← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96265

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة

محمد علي الهاشمي

Полный текст (330 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة بقلم الدكتور محمد علي الهاشمي دار البشائر الإسلامية

стр. 2

تعريف بالأديب والمفكر الإسلامي الدكتور محمد علي الهاشمي بقلم: الدكتور محمد حكمت وليد ولد الأستاذ الدكتور محمد علي الهاشمي في مدينة حلب بسورية عام ١٩٢٥ لأسرة متوسطة الحال عريقة، لها نسب مكتوب متصل بآل البيت، ورضع منذ نعومة أظفاره حبّ الإسلام والدعوة الإسلامية. أنهى دراسته الثانوية في حلب، وتقدم إلى مسابقة لاختيار معلمين سنة ١٩٥٢ كان الأول فيها، وعيّن معلماً في مدينة حلب حتى عام ١٩٥٤، ثم تقدم إلى مسابقة أخرى لاختيار عدد من حملة الشهادة الثانوية من جميع أنحاء سورية، وابتعاثهم لدراسة اللغة العربية والتربية، فكان الناجح الوحيد بين المتقدمين لهذه المسابقة في مدينة حلب. انتقل بعد ذلك إلى دمشق حيث أمضى دراسته الجامعية من عام ١٩٥٤ حتى عام ١٩٥٩ وحصل على الإجازة في الآداب وعلوم اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة دمشق، وعلى الإجازة في التربية من كلية التربية بجامعة دمشق عام ١٩٦٠. عُين بعد تخرجه مدرساً في ثانويات حلب من عام ١٩٦٠، ولبث في التدريس فيها حتى عام ١٩٧٤ وحصل على شهادة الماجستير من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام ١٩٦٥ ثم على شهادة الدكتوراه