Полный текст (7 187 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
المشترط في هذا الفساد فلا شيء للغارس من الأرض كما لا يكون له شيء في صحة العقد وله حكم الجعل في صحته وفساده وإن بطل بعد بلوغه الإثمار أو ما شرطا من الشباب فقد وجب للغارس نصف الأرض بقيمتها يوم قبضها وله على رب الأرض قيمة غراسه يوم تم وبلغ ويكون ذهاب الغرس منهما. وقاله لي كله مطرف. وقاله أصبغ ورواه عن ابن القاسم على أنه قد اختلف فيه قوله وهذا أحسنه.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا اشترط أن الشجر إذا بلغت قدرا معلوما فالثمرة خاصة بينهما لم يجز. قال أصبغ: فإن نزل وتم ذلك فالأرض والشجر لرب الأرض وللعامل قدر سقيه وعلاجه، وإن نظر في ذلك قبل أن يثمر وقيل ينتفع بها رب الأرض فالشجر للعامل؛ فإن شاء رب الأرض أعطاه قيمتها مقلوعة أو أمره بقلعها. ولم يعجبنا هذا ووجدنا لابن القاسم أن الشجر والتمر للعامل ويرد عليه رب الأرض ما أخذ من الثمرة ويكون له كراء أرضه لما مضى ثم لرب الأرض أن يعطيه قيمة الشجر مقلوعة أو يأمره بقلعها. وقال ابن حبيب: وإذا تعاملا على أن الثمرة بينهما ما أقامت الشجرة، فإذا هلكت فلا شيء للعامل في الأرض أو على أن الشجر [دون الأرض] بينهما لم يجز، وفسخ ذلك متى عثر عليه وردت الأرض بالشجر والغلة إلى رب الأرض وعليه للغارس الأقل / من قيمة عمله نباتا يوم فرغ منه، وتم أو نفقته التي أنفق وثمن الغرس الذي غرس وله مع ذلك أجرة يده في قيامه بالشجر إذا رجعت الثمرة إلى رب الأرض، وإن بطلب الشجر بعد تمامها وبلوغها قبل ينظر بينهما فقال مطرف، وابن الماجشون: فليس للعامل فيها قيمة ما عمل ولا رد ما أنفق، لأنه لم يخرج من يده شيئا فيعوض منه وإنما غرس على أن له ثمرة غرسه بعينه، وإن كان غررا فلا شيء له إذا ذهب ولو عومل على
[٧/ ٣٩٣]
стр. 3467
غرر من غيره لأعطي قيمة عمله ذهب أو بقي ويرد ما أخذ من الغرر إن أخذ منه شيئا ويمضي الغلة لمن اغتلها قبل ذهاب الشجر اغتلاها جميعا أو الغارس وحده ولا ينظر بينهما في شيء إذا ذهب الغرس من الذي تعاملا عليه وفات موضع تصحيحه بالقيمة كما ينظر فيما ذكرنا قبل هذا. وقال أصبغ: إذا ذهب قبل الحكم وقد كان تم وفرغ فلا بد أن يعطي العامل قيمة عمله يوم تم قائما غير ذاهب كشراء بثمن فاسد ثم فات، وفواته الفراغ منه فلزمته القيمة يومئذ والغلة كلها لرب الأرض. وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلي وإنما تكون حجة أصبغ في المسألة الأولى الذي أعطاه في ذلك نصف الأرض ثمنا لغراسه النصف الآخر فإذا غرسه وجب له ما أعطى وصار ما فرغ لرب الأرض صحيحة كانت معاملتهما أو فاسدة وأما إذا لم يعطه على غراسته، الأرض شيئا فلا شيء للغارس في غراسه إلا إذا أخرج من يده فيعطي قيمته، فأما إذا ذهب قبل ذلك فلا شيء له. / ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن أعطى أرضه لرلج يغرسها ووجل خمس عشرة سنة؛ السنة الأولى للداخل والثانية بعدها كراؤها أربعون دينارا كل سنة وعليه خم العين وبناء جدرانها ومرمتها فهذا لا يجوز وهو غرر ولا خير في أن يعطيه الأرض ويقول: فما أحييت فيها من نخل أو بقل أو زرع بيننا وإنما يجوز هذا في الأصول.
ومن العتبية روى حسين بن عاصم [عن ابن القاسم]: فإما إذا فسدت المغارسة مثل أن يغارسه على النصف ولم يذكر شيئا ما ينتهي إليه ولا قدرا معلوما فهذا فاسد وكذلك إلى أجل يثمر دونه، فإذا فات مثل هذا بالغرس فليقسم الغرس بينهما نصفين ويلزم العامل نصف الأرض بقيمته يوم قبضها براحا لأنه اشتراها شراء فاسد فأفاتها بالغرس وهذا نخو ما ذكر ابن حبيب في فساد
[٧/ ٣٩٤]
стр. 3468
المعاملة عنده. قال حسين بن عاصم: وكما لو أعطاه أرضه أيام القليب يحرثها ويبنيها ثم يزرعها أيام الزرع والزريعة بينهما والأرض غير مأمونة فذلك فاسد، فإن فاتت بالحرث فهو فوت وتقسم الأرض بينهما فكون العامل نصفها يلزمه إن رويت تلك السنة كراء مثلها، ويرجع على ربها في النصف الآخر بقيمة حرثه وقليبه عطشت أو رويت. قال ابن القاسم في المغارسة الفاسدة: وإذا أثمرت الشجر واغتلاها زمانا فما اغتل العامل في نصفه الذي ألزمناه قيمته ولا كراء عليه فيه والنصف الآخر كأنه ربه أكراه بثمره لم يبد صلاحها فيرد تلك الثمرة التي قبض إلى العامل ويأخذ منه كراء نصف الأرض / خالية من الغرس يوم اغتلها.
قال أبو محمد: وهذا خلاف ما ذكر ابن حبيب قال سحنون: بل تكون غلة جميع الأرض لربها ويرده عليه العامل وله على رب الأرض قيمة غرسه إن كان له قيمة وأجر عمل مثله ولو جعلت له التمر كان بيع التمر قبل بدو صلاحه.
قال حسين: قال ابن القاسم: وإن أخذها على شباب معلوم وحد يبلغه على أن يعمل لرب الأرض في نصفه سنين معلومة بعد القسم، فإن كان عمل النصف معروفا محدودا مضمونا على العامل [عاش أو مات فذلك] جائز، وإن كان عمل يده بعينه لم يجز وهو خطر. قال سحنون: هذا خطأ؛ لأنه جعل وبيع ويصنع في هذا ما وصفت لك في أول المسألة والذي أنكر سحنون هو الذي أجاز ابن حبيب قبل هذا عن مطرف. قال ابن القاسم: وإن جرى هذا على ما قلنا من الفساد واغتل الشجر زمانا ثم بطل الغرس فلا يبطل عن العامل ما لزمه من نصف قيمة الأرض يوم قبضها وله غلة جميع الشجر وعليه قيمة كراء نصف الأرض يوم اغتلها وله على رب الأرض قيمة عمله في نصفه إلى أن يبلغ الشباب الذي شرطا ولو هلك الغرس قبل يبلغ الشباب المشترط فلا أجر له فيه كالجعل في حافر القبر لا يجب إلا بتمامه. قال سحنون: الغلة كلها لرب الأرض ويرد
[٧/ ٣٩٥]
стр. 3469
العامل ما أخذ منها وله أجر مثله وكما ليس له شيء إذا لم ينبت الغرس فكذلك نبت لا يكون له في الأرض شيء ولا في التمر. وروى مثله عيسى عن ابن القاسم وكذلك روى عنه غير ذلك مما سنذكره /. قال عيسى: إذا عقدا مغارسة فاسدة مثل أن يذكرا شبابا فيكون التمر قبله أو على أن يكون على كل واحد من العمل أكثر من ما له من الغرس والأرض أو غير ذلك من الفساد إلا أن فيه للعامل من الأرض والغرس سهما مسمى، فإن أدرك هذا قبل الغرس فسخ، فإن فات بالغرس فسخت المعاملة وقسمت الأرض والشجر بينهما على ما شرطها وعلى العامل لرب الأرض قيمة ما صار له منها براحا كأنه ابتاعه بفساد ففات بالغرس وما صار من الأرض لرب الأرض فاختلف فيه؛ فقال ابن القاسم: يكون لرب الأرض على الداخل كراء جميع الأرض وله جميع الثمن ثم إن شاء رب الأرض أعطاه قيمة الغرس [مقلوعا] أو أمره بقلعه لفساد المزارعة على البذر والعمل من عند العامل ثم بلغني عنه أنه قال: يقسم الأرض والشجر بينهما وعلى العامل نصف قيمة الأرض براحا يوم أخذه وعليه كراء ما صار لرب الأرض من الأرض ويرد رب الأرض إلى العامل كل ما اغتل ويعطيه قيمة ما صار له من الغرس مثبتا. ثم كتبت فيه إلى ابن القاسم فكتب إلي: يقسم الأرض بينهما على ما شرطا وعلى العامل نصف قيمة نصف الأرض براحا لرب الأرض وللعامل عليه قيمة الغرس الذي في نصيبه مثبتا يوم الشرط أو قيمته يوم عثر عليه قبل أن يطعم أو بعد وما اغتله فبينهما وعلى رب الأرض للعامل قيمة الغرس يوم يحكم فيه. قال عيسى: وهذا الذي كتب به إلي أحب إلي. قال أبو محمد: وهو نحو ما قاله ابن حبيب. قال عيسى: وما صار للعامل في نصيبه من الأرض فهو له ذهب / الغرس أو بقي ولو ذهب العرس قبل النظر بينهما فإنه ينظر بينهما على ما وصفنا ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بفضل ما كان له. روى عيسى أيضا عن ابن القاسم أن جميع الثمر لرب الأرض وللعامل أجر مثله في كل ما عمل ولا شيء له في الأرض. وهذا
[٧/ ٣٩٦]
стр. 3470
قول سحنون. قال عيسى عن ابن القاسم: وأما إن لم يشترطا أن الأرض بينهما ولكن شرطا أن الثمرة فقط بينهما ما بقي الأصل فهذا فاسد وتكون جميع الغلة للعامل ويرد رب الأرض إليه ما أخذ منها إن كان ثمرا بالمكيلة، أو رطبا بالقيمة ويأخذ من العامل كراء الأرض من حين أخذها منه وليس من حين أثمرت والشجر لرب الأرض إلا أن يعطيه قيمة الغرس مقلوعا أو يأمره بقلعه. وكذلك روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم إلا أنه قال: وعلى العامل كراؤها من يوم وضع فيها الغرس إلى يوم ينظر في أمرها كراء ما نقدا بعده في التشاحح فيها. وكذلك روى عنه حسين بن عاصم في شرطها أن الثمرة بينهما ما بقيت الأصول أو على أن الأصول وحدها بينهما. وقال سحنون في هذا: الغلة كلها لرب الأرض وللعامل عليه أجر مثله قال ابن القاسم: فإن ذهبت الشجر وبقيت الأرض براحا فالثمرة كما قلنا للعامل وعليه كراء الأرض من يوم اغتلها ولا شيء له على رب الأرض فيما هلك من الغرس قيمة ولا عملا؛ لأنه كان في ضمان العامل لا في ضمان رب الأرض. وفي المسألة التي قبل هذا إنما كان نصف الغرس الذي بطل بعد أن بلغ / الشباب والقدر كان لرب الأرض لا للغارس فبذلك رجع عليه بقيمة عمله فيه.
