصَارف الإسلاميَّة تقوم في العالم العربي والإسلامي شبكة هائلة من البنوك الربوية التي تفسد الحياة كما تفسد الاقتصاد، وقد أفرحت هذه المصارف الشيطان وأغضبت الرحمن، ولكنَّ أصحاب الغيرة من أهل العلم ورجال الاقتصاد المسلمين لم يفتؤوا ينادون مطالبين بإقامة الاقتصاد الإسلامي بعيدًا عن الربا، وإقامة مصارف إسلامية تقوم بالخدمات المصرفية، كما تقوم باستثمار المال وفق الشريعة الإسلامية. وقد بدأت المحاولات الأولى في هذا المجال في عام ١٩٦٣ حيث أنشئت بنوك الادخار المحلية في مدينة ميت غمر في مصر، ثم أقيم بنك ناصر الاجتماعي في عام ١٩٧١ ولم يقدر لهاتين التجربتين أن تمضيا علي صراط مستقيم. وأول بنك قام على أسس سويَّة هو بنك دبي الإسلامي قام على إثره بيت التمويل الكويتي، ثم تتابع قيام البنوك الإسلامية في كل مكان، فأقيم البنك الإسلامي في الأردن، وبنك فيصل الإسلامي في السودان، وبنك فيصل الإسلامي في القاهرة، وقد زاد عدد هذه البنوك اليوم على أربعين بنكا. وفي عام ١٩٧٥ ظهر أول بنك إسلامي دولي، هو بنك التنمية الإسلامي، ومقره جدة، وقد شاركت فيه كل دول العالم الإسلامي تقريبًا. و١٧ رمضان ١٣٩٧ هـ الموافق ٢١/ ٨ / ١٩٧٧ تم تكوين الاتحاد الدولي

стр. 284

للبنوك الإِسلامية، وقد اعترف بهذا الاتحاد دوليًا. وقد أقامت البنوك الإِسلامية مؤتمرها الأول في دبي ٢٣ - ٢٥ جمادى الآخرة ١٣٩٩ هـ مايو ١٩٧٩، وأقيم المؤتمر الثاني في الكويت بتاريخ ٦ جمادى الآخرة ١٤٠٣ هـ، الموافق مارس ١٩٨٣ م. وفي العام المنصرم ١٤٠٣ هـ احتفل في دبي بتشكيل الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية، وعقدت الهيئة أول اجتماعاتها في ٣٠ جمادى الآخرة ١٤٠٣ هـ ١٣ / أبريل ١٩٨٣ م. وهذه البنوك تحاول جاهدة أن تقيم أنظمتها وفق الشرعية الإِسلامية، بعيدًا عن الربا والتعامل المحرم شرعًا. وقد أثبتت هذه البنوك نجاحًا طيبًا في فترة وجيزة، وقد توجه كثير من أبناء الإسلام إلى التعامل مع هذه البنوك، وهجروا البنوك الربوية. وقيام هذه البنوك يمثل لبنة في إقامة صرح النظام الاقتصادي المتكامل.

стр. 285

الفصل الخامس المؤلَّفات في الاقتصاد الإسلامي من الذين كتبوا في الاقتصاد من العلماء القدامي القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، فقد كتب كتاب "الخراج" ولأبي عبيد القاسم بن سلام كتاب "الأموال". وقد كتب العلامة أبو الأعلى المودودي عدة مؤلفات في الاقتصاد الإسلامي، منها كتاب: "أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة"، وكتاب "معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام"، وكتاب "الربا". وكتب العَلَم في علم الاقتصاد الإسلامي المرحوم الدكتور عيسى عبده كتاب "الفائدة على رأس المال"، وكتاب "الاقتصاد السياسي"، ومن الكتب الحسنة في هذا الموضوع: "خطوط رئيسة في الاقتصاد" لأبي السعود. وقد ألف في الربا عدة مؤلفات، فكتب فيه المودودي وعيسى عبده وأبو زهرة، وقد كتبتُ بحثًا في الربا بعنوان "الربا وأثره على المجتمع الإنساني". ومن المؤلفات الجيدة في هذا العلم كتاب الزكاة وكتاب مشكلة الفقر، وكلاهما للدكتور يوسف القرضاوي.

стр. 286

البَابُ السَابع النظام السياسي في الإسلام ويشتمل على أربعة (*) فصول: الفصل الأول: هل في الإسلام نظام سياسي. الفصل الثاني: مميزات الدولة الإسلامية. الفصل الثالث: وظيفة الدولة الإسلامية. الفصل الرابع: رئيس الدولة الإسلامية. الفصل الخامس: المؤلفات في النظام السياسي الإسلامي.

