← Общие книги

Общие книги · id 96254

نحو ثقافة إسلامية أصيلة

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (309 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفَصْل الثالث جَرائم التَّعْزير التعزيرات تكون في "المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة" (١) كما يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد مثل لهذه المعاصي "بالذي يقبل الصبي، والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحلُّ له كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حرز، أو شيئًا يسيرًا، أو يخون أمانته كولاة أموال بيت المال، أو الوقوف، ومال اليتيم ونحو ذلك، إذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو يغش في معاملته كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزى بعزاء الحاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية" (٢). فهؤلاء وأمثالهم كما يقول ابن تيمية: "يعاقبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا، بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيرًا زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلًا، وعلى حسب حال كبر الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم ما لا يعاقبه من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة، أو صبي واحد" (٣).

стр. 247

"وليس لأقل التعزير حد" كما يقول العلامة الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى "بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان من قول أو فعل، وترك قول، وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة كما هجر النبي وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا، وقد يعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي ﷺ وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يعزر بترك استعماله في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فرَّ من الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقطع خبزه نوع تعزير له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم، فعزله من الإمارة تعزير له، وقد يعزر بالحبس، وقد يعزر بالضرب، وقد يعزر بتشويه وجهه (١) وإركابه على دابة مقلوبا" (٢).

стр. 248

الفَصْل الرابع شبهات حَول تشريع العقوبات الإسلامي تعرض تشريع العقوبات الإسلامي لهجوم شديد من الذين عميت بصائرهم، أو من الذين يريدون السوء بالإسلام والمسلمين. إن تطبيق العقوبة وفق المنهج في الإسلام يحفظ على المسلمين دينهم وأنفسهم وأموالهم وعقولهم وديارهم، وبذلك يحافظ على مقومات المجتمع الإسلامي، كما تحافظ على ثمار الجهود التي تبذل لتحضر المجتمع ورقيه، والذين يريدون لهذا المجتمع السقوط هم الذين يهاجمون تشريع العقوبات. وقد قالوا في هجومهم على تشريع العقوبات إنها تشريعات قاسية، لا تناسب روح العصر، والمفروض في المشرع أن يعالج نفسية المجرم، أمَّا تشريع العقوبات في الإسلام فإنها تحطم نفسية المجرم عندما تجلده أو تقطع يده. وفي الرد عليهم نقول: ١ - إن الذي فرض هذه العقوبات هو رب العباد، وهو أرحم بعباده من العباد بأنفسهم، ولو لم يكن هؤلاء مستحقون لهذه العقوبات لما فرضها العليم الخبير. ٢ - أثبتت هذه العقوبات عبر التاريخ الإسلامي جدواها في الحد من الجريمة، وعندما تخلصت البشرية من هذه العقوبات زاد انتشار الجريمة، وسنلقي نظرة على مدى انتشار الجريمة في الغرب بسبب خفة العقوبة.

стр. 249

٣ - إن البديل الذي وضعته القوانين الوضعية للعقوبات البدنية هو السجن، وعقوبة السجن تحتاج إلى تقويم، فقد أصبحت السجون مدارس وجامعات لا لإصلاح المجرمين بل إلى تخريج كبار المجرمين، فالمنحرف يدخل السجن فيختلط بكبار المجرمين، ثم يتخرج على أيديهم، ويصبح مجرمًا كبيرًا. أضف إلى هذا أن العقوبة الشرعية لا تكلف الأمة إلا القليل من الوقت، أمَّا السجون فلها تكاليف باهظة في بنائها وتجهيزها، ثم في حراستها وحمايتها، ثم في تقديم الخدمة لمن نزل فيها، ومهما قامت الدول ببناء السجون فإنها تضيق بنزلائها، حتى الدول الكبرى أرهقها بناء السجون. ٤ - إن الذين يريدون إلغاء العقوبات الشرعية بحجة الرحمة بالمجرمين، نظروا إلى الموضوع بعين واحدة، أو نظروا إليه من زاوية واحدة، نظروا إلى المجرم فقط، ولكنهم أهملوا المجتمع الذي عاث فيه المجرمون فسادًا، هؤلاء لم يكترثوا بالدماء التي تسفك، والأعراض التي تنتهك، والأموال التي تنهب، والعقول التي تدمر، ولم يهتموا بالآثار الخطيرة التي تسببها الجريمة للصغار والكبار والرجال والنساء والأسر والمجتمعات، فكم من إنسان فقد النطق بل الحياة عندما فوجئ بمجرم يشهر عليه السلاح في منتصف الليل! وكم من مجتمع فقد الأمن بسبب كثرة الجريمة! ! ٥ - من الذي يقول إن العقوبة البدنية لا تعالج نفس المجرم، إن العقوبة فيها صلاح للمجتمع كله بما فيه المجرم وفي ذلك يقول رب العزة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [سورة البقرة: ١٧٩]. في القصاص حياة لمن أراد القتل، فبخوفه من القصاص يحفظ نفسه، وبالقصاص يعصم من أراد قتله أيضًا، ومن هذا المنطلق أمر الشارع بأن يشهد

стр. 250

العقوبة طائفة من المؤمنين ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِالَّةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [سورة النور: ٢]. مدى انتشار الجرائم في هذا العصر وقف المسلمون في الفترة السابقة وقفة المدافع عن دينه ضد الهجمة الشرسة التي يقودها دعاة الاستعمار والتبشير في ديارنا على إسلامنا وديننا، خاصة العقوبات الشرعية، وقد زعموا أنها تشريعات قاسية لا تناسب هذا العصر المتحضر، ولكننا اليوم نقف وقفة الهجوم لا الدفاع، فزوال الخوف من الله من قلوب الناس في المجتمعات الغربية التي يقولون إنها متقدمة، وخفة العقوبة على الجرائم نشر الجريمة في عالم الغرب نشرًا أذهل الزعماء وقادة الفكر هناك، وأصبحت تلك المجتمعات مرتعًا للجرام، وخشى كثير من رجال الفكر في تلك الديار من انهيار الحضارة الغربية، بيد أبنائها، وزاد الطين بلة أن الجرائم التي أباحتها القوانين الغربية كالزنا وشرب الخمر واللواط والإجهاض ... أخذت تعمل عملها في تدمير كيان الفرد وكيان الجماعة، وتحول الأفراد في تلك المجتمعات إلى مخبولين وأنصاف مجانين. نحن لا ندعي هذه الدعوى، بل زعماء الغرب وعلماؤه هم الذين يقولون ذلك، لقد صرح كندي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في عام (١٩٦٢) أن مستقبل أمريكيا في خطر، لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات، لا يقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأنه بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد، يوجد ستة غير صالحين، لأن الشهوات التي غرقوا فيها أفسدت لياقتهم الجسمية والنفسية.

стр. 251

وفي نفس العام وفي نفس العام صرح خروشوف رئيس الدولة الكبرى الثانية روسيا كما صرح كندي، فقد صرح بأن مستقبل روسيا في خطر، وأن شباب روسيا لا يؤتمن على مستقبلها لأنه منحل مائع غارق في الشهوات. وفي مطلع عام ١٩٨٢ قال (رونالد ريغان) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في خطاب موجه إلى الكونغرس بأن "الخوف من الاغتصاب والقتل قد خيم على معظم الأمريكيين ... وكل عائلة من ثلاثة أصبحت ضحية للجريمة" (١). وحسب إحصاءَات مكتب التحقيق الفيدرالي فإن عدد الجرائم في الولايات المتحدة قد ازداد من (١١) مليونا في عام ١٩٧٥ إلى (١٣) مليونا في عام ١٩٨١ الأمر الذي دفع ريغان إلى القول: في سبتمبر ١٩٨٢ "أنه لا يسعنا الاعتقاد بأن في مقدور المواطنين القيام بالنزهات المسائية في الحدائق بشكل هادئ وطبيعي" (٢). وقد زادت الجرائم في خلال عام ١٩٨٢ حيث وردت الإحصاءات التالية: جريمة قتل في كل ٢٣ دقيقة، وجريمة اغتصاب بالعنف في كل ٦ دقائق، أما السرقات المسلحة ففي كل ٥٨ ثانية تقع سرقة (٣). وفي إيطاليا استطاعت عصابات الإجرام أن تقطف رؤوس علية القوم هناك، ففي عام ١٩٧٨ اختطفت الألوية الحمراء (الدومورو) رئيس وزراء إيطاليا، وقد ألقته جثة هامدة في سيارة في وسط المدينة بعد عدة أيام من اختطافه، ولم تستطع شرطة إيطاليا وجيشها أن يفعلوا شيئًا.

