سبيل تحقيق ما يعتقدونه، وهم راضون مطمئنون، وهذا يفسر لنا السرّ في انتصار أصحاب العقائد وعدم تنازلهم عن مبدئهم على الرغم من الآلام والمصائب التي تعترض طريقهم.
ويدلنا على صدق هذا - المعنى اللغوي للعقيدة، فعقد الحبل نقيض حله، ومادة (عقد) في اللغة مدارها على اللزوم والتأكد والاستيثاق، ففي القرآن:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
وتعقيد الإيمان إنما يكون بقصد القلب وعزمه، بخلاف لغو اليمين التي تجري على اللسان بدون قصد.
و(العقود) أوثق العهود، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وتقول العرب: "اعتقد الشيء: صلب واشتدَّ" (١).
والعقائد في الإسلام هي الأمور التي تصدق بها النفوس، وتطمئن إليها القلوب، وتكون يقينًا عند أصحابها، لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك، وأصول عقائد الإسلام حددها الرسول ﷺ بقوله: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى" (٢).
٣ - ضلال الإنسان في معتقده، يجر عليه البلاء، ويضل عمله وسعيه، واعتبر في هذا بالذين قدسوا الأصنام - والفئران كيف أهانوا أنفسهم، وكيف ضيعوا أموالهم، وكيف سفكت دماؤهم عندما حاربهم المسلمون، وعندما يقدمون على
стр. 72
الله يكونون من الأخسرين، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، ويخلدون في النار.
٤ - أعظم خلاف حصل على مدار التاريخ هو الاختلاف حول قضايا الاعتقاد، ولذلك كانت أعظم مهمات الرسل تصحيح عقائد البشر الزائفة، وتصحيح تصوراتهم عن الله والكون والحياة. عبد البشر على مدار التاريخ الأصنام والأوثان والقبور، فجاءتهم رسلهم تردهم إلى الله مولاهم الحق، فنوح نهى قومه عن عبادة الأصنام والأوثان، فلم يستجيبوا ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣].
وإبراهيم قال لقومه مناقشا إياهم فيما يعبدون ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾ [الشعراء: ٧٢].
وقال القرآن للعرب منكرًا عليهم ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢٠ - ٢٢].
ونسب الضالون إلى الله الولد، ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
والنصارى زعموا في عيسى ما زعموه ﴿وَقَالتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]
والعرب زعموا أن الملائكة إناث ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩].
стр. 73
وذلك إفك كبير ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٥٦].
واختلف البشر في صفات ربهم، ونسبوا إليه القبائح، فاليهود قالوا إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وتعب في اليوم السابع واستراح، فأكذبهم الحق في مقالتهم أنه تعب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
ومن افتراءاتهم على الله قولهم ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].
وهذه الخلافات العقائدية تسبب اختلافًا بين الأمم، بل بين أبناء الأمة الواحدة، فيتعادون ويتباغضون، ثمَّ يتقاتلون ويتتاحرون، وما خبر الحروب الدينية التي قامت بين النصارى عنا ببعيد، وقد أهلك الحرث والنسل وصدق الله، إذ يقول: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَينَا بَينَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤].
أمّا العقيدة الصافية المستقيمة، فإنها تجلب المودة والمحبة بين البشر ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
٥ - يقف كثير من الطواغيت وراء العقائد الفاسدة الزائفة التي تمكن لسلطانهم، وتعبد الناس لهم، أو من يحكمون الناس باسمه، وقد كان سدنة الأصنام أحرص
стр. 74
الناس على تعبيد الناس لها، لما يحصلون عليه من مركز اجتماعي عظيم، ومال وفير، من الهدايا والقرابين.
وقد كان الملوك حريصين على تكريم الكهنة والسحرة الذين يعبدون الناس للحكام، وادعى أقوام القداسة والعصمة، وأنهم أبناء الآلهة، وأن الدماء الزرقاء تجري في عروقهم، ونادى فرعون في قومه قائلًا ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ [القصص: ٣٨].
ولقد كان الفلاسفة والحكام ينسبون إلى الآلهة الفسق والفجور ومرادهم بذلك تبرير فسقهم وفجورهم.
٦ - العقيدة التي جاء بها الرسل ضرورية للبشر ضرورة الما والهواء، لأنها تحرر العقل من الخرافة، وتفسر للإنسان لغز الحياة، وتدله على مصدر وجوده ومصدر وجود الكون، كما تعرِّفه بالعلاقة التي بينه وبين الله، وبينه وبين الكون، وتحدثه عن العوالم الأخرى التي هي من عالم الغيب، وتبصره بمصيره بعد الحياة، والإنسان إذا لم يجد الإجابة الشافية عن هذه القضايا فإنه يبقى متعبًا قلقا حائرًا، والذي ينظر في حال الفلاسفة والمفكرين الذين لم يهتدوا بهدى الله سيشعر بمدى التعب النفسي، والإرهاق الفكري الذي عانى منه هؤلاء الرجال.
المبحث الثاني المناهج في إثبات العقائد
هناك منهجان لمعرفة قضايا الاعتقاد:
الأول: منهج الرسل، وهذا المنهج يقف العقل الإنساني فيه عند حدّ التصديق بالله، ثمّ بعد ذلك يتلقى عن الله عقيدته في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
стр. 75
والقدر، والعقل الإنساني هنا يتدبر وحي الله ويفقهه، ولا يخوض في هذه القضايا بعيدًا عما أوحى الله إليه، وعلى المسلم في هذه الحال أن يتأكد من صدق نسبة النصوص إلى الرسول التي أُوحى إليه بها، فإن كانت صادقة فعليه أن يترك رأيه وهواه، ويحكِّم ما أوحاه الله، وهذا المنهج يمكن أن نطلق عليه المنهج "الإيماني القرآني النبوي"، وعمدة هذا المنهج الأخذ بنصوص الكتاب، وصحيح حديث الرسول ﷺ في مسائل الاعتقاد.
الثاني: منهج الفلاسفة الذين رفضوا الاحتكام إلى الشرع، وأصروا على أن يضربوا في بيداء شاسعة من غير دليل، فضلوا وأضلوا، لقد غفل هؤلاء عن أن العقل لا يستطع أن يخوض في هذه الميادين بنفسه، لأنها فضايا غيبية، لا تدخل في نطاق قدرات العقول البشرية، ولذلك فإن الفلاسفة كانوا أعدى أعداء الرسل.
وقد تأثر كثير من المنتسبين إلى الإسلام بهؤلاء الفلاسفة، فاحتكموا إلى الموازين والمقاييس العقلية التي أخذوها من أولئك الفلاسفة، وعارضوا بها الشرع، وحكموها في الشرع، وردوا بها كثيرًا من الأحكام الشرعية بحجة أن الأدلة العقلية يقينية، والأدلة الشرعية كثير منها ظني الثبوت ظني الدلالة، أو ظني الثبوت وإن كان قطعي الدلالة، أو ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت، فرد هؤلاء أحاديث الآحاد في العقيدة، ومنهم من ردها في العقيدة والأحكام، ومنهم من لم يأخذ بنصوص الكتاب لكونها ظنية الدلالة ويمكننا أن نسمي هذا المنهج "المنهج الفلسفي الكلامي".