стр. 287

الفصل الأول هل في الإسلام نظام سياسي تمهيد: يعجب كثير من المنتسبين للإسلام، الذين تثقفوا بثقافة الغرب، ونهلوا من مناهله المشوبة إذا قلت لهم: إن الإسلام جاء ليقيم دولة، ويحكم أمّة، وينظم العلاقات بين البشر، وفيه كل القواعد المتناسقة المترابطة التي تنظم الحكم، وتبين طريقة ممارسة السلطة الحاكمة للحكم. إنَّ المستغربين من بني قومنا، الذين هم من جلدتُنا، ويتكلمون بألسنتنا - يظنون كما ظن العلمانيون في ديار الغرب أن الدين علاقة بين الفرد وربه، ولا يجوز أن يسمح للدين في التدخل في شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والقضائية ... ، ويذهبون إلى ما ذهب إليه أساتذتهم من وجوب فصل الدين عن الدولة. وقد نجحت الحكومات التي تحكم ديار الإسلام في تحقيق هذه الفكرة الغربية، فأقصى الإسلام عن الحكم، وإن نصت أكثر دساتير هذه الدولة على أن دين الدولة الإسلام. إن الذين رددوا هذه الفكرة وأصلوها في ديارنا فريقان:

стр. 288

الفريق الأول: أهل المكر بهذه الأمّة، الذين يعلمون طبيعة هذا الدين، ويعرفون حقيقته، وأنه دين شامل، جاء ليحكم عباد الله بمنهج الله، ولكنهم الفريق الأول: أهل المكر بهذه الأمة، الذين يعلمون طبيعة هذا الدين، ويعرفون حقيقته، وأنه دين شامل، جاء ليحكم عباد الله بمنهج الله، ولكنهم يمكرون بهذه الأمة لإقصاء دين الله عن موقعه حتى لا تعود الأمّة إلى أصالتها، وكي لا تعود إليها روحها التي تبني منها النفوس، وتصلح منها القلوب والعقول، ويبقى أهل الشر هم المسلطون على رقابها، ويمتطون ظهورها، ويمصون خيراتها، بلا حسيب ولا رقيب. والفريق الثاني: جاهل بطبيعة هذا الدين، ألبس عليه أهل المكر حقيقة هذا الدين، فظنَّ أن العلماء المسلمين يشرعون باسم الله ما يشتهون، كما هو الحال في رجال الكهنوت في الدين النصراني، الذين يغفرون الذنوب، ويدخلون الناس الجنة، بل يبيعونهم إياها بثمن بخس. إن العلماء المسلمين مثلهم مثل حكام المسلمين، ليس لهم إلَّا أن يحكموا الناس بالهوى، ويشرعون ما يشاؤون، فالإسلام دين يحكم العباد، فلذا حاد العباد عن دين الله، فإنه يجب على بقية الأمة أن تقف في وجوههم، وتقيمهم على الجادة. إن المأمومين في الصلاة يتابعون الإمام ما استقام على المنهج الذي شرعه الله، فإن صلَّى على طريقةٍ مخالفة للمنهج الرباني فلا متابعة له، ولا اقتداء به، وهذا ماضٍ في كل أمر من الأمور، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". إنَّ الذين يزعمون أن الله فوَّض إليهم سلطانه، وأن ما يصدرونه من أحكام وقوانين يمثل إرادة الله ومشيئته ضالون، وفي يوم القيامة يتبرأ عيسى ﵇ مما نسبه إليه الضالون من النصارى، قال تعالى:

стр. 289

﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [سورة المائدة: ١١٦]. وهذا الذي زعمه أولئك الحكام نوع من أنواع الشرك الذي وقعت فيه الأمم النصرانية، وقد قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة التوبة: ٣١]. وما اتخاذهم إياهم أربابًا إلا بطاعتهم حيث يخالفون حكم الله فيما يذهبون إليه. أمَّا الإسلام فالحاكم فيه ليس مُنَصَّبًا من قبل الله كما تزعم النظريات الدينية النصرانية، وليس حرًّا في أن يقرر ما يشاء، الخليفة المسلم تنصبه الأمة المسلمة، وهو يلتزم بأحكام الشرع ولا يجوز له الحيدة عنها، وهو مسؤول أمام الأمَّة وأمام مجلس الشورى عن أعماله، فأين هذا مما عرف بالحكومة "الثيوقراطية" في عالم الغرب. أمَّا ما دندنوا به من فساد بعض الحكام المسلمين عبر التاريخ الإسلامي، فنحن لا ننكر أنه كان في بعضهم شيء من ذلك، ولكن كان فيهم الأخيار الأبرار الصالحون الذين لا زالت الدنيا تتعطر بسيرتهم وذكرهم، وأخطاء أولئك ليست حجّة على الإسلام، بل الإسلام منها براء، ولقد وجد في المسلمين في كل عصر من أنكر باطل المبطل منهم، وقوّم المعوج من أعمالهم. المبحث الأول الأَدلة عَلى اعتنَاء الإِسلام بهَذا الجانب إننا إذ بينا الخلفية التي يصدر عنها أولئك الذين يزعمون أن لا سياسة في الدين - لم نقم الحجّة والبرهان على أن الإسلام شرع لنا إقامة سلطة سياسية تحكم

