قال ابن حبيب: وجه قسم العيون والآبار بين الورثة والشركاء على ما تراضوا عليه فإن لم يتراضوا وأحبوا السهم فلا يُقسم إلا على أن يصير كل عين أو كل بئر منفردةً لكل واحد بلا دركٍ لبعضهم على بعض ولكن يعتدل ذلك في القيمة، فأما على أن يُجمع اثنان في عين أو بئر فلا يجوز ذلك بالسهم إذا كانت العيون والآبار تحمل القسم على ما ذكرنا بقيت بينهم يسقون بمائها سهامهم بقدر مواريثهم وشركتهم، ومن دعا إلى البيع قُضي له بذلك فإذا وقفت على ثمن فللآخر أخذُها به.
قال عبد الملك: وليس ما يفعله الناسُ من اقتسام البئر بين الدارين فيُقسم بجدار يُحمل على وسطها قسمةٌ يُعمل بها ولا يُحكم وليس بلازم.
قال ابن عبدوس قال أشهب: لا تُقسمُ العيون ولا الآبار إلا على الشرب إلا ما إذا قُسم منها لم ينقطع ماؤه فإن كان منها شيءٌ يكون كذلك بالقسم فيها مع النخل قسماً واحداً.
قال ابن حبي: وإن طلب الورثة أو الشركاء قِسمة الماء بينهم من العين أو البئر أو من عيون أو آبارٍ لم يحمل القسم قُسم بينهم ثم يسقي كل واحدٍ بجميع الماء حتى/ يستوعب قلده ثم يأخذه الذي يتلوه ثم الآخر حتى يتموا، وتفسير (١) ذلك إن تحاكموا فيه اجتمعوا على قسمة فليأمر الإمامُ رجلين مأمونين أو يجتمع الورثة على الرضى بهما فيأخذان قِدراً من فخار أو شبهها فيثقبان في أسفله بمثقب بمسكانه عندهما ثم يعلقانها ويجعلان تحتها قصرية ويُعدان ماءً في جرارٍ ثم إذا تصدع الفجر صبا الماء في القدر فسال الماء من الثقب فكلما هم الماء أن ينضب صبا حتى يكون سيل الماء من الثقب معتدلاً النهار كله والليل كله إلى انصداع الفجر ثم يُنحيانها ويقسمان ما اجتمع من الماء على أقلهم سهماً كيلاً أو وزناً ثم يجعلان لكل وارث قِدراً يحمل سهمه من الماء ويثقبان كل قدرٍ منها بالمِثقب الذي ثقبا به القدر الأولى فإذا أراد أحدهما السقي على قدره بمائه وصرف الماء كله إلى
стр. 5182
أرضه فيبقى ما سال الماء من قدره ثم كذلك بقيتهم (١) فإن تشاحوا (٢) في التبدية استهموا فيه.
ومن كتاب ابن المواز قال أشهب: وإذا قسما الأرض وأبقيا بينهما البئرين أو العينين ثم أرادا قسمتهما فلا أحبُّ ذلك بالسهم ولكن بالمراضاة إلا أن يُحاط بذلك وبمعرفة قدرهما ويؤخذ من يعرف ذلك.
في قسم العُلو مع السُّفل والقضاء فيما ينهدم
من ذلك وما يحدثه أحدهم وقسمة الأرحاء
من الواضحة ومن قول مالك: في قسمة الدار ذات العلو أن تُقوم/ حسب البيوت التي عليها على صاحب السفل وكذلك يُجعل الجدارُ من أساسه إلى موضع الفرش للسفل وكذلك إذا كان عليها سطح. قال ابن القاسم في المجموعة: وعلى صاحب العلو [دَعم (٣) عُلوه] (٤) حتى يبني صاحب السفل إذا احتاج إلى ذلك وليس على الأسفل أن يبني سفله إلا بما كان به مبنياً قبل ذلك وإن أضر ذلك بصاحب العلو.
قال أشهب وعبد الملك: إذا انهدم السفل فعلى ربه أن يبنيه حتى يضع الخشب والجريد حتى يصير أرضاً.
قال أشهب: فإن أبى أن يبني قيل له بع- يريد ممن يبني- وليس لصاحب العلو أن يبني السفل وليس لصاحب السفل أن يهدمه إلا من ضرورة، وليس لرب العلو أن يبني فوق علوه شيئاً يُضر بصاحب السفل إلا ما خَف ولا يُبدل ما انكسر من خشبه إلا بمثلها أو ما يقاربها في الخفة.
стр. 5183
ومن الواضحة قال: ويقسم الورثة الأرحاء على ما تراضوا فإن لم يتراضوا فلا تُقسم إلا أن يكون عددها كعدد سهامهم وتتفق قيمتها حتى لا يبقى على أحد دركٌ فأما على أن يصير رحىً بين اثنين أو يصير على أحدهم دركٌ أو يأخذه فلا يجوز ذلك.
وفي كتاب الأرحية بقية القول في قسم ماء الأرحية وهل فيها تبدئة بالماء للأول على من بعده؟
باب (١)
في قسمة العبيد والمتاع والعروض
وما يُجمع من ذلك في القسم
من الواضحة قال ابن حبيب: ذهب ابن القاسم إلى أن جعل البز كله من الخز/ والحرير والقطن والصوف والكتان والمرعزى (٢) والفراء صنفاً واحداً في القسم. وخالفه مطرفٌ وابن الماجشون وقالا: لا يُقسَمُ ثياب الخَز والحرير مع ثياب القطن والكتان ولا مع الفِراء ولا يُقسم الصوف والمرعزى مع ما ذكرنا.
قال ابن حبيب: وثياب القطن والكتان صنفٌ واحدٌ [في القسم] (٣) وإن كان فيها قُمُصٌ وأردية وعمائم، وثيابُ الخَز والحرير من الوشي وغيره صنف واحد إلا ما كان من وشي القُطن اليوسفي والصنعاني (٤) والمشطب من اليماني كله ولا يُقسم مع وشي الخز ولار الحرير وليُقسم وحده بالسهم وإن كان فيه حَبِرٌ (٥)
стр. 5184
ومشطبٌ ووشي وصنعاني ويوسفي. وثياب الديباج صنف لا يُقسم مع ثياب الخز والحرير، وثياب الصوف والمرعزى صنف وإن كان منها جيب وسنجابٌ (١) وفراء الخز فإن صُنف لا يضم إلى فراء القلنيات (٢) لبعد اختلافها ولا تُضم فراءٌ معمولة إلى ما ليس بمعمول كانت شركتهم بميراث أو شراء.
ومن المجموعة قال أشهب: كل ما يصلح من هذا أن يُباع منه اثنان (٣) بواحد إلى أجل [فلا يُضم مع الصنف الآخر في القسم لأنهما صنفان وكل ما لا يُباع بالآخر اثنان بواحد إلى أجل] (٤) فهو كصنف واحد ويُجمع في القسم وليس الخز كالصوف ولا الكتان ولا الصوف كالكتان ولا الحرير كالخز وكل واحد يُقسم على حدة وكذلك ما بان/ اختلافه من ثياب الكتان فجاز بيعه متفاضلاً إلى أجل فليقسم كل واحد على حدته ولا يُقسم الشطوي مع القيسي ولا مع الزيقة ولا مع الأتربي، والمروزي أراه مثل الشطوي في جودته ولينه وإن كان أصلهما ليس بواحد ولو ترك خَل عنب وخل تمر لقُسم كل واحد على حِدته لدخول التفاضل بالقيم إذا جُمعا في القسم، وكذلك الزبيب الأسود والأحمر إلا أن يقسموا ذلك بالسوية بغير سهم. قال سحنون: لا يكون السهم فيما يُكال ويُوزن.
قال أشهب في المجموعة: ولا يُجمع في القسم اللؤلؤ مع الياقوت والزبرجد ولا الزبرجد مع الياقوت إلا أن يتراضوا. قال أشهب: ولو لزم جميع ما يقع عليه اسم بَز في القسم مع اختلافه لزم مثله فيما يقع عليه اسم دابةٍ فيُقسم الرقيقُ إذاً مع الدواب والخيل مع الحمير والإبل.
قال ابن عبدوس: ومذهب أشهب في هذا أصحُّ عند سحنون. قال ابن حبيب: ولا يجمع إلى سائر الحيوان من دوابٌ أو غيرها وليُقسم على حدة،
стр. 5185
وليُجمع الرقيق كله في القسم، الذكور والإناث والصغار والكبار والأعجمي والفصيح والحسن والقبيح إذا اعتدلتِ القيمة، ولا يُجمع الخيل مع البغال ولا البغال مع الحمير ولا الإبل مع البقر ولا البقر مع الغنم وإن اعتدلت القيم، ولكن يُقسم كل نوع على حدة، أو يقتسمون بالتراضي.
ومن العتبية (١) قال يحيى بن يحيى: بلغني أن/ ابن الماجشون قال: لا يُقسمُ شيءٌ من الحيوان والعروض بالقيمة ولكن يُباع ذلك فيُقسم ثمنُه، والذي روى عنه ابن حبيب خلافُ هذا وهو ما في أول الباب.
ومن المجموعة قال ابن القاسم وابن وهب قال مالك: كل ما انقسم من رقيق أو حيوان أو عين أو غيره فإنه يُقسم إذا دعا أحدهما إلى ذلك وشركتهما بميراث أو شراء.
قال عنه ابن وهب: في الميت يترُك عبيداً فتريد زوجته أن يقع لها حقها في كل عبد أو وليدة فإنه يُقسم لها حقها في عبد أو وليدة فإن تم حقها في العبد أو الوليدة أخذته وإن نقص منه قاومت في العبد أو الوليدة ولم يُجعل حقها في ذلك كله لفساده وضرره والثيابُ والمتاع تقوَّم فتُعطَى حقها من ذلك.
قال عنه ابن القاسم: في نفر اشتروا السفينة من الرقيق فيطلب بعضهم القسم ويريد الباقون البيع. فإن استُطيع القَسمُ قسموا وإلا بيع، قيل: إنهم جملة قال: رُبَّ جملة لا تنقسم خمسة من عشرة. قال محمد بن عبد الحكم: ولا بأس أن يُقسم الحناء [والكتان] (٢) والمسك والعنبر وغيره مما يجوز فيه التفاضل على التحري. وقد قيل: لا يجوز، وإجازته أحب إلي.
стр. 5186
فيما لا ينقسم من الرقيق والمتاع وغيره إلا بضرر
ومن المجموعة قال أشهب: لا تُقسمُ الخشبة بين الرجلين، فإن قيل من الخشب ما يصلح/ في القطع (١) فإن ما يكون قطعه صلاحاً ولا يُكلف ذلك من أباه وإنما القسم في غير الرباع والأرض فيما لا يحال عن حال ولا يحدث بالقسم فيه ما لم يكن فيه من قطع ولا زيادة دراهم. قال: ولا يُقسم المحمل لأن الفرد لا ينتفع به إلا بالآخر وليقض ثمنه إذا أفرد، ولا يُقسم فص ولا ياقوتة ولا لؤلؤة أو زبرجدة وإن كان فصاً كبيراً إلا بتراصٍ، وكذلك السيف والمصحفُ فيه الحلية فيريد أحدهما نزعها وقسمته فليس له ذلك إلا أن يجتمعا ولا بأس يقسم الغرارتين (٢) بين الرجلين إذ لا ضرر في تفريقهما.