стр. 252

إن الصحف التي تنقل لنا أخبار عالم الغرب تأتينا في كل يوم بسيل من أحداث الإجرام، ففي مطلع عام ١٩٨٣ وفي ليلة عيد الميلاد تمكن اللصوص من سرقة مجوهرات وأوراق نقدية قيمتها ٧.٩ مليون دولار من بنك الأندلس في بلدة (ماربيلا) في إسبانيا، وقد استعملت العصابة التي سرقت البنك مشاعل اللحام لفتح الباب الرئيسي الذي يؤدي إلى قبو المصرف بعد أن عطلوا نظام الإنذار، وقد أمضوا يومين في فتح وتفريغ مائتي صندوق حديدي في القبو. وفي ٢٦/ ١١ / ٨٣ قامت عصابة مسلحة في لندن بواحدة من أكبر عمليات السطو في تاريخ بريطانيا حيث استولت على ما يقدر بنحو ثلاثين مليون جنيه استرليني من سبائك الذهب الخالص من إحدى شركات الودائع البريطانية بالقرب من مطار هيثرو الدولي في لندن، وتقدر زنة سبائك الذهب بنحو ثلاثة أطنان. وقد صرحت الشرطة البريطانية في ذلك الوقت بأن ستة رجال مسلحين بالمدافع قاموا صباح اليوم الذي تمت فيه السرقة بالإغارة على ذلك المستودع الذي كانت تحفظ فيه السبائك، وقاموا بتقييد رجال الحرس الموجودين هناك وصبوا كميات من البترول عليم وهددوهم بإشعال النار فيهم إذا ما قاوموا. وفي ١/ ١٢ / ٨٣ اقتحم اللصوص مطار ماركو في البندقية واستولوا على ١٧٠ كيلو جراما من الذهب المشغول والمجوهرات قيمتها (١.٤) مليون دولار. ونقلت لنا الصحف أن الحشيش والمريجوانا والمخدرات تفتك بالشعوب الغربية فتكًا مخيفًا، ففي فرنسا وحدها يوجد مليون مواطن فرنسي يتعاطون الحشيش أو المريجوانا بإدمان، وأن نحو مائة ألف آخرين أعمارهم ما بين ١٤ و ٣٠ عامًا يدمنون على مخدرات أشد تأثيرًا مثل الكوكايين وغيرها. وقد أعلن البوليس الفرنسي أنه سينظر في عام ١٩٨٣ في (١١) ألف حادثة

стр. 253

إدمان في مقابل (٦٢) حادثة فقط في عام ١٩٦٥، وذكر البوليس أنه ضبط في خلال عام ١٩٨٢ (٢٦) طنا من المريجوانا، و (٩٨) كيلوغراما من حشيشة الكيف. أما البلايا الذي تصيب مجتمعاتهم بسبب الإباحة الجنسية والشذوذ الجنسي فحديثها لا ينتهي، وبلاياها لا توصف، يدلك على هذا ما ذكره أحد الأطباء الغربيين المتخصصين وهو الدكتور (جولد) فإنه قرر أنه في كل ثانية يصاب أربعة أشخاص بالأمراض الجنسية في العالم، وبعملية حسابية بسيطة نعلم أنه يصاب في كل يوم (٣٤٥٦٠٠) وفي كل عام (١٢٦.١٤٤.٠٠٠). ويذكر الدكتور نبيل الطويل الذي نقل هذه الحقائق أن ثلاثة ملايين حالة جديدة من مرض السفلس الإفرنجي ظهرت في العالم، وفي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها سجل في عام ١٩٦٤ م مليون حالة من مرض السيلان، وارتفع عدد الإصابات في عام (١٩٧٣) إلى مليونين ونصف مليون إصابة، وفي عام ١٩٨٠ بلغ عدد الحالات المسجلة رسميًا ثلاثة ملايين ونصف المليون، أما الأعداد التي لم تدخل تحت الإحصاء فأكثر من ذلك بكثير، ويذكر الدكتور نبيل في مقاله الذي نشره في مجلة الأمة القطرية في عددها الصادر في شوال (١٤٠٤) أن حوادث السيلان ارتفعت عالميًا ٢٠٠ في المائة في الرجال، و ٥٠٠ في المائة في النساء، وارتفعت الإصابة في الفتيات المراهقات إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، وينبه الدكتور نبيل في مقاله المدعم بالمراجع إلى أن اللواتي ينقلن المرض هن بنات المجتمعات التي تسمى محترمة، وأن عدد المومسات اللواتي ينقلن هذا المرض لا يتعدى (٥) في المائة فحسب. ويذكر الدكتور نبيل أن عدد الأمراض الجنسية قبل أحد عشر عاما كانت

стр. 254

خمسة أو ستة أمراض فقط، أما في وقت نشره المقال فقد بلغت ستة عشر مرضا، وتتفاوت تلك الأمراض شدة وخطورة وانتشارًا، وبسبب تنوع وشذوذ الصلات الجنسية ظهرت أعراض جديدة لم تكن مألوفة في عدة أنحاء من جسد الإنسان. وقد ظهرت أمراض جديدة أشد خطورة وفتكًا بعد كتابة الدكتور نبيل مقاله، فقد ظهر مرضان أذهلا العالم الغربي هما مرضا الهربس، والأيدز. والهربس كما يقول الدكتور عبد الرحمن العوضي وزير الصحة في دولة الكويت مرض تناسلي يصيب الأعضاء التناسلية بآلام لا يعلم إلا الله مداها وقوتها وشدة قسوتها على المصاب ... إن الأعضاء التناسلية حين تصاب بهذا المرض تصابط بمضاعفات خطيرة له، فانسداد تلك الأعضاء أمر وارد، وإصابة المرأة الحامل تعتبر من الإصابات الخطرة، لأن احتمال انتقال الهربس للمولود أمر يصبح واردًا جدًّا. ويذكر الباحثون أن هذا المرض صعب علاجه بل يكاد أن يكون مستحيلًا لأن مسببه فيروس، والفيروسات تعيش كجزء من مادة نواة خلايا الجسم ولقتلها يتعين قتل خلايا الجسم. - وقد عقد مؤتمر دولي في أمريكا للأمراض الجلدية والتناسلية في عام ١٩٨٣ حضره ستة آلاف طبيب من مختلف أنحاء العالم، يقول الدكتور عبد الوهاب سليمان الفوزان عضو وفد الكويت إلى المؤتمر: "لقد أذهلتنا الأرقام التي سمعناها عن المصابين بمرض الهربس في الولايات المتحدة والذي تجاوز الثلاثين مليون مصاب". وقد تلقت وزارة صحة الكويت في عام ٨٣ تقريرًا من وزارة صحة أمريكا