وهذا الفريق من الناس أكثر الناس اختلافا وتناقضا، وقد حذر العلماء الجهابذة من مغبة السير في هذا الطريق، وبعض سالكيه تراجع عنه جزئيًّا أو كليًّا بعد أن عرفوا ما فيه من اعوجاج.
стр. 76
والطريق الأول طريق الرسل قصير مأمون العواقب، أما هذا فإن سالكيه لا يصلون إليه إلا بعد أن يقتحموا لجة البحر الخضم، فنهم من أوجب الشك أولًا، ومنهم من أوجب النظر أو القصد إلى النظر، ومنهم من ألزم بالبحث في النفوس والعقول، ومنهم الذي نادى بتعلم الرياضيات والطبيعيات، وفهم من قال نبدأ بالمنطق ثم الطبيعيات والرياضيات، وهي علوم لا يتقنها إلا الخاصة، فكيف يتيسر لعوام الناس تعلمها، ثمَّ إذا تعلمها المتعلمون وجدوا مباحث علماء الكلام والفلاسفة بعد ذلك لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، أليس الأولى بهؤلاء معرفة الله عن طريق الله وطريق رسوله! !
إن الوحي عندنا أساس العلم، والعلم السماوي نور العقل، والعلم السماوى يعرفنا بربنا وأنفسنا والكون من حولنا، ولسنا بحاجة إلى مقاييس الفلاسفة، وموازين المتكلمين، قيل لابن عباس: كيف عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي وصدق والله.
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
وإذا كان العقل يستضيء بنور الوحي، فإن الوحي السماوي قد حوى الأدلة العقلية الباهرة، وألزم العقل بالنظر في ملكوت السموات والأرض، والتفكير في ذلك في قدرة العقل ومكنته، وهذا التفكر يؤكد الإيمان ويقويه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
стр. 77
المبحث الثالث ملاحظات مهمة في المسائل الإعتقادية
العالم بقضايا الاعتقاد ومسائله المتعمق في ذلك يجد أن هناك عدة أمور ضابطة في هذه المسائل:
الأول: كونها غيبية، وليست أمورًا محسوسة، فالله غيب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر، والقدر، أمّا الرسل والكتب فالايمان بها إنما يكون بالتصديق بنسبتها إلى الله، أي كونه أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهذا غيب، وهناك قضايا هامّة ألحقت بمسائل الاعتقاد، وبحثت في كتب العقيدة لأهميها.
الثاني: مصدر هذا الغيب هو الوحي السماوى الصادق، ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١ - ٣].
والإيمان بالغيب يقابل عدم التصديق إلا بالمحسوس؛ هي نظرية الشيوعيين.
الثالث: مسائل العقائد يقين، ولا تصح العقيدة مع الشك، فالشك ينافي الاعتقاد ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥].
وهذا بخلاف حال الذين ذمهم الله لريبهم وشكهم ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥].
الرابع: العقيدة في الإسلام وحدة متشابكة مترابطة، إذا هدم أصل من أصولها خرج صاحبها من دائرة الإسلام، فالذي يكفر باليوم الآخر، أو الجنة أو النار، أو كذب الرسل أو واحدًا من الرسل، أو كذب بالملائكة، أو واحدًا منهم ممن
стр. 78
أخبر الله به فهو كافر، قال تعالى في الذين يكفرون ببعض أصول الاعتقاد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
وذمَّ أهل الكتاب لكفرهم بما أنزل الله على محمد ﷺ : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١].
ومن هنا يظهر لنا خطأ إطلاق اسم الإيمان على الذين يؤمنون بوجود الله من الكفار، ولو لم يعبدوه ويوحدوه، ولو لم يؤمنوا بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، فالإيمان بوجود الله وحده لا يكفي.
الخامس: الاعتقاد الجازم لا يكفي وحده، فقد جَزَمَ فرعون بأنّ الآيات التي جاء با موسى هي من عند الله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
وإبليس جازم بصدق الرسل والكتب، بل لا بدَّ مع الاعتقاد الجازم من الرضا بالله ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولًا، ولا بدَّ من الإعلان عن ذلك باللسان، وتصديق ذلك بالعمل، أي الإذعان والانقياد لله ﵎، فما آمن من اعتقد ورفض الخضوع والطاعة لله كما هو حال الشيطان والمستكبرين.
السادس: سبق أن تحدثنا عن مفهوم الإيمان عند السلف الصالح، وأن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وعلى ذلك فمفهوم الإيمان أوسع من مفهوم العقيدة, العقيدة في المصطلح الإسلامي جزء من الإيمان، وهي
стр. 79
تعتبر قاعدة الإيمان وأساسه الذي يقوم عليها بناؤه، والعقيدة للإيمان كالجذور بالنسبة للشجرة، وإذا زالت العقيدة زال الإيمان، ولا يكافي في الإيمان وجود العقيدة من غير نطق وعمل، فلا يمكن أن تكون العقيدة صادقة، ثمَّ لا يقر بها صاحبها بلسانه، ولا يقوم بالأعمال التي تعتبر امتدادًا للعقيدة، إن العقيدة التي لا تغير سلوك صاحبها عقيدة ضعيفة مهزوزة.
السابع: كل من أنكر شيئًا من أصول الاعتقاد أو فروعه المعلومة من الدين بالضرورة فإنه كافر لا شك في كفره، أمّا الذي يترك عملًا من الأعمال الشرعية الواجبة، أو يفعل شيئًا مما حرمه الله - فإنه يكون عاصيًا، والذين يُكَفِّرون بالذنوب والمعاصي هم الخوارج، أمّا منهج السلف الصالح فإن ترك الواجبات وفعل المحرمات يعد ذنبًا ومعصية تشوه الإيمان وتنقصه، ولكنا لا تزيله وتذهبه.
стр. 80
الفصل الثاني العقيدة في الله
تمهيد: موضوعات العقائد:
الأصول الاعتقادية التي أثبتتها النصوص ستة: الله، الملائكة، الكتب، الرسل، اليوم الآخر، القضاء والقدر.
ومن النصوص التي أثبتت أصول الاعتقاد: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقوله: ﴿لَيسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]
وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]
وسنتناول هذه الأصول بشيء من التفصيل، ونبدأ بأعظمها وأهمها، وهو العقيدة في الله، وهذا الأصل عليه مبنى العقيدة والشريعة، فهو أصل الأصول، وقاعدة الإيمان، وجذر الإسلام، ومتى فقد هذا الأصل انمحت معالم الإسلام، وتقطعت عرا الإيمان وهذا الأصل قائم على الإيمان بأن الله واحد في ربوبيته وفي ألوهيته واحد لا أسمائه وصفاته ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٢].