وقال ابن حبيب: لا تُقسم الغرارتان (٣) وجعلهما كالخرج ولا تُقسم الخشبة ولا الثوب الواحد.
ومن المجموعة قال ابن وهب عن مالك: في العبد وشبهه بين الرجلين أن من دعا إلى بيعه أجبر عليه من أباه أو يتقاويانه إلا أن يريد من كره البيع أن يأخذ ذلك بما يُعطى به. قال عنه ابن القاسم: فإن أبى أحدهما إلا المقاواة وأراد الآخر البيع قال: فليبع الآخر معه، وإن أحب أن يأخذه بما أعطى أخذ وإلا باع. وقال غيره: إن قال بعضهم نتزايد عليه وقال بعضهم بل يقومه بيننا أهل المعرفة والعدل ومن دعا إلى المزايدة فذلك له. قال ابن حبيب: إن دعا إلى البيع وطلب الباقون بقاءه على الشركة حُكم بالبيع لطالبه ولا تلزم المقاواة واحداً منهم، وإن دعا [إليها بعضهم حتى يجتمعوا/ على الرِّضى] (٤) وإن دعا بعضهم إلى البيع وبعضهم إلى المقاواة أُجبر على البيع من أباه.
стр. 5187
في قسمة الزرع والثمار والطعام
والمصبر، واللبن في الضروع
وغير الطعام مما يوزن أو يكال
ومن العتبية (١) والمجموعة قال أشهب عن مالك: لا بأس بقسم جميع الثمار بالخرص من نخل وعنبٍ وتين وغير ذلك إن وجد من يحسن ذلك وطاب وحل بيعُه قيل: فما يدعوهم إلى اقتسامه؟ قال: اختلاف حاجتهم من بين آكل رطباً وبائعه أو آكل تمراً وبائع رطباً.
قال ابن عبدوس: ولا تجوز قسمته إذا أثمر.
ومن الواضحة قال: كل ما لا يجوز فيه التفاضل من الطعام فلا يُقسم بالتحري لا زرعاً ولا حصيداً ولا ذرياً ولا مُصبراً ولا زيتوناً يابساً في شجر ولا منثوراً ولا عنباً في كرومه ولا مجموعاً ولا تيناً يابساً ولا رطباً إلا كيلاً أو وزناً فيما يوزن أو عدداً إلا مُدَّخر الثمار إذا بدا صلاحه واختلفت الحاجة فيه فيُقسم بالخرص، قاله مالك وأصحابه ومطرف وابن الماجشون إلا ابن القاسم فلم يجزه إلا في النخل والعنب.
ومن المجموعة قال ابن الماجشون: أجاز أصحابنا قُسم الثمار التي يستعجلها أهلها بالخرص من التمر والعنب والتي تُخرص، وكره مالكٌ قسم الثمار الكثيرة جداً لأنه مما لا تُنال عجلته كله ولا تختلف منه الحاجة إلا في الشيء/ الخفيف. قال ابن القاسم وأشهب: ولهما قسم البلح الكبير على الخرص والتعديل. قال ابن القاسم: إذا أراد أحدهما بيعه والآخر أكله، وأنكره سحنون ولم يره اختلاف حاجةٍ لأن الذي يبيعُ يجذ، فقد اجتمعوا على الجذ لأن تركه يُبطل القسم.
قال أشهب: إذا كان بينهما بُسرٌ ورُطب لم يجز أن يقسماها على أن يأخذ أحدهما البسر والآخر الرطب وإن كان بالخرص، ولكن يقتسمان الرطب
стр. 5188
ويقتسمان البُسر بالخرص، وكره ابن القاسم قسم البقل قائماً بالخرص. قال ابن عبدوس: لأنه لا يقبض كل واحدٍ ما صار له حتى يَجزه فصار طعاماً بطعام غير يد بيد وقد غلط من تأول عليه أنه لا يجيز قسمه بالتحري بعد جزه- يريد أو قبله- وليس هذا مذهبه وهو يُجوز قِسمة اللحم والخبز بالتحري فكيف بما يجوز فيه التفاضل، وقد جوز قسم البلح الصغير في النخل تحرياً. قال ابن حبيب: ويجوز قسمُ الكتان قائماً لم يُجمع وحُزماً قد جُمع قبل إدخاله الماء وبعد إخراجه وقبل نفضه وبعد نفضه على التعديل والتحري أو الرضى بالتفاضل.
وذكر ابن سحنون عن أبيه: في قسم الكتان قبل أن يُعمل وقد حُصد وفي رؤوسه زريعة [أو عُزلت منه قال: لا يُقسم كان في رؤوسه زريعة] (١) أو ليس ذلك فيه حتى يُدق ويُقسم. قال ابن المواز قال مالك: وإذا قُسم الثمن في النخل لاختلاف الحاجة فعلى حرز الكل على القيم، وإن تفاضل الجنس الواحد في الجودة/ قُسم كل شيء على حدة [كما تُقسم العجوة على حدة والصيحاني على حدة،] (٢) وإرادة أحدهما البيع والآخر ترك البيع اختلاف حاجة يجيزُ القسم وإن أحبا المقاواة جاز لهما. ومن طلب القسم فذلك له.
ومن كتاب محمد والعتبية (٣) والمجموعة: وإذا كان صيحانيٌ وعجوةٌ أو عنب أحمر وأسود فلا بأس أن يُجمعا في القسم بالخرص على تساوي الكيل فإن لم يطوعا بذلك قُسم كل صنف على حدة.
قال ابن نافع في المجموعة: ولو قوموا ذلك فأخذه أحدُهم وأعطى للباقين ثمناً كان أحسن وإن أبوا إلا ما قال مالك فأرجو أنه خفيف.
قال ابن القاسم: في الغنم بين الرجلين فلا يقسما (٤) لبنها في الضروع إلا أن يتبين تفضيل أحدهما الآخر على المعروف وكان إن هلكت غنمُ أحدهما رجع
стр. 5189
على الآخر بما في يده فيجوز لأنه على الفضل ولم يجزه أشهب وقال مثله سحنون. قال سحنون: لأنه طعامٌ بطعام غير يد بيد، ولو حلباه قبل التفرق لجاز إذا فضل أحدهما الآخر بأمر بين. وعلة أشهب أنه لبن بلبن متفاضلاً والتأخير وهو لا يُجوز قسمته محلوباً تحرياً فإذا فضله فهو أحرم، وأنكر عليه هذه سحنون وقال: قد أجاز في الصبر أن يأخذ أحدهما أقل من نصفها بأمر بينٍ ويُسلم للآخر باقيها لأنه من المعروف. قال ابن عبدوس: فهذا يرُدُّ قوله في تفاضل اللبن معروفاً.
قال ابن القاسم: في قوم بينهم نخل أو شجر فيها نوىً على أن يأخذ هؤلاء/ نخلاً يأكلون تمرها ويأخذ الآخرون مثل ذلك بغير قسمة فلا يجوز وكذلك في لبن غنم بينهم لأنه قسمُ لبنٍ بغير كيل وقسمة ثمرٍ قبل بُدو صلاحها وقد قال في الغنم ما ذكرنا.
ومن كتاب ابن المواز: وكل ما يُكال من طعامٍ أو غيره فلا يُقسم تحرياً وما لا يُمكنُ فيه إلا الوزن فيجوز قسمُه تحرياً وبيعُ بعضه ببعض تحرياً مثل اللحم والخبز والحيتان.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية (١): وذلك في الشيء القليل. وقال مثله ابن حبيب وذكر البيض في ذلك قال: والفرق بين ما لا يمكن فيه إلا الوزن وبين المكيل أن المكيل لا يُفقدُ ولو بالأكف وهذا فيما لا يجوز فيه التفاضل، وأما ما يجوز التفاضل فيه من الطعام والثمار أو من العروض مثل الحناء والقطن والمِسك والزعفران والحديد والرصاص وغيره فلا بأس باقتسامه تحرياً على التعديل والتفضيل، ولا يجوز على الشك في تعديله كالتبادل فيه تبعاً، وقاله مطرف وابن الماجشون ورووه عن مالك وقاله أصبغ: وبه أقول وقاله أشهب في المجموعة: في الحِناء والمسك وغيره مما يجوز فيه التفاضل مما يكال أو يوزن أنه يُقسم بالتحري [لأن المتقى في ذلك في الطعام التفاضل] (٢). وروى ابن المواز وابن عبدوس عن ابن
стр. 5190
ابن القاسم أنه لا يجوز قسمُ الحناء والكتم والتين والنوى والكتان والمسك إلا/ كيلاً فيما يُكال ووزناً فيما يوزن إلا أن يقتسماه على معرفة التفاضل البين فيجوز، قال ابن عبدوس: وقول ابن القاسم أشبه (١) بالأصل وهو أحب إلي.
ومن المجموعة ذكر قول ابن القاسم: إذا قسما بلحاً صغيراً فجذ واحدٌ حصته وترك الآخر حتى كبر البلح أنه إن كان قسماه على غير تفاضل وكان إذا كَبِرَ لا يتفاضل فذلك جائز. قال أشهب: إذا اقتسماه صغيراً أو كبيراً فلا خير في أن يتركاه حتى يزيد زيادة بينة أو يصير الصغير كبيراً فيُنقضُ القسمُ بذلك، قالا: وإن تركه الآخر حتى أزهى أن من جذ يردُّ قيمة ما جذ. قال أشهب: قيمتُه يوم جذه ليس على الرجاء والخوفِ قالا: ثم يقتسمان ذلك مع ما أزهاه. قال ابن عبدوس قال ابن الماجشون: وإذا اشتريا ثمرةً ثم قسماها معلقةً ثم احتجَّ أحدهما فلا يرجع بشيءٍ على شريكه وليرجع على البائع.
ومن كتاب ابن سحنون: كتب سليمان إلى سحنون: هل يُقسمُ الكتانُ قبل أن يُعمل وقد حُصد في رؤوسه زريعة أو عزلوا منه الزريعة وأرادوا قسمه قبل أن ينقع وقبل أن يُدق فيصير مما يوزن؟
فكتب إليه: لا يعتدل قَسمُه لنا وزريعتُه في رؤوسه أو ليست فيه حتى يُدق فيقسم؟
في اقتسام الطعامين المختلفين أو طعام مع غيره
وقِسمة ما يوزن بالكيل أو يكال بالوزن
/من كتاب محمد ابن المواز: وإذا كان بينهما صُبرة (٢) قمحٍ وصبرة شعير والقمح أكثرهما بأمر بين فأخذ أحدهما القمح والآخر الشعير لم يجز، وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة.
стр. 5191
ومن الكتابين قال ابن القاسم: وإن ترك أحدهما نصيبه من صبرة القمح واقتسما صبرة الشعير جزافاً لم يجز، ويجوز كيلاً وكأنه في الجُزاف خاطره فيها بما ترك له في القمح.
قال أشهب: وإن قال له: خُذ هذا الشعير ونصف القمح أو وثلثي القمح جاز، وفي الصبرة بينهما إن قال له: خُذ ثلاثة أرباعها فجائزٌ. قال هو وابن القاسم: أو على أن يأخذ أحدهما منها كذا وكذا ويترك باقيها للآخر فإن كان لا يشك أن ما أخذ أقل من حقه قال أشهب: أو أكثر لا شك فجائز، وقاله ابن حبيب.