стр. 255

يفيد: أن تلك الوزارة تتوقع ظهور (٣٠٠) ألف حالة سنويا في أمريكا، وأن الهربس لا علاج له حتى الآن، وأن المرض ينتقل عن طريق الفم والمعاشرة الجنسية، وأن من ٩ - ٣٥ في المائة من الأمريكيين تعرضوا لفيروس الهربس بشكل أو بآخر، وأن النساء المصابات بالمرض يتعرضن للإجهاض أو الولادة المبكرة أو لانتقاله إلى الجنين وأن الأجنة المولودة مصابة، وتكون نسبة الوفيات فيها (٥٠) في المائة. أما مرض (الأيدز) فهو أشدّ خطورة وفتكًا من مرض الهربس، لأنه يقضي على فريسته سريعًا ويهلكها، وقلما ينجو منه أحد، وهو مجهول المصدر، ولا يعرف العلماء أسباب الإصابة به وكيفية دخوله الجسم، وكل ما عرفه الطب الآن هو نوعية الأشخاص الذين يصابون به، وهم فئة الشاذين والشاذات وبنات الليل والمومسات، وهذا المرض يؤدي إلى فقدان المناعة في جسد الإنسان بسبب تكسر كريات الدم الحمراء، وقد نشرت مجلة (النيوزويك) الأمريكية في عام (١٩٨٣) تحقيقا عنه جاء فيه أن هذا المرض ظهر في عام ١٩٨١، ودعي مرض الشباب، وأصيب به (١٣٠٠) أمريكي، وقد توفي منهم (٤٨٩)، ولم ينج منه إلا (١٤) في المائة عاشوا ثلاث سنوات بعد اكتشاف المرض فيهم، ولم يشف أي واحد منهم بصورة نهائية. وما إن نشرت المعلومات المذهلة عن هذا المرض وآلامه المبرحة حتى أصابت الناس في المجتمعات الغربية حالة من الذهول والخوف، يقول أحد المنتجين السينمائين في أمريكا: لا أعتقد أن هناك شخصًا عاقلًا في هذا البلد ليس خائفًا من هذا المرض إلى حد الموت، وارتفعت الأصوات في الدول الإباحية تنادي بالعودة إلى العفة ونبذ

стр. 256

الإباحية والشذوذ، وبلغ الأمر أن امتنعت الممرضات عن تقديم الطعام إلى المصابين بالأيدز، وأخذ الناس يتحاشون المصابين بهذا المرض، وأصبحوا يفرون منهم فرارهم من المجذومين، وامتنعت إحدى روابط دفن الموتى من دفن موتى الأيدز، وطالبت بنوك الدم من المصابين بهذا المرض عدم التبرع بالدم، وقد نشرت الصحف أن ألوف الأشخاص في كل بلد أوربي وفي أمريكايفكرون في الانتحار خوفًا من الإصابة بهذا المرض الرهيب. إن هذا البلاء الذي تعيشه تلك المجتمعات إنما هو نتيجة حتمية لمخالفتها لسنة الله وقانونه، وقد حذر الرسول ﷺ من هذا المصير الرهيب، ففي الحديث "يا معشر المهاجرين والأنصار: خمس إذا ابتليتم بهنَّ وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ... " (١). وعلى الذين يتهمون الشريعة الإسلامية في مجال العقوبات بالشدة والقسوة أن يخجلوا من أنفسهم، وأفكارهم الرجعية المتأخرة التي أدت إلى انتشار الجريمة، وفعلًا فقد عادت الأصوات ترتفع في عالم الغرب مطالبة بالعودة إلى الإعدام والعقوبات البدنية الرادعة، وهذا حق ففي القصاص حياة، ولكن لا يدرك هذا إلا أصحاب العقول. "يكفي أن نذكر مثالًا عمليًّا معاصرًا ليكون عبرة لمن يرون في العقوبات القرآنية قسوة لا تناسب الحضارة المعاصرة، وما يسمونه: "الضمير العالمي" الذي لا يطيق هذه العقوبات القاسية، ولكنه يطيق التفرقة العنصرية، وما يتبعها من استغلال واحتقار جنس لجنس، ويطيق وجود العصابات الدولية كالمافيا

стр. 257

وغيرها، وما لها من أجهزة مسلحة، ومستشارين قانونيين ومحامين مهمتهم التحايل على القانون. بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨ م) انتشرت المواد المخدرة كالهروين، في جميع أنحاء العالم، وواجهت اليابان الموقف بقانون يقرر عقوبة الإعدام لكل من يتعاطى أو يتاجر في المخدرات، وكان من نتيجة ذلك أن أُعدم شخصان فقط، وبعدها بادر كل من عنده كمية صغيرة أو كبيرة من المخدرات إلى إلقائها في الشارع، وقام البوليس بجمعها وإعدامها، وبذلك نجا آلاف اليابانيين في مقابل إعدام شخصين اثنين. وفي مدينة كالقاهرة تنشر الصحف أن بعض (النشالين) لهم ثلاثون أو أربعون سابقة في النشل، وأن هناك مدارس سريّة لتعليم (النشل)، بل لقد وصل الأمر إلى تكوين عصابات هاجمت الركاب في وسائل النقل المختلفة، واستولت على أموالهم، جهارًا نهارا. ولو قطعت يد سارق واحد لما وصل بنا الأمر إلى هذا الحد (١). وقد لجأت بعض الدول التي انتشرت فيها الجريمة إلى أسلوب غريب، ففي أندنيسيا تشن الدولة حملة واسعة النطاق ولكنها غير معلنة رسميًا على المجرمين، فتسفك دماءَهم في وضح النهار، لتخلص الناس من شرهم، ألم يكن الأولى أن يتم هذا من خلال قانون يقرر العقوبة المناسبة التي تكفل ردع المجرم عن جريمته، ولكن هذه الدول تخشى أن توصم بالرجعية والتخلف من قبل الدول الغربية إذا هي طبقت الإسلام، ومن هنا سلكت هذا السبيل الملتوي في معالجة الجريمة.

стр. 258

الفَصْل الخامس المؤلَّفات في التشريع الجنائي كل كتب الفقه العام تخصص بابًا أو أكثر للتشريع الجنائي تعنون له بالحدود والقصاص، أو الجنايات، أو العقوبات، وقد خص المرحوم عبد القادر عودة هذا العلم بمؤلف مستقل عنون له "بالتشريع الجنائي في الإسلام" وكتب عبد الكريم الخطيب كتاب: "الحدود في الإسلام"، وخص بعض المؤلفين قضية واحدة بالتأليف، ومن ذلك كتاب "أحكام المرتد" لنعمان السامرائي.

стр. 259

البَابُ السَّادس الاقتصاد في الإسلام ويشتمل على أربعة فصول الفصل الأول: مباديء مهمة في النظام الاقتصادي. الفصل الثاني: مجالات النشاط الاقتصادي. الفصل الثالث: الربا. الفصل الرابع: المصارف الإسلامية. الفصل الخامس: المؤلفات في الاقتصاد الإسلامي.

стр. 260

الاقتصاد في الإسلام تمهيد: هل في الإسلام نظام اقتصادي: يتساءل بعض أبناء الإسلام اليوم قائلين: هل في الإسلام نظام اقتصادي؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فهل هو نظام كامل واف؟ وهل يناسب هذا النظام الحياة المعاصرة مع أنه أنزل منذ أربعة عشر قرنا؟ والسبب في هذه التساؤلات التي تكشف عن حيرة نفسية مضنية عائد إلى جهل كثير من المسلمين بدينهم، وإلى تأثير الثقافة الغربية التي غزت عقول أبناء المسلمين، كما غزت مناهج التعليم ونظم الحكم في ديارنا، وكانت نتيجة هذا الغزو ثمارا مرة، وقد كانت هذه التساؤلات واحدة من تلك الثمار. وإذا رجعت الي كتب الاقتصاد الإسلامي التي ألفت منذ أكثر من ألف عام وجدت فيها نظامًا اقتصاديًا فذًا، فقد بين علماؤنا المسلمون موارد بيت المال ومصارفه، فتحدثوا عن الخراج وجبايته، كما تحدثوا عن نظام المقاسة ونظام الالتزام والإقطاع، وفصلوا أمر الجزية وهي الضريبة التي كانت توضع على أهل الذمة مقابل الزكاة المفروضة، وبينوا الزكاة وأحكامها، فقد ذكروا الأموال التي تكون فيها الزكاة، والمصارف التي تصرف إليها، وفصلوا أمر الفيء: مصادره وموارده، كما تحدثوا عن الغنيمة، والعشور، والركاز. وبينوا الطرق والأنظمة التي كانت إطارًا يحكم العمل في تسيير هذه الأمور.