стр. 81
وقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
ومبنى هذا الأصل هو التوحيد، وتوحيد الله له ثلاثة جوانب: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
المبحث الأول توحيد الربوبية
والمراد بتوحيد الربوبية أن نعتقد أن الله وحده الخالق البارئ المصور المالك المدبر المصرف المحيي المميت، والرب في لغة العرب هو المربي المنشيء الموجد، والآيات التي تتحدث عن خلق الله، وبديع صنعه، وتصريفه لأمور الكون كثيرة جدًّا في كتاب الله، يذكر الله بها عباده ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وليوجه أنظار المشركين إليه وحده لأنه المستحق للعبادة دون سواه، ويفتح أبصار الجاحدين وبصائرهم، وقد استخدم الأنبياء هذا الأسلوب في دعوة أقوامهم، فنوح يذكر قومه قائلًا: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٥ - ٢٠].
وإبراهيم يقول لقومه: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٢].
وقد أطال القرآن في الحديث عن ربوبية الله: والاحتجاج على أهل الجاهلية
стр. 82
المعترفين بالربوبية المشركين في الألوهية ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٤].
ولم تزل بعض الأمم تشرك بالله في ربوبيته، كالمجوس الذين قالوا بربوبية النور والظلام، والصابئة الذين قالوا بربوبية الكواكب وتأثيرها في العوالم، ومثل هؤلاء أولئك الذين اعتقدوا بأن الأموات يتصرفون في قبورهم في الكون والحياة، وكل ذلك من الشرك.
المبحث الثاني توحيد الألوهية
أي العبادة، فالله وحده هو المعبود، ولا يستحق العبادة غيره, وقد جاءت الرسل لدعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
стр. 83
ذلك أن الشرك في العبادة هو جريمة البشر الكبرى التي لم تسلم منها أمّة من الأمم، وقد كانت بعض الأمم يسلمون لله بالربوبية كالأمّة العربية، في الجاهلية، ولكنهم كانوا يجادلون أشد الجدال في استحقاقه العبادة وحده، ويتعجبون من دعوة الرسول لهم إلى عبادة الله دون غيره ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
والعبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله كثيرة، فدائرة العبادة واسعة رحبة، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال، والعبادات أنواع، فمنها عبادة القلب، وعبادة اللسان، وعبادة الجوارح، والعبادات المالية.
فعبادة القلب تكون بقصد الله وحده، وإخلاص النية له، والخوف منه ﵎، وخشيته، وحبه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا بحكمه.
وعبادة اللسان بذكر الله، وتسبيحه، وحمده، والثناء عليه، وتمجيده، وقراءة القرآن، وعبادة الجوارح بالصلاة والصيام والحج ونحر الذبائح تقربًا إلى الله، والجهاد في سبيل الله ... والعبادات المالية تكون بالزكاة والصدقات، ولها مدخل في الحج والأضاحي والنذور. والشرك في الألوهية بكون بالتوجه بالعبادات أو بعض منها لغير الله كالاستعانة بغير الله، أو الذبح لغير الله، ودعاء غير الله.
وقد يكون الشرك أصغر كالحلف بغير الله، والعمل لأجل الرياء.
стр. 84
المبحث الثالث توحيد الأسماء والصفات
الإيمان الصادق هو الذي يقوم على المعرفة التامّة بالله ﵎، وطريق ذلك الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ فمعرفة صفاته والتأمل في معانيها وإثبات الأسماء الدالة عليها - كل ذلك يعمق الإيمان بالله ويؤكده ويثبته، وقد أخبرنا ربنا بأن له الأسماء الحسنى، وأمرنا أن ندعوه بها ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وحث الرسول ﷺ على إحصائها "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" (١) والمراد بالإحصاء, حفظها، وفقه معانيها، والعمل بمقتضاها.
مذاهب الفرق في الأسماء والصفات
والناظر في عقائد الفرق الإسلامية يجد أن كثيرًا منهم قد انحرفوا في هذا الباب، وقد اتخذ الانحراف مسارين:
الأول: تشبيه صفات الخالق بصفات الخلوق، فقالوا إن لله صفات كصفات البشر، فيده كأيديهم، ووجهه كوجوههم، وسمعه كأسماعهم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهؤلاء يضاهئون قول الضالين من اليهود والنصارى والأمم المشركة الذين صوروا الإله بشرًا ينام ويتعب ويتزوج ويلعب ... وهذا النهج مرفوض من الفرق الإسلامية، ولم يسلكه إلا عدد قليل من الذين طمست بصائرهم.
الثاني: تجريد الحق عمّا ينبغي له من الصفات، وهو الذي يسميه علماؤنا تعطيل الله عن صفاته، وقد وقع في هذا كثير من المنتسبين إلى الإسلام، وهو منهج قديم
стр. 85
أيضًا، ضلت فيه الأمم، وهم يعللون نهجهم هذا تعليلًا حسنًا، فيقولون نحن نريد تنزيه الحق ﵎ عن صفات الخلق، وهذا أمر مقبول ومطلوب، ولكن ليس طريقه أن ننفي صفات الكمال والجلال التي أثبتها لنفسه خوفًا من الوقوع في التشبيه، وللفرق الإسلامية في هذا المجال اتجاهات:
أ - الجهمية: وهم أتباع الجهم بن صفوان، وهؤلاء غلوا غلوًا عظيمًا في التجريد، فنفوا أسماء الله، ونفوا ما دلت عليه من المعاني، وهم في ذلك يزعمون أنهم ينزهون الله ويوحدونه، وقد كذبوا الله في قوله، فقد أثبت الحق ﵎ لنفسه الأسماء والصفات، ثم إنهم وقعوا في الأمر الذي منه فروا وهو التشبيه، فقد شبهوا الله بالمعدومات، لأنهم يقولون: الله لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم وليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق، ولا تحت، ومن هذا حاله، وتلك صفاته لا يكون موجودا بل معدوما، ولذلك قال العلماء: المشبه يعبد صنمًا، والمعطل -أي النافي للأسماء والصفات- يعبد عدمًا.
٢ - المعتزلة: وهم أتباع واصل بن عطاء، وكان من تلاميذ الحسن البصري، ثمَّ خالفه فيما ذهب إليه، واعتزل مجلسه، فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمى وأصحابه بالمعتزلة، وسميت الأصول والقواعد التي تبناها بالمنهج المعتزلي.
وهؤلاء أثبتوا أسماء الله ونفوا الصفات، فقالوا: رحمن بلا رحمة، سميع بلا سمع، قدير بلا قدرة.