ومن المجموعة قال أشهب: في الدنانير والدراهم والفلوس لا تقسم ولا يشتري به كيلاً وهو في الفلوس أخف منه في البيع، ولا تُقسم الفلوس موازنة.
قال ابن الماجشون: في قسم الرطب والتين والعنب أنه يُقسم على الأكثر من شأنه في البلد من وزن أو كيلٍ وكذلك بيع بعضه ببعض مما لا يصلح فيه التفاضل.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا بأس أن يقسم القاضي الزيت كيلاً أو وزناً أي ذلك شاء فعل.
في قسم الشجر لثمرها والحُلي بما فيه وفي سقي الأصول
/ومن المجموعة قال ابن القاسم: وإذا اقتسموا الأصول وفيها ثمرة قد أزهت فلا يقتسموا الثمرة معها ثم إن قسموها كان على كل واحد سَقيُ نخله وإن كان ثمرتها لغيره كبائع ثمر نخله، وأنكر هذا سحنون وقال: القسمُ تمييز حق والسقي على من له التمرة كمن أوصى بالأصل لرجل وهي مُزهية أو مأبورة فالسقي على ورثة الموصي بخلاف البيع، ولو كان حكم القسم ها هنا كالبيع لم يكن عليه أن يسقي من التمر إلا نصف ما في نخله ونصف ما في نخل صاحبه، ولأن التمرة قد تختلف في الخرص فيكون تمر عشر نخلات خرص نخلة واحدة فيختلف السقي والخرص سواء وفرقٌ آخر أنه لا جائحة في القسم وهي في البيع.
стр. 5192
قال ابن القاسم وأشهب: وإن كانت التمرة بلحاً أو طلحاً فأراد قِسمتها مع النخل فلا يفعلا إلا أن يجذاه.
قال أشهب: أو يُقسم ذلك مع النخل على الجذ فيجوز ما لم يبلغ أن يكون طعاماً أو يبلغ أن يكون بلحاً قد احلولى فلا يجوز لامتناع التفاضل فيه. قال ابن القاسم: تُقسم الرقاب ويُترك البلحُ والطلعُ، وأنكر سحنون ذكره للطلع وقال: إذا لم يُؤبر لم يُجز قسمتُها. قال ابن حبيب: لا تجوز قسمة الحُلي إلا وزناً حُلياً مُركباً فيه الجوهر مرصعاً منظوماً فلا بأس بقسمته إذا عُدِلَ بالقيمة وكان ما فيه من الذهب والورق تبعٌ لما فيه من جوهر/ ولؤلؤ فيعتدل بالقيمة ويُقسمُ بالسهم أو يُقسم على المراضاة على التعديل كالتاج والسواجر (١) والخواتم والأخلة (٢) وشبهه مما لا ينزع فيه إلا بنقضه، وأما إن كان ذهبه [أكثر من الثلث أو كان جوهره نظماً فلا يجوز قسمه بالقيمة، وإن كان ذهبه] (٣) تبعاً حتى يميز فيُقسمُ ذهبُه وزناً وجوهره بالقيمة.
في التهابي (٤) في قسم الغلات والسكنى والخدمة وقسمة الدين
من المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: في عبد بين رجلين فيقول أحدهما للآخر دعني أكريه هذا الشهر وآخذ كراءه وتكريه أنت في الشهر الآخر فلا يعجبني وسهَّله في الخدمة.
стр. 5193
ومن كتاب محمد قال مالك: في الدابة بينهما لم يجز أن يقول ما كسبت اليوم فلي وما كسبت غداً فلك وكذلك العبد. وإن قال اختدمه أنت اليوم وأنا غداً كان جائزاً وكذلك أنا شهراً وأنت شهراً. قال محمد: إنما يجوز في الخدمة مثل خمسة أيام فأقل ولا يجوز في الكسب ولا يوم واحد. وقد سهل مالك في اليوم الواحد وكرهه في أكثر منه وأجازه في الخدمة.
قال ابن عبدوس قال ابن القاسم: وإن تهايوا في دور أو أرض على أن يسكن كل واحد أو يزرع ناحية فذلك جائز في السكنى والزراعة ولا يجوز في الغلة والكراء قال: ولا يجوز ذلك في خدمة العبيد إلا في أجل قريب كالشهر وأكثر منه وما أشبهه، ولا يجوز/ فيما بعد، وأما الدور والأرضون وما هو مأمون فيجوز التهابي فيه السنين المعلومة والأجل البعيد ككرائها، وليس لأحدهما فسخُه بعد ذلك. قال ابن حبيب: وتجوز قسمة الدين إذا كان على رجل واحد كان الغريم حاضراً أو غائباً.
في الشركاء يريد أحدهم القسم هل يبعث القاضي في ذلك؟
وكيف إن كان فيهم غائب أو صغير؟
من كتاب ابن سحنون قال: وإذا سأل الورثة القاضي أن يقسم بينهم ربعاً ورثوه فلا يأمر بذلك حتى يثبت عنده بينة بملكهم لذلك أو ميراثهم إياه، وإن كان منهم غائب وكل له من يأخذ له حقه. وذكر ابن حبيب مثله. وقال سحنون وابن حبيب نحوه: أن القاضي لا يأمر بقسم ذلك حتى يثبت عنده أن ذلك مِلك لوليهم ملك عنه أو كان ساكناً كما يسكن في مِلكه حتى هلك عنده وثبت عنده عدد ورثته، وإن كانت قريةً فحتى يأتوه ببينة تثبت حدودها وتسميتها ومساحتها وأنهم يعرفون ذلك ملكاً للهالك أو في يديه وحوزه حتى هلك، وليوكل للصغير منهم أو للغائب من يقوم مقامه وإذا كانوا كلهم أكابر حضوراً فليس عليه أن يبعث لذلك قاسماً وليأخذوا هؤلاء لا بقسمهم قاسماً إلا أن يدعو إليه بعضهم
стр. 5194
ويأباه بعضهم فيقضي بالقسم ويأمر به أو يكون فيهم صغير أو غائب. قال ابن حبيب: وهو/ كله منهاج مالك.
قال أشهب في المجموعة: وإن كان أحدهم غائباً فاقتسموا بغير أمر السلطان ولم يقسموا للغائب على أن حظه مفترق عندهم لم يجز ذلك إذ له إذا جاء جمعُ حقه.
قال ابن القاسم عن مالك: ولا يقسم الوصي للكبير الغائب وليرفع ذلك إلى السلطان ليلي ذلك للغائب. قال أشهب: يتخذ لمصابته وكيلاً يقوم له فيه وإن لم يجد ذلك إلا بأجرة، وكذلك من مات عن أطفال ولا وصي لهم فإن لم يجد أن يتخذ لهم وصياً إلا بجعل اتخذه لهم، وإن كان للأصاغر وصي ورأى الإمام أن يوليه ما كان للكبير الغائب فذلك جائز. قال ابن القاسم وأشهب: وإن قاسم الوصي للغائب بغير أمر السلطان لم يجز عليه، قال أشهب: وهو بالخيار إذا قدم في إجازة ذلك أو رده، فإن أجازه فقال الوصي لا أرضى فليس ذلك له، وقد أخطأ الوصي فيما فعل من القسم وهذا في الرباع والعروض والحيوان والثياب وكل ما يعرف بعينه (١).
قال ابن القاسم عن مالك: وإن كان الورثة صغاراً كلهم فلا يُقسمُ بينهم مالُهم إلا بالسلطان إن رآه خيراً لهم.
قال أشهب: إذا لم يدخل به الوصي عليهم مرفقاً فلا أحب أن يقسمه فإن فعل رأيتُه ماضياً وإن لم يكن بأمر سلطان، وإن كان لبعضهم فيه مرفق أو لجميعهم مثل أن يكون أعمر لبعضهم أو منهم من بلغ أن يحوط ماشيته فيقسم لهم إذا خاف أن يتواكلوا أو يكون منه صغيرٌ يريد/ أن يتجر بماله له أو يضارب به لضعفه عنه وما هلك لأحدهم فهو منه وليس شيءٌ من ذلك أحب إلى أن يطالع فيه الإمام مثل الرباع ولأنه لا يبيع الوصي الرباع إلا بأمر الإمام.
стр. 5195
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أن مالكاً وغيره أجازوا في الأصاغر لا أباً لهم ولا وصيَّ ولهم أم أو أخٌ رشيدٌ أو غيره ممن احتسب فهم من الأجنبيين فقام بولايتهم وكنفهم بغير تولية سلطان أنه يجوز له فيهم وعليهم ما يجوز للوصي على من أوصى بهم إليه من مقاسمة أو بيع أو ابتياع أو صلح أو تزويج أو تزكية مالٍ أو تضمينه أو حيازة صدقة منه أو من غيره بمنزلة الوصي في جميع ذلك، وقال به أصبغ وقاله ابن القاسم: فيمن يلي اللقيط وكذلك من ولي يتيماً فاكتنفه لقرابة أو لحسبة فهو له كالوصي.
قال ابن القاسم عن مالك: إن صاحب الشُّرط إن كان عدلاً فمقاسمتُه على الصغار جائزة. وفيما ذكر ابن حبيب من هذا ما المعروف خلافه.
في التداعي في القسمِ وفي الغلطِ فيه
وكيف إن وجد أحدهم في حظه ماجلاً أو بئراً
أو عمداً عافية أو كنزاً
أو ظهر في القسم غلط
من العتبية (١) ابن القاسم عن مالك: في الشريكين في الدار يدعي أحدهما أن شريكه قاسمه والآخر ينكر؟ قال: على مدعي القسم البينة. قال ابن حبيب: وإن قسما على مراضاة أو تساهمٍ/ ثم اختلفا في بيت فادعاه كلاهما أو في حد من حدودها فإن لم تقم بينة تحالفا فإن نكلا أو حلفا تفاسخا، وإن نكل واحدٌ فالقول قول الحالف. قال ابن عبدوس عن ابن القاسم: فإن قسما عشرة أثواب فأخذ أحدهما أربعة والآخر ستة ثم ادعى آخذ الأربعة أن ثوباً من الستة له وكذبه الآخر فالقول قول الحائز مع يمينه إذا أشبه، وقال أشهب: يتحالفان ويتفاسخان. قال ابن عبدوس: يقتسمان هذا الثوب المختلف فيه بينهما نصفين بعد أيمانهما، [واختار سحنون قول ابن القاسم] (٢).
стр. 5196
ومن العتبية (١) من سماع عيسى عن ابن القاسم: وإذا قسم ورثة منزلاً فغاب بعضُهم وعمَّر الباقون ثم قدم الغائب بعد مدة فاشتبهت عليهم حقوقُهم وقال الحاضرون لا نعرف سهامهم [فليحلف الحاضرون أن الذين عمروا سهامهم] (٢) ولا شيء لهم ويعيد الذين اشتبهت عليهم سهامهم القسمة بينهم قال: وإذا كان حظ أحدهم في يد أخيه عشرين سنة ونحوها فمات صاحب السهم فقام فيه بنوه أو قام هو ولمنزل يُعرف أنه من تركة أبيهم قال: إن ادعى اشتراءً أو صدقة فذلك له أقام بينةً أو لم يقم لأن في عشرين سنة ما يبيد الشهود، وإن لم يدع شراءً ولا صدقة إلا قوله هو بيدي فلا ينتفع بذلك ولو قال ورثتُه: لا ندري بماذا هو في يديه فلا شيء عليهم إلا أن يأتي المدعون بأمر يتبين به حقوقهم.