стр. 261

وإذا أنت رجعت إلى كتب الفقه الإسلامي وجدت الأبواب التي تبحث مسائل المال وتنظم أموره كثيرة جدًّا، تغطي مساحة هائلة في تلك الكتب، ومن هذه المباحث: البيوع، الإجارة، الشركات، الحوالة، الشفعة، الوكالة، العارية، الوديعة، الهبة، الوصية، العطية، الميراث، الحجر، الاحتكار، الزكاة، الخمس، الخراج، الميراث ... وغيرها، وهذه المباحث مرتكزة على النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذه النصوص المنظمة لشؤون المال كثيرة جدًّا، وقد درس علماؤنا الواقع الاقتصادي في ضوء الكتاب والسنة، واستخرجوا القوانين والسنن التي تحكم هذا الواقع الاقتصادي وتسوده، وتجري بموجبها حادثاته، وهذا هو الذي يسميه علماء العصر: علم الاقتصاد. وكون الإسلام يعني بعلم الاقتصاد أمر طبيعي لا مناص منه، لأن الإسلام منهج حياة الإنسان، وهو منهج متكامل فذ منزل من العلم الخبير، وأمور الاقتصاد من الأمور الهامة في حياة الإنسان، فما كان للإسلام وهو المنزل من عند العليم الخبير أن يهمل تنظيم هذا الجانب في حياة البشر. وأمور المال تؤثر في حياة الفرد والمجتمع، والمال واحد من أهم العناصر لقيام التمدن الإنساني، فإذا قل المال أو اختل تنظيمه ودورانه في المجتمع - وقع تعثر في مسيرة ذلك المجتمع، وتوقف ارتقاؤه الحضاري، ووقعت فيه المشكلات التي تشغل بال حاكميه ومحكوميه ومفكريه، وفي كثير من الأحيان تصبح هذه المشكلات مزمنة تستعصي على العلاج كما هو الحال في المجتمعات المعاصرة، وقد عبر الإسلام عن أهمية أمر المال في المجتمع بتعبير فذ، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥].

стр. 262

فأمر بالحجر على السفيه، لأن تصرفه في أمر المال على غير استواء ضار بالأمة كلها، وعلل هذا الحجر بأن الله جعل المال قيامًا لأمر الأمّة. وقد يقول قائل: ولماذا ينظم الله بنفسه شؤون المال، ولم لا يترك هذه الأمور الدنيوية للبشر أنفسهم، وفي الجواب نقول: هل يستطيع البشر أن يقيموا أمورهم المالية والاقتصادية على العدل والحق، بعيدًا عن الباطل والظلم؟ على الذين يقولون: إن الإنسان قادر على أن يحقق هذا بنفسه، مستغنيًا عن تدبير الخالق أن ينظر نظرة في تاريخ الاقتصاد ليتبين المآسي والمظالم التي أحدثتها النظم الاقتصادية التي سادت في عالم البشر، فالنظام الإقطاعي كان يعبد البشر لملّاك الأرض، وكانت الأرض تباع، فيباع البشر الذين يعملون فيها كما تباع الحيوانات، ولا يملكون من أمرهم شيئًا. وتحطم نظام الإقطاع، وقام السادة الجدد الذين دعوا إلى النظام الحرِّ مقام السادة الإقطاعيين من قبل، فقد جعلوا من حق الفرد أن يملك ما يشاء ويتصرف في ماله كما يشاء، ولو أدى هذا إلى الإضرار بملايين البشر، وجاءت الشيوعية لتعصف بالنظام الاقتصادي الحر، وتقيم سلطة جديدة تملك كل شيء وتجعل البشر عندها عبيدًا للدولة، يعملون ولكنهم لا يملكون، وليسوا أحرارًا فيما يعملون، الدولة تتصرف في كل شيء، وتقنن كل شيء وقد عالج الفاشيون والنازيون ظلم الشيوعية بظلم جديد، أقام من سلطان الدولة طاغوتا لا يقل عن طاغوت الدولة الشيوعية، فهل تخلص البشر من طغيان البشر، وهل صلحت أحوالهم الدنيوية، إن البشر يفقدون في كل نظام من النظم البشرية حريتهم بنسب متفاوتة، وإن ادعى أرباب كل مذهب والقائمون عليه أنهم حرروا البشر مما يظنونه ظلمًا، إذ هم يرفعون ظلمًا يرونه، ويقررون ظلمًا من نوع آخر ﴿اللَّهُ وَلِيُّ

стр. 263

الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٧].

стр. 264

الفَصْل الأول مبَاديء مهمَّة في النظام (١) الاقتصادي الإسلامي المطلع على نظام الاقتصاد في الإسلام يجده نظامًا فريدًا بين النظم الاقتصادية، وهناك مبادئ مهمة كثيرة يحسن تبينها في هذا النظام منها: ١ - نظام مستقل: هذا النظام نظام مستقل عن غيره من النظم، ولا يمكن أن يوصف بوصف غير الإسلام، وقد أخطأ الذين حاولوا ربط هذا النظام بواحد من النظم الاقتصادية السائدة كالرأسمالية والاشتراكية. النظام الاقتصادي يختلف عن غيره في الأهداف والوسائل والتشريعات، واللقاء بينه وبين غيره من النظم في بعض الجزئيات لا يجعل منه نظامًا اشتراكيًا أو رأسماليًا كما يزعم بعض الذين ينظرون إلى ظاهر الأمور نظرة جزئية سطحية. ٢ - جزء من كل: ويجب أن يعلم أن نظامنا الاقتصادي جزء من كل، فالاقتصاد في الإسلام

стр. 265

يرتبط مع عقيدة الإسلام، وخلق الإسلام وتشريعات الإسلام الأخرى، ولا يمكن أن نقيم نظام الإسلام الاقتصادي بعيدًا عن أنظمة الإسلام الأخرى، لأن هذا النظام لا يؤدي دوره الأداء الصحيح في إصلاح الجانب المالي عند الأمَّة ما لم يعمل الإسلام عمله في إصلاح النفوس، وغرس القيم الفاضلة فيها، وإحاطة المجتمع بسوره الأخلاقي الذي يحكم مسيرة الفرد والمجتمع. ٣ - نظام فطري: عندما يتعامل الفرد وفق نظام الإسلام يجد هذا النظام قريبًا إلى فطرته، فلا تجد صدودا عن التعامل به، فالإنسان مفطور على حب التملك، والإسلام يبيح الملكية في أوسع صورها، وكل ما يفعله هو تقييدها بقيود حتى لا تضر الفرد ولا المجتمع، وكذلك يبيح له من العمل ما لا يضر بنفسه أو غيره أفرادًا وجماعات. وإذا أنت نظرت في النظام الشيوعي وجدته يصادم الفطرة الإنسانية حيث يمنع من ملكية وسائل الإنتاج ويحول الشعب إلى عمال عند الدولة، وفي سبيل تحقيق هذا المبدأ استولى على الأراضي والمصانع والمنشآت، ولما كان الإنسان مفطورًا على حب التملك والحرص على المال فإن الناس هناك ثاروا، فسالت دماؤهم أنهارًا، لقد قتل الشيوعيون في روسيا أكثر من ثلاثين مليونا من البشر، هذا عدا الذين سجنوهم أو نفوهم. ويصادم النظام الشيوعي الفطرة الإنسانية من جانب آخر، فهو يطالب كل عامل في الدولة أن يبذل كل ما يستطيع في سبيل تحقيق الغاية من العمل الذي يقوم به، ولكنه لا يعطيه ما يكافيء جهده، بل يعطيه من المال ما يسد حاجته، والإنسان مفطور على أن يبذل من الجهد بمقدار ما يتوقع من المكافأة، فإذا كانت