стр. 290

المسلمين، والذين يقولون إن الإسلام براء من ذلك قالوا بغير علم، فالله شرع الأحكام التي تنظم المجتمع الإسلامي، وطالب المسلمين بتنفيذ هذه الأحكام، ومعاقبة المتمردين على تلك الأحكام، بإقامة الحدود، والقصاص من المعتدين، وكل ذلك يحتاج إلى سلطة سياسية، وقد كانت هذه السلطة متمثلة في الرسول ﷺ في حياته، ولذلك خاطبه ربه قائلا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكَ﴾ [سورة المائدة: ٤٩]. وانتقلت هذه السلطة إلى الخلفاء الراشدين من بعد الرسول ﷺ وقد أوجب الله طاعة من تولى أمر المسلمين بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. وبلغ من اهتمام المسلمين بالقضية أن بايعوا الخليفة قبل دفنهم للرسول ﷺ ، وحذر الرسول ﷺ الذين يخرجون عن طاعة الخليفة أو الذين لا يعنون بإقامة الحكم الإسلامي تحذيرًا شديدًا حيث يقول: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". والمسألة في غاية الوضوح عند علماء الأمَّة في القديم والحديث، والإجماع منعقد عند علماء الأمة على وجوب إقامة الحكومة الإسلامية الملتزمة بحكم الله، يقول ابن حزم: "اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ " (١) ويقول ابن خلدون: "إن نصيب الإمام واجب، قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسول الله ﷺ عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي

стр. 291

بكر ﵁، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من العصور، واستقر ذلك إجماعًا دالًا على وجوب نصب الإمام" (١). وقد ساق ابن تيمية الأدلة العقلية والنقلية الدالة على وجوب إقامة الحكومة الإسلامية ثم قال: "فإذا كان قد أوجب الإسلام في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك" (٢). المبحث الثاني أين مبَاحث الحكم في الإسلام ؟ أطلق المسلمون على سلطة الحكم مصطلح: "الولاية"، وقد أطلقها العلماء من أهل الصدر الأول فمن بعدهم على جميع مراتب الحكم من الإمامة العظمى أو الخلافة حتى أصغر الولايات أو الوظائف كما نسميها في هذا العصر (٣)، وقد وضع المسلمون مؤلفات كثيرة تبحث في طبيعة الدولة الإسلامية، وتبين مميزاتها، ووظيفتها، وحقوق الراعي والرعية، وتجد هذه المباحث في الكتب التي ألفت في الإمامة والسياسة، والأحكام السلطانية، والسياسة الشرعية، كما تجدها في كتب الفقه تحت أبواب متعددة.

стр. 292

المَبحث الثالث نوع الحكم في الدولة الإسلامية بينت فيما مضى أن الحكم الإسلامي ليس هو الحكم الديني "الثيوقراطي" المعروف عند الغربيين، ويجب أن يعلم أن الحكم في الإسلام لا يوصف بوصف أفضل من كونه إسلاميًّا، وقد أخطأ الذين نسبوه إلى غير الإسلام، لقد زعم أقوام أن الحكم في الإسلام ديكتاتوري، عندما كانت الديكتاتورية هي المسيطرة في العالم، واحتجوا على ذلك بما وجدوه في تعاليم الشريعة من الإلزام بطاعة الحاكم، فلما جاءَت الدول الديموقراطية وعلا شأنها نادى المهزومون قائلين الحكم في الإسلام حكم ديموقراطي، ألا ترون أن الإسلام ينصب الحاكم بالانتخاب، ويلزم بالشورى، فلما ظهر المذهب الشيوعي والإشتراكي، قال الذين لم يحيطوا بالإسلام علمًا: الحكم في الإسلام اشتراكي وشيوعي، واحتجوا على ذلك بما احتجوا به. والحق أن الحكم في الإسلام لا يميل إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ولكنه حكم إسلامي، والحكم الإسلامي برئ من الديكتاتورية التي تجعل الحاكم إلهًا لا يسأل عما يفعل، وتجعل قوله القول، وحكمه الحكم، الحاكم في الإسلام مقيد بالشرع محاسب على أفعاله عند المسلمين. والإسلام ليس هو الديموقراطية، لأن الشعب في الديموقراطية يتوقف دوره عند انتخاب نوابه، والنواب بعد ذلك يشرعون ما يريدون، وفي الإسلام لا يتوقف دور المسلمين عند حدّ الانتخاب، بل تستمر مراقبتهم ومحاسبتهم للنواب والحكام، ولا يجوز للنواب والحكام أن يجاوزوا حدود ما شرع الله. والشيوعية سلطة مستبدة تصل إلى الحكم عن طريق القوة، وتشرع للناس ما