ومن كتاب ابن حبيب: وإذا ادعى/ أحدهم الغلط بعد القسم فإن قسموا بالتراضي بلا سهم وهم جائزو الأمور فلا يُنظر إلى دعوى ذلك وإن كان الغلط ببينة أو بغير ذلك من الأمور الظاهرة لأنه كبيع التساوم يلزمه فيه التغابن، وإن قسموا بالسهم على تعديل القيمة فلا يُقبل قولُه إلا ببينة أو يتفاحش فيه الغلط فتُرد القسمةُ كبيع المرابحة وتعاد القسمة ولا تُعدل على أن يبقوا على سهامهم ولكن يُقسم ثانية ولو لم يكن الغلط إلا في نصيبٍ واحد وقع عنده زيادةً لفسخ القسم، فإن فات نصيبه بالبناء فيرجع عليه من بعض سهمه بقيمة ذلك مالاً، ولو فات ببيع فإن لم يكن المبتاع بنى أيضاً نقض بيعه ورُدت القسمة، فإن بنى المبتاع رجع الناقض سهمه على البائع بقيمة ذلك مالاً فإن لم يجد عنده شيئاً رجع به على المشتري مالاً أيضاً ورجع به المشتري على البائع في ذمته، وإن بنى الذي لم تقع الزيادة في سهمه ولم يبن الذي عنده الزيادة انتقض القسم فيما لم يُبن من السهام وفي السهم الذي فيه الزيادة، وما فات بالبناء مما لم يقع فيه الغلط ماضياً لصاحبه، هكذا فسر لي مطرفٌ وابن الماجشون وأصبغ.
стр. 5197
ومن العتبية (١) من سماع يحيى عن البن القاسم: وعن المقتسمين يجد أحدهما في نصيبه جُباً أو بئراً (٢) قال: للآخر فيه حظه ويعاوده القسم إن لم يفت، فإن فات ببناء فله قيمة نصف ذلك كبيوت وجدها أسفل بيوت/ لم يعلم بها.
وقال سحنون: إذا وجد أحدهم في نصيبه بئراً عاديةً فهي له دون الآخر. وقال مثله ابنُ حبيب وقال: وكذلك إن وجد عُمداً أو صخراً، وكذلك المشتري يجد مثل ذلك أو الشريك، وقاله أصبغ. وفيما كتب سحنون إلى شجرة: إن كل ما وجد أحدُهم من القديم ليس من تركة الميت من ماجل أو بئر مطوية أو عُمُدٍ من آبار الأولين فهو لمن وجده وليس للآخرين عليه شيء وكذلك ما يجده المبتاع، وأما ما وجد من كنز ذهب أو فضة أو متاع أو نحاس من آثار الأولين فله حُكم الكنز إن كانت من أرض العرب فهو لمن وجده وإن كانت عنوةً فهو إن افتتحها وهم لا يعرفون فيكون لمساكين أهل تلك البلدة وإن كانت صُلحاً فهو للذين صالحوا عليها. وقال ابن نافع: الكنز كله لمن وجده.
ومن العتبية (٣) من سماع أشهب: وعن قوم ورثوا أرضاً عفاءً لا ماء فيها فاقتسموها وباع كل واحد نصيبه وأقام المشترون نحو أربعين سنة كذلك وقد اغترسوا ومنهم من اشترى ماءً فساقه ومنهم من اكتراه ثم باع أحدهم فقال المشتري لمن يمر عليه بمائه لا أدعك تمر به عليَّ، وقال الذي يمر به هذا الماء لم يزل هكذا الماء منذ أربعين سنة قال مالك: فليدعُهم (٤) القاضي بأصل القسم فإن أتوا به عمل عليه وإن لم يكن إلا ما هم عليه أقروا على ذلك، ولم يكن له أن يمنعه، أرأيت البائع لو خالفهم الآن؟ ما أرى أمثل من أن يقروا/ على ما هُم عليه إذا لم يكن قسمٌ يُعرف.
стр. 5198
فيما يُستحق بعد القسم أو يظهر به عيبٌ
من العتبية (١) والمجموعة روى أشهب عن مالك: في ثلاثة إخوة ورثوا ثلاثة أعبُدٍ فاقتسموهم فأخذ كل واحد عبداً فمات عبد أحدهم واعترف عبد الآخر فمن مات ببده العبد فلا يرجع بشيء ولا يُرجع عليه بشيء ويرجع الذي استحق في يديه العبد على أخيه الذي بقي عبده فيكون له ثلثه وللذي هو بيده ثُلثُاه، ولو مات أيضاً هذا العبد لم يرجع على من كان بيده بشيء، قال أشهب في المجموعة: ولو كانت القسمة كالبيع لم يرجع من يستحق من يديه على من مات بيده بثلث قيمته ولكن ليس كالبيع.
قال سحنون عن ابن القاسم في المجموعة والعتبية (٢): فإن كان العبد المستحق رجع فيه بثمن على بائعه لما استحق قال: ثلثا ذلك الثمن وثلث العبد الباقي للمستحق منه وثلث الثمن وثلثا العبد الباقي للذي العبد في يديه. وقاله سحنون.
قال ابن عبدوس: تفسير هذا عندي على مذهب ابن القاسم فيما أوجب من الضمان بالقسمة إنما ذلك إذا كان ما رجعوا به من الثمن على بائع العبد مثل قيمة العبد المستحق يوم اقتسموا، فإن كان أكثر مما زاد على ذلك رجع فيه الذي مات عبده في يديه بثلثه وأما مقداره من الثمن فلا حجة له فيه لأن مصيبته منه/ ولو لم يمت منهم أحد حتى استحق أحدهم فالمستحق مخيرٌ في أن يجيز البيع ويرجع بالثمن على البائع وتمضي القسمة، وإن شاء أخذ عبده ورجع الإخوة بالثمن فقسموه بينهم أثلاثاً ورجع المستحق منه العبد على إخوته فكان شريكاً لهم بثلث كل عبد وليس له أن يأخذ الثمن ويسلم لهما العبدين ولا لهما ذلك إن طلباه.
стр. 5199
وهذا على مذهب ابن القاسم الذي يُضمن بالقسم من مات عبدُه في يديه وأما من لا يُضمنه فقد مات العبد وثلثُه للمستحق منه العبدُ الآخر فمنه ضمانه وثلثاه من الذي مات العبد في يديه ثلثٌ هو له وثلثٌ عاوض به الذي بقي العبد في يديه، لأن القسمة بين هذين قد تمت وبينه وبين المستحق منه قد انتقضت فيكون الثمن بينهم أثلاثاً وللمستحق منه ثلثُ العبد الباقي هذا على هذا الأصل، ابن القاسم: وإذا اقتسم رجلان عبدين فأخذ كل واحد عبداً ثم استُحق عبدُ أحدهما أنه كالبيع فليرجع [بنصف العبد الآخر فإن تغير في سوق أو بدن أو بيع رجع] (١) بنصف قيمته وكذلك ما يفوت بهدم أو بناء.
قال سحنون: فأوجب على كل واحد ضمان ما بيده، وهذا خلاف أصل مالكٍ في الأعبد الثلاثة، والقسمُ بخلاف البيع، ألا ترى أنه لو طرأ دين لم يضمن من مات عبدُه في يديه.
قال ابن عبدوس: أرأيت لما استحق عبد هذا فأوجبت له أن يرجع على الذي مات العبدُ في يديه ثم طرأ دينٌ ما أنت صانعٌ؟ فإن أمرتَ أخذ/ نصف القيمة أن يُعطيه في الدين فقد ضمنت من مات عبدٌ في يديه لرب الدين وأصلك أن لا يُضمن من مات بيده لأهل الدين وإن لم يرجع رب الدين على أخذ نصف القيمة كنت قد ورثت مع قيام الدين [أرأيت لو أدركه من الدين دينارٌ وقيمةُ العبد مائة؟ فإن أرجعت طالب الدين على الذي رجع على أخيه فقد ضمنت من مات بيده لرب الدين وإن لم ترجعه كنت قد ورثت مع قيام الدين] (٢) وإن أسقطت بلحوق هذا الدين الرجوع للأخ على أخيه بشيء فهو أشنع في القول، ولو كان القسم بيعاً لكان لمستحق العبد أن يجيز البيع في نصفه ويأخذ نصف الآخر [وإن وجد عبده قد مات كان له أخذ نصف الآخر] (٣) لأنه ثمن نصف عبده، وكله قول أشهب وسحنون ثم اختلفا فيما أحدث أحدهما بفعله هل هو
стр. 5200
فوتٌ؟ فقال أشهب: إذا استُحق عبدُ أحدهما رجع على شريكه فيما أخذ ولا يفيت ذلك حوالة سوق أو بدن وأما إن باع أو دبر أو كاتب أو بنى أو هدم أو حبس فذلك فوت يوجب عليه القيمة يوم القسم.
قال ابن عبدوس: ويدخل في هذا على أشهب ما ذكرنا في الفوت (١) يقال له: فلو ذهبت يده بعد القسم ثم أعتقه فأوجبتُ عليه قيمته صحيحاً يوم القسم وهو مائة وقيمته يوم العتق خمسون فأغرمتُه مائة فقد ضمنته ما لم يكن له في تلفه فعلٌ فإن قال ضمنته يوم القسم لأن التسليط بالقسم وقع/ قيل: فقد كان التسليط موجوداً والضمان مرتفعاً فإنما وقع الضمان بالعتق، فأما سحنون فإنما يُضمنُه قيمته يوم العتق.
قال سحنون: فإن باع أحدهما عبده واستحق عبد الآخر كان الثمن بينهما ولو كانت أمة فاتخذها أم ولد فإنما يضمنه قيمتها يوم حملت، وعند أشهب: قيمتُها يوم قاسم، وأما إن وهب أو حبس فعلى أصل سحنون تجوز الهبة في نصيبه لا في نصيب شريكه ويأخذ شريكه نصيبه من الموهوب، وإن كان مما يُقسمُ قاسمه، وفي قول أشهب: يضمن لأخيه نصف قيمته يوم قاسم، وإن أُعتق، فقال أشهب أيضاً: نصف قيمته يوم قاسم، وعلى أصل سحنون يعتق نصيبه ويقوم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم التقويم إن كان ملياً وأما إن كان ما بينا فينا (٢) فقال ابن القاسم وأشهب وابن كنانة: يضمن نصف قيمة ما قبض.
قال سحنون: ليس هذا أصل القسم وينبغي على أصل القسم إن شاركه في قاعة ما بناه ثم يتعاملان في البناء على حديث حميد بن قيس في الاستحقاق. قال سحنون: والهدم في القسم ليس بفوت. وقد قال ابن القاسم: في الموصى له بالثلث يأخذ ثلث دور الميت مُقاسمةً ثم استُحق ما بيده فرجع على الورثة وقد هدموا أن له ثلث ذلك مهدوماً فهذا هو أصلٌ جيد قيل له فلو قسما خشباً
стр. 5201
فعمل أحدهما باباً بنصيبه قال: قد قال مالكٌ فيمن ابتاع غزلاً فنسجه ثم فلس أن النسج ليس بفوت. وبلغني عن سحنون أن/ الطحين ليس بفوت في القسم فكذلك ينبغي في الخشب وقال: إذا اعتل العبد ثم استحق عبد الآخر أنه يرجع في العبد الآخر وفي غلته؟ فقلت مثل المطلقة قبل البناء تقتل عبداً أصدقها فسكت وقال بعد ذلك: قد اختلفوا فيه.