стр. 266

المكافأة محددة قل الجهد أم كثر فإن هذا يجعل العمال يتقاعسون عن العمل، فيقل الإنتاج. وإذا أنت نظرت في نظام الإقطاع وجدته يصادم الفطرة الإنسانية، فلم يكن يسمح في ذلك النظام للإنسان بأن ينتقل من مجال عمل إلى مجال آخر، فكل عمل مقصور على فئة معينة، وهذا يخالف الفطرة الإنسانية، فالمرء قد لا يناسبه عمل معين ويناسبه غيره. ٤ - الاعتدال والتوازن: مشكلة الأنظمة الاقتصادية أنها ترى جانبًا واحدًا من الحقيقة، وتخفى عليها بقية الجوانب، وتفرد الإسلام -لأنه تنزيل من العليم الخبير- بالرؤية الشاملة لجميع الجوانب، فجاء نظامه الاقتصادي معتدلًا متوازنًا. يتضح هذا للناظر في النظام الاقتصادي الرأسمالي، الذي وضع التشريعات الكثرة لحماية حرية الملكية الفردية، وحرِّية العمل، ولكنه أهمل إهمالًا كبيرًا رعاية حق المجتمع، فنال الأغنياء والأثرياء في تلك المجتمعات أكثر من حقهم، فنشأت عن ذلك مظالم كثيرة، ووقع الضرر بالآخرين، وإذا أنت نظرت في النظام الشيوعي وجدت واضعيه يهدفون إلى تحقيق مصلحة المجتمع، ولكنهم في سبيل تحقيق ذلك ظلموا الفرد ومنعوه من حقوقه في الملكية والعمل. وجاء الإسلام ليضع نظامًا صالحًا لإقامة حياة الأفراد وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه، لا يظلم فيه الفرد ولا المجتمع، وهذا ما لا نجده في النظم الأرضية البشرية.

стр. 267

٥ - تحقيق التراحم والتعاون: الإسلام يقيم نظامًا اقتصاديًا ينسجم في مساره مع هدف الإسلام في إقامة المجتمع الإسلامي المتراحم المتعاون، فالتشريعات الاقتصادية الإسلامية توجه الأغنياء إلى السعي في مصالح الفقراء وتقديم العون لهم وسدّ خلتهم، وليس لهم في الأغنياء إلى السعي في مصالح الفقراء وتقديم العون لهم وسدّ خلتهم، وليس لهم في ذلك منه، بل هو أمر إلهي رباني، يعاقب من حاد عنه، فالإسلام يقول لأبنائه أنتم إخوة فيما بينكم، ويقول لهم المال الذي بأيديكم مال الله وللفقراء حق في أموالكم، ويفرض في سبيل تحقيق هذا فرائض كالزكاة، والخمس، والخراج، ويحبب في الصدقات والإنفاق، فتقوم الألفة والمودة بين أبناء المجتمع الإسلامي. وإذا أنت نظرت إلى المجتمع الشيوعي تجد أن أحد أعمدته التي يقوم عليها هو الصراع بين طبقات المجتمع، هذا الصراع الذي يؤدي إلى العداوة والبغضاء وسفك الدماء ونهب الأموال، ومن ينظر في حال الدول الشيوعية يعلم صدق هذا الذي نقوله، والمجتمعات الرأسمالية لا تخلو من هذا المرض، فالفارق هناك بين البشر كبير، فئة قليلة هي التي تملك الثروة، وبقية الأفراد لا يملكون إلا القليل، والأغنياء لا شأن لهم بالفقراء، فالمال مالهم، ولا شأن لأحد بهم. ٦ - توزيع الثروة وتفتيتها: يشبه علماء الاقتصاد المال بالدماء التي تجري في شرايين الجسم، وإذا كانت شراين الجسم مفتوحة تسمح بوصول الدم إلى كل أجزاء الجسد فإن جسد الإنسان يكون في وضع حسن، ولكن إذا أغلق شريان من الشرايين فإن الجزء الذي يغذيه ذلك الشريان يصاب بالشلل، وهذا ما يحدث عندما يكون المال دولة بين أيدي فئة قليلة من البشر.

стр. 268

والضرر هنا لا يتوقف على الذين ليس في أيديهم المال، بل يتعداه إلى المجتمع كله، حتى أولئك الذين يملكون المصانع والمزارع والمتاجر يصابون بضرر كبير، وأصدق وصف توصف به حالة تلك المجتمعات أنها مصابة بالشلل في اقتصادها، فالمصانع والشركات تغلق أبوابها في كثير من الأحيان، والعمال لا يجدون عملًا، والناس لا يستطيعون شراء ما يريدون، والسبب في ذلك ليس هو قلة البضائع، ولكن المال مكنوز في خزائن المرابين والأثرياء، وعامة الناس يريدون شراء حاجاتهم ولكنهم لا يملكون المال الكافي، وعند ذلك تتكدس البضائع في المحازن، فتوقف المصانع والشركات أعمالها أو تقلل منها، وتستغني عن عمالها أو بعض منهم، ولو وضع نظام اقتصادي يوزع الثروة بين أبناء المجتمع، ويسمح بوصولها إلى مختلف القطاعات - فإن الحياة تزدهر، والمال ينمو، وقد علل القرآن توزيع مال الفيء على الفقراء دون الأغنياء بقوله: ﴿كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. وليس علاج هذا يحرمان جميع الناس من المال إلا في حدود ضيقة كما هو الحال في المجتمع الشيوعي، بل بوضع تشريعات تمنع من تكدس الثروة عند فئة معينة من فئات المجتمع وتسمح بسريان المال إلى جميع هذه الفئات، ومن أجل ذلك حرّم الإسلام الربا، وفرض الزكاة، وشرع نظام الإرث الذي يفتت الثروة دائمًا وأبدًا. ٧ - تحقيق تكافؤ الفرص: النظام الاقتصادي الإسلامي يتيح للأفراد قدرًا متساويًا في فرص العمل وحيازة الممتلكات الإنتاجية منها والاستهلاكية، فلا يمنع فئة دون فئة من عمل من الأعمال، ولا يبيح لفريق دون فريق شيئًا من الممتلكات، يترك الإسلام الباب

стр. 269

مفتوحًا يلج كل فرد فيه بلا حواجز، ويحصل من الخير على قدر جهده ونشاطه. وهذه المساواة الحقيقية التي يرفضها النظام الشيوعي ونظام الإقطاع، أمَّا المساواة التي يريدها الشيوعيون - وهي إعطاء أفراد المجتمع قدرًا متساويا من الأجر - فهي ظلم وفساد، فما دام الناس متفاوتون في المواهب وما يبذلونه من الجهد - فلا بدَّ أن يتفاوت ما يحصلونه من أجر، وإلا فتكون سوينا بين الكسول والنشيط، والذكي والغبي، والعلم والجاهل، ومع أن الشيوعيين يدعون هذه الدعوى إلا أن واقعهم يناقض هذا، فزعماء روسيا ومفكروها ورؤساء المصانع والممثلون والممثلات ينال الواحد منهم أجرًا يساوي أجر مئات العمَّال بل ألوف العمال. ٨ - المال وسيلة لا غاية: إن النظم السائدة اليوم تجعل الرفاه والغنى وتحصيل المال هو الغاية التي يسعى الفرد لنيلها، والمجتمع لبلوغها، ولذلك كانت حضارة اليوم حضارة مادية، سواءً أكانت شيوعية أم رأسمالية، وقد ضرب الرأسماليون في سبيل تحقيق هذا الهدف بمبادئ الدين والأخلاق عرض الحائط، ذلك أن الدين والخلق يوجهان الفرد والمجتمع وجهة أخرى، يكون المال فيها وسيلة لا غاية. إن الغاية في الإسلام هو الله، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الذاريات: ٥٠]. إياه نعبد، وإليه نسعى ونحفد، نرجو رحمته ونخاف عذابه، له صلاتنا، ونسكنا، نقوم في الحياة وفق شرعه، ماضين لتحقيق أمره، وإذا أردنا أن نبذل حياتنا فنبذلها في سبيله وحده، لا نرضى بذلك بديلًا، ونحن نحتاج في مسيرتنا إلى