٣ - الأشاعرة، وهؤلاء أثبتوا من الصفات سبعًا ونفوا ما عداها، والصفات السبع هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
стр. 86
وهذا المذهب ينسب إلى أبي الحسن الأشعري, وكان على طريقة المعتزلة، ثم انفصل عنهم، وخالفهم، وعارضهم، وعاد في آخر أمره إلى مذهب السلف وطريقة الإمام أحمد بن حنبل، وأثبت لله كل أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات ونفى عنه كل ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، ولكن كثيرًا من أتباعه بقوا على ما كان عليه أبو الحسن الأشعري من قبل، ولم يتابعوه فيما صار إليه في آخر عمره وإذا شئت أن تعرف طريقة الأشعري ﵀ التي صار إليها في آخر عمره في الأسماء والصفات، فاقرأ كتابي الإبانة ومقالات الإسلاميين، وهما من تأليفه، وقد آن للذين يزعمون أنهم على مذهبه أن يصيروا إلى ما صار إليه.
مذهب السلف الصالح
المراد بالسلف الصالح -كما يقول ابن بدران- ما كان عليه الصحابة الكرام وأعيان التابعين، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شُهد له بالإِمامة، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي، كالخوارج والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحوهم. ثم غلب هذا اللقب على الإمام أحمد وأتباعه على اعتقاده من أي مذهب كانوا، فقيل لهم في فن التوحيد: علماء السلف، هذا ما اصطلح أصحابنا (الحنابلة) والمحدثون (١)، وقال ابن حجر الفقيه في رسالته: "شن الغارة" "الصدر الأول: لا يقال إلا على السلف وهم خير القرون الثلاثة، الذين شهد لهم النبي ﷺ بأنهم خير القرون، وأما من بعدهم، فلا يقال في حقهم ذلك" (٢).
стр. 87
ونستطيع أن نسمي من علماء السلف من بعد الصحابة المئات أمثال: الحسن البصري، والأئمة: مالك والشافعي وأحمد، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وإسحق بن راهويه، وابن خزيمة، والليث بن سعد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود ... وغيرهم كثير. ومذهب السلف الصالح هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو يقوم في باب أسماء الله وصفاته على ثلاثة أصول:
الأول: الإيمان بكل الأسماء والصفات التي أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسوله، ونفى كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ وهذا أمر بدهي، فالمسلم يعلم أن الحق ما قرره العليم الخبير، وأنه لا أحد أعلم بالله من الله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].
وليس بعد الله أعلم بالله من رسوله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وقبيح بالمرء أن يقول له الرب: لي سمع وبصر ورحمة ويد، فيقول له: ليس لك سمع، ولا بصر، ولا رحمة، ولا يد، والسلف يثبتون هذه الصفات إثباتًا من غير تحريف، ولا تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل.
الثاني: تنزيهه جل وعلا عن مشابهة صفاته بصفات خلاقه، فالله تعالى لا تشبه ذاته ذوات المخلوقين، وكذلك صفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
وقال: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وهذه الآية دلت على الأصل الأول والثاني فقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ تدل على أن صفاته لا تشبه صفات خلقه، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
стр. 88
تدل على أن له سمعًا وبصرًا.
وينبغي أن ننبه هنا إلى أن الذين نفوا صفات الخالق أو أولوها - لم يقدروا الله حقَّ قدوه، فالله عندما يحدثنا عن صفاته يجب أن يتبادر إلى ذهن المسلم أن هذه الصفات هي فوق ما يتصور الواصفون، وأنها كمال لا يعروه نقص، أمّا هؤلاء فإنهم قالوا: المتبادر منها التشبيه، ولذلك نؤولها ونحرفها حتى ننزه الله ﵎، ولو أنصفوا لقالوا: المتبادر منها الكمال وعدم التشبيه.
ثم هم يعتمدون في مقابل النصوص على المقاييس العقلية، فيقولون: نحن ننفي اليد والوجه، لأننا لا نعرف اليد إلا هذه الجار، ولا نعرف إلا هذه الوجوه، والله منزه عن الجارحة وما يشبه صفات الخلق, وتحكيم العقل بتصوراته الخاطئة بنصوص الشرع لا يجوز، ومقاييسهم العقلية هذه ضالة فالله منزه عن مشابهة الخلق، وصفاته كمال يخصه، ولا يجوز إجراء المقاييس العقلية على رب العزة.
الثالث: عدم التطلع إلى معرفة كيفية صفات الله، ومعرفة الكيف غيب لا يعلمه إلا الله ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
وبما أن الله لا يشبه أحدًا من خلقه، وصفاته لا يشبهها شيء من صفات الخلق، فلا يمكن أن تعرف كيفية ذاته، ولا يمكن أن تعرف كيفية صفاته، والذين انحرفوا في باب الصفات أصل ضلالهم أنَّهم بحثوا في الكيفية، فمرة مثلوا صفات الخالق بصفات الخلق ومرة نفوها وأولوها.
والواجب هو التفويض في كيفية الصفات، فكما أننا لا نعلم كيف ذاته كذلك صفاته ﵎ لا نعلم كيف هي, فنحن نؤمن بها وإن لم نعرف كيف هي.
стр. 89
وهنا أمر يجب بيانه، وهو أن معنى الصفة معروف في لغة العرب، ويجب أن نعرف معاني صفاته، من الرحمة والسمع والعلم والبصر ... ، وقد حدثنا الله ﵎ عن سعة علمه وضرب لنا الأمثال، كما حدثنا عن عظيم قدرته، ... ولكننا لا نعلم الكيفية، فالتفويض الذي عليه السلف إنما يكون في كيفية الصفات لا في معاني الصفات، وبعض الذين يفوضون يظنون أن التفويض يكون في معنى الصفات وهذا ليس بصواب.
الإمام مالك يوضح المنهج السلفي
سأل رجل الإمام مالكا، فقال له: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فقال الإمام: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثمَّ أمر به فأخرج من المسجد. والإمام مالك ﵀ يوضح في هذه الواقعة المنهج السلفي، فهو يقرر عدة أمور:
١ - أن معاني صفات الله وأسمائه معلومة، أي معلوم معناها في لغة العرب، والمسلم قادر على فهمها ومطالب به.
٢ - كيفية صفات الله مجهولة لا يدركها العقل الإنساني، ولذلك كان البحث عن ذلك ضلال وبدعة.
٣ - وجوب الإيمان بصفات الله التي أخبرنا الله عنها، أو أخبر عنها الرسول ﷺ لأن عدم الإيمان بها تكذيب لله ورسوله.
٤ - السؤال عن كيفية صفات الله، والبحث عن هذه الكيفية بدعة ضلالة، ليس من منهج السلف الصالح.