стр. 293

تريد، وأين هذا من الإسلام الذي لا يقرّ القوة في تنصيب الحاكم، والذي يرى وجوب خلع الحاكم إذا نبذ شرع الله وحكّم هواه! ! إذا كان هناك حكم استبدادي وحكم ديموقراطي وحكم شيوعي، فيجب أن يعلم أن هناك نوعًا آخر من الحكم هو الحكم الإسلامي، له أصوله وقواعده، وهو غير أنواع الحكم الأخرى، بل نرى نحن المسلمين أن أنماط الحكم في الأرض نوعان: نوع إلهي رباني، وهو حكم الإسلام، ونوع آخر بشري إنساني، وهو كل ما عدا الإسلام. المَبحث الرابع أساس الحكم في الدولة الإسلامية كان الناس ولا يزالون يتساءَلون في مختلف الدول التي يخضعون لها قائلين: لماذا تخضع لحكم هذه الدولة؟ ولماذا تخضع لهذا الحكم؟ وفي أكثر الأحوال يكون الجواب واضحًا، علينا أن نطيع أمر هذه الدولة لأنها تملك القوة، ولأن هذا الحاكم بيده السلطان، ويستطيع أن يقطع رأس من خالفه فيما ذهب إليه، ولا تزال دول تقوم على هذا الأساس إلى يومنا هذا، ومن هذا النوع دول كثيرة نعتبرها تقدمية وراقية، فالنازية التي كانت في ألمانيا، والفاشية التي كانت في إيطاليا ليس لهما من مستند في الحكم إلا هذا، وإذا أنت تفكرت في الطريقة التي حكمت بها الشيوعية في روسيا لم تجدها إلا كذلك، فهي قائمة على منطق القوة، وإذا شاءت بعض الدول الدائرة في فلك الحكم الشيوعي الروسي الخلاص من السرطان الشيوعي الذي يسري في أحشائها لا تستطيع، لأن روسيا لها بالمرصاد، فتراها ترسل جيوشها ودباباتها وطيرانها إليها، بل أكثر من ذلك ترى هذه الدولة الظالمة ترسل مئات الألوف من جنودها إلى دولة مسلمة مثل أفغانستان

стр. 294

لإجبارها كرهًا على اعتناق الشيوعية. وفي بعض الأحيان يكون الجواب نحن تخضع لحكم هذه الدولة لأننا نحن الذين اخترناها، كما هو الحال في الدول الديموقراطية، أو التي تدعي الديموقراطية. ولكن هل صحيح أن إرادة الشعب هي التي جاءَت بالحاكم في تلك الدول، وبذلك تكون هي التي سنت القوانين المناسبة لتلك الشعوب، لقد سمعنا عن دول تدعي الديموقراطية تسوق العمال والفلاحين لصناديق الانتخاب، وتفرض عليهم شخصًا بعينه، وتكون النتيجة ٩٩.٩ في المائة، فأين إرادة الأمة هنا، ولقد سمعنا عن المعارك الانتخابية القذرة في الدول الراقية، التي يستطيع أصحاب المال والنفوذ فيها اللعب بالناخبين، حيث يضفى على الشخصيات الضعيفة العاجزة هالة ضخمة تصورهم بغير صورتهم، وبذلك يحرم أصحاب المميزات الفذة من الوصول إلى الصدارة، لأنهم لا يملكون المال والنفوذ، ثمَّ إن الذين تأتي بهم الدعاية الانتخابية المضللة لا يحكمون بعد ذلك إلا وفقًا لرغبات الطبقة التي بذلت مساعيها الهائلة لإنجاحهم، وفي كثير من الأحيان يكون الحكم حكم الأقلية، فكيف يدعى أن الشعب هو الذي جاء بالنواب والحكام. ثم لو افترضنا أن إرادة الشعب هي التي جاءت بالحكومة فهل يجوز لهذه الدولة استنادًا إلى ذلك أن تسن القوانين كيف شاءت، وتتصرف كما تشاء في عباد الله. إن المستند القانوني للحكم في الدولة الإسلامية هو الإسلام، فالقوانين التي تحكم في الدولة الإسلامية هي من عند الله، وإطاعتها على ذلك واجبة لا بدَّ منها، والإنسان تطمئن نفسه إلى إطاعة ربه وخالقه، بقدر ما تنفر من طاعة قوانين بشر مثله.

стр. 295

الفصل الثاني مميِّزات الدولة الإسلاميَّة الدولة الإسلامية التي تلتزم بالشريعة الإسلامية تمتاز بين الدول الأخرى بميزات مهمة، منها: أولًا: اتخاذها الله إلها وربًا وحاكمًا: فالدول الأخرى في القديم والحديث تقوم على تأليه غير الله، أو على الكفر بالله، والذين يحكمون في كل هذه الدول على اختلاف نزعاتهم ومشاربهم - هم الذين يضعون القوانين التي تحكم البشر، لا فرق في ذلك بين الدول الديموقراطية أو الشيوعية أو الديكتاتورية، وهذا في اصطلاح القرآن شرك، لأن الله وحده هو الذي من حقه أن يشرع لعباده، وقد ذم الله اليهود والنصارى باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٣١]. واتخاذهم إياهم كذلك بمتابعتهم في التشريع الخالف لشرع الله. الحكام في الدولة الإسلامية كالأفراد كلهم يطيعون أمر الله وينفذون حكمه، ولا يجوز لهم الخروج عن شرع اللَّهِ.