стр. 270

هدفنا إلى المال كي يعيننا على تحقيق الهدف الكبير الذي نريد بلوغه، نحتاج إليه كي نقيم هذا الجسد الذي ركبت فيه أرواحنا، وتحتاج إليه في إعمار الأرض التي أمرنا الله باستعمارها، وتحتاج إليه ليقوم المجتمع على النحو الذي شرعه الله، فالمال في الإسلام وسيلة لا غاية، ولذلك حثنا الإسلام على أن نجعل المال خادمًا لا مخدومًا، وقد ذم الرسول ﷺ عباد المال، "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة إن أعطى رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش" (١). المال في الإسلام زينة ومتاع، وزينة الدنيا ومتاعها زائلان، والقيمة الكبرى لمتاع الآخرة، ولذلك وجهنا القرآن إلى طلب الآخرة بهذا المتاع الذي أعطانا الله إياه ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [سورة القصص: ٧٧]. هذا هو منهج الإسلام، وهو مناف لمنهج عباد المال، كما أنه مناف لمنهج الرهبان والمتصوفين، الذين طلقوا الدنيا، وأعرضوا عن العمل وحيازة المال، فصادموا الفطرة الإنسانية، وأضروا بالمجتمعات التي انتشرت فيها هذه الأفكار. ٩ - قيام الاقتصاد على أخلاق الإسلام وقيمه: لقد قام النظام الإسلامي على إتاحة فرص العمل أمام جميع أفراد المجتمع الإسلامي، كما أباح التملك لهم على حدٍّ سواء، ولكنه لم يترك ذلك فوضى من غير حدود وضوابط.

стр. 271

لقد عني الإسلام بغرس الأخلاق الفاضلة والقيم الحميدة التي تقيم من الإنسان حارسًا على نفسه تمنعه من التصرفات الخاطئة، ولذلك تجد كثيرًا من المسلمين لا يسرقون ولا يغشون، ولا يحتكرون، ولا يكذبون في التعامل ... مع قدرتهم على هذا كله، لخوفهم من الله ﵎، بل ترى النوم قد جفاهم، وملأ القلق نفوسهم إذا دخل شيء من المال في حيازتهم، لكونهم لم يعرفوا حكمه الشرعي، ولا يهدأ لهم بال حتى يقفوا على حكم الله فيه، وتراهم يتخلصون منه، ويبذلونه في مصارفه الشرعية، إذا تبين لهم أنه لا يحل لهم، ولا يكتفي الإسلام بغرس التقوى والخلق القويم في النفس الإنسانية، ولكنه يضع الضوابط الشرعية التي تحكم التصرفات العملية، ويأمر الدولة الإسلامية أن تقوم على مراعاة هذه الضوابط والأحكام. فهناك مصادر للمال لا يرضاها الإسلام، ولا يجيز لأبنائه التعامل من خلالها، كالسرقة والغش والزنا وبيع المحرمات كالخمر والخنزير، وأكل مال اليتيم، والغلول من الغنيمة، ونحو ذلك. ولم يجز للإنسان أن يتصرف في ماله كيف شاء، فلا يجوز إهلاك المال وإفساده، كما لا يجوز للمرء أن يسرف في الإنفاق، وقد عدّ القرآن المبذرين إخوان الشياطين، وانظر إلى المجتمع الرأسمالي البعيد عن هذه الضوابط كيف يقيم الصروح الضخمة التي تدمر القيم والأخلاق، وتؤدي إلى الظلم والاستبداد، فالبنوك الربوية التي تمحق الكسب تقوم في كل مدينة وقرية، وتستخدم جيوشًا من العمال والموظفين لكي تحقق الكسب الحرام لفريق من البشر، والعمارات الشاهقة ترتفع في كثير من المدن لتتاجر بالأعراض. والأموال تبذل بسخاء لإقامة العروض الفاجرة هنا وهناك باسم الفن، فمسابقات ملكات الجمال، والأفلام

стр. 272

والتمثيليات والمسارح - أغلبها تقوم على الإفساد والظلم، وانظر إلى إسرافهم في الإنفاق، وكيف يحرقون المحاصيل حتى لا يرخص السعر، وانظر كيف يمتصون دماء الشعوب ويتوزعون بينهم مناطق النفوذ. ١٠ - الوفرة النسبية في الخلق: الذي تعمق في دراسة الإسلام يعلم أن الأصل هو الوفرة في الخلق الذي يحتاج إليه الناس، ويزداد وجود الشيء كلما كانت حاجة الإنسان إليه ضرورية، ويقل وجوده كلما قلت الحاجة إليه، فالهواء - مثلًا - أكثر الأشياء وجودًا، لأن الإنسان لا يستغني عنه لحظة، وهو يملأ الفضاء، نتنفسه بلا ثمن، ثم يأتي بعده الماء، وهو كثير كثير، وحاجة الإنسان إليه كبيرة، وكلما قلت الحاجة يقل وجود الشيء، فالجواهر واليواقيت واللآليء قليلة، وحاجة الناس إليها قليلة. هذه هي نظرة الإسلام في هذا الموضوع، أمَّا الاقتصاد الغربي فنظرته قائمة على الندرة النسبية، لا على الوفرة، ومن هنا يقوم الصراع بين البشر للحصول على المواد التي يحتاجها الإنسان، وتقوم الدعوة إلى تحديد النسل، ولو وجهت الجهود الإنسانية لاستنباط خيرات الأرض لتضاعف الإنتاج مئات المرات، فهناك مساحات شاسعة من الأراضي لم تستغل بعد، وهناك خيرات البحار المخبوأة في جوفه. ومن العجب أن يقوم النظام الاقتصادي الغربي على نظرية الندرة النسبية، ثم نراهم يحرقون مئات الألوف من أطنان القمح أو الأرز .... بسبب وفرة الإنتاج حرصًا على عدم هبوط الأسعار، في الوقت الذي يموت الناس فيه من الجوع في الدول الفقيرة والغنية.

стр. 273

الفَصْل الثاني مجالات النشاط الاقتصادي الإسلامي للنشاط الاقتصادي مجالان هما: العمل، والملكية، وسنلقي على كل واحد من هذين نظرة سريعة موجزة. المَبْحث الأول العمل والعمَّال مفهوم العمل في المذهب الاشتراكي والمذهب الرأسمالي ضيق، فقد جعلوه مقصورًا على الإنتاج الذي تقدمه فئة من المجتمع مجردة من رأس المال، بل هو عندهم أضيق من هذا، لأنهم قصروه على الإنتاج المادي دون الإنتاج الفني، فاسم العمال عندهم يطلق على هذه الفئة في مقابل أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الأعمال وأصحاب المهن الحرّة والموظفين. أما مفهوم العمل في الإسلام فهو أوسع من ذلك، فكل جهد وعمل مادي أو معنوي أو مؤلف منهما معًا يعد عملًا في نظر الإسلام، فعامل المصنع ومديره، والموظف في الدولة، والتاجر، وصاحب الأرض، والطبيب والمهندس، كل هؤلاء عمال في الدولة الإسلامية. وعلى ذلك فالمفهوم الإسلامي للعمل يشمل كل نشاط أو فعالية مشروعة في مقابل كسب، سواء أكان أجرة أو ربحًا.