قال ابن عبدوس: فأما غلةُ العبد المستحق فإن كان بيد أبيهما بغصب أو بهبة غاصب فعليه للمستحق وإن كان بشراء فالمستحق من يده مخيرٌ إن شاء تماسك بما بيده من الغلة ولم يرجع على أخيه بشيء ولا رجع عليه أخوه بشيءٍ، وإن شاء رد الغلة فكانت مع العبد الباقي وعليه الباقي بينهما نصفين.
ومن الواضحة: إذا اقتسم الشريكان داراً وأرضاً أو غيرها فاستُحق بعض ما بيد أحدهما فإن كان أقل ما بيده رجع بقيمة ما قابله مما بيد الآخر كان قائماً أو فائتاً، وإن كان وجه ما بيده في فضله أو كثرته انفسخت القسمة في النصيبين وعادا في الجميع شريكين إلا أن يفوت ما بيد صاحبه ببيع أو بناء أو هدمٍ أو صدقةٍ أو إصداق فيرجع عليه بنصف قيمة ذلك ويكون ما بقي من النصيب المستحق بعضه إن لم يفت بينهما فإن فات اقتسما قيمته بينهما، وإن اقتسما عبدين فاستُحق نصفُ أحدهما فليرجع ما ستُحق من يده على شريكه بربع قيمة العبد الآخر.
من العتبية (١) من سماع عيسى عن ابن القاسم: في شريكين اقتسما عشرة أرؤسٍ فأخذ كل واحد خمسةً وأعطى أحدهما للآخر ديناراً ونصفاً فضله به –يريد/ بلا سهم- فوجد صاحب الذي أخذ الدينار ونصفاً عيباً برأس واحد فإن لم يفت رقيق الآخر نظر ما المعيبُ مما بيد هذا من العبيد فإن كان سُدسهم كان المعيب بينهما نصفين وسُدسُ الدينار ونصف بينهما نصفين ويرجع على شريكه بنصف سدس ما بيده يكون به شريكاً له، فإن فات ما بيد شريكه رجع
стр. 5202
عليه بنصف قيمة سدسهم وقاصه في ذلك بنصف سُدس الدينار ونصف ويبقى المعيب بينهما، وإن كان المعيب وجه الخمسة أرؤُس وفيه يرجأ الفضلُ انتقضتِ القسمة كلها وأعادوا القسم إن لم يفت نصيب الآخر وإن فاتوا في سوق أو بدن كان عليه قيمتهم يوم القسم.
وقال يحيى بن يحيى: أخبرني من أرضى أن ابن الماجشون قال: إن اقتسموا دوراً وأرضاً –يريد بالسهم- ثم استحق بعضُ ما في أيديهم أو وجدوا ببعضه عيباً فإن القسم يُعادُ بينهم، وإن كان قسموا على المراضاة فإنما هو عيب دخل عليه ينظر فيه بما ينظر في الشراء لأن قسمة التراضي كالبيع. قال ابن حبيب: وإذا وجد أحدهم عيباً بعد القسم فإن كان المعيب ليس وجه نصيبه مضى القسم وإن لم يفت ما بأيديهم ويكون المعيب بينهما ويرد الآخر ما قابل ذلك بالقيمة فيكون أيضاً بينهما. وإن كان المعيب وجه نصيبه انفسخت القسمة في النصيبين واستأنفا القسم إلا أن يفوت ما بيد الآخر فيرد قيمته فيكون مع المعيب بينهما. وإن فات بعضه رد قيمة ما فات/ فكان ذلك مع ما لم يفت بينهما وكذلك بعض النصيب الذي وجد فيه العيب رد قيمة نصف ما فات منه لصاحبه، واختلاف الأسواق عند مالكٍ في ذلك فوتٌ في جميع الأشياء إلا في الدور والأرضين.
قول ابن حبيب في فوت المعيب باختلاف الأسواق ليس بقول مالكٍ وإنما هو فوتٌ في عوضه والعوض في القسم أقامه ابن حبيب مقام البيوع وقد اختُلف فيه.
ومن كتاب ابن عبدوس قال ابن القاسم: في رجلين اقتسما داراً فبنى أحدهما حصته ثم اطلع على عيب أن البناء فوتٌ قال سحنون: لم يحمله محمل البيع ولا محمل القسم كأنه يقول ليس البناء فوتاً إذا اطلع على عيب ولكن يكون شريكاً بالبناء وتكون الدار بينهما وهو يقول إن صبغ المبتاعُ الثوب ثم ظهر له عيبٌ فله رده ويكون شريكاً بالصبغ- يريد إن زاده.
стр. 5203
قال ابن القاسم: وإن قسما حنطة ثم اطلع على عيب فليُرد قيمتها. وقال أشهب: يرد مثلها ثم يقتسمان ذلك وحصة الآخر نصفين. وبلغني أن سحنوناً قال: يكون شريكاً بقيمة الطحين في الدقيق ويكون ما بقي وحصة الآخر بينهما.
في الدين يطرأ على الميت بعد القسم
أو موصى له يأتي بعد القسم
من المجموعة قال سحنون: في الورثة يقتسمون ثم يطرأ على الميت دينٌ علموا أنه حين القسم أو جهلوه، فقال ابن القاسم وأشهب: يقال لهم اتفقوا على قضاء الدين وأقروا القسمة، فإن أبوا/ أو أبى أحدٌ منهم رُد القسمُ وبيع من التركة بقدر الدين وقُسم ما بقي. قال سحنون: لا تنتقض القسمة بلحوق الدين. قال ابن عبدوس: ولا أحفظ عنه أكثر من هذا، وسمعتُ عنه تفسيراً في مسألتهما في إقرار أحدهما بدينٍ أنه يحلف معه الطالب إن كان عدلاً ويثبت الدينُ فإن أبى المقر أن يُخرج ما نابه من الدين قيل لغيره أخرجوا ما نابكم منه ثم يباع على المقر نصيبه مما ينوبه من الدين.
قال سحنون: إذا ثبت الدينُ بيمين الطالب معه أو ببينة غيره لم يبطل القسم وهو تمييز حق ليس ببيع فالدين شائع في جميع ما بأيديهم مدخلاً واحداً بقدر حصته من الميراث، فإن كان الدينُ يغترق نصف التركة بيع من نصيب كل واحد نصف حقه للدين ويتم القسمُ فيما بقي كاستحقاق نصف أنصبائهم ولا يُقضى الدينُ على قدر سهام المواريث بل على قدر قيمة ما بيد كل واحد يوم البيع للدين، فما وقع من الدين على كل واحد يتوظف على قيمة ما بأيديهم اليوم بيع مما بيده بقدره ولكل واحد أن يفتك ما يباع عليه بأداء ما ينوبه. وإذا كان في البيع من نصيب كل واحد ضررٌ على طالب الدين لطوله أو لأن بعض ما بيد أحدهم أحضر ثمناً فليبع ما هو أنجر له بيد أحدهم ثم يرجعه على إخوته بمقدار ما كان ينوبه من الدين يوم قضاه.
стр. 5204
وقال أشهب: وإذا كان إخوة الشاهد غيباً بما دفع لهم في القسم والشاهد حاضر بالعبد وكان/ إذا بيع عليد عبده رجع على إخوته فيما صار لهما بثلث ما [بقي] (١) بأيديهما وكان ذلك أحط له لغبن في أصل القسم عليه أو لهما ما بيد إخوته فهو متهم في شهادته ولا يغرم ولا يفتك إلا حصته يباع من عنده بقدره فأنكرها سحنون. قال ابن عبدوس: وعلى أصل سحنون لا تهمة عليه لأنه عنده إنما يرجع عليهما بقدر ما ينوبهما من الدين من قيمة عبديهما يوم أداء الدين، بخلاف استحقاق أحد العبيد، والفرق أنه لو مات عبد أحدهم وغاب الآخر بعبده فبيع العبد الحاضر في الدين فلو كان كالاستحقاق لرجع هذا في ثلث عبد الغائب وفي الدين يرجع عليه بنصفه في اتفاق قيمتها، وقد قال أشهب: إذا كان قد أتلفوا ما بأيديهم ودى كل واحد مصابته من الدين، فإن كان بعضهم عديماً ودى الملي جميع الدين ما بينه وبين أن يحيط بما ورث ثم يرجع على إخوته بمصابتهم، وهذا خلاف ما قال في مسألة الوارث المقر حين جعله فيها شريكاً لهم ولم يجعلهم ها هنا شريكاً.
وقد قال ابن القاسم: إذا جنى جانٍ على ما في يد أحد الورثة ثم طرأ دينٌ أن الورثة يتبعون جميعاً الجاني لأنه كان لجميعهم يوم جنى عليه. قال أشهب: إن أخذ الدين من جميع الورثة وأما إن أخذ من أحدهم فإنما يرجع هو وحده على الذي صار له ذلك العبد بما يصيبه من العبد وله من الجناية بقدر مصابته من العبد.
قال ابن عبدوس: هذا القول كأنه جعل/ الدين كالاستحقاق، ومذهب سحنون: أن رب الدين يأخذه مما بيد الورثة، وإذا أخذه منهم لم يرجعوا على المجني على عبده بشيء ولكن على الجاني بحصة ما يلحق قيمة العبد المجني إذا قضى على جميع ما بأيديهم فيرجع المجني على عبده على الجاني بما بقي مثل أن تكون قيمة المقتول يوم القتل خمسين وقيمة كل عبد بيد إخوته مائة والدين مائتان
стр. 5205
فبيع العبدان للدين أن الأخوين يأخذان من الجاني أربعين وأخوهما العشرة، ولو كان كالاستحقاق لرجعوا فيه أثلاثاً.
وقال أشهب وابن القاسم: إذا طرأ الدين وقد تلف ما بيد أحدهم كان حيواناً فماتت أو دوراً فانهدمت أو غصبها فلا شيء له ولا عليه، وإن باعه أو أتلفه بهبة أو غيرها رجع عليه صاحب الدين بدينه ما بينه وبين ما كان صار إليه، وأنكره سحنون.
وفي كتاب ابن حبيب: مثل ما قال أشهب: أن ما يصدقُ به يلزمه في لحوق الدين قيمته .. قال ابن عبدوس وقال أشهب في مسألة أخرى لا يضمن الوارث إلا ما أتلف كمن اشترى عبداً فاستحق من يديه وقد باعه أنه إنما عليه ثمنه وإن أعتقه رد عتقه وإن وهبه لم يتبع بشيء منه. قال أشهب: فالقسمة مثل هذا اقتسموا بسلطان أو بغير سلطان وقاله سحنون وتفسير قوله: إن كان الدين (يَغترق) التركة فإن رب الدين يأخذ ما وجد قديماً ويأخذ ممن باع الثمن إن لم يُحاب في البيع وليس له أن ينقضه، وقاله مالك: وإن لم يغترق الدين التركة ولم يُحاب وليس/ معروفاً بالدين قُسم الدين على قيمة من بقيت سلعته قائمة وعلى الجزء الذي باع به من باع فمن أدركه ملياً أخذ منه ومن كان عديماً فليأخذ من الملي ثم يرجع الملي على المعدمين بما كان يرجع به عليهم صاحب الدين.