стр. 296

ثانيا: دولة العقيدة والفكرة: الدول في العالم تقوم على أساس قومي أو جغرافي أو عرقي، أما الدولة في الإسلام فهي دولة العقيدة والفكرة، فالرابطة التي تجمع أبناء الدولة الإسلامية هي الرابطة الإسلامية، بغض النظر عن الوطن أو الجنس أو اللون، وهذا هو الرابط الراقي الذي يناسب كرامة الإنسان، وهو الاعتبار المناسب لموقع الإنسان، والفروق بين البشر في اللون والجنس والأوطان، فروق شكلية، لا توجب اختلافًا ولا تناحرًا، أما المبادئ والمعتقدات فهي التي توجب لقاء وفرقة، وفي ظل هذه الدولة التي هي دولة القيم، تنمو الفضائل والمكارم، لزوال العوائق التي تقف في طريقها ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١٣]. ثالثًا: دولة عالمية: الحكومة الإسلامية حكومة عالمية، لأن عقيدتها عالمية، ورسالتها عالمية أيضًا، ورسولها رسول عالمي، وقد تحقق هذا خلال التاريخ الإسلامي حيث كانت الدولة الإسلامية تحكم مساحات شاسعة من الأرض، وتحكم أممًا شتى، وكانت الأمم المختلفة تشارك في الحكم، بل إن غير العرب قد تقلدوا أعظم المناصب في الدولة الإسلامية، وخضع لهم العرب أنفسهم. رابعا: دولة شورية: الشورى في الدولة معلم واضح بيّن من معالمها، وتقترب الدولة من الإسلام كلما كثرت الشورى من حكامها وولاتها في مختلف شؤونها، وتبتعد عن الإسلام إذا ما أبرمت أمورها برأي الأفراد، ولم يقف التوجيه القرآني عند أمر الرسول

стр. 297

- ﷺ وهو الرسول المختار - بمشاورة أصحابه، في قوله: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، [سورة آل عمران: ١٥٩] بل جعل الشورى هي القاعدة التي يقوم عليها أمر الأمة الإسلامية ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ﴾ [سورة الشورى: ٣٨]. خامسا: دولة أخلاق وقيم: الدولة الإسلامية دولة أخلاقية، تحافظ على العهود والمواثيق، وتبني تصرفاتها وأعمالها على الأسس الأخلاقية، ولا تحقق مقاصدها إلا بالوسائل المشروعة، ولا يوجد انفصام عندها بين المثل الأخلاقية والواقع العملي، بل انسجام واتفاق، دولة حضارية تسعى للإعمار والإصلاح وفق المنهج الرباني.

стр. 298

الفَصْل الثالث وظيفَة الدَّولة الإسلاميَّة وظيفة الدولة القيام على الدعوة الإسلامية، وإقامة الشريعة الإسلامية، وقيادة الأمة وفق هذه الشريعة، وقد كانت هذه المهمة موكولة إلى الأنبياء في عهد بني إسرائيل، ففي الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه يقول الرسول ﷺ : "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي قام نبي" وساسة هذه الأمة بعد نبيها هم الحكام والعلماء وهم المعنيون بأولي الأمر في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. فالنبوة ختمت بنبينا محمد ﷺ ، والقائمون على ميراثه هم الذين يسوسون الأمَّة بشريعة الإسلام الخالدة. وهذا الذي قررناه هنا أنه وظيفة الدولة وهو إقامة شريعة الإسلام، وقيادة الأمة وفق هذه الشريعة كلام مجمل. وإذا شئنا التفصيل فإننا نقول: إن مهمة الدولة الإسلامية متعددة الجوانب، فمن ذلك: ١ - إقامة العدل في المجتمع الإسلامي: وإقامة العدل في المجتمع أوسع من تنصيب القضاة الذين يقيمون حكم الله في

стр. 299

الذين يتجاوزون حدود الله، كالذين يرتكبون الزنا ويسرقون ويشربون الخمر، ويرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وكذلك هم يحكمون بين الناس فيما اشتجروا فيه، فيقتصون للناس بعضهم من بعض، ثم إن الدولة مكلفة بأن تقيم العدل في كل شعبة من شعب الحياة، وفق منهج الله في الإنفاق من بيت المال، وفي إتاحة الفرص للناس جميعًا في الوظائف والتجارة والصناعة، وغير ذلك. وإذا أنت تتبعت النصوص القرآنية والنبوية الآمرة بالعدل، وتتبعت عناية الخلفاء والقضاة والولاة والأفراد بتحقيق العدل - فإنك تحكم أن هذه الدولة دولة العدل، أضف إلى هذا أن عدلها لا يشوبه ظلم، لأن مقاييسها تنزيل من حكيم حميد. ٢ - حراسة العقيدة وتنفيذ الشريعة: إذا مكَّن الله للمسلمين في الأرض فعلى ولاة الأمر القيام يحراسة العقيدة، بحيث لا تصيبها لوثة الشرك، ولا تتخللها الخرافة، ثمَّ عليهم أن ينفقوا بسخاء على إقرار العقيدة في النفوس، وذلك بالبرامج التي توضح أبعادها، في المدارس والجامعات، ومن خلال الإذاعة والتلفاز، والمسجد، وغير ذلك، والدول الضالة اليوم تنفق بسخاء على الدعوة إلى مبدئها وعقيدتها كالدول الشيوعية، وقد جعل الله الذين ينفقون أموالهم إبتغاء مرضات الله من خير عباد الله. وكذلك عليها أن تقوم على تنفيذ شريعة الله في الأموال والأنفس والمجتمع، وبث الوعي بهذه الشريعة المباركة. والدولة الإسلامية كانت كذلك راعية للعقيدة، منفذة للشريعة، فكان ذلك من أسباب التمكين للأمة ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا

стр. 300

الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة الحج: ٤١]. ٣ - الجهاد في سبيل الله: وذلك بإعداد القوة الحربية المناسبة للعصر، من إقامة المصانع، وتدريب المقاتلين، وغرس حب القتال في النفوس، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٦٠]. والغاية من الجهاد قلع جرثومة الفساد من الأرض، وذلك بإزالة الأنظمة والقوى التي تقف في وجه انتشار الدعوة الإسلامية، وتفتن المسلمين عن دينهم وعقيدتهم وبذلك تكون كلمة الله هي العليا ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٣]. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [سورة التوبة: ٤٠]. ومن أهداف الجهاد حماية الأمّة المسلمة، وإنقاذ المستضعفين في الأرض، والانتقام من أعداء الله الذين يستبدون بالأمر، ويذلون عباد الله ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْولْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [سورة النساء: ٧٥]. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ﴾ [سورة التوبة: ١٤] وبذلك تتحقق عزة الأمة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المنافقون: ٨]

стр. 301

ويخافها أعداؤها، ويرهبون جانبها، وتقيم الحق في الأرض، فأهل الحق لا تسمع كلمتهم ما لم يكونوا أقوياء مرهوبي الجانب. ٤ - العناية بالجانب المالي والاقتصادي: تعنى الدولة الإسلامية بجمع المال من طرقه المشروعة وإيصاله إلى مستحقيه، فتجمع مال الزكاة، والفيء، والخمس، والخراج، والصدقات، وتضعها في مواضعها التي شرع الإسلام وضعها فيها. وقد بلغ من عناية الإسلام بالجانب المالي أن رتب مرتبات لكل فرد في الدولة الإسلامية، وقد استغنى جميع المسلمين في بعض فترات التاريخ، فكان الأغنياء يبحثون عن محتاج فلا يجدون. والدولة تتدخل في النشاط الاقتصادي، فتمنع كل ما هو ظلم، ولذلك حرّم الإسلام الاحتكار، كما أوجب على ولاة الأمر مراقبة الأسواق، وكف الناس عن الظلم، وقد أقيم في الدولة الإسلامية جهاز يسمى جهاز الحسبة، يراقب الأسواق والتجار والصناع، وقد كتب كثير من العلماء شروحًا لهذا النظام. ٥ - إدارة الدولة: وذلك بتوظيف الموظفين الذين يقومون على كل شعبة من شعب الحياة، ووضع القواعد الإدارية التي تضمن حسن سير العمل، وإقامة الدورات التخصصية التي تخرج أصحاب الكفاءات عند الحاجة لذلك، وفرض المرتبات المناسبة للموظفين. وقد أمر الإسلام بإسناد الوظائف إلى أهل الكفاءات، والرجل الكفء هو

стр. 302

القوي الأمين ﴿إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ [سورة القصص: ٢٦]. والقوة تعني القدرة على العمل لخلال يتصف بها الشخص من القدرات البدنية والعلمية والفكرية، والأمانة هي التي تدفع إلى بذل الجهد والقيام بالعمل خير قيام، وعدم الخيانة والاختلاس، وقد فسر كثير من العلماء أداء الأمانة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: ٥٨]. بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وقد عدّ الرسول ﷺ عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب تضييعا للأمانة، وانتشار هذا علامة من علامات الساعة "قال رجل للرسول ﷺ : متى الساعة؟ فأجابه بعد سكوت، "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: يا رسول الله: وما ضياعها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". ٦ - المحافظة على الأمن الداخلي: فالمجتمع الذي تنتشر الجريمة فيه - مجتمع مريض، يسود فيه الخوف والرعب، وهجره الناس، والدولة الإسلامية مطالبة بإقامة الأجهزة التي تسهر على أمن العباد، وملاحقة المجرمين، وإقامة العقوبات الرادعة للمفسدين في الأرض، وفق شريعة الله.