стр. 274

والعمل المرضي عنه في الإسلام هو العمل المباح، فإذا كان العمل منهيًا عنه شرعًا فهو غير مشروع ولا مقبول، كالمتاجرة بالمحرمات مثل الخمر والخنزير والمخدرات، ومثل السرقة والتنجيم والشعوذة والزنا، ومثل ذلك الأعمال الهدامة التي تنشر الفاحشة كالمسرحيات والأفلام والقصص والصحف التي لا هم لأصحابها إلَّا الدعوة إلى الفساد والإفساد. ومن ينظر في النصوص من الكتاب والسنة يجد الإسلام يحث على العمل والسعي واستعمار الأرض، وينهى عن البطالة والكسل والقعود، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. وفي الحديث: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" رواه البخاري. وقد عدّ الرسول ﷺ العاملين الذين يسعون لسد حاجتهم وحاجة من يعولونه ساعين في سبيل الله، فقد مر على الرسول ﷺ رجل فرأى الصحابة من قوته وجلده ونشاطه، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله، فقال الرسول ﷺ : "إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (١). ومهما كان العمل شاقًّا مضنيًا صغيرًا في أعين الناس فهو أفضل من سؤال

стр. 275

الناس، ففي الحديث: "لأن يغدو أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيتصدق منه، ويستغني به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه" (١). ولا يجوز لأحد أن يمدّ يده لسؤال الناس - في الإسلام - إلا في ثلاثة مواضع حددها الرسول عقة، ففي الحديث: "المسألة لا تحل إلا لثلاثة: الذي فقر مدقع، أو الذي غرم مفظع، أو الذي دم موجع" (٢). ولكن الإسلام إذ يحث على العمل ويرغب فيه، فإنّه لا يوجب على الفرد أن يقوم بعمل بعينه، وكل الذي يوجه إليه الإسلام أن يوجد في كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية طائفة من المسلمين يسدّون الحاجة، فإذا قصر المسلمون في سدّ جانب من الجوانب فإن الإثم يلحقهم حتى يقوم من يسدّ هذه الحاجة. يقول ابن تيمية: "قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهما: إن هذه الصناعات: كالفلاحة والنساجة والبناية، فرض على الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها" (٣). وقال أيضًا: إن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، ولا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبًا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يُمكِّنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يُمكِّن الناس من ظلمهم" (٤).

стр. 276

والذي يظهر لي أن الإسلام ترك النص على هذا الجانب لأن حاجة المجتمع إلى هذه الأعمال المختلفة تدفع الناس إلى القيام بها، لأنهم يجدون مرغبات لذلك، فإذا قل العاملون في جانب ما كثر الطلب عليه، ودفع الناس في سبيل ذلك مالًا كثيرًا، وبذلك يقبل الناس على العمل في هذا المجال، وتسد الحاجة فيه. فإن لم يقم المجتمع بتنظيم نفسه بنفسه في هذا وجب على أولياء الأمور توجيه الناس لسدِّ جوانب النقص في مجتمعاتهم. بين العاملين وأصحاب العمل: وجه الإسلام العاملين إلى القيام بالأعمال المناطة بهم على أتم وجه وأكمله، وإتقان العمل في الإسلام يسمى الإحسان، وقد كتب الله الإحسان على كل شيء، ففي الحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته"، ولا فرق في هذا بين إحسان العبادة، وإحسان العمل الدنيوي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [سورة الملك: ١ - ٢]. فإذا أتقن الأجر أو الموظف العمل الموكول إليه، أحسن فيه فقد قضى ما عليه، ويبقى حقَّه على صاحب العمل. وحقَّه على صاحب العمل أن لا يكلفه فوق طاقته، وأن يؤدي إليه أجره كاملًا غير منقوص، وقد نهانا الله عن أن نبخس الناس أشياءهم كما أمرنا بالوفاء بالعقود ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [سورة الشعراء: ١٨٣].

стр. 277

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: ١]. وفي الحديث الذي يرويه البخاري: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى ولم يوفه أجره". المبحَث الثاني الملكيَّة يغرس الإسلام في كيان أتباعه أن هذا الكون وما فيه كله لله تعالى: الأرض والسماء والشمس والقمر والنجوم والأرض والجبال والبحار والحيوان والنبات، بل الإنسان وما يملك هو ملك لله تعالى، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة المائدة: ١٢٠]. وقد أذن للبشر أن يملكوا شيئًا من ملكه، ولكنه ملك على وجه العارّية، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. وكل إنسان سيؤخذ منه ما يملك في حياته، فإن لم ينزع منه في حياته فسينزع هو من ملكه، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: ٢٦، ٢٧]. فملكهم عارية مستردة، ولكنه ملك حقيقي معتبر شرعًا، ولذلك أضاف الأموال لأصحابها في كثير من النصوص ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [سورة التوبة: ١٠٣]. ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ [سورة المعارج: ٢٤]. وإذا كان الفرد له ملكية خاصة لا يجوز الاعتداء عليها إلا أن الشارع يجعل مال الأفراد جزءًا من مال الأُمَّة لا يسمح لهم بالتصرف فيه تصرفًا يضرهم ويضر الأُمَّة

стр. 278

معهم، ولذلك أمر بالحجر على السفيه الذي يتصرف في ماله تصرفًا غير موزون ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]. والإسلام يبيح للمسلمين التملك إباحة غير مقيدة بالأدوات الاستهلاكية، وكل ما يقيدها به أن تكون الوسائل التي حصل التملك بها مباحة، وقد حدد الطرق غير المشروعة للملكية، فمن ذلك الحصول على المال بطريق الربا، أو الزنا، أو المتاجرة بالخمر ولحم الخنزير، أو التعامل بالقمار واليانصيب أو الأجرة على ارتكاب الجرائم، ومثل ذلك السرقة والرشوة والغش وغير ذلك من الأعمال المبينة في الشرع. ومن الطرق المشروعة في الإسلام الملكية نتيجة الجهد الشخصي، بالبيع والشراء، والزراعة، والصناعة، والتقاط المباح، وقد يأتي التملك من غير جهد شخصي، كالنفقة التي تأخذها الزوجة والأبناء، وكذلك الهبة والوصية، والعطية، والميراث. وإذا كان الإسلام قد أباح التملك فقد أوجب حقوقًا على الذين يملكون فلأبنائهم وآبائهم وأزواجهم عليهم حق، وللفقراء والمساكين عليهم حق، وقد شرع الإسلام في سبيل ذلك الزكاة، وألزم من خالف بعض المخالفات الشرعية بدفع مقدار من المال في وجوه الخير، كالذي يجامع في نهار رمضان، أو الذي يحدث في يمينه، أو الذي يظهر من زوجته، أو الذي يرتكب محذورًا من محذورات الإحرام ولا يكتفي الإسلام بإيجاب مقادير معينة، بل يرغب في بذل المال تطوعًا، ويعد على ذلك بالأجر العظيم والثواب الجزيل، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧].

стр. 279

﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد: ٧]. ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢١٥]. وحرّم الإسلام تجاوز الحد في الانفاق، فنهى عن الإسراف والتبذير في نفس الوقت الذي نهى فيه عن البخل والتقتير. أنواع الملكية: الملكية الفردية وملكية الدولة: الذي تحدثنا عنه هو الملكية الفردية، ومن هذه الملكية أن يشترك أكثر من شخص في عقار أو تجارة أو نحو ذلك. وهناك نوع آخر من الملكية وهو ملكية الدولة، وهي ملكية عامة لكل المسلمين الموجودين منهم والذين سيأتون من بعد، وهي ما يرد إلى بيت المال من الخراج والجزية والفيء وخمس الغنائم وخمس الركاز ونحو ذلك، ومن هذه الملكية ملكية الدولة للأنهار والأراضي التي لم يملكها أحد ولم يحبها أحد من المسلمين. وقد منع الرسول ﷺ تملك الأمور المشاعة التي تضر ملكيتها بالمسلمين، كالأنهار وماء الأمطار والنبات الذي ينبت في الخلاء، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار" رواه أحمد وأبو داود.