ولو وهب أحدهم أو أعتق ثم طرأ دين يغترق التركة فلترد الهبة والعتق ويباعون في الدين، وكذلك الوارث وحده يرد عتقه وإن كانت أمة اتخذها أم ولد فليتبع بقيمتها ديناً عليه وإن لم يحط الدين بالتركة فض على جميع ما كان للإخوة ثم يباع مما وهب بقدر منابته من الدين، وتجوز الهبة فيما بقي، وأما العتق فيلزمه إن كان ملياً وتقوَّم عليه حصة الدين فيعتق كله وإن كان معدماً بيع من العبد بقدر حصة الدين وعتق ما بقي.
ومن العتبية (١) والمجموعة وكتاب ابن المواز قال أشهب عن مالك: فيمن ترك ألف دينار وعليه مائتا دينار دينٌ فباع وارثه بعض التركة فالبيع مردود. قال
стр. 5206
سحنون في المجموعة: لا يعجبني والبيع تام إن كان فيما بقي ما يؤدي الدين. وقد قال مالك: فيمن حلف بحرية رقيقه ليغصبن حقاً عليه إلى شيء فهو من بيعهم ممنوع، فإن باعهم وقضى الدين قبل الأجل أن بيعه تام لأن ما مر أجله برد بيعهم قد زال بالقضاء.
قال ابن عبدوس: وروى عن مالك في الورثة يبيع بعضهم من بعض بعد القسم أو يبتاعون من غيرهم ثم يلحقه دين أن رب الدين يأخذ ما وجد/ بأيدي الورثة ولا يأخذ ما اشترى بعضهم من بعض لأنهم ضمنوا ثمن ما باعوا به حتى يستوفي الغريم، وإن لم يكن عندهم شيء اتبعوا به ديناً ولا يضمنون ما هلك من الحيوان وإن كانوا قد استشفعوا به.
وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية (١): في الميت تنفذ وصاياه ويُقسم مالُه فينمو أو ينقص أو يُستهلك ثم طرأ دينٌ أن وصاياه ترد من يد من أخذها نامية أو ناقصة ولا يضمنون ما هلك بغير سببهم إلا أن يستهلكوا شيئاً أو يكونوا اشتروا شيئاً حُوسبوا به في وصاياهم فإنهم يردون ما حوسبوا به ولهم نماء ذلك تواه وكذلك الورثة ما أخذوا على الاقتسام فنماؤه وتواه على الغرماء ولهم وما استهلكوا غرموا وما أخذوه بمعنى البيع فنماؤه وتواه عليهم ولهم ويغرمون الثمن الذي كان وجب عليهم به وما قسموا من عروض يغاب عليها فيضمنون إلا ما قامت بينة بهلاكه فلا يضمنونه.
ومن كتاب الوصايا لمحمد بن المواز: وإذا لحق دينٌ بعد القسم انتقض القسم (قَلَّ) الدين أو كثُر إلا أن يتفقوا على أدائه وما هلك مما يُعاب عليه لم يُصدَّقوا إلا ببينة ولا يضمنون ما لا يُعاب عليه ويُصدَّقون فيه. قال ابن القاسم: لا يضمن الورثة ما مات أو نقص أصابوا في القسمة أو أخطؤوا بخلاف البيع لو بيع من ذلك شيءٌ باعه/ وصي أو قاضٍ فاشتراه بعض الورثة لضمنه بخلاف
стр. 5207
القسم تأخر الثمن أو تقدم، ولو كانت التركة عبداً فتقاووه فأخذه أحدهم فهو بيعٌ وهو له ضامن] (١).
ومن كتاب ابن سحنون: وكتب شجرة إلى سحنون: في الدين يُحكم به على الميت فيأمر الحكم أن يباع لذلك من أرضه بقدره ثم يأتي وارث غائب فيقول يؤدي الدين ويأخذ الأرض؟ فكتب إليه: إذا حضر الورثة وبدؤوا قضاء الدين فلا يباع عليهم وإن غاب بعضهم وغيبتُه قريبةٌ كُتب إليه حتى يُعرف قوله وإن بعدت غيبته بيع للغرماء بقدر الدين وقُسم ما بقي، ولو حضروا فقال بعضهم أقضي ما علي ولا يباع نصيبي فإن كان فيما يبقى تمام الدين فذلك له وإن لم يكن ذلك بيعت كلها وقُضي الدين إلا أن يفتكها الورثة بالدين.
قال ابن حبيب: ولُحُوقُ الوصية للرجل بالثلث أو للمساكين أو بعدة دنانير بمنزلة لحوق الدين في انتقاض القسم فيما يُنقض وفي ضمان الورثة ما يضمنونه وفي جميع ذلك.
في موصى له أو وارثٍ يطرأ على ورثة بعد القسم
وقال أشهب وابن القاسم في كتاب ابن حبيب: إذا طرأ موصى له بالثلث أو وارث طرأ بعد القسم فإن قسموا عيناً قال أشهب: أو قمحاً أو زيتاً أو عسلاً وما لا يُعرف بعينه؟ قالا: فإنما للقادم أن يتبع كل واحدٍ بما صار في يديه من حقه يكون شريكاً/ لهم بذلك. قال أشهب: ولو اقتسموا عروضاً أو رقيقاً شرك كل واحد فيما بيده إلا أن يكون لو قاسمهم إياها على اجتماعهم اجتمع له حقه في شيء واحد أو شيئين. وأما الدور فإن كانت من الدور التي تُقسم كل واحدة على حدة فهو مُخير بين أن يشارك كل واحد أو ينقض له القسم فيُجمع له حقه وكذلك إن كانت مما يُجمع في القسم فهو مُخير على ما ذكرنا.
--------
(١) ما بين معقوفتين ساقط من ف.
стр. 5208
وقال ابن المواز: في موصى له طرأ على موصى لهم فهو كغريم طرأ على غرماء لا يتبع المعدم إلا بما يتبع الملي إن كان أهل الوصايا استوفوا الثلث، وإن بقي منه فضلٌ مثل وصية الطارئ رجع على الورثة يكون فيما بأيديهم وأتبع الملي منهم بجميع ما صار إليه كغريم طرأ على ورثة وإن كان الثلث يضيق عنه وعن الموصى لهم وقد صار إلى الورثة من الثلث شيءٌ مثل أن يكون الثلث مائتين وخمسين ووصاياهم مائة مائة وهم ثلاثة فجاء وقد أخذ صاحباه مائتين فإن الذي له من الثلث خمسة أسداس مائة يأخذ منها من الورثة ثلاثة أسداس ويبقى له سدساً مائة يرجع على كل واحد بسدس مائة ولا يتبع الملي عن المعدم.
ومن كتاب محمد بن عبد الحكم على مذهب مالك: وإذا اقتسم الورثة داراً أو غير ذلك فأقام رجل بالبينة أن الميت أوصى له بالثلث أو أنه وارث معهم فما اقتسموا من العين فإن الموصى له بالثلث يكون شريكاً لكل واحد فيما/ صار في يديه، وأما الدور والأرضون فإن الموصى له أو الوارث يقاسمهمحتى يُجمع له حقه إذا كانت مما يُجمع في القسم من الدور والأرضين ولا يفرق حقه.
في الوارث يطرأ على الورثة بعد القسم
ومن المجموعة قال ابن وهب: إذا لحق بالميت ولد بعد موته فله حقه في تركته وما أكل الورثة تبعهم به وما عُرف هلاكه لم يضمنوه وما عابوا عليه وخفي هلاكه ضمنوا له نصيبه منه قال عنه ابن القاسم: يأخذ من كل واحد بقدر ما بيده من ميراثه ولا يتبع الملي بما عند المعدم. قال أشهب مثله وقال: هو بخلاف الدين إن كان ميراثه العُشر شرك هذا بعشر ما في يديه وإن باع أخذ منه عشر الثمن وما تلف بغير سببه لم يضمنه ويضمن ما أكل أو لبس.
قال ابن المواز: قال ابن عبد الحكم: اختلف في الوارث يطرأ على الورثة فقبل هو كغريم طرأ على غرماء لا يتبع الملي بما صار إلى المعدم وكالموصى له يطرأ
стр. 5209
على الموصى لهم. قاله ابن القاسم عن مالك ورواه وقاله أصبغ. وقال ابن عبد الحكم غير هذا، وهو قول أشهب أن الطارئ يقاسم من وجد من الورثة ملياً ما صار إليه حتى كأنه لم يترك الميتُ غيرهما ثم يتبعان باقي الورثة فمن أيسر دخلوا معه وساووه هكذا حتى يعتدلوا. قسم ١٢
قال محمد: وإن ترك امرأته وابناً فأخذت المرأة الثمن والابن ما بقي ثم طرأت زوجة أخرى فوجدت صاحبتها عديمة/ والابن ملي فليُرجع على الابن بثلث خمس ما صار إليه وهو جزءٌ من خمسة عشر مما في يديه لأن له أربعة عشر من ستة عشر ولكل واحد من الزوجين سهم ثم يرجعان على الزوجة بنصف ما أخذت فكل ما وجدا عندها من ذلك اقتسماه على خمسة عشر حتى يستوفيا. ولو قالت الطارئة لما قدمت قد صار إلى ميراثي فيكون كقولها قد تركتُ لكما ميراثي لا حاجة لي به ويُنقض القسمُ فيقسمان على خمسة عشر جزءاً للابن أربعة عشر ولهذه جزءٌ، ونعلم أنه قد صار لهذه الطارئة مثل ما أخذت هذه الزوجة من الابن فيصير ذلك على ستة عشر سهماً منقسماً على العدل.
قال ابن القاسم: ولو ترك ولدين وعبدين فأخذ كل واحد عبداً بقسمة أو بتبايع ثم مات أحد العبدين ثم قدم أخ ثالث فالقسمة باطل ويكون العبد الباقي بينهم أثلاثاً إن كانا اقتسما، وهذا الذي حكى محمدٌ عن ابن القاسم خلاف ما قال سحنون وخلاف ما ذكر مما بُني عليه القسم من قول مالك في الثلاثة أعبدٍ استُحق أحدُهم بعد القسم. قال محمد: ولو كان صار لكل واحد عبدُه بشراء من أخيه بثمن معلوم أو من وصي أبيهما لكانت مصيبةُ نصف العبد الميت بين الثلاثة إخوة وكانت مصيبة نصفه المشترى من مشتريه ثم يكون نصف العبد الحي الذي وقع عليه والنصف الذي لم يقع عليه يكون الأخوان في إنفاذ بيع/ مصابتها منه بالخيار.
وقال محمد: بل الطارئ وحده الذي له الخيار في إنفاذ بيع مصابته منه وهو سدس العبد فإن أنفذه رجع بثمنه على من قبضه ويكون نصف الميت المشترى
стр. 5210
منه مصيبته من المشترى له وحده يرجع الأخ الطارئ بثُمن ما يستحقه من هذا النصف المباع على أخيه الذي باع ثم يكون بالخيار في العبد الحي، فإن شاء أخذ ثلثه كله، سدس وقع عليه بيع وسدس لم يقع عليه بيع فيرجع هذا على الذي مات العبد بيده ثلث ما كان دفع إليه في ثمن العبد القائم.