стр. 303

الفَصْل الرابع رئيس الدَولة الإسلاميَّة المَبحَث الأول ألقابه وَالشروط الواجب توافرها فيه يلقب رئيس الدولة بعدة ألقاب: الخليفة، الإمام، أمير المؤمنين، وهو المسؤول الأول أمام الأمة، وكلمته هي الكلمة الأولى في تسيير شؤون الدولة، وفي تعيين الوزراء والولاة وأمراء الجيوش والقضاة، وله محاسبة المقصرين، وعليه أن يكثر من الاستشارة في أموره كلها، وتحري العدل، والالتزام بالشرع. ورئيس الدولة مطالب بتحقيق المهمات المناطة بالدولة. وقد اشترط في الخليفة عدة شروط: ١ - التكليف: وشروط التكليف: الإسلام، والبلوغ، والعقل، ولا يتصور أن يكون غير المكلف خليفة للمسلمين، فالكافر والمجنون والصغير كلهم لا يصلحون لهذا المنصب الخطير. ٢ - العدالة: وهذا الشرط تحققه ضروري في جميع الولايات، ومرادهم بهذا الشرط أن يكون الخليفة: "صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيا المآثم، بعيدًا عن الريب، مألوفًا في الرضا والغضب، مستعملًا

стр. 304

مروءته، مثالًا في دينه ودنياه، فإذا تكاملت فيه فهي العدالة التي تجوز بها شهادته، وتصح معها ولايته، وإن انخرم منها وصف منع من الشهادة والولاية، فلم يسمع له قول، ولم ينفذ له حكم" (١). ٣ - العلم: فالذي يتولى شؤون الأمة يجب أن يكون على درجة من العلم يستطيع بها معرفة الحق من الباطل، وسياسة أمور الأمة، والتعرف على الذين يصلحون لمنصب الولاية، ويستطيع بها توجيه الجيوش، ومفاوضة الخصوم، فالعلم نور يكشف لصاحبه الظلمات، وأول العلم وأهمه العلم الشرعي الذي هو دين الأمة، وعليه يقوم بناؤها. وقد اشترط بعض العلماء أن يبلغ الخليفة بعلمه درجة الاجتهاد، ولا شك أن كون الحاكم مجتهدًا أفضل وأكمل، إلا أن اشتراط هذا الشرط ليس ضروريا، والمشروط هو أن يحصل من العلم ما يحقق به قيادة الأمة. ٤ - الذكورة: وهذا شرط متفق عليه بين علماء الأمَّة فالولاية الكبرى لا تصلح لها المرأة، وفي الحديث "لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، ولم يحدث في التاريخ الإسلامي أن تولت أمر المسلمين امرأة، فالخليفة يحتاج أن يخلو بمستشاريه، وقد يفاوض الخصوم، ويقود الجيوش، والمرأة لا تستطيع ذلك، خاصه وأنه قد يعرض لها ما يمنعها من القيام بواجبات الخلافة، أو يقلل من فعاليتها في ذلك، مثل الحيض والنفاس والرضاع وتربية الأولاد. ٥ - سلامة البدن والحواس: وهذا شرط يراد به قدرة الحاكم على تنفيذ الأعمال الكبيرة الموكولة إليه، ولذلك فإنه يشترط سلامته من العيوب التي تمنعه من مزاولة

стр. 305

واجبات الخليفة، كالعمى والصمم وعدم القدرة على الحركة بسبب شلل أو عجز ونحو ذلك، أما إذا لم يمنعه نقص بعض الحواس من مزاولة أعماله، فلا يعد عيبًا يحرم به من تولى منصب الإمامة، مثل فقدان حاسة الشم، ومثل ذلك قطع بعض أعضائه كمن قطع أصبعه، أو شيئًا من أذنه ونحو ذلك. ٦ - أن يكون قرشيًا: وهذا الشرط دلت عليه نصوص كثيرة ثابتة عن الرسول ﷺ ، كقوله: "الأئمة من قريش"، وقد ذهب علماء أهل السنة إلى هذا الشرط، وخالف فيه الخوارج، وفائدة هذا الشرط التحقق من أصالة الحاكم، بحيث لا يتسلل إلى منصب الخلافة بعض الأدعياء الذين يظهرون الصلاح، ويبطنون الشرّ، أضف إلى هذا أن قريشًا كانت لها الصدارة بين القبائل العربية، فهي موضع ثقة العرب. المَبحَث الثاني كيفيَّة اختيَاره تنصيب الخليفة حق من حقوق الأمّة الإسلامية، ومن الظلم أن يستبد بعض الرجال بالحكم دون بقية الأمَّة، ولم ترد نصوص واضحة تدل على الكيفية التي نتعرف بها على مراد الأمَّة في الشخص المناسب للحكم. والذي جرى عليه العمل في عهد الخلفاء الراشدين أن أهل الحل والعقد وهم السابقون من المهاجرين والأنصار الذين كانوا في مركز الخلافة في المدينة هم الذين يختارون الخليفة. ويمكن أن يختار من الأمَّة مجلس شورى، تكون أحد مهماته اختيار الخليفة، ثم تبايعه الأمَّة بعد ذلك ومبايعة الأمَّة له يعني موافقتها على اختياره والتزامها