стр. 90
المبحث الرابع الأدلة عَلى وجود الحق ﵎
وجود الله ﵎ من أعظم الحقائق وضوحًا وظهورًا، ولكن العقل الإنساني قد يضل ويزيغ، حتى عن الحقائق الواضحة، وقد ادعى طوائف من البشر في القديم والحديث أن ليس لهذا الكون خالق، وأن الكون أزلي، وقد ناقش المؤمنون بالله الملحدين والزنادقة بأدلة كثيرة، وخير طريقة في الاستدلال هي طريقة القرآن، وطريقته لا تتوقف على الاستدلال الخبري، بل يقدم الأدلة العقلية السهلة الإدراك البعيدة عن التعقيد، بخلاف أدلة الفلاسفة والمتكلمين.
وسأورد بعض الأدلة المستخلصة من القرآن.
١ - دليل الفطرة:
يجعل القرآن التوجه إلى الله وحده، وعبادته لا شريك له، قضية فطرية مغروسة في أعماق النفس الإنسانية، وإذا كان توحيد الله أمرًا فطريًا، فمعرفته من باب أولى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
والسبب في الإلحاد والشرك والكفر هو المؤثرات الخارجية التي تطرأ على الفطرة الإنسانية، ومن هذه الأسباب إضلال الشياطين، ففي الحديث القدسي "خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فأضلتهم عن دينهم"، (١) والبيئة المنحرفة تعمل عملها في إضلال الفطرة السليمة، ففي الحديث "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه" (٢).
стр. 91
٢ - دلالة الآيات المعجزة:
أجرى الله على يد رسله وأنبيائه آيات بينات معجزات، كالعصا التي تتحول إلى ثعبان مبين، واليد التي تخرج بيضاء من غير سوء، وعدم إحراق النار لإبراهيم، وإِحياء عيسى الموتى ... وكل هذه الآيات تدل على أن لما خالقًا قديرًا عليما مدبرا.
٣ - دلالة اتفاق الكتب والرسل:
الخبر الصادق أحد طوق العلم، وقد اتفقت كلمة الرسل والعقلاء على وجود الله ﵎، وقد تتابع الرسل على مدار التاريخ على إظهار هذه الحقيقة، وإبرازها، ولا يمكن أن يتفق الرسل على الرغم من اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم وكثرة عددهم- على أمر باطل، هذا مما يرفض العقل التصديق به.
٤ - دلالة الآيات الكونية:
الآيات الكونية تدل على الله ﵎، كما يدل ضوء الشمس على الشمس، وليس هناك من حاجة لإتعاب الفكر في طريق دلالتها على الله ﵎: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
стр. 92
والنصوص التي تتحدث عن هذا النوع من الأدلة كثيرة في كتاب الله ..
والآيات الكونية تدل على الله ﵎ من وجوه عدة:
أ- وجودها: فالعقل الإنساني يضع ثلاثة احتمالات لهذا الوجود: الأول: وجودها من عدم أي من غير موجد، الثاني: أنها أوجدت نفسها، الثالث: أن الله أوجدها.
والعقل الإنساني يرفض رفضا قاطعًا الاحتمال الأول والاحتمال الثاني، ويقبل بالاحتمال الثالث ويجزم به، وإذا كان هناك من خالق للسموات والأرض فيجب أن يكون عظيمًا قادرًا، لأن هذا الخلق العجيب لا يمكن أن يصدر من عاجز ضعيف وقد ناقش القرآن الكفرة بهذا الدليل العظيم فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦].
وإذا صدق العقل بوجود الخالق على هذا النحو، تكون المرحلة التالية هي معرفة هذا الخالق، وهذا قد تكفل الله به، حيث عرفنا بنفسه من خلال كتبه ورسله.
ب - هداية كل شيء لما خلق له، فالقلب يعمل عمله بدون معلم، وكذلك الكبد، والطحال، والأعصاب والمعدة والأمعاء، بل أن الحيوانات والطيور مهدية لطريقة الحياة هداية ربانية، وقل مثل ذلك في النجوم والشمس والقمر، ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
جـ - الإبداع والإتقان، انظر إلى كيفية تركيب عينك، أو عقلك، أو
стр. 93
مفاصلك، وانظر إلى ما يحدثنا عنه العلماء عن الخلية الإنسانية، وانظر إلى كلام العلماء عن النبات وكيف يعمل ويتكون، وانظر إلى ترابط النجوم وسيرها وأبعادها وضخامة حجمها وإتقان صنعتها ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك: ٣، ٤].
د - التقدير والتسخير: ولولا ذلك لفسد الخلق، وفسد الكون، فالمطر لو كان ينزل بدون تقدير لأهلك الحرث والنسل ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨].
والتكاثر في الإنسان والحيوان لو لم يكن له ضوابط لضاقت الأرض، والشمس لو كانت أقرب إلينا لاحترقنا، ولو كانت أبعد لتجمدنا، والقمر لو لم يكن بهذا البعد من الأرض لفسدت الأرض، وجاذبية الأرض كانت بالمقدار الكافي، ولو كانت أقل لانتثرت الخلائق في هذا الكون، ولو كانت أكثر لالتصقنا بها، وثقلت حركتنا ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ [الزخرف: ١٠ - ١٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام: ٩٥، ٩٦].
وهذا الدليل في غاية الأهمية، ولذلك أكثر القرآن من الحديث عن خلق الله،
стр. 94
وفعل الله في الكون، وتقديره وتصريفه لهذا الكون، وأمر العباد بالتفكر والتأمل في الكون ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٥، ٦]
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)﴾ [عبس: ٢٤، ٢٥]
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]
أهمية هذا الدليل:
كان العلماء ولا يزالون يعنون بالآيات الكونية عناية فائقة، فينظرون في الكون، ويكشفون أسراره، ويوجهون الأبصار والأفكار إلى عجائبه، وقد عنى العلماء في العمر الحاضر بهذا الأمر عناية كبيرة أيضًا، وقد ساعدهم على هذا التقدم العلمي الكبير الذي حققه البشر في هذا العصر، حيث غاصوا في أعماق البحار، وسبحوا في أجواز الفضاء، وعرفوا تركيب الذرة والخلية، وراقبوا الحيوان والنبات، وعرفوا طبائع الخلق، وأسرار الكون.
وقد ألفت في هذا مؤلفات كثيرة، منها كتاب "العلم يدعو إلى الإيمان" لـ: أكرستي موريسون، ومؤلفه من أعظم العلماء الغربيين الأمريكيين، وكتاب "الله يتجلى في عصر العلم "لجون كلوفرمونس، وكتاب "الإنسان ذلك المجهول" لـ "الكسس كاريل"، وكتاب "مع الله في السماء" لأحمد زكي، وكتاب "الإسلام يتحدى" لوحيد الدين خان.