ومن الواضحة قال: وإذا طرأ وارثٌ على ورثة بعد القسم فخلاف الدين يطرأ أو موصى له يطرأ عليهم، فإن كان ما قسموا عيناً أو ماشية قسموها عداً لم يُنقض القسمُ بقدوم الوارث وليرجع على كل وارث بما ينوبه مما أخذ لو كان هذا حاضراً، وما هلك بأيديهم بفعل منه أو بموت أو بجائحة فذلك سواء وهو ممن كان في يده ويضمن للقادم حصته منه، لأن القسم لم يُنقض ولا يتبع الملي بما على المعدم، وإن كان ما قسموا داراً أو دوراً أو شجراً أو أرضاً أو عروضاً ما كانت فإن القسم يُنقض لأنه لا يلزمه أن يأخذ من كل وارث حصته مما في يديه فيتفرق عليه سهمه ويجتمع لهم ولكن يُنتقضُ القسم ويصير كل ما مات أو هلك بغير سبب من كان في يديه من جميعهم ضمانه وما بيع أو تصدق به/ فمردود إلا أن يقع بالقسم الثاني في سهم البائع له أو المتصدق به فيمضي للمشتري وللمتصدق عليه. واحتج بمسألة مالك في الثلاثة أعبد يُستحق أحدهم ويموت الآخر وقد ذكرناها وضمنه القيمة فيما لم ينتقض فيه القسم وهي مما لا يعاب عليه.
في الميت يدع زوجة حاملاً هل يتعجل القسم؟
أو له ربعٌ قد عقد فيه كراءً
من العتبية (١) قال ابن القاسم عن مالك: في الميت يدع زوجته حاملاً هل يُقسمُ ماله؟ قال: لا تُقسم تركتُه حتى تضع، قيل: فإن لم يعلم هل بها حملُ أيتربص بها حتى تحيض؟ قال: ما سمعتُ. ثم سُئل عن امرأةٍ أبطأت حيضتُها
стр. 5211
قال: فلا يُقسم الميراث حتى يُتبين من حملها قيل: حتى تستبرئ؟ قال: ليس حتى تستبرئ ولكن يستأني حتى تطهر.
قال أبو زيد عن ابن القاسم: فيمن عقد في داره كراء سنةٍ ثم مات بعد مُضي شهر أو شهرين فأراد ورثته القسم؟ قال: الكراء ماضٍ ولهم قسمتُها ويعرف كل واحد منهم ما يصير له إذا كان لا يضر ذلك بالمكتري ولا يضيق عليه شيئاً، ولكل واحد أن يبني ما يصير له إن لم يضر بالمكتري وليس لهم إخراجه حتى تتم سنته.
في أجرة القاسم وشهادته
وكيف أمر القاضي بالقسم وإنفاذُه له
من العتبية (١) قال ابن القاسم في سماعه: كره مالك ما/ جُعل للقُسام مع القضاة في قسمهم وحسابهم، ولم يكن خارجة بن زيد ومجاهدٌ يأخذان في ذلك أجراً. قال ابن القاسم: وذلك رأيي ولينظر الإمامُ رجلاً يرضاه بقيمة لذلك ويجري له عطاءه مع الناس كما يُجري للقاضي وغيره ممن يحتاج إليه المسلمون.
قال ابن حبيب: إنما كرهه لأن ذلك يأخذونه من أموال اليتامى وغيرهم، وأما أن أجرى لهم من بيت المال فلا بأس به. وكذلك كل ما يحتاج الناس إليه وفي قسم غنائمهم.
قال: فإذا أجرى له عطاءه من بيت المال أو من الفيء لم يحل له أن يأخذ ممن يقسم بينهم شيئاً لأنه كالقاضي المرتزق، فإن لم يُجر له رزق فلا بأس أن يأخذ منهم، ولو قسم احتساباً كان أفضل له، وقد أجازه مالكٌ له ولكاتب الوثيقة ويكون الأجر في ذلك على عددهم لا على أنصبائهم وأدى المأخوذ منه المال الذي كان على يديه كواحد منهم في غُرم أجر الوثيقة لا يتوثق له ولهم، قال مالك: وكذلك لو طلب القسم أحدُهم وأبى الآخرون فألزمه فعلى الآبي والطالب أجرُ التقاسم سواء قال: وإذا قسم بين ورثة بأمر القاضي ثم أنفذ ذلك القاضي وأشهد
стр. 5212
به ثم اختلفوا أو نزع بعضُهم أو تجاوز الحق صاحبه ولم تحفظ البينة ذلك واحتاجوا إلى شهادة القاسم فإن كان هذا الحاكم هو أمره بذلك فشهادته وحده في ذلك جائزة إذا كان الحاكم يعلم/ ويذكر الآن أنه أمره بذلك يومئذ فليمض شهادته وحده على ما وصف. وقاله ابن الماجشون. وكذلك كل ما لا يباشره القاضي من الفعل والقسم والأحلاف والكتاب والنظر إلى العيب وشبهه فمأمون مقبول القول فيه عنده لأن فعله في ذلك كفعله كانوا مرتزقين أو غير مرتزقين.
قال ابن حبيب: وإن لم يمكن هذا الحاكم هو أمر القاسم بقسم ذلك وإنما أمره من قد درج من الحكام أو قومٌ تراضوا على قسمه فلا يجوز فيه شهادة القاسم أصلاً ولابد من اثنين سواه أن القاضي أمره بذلك وأنه بعد أن قسم نفذه القاضي أو أن الورثة تراضوا به وألزموا أنفسهم قسمه بعد أن قسم وكذلك العاقد والمحلف والكاتب والناظرُ إلى اللبيب لا تجوز شهادتهم عند غير الذي أمرهم في الذي أمرهم فيه لا وحدهم ولا مع غيرهم بحالٍ، كما لا تجوز شهادة القاضي المعزول فيما يذكر أنه حكم فيه لا وحده ولا مع غيره. وقاله ابن الماجشون، وهو تفسير قول مالك.
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا شهد قاسمان على ما قسماه بأمر قاض أو بغير أمره فإن كل إنسان ممن قسما بينهم قد استوفى في نصيبه فلا تجوز شهادتهما لأنهما شهدا على فعل أنفسهما. قال ابن حبيب: ولا يأمر القاضي بالقسم إلا القاسم المأمون المرضي عنده البصير بما يكلفه، فإن كان/ اثنان فهو أفضل وإن لم يجد إلا واحداً فهو يكفي وإذا أتاه فأعلمه أنه قسم وأتاه بصفة ما فعل جاز للقاضي قبوله منه والإشهاد عليه إذا رآه صواباً وأقر به أكابر الورثة ولم يدعوا بشيء ينظر لهم فيه فليُنفذه على الصغير والغائب بقول القاسم وحده، وليس بمعنى الشهادة بل هو بمعنى المعونة له على أمره، وبعض القضاة يبعث قاسماً لا يرضى حاله ويأمره من يرضاه أن يحضر معه وهم يجهلون أمر القسم فهذا خطأ ممن فعله، لأن من معه لا يدري صواب القاسم من خطئه أو عدله وجوره شيئاً وإنما يشهدهم على فعله وهم لا يعلمون من ذلك غير قوله بشهادتهم أنهم حضروا
стр. 5213
القسم على ما كتب لا ينبغي ولا يقبلها القاضي ولا ينبغي للقاضي أن يأمر القاسم المرضي أن يشهد على ما قسم حتى يأتيه به مكتوباً وينظر فيه، فإن رآه صواباً سأل الأكابر عن عمله فإن عاضوا فيه نظر فيه وإلا أمضاه.
في القوم يقتسمون الدار ولا يذكرون مجرى مائها
وكيف إن وقع خطأ أو غلط في القسم
من كتاب ابن حبيب: وسألتُ مطرفاً عن قوم اقتسموا داراً ومجرى مائها في ناحية منها فصارت تلك الناحية في سهم أحدهم ولم يذكروا المجرى؟ قال: إن لم يذكروا المجرى عند القسم/ انتقض القسم ثم يُقسم على بيان من ذكر مجرى كل سهم أن يصطلحوا بالتراضي فيمضي القسم الأول وكذلك إن لم يذكروا باب الدار في وقت القسم وقد وقع في نصيب أحدهم فإنه ينقض القسم ويُؤتنف على بيان أو يشترط ذلك في أول الوقت فيمضي على الشرط إن كان لكل واحد مفتحٌ لبابه ولمجرى مائه في نصيبه مضى ذلك وإن لم يُفسر ذلك فليؤتنف القسمُ، وقاله كله أصبغ.
قال مطرف: وإذا ظهر في قسمة القسام للأرض غلط أو خطأ فليُفسخ القسمُ ثم يُعاد ولا يُعدل بينهم ويقرون عليه، وكذلك لو لم يقع الغلط إلا في نصيب أحدهم لأُعيد القسمُ ما لم يفت ذلك ببناء من الذي وقع ذلك في سهمه، فإن فات فليرجع بقيمة ما نقص من سهمه مالاً فإن لم يبن ولكن باع فإن لم يبن المبتاع رُد البيعُ وفُسخ القسم وإن بنى المشتري رجع المنقوص السهم على البائع بقيمة ذلك مالاً فإن لم يجد عنده شيئاً رجع به على المشتري مالاً أيضاً ورجع به المشتري على البائع في ذمته قلت: فلو كان غير الذي وقعت الزيادة في سهمه بناءً؟ قال: ينتقض القسمُ فيما لم يبن وفي السهم الذي فيه الزيادة كما فسرتُ لك، وما فات بالبناء مما لم يقع فيه الغلط ماضياً لصاحبه. وقال أصبغ مثل ذلك كله.
تم كتاب القسم
بحمد الله وعونه وصلى الله على سيدنا محمد
стр. 5214
بسم الله الرحمن الرحيم عونك اللهم
الجزء الأول
من كتاب الوصايا (١)
في الحض على الوصية وذكر التشهد فيها
ومن كره للمعل أن يوصى بنصفه
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: ومن كتاب ابن حبيب وغيره: رُوي أن النبي ﷺ قال: ما حق امرئ مُسلمٍ له شيءٌ يُوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتُوبة (٢)، قال نافعٌ: فكان ابن عمر يكتبُ وصيته ثم ترك ذلك وقال: ما عندي ما أحدِث فيه وصية، رباعي حبس، وحائطي صدقةٌ، وما كان من شيءٍ فقد أنفقته. فلما احتضر قال: قد كنت أصنعُ في الحياة ما الله أعلم به وأما الآن فلا أرى أحداً أحق به من هؤلاء. وكذلك قال حاطب بن أبي بلتعة لعُمر وذكر من فعله في الصحة في ماله.
стр. 5215
ومن غير كتاب ابن حبيب: أن سعيد بن المُسيب لما قيل له في المحنة اعهد عهدك؟ قال: لستُ من يُوصى بأمره الرجال، ما كان لي من أمر فقد أحكمتُه، ونحو هذا.
قال غيره: وأما من عليه تباعةٌ أو ما فرَّط فيه من كفارةٍ أو غيرها من زكاة أو غير ذلك مما يُوصى فيه فواجب عليه أن يوصى بذلك، وإنما يُرخص في ترك التطوع.