стр. 306

بطاعته، فإذا رفضت الأمَّة مبايعته، فإن هذا يعني عدم موافقتها على ذلك الاختيار. ويأخذ الخليفة البيعة من أفراد الأمَّة مباشرة، أو بطريق ولاته ووزرائه ونوابه، حيث يبايعون الخليفة على السمع والطاعة في المنشط والمكره. المَبحَث الثالث حقُّه عَلَى الرعيَّة من حق الخليفة أن تطاع أوامره، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. فله أن يأمر بكل ما يرى فيه للأمة صلاحًا، من إعداد القوة، وتجييش الجيوش، وإعلان الحرب، وتشكيل الأجهزة المختلفة التي تحفظ الأمن، وتقيم العدل، ومن حقه تعيين القضاة والولاة ... ومحاسبتهم. ولكن أمر الحاكم ليس مطلقًا، بل هو مقيد بطاعة الله وطاعة الرسول، فإن أمر بما فيه معصيته فلا طاعة له، ولذلك فإن من حق الأمَّة أن تعصيه إذا أمر بمعصية، كما أن من حق الأمَّة تقويمه إذا ظلم أر حاد عن الصراط المستقيم، وقد قال أبو بكر في الخطبة التي افتتح فيها خلافته "إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني". أمَّا واجبات الخليفة فقد تحدثنا عنها عندما تحدثنا عن وظيفة الدولة الإسلامية. المَبحَث الرابع حقوق الرعيَّة في الدَولَة الإسلاميَّة لكل فرد في الدولة الإسلامية حقوق، وقد كفل الإسلام هذه الحقوق وطالب المسلمين بالحفاظ عليها، وعدم التفريط بها، ومن هذه الحقوق:

стр. 307

١ - حق الحياة: فلا يجوز للدولة أن تعتدي على شخص في دولتها إلا إذا ارتكب جرمًا يؤاخذه عليه الشرع، ويعاقبه عليه القانون الإسلامي، ذلك أن ذات المسلم مصانة في الإسلام، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" ولا يكتفي الإسلام بالنهي عن العدوان على نفوس الرعية، بل يلزم الدولة أن تحافظ على نفوسهم، وتأخذ على أيدي الظالمين والمجرمين. ٢ - الحرية الشخصية: الفرد في الدولة الإسلامية له مطلق الحرية في الانتقال، والقيام بما يحب من أعمال، والتملك، واختيار السكن، والتزوج ونحو ذلك، كل ما يشترطه الإسلام أن لا يخرج الفرد في تصرفاته وأعماله عن الدائرة التي عددتها له الشريعة الإسلامية، فلا يتعامل بالأعمال المحرمة، ولا يبتغي الأمور من الطرق التي أغلقها الله ﵎، ومنع عباده من إتيانها. ٣ - الحقوق السياسية: فلكل فرد في الرعية الحق في انتخاب رئيس الدولة، وحق مراقبته ومراقبة عماله، كما لهم الحق في توجيه النقد إلى الولاة إذا لم يستقيموا وفق شريعة الله. ٤ - حرية الاعتقاد: وقد قررها القرآن بقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٦]. فالكافر لا يرغم على اعتناق الإسلام، ولكن يمنع الكفار (أهل الذمة) في الدولة الإسلامية من إحداث خلخلة أو بلبلة في صفوف المسلمين، فلا يسمح لهم بالتمرد على أحكام الشرعية التي هي الإطار الذي يحكم المجتمع الإسلامي، ومن هذا الباب يمنع المسلم من ترك دينه، ويعتبر الإسلام ذلك ردة تبيح دم من ارتد.

стр. 308

٥ - عصمة المال: مال الفرد في الدولة الإسلامية معصوم كعصمة دمه، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "إن دماءَكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدك هذا في شهركم هذا" قاله ﷺ في يوم عرفة في حجة الوداع، وقال أيضًا: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".

стр. 309

الفَصْل الخامس المؤلَّفات في النظام السياسي في الإسلام من خير من ألف في هذا الموضوع من القدامى: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابيه: السياسة الشرعية، والحسبة في الإسلام، والكتاب الثاني يبحث في وظيفة الدولة الإسلامية، وقد استخلص محمد المبارك ﵀ من هذين الكتابين فكرة الدولة عند ابن تيمية، وطبع بحثه بعنوان: "الدولة ونظام الحسبة عند ابن تيمية". ومن الذين ألفوا في هذا الموضوع من القدامى ابن قتيبة، له كتاب "الإمامة والسياسة" وللماوردي كتاب "الأحكام السلطانية". ومن الذين أجادوا الكتابة في هذا الموضوع أبو الأعلى المودودي في كتابه: "نظرية الإسلام السياسية"، وله جملة أبحاث تتعلق بالدولة، طبعت تحت عنوان: "الحكومة الإسلامية"، وله كتاب: "المبادئ الأساسية للدولة الإسلامية". وكتب ضياء الدين الريس كتابين حسنين في بابهما: الأول بعنوان: "النظريات السياسية في الإسلام"، والثاني: "الخلافة الإسلامية"، وقد كتب في هذا الموضوع أيضًا السيد الشوربجي: "الإسلام ودستور الحكم"، وعبد القادر عودة: "الإسلام وأوضاعنا السياسية"، ومحمد صادق عرجون "الإسلام وأصول الحكم".