стр. 280

الفَصْل الثالث الرِّبَا (١) الربا آفة خطيرة تصيب المجتمعات الإنسانية كما تصيب الاقتصاد، وهو يحدث آثارًا هائلة في المجتمع والاقتصاد لا يمكن علاجها ما لم تجتث شجرته الخبيثة. وقد رهب العليم الخبير أكلة الربا بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. وعدّ الرسول عقد الربا واحدًا من ذنوب سبعة كبرى توبق العبد في دنياه وأخراه. وقد دمر الربا مجتمعات كثيرة في الماضي، وهو اليوم يعمل عمله المدمر في الاقتصاد العالمي، ذلك أن الاقتصاد اليوم يقوم على الربا، وعلى الرغم من مساوئه الرهيبة إلا أن العالم لا يستطيع الخلاص من هذا الداء العضال. إن الإسلام قال في هذا القول الفصل ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥].

стр. 281

وأقام المسلمون اقتصادهم عبر التاريخ الإسلامي بعيدًا عن هذا الداء العضال، ولكنهم في هذا العصر أقاموا صرح الاقتصاد على أساس من الربا، بفعل أعداء الإسلام الذين استعمروا ديارنا وعقولنا ومناهج التعليم في ديارنا، وإنك واجد - حيث سرت في ديار الإسلام - البنوك الربوية تقوم شامخة البنيان تتحدى أحكام الله المحرمة للربا، وإذا نظرت إلى الصحف والمجلات والإذاعة والتلفاز رأيت الدعاية إلى الربا المحرم تكاد تملأ آفاق الأمة الإسلامية وتنتشر فيه انتشار الغبار الذي يغطي جو الأرض ويصل إلى كل شيء، أضف إلى ذلك أن الربا يدرس في مدارسنا وجامعاتنا، ويتعامل فيه كثير من رجالنا. والأمّة كلها مطالبة بأن تتقي الله في أنفسها وأموالها، وأن تجتنب هذا الطريق الذي حرم الله سلوكه، وإلا أصابها البلاء. تعريف الربا: الربا في اللغة الزيادة والنماء، وفي الاصطلاح هو ما نسميه اليوم بالفائدة، وهي الزيادة الكائنة على رأس المال المقترض، ويعرفه الفقهاء بقولهم: "الربا في الشريعة عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال". والدليل على أن المال الزائد على رأس المال ربا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٩]. فالتائب يأخذ رأس ماله، والزائد عن رأس المال ربا بنص الآية، ولا فرق بين أن يكون الزائد واحدًا في المائة أو عشرين في المائة، فكل زيادة قليلة أو كثيرة حرام، وهي ربا، والذي يمنعه القائمون على الاقتصاد هو الزيادة الفاحشة أما الزيادة المعقولة فإنها جائزة عندهم، ويدعون أن الربا هو الفائدة المرتفعة، أمّا

стр. 282

الفائدة المعقولة فلا تدخل في الربا. وهذا الذي يقولونه باطل من القول، وليس له نصيب من الصحة، فالربا عندنا هو الزائد على رأس المال وإن كان فلسًا واحدًا، وهذا التفريق بين الكثير والقليل منهج غير إسلامي يقصد به التلاعب بعقول العباد، يدلنا على ذلك أن الفائدة التي كانت تعدُّ فاحشة في أول هذا القرن أصبحت اليوم جائزة ومباحة، فكانت العشرة في المائة فائدة فاحشة، ثم أصبحت العشرين في المائة اليوم جائزة.

стр. 283

الفَصْل الرابع المصَارف الإسلاميَّة تقوم في العالم العربي والإسلامي شبكة هائلة من البنوك الربوية التي تفسد الحياة كما تفسد الاقتصاد، وقد أفرحت هذه المصارف الشيطان وأغضبت الرحمن، ولكنَّ أصحاب الغيرة من أهل العلم ورجال الاقتصاد المسلمين لم يفتؤوا ينادون مطالبين بإقامة الاقتصاد الإسلامي بعيدًا عن الربا، وإقامة مصارف إسلامية تقوم بالخدمات المصرفية، كما تقوم باستثمار المال وفق الشريعة الإسلامية. وقد بدأت المحاولات الأولى في هذا المجال في عام ١٩٦٣ حيث أنشئت بنوك الادخار المحلية في مدينة ميت غمر في مصر، ثم أقيم بنك ناصر الاجتماعي في عام ١٩٧١ ولم يقدر لهاتين التجربتين أن تمضيا علي صراط مستقيم. وأول بنك قام على أسس سويَّة هو بنك دبي الإسلامي قام على إثره بيت التمويل الكويتي، ثم تتابع قيام البنوك الإسلامية في كل مكان، فأقيم البنك الإسلامي في الأردن، وبنك فيصل الإسلامي في السودان، وبنك فيصل الإسلامي في القاهرة، وقد زاد عدد هذه البنوك اليوم على أربعين بنكا. وفي عام ١٩٧٥ ظهر أول بنك إسلامي دولي، هو بنك التنمية الإسلامي، ومقره جدة، وقد شاركت فيه كل دول العالم الإسلامي تقريبًا. و١٧ رمضان ١٣٩٧ هـ الموافق ٢١/ ٨ / ١٩٧٧ تم تكوين الاتحاد الدولي

стр. 284

للبنوك الإِسلامية، وقد اعترف بهذا الاتحاد دوليًا. وقد أقامت البنوك الإِسلامية مؤتمرها الأول في دبي ٢٣ - ٢٥ جمادى الآخرة ١٣٩٩ هـ مايو ١٩٧٩، وأقيم المؤتمر الثاني في الكويت بتاريخ ٦ جمادى الآخرة ١٤٠٣ هـ، الموافق مارس ١٩٨٣ م. وفي العام المنصرم ١٤٠٣ هـ احتفل في دبي بتشكيل الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية، وعقدت الهيئة أول اجتماعاتها في ٣٠ جمادى الآخرة ١٤٠٣ هـ ١٣ / أبريل ١٩٨٣ م. وهذه البنوك تحاول جاهدة أن تقيم أنظمتها وفق الشرعية الإِسلامية، بعيدًا عن الربا والتعامل المحرم شرعًا. وقد أثبتت هذه البنوك نجاحًا طيبًا في فترة وجيزة، وقد توجه كثير من أبناء الإسلام إلى التعامل مع هذه البنوك، وهجروا البنوك الربوية. وقيام هذه البنوك يمثل لبنة في إقامة صرح النظام الاقتصادي المتكامل.

стр. 285

الفصل الخامس المؤلَّفات في الاقتصاد الإسلامي من الذين كتبوا في الاقتصاد من العلماء القدامي القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، فقد كتب كتاب "الخراج" ولأبي عبيد القاسم بن سلام كتاب "الأموال". وقد كتب العلامة أبو الأعلى المودودي عدة مؤلفات في الاقتصاد الإسلامي، منها كتاب: "أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة"، وكتاب "معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام"، وكتاب "الربا". وكتب العَلَم في علم الاقتصاد الإسلامي المرحوم الدكتور عيسى عبده كتاب "الفائدة على رأس المال"، وكتاب "الاقتصاد السياسي"، ومن الكتب الحسنة في هذا الموضوع: "خطوط رئيسة في الاقتصاد" لأبي السعود. وقد ألف في الربا عدة مؤلفات، فكتب فيه المودودي وعيسى عبده وأبو زهرة، وقد كتبتُ بحثًا في الربا بعنوان "الربا وأثره على المجتمع الإنساني". ومن المؤلفات الجيدة في هذا العلم كتاب الزكاة وكتاب مشكلة الفقر، وكلاهما للدكتور يوسف القرضاوي.
следующие страницы →