وقال النبي ﷺ : لسعد: الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير ... (الحديث) (١).
ومن كتاب ابن حبيب: قال علي بن أبي طالب لمريض ذكر له الوصية: لا توص إنما قال الله سبحانه (إن تَرَكَ خَيْراً) (٢) وأنت لا تترك إلا اليسير دع/ ما لك لبنيك.
وقيل لعائشة: أيوصي من ترك أربعمائة دينار وله عدد من الولد؟ فقالت: ما في هذا فصل عن ولده.
وقيل لميمون بم مهران: إن فلاناً مات وأعتق كل عبدٍ له؟ فقال: تعصون مرتين يبخلون به وقد أُمروا بالإنفاق فإذا صار لغيرهم أسرفوا فيه. قال عمر: الثلث وسط لا بخس ولا شطط. قال ميمون بن مهران: لأن أوصي بالخُمس أحبُّ إلي من الربع وبالربع أحب إلي من الثلث، من أوصى بالثلث لم يترك شيئاً.
قال ابن القاسم عن مالك في العتبية (٣) وكتاب ابن المواز والمجموعة قال: كان من (أدركت) يكتبون التشهد قبل ذكر الوصية ومازال ذلك من شأن الناس
стр. 5216
بالمدينة، وإنه ليعجبني وأراه حسناً، ورواه عنه أشهب. قال أشهب في المجموعة: كل ذلك لا بأس به تشهد أو لم يتشهد، قد تشهد ناس فقهاء صالحون وترك ذلك بعض الناس وذلك قليل.
قال أشهب عن مالك في العتبية (١) والمجموعة وكتاب ابن المواز: قيل له: إن رجلاً كتب في ذلك: أومن بالقدر خيره وشره حلوه ومُره؟ قال: ما أرى هذا إلا كتب الصفرية والإباضية قد كتب من مضى وصاياهم ولم يكتبوا مثل هذا.
قال ابن حبيب: قال ابن سيرين: كانوا يكتبون: هذا ما أوصى به فلان بن فلان أوصى بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأوصى أهله من بعد موته بتقوى الله العظيم وأن يصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم نبيه: إلى قوله وأنتم مسلمون (٢).
/ ذكر وصية المُولى عليه والصبي والمجنون والمرتد
ووصية المولى عليه مما أدان أو تعدى وذكر تدبيره
من كتاب ابن المواز قال مالك وأصحابه: تجوز وصية الصغير إذا عقل ما يوصى به مثل ابن تسع سنين وشبهه.
قال ابن حبيب: قال ابن شهاب: في الصبي والصبية إذا عقلا الصلاة جازت وصيتهما. قال أصبغ وحده: إذا عقلا ما يفعلان، ومن المجموعة قال: قال مالك: تجوز وصية اليفاع. قال عنه ابن وهب وأشهب في كتاب ابن المواز: وتجوز وصية ابن عشر وتسع.
стр. 5217
ومن المجموعة: وتجوز وصية الأحمق والسفيه وتجوز وصية المصاب في حال إفاقته. قال عبد الملك: تجوز وصية المجنون في إفاقته، لأنه تجوز شهادته في تلك الحال إن كان عدلاً.
قال ابن كنانة: يجوز من وصية المُولى عليه وتدبيره وما لا يقع عليه إلا بعد موته وإنما يُمنع في حياته من مال إلى رشده ليأخذه فإذا جاء الموت لم يُمنع من خير يفعله في ثلثه ولو مُنع لكان توفيراً على وارثه فهو أحق من الوارث بالثلث.
ومنه ومن كتاب ابن المواز أشهب عن مالك: وإذا أدان المُولى عليه ثم مات لم يلزمه ذلك كالحي إلا أن يُوصى به وقد بلغ الوصية فيجوز في ثلثه. قال ابن نافع عن مالك مثله في المجموعة، قال ابن كنانة: كما يجوز في التطوع يوصى به كذلك يجوز/ على وجه القضاء في ثلثه ويبدأ على وصاياه وإن كان إنما سمى ذلك الدين ليُقضى من رأس ماله ولم يجعله في ثلثه، لم يجز ذلك على ورثته. قال عبد الملك: وإن دبر السفيه خادماً عالية الثمن لم يجز تدبيره ويجوز في قليلة الثمن، وأما تدبير من لم يبلغ الحُلم فلا يجوز بخلاف وصيته.
قال أشهب: لا يجوز تدبير المُولى عليه ويبطل ذلك وإن بقي العبد في يديه حتى ولي نفسه. قال ابن القاسم: له تدبير عبده في المرض فإذا صح بطل ذلك.
قال أشهب: في صبي أوصى إلى غير وصيه أن يُفرق ثلثه فلم يُجز وصيه إيصاءه إلى غيره فذلك للوصي أن لا يلي غيره تفرقة ثلثه. قال ابن نافع عن مالك: في يتيم أمر رجلاً أن يضرب غلاماً له فضربه وهو يقول له اضرب اقتُل فتمادى به حتى قتله؟ قال يضمنه الضارب. قيل: فأوصى اليتيم حين احتضر أن يعتق عنه وصيه رقبةً فيما ركب من الغلام؟ قال: إن سمى أن ذلك عن ضرب الغلام فهو مُبدأ على وصاياه وإن لم يُسمه لذلك لم يبدأ.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: فيمن ارتد وقد أوصى بوصايا ثم قُتل أو مات في ردته فوصاياه باطلٌ وإن راجع الإسلام ثم مات، فإن كانت تلك الوصايا
стр. 5218
مكتوبة جازت كلها وإلا لم تجز، وكذلك لو أوصى بها وهو مرتد، وهو كالمريض إذا صح ثم مات.
فيمن كتب وصيته عند سفره أو في مرضه
أو أشهد بها بغير كتاب ثم قدم أو أفاق
وكيف إن لم يقل إن متُّ من مرضي هذا أو سفري/
أو قاله أو قال في سنتي هذه
من كتاب ابن المواز والعتبية (١) قال ابن القاسم عن مالك: وإذا قال أو أشهد بغير كتاب إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا فعبدي حر ولفلان كذا ثم قدم المسافر وبرئ المريض ثم مات فذلك باطلٌ، وإن كان ذلك في كتاب بيده أو بكتاب عند غيره ثم أخذه فهو باطلٌ إلا أن يترك الكتاب الذي عند غيره فلا يأخذه حتى يموت فهو نافذ.
ومن المجموعة روى ابن القاسم وأشهب وعلي وابن نافع عن مالك: إذا أوصى إن مت من مرضي هذا ثم صح ولم يُغير وصيته حتى مرض مرضاً ثانياً فمات وقد أقر وصيته بحالها أنها نافذة.
قال عنه ابن القاسم في العتبية (٢) فيه وفي السفر فإذا قدم من ذلك السفر وأفاق من ذلك المرض ثم مرض بعد حين فمات فتؤخذ وصيتُه تلك ولم ينكرها الآن بإجازة ولا تغيير؟ قال: هي نافذة. وقال عنه في كتاب آخر: لا يجوز إلا أن يكون بيد غيره. قال سحنون: هذا أحسن.
قال عنه ابن القاسم فيه وفي المجموعة: وإن أوصى بأخرى جازتا إلا أن يُنقص في الثانية شيئاً من الأولى، وإن أوصى في الآخرة لرجل بمثل ما أوصى له في الأولى فإنما له ذلك مرة واحدة.
стр. 5219
قال ابن كنانة في المجموعة: في الموصي في مرضه أو سفره يقول: أو مت من مرضي بغير كتاب ثم صح أو قدم ثم مات بعد ذلك فذلك باطل، وإن كان بكتاب أشهد فيه ثم لم يحرفه ولا محاه ولا أشهد على تغييره حين أفاق أو قدم فهو نافذ.
وقال أشهب: إن مات من مرضٍ آخر/ جازت الوصية لأن فيها إن مت من مرضي هذا فلما أقرها في المرض الثاني فكأنه عناه، وسواء قال إن مت من مرضي هذا أو في مرضي، وكذلك في السفر إذا مات في سفر آخر فإن مات في غير سفر أو مات ذلك المريض في غير مرض فذلك باطل. وكذلك قال اشهب في كتاب ابن المواز وقال: ورواه عن مالك.
قال ابن القاسم وأشهب: وإذا كانت مبهمةً جازت وإن كانت عنده إذا أشهد عليها. قال أشهب في المجموعة: يعني في التي يذكر فيها إن مت في مرضي أو سفري والاستحسان غير القياس أنه إن مات في غير سفر ولا مرض أنها تنفذ إذا لم يغيرها لما عُلم أن ليس قصد الناس في ذكر السفر والمرض تخصيص ذلك، ألا ترى لو كتب في سفري هذا فبغته الموت قبل أن يسافر أنها نافذة.
ومن العتبية (١) وكتاب ابن المواز: ذكر ابن القاسم عن مالك: إذا كتب إن مت من مرضي هذا أو سفري ثم يفيق أو يقدم ثم يمرض فيموت فتوجد وصيتُه أنها نافذة، لأن أكثر وصايا الناس عند سفر أو مرض ثم يزول ذلك [فيثق] (٢) بوصيته أنها موضوعة فيقرها فهي نافذة. قال ابن المواز: يعني والله أعلم أنها كانت بيد غيره فأقرها لقوله موضوعة.
قال سحنون في المجموعة: روايته عنه أخرى أحسن وأبين إن كانت عنده فهي باطل وإن كانت عند غيره فهي جازت.
стр. 5220
قال في الكتابين: قال عنه ابن القاسم أيضاً:/ وكذلك لو قال فيها: إن مت من مرضي هذا أو قال فيما بيني وبين سنة فيموت بعد البرء أو بعد الأجل فهي نافذة إن لم يأخذها ممن هي بيده.
قال ابن المواز: قال ابن عبد الحكم: ومثله الحامل تقول: إن مت من حملي هذا ثم تموت من غير حمل أو من حمل يأتي ويموت الرجل في سفر يأتي أو مرض يأتي أو في غير سفر ولا مرض فإن كانت بيده بطلت وإن كانت بيد غيره نفذت.
ومسألة الحامل في العتبية (١) من سماع ابن القاسم أيضاً.
ومن المجموعة روى علي عن مالك: فيمن كتب في وصيته إن مت سنتي هذه فعاش بعدها شيئاً ثم مات ووصيتُه تلك بيده لم يغيرها ولا أحدث غيرها أنها نافذة جائزة.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: في حامل جاوزت ستة أشهر بمرض مرضاً من غير حملها فتوصي بوصايا ثم أفاقت ثم ماتت من نِفاسها؟ قالا: لا تجوز وصاياها تلك إلا ان تكون كتبتها وأقرت الكتابة حتى ماتت فلتنفذ، ولو كان مرضها الأول من سبب حملها فوصاياها جائزة كتبتها أو لم تكتبها إن ماتت من نفاسها لأنه نرضٌ واحدً.
فيمن أشهد على وصيته وأقرها عنده أو عند غيره
وكيف إن طبع عليها؟ وكيف إن قرأها أو لم يقرأها عليهم؟
من العتبية (٢) وكتاب ابن المواز: روى أشهب عن مالك: فيمن طبع في آخر وصيته وقال للقوم اشهدوا علي بما فيها ولم/ يقرأها ولا علموا ما فيها فكتبوا