стр. 95
عالم فلكي تذهله حقائق الكون وحقائق القرآن
ينقل العلامة الباكستاني وحيد الدين خان عن مجلة باكستانية تعرضت لسيرة العلامة الكبير عناية الله المشرقي، وقد بلغ من علمه أن طلب منه أن يترجم أحد مؤلفاته العلمية إلى اللغة الإنجليزية ليمنح عليها جائزة نوبل، فرفض أن يتقدم للحصول على هذه الجائزة العالمية من جهة لا تعترف بلغته "الأردية"، يحدث العلامة عناية الله المشرقي أنّه كان في يوم من أيام الأحد في عام ١٩٠٩ خارجًا من منزله في لندن، فرأى الفلكي المشهور: السيرجمس جينز، وكان في ذلك الوقت أستاذًا في جامعة كمبرج، رآه وهو منطلق إلى الكنيسة، والإنجيل والشمسية تحت إبطه، فاستوقف عناية الله ذلك العالم الفلكي وحياه أول مرة، فلم يرد عليه، ثمَّ حياه مرة أخرى، فوقف وقال له: ماذا تريد؟ فقال له: أمران: الأول إن شمسيتك تحت إبطك على الرغم من شدَّة المطر، فابتسم السيرجيمس، وفتح شمسيته على الفور، وقد حدد عناية الله المطلب الثاني بسؤال وجهه إليه قائلًا: ما الذي يدفع رجلًا ذائع الصيت في العالم مثلك لأن يتوجه إلى الكنيسة؟ وأمام هذا السؤال توقف السيرجيمس لحظة، ثم دعا عناية الله إلى تناول الشاي في المساء عنده في منزله.
وفي الوقت المحدد وصل عناية الله إلى منزل العالم الفلكي ليجده في انتظاره، وأمامه منضدة صغيرة موضوع عليها أدوات الشاي، وكان ذلك البروفيسور منهمكا في أفكاره، وعندما شعر بوجود عناية الله قال له:
ماذا كان سؤالك؟ ولم ينتظر جوابًا من عناية الله، بل أخذ يلقي على مسامعه محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية، ونظامها المدهش، وأبعادها وفواصلها اللامتناهية، وطرقها، ومداراتها وجاذبيتها، وطوفان أنوارها المذهلة، يقول
стр. 96
عناية الله: لقد شعرت أن قلبي يهتز هيبة لله وإجلالًا له، ثمَّ نظرت إلى السير جيمس فوجدت شعر رأسه قائمًا، والدموع تنهمر من عينيه، ويداه ترتعدان من خوف الله، ثمَّ توقف فجأة، ووجه كلامه إليَّ قائلًا: "يا عناية الله! عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي، وعندما أركع أمام الله وأقول له: إنك لعظيم! أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمين، وأحسُّ بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة، أفهمت يا عناية الله لماذا أذهب إلى الكنيسة؟ "
لقد أدرك هذا العالم أن لهذا الكون خالقًا، ولكنه لم يجد سبيلًا إلى عبادته والتوجه إليه إلا بالدين النصراني المحرف المغير في عقائده وتشريعاته.
يقول العلامة عناية الله المشرقي: لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفانًا في عقلي، وقلت للعالم الفلكي: لقد تأثرت كثيرًا بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي، وتذكرت بهذه المناسبة آية من آيات كتابي المقدس، فلو سمحتم لي بقراءَتها عليكم، فهز العالم الفلكي البريطاني رأسه قائلًا: بكل سرور، فقرأ عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨].
وهذه الآية دعوة للناس للنظر إلى الماء النازل من السماء، وآثار هذه الرحمة التي أنزلها الله تعالى، حيث يخرج الحق سبحانه بتلك الرحمة ثمرات مختلفًا ألوانها، وألوان الثمار معرض بديع للألوان يعجز عن إبداع جانب منه جميع الرسامين في
стр. 97
جميع الأجيال، فما من نوع من الثمار يماثل لونه لون نوع آخر، بل ما من ثمرة واحدة يماثل لونها لون أخواتها من النوع الواحد، فعند التدقيق في أي ثمرتين أختين يبدو شيء من اختلاف اللون.
ثم يلفت القرآن أنظار العباد إلى ألوان الجبال، ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، بل إن فيها أحيانا ما يكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك، حتى ما تكاد تفرق من الثمار صغيرها وكبيرها.
والجدد الطرائق والشعاب، وهذه الطرائق والشعاب منها البيض ومنها الحمر، والبيض مختلف ألوانها فيما بينها، والجدد الحمر مختلف ألوانها فيما بينها، مختلف في درجة اللون والتظليل، والألوان الأخرى متداخلة فيه، وهناك جدد غرابيب سود، حالكة شديدة السواد.
ثم يلفت القرآن أنظار العباد إلى ألوان الناس، وهي لا تقف عند الألوان المتميزة العامة لأجناس البشر، فكل فرد بعد ذلك متميز اللون بين بني جنسه، بل متميز من توأمه الذي يشاركه حملًا واحدًا في بطن واحدة. (١)
ويوجه أنظارنا إلى ألوان الدواب والأنعام أيضًا، وألوانها مختلفة كذلك، ثمَّ يربط بين الذين ينظرون في هذا الخلق ويعتبرون وبين الذين يخشون الله، فيقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
العلماء الذين يعلمون أنه هذا الصنع الغريب العجيب هو صنع إله حكيم، فيستدلون بالصنعة على الصانع، وبالخلق على الخالق، وبما يجدونه في الصنعة والصنع على الحكمة والعلم والقدرة، فعند ذلك تلقى المهابة في قلوبهم، ويعظم قدر الله في نفوسهم، فيتوجهون إليه وحده، راغبين راهبين، ولكنَّ الذين
стр. 98
يحققون هذا على الوجه الصحيح إنما هم العلماء الموحدون المؤمنون بالله.
قرأ عناية الله هذه الآية مترجمًا لها باللغة الإنجليزية موضحا لمعانيا، فإذا بالسير جيمس يصرخ عندما سمعها قائلًا:
ماذا قلت؟ إنما يخشى الله من عباده العلماء! ! مدهش .. ! غريب .. ! عجيب جدًّا .. ! ! من الذي أخبر محمدًا بالأمر الذي لم يكشف عنه إلا بعد دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة! ! لو كان الأمر كذلك، فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحى به من عند الله .. ، لقد كان محمد أميًّا، ولا يمكنه أن يكشف هذا السرّ بنفسه، ولكنَّ "الله" هو الذي أخبره بهذا السرّ، مدهش ... غريب ... عجيب جدا! ! (١)
المَبحث الخامس شبهات حول إثبات وجود الله ﵎
لم يزل الملحدون يعللون نشوء الكون ووجود الحياة بتعليلات فاسدة، ومع ذلك فإنهم يطلقون على تلك التعليلات اسم المنهج العلمي، والعلم مما يقولونه براء، وقد أثبت العلم بطلان بعض هذه النظريات الفاسدة، وسكتت الألسن التي كانت تزعم أنها جاءت بجديد، فمن ذلك نظرية التولد الذاتي، حيث زعموا أن الأشياء تخلق خلقًا ذاتيًّا لا يحتاج إلى خالق، بدليل ظهور الديدان في الطعام الفاسد، وعلى البراز، ثم تبين لهم خطأ مقالتهم هذه، فالديدان بويضات خرجت
стр. 99
إلى الحياة عند وجود الجو المناسب، ولذلك فإننا عندما نغلي الطعام، ثم نحفظه في المعلبات لا تفسد بعد ذلك.