قال سحنون: الغلة لرب الأرض ويعطي العامل أجر مثله.
في الكراء على المغارسة ومغارسة
بصل الزعفران
من كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ومن أكرى أرضه أو أعارها عشر سنين على أن يغرسها شجرا على أن ثمرها في هذه المدة للغارس ثم يسلم ذلك إلى رب الأرض لم يجز؛ لأنه لا يدري كيف يكون الشجر؟ وهل يسلم إلى المدة؟ وقال أشهب: ذلك جائز إذا سمى مقدار المسجد وهو كالبينان ولا يدري كيف
[٧/ ٣٩٧]
стр. 3471
يصير البنيان؟ قال ابن القاسم: ليس بسواء وهو لا يدري ما يسلم من الشجر؟ قال ابن المواز: هذا لا يجوز وليس كمن اشترط أشجارا يضمنها يدفعها إلى عشر سنين ويسمى قدرها ومبلغ صفتها ما يعرف به حتى لو اشتراها بالعين لجاز وليس كالمغارسة التي من باب الجعل. وكره ابن القاسم الأول؛ لأنه كراء ثابت ـ يريد ولا يكون بشيء مضمون معروف إلى أجل مسمى، فأما على وجه الجعل الذي لا يلزم العامل فلا يصلح إلا في الأمر القريب. قيل لمالك: فبصل الزعفران أيعطي على مثل ذلك وهو يقيم سبع سنين ونحوها؟ فلم يجزه.
وقال: هذا بمنزلة الثمر وليس كالأصل ولا يجوز إلا بما يجوز به اكتراء الأرض.
وكذلك في العتبية من سماع ابن القاسم.
في المغارسة على
أن يضرب على الحائط بجدار أو زرب
ومن العتبية / قال أصبغ: وإذا غارسه أرضه على أن يضرب هو لها جدارا أو يزربه زربا أو يحفر سياجا على أن يغرسها شجرا، فإذا بلغت حدا ذكراه، كانت الأرض والشجر بينهما والزرب والجدار وكان ذلك [لأنه يخاف ألا يتم الغرس] إلا بهذا التحظير لكثرة المواشي ومرور الناس أن يخاف ذلك، فإن كان مؤنة ذلك يسيرة فهو جائز، وإن كانت كثيرة لم يجز وهذا مثل ما يستحق شرطه في المساقاة وما لا يستحق شرطه.
[٧/ ٣٩٨]
стр. 3472
في المغارس يعجز
من العتبية قال أصبغ فيمن أعطى أرضه مغارسة على النصف فغرس بعضها أو جلها فلم يتم العمل الذي شرطا حتى عجز العامل أو غاب فأدخل رب الأرض في الغرس من قام به وعمل ما بقي منه أو عمله رب الأرض بنفسه ثم قدم العامل فقام في ذلك قال: يكون على حقه إذا قدم، وكذلك إن كان حاضرا لم يسلم ولم ير أنه ترك ذلك ورضي بالخروج منه وهو على حقه ويعطى الذي عمل وأتمه قدر ما كفاه بغير شرط مما لو وليه هو لزمه مثله.
في الدعوى في المغارسة
من العتبية روى حسين بن عاصم عن ابن القاسم فيمن غارس أرضه على النصف ولم يذكر الأرض والشجر فقال العامل: عاملتك على أن لي نصف الأرض بغرسها. وقال رب الأرض: على أن الثمرة وحدها بيننا أو: على أن الشجر وحدها بيننا. قال: إن كان للبلد سنة / حملوا على قول من ادعاها ـ يريد مما يجوز أو لا يجوز ـ ويقضى فيما لا يجوز بما ينبغي مما تقدم. قال: وإن كان البلد يعملون على الوجهين فليصدق مدعي الحلال وهو العامل. قال أبو زيد عنه: إن كان الغالب عمل أهل ذلك البلد ما ادعى مدعي الحلال فهو على ما قال، فإن لم تثمر كلف العامل القلعغ إلا أن يعطه رب الأرض قيمة الشجر مقلوعة ولا شيء له في عمله، وإن أثمرت فالثمرة للعامل وعليه كراء الأرض من يوم أثمرت النخل، وإن كان عمل أهل البلد على الحلال سلك بما مسلكه، وإن كانوا يعملون له الأمرين تحالف هذان وفسخ الأمر بينهما.
[٧/ ٣٩٩]
стр. 3473
في المعاملة في الأرحية وشيء من
ذكر المغارسة
من كتاب ابن سحنون عن أبيه قال: والذي يجوز من المعاملة في الأرحية أن تدفع أرضك إلى رجل يبني فيها رحى بصفة معلومة وأداتها وكل ما تحتاج إليه ـ يريد وذلك معلوم ـ فإذا تمت وطحنت فله نصفها أو ثلثها أو ما رضيا به بجزئه ذلك من الأرض يكون بينهما ذلك ساعة يتم ـ يريد وذلك من ناحية الجعل جائز. قال: ثم يكون العمل في المستقبل وجميع ما تقوم به الرحى عليكم بقد ما لكما فيها وإنما ذلك على أنها إذا تمت صارت بينهما ساعة تتم ثم إن شاءا اقتسما إن كانت مما ينقسم، وإن شاءا باعا أو وهبا أو من شاء منهما لا منع للآخر عليه في ذلك فهذا الجائز ويصير كأنه باع منه نصف الأرض بنصف ما عمل ويصير بينهما ولو تعاملا / على ما ذكرنا وعلى أن على العامل إصلاح سد الرحى ومرمتها أو بعضه ما بقيت ولم يجز، فإن فات بالبناء فعلى العامل نصف قيمة الأرض بغير شرط وله على رب الأرض نصف قيمة ما بنى وأصلح ويزول شرط الإصلاح وتصير الرحى بينهما وعليهما إصلاحها، وإن لم يعثر على ذلك حتى طحنت زمانا فإنها من يوم طحنت بينهما، وإن كان العامل هو يلي الطحين فيها للناس فله الغلة وعليه لشريكه كراء نصفها بينهما ورحاها وجميع أمرها ويأتنفان في أمرها ما أحبا، ولو كانت المرمة من عند رب الأرض فالجواب سواء، فإن كان هو العامل في الرحى فالغلة له وعليه [إجارة نصف الرحى للآخر، فإن متولي العمل فيها الذي بناها فالغلة له وعليه] كراء نصفها للآخر. قال غيره وإذا تعاملا على أن الداخل يبني فيها ولم يصفا البناء لم يجز، فإن فات ذلك بالبناء أو بأكثره مما في فسخه ضرر فقد فات الرد ويصير بينهما ويتراجعان بالقيم فلهذا قيمة نصف أرضه وعليه للآخر نصف قيمة ما بنى وعمل وتبقى بينهما على ما هي يومئذ فرغت أو لم تفرغ وهي مجاعلة فاسدة كالمغارسة الفاسدة يغارس.