وزعموا أن الخلق تطور في رحلة طويلة وأن أصله خلية وجدت من تفاعلات معينة، وهذه هي التي تسمى بنظرية التطور، وقد أصبحت هذه النظرية اليوم واضحة البطلان، ظاهرة الفساد، وتبين للعلماء أنه لا يمكن الأخذ بها.
وقالوا أيضًا: الطبيعة هي الخالق، ولكن هذه المقالة تتهاوى في مجال الحوار والنقاش، فإذا سألت هؤلاء عن الطبيعة، فإن الجواب يكون: الطبيعة هي الكون، أو السنن التي تحكم الكون، أو هي قوة وراء الكون، فإذا كانت الطبيعة هي الكون، فمعنى ذلك أن الشيء يخلق نفسه، وقد تبين لنا بطلان هذا القول، وإذا كانت هي النظم والقوانين التي تحكم الكون، فإن هذا ليس بجواب، لأن السؤال لا يزال قائمًا، فالسؤال عن الكون المشهود، أي بسننه القائمة به، وإذا كانت الطبيعة قوة وراء الكون، فالجواب صحيح، ولكن هذه القوة اسمها "الله" لا "الطبيعة".
وقال بعضهم بنظرية المصادفة، أي أنا الخلق وجد هكذا بالمصادفة، ولقد اصبحت المصادفة اليوم نظرية تسمى بنظرية الاحتمالات، وهذه النظرية تدل دلالة جازمة على أن الكون لم يخلق صدفة، يدلك على هذا أن احتمال إخراج عشرة أوراق مرقمة ترقيمًا متسلسلًا من كيس إخراجًا مرتبًا هو واحد إلى عشرة بلايين، فهذا الخلق المحكم المنظم المنسق المنسجم الذي إذا اختل شيء فيه يحصل فساد عجيب- لا يمكن أن يوجد بطريق المصادفة، والاحتمال في ذلك لا يمكن أن يحسب بالأرقام.
إن الدول الشيوعية التي تزعم العلمانية تتراجع في كل يوم مع تقدم العلم، ولا
стр. 100
تجد في العلم سندًا، بل العلم ينفي الإلحاد ويوجه إلى الإيمان، وصدق الله ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].
стр. 101
الفصل الثالث الملائكة والجن
لا يزال البشر ينظرون في هذا الكون متسائلين: هل هناك عوالم حيّة عاقلة غير عالم البشر، ومع تقدم العلم، واختراع الوسائل التي تمكن الإنسان من البحث والنظر -زادت الرغبة عند الإنسان في اكتشاف المجهول، فلم يكتف بالبحث في آفاق الأرض، بل انطلق إلى الفضاء، وحط رحاله فوق ظهر القمر، وأرسل مراكبه إلى كواكب بعيدة، يرتاد الفضاء رغبة في أن يعلم ما لم يكن يعلم.
وقد أعلمنا الله عن وجود عالمين من عوالم الغيب، وهما عالمان حيَّان عاقلان، الأول: عالم الملائكة: وقد حدثنا الله طويلًا عنهم في كتابه، حدثنا عنهم الرسول ﷺ فأصبحنا نعرف شيئًا كثيرًا عن أصلهم وقدراتهم وأعمالهم وصفاتهم، بل إننا نعرف أسماء بعضهم، ونستطيع أن نستخلص من الكتاب والسنة خلاصة وافية عنهم، فهم خلق كريم طيب، خلقهم الله لعبادته وطاعته، وهم يديمون عبادة الله، يسيحون الليل والنهار لا يفترون، ولهم قدرات هائلة في الحركة والعمل، وقد وكل الله إليهم القيام على أمر الكون، فمنهم ملائكة مختصة بالسحاب، وملائكة بالنبات، وآخرون موكلون بالإنسان، لحفظه وحفظ أعماله، ومنهم سفراء الله إلى رسله من البشر وهناك خزنة الجنة وخزنة النار وعددهم كثير لا يحصيه إلا الذي خلقهم، وهم أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع.
стр. 102
والإيمان بهم يقتضي الإيمان بوجودهم، والإيمان بمن أعلمنا اسمه منهم، والإيمان بما علمنا الله من صفاتهم كصفة جبريل، والإيمان بما أعلمنا الله من أعمالهم.
الثاني عالم الجن: وهم عالم مفكر حي عاقل، خلقهم الله للمهمة التي خلق الإنسان من أجلها، وهي عبادة الله وحده ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقد جاءَتهم الرسل، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤].
خلقهم الله من نار ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧].
وإبليس من الجن ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
وقد كان في أول أمره صالحا يعبد الله مع ملائكة السماء، ثم أمره الله كما أمر الملائكة بالسجود لآدم حين نفخ فيه الروح، فأبى، فطرده الله من رحمته وجنته، وغضب عليه ولعنه، فحقد على آدم وذريته، وأخذ على نفسه العهد أن يضل بني آدم، وقد زين لآدم وزوجه الأكل من الشجرة التي حرم الله عليه أن يأكل منها في الجنة، فأهبطه الله إلى الأرض، ولا تزال المعركة قائمة بيننا وبين الشيطان، وكل الفساد الذي وقع في الأرض من الشيطان، وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتاب آمرا بطاعته، واتباع شرعه، ومحذرًا من إتباع الشيطان ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ [النور: ٢١].
стр. 103
﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
وقد فصل لنا القرآن الحديث عنه، وبين أهدافه ووسائله، كما بين لنا طريق الخلاص منه. (١)
والجن لهم قدرات في الحركة والعمل حدثنا القرآن بشيء ما، ولكنهم في الوقت نفسه ضعفاء ﴿إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦].
وليس لهم سلطان على عباد الله المخلصين، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
ولا تزال الشياطين تضل الناس بطرق مختلفة، وهناك أحداث ووقائع لا يمكن أن تُفَسَّر ما لم يصدق المرء بوجود الجن والشياطين، والمكذبون بوجودهم يحتارون في تعليل تلك الأحداث.
والجن كالملائكة يروننا من حيث لا نراهم، وهم يسكنون معنا في عالمنا الأرض، ولكننا لم نعط القدرة على رؤيتهم على الرغم من تقدمنا اليوم في فن الاتصال السلكي واللاسلكي.
وكثير من البشر ضلوا في شأن الملائكة والجن، فمنهم من أنكر وجودهم، ومنهم من اعتقد فيهم عقائد فاسدة، فقد زعم الكفرة المشركون أن الملائكة إناث، وقالوا هم بنات الله، تعالى الله عما يقولون ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٣].
стр. 104
وقال الكفار إن الله تزوج من الجن، تعالى الله عن مقالتهم ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].
وضلال البشر في هذا كثير، والحمد لله على هداية الإسلام.
стр. 105
الفصل الرابع الكتب السّماوية
يعظم الكتاب بعظم كاتبه، وأعظم الكتب على الإطلاق الكتب المنزلة من عند الله، على رسل الله، فهي الكتب الخالصة المبرأة من العيوب، السليمة من الاختلاف، الداعية إلى الهدى، المعرفة بالله، المبينة لحدوده، الشارحة لمراده من خلقه، وهي نور كلها، وحق كلها، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
وآخر الكتب نزولًا هو القرآن الكريم، وهو كتاب محفوظ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢].
أمّا الكتب السماوية الأخرى فبعضها ضاع ولا يُعْرَف له وجود اليوم كصحف إبراهيم وبعضها موجود، ولكنه محرف أدخل فيه ما ليس منه كالتوارة والانجيل والزبور.
والإيمان بالكتب السماوية يقتضي التصديق بكل ما أخبرنا الله به منها، وذلك بالجزم بأنها بن عند الله ﵎ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَينَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦].
стр. 106
أمّا العمل فكل أمة تعمل بكتابها، وهذه الأمة تعمل بالقرآن الذي تضمن خلاصة التعاليم الإلهية، ولا يجوز العمل بالشرائع المنسوخة ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨].
وليس معنى ذلك أن الشرائع السماوية مختلفة فيما بينها اختلافًا كليًّا، فهناك مواضع اتفاق، ومواضع اختلاف، والمجال هنا لا يتسع للتفصيل. (١).
стр. 107
الفصل الخامس الأنبياء والرسل
المَبحَث الأول منزلة الأنبياء والرسل
الرسل والأنبياء هم الكملة من البشر الذين اختارهم الله واصطفاهم ليكونوا سفراءه إلى خلقه، يتحملون وحيه وتعاليمه وشرائعه، ويبلغون عنه، وهم وحدة واحدة، كلهم يدعو إلى الله، ويعلن العبودية والولاء لجلاله، وهم يمثلون في التاريخ الإنساني المسار الصحيح للبشرية، وهم الشموس والأقمار التي كانت تشرق فتضيء للناس الظلمات، وتخرجهم إلى النور، وهم كثير كثير، فما من أمة إلا خلا فيها نذير، وقد أبلغهم الله وحيه بطرق مختلفة، منهم من كلمه الله، ومنهم من أرسل إليه ملكا، والملك كان يأتي الرسول بطرق مختلفة ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
ومن المكلمين نبي الله موسى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
والملك كان يأتي رسولنا ﷺ في صورته التي خلقه الله عليها، وأحيانا يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وأحيانًا يتمثل له الملك رجلًا فيكلمه.
والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
الأول: التصديق بأن الله أرسلهم فمن كفر برسالة واحد منهم كفر.
стр. 108
الثاني: الإيمان بمن أعلمنا الله بهم بأسمائه، ومن لم يعلمنا بأسمائهم آمنا بهم إجمالًا.
الثالث: التصديق بما صح من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ .
المبَحَث الثاني وظائف الرسل
للأنبياء والرسل وظائف كثيرة منها:
١ - البلاغ المبين: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].
٢ - الدعوة إلى الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
٣ - التبشير والإنذار: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦].
٤ - إصلاح النفوس وتزكيتها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
٥ - تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائغة: فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ ، بل الرسل جميعًا أنكَروا على قومهم عبادة الأصنام والأوثان والنجوم والكواكب، وكل رسول وجد في قومه انحرافًا أنكره عليهم.
٦ - إقامة الحجة: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
стр. 109
٧ - سياسة الأمة: ففي الحديث: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، قام نبي (١) "، وقد كان داود خليفة في الأرض يحكم بين الناس بالعدل ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦].
ونبينا محمد ﷺ مأمور بالحكم كذلك ﴿فَاحْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨].
المبحث الثالث أدلَّة صدق الرسُول
لم يرسل الله رسولًا إلا وأقام الأدلة الدالة على صدقه، ومن هذه الأدلة حال الرسل وسيرتهم في قومهم، فكل رسول كان مثالًا في قومه في الصدق والأمانة وقول الحق، ومنها تأييد الله لهم ونصرهم على أعدائهم.
ومن ذلك الآيات البينات التي يسميها علماء التوحيد المعجزات، فقد كان يؤتى كل رسول آية باهرة تدل على صدقه، ومن ذلك أن إبراهيم ألقي في النار فكانت عليه بردًا وسلامًا، وأعطي موسى تسع آيات بينات فكان يلقي عصاه فتتحول إلى ثعبان مبين، وينزع يده من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين، وأرسل على الذين كذبوه الجراد والقمل والضفادع والدم آيات بينات، وآتى صالحًا الناقة آية مبصرة، حيث أخرج الله لقومه ناقه عشراء من صخرة صماء كما طلبوا، وكان عيسىى ﵇ يحيى الموتى، ويشفي الأبرص والأقرع والأعمي بإذن الله، ويصنع من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله.
إعجاز القرآن:
وآتى نبينا محمدًا ﷺ كثيرًا من الآيات البينات، فمن ذلك
стр. 110
انشقاق القمر فلقتين، ومن ذلك تسبيح الحصى في يده، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثيره الطعام القليل حتى يكفى الجمع الكثير، وأعظم ما آتاه الله هذا القرآن، والقرآن العظيم آية عظيمة، تخاطب القلوب والعقول، وهو آية دائمة باقية إلى يوم القيامة، وقد تحدى الرسول ﷺ قومه، وهم الفصحاء البلغاء، بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بمثل سورة منه، فعجزوا ولم يستطيعوا ذلك، هذا مع شدّة الخصومة، التي تدفعهم إلى معارضة القرآن لإبطال هذا الدين، ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا.
وإذا كان العرب قد عجزوا عن الإتيان بمثل هذا القرآن فغيرهم أعجز، ذلك أن العرب الذين أنزل فيهم القرآن هم ملوك الفصاحة والبلاغة، والتاريخ شاهد على أن القرآن آية معجزة، فلم يأت من يزعم أنه أتى بمثل القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢].
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤].
القرآن نمط جديد من الإعجاز:
القرآن آية فريدة بين آيات الرسل جميعًا، إذ هي آية باقية دائمة خالدة، لا تزول بوفاة من نزلت عليه، كما هو الحال بالنسبة للرسل السابقين، وهي آية تخاطب العقول والقلوب، كما تخاطب فطره الإنسان عبر الزمِان والمكان، لقد كانت معجزته الوحي المتلو: القرآن، ، يقول الرسول ﷺ : "ما من الأنبياء من