[٧/ ٤٠٠]
стр. 3474
أرضه على أن تكون بينهما ولم يسميا للغرس قدرا ولا أجلا أو شرطا ما تسفد به من أن يكون بينهما بعد الإطعام أو إلى مدة بعيدة أو شرط زيادة نفع أو سلف مما تفسد به، فإن لم تفسخ حتى فاتت بالغرس للجميع أو لما له البال منه فهو فوت ويصير الجميع / بينهما وعلى الغارس نصف قيمة الأرض لربها ويأخذ منه نصف قيمة الغرس ثم يبقى الجميع بينهما يفعلان فيه ما أحبا وما أغلا بعد ذلك فبينهما، وإن ولي العمل في الرحى أحدهما كمن عمل شيئا على أن له فيه جزءا ولرب الشيء جزءا فيكون العمل للعامل وعليه كراء المستقبل كما أن العبرة في الغراس بعد اليم بينهما غير أن على مستهلكها مثلها وله حصة ما سقى وعالج. قال سحنون: وقد قيل: إن الغرس لرب الأرض وليس عليه للآخر إلا قيمة عمله ويرد مكيلة ما جنى من الثمرة ولا شيء له في الأرض ولا في الغرس. وقال سحنون: فإن أعطاه أرضه يغرسها شجرا فإذا بلغت وأطعمت فالثمرة خاصة بينهما أبدا فعملا على هذا وفات فإن للعامل أجر مثله فيما عمل وعالج حتى بلغت الشجر الإطعام ثم هو فيما اغتل بعد ذلك من الثمرة على مساقاة مثله فيها في تلك السنين، فإن كانت مساقاة مثله على النصف لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء، وإن كانت على الثلث رجع عليه رب الأرض بسدس الثمرة، وإن كانت على الثلثين للعامل رجع هو على رب الأرض بالسدس ثم يفسخ العمل بينهما فيما بقي ولو كان على أن الثمرة بيننا سنين معلومة كان الأمر على ما ذكرنا من الإجارة إلى الإطعام ثم على مساقاة المثل في السنين الباقية غير أن هذا إن بقي من السنين شيء أتم إلى مدته إلى مساقاة المثل كالعرض على أن يبيعه ويعمل / بالثمن قراضا. . قال: ولو أعطاه الأرض يبني فيها رحى على صفة معلومة، فإذا تم كان ما أغلت بينه وبين العامل ولا يكون له في الرحى شيء فعملا على ذلك وفات فلا يكون لهذا في الأرض ولا في الرحى والبناء شيء إذا لم تقع المبايعة في شيء من الأصل وإنما اشترى منه بناءه وما يدخل فيه بما يكتسب فيها إذا فرغت، فإذا فات هذا بالعمل فالرحى بما فيها لرب الأرض وعليه للآخر قيمة البناء وما وضع فيها بقيمته حين تم.
[٧/ ٤٠١]
стр. 3475
النوادر والزيادات
على ما في المدونة من غيرها من الأمهات
لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد القيرواني
٣١٠ - ٣٨٦ هـ
تحقيق
الأستاذ محمد الأمين بوخبذة
محافظ الخزانة العامة بتطوان سابقا
المجلد الثامن
دار الغرب الإسلامي [٨/ ١]
стр. 3476
©١٩٩٩ دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامي
ص. ب ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر. [٨/ ٢]
стр. 3477
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عونك اللهم
الجزء الأول من كتاب آداب القضاء
في الإجابة إلى القضاء وطلبه والتخلف عنه وما يحذر فيه وما يتقي ومن أول من استقضي
قال الله ﵎: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تبع الهوى فيضلك عن سبيل الله). قال أبو محمد: حدثني أ؛ مد بن محمد بن زياد الأعرابي قال: حدثني أبو داود سليمان بن الأشعث قال: حدثنا بسر بن عمرالزهراني، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأعشى، عن المقبري، والأعرج عن أبي هريرة قال: من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين. ومن كتاب ابن سحنون: روى سحنون هذا الحديث عن ابن نافع، عن عثمان بن محمد، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله. [٨/ ٥]
стр. 3478
ومن كتاب ابن دواود حدثنا ابن الأعرابي: روى بريدة الأسلمي، عن النبي ﷺ ، قال: القضاة ثلاثة، واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق قدارى في الحكم فهو في النار، ورجل قضي في الناس على جهل فهو في النار.
ومنه: روى عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ ، قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب، فله أجران، فإذا حكم، فاجتهد فأخطأ، فله أجر.
ومنه: قال أبو مسعود: كان يكره التسرع إلى القضاء.
ومنه: روى أنس، أن/ النبي ﷺ ، قال: من طلب القضاء، واستعان عليه، وكل إليه، ومن لم يطلبه، ولم يستعن عليه، أنزل الله ملكا يسدده.
روى عنه أبو موسى الأشعري، فقال: لا نستعمل أو لن نستعمل على عملنا من أراده.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم قال مالك: بلغني أن عمر قال: لا يقوى على هذا الأمر أحد أخذه طائعا.
قال سحنون: أخبرنا ابن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة وحسرة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة. [٨/ ٦]
стр. 3479
وحدثني ابن غانم، عن مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ، الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين ولعامتهم.
قال مالك: كان مما يتحدث به الناس، أن النبي ﷺ قال: لا تسل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة تعن عليها، وإن أعطيتها عن مسئلة، توكل إليها.
ومن الواضحة: قال سليمان بن يسار: قال عمر ﵁: ليتني أنجو منها كفافا لا علي ولا لي.
وروى طاوس، عن حذيفة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: إن أععتى الناس على الله، وأبعض الناس إلى الله، وأبعد الناس من الله يوم القيامة، رجل ولاه الله من أمة محمد شيئا، فلم يعدل فيهم.
قال طاوس: شر الناس عند الله يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه/ثم أدخل عليه الجور في عدله، وخير الناس عند الله يوم القيامة إمام مقسط.
وروي أن النبي ﷺ ، قال: من ولى ولاية أحسن فيها أو أساء، أتى به يوم القيامةوقد غلت يمينه إلى عنقه. [٨/ ٧]
стр. 3480
وروى ابن القاسم، وابن وهب، أن مكحولا، قال: لو خيرت بين القضاء وبين العمى، لاخترت العمي، ولو خيرت بين القضاء وبين ضرب عنفي، لاخترت ضرب عنقي.
روى مالك، أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: لو علمت بمكان رجل هو أقوى على هذا الأمر مني، لكان أن أقدم فتضرب رقبتي أحب إلي من أن أليه، فمن وليه بعدي فليعلم أنه سيزيده عليه القريب والبعيد، وأيم الله إن كنت لأقاتل الناس عن نفسي.
وروى ابن شهاب، أن النبي ﷺ ، قال: ما من أحد أقرب إلى الله مجلسا يوم القيامة بعد ملك مصطفى، أو نبي مرسل، من إمام عدل، ولا أبعد من الله من من إمام جائر يأخذ بحبه. قال ابن حبيب: يعني يحكم بهواه.
قال قتادة: إن موسى ﵇، قال: يا رب ما أقل ما وضعت في الأرض؟ قال: العدل.
وروي عن النبي ﷺ ، أنه قال: إن أقارب الوالي لينحتون أمانته كما تنحت الأصطوانة، حتى يبدو قلبه.
وروى مكحول، عن النبي ﷺ ، قال: الولاية ملامة/، وأوسطها ندامة، وآخرها عذاب يوم القيامة، إلا من اتقى الله وعدل، وكيف يعدل الرجل مع قريبه. [٨/ ٨]
стр. 3481
قال مطرف: قال مالك: قال يحي بن سعيد: وليت قضاء الكوفة وأنا أرى أنه ليس على الأرض شيء من العلم إلا وقد سمعته؛ فأول مجلس جلسته للقضاء، اختصم إلى رجلان في شيء، ما سمعت فيه شيئا.
قال مطرف: قال مالك وكتب سلمان إلى أبي الدرداء: بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي؛ فإن كنت تبرئ فنعما لك، وإن كنت متطيبا، فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار. فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين، ثم أدبرا عنه، نظر إليهما، فقال: ارجعا إلى أعيدا علي قصتكما. متطيبا والله.
قال أبو قلابة: مثل القاضي العالم كالسابح في البحر، فكم عسى أن يسبح حتى يعرق! قال مطرف، عن مالك، قال: دعا عمر رجلا ليوليه فأبى، فجعل يريضه على الرضا ويأبى حتى قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أي ذلك تعلم خيرا لي؟ قال: أن لا تلي، قال فأعفني قال: قد فعلت.
قال مالك: قال لي عمر بن حسين: ما أدركت قاضيا استقضي بالمدينةإلا كاره القضاء، وكراهيته في وجهه.
وزاد في المجموعة: إلا قاضيين سماهما.
ومن الواضحة، والمجموعة، والعتبية، وكتاب ابن المواز: قال مالك: أول من استقضى معاوية، ولم يكن/ لرسول الله ﷺ ، ولا لأبي بكر، ولا لعمر، ولا لعثمان، ﵃، قاض بل كان الولاة هم الذين يقضون، وأنكر قول أهل العراق، إن عمر ﵁ استقضى شريحا، وقال: كيف يستقضي بالعراق، ولا يستقضي بالشام واليمن وغيرها كما قالوا؟ في العتبية: ومعاوية أول من جلس على المنبر، واستأذن الناس في ذلك، فقال: إني قد ثقلت. [٨/ ٩]
стр. 3482
وروى العلاء بن كثير، أن عمر بن الخطاب نظر إلى شاب في وفد قدم عليه، فاستحلاه عمر، فأعجبه، فإذا هو يسأله القضاء، فقال له عمر: كدت أن تغرنا بنفسك، إن الأمر لا يقوى عليه من يحبه.
قال مالك، في المجموعة: ومن عيب القاضي أنه إذا عزل لم يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه.
في صفة القاضي، ومن يستوصب القضاء والفتيا وذكر شرائطه وإذا امتنع أن يلي
من الواضحة قال الليث: قال عمر: لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا حصيف العقل، قليل الغزة، بعيد الهمة، لا يطلع الناس منه على عورة، ولا يخشى في الله لومة لائم. قال ابن شهاب: قال عمر: لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا الشديد في غير عنف، اللين في غير ضعف، الجواد في غير سرف، البخيل في غير وكف، وربما قال: الممسك في غير بخل.
ومن المجموعة، وكتاب ابن المواز، وابن سحنون، بمعنى واحد، قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز، لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خلال: حتى يكون ورعا، ويكون فقيها، ويكون حليما، عالما بما كان قبله من الأقضية. وقال ابن زياد وابن حبيب، ورواه مطرف، وابن الماجشون، عن مالك.
وروى مثله أشهب، في المجموعة، وقاله عن عمر، ويكون عالما بالفقه والسنة، ذا نزاهة عن الطمع، مستخفا باللائمة، حليما عن الخصم، مستشيرا لذوي الأمر.
قال ابن حبيب، في رواية أخرى عن عمر، زاد فيهما: عاقلا صارما.
ومن كتاب محمد بن عبد الحكم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بدمشق: أما بعد: فإني نظرت فلم أجد يصلح في الحكم إلا الرجل الجامع [٨/ ١٠]
стр. 3483
للفهم، العالم بأمر الله، القوي على أمر الناس، المستخف بسخطهم وملامتهم، ومن راقب الله، وكانت عقوبة الله أخوف في نفسه من أمر الناس، وهبه الله السلامة، فإن أهل الحق والبصيرة فيه، الملامة عنهم بطيئة.
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: وإذا كان الرجل العالم فقيرا، وهو أعلم من بالبلد وأرضاهم، اسحق القضاء، ولكن لا ينبغي أن يجلس حتى يغنى، ويقضى عنه دينه.
قال سحنون: ولا يستقضي ولد الزنى، ولا يحكم في الزنى،/ كما أن القاضي لا يحكم لابنه. وكذلك في المجموعة عنه، قال أشهب في المجموعة: وذكر مثله ابن حبيب، عن مطرف وابن الماجشون، وأصبغ، قالوا: لا يستقضي إلا من يؤمن به في عفافه، وصلاحه، وفهمه، وعلمه بالسنة والآثار، ووجه الفقه الذي يؤخذ منه الكلام، ولا يصلح أن يكون صاحب حديث لا فقه له، أو فقيه لا حديث عنده، ولا يفتي إلا من كان هذا وصفه، إلا أن يخبر بشيء سمعه، ولا ينبغي وإن كان صالحا عفيفا بعد أن لا يكون له علم بالقضاء أو يولي. قالوا في كتاب ابن حبيب: فإن ما يخاف من الجهل مثل ما يخاف من الجور، قال مالك: ولا أرى خصال العلماء تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع منها خصلتان في رجل، رأيت أن يولي: العلم والورع. قال في المجموعة ابن القاسم، عن مالك: لا يستقضي من ليس بفقيه.
قال ابن حبيب: فإن لم يكن للرجل علم وورع، فعل وورع، فإنه بالعقل يسأل، وبالورع يعف، فإذا طلب العلم وجده، وإن طلب العقل لم يجده.
وقال أصبغ: إذا لم يجد الامام إلا رجلين؛ أحدهما عدل مأمون، لا علم له بالقضاء والسنة، والآخر عالم، وليس مثل الآخر في العدالة، وإن كان العالم لا بأس بحاله وعفافه، وإن كان دون الآخر في ذلك، فليول هو، وإن كان غير مرضي ولا موثوق في عفافه وصلاحه، ولقلة تقارقه ما لا ينبغي، فلا يولي هذا ولا هذا، فإن لم يجد/ غير هذين، ولى العدل القصير العلم وليجتهد ويستشير، وقد [٨/ ١١]
стр. 3484
قال عمر ﵁: استشر في أمرك الذين يخشون الله. وإن وجد من يجمع العدل والعلم، فلا يولي غيره وإن لم يكن من أهل ذلك البلد.
ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم كره مالك أن يفتي الرجل حتى يستبحر في العلم، وقال: لا يفتي حتى يراه الناس أهلا للفتيا. قال سحنون: يريد: أهل النظر والمشورة والمعرفة، قال مالك: قال ابن هرمز، حتى يراه الناس أهلا للفتيا، ويرى هو نفسه أهلا لذلك.
قال مالك: قد كان الرجل يرحل إلى بلد في علم القضاء، وقال: علم القضاء ليس كغيره من العلم، ولم يكن ببلدنا أعلم من أبي بكر بن عبد الرحمن، أخذه من أبان، وأبان أخذه من أبيه عثمان، ﵁، قال ابن المواز: ولا ينبغي أن يستقضي إلا زكي، فهم، فطن، فقيه، متأن غير عجول.
ومن كتاب آخر، قال مالك: وكان عمر بن حسين، ممن يشاوره القضاة بالمدينة، قال في المجموعة: قال لي عمر بن حسين: ما أدركت قاضيا استقضى بالمدينة؛ إلا وكان القضاء وكراهيته في وجهه، إلا قاضيين سماها.
ومن كتاب آخر، قال: ولي بالكوفة قاض، فتخلف عنه بعض أصحابه، فلم يأته فعدله بعد ذلك، فقال لي: إن الأمر الذي صرت فيه لم أره عندك مصيبة فنعزيك، ولا هو عندي مكرمة فنهنيك.
ومن كتاب أصبغ: ولا بأس أن يولي القضاء محدود في زنى، أو في/ قرية، أو مقطوع في سرقة إذا كان في حال توبته اليوم مرضيا عدلا، وكان ذا علم، وليس هذا من ناحية الشهادات، وإن كانت شهادته لا تجوز في الزنى، فإن حكمه يجوز فيه، ألا ترى أن الحكام المسخوطين قد تجوز أحكامهم ما لم يحكموا بجور أو خطأ، ولا تجوز شهادتهم. قال أبو محمد: أعرف لسحنون: لا يولي المعتق القضاء خوفا أن تستحق رقبته، فتذهب أحكامهم. [٨/ ١٢]
стр. 3485
في الحكم بالعدل والاجتهاد وبماذا يقضي القاضي من الأصول والاجتهاد وفي مشورته للعلماء وفي شدته ولينه ورفقه وسياسته
قال الله تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) وقال ﵎: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وقال : (كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى). قال اسماعيل القاضي: قال الحسن: أخذ على الحكام ثلاثا: ألا يشتروا به غنا، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا فيه أحدا، وقال: (فلا تخشوا الناس واخشون) وقال: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب). قال الحسن: هو الفهم في القضاء، قال مالك: الخصوم والقضاء، قال مجاهد: الحكمة العقل، وفصل الخطاب: ما قال من شيء أنفذ، وقد ذكرنا في الباب الأول قول النبي ﷺ : إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ، فله أجر.
قال ابن حبيب/ وغيره: وهذا للحاكم العالم بالحكومة، المتحري للعدل. والحديث الآخر: القضاة ثلاثة؛ فواحد في الجنة، واثنان في النار فذكر اللذين في النار؛ الذي عرف الحق، فجار في الحكم، وآخر قضى بين الناس على جهل. [٨/ ١٣]
стр. 3486
وقال ابن حبيب: روى أبو موسى الأشعري، أن النبي ﷺ ، قال: الحكام ثلاثة؛ إثنان في النار، وواحد في الجنة، حكم جهل فخسر، فأهلك أموال الناس، وأهلك نفسه، ففي النار، وحكم علم فعدل فهلك، وأهلك أموال الناس، وأهلك نفسه، ففي النار، وحكم علم؛ فعدل، فأحرز أموال الناس، وأحرز نفسه، ففي الجنة. قوله: فهل هذا بلغه أن القضاة ثلاثة؛ رجل خاف، فهو في النار ورجل تكلف فقضى بما لا يعلم، فهو في النار، ورجل علم فاجتهد فأصاب، فذلك ينجوا كفافا، لا له ولا عليه.
قال اسماعيل القاضي: قال إياس بن معاوية للحسن: بلغني أن القضاة ثلاثة. فذكر فيهم: ورجل اجتهد فأخطأ، فهو في النار، فقال الحسن: إن فيما قص الله ﵎ من ثناء داود وسليمان ﵉: ما يرد قول هؤلاء الناس؛ يقول الله سبحانه: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) الآية كلها قال : (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) فأثنى على سليمان، ولم يذم داود ﵈.
وقد روي في حديث معاذ: أن النبي ﷺ ، أذن له أن يجتهد رأيا فيما لم يكن في الكتاب والسنة وروي أن النبي ﷺ ، قال: إن الله مع القاضي مالم يخفر أحد عهدا يسدده للحق ما لم ير غيره. وفي/ حديث عمر من رواية مالك: ما من قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك، وعن شماله ملك. [٨/ ١٤]
стр. 3487
وفي رسالة عمر إلى أبي موسى، في كتاب ابن سحنون، وفي غيره: وإذا أدلى إليك الخصم بحجته، فاقض إذا فهمت، ونفذ إذا قضيت، وقال: واس بين الناس في وجهك وفي مجلسك وعدلك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، وقال: وإذا عرفت أهل الشغب، فأنكر وغير، فإنه من لم يزع الناس عن الباطل، لم يحملهم على الحق، ولا يمنعنك قضاء قضيت به اليوم، راجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك أن ترجع فيه، وقاتل هواك كما تقاتل عدوك، واركب الحق غير مضار عليه، وإذا رأيت من الخصم العي والفهامة فسدده وفهمه وبصره في غير ميل معه، ولا جور على صاحبه، وقال: ثم شاور أهل الرأي من جلسائك وإخوانك، ثم عليك بشدة العقل فيما يتلجلج في نفسك مما ليس في القرآن، ولا في السنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال والنظائر، وقس الأمور بعضها ببعض، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق منه، واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة، وإلا استحللت عليه القضية، وليس لوال ولا قاض أن يأخذ بظنه وعلمه، ولا بما شبه في حق أو حد دون أن يستحل ذلك ببينة عدل، وإياك والغضب القلق والزجر والتأذي بالناس، في/ الخصمومة.
ومن كتاب ابن سحنون: وقال مالك: وإذا كان ما يقضي فيه القاضي مما قد ظهر وعرف، وأحكمه الماضون، قضى به، وإن لم يبين له، وليس على ما وصفنا من ظهوره، فلا يعجل ويتثبت ويستأني، قال مالك: وما قضى مما في كتاب الله ، أو مما أحكمته سنة رسول الله ﷺ ، فهو الحق لا شك فيه، وما كان من اجتهاد الرأي، فالله أعلم به، قال مالك: وليحكم بما في كتاب الله، فإن لم يكن فيه، فيما جاء عن رسول الله ﷺ ، إذا صحبته الأعمال، فإذا كان خبرا صحبت غيره الأعمال، قضى بما صحبته الأعمال، فإن لم يجد ذلك عن رسول [٨/ ١٥]
стр. 3488
الله ﷺ ، فيما أتاه عن أصحابه إن اجتمعوا، فإن اختلفوا، حكم بمن صحبت الأعمال قوله عنده، ولا يخالفهم جميعا ويبتدئ شيئا من رأيه، فإن لم يكن ذلك فيما ذكرنا، اجتهد رأيه وقاسه بما أتاه عنهم، ثم يقضي بما يجتمع عليه رأيه، ورأى أن الحق، فإن أشكل عليه، شاور رهطا من أهل الفقه ممن يستأهل أن يشاور في دينه ونظره وفهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم، وقد شاور عمر وعثمان عليا ﵃. قال سحنون: فإن اختلفوا فيما شاورهم، نظر إلى أشبه ذلك بالحق، فأنفذه، وإن رأى خلاف/ رأيهم، لم يعجل، ووقف وازداد نظرا، ثم يعمل من ذلك بالذي هو أشبه عنده بالحق، وقد بلغني عن بعض العلماء، قال: بقي القرآن موضعا للسنة، وبقيت السنة موضعا للرأي.
وفي المجموعة من أول كلام مالك، فيما يحكم به الحاكم، إلى آخره، إلا أنه نسبه إلى سحنون، وزاد: وليدع الخبر الذي صحبت غيره الأعمال، غير مكذب به، ولا معمول به. قال سحنون: وينبغي له إذا لم يستبن له الحكم ألا يعجل حتى يفكر وينظر، ويشاور فيه أهل الفقه الذين يستحقون أن يشاوروا.
قال أصبغ في كتابه: وإذا لم يجد الحكم في الكتاب، ولا في السنة، ولا فيما اجتمع عليه الصحابة، ﵃، ولا فيما اختلفوا فيه، اجتهد رأيه، وشاور من يثق به، وقاس بالأصول، فإذا وداه اجتهاده بالتشبيه إلى شيء، وقدجاء حديث عن النبي ﷺ ، أو عن بعض الصحابة، ﵃، فليترك ذلك الحديث، ويرد ذلك إلى الأصول.
وقال محمد بن عبد الحكم نحو قول أصبغ، أنه إذا لم يكن ذلك في كتاب الله، ولا في السنة، ولا في قول الصحابة، ﵃، ولا في إجماع، اجتهد رأيا، ومثل الأشياء بعضها ببعض، والنظائر والأشباه، وشاور، ثم حكم وإن أشكل عليه الأمر، ولم يتبين له فيه شيء، تركه/ ولا يحكم وفي قلبه منه شك. [٨/ ١٦]
стр. 3489
ومن المجموعة والعتبية، من سماع أشهب، قيل لمالك: أيقضي إذا حضره الخصمان بما حضره ساعتئذ؟ قال: أما الأمر الذي قد عرفه، ومر عليه، وقضى به، فليقض به فيما رأى، وأما الأمر الذي لا يدري ما هو؟ ولم يفعله، فليتثبت، وينظر، وقال أشهب في المجموعة: ومطرف وعبد الملك في الواضحة: وينبغي للقاضي أن يقضي بما أمر الله في كتابه ولا أحكمت السنة خلافه، فيكون ذلك ناسخا له، ويكون نسخه في كتاب الله مجهولا، فإن لم يجد في كتاب الله فيما أتاه عن رسول الله ﷺ ، مجتمعا عليه، فإن لم يجد، ففيما أتاه عن الصحابة ﵃.
قال أشهب: فإن اختلفوا فيه، أخذ بقول أكثرهم. وقال في موضع آخر، وقاله معه مطرف، وابن الماجشون: وإن اختلفوا فيه نظر فيما أتاهم عن تابعهم، فقضى به، فإن لم يكن فيما جاءه عنهم أو اختلفوا فيه كاختلافهم: تخير من أقاويلهم أحسنها في نفسه.
قال أشهب في المجموعة: ولا يخالفهم أجمع، فإن لم يجد ذلك فيما ذكرناه، اجتهد رأيه إن كان للرأي أهلا، وقاسه بما جاءه عنهم، مع مشورة أهل المشورة، وأحب إلي ألا يقضي إلا عن مشورة، إلا أن يكون قد جرى على يديه، وشاور عليه، فليس عليه أن يشاور فيه آخر، إلا أن يشك/ فيه، فيشاور رهطا من أهل الفقه، قال ابن وهب: قال مالك: الحكم على وجهين، والذي بالقرآن والسنة، فذلك الصواب، فالذي يجهد العالم نفسه فيه فيما لم يأت فيه شيء، فلعله يوفق، وبات متكلف لم لا يفهم، فما أشبه ذلك أن لا يوفق. [٨/ ١٧]
стр. 3490
قال أشهب: وكان عثمان ﵁، إذا جلس للقضاء، احضر أربعة من الصحابة، ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رأى، أمضاه، وقال: هؤلاء قضوا، لست أنا.
قال ابن نافع: قال مالك: كان عثمان فذكر نحوه.
قال أشهب: وينبغي للقاضي إن قدر على ذلك ألا يقضي إلا وعنده علماء من أهل الفقه، يأمرهم ألا يشتغلوا عن الفهم لما يدلي به عنده من الحجج، ولما يقضي به فيما فهم من ذلك وفهموا، ولا ينبغي لمن حضره منهم إذا بضى بشيء وزل فيه أن يدعه وإمضاءه ليكمله فيه بعد ذلك، لكن يرده مكانه في رفق ولين؛ لئلا يفوت القضاء به، فلا يقدر على رده، إلا أن يخاف الحصر من جلوسهم عنده، أو يشتغل قلبه بهم وبالحذر منهم حتى يكون ذلك نقصانا من فهمه، فأحب إلي أن لا يجلسوا إليه.
قال ابن المواز: ولا أحب له أن يقضي إلا بحضرة أهل العلم، ومشاورتهم، وإن قدر ألا ينظر بين اثنين في شيء إلا بمحضر عدول يحفظون إقرار الخصوم.
قال ابن سحنون: قال سحنون: ولا ينبغي للقاضي أن يكون معه في مجلسه من يشغله عن النظر/، كانوا أهل فقه أو غيرهم، فإن ذلك يدخل عليه الحصر والاهتمام بمن معه.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: لا ينبغي للقاضي أن يجلس معه الفقهاء في مجلس قضائه، ولم يكن هذا فيما مضى، ولكن ليتخذهم مشيرين إذا ارتفع عن مجلس قضائه، شاورهم، وكذلك كان يفعل عمر ﵁.
قال ابن المواز: ولا يدع مشاورة أهل الفقه الذين يستحقون المشورة، وذلك بعد أن يتوجه الحكم لأحد الخصمين، قاله أشهب، في المجموعة: وقاله سحنون في كتاب ابنه. [٨/ ١٨]
стр. 3491
وينبغي للقاضي أن يشتد حتى يستنصف الحق، ولا يدع من حق الله شيئا، ويلين في غير ضعف.
قال أشهب: حيث ينبغي ذلك لغير ترك شيء من الحق، وينبغي له أن يعتذر إلى كل من يخاف أن يقع في نفسه منه شيء، ويبين ويقيس حتى يقوم الخصم وقد علم أنه فهم عنه حجته.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: لا بأس أن يخبر القاضي الخصم إذا حكم عليه من أي وجه حكم عليه؛ إذا خاف ألا يكون فهم ذلك، وقد فعله عمر بن عبد العزيز، ﵁.
قال سحنون في كتاب ابنه: وينبغي للقاضي أن يتقدم إلى أعوانه والقوام عليه في الحرف على الناس، والشدة عليهم، ويأمرهم بالرفق واللين والقرب في غير ضعف.
ومن كتاب ابن سحنون، عن أبيه، قال: وإذا شهد العالم عند القاضي في شيء، فأعياه الحكم فيه، فأراد مشورة هذا العالم عند القاضي في ذلك، فلا يجوز أن يستشيره فيما شهد فيه /.
وفي كتاب ابن سحنون، وغيره: ومما كتب عمر ﵁، إلى أبي موسى، ورسالته إلى يزيد بن أبي سفيان، يشتملان من الأدب في القضاء، والموعظة، والوصية، على أمر كثير جامع، وفيه رسائل كتب بها سحنون إلى قضاته من نحو ذلك، تركت حكايتها على وجهها لطولها، فمن أرادها نظرها في موضعها موعبة إن شاء الله.
قال محمد بن عبد الحكم: وأحب إلي أن يجعل القاضي رجالا من إخوانه، ممن يثق بهم وبصدقهم ومعرفتهم، يخبرونه بما يقول الناس فيه من خلقه، وما ينكرون [٨/ ١٩]
стр. 3492
عليه من أمره، ومن حكم حكم به من قبول شاهد أورده وأنكروه، فما عرفوه به من ذلك سأل عنه، وفحص فيه، واستقصى، فإن ذلك قوة له على أمره، إن شاء الله تعالى.
في القاضي أين يقضي وعلى أي حال يقضي، ومما يقضي ؟
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا على قضاء القاضي في المسجد؛ بقول الله سبحانه: (إذ تسوروا المحراب) إلى قوله: (فاحكم بيننا بالحق).
وروي أن النبي ﷺ قضى في المسجد.
ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون، وابن المواز: قال مالك: القضاء في المسجد من الحق والأمر القديم، وكان خلدة وقاضي عمر بن عمرالعزيز يقضيان في المسجد، وأراه حسنا؛ لأنه يرضى بالدون من المجلس، ويصل إليه الضعيف والمرأة، وهو أقرب على الناس في خصومتهم وشهودهم، فلا يحجبون عنه./ وإذا احتجب، لم يصل إليه الناس، ولكن لا يضرب في المسجد إلا الخمسة الأسواط، والعشرة، ونحوها، لا الحدود، ولا الضرب الكثير.
ومن الواضحة: قال مطرف، وابن الماجشون: وأحسن مجالسه للقضاء: رحاب المسجد الخارجة من غير تضييق للجلوس في غيرها.
وقد قال مالك: كان أمر من مضي من القضاة، لا يجلسون إلا في الرحاب الخارجة في المسجد، إما موضع الجنائز، وإما في رحبة دار مروان، وما كانت تسمى الأرحبة القضاء. [٨/ ٢٠]
стр. 3493
قال مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق؛ ليصل إليه اليهودي والنصراني، والحائض، والضعيف، وأقرب إلى التواضع لله ، إن شاء الله، وحيث ما جلس القاضي المأمون فهو له جائز إن شاء الله.
وروى ابن حبيب، أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن، ألا يقضي في المسجد، فإنه يأتيك الحائض والمشرك.
ومن المجموعة: قال أشهب: ولا بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب، وأ؛ سن ذلك وأحبه من غير تضييق لما سواه، أن يقضي حيث الجماعة جماعة الناس، وفي المسجد الجامع، إلا أن يعلم ضرر ذلك بالنصارى وأهل الملل، أو بالنساء في الحين الذي لا يجوز لهن دخول المسجد.
قال سحنون: قال غيره: إلا أن يدخل عليه في ذلك ضرر من قعوده في المسجد لكثرة الناس، حتى يشغله ذلك عن النظر والفهم، فليكن له موضع من المسجد/ يحول بينه وبين من يشغله، وكذلك فعل سحنون؛ اتخذ بيتا في المسجد الجامع، فكان يقعد فيه الناس، يحول بينه وبين كلامهم.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ولا بأس أن يتخذ القاضي أوقاتا يجلس فيها للناس، وينظر في ذلك بالذي هو أرفق به وبالناس، وليس القاضي بالمضيق عليه في هذا حتى يصير كالمملوك والأجير، ولا ينبغي للقاضي أن يجلس بين المغرب والعشاء، ولا في الاسحار، وما علمنا من فعله من القضاة، إلا أن يكون للأمر يحدث في تلك الأوقات، ويرجع إليه عن ذلك مما لابد له منه، ولما يحسن النظر في تلك الساعات، فلا بأس أن يأمر فيها وينهى ويأمر بالسجن، فيرسل الأمين أو الشرط، فأما على وجه الحكم لما نشبت فيه الخصومة، فلا.
ومن المجموعة: قال أشهب: لا بأس أن يقضي بين المغرب والعشاء، إذا كان لا يتكل عليه؛ من شاء جاء، ومن شاء ترك، وأما أن يحلف فيه الكارة، وتكلفه فيه الخصوم، فلا أرى ذلك. [٨/ ٢١]
стр. 3494
ولا بأس أن يقضي بعد الأذان بالظهر والعصر أو المغرب أو العشاء أو الصبح، أو يرسل إلى الخصم فيحضر في بعض هذه الساعات ثم يقضي عليه، إن شاء وإن أبي، ما لم يجعل ذلك مجلسا للعامة، فأما الفذ هكذا فلا بأس بذلك.
قال أشهب: ولا بأس أن يقضي في ساعات يلزمها نفسه طرفي النهار، ويزيد على ذلك ما بين الظهر والعصر، ويخفف بذلك عن نفسه بعض جلوسه في طرفي النهار، وإنما في ذلك/ كله الاجتهاد، فيما يدع ويعمل للعامة، فأما النظر في ذلك لنفسه: فليس ذلك له، وليس عليه أن يتعب نفسه فيقضي من بكرة إلى الليل وشبه ذلك، وإن كان ذلك لا يدخل عليه الضجر ولا قلة الفهم.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا بأس إذا مل قبل وقت قيامه أن يحدث جلساءه في غير الحكم، يروح قلبه، ثم يعود إلى الحكم بين الناس، وقد روى ابن وهب، أن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ : روحوا القلوب ساعة فساعة.
قال ابن المواز: قال أشهب عن مالك: ينبغي أن يكون جلوسه في ساعات من النهار؛ لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه للناس النهار كله.
ومن كتاب ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: لا ينبغي أن يقضي في الطريق من ممره إلى المسجد وإلى بيته، أو إلى غير ذلك قضاء يفصل الحكم فيه خصومة قد نشبت، ولا علمنا أحدا من القضاة فعل ذلك، إلا أن يكون أمر حدث له أو استغيث به أو رفع إليه وهو بتلك الحال، فلا بأس أن يأمر فيه وينهى، ويأمر بالسجن إذا رآه صوابا، فأما الحكم الفاصل فلا.
قال في كتاب محمد: ولا ينبغي أن يقضي وهو ماشي، ولا بأس أن يقضي [٨/ ٢٢]
стр. 3495
وهو متكئ، وقال أشهب في المجموعة: وقال سحنون في كتاب ابنه: وقال أشهب في كتاب ابن المواز: لا بأس أن يقضي وهو ماش، إذا أم بشغله ذلك عن النظر.
قال أشهب، في المجموعة/: إذا لم يشغله المسير ووجه الناس والنظر إليهم. قال سحنون، في المجموعة وكتاب ابنه: لا ينبغي للقاضي أن يقضي وهو ماش، ولا وهو سائر، ولا يكلم أحد من الخصوم، ولا يقف معه؛ فإن ذلك يوهن خصمه، ويدخل عليه به سوء الظن.
ومن كتاب ابن سحنون، والواضحة: روى أبو بكر، أن النبي ﷺ ، قال: لا يقضي القاضي وهو غضبان.
وقال ابن حبيب: وروى أنه ﵇، قال: لا يقضي إلا وهو شبعان ريان.
قال في كتاب ابن المواز: ولا أحب أن يخرج إلى الناس وهو جائع من غير أن يشبع جدا. محمد: يريد: لا يكون بطينا؛ لأن الجائع يسرع إليه الغضب، والبطين بطيئا.
وقال مالك في المجموعة: يكره للقاضي إن دخله هم، أو نعاس، أو ضجر، أن يقضي حينئذ، ولا ينبغي للقاضي أن يكثر ويتعب نفسه من طول الجلوس، إذا يخلط. قاله ابن سحنون، عن أبيه. [٨/ ٢٣]
стр. 3496
وقال أشهب في المجموعة: ومطرف، وابن الماجشون، في كتاب ابن حبيب: لا ينبغي أن يقضي وبه من الضجر أو الغضب أو النعس.
في كتاب ابن حبيب وفي المجموعة: أو النعاس قال في كتاب ابن حبيب: أو الغرث يريد: الجوع، وفي المجموعة: أو الجوع، قالوا: أو الهم: ما يخاف على فهمه منه الإبطاء والتقصير عن الفهم لما يدلي إليه، وما كان ذلك خفيفا لا يضر به في فهمه، فلا بأس أن يقضي وذلك به.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ولا يقضي بين اثنين وبه من الغضب أو الضجر أو اللعس يريد: ضيق النفس/ أو الغرث يريد: الجوع أو الهم، ما يخاف على فهمه منه الإبطاء والتقصير عن الفهم، إلا أمر خفيف من ذلك لا يضر به في فهمه.
قال ابن سحنون، عن أبيه: وإذا دخله النعاس، فليكف عن النظر حتى يذهب عنه، ثم يقبل على النظر وهو متفرغ مستمع غير معجل للخصوم عن حجتهم، ولا مخيف، فإن الخوف يقطع حجة الرجل.
قال أشهب في المجموعة: قال سحنون في كتاب ابنه: ولا ينبغي إذا قعد الخصمان بين يديه أن يشغل نفسه عنهما بشيء، وليجعل فهمه وسمعه وبصره احتجاجهما، ولا ينبغي أن يقضي بينهما والخوف بين عنده بينهما.
قال أشهب: ولا يقضي حتى لا يشك أن قد فهم، فأما أن يظن أن قد فهم وهو يخاف أن لا يكون فهم لما يجد من النكول أو الحيرة، ولا ينبغي أن يقضي بينهما وهو يجد شيئا من ذلك، قال أشهب، في المجموعة: وقاله سحنون في كتاب ابنه. [٨/ ٢٤]
стр. 3497
جامع في أدب القاضي وفي بيعه وشرائه وحضوره الجنائز وإجابته الدعوة وقبوله الهدية وحديثه في مجلس قضائه وقيامه عنه وكلامه في العلم وغير ذلك
قال أشهب في المجموعة: ولا ينبغي للقاضي أن يتشاغل بالاحاديث في مجلس قضائه، إلا أن يريد بذلك إجمام نفسه، ورجوع فهمه إليه، أو الزيادة، ولا ينبغي له أن يسرع القيام من مجلس قضائه تشاغلا بما يجب أن يؤثر من حوائجه/ قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وإنما يجلس الرجل عند القاضي، فيسأله عما يريد، فقال حيث لا يعلم أقضيتك واقتدى بك قال: فيقيمه ولا يقعده، والجلوس عند القاضي من حيل المتشاكلين للناس، إلا أن يكون عنده معروفا مأمونا، فيدعه. وقاله أصبغ. وقال أصبغ في كتابه لا أحب أن يترك من يقعد إليه إن لم يكن فيه منافع، ولا يقعد عنده إلا التقى البار، فإن خاف أن يحقره في قضائه أو يضر به، فلا يقعده، قال مطرف، وابن الماجشون: ولا يتشاغل بالأحاديث في مجلس قضائه، وإن أراد بذلك إجمام نفسه، وإذا وجد الفترة، فليقم ويدخل بيته، أو يرفع الناس عنه ويدع مجلس قضائه، ويجلس مع من يحب للحديث ولما أراد من إجمام نفسه، فأما وهو يقضي فلا ينبغي ذلك، قالا: وإذا عرضت له حاجة، فلا بأس أن يقوم عن مجلس قضائه، وينظر في حاجته، ولا ينبغي أن يقوم للذة تعرض له.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا ينبغي أن يجلس أيام النحر، ولا يوم الفطر وما قاربه مما لا يضر فيه بالناس في حوائجهم، وما لا بد لهم منه، وكذلك يوم عرفه، ويوم التروية مما جرى عليه أمر الناس، ولا يعتكف القاضي؛ لأنه لا ينظر بين الناس في اعتكافه، وإذا كان الطين والوحل فأضره ذلك، ترك الجلوس فيه، [٨/ ٢٥]
стр. 3498
وأحب إلي ألا يجلس يوم خروج الناس إلى الحج بمصر، لكثرة من يشتغل يومئذ في تشييع الحاج، وإذا كان بلدا فيه يوما يجتمع فيه مثل هذا، فليترك الجلوس يومئذ.
ومن المجموعة، ومن كتاب ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: ولا ينبغي أن يشتغل في مجلس قضائه بالبيع والابتياع لنفسه أو لغيره على وجه العناية منه.
قال ابن عبدوس، ابن سحنون: قال سحنون: وقال ابن حبيب في كتابه: قال مطرف، وابن الماجشون: إلا ما خف شأنه وقل شغله والكلام فيه. قال سحنون: وتركه أفضل، وقال مطرف، وأشهب، وابن الماجشون: وما باع، جاز بيعه، ولا يرد منه شيء، قال سحنون: ولا بأس بذلك في غير مجلس القضاء، قال ابن الماجشون، ومطرف: لنفسه ولغيره. قال مطرف، وابن الماجشون: في بيعه وابتياعه في مجلس قضائه: إنه لا ينفذ إلا أن يكون قهره على ذلك، أو أكرهه أو يهضمه، وليس هذا بعدل، وبيعه وابتياعه على هذا مردود، كان في مجلس قضائه، أو حيث كان. قال أشهب: إن عزل والبائع والمبتاع مقيم بالبلد لا يخاصمه، ولا ينكر مخاصمته لأحد، فلا حجة له عليه، والبي ماض، وكتب عمر إلى بعض عماله: لا تسار ولا تضار، ولا تبيع ولا تبتع، ولا تقض بين اثنين وأنت غضبان، ومن كتاب ابن حبيب: وكتب عمر بن عبد العزيز، أن تجارة الولاة لهم مفسدة، وللرعية مهلكة. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: يقال: من أشراط الساعة تجارة الساعة.
قال أشهب في المجوعة: فأما أن يبيع مال/ ميت في مجلس قضائه على ما يبيع عليه السلاطين أموال من أوصى إليهم في سلطانهم، أو من مات من غير [٨/ ٢٦]
стр. 3499
وصية، فكان القائم بأمر من غاب من ورثته، أو كان صغيرا، فذلك جائز لا بأس به.
قال في كتاب ابن المواز: وقال أشهب في المجموعة ومطرف وابن الماجشون، في كتاب ابن حبيب، وقال سحنون، في كتاب ابنه: إنه لا بأس للقاضي بحضور الجنائز، قال: إلا في كتاب ابن المواز: وبعيادته المرضى.
قال أشهب، ومطرف، وابن الماجشون: وتسليمه على أهل المجالس، ورده على من سلم عليه، لا ينبغي له إلا ذلك، قال مطرف، وابن الماجشون: لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة، إلا في الوليمة وحدها؛ للحديث؛ ثم إن شاء أكل أول ترك، ذلك أحب إلينا من غير تحريم، ولا يضيق عليه أن أكل، لكن ذلك عندنا أنزه له.
قال أشهب في المجموعة: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة إن كانت وليمة، أو صنيع عام، لفرح كان، فأما أن يدعي مع عامة لغير فرح كان، فلا يجيب، وكأنه دعي خاصة؛ لأن الداعي له لعله جعل دعوته في غير حق وجب عليه ولا شرر دافع به لما أحب من دعائه القاضي.
قال سحنون في كتاب ابنه: يجيب الدعوة العامة، ولا يجيب الخاصة، وإن تنزه عن مثل هذا، فهو أحسن.
قال في كتاب ابن المواز:/ كره له أن يجيب أحدا، فهو في الدعوة الخاصة أشد من دعوة العرس.
وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم. [٨/ ٢٧]
стр. 3500
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: وكل ما لزم القاضي من النزاهات في جميع الأشياء وهو أجمل به وأولى، وأنا لنحب هذا لذي المروءة والهدي أن لا يجيب إلا في الوليمة، إلا أن يكون الأخ في الله، أو خاصة أهله، أو ذي قرابته، فلا بأس بذلك، قال: لا ينبغي له أن يكثر الرحال عليه، ولا الركاب معه، ولا المستمعون له في غير ما خاصة كانت منهم له قبل ذلك، إلا أن يكونوا أهل ، وأهل فضل في أنفسهم، فلا بأس بذلك. قال: وأما الهدية، فلا ينبغي له أن يقبلها من أحد، وممن كانت تجري بينه وبينه قبل ذلك، ولا من قريب، ولا من صديق، ولا من أحد وإن كافأ بأضعافها، إلا الوالد والولد وأشباههم من خاصة القرابة التي يجمع من حرمه، إلا أصدقاء هو أخص من الهدية.
قال أشهب في المجموعة: لا ينبغي أن يقبل الهدية من خصم، وإن كان خاصا به، أو من قريب له، وإن كافأه بها، ولا ينبغي أن يقبلها من غير خصم، إلا أن يكافئه بمثلها. قال: وإن كان يهاديه قبل ذلك، فإن التهمة جارية فيه، وكذلك في ذي الرحم وغيره، فلا يقبلها إلا أن يكافئه بمثلها. قال سحنون: إلا من ذي رحم محرم: أبويه، وابنته، وخالته، وعمته، وبنت أخيه/، ومن لا تدخل عليه به الظنة؛ لشدة الدخلة والتافئة بينهما. وكذلك ذكر عنه ابنه، وفي كتاب ابن المواز: مثله. قال ابن عبدوس: قال سحنون: حديث إن في بعض الكتب: الهدية تطفئ نور الحكماء.
قال ربيعة: إياك والهدية، فإنها ذريعة الرشوة، وعلة الطلب.
قال محمد بن عبد الحكم: لا تقبل الهدية ممن يخاصم عنك، ولا بأس أن يقبلها من إخوانه الذين يعرف له القبول منهم قبل أن يستقضي وقد كان عمر [٨/ ٢٨]
стр. 3501
يقبل الهدية من إخوانه، وقد أهدي إليه أبي بن كعب، وكان له عليه سلف، فلم يقبلها لذلك، ولا بأس أن يتسلف من بعض إخوانه ممن يعرف أنه السلف منه، وأن يستعين بإخوانه في حوائجه.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، وينبغي له أن تكون فيه عبوسة بغير غضب، وأن يلزم التواضع والتقرب في غير وهن ولا ضعف، ولا ترك لشيء من الحق، وليتقدم إلى أعوانه والقوام عليه في الحرف على الناس والشدة عليهم، ويأمرهم بالرفق واللين، والقرب منهم في غير ضعف ولا تقصير مما ينبغي لهم، ولو كان يستغني عن الأعوان، لكان أحب إلينا، ولم يكن لأبي بكر، وعمر أعوان ولا قوام، وكان عمر يطوف وحده، إلا أن يضطر إلى الأعوان، فليخفف منهم ما استطاع، وينبغي له أن يمنع من رفع/ الصوت عنده، فإن ذلك مما يحيره، قالا: وليتنزه عن طب الحوائج والعواري من ماعون، ودابة يركبها، ونحوه، أو السلف، أو أن يقارض أحدا، وأن يبضع مع أحد أو يبايعه، والتنزه عن ذلك أحب إلينا، إلا مما لا يجد منه بدا، وإن فعل شيئا من ذلك فخفيف، ما لم يكن بينه وبين من يخاصمه عنده أو عن أحد يجر إلى من يخاصم عنده، وقاله أصبغ.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا بأس أن يطلع ضيعته، فيقيم اليومين والثلاثة إن احتاج إلى ذلك.
ومن المجموعة: قال ابن القاسم، عن مالك: وإن سمع قاذفا برجل ومعه غيره، أقام عليه حد الفرية/، ولم يجز عفو عن القاذف إلا أن يريد سترا. وقد روي عن مالك، في غير المجموعة: أنه يقبل عفوه، وإن لم يرد سترا، وأما في الأب، فيقبل عفوه فيه على كل حال. [٨/ ٢٩]
стр. 3502
قال ابن القاسم: وإن رأى من يغتصب مالا، فلا يحكم عليه وهو شاهد، فإن كان معه آخر، فلا يحكم إلا بشاهده مع يمينه، وإن لم يكن غيره، شهد له عند غيره، وحلف معه.
في اتخاذ القاضي كاتبا أو قاسما وأرزاق القضاة والعمال والقسام
من المجموعة وغيرها: قال ابن القاسم: قال مالك: لا يستكتب القاضي أحدا من أهل الذمة في شيء من أمور المسلمين، قال ابن القاسم: ولا يتخذه قاسما، ولا يتخذ في ذلك عبدا ولا مكاتبا، ولا يتخذ في شيء من أمور المسلمين إلا العدول المرضيين.
قال مالك: وكان خارجة بن زيد، ومجاهد يقسمان، ولا يأخذان أجرا.
قال أشهب: وينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبا من أهل العفاف، ثم يعقده معه، وهو في سعة أن يجلس حيث جلس بقرب منه أو بعد، فإن استحب هو نفسه إيقاع الشهادات، فذلك حسن، وإن أوقعها كاتبه، وهو ينظر، أجزأه.
ومن كتاب ابن المواز: وينبغي أن يكون كاتبه فقيها عدلا، ويكتب بين يديه/، فينظر فيما يكتب.
قال سحنون، في كتاب ابنه نحول قول مالك الذي ذكرنا، في أن لا يتخذ كاتبا إلا من المسلمين، ومن أهل الصلاح والعفاف.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: لا يستكتب إلا المرضي العدل، وإن لم يغب له على كتاب.
قال أصبغ في كتابه، ويكون مرضيا مثله أو فوقه، ولا يغيب له على كتابه. [٨/ ٣٠]
стр. 3503
قال أصبغ في كتابه، وفي كتاب ابن حبيب: وحق على الإمام أن يوسع على القاضي في رزقه، ويجعل له قومة يقومون بأمره، ويدفعون عنه الناس، وينبغي له أن يجري ثمنا لرقوق يدون فيها أقضيته وشهاداته إذا كان عند نفسه، ويجري له ثمنا لمصابيح ينظر بها بالليل في أمور الناس ويدبرها، ولا ينبغي له أن يأخذ رزقه إلا من الخمس، أو الجزية، أو عشور أهل الذمة.
قال أصبغ: إن طاب مجيء ذلك بغير ظلم ولا تعدي، ولا يرتزق من صدقة ولا عشور، ولا يحل ذلك له، وبلغني أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كان قاضيا بالمدينة، فارتزق من العشور أو الصدقة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز، كتب بعزله، فاعتذر بعض العذر، وفرض له من فدك.
قال أصبغ: وأراها كان فيها ذمة، قال ابن حبيب: وكان مسروق لا يأخذ على القضاء رزقا.
قال أبو محمد: وقد ذكرت في باب صفة القاضي قول سحنون: والقاضي إن كان فقيرا: لا يجلسه الإمام حتى يغنيه/،ويقضي دينه، ويكفيه جميع ما يحتاج إليه.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولا بأس أن يكلف الطالب صحيفة يكتب فيها حجته وشهادة شهوده.
قال مالك: ولا بأس بإرزاق القضاة من بيت المال، وأما العمال؛ فإن عملوا على حق، فلا بأس بارتزاقهم.
قال أشهب في المجموعة: وأرى أن يرتزق من كان في عمل المسلمين من الفيء على قدره في أمانته وجزائه إذا جبى من موضعه، ووضع في موضعه، فأما إن كان لا يخرج في مكروه. [٨/ ٣١]
стр. 3504
قال مالك: ولا أرى أن يأخذ قسام القاضي على القسم أجرا. قال ابن القاسم: وقسام المغانم عندي مثله، فإنما كره مالك ارتزاق القسام؛ لأنها إنما تؤخذ من أموال اليتامى، وفي موضع آخر: لأنه إنما يفرض لهم من أموال الناس، ولا بأس أن يرتزقوا من بيت المال. قال مالك: وكذلك أشياء من أمور الناس بيوتهم بيعت فيهم، فإنما رزقهم من بيت المال.
ومن العتبية، قال ابن القاسم، عن مالك: كان زياد بن عبد الله يبعث شرطا في الأمر يكون بين الناس من المناهل، ويجعل لهم أموالهم جعلا، فنهيته عن ذلك، وقلت: إنما يرزقهم السلطان فقيل له: فإن صاحب السوق جعل لمن ولى عليهم شركا معهم فيما اشتروا. قال: ما أمرته بذلك، وهذه يخاف عليها ما يخاف. وذكر فيها تفسيرا.
قال ابن القاسم: ولو واجر قوم قاسما لأنفسهم، لم أربه بأسا/ كما قال مالك في كتاب الوثيقة: أرى أجرها عليهم.
قال سحنون: ولا بأس أن يرزق القسام من بيت المال، فإن لم يكن لهم رزق، فلا بأس أن يؤاجروا أنفسهم في ذلك.
قال ابن الماجشون، في قاسم الغنيمة: إن فعل ذلك احتسابا ينوي الأجر، ولا يأخذ فيما عمل شيئا، إلا من الله سبحانه، وإن استؤجر، فله أجرته، ولا أعلمها تحرم عليه، وكذلك القاسم؛ جعله فيما قسم من أموال اليتامى، وليس ذلك على السلطان، ولم يزل ذلك بالمدينة، وإن احتسب فله أجره على الله سبحانه.
قال أشهب عن مالك: كان الناس هاهنا عندنا يقتسمون بغير جعل، قيل: فتكرهه؟ قال: من احتسب فهو خير له، ولا أحرمه. وهذا لابد منه، وكان القضاة عندنا يخبرون الورثة من يقسم بينهم، فمن دعوه إليه، بعثه إذا كان رضيا. [٨/ ٣٢]
стр. 3505
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا بعث القاضي قاسما يقسم بين ورثة فيهم صغير، أو غائب، فليأمره أن لا يشهد فيه حتى يرفعه إليه لينظر فيه، فإن رآه صوابا، أمضاه، إن كان مأمونا عنده، واثنان أحب إلي، والواحد يجزئ، وينبغي أن يجعل للصغير أو الغائب وكيلا يقوم مقامه في القسم.
قال سحنون في كتاب ابنه: ويرتزق القاضي من بيت المال لا من الصدقات والعشور، لا هو ولا كاتب ولا قاسم، ولا ينبغي له إذا اتخذ قساما أن يكره الناس على قسمهم خاصة.
قال سحنون: وأيما قوم اصطلحوا على قسمة غير هؤلاء القسام، فذلك جائز، إلا أن يكون فيهم/ غائبا وصغيرا، فالسلطان ينظر في ذلك لهم، وأجر القاسم إذا استؤجر على عددهم سواء، لا على الأنصباء.
قال ابن سحنون: وقد قسم سحنون للناس احتسابا، ولم يرزقهم شيئا من بيت مالهم، فلم يقبل رزقا ولا كسوة ولا حملانا ولا خاتما وضعه في يده، وسمعته يقول للأمير الذي ولاه: والله لو أعطيتني جميع ما في بيت المال ما قبلته، وكان تركه لأخذه من غير تحريم، ويقول: لو أخذته، لجاز. وكان يأخذ الأرزاق لأعوانه وكتابه، وكلم الأمير لهم حتى أجرى ذلك لهم، وسأله أن يعطيهم ذلك من جزية اليهود، وكلمه حتى أجرى لقضاته أرزاقهم، ثم كلمه في الزيادة لهم، فزادهم، وإذا أبطأت عليهم، كلمه لهم في تعجيلها. وقد قال عمر: أغنوهم بالعمالة عن الخيانة.
ومن كتاب آخر، روي أن عمر بن عبد العزيز، أجرى للقاضي رزقا؛ أربع مائة دينار في السنة، وكان يوسع في الرزق على عماله، وقد ولاه شيئا من أمور المسلمين، وكان يقول: ودلهم قليل إذا أقاموا كتاب الله وعدلوا. [٨/ ٣٣]
следующие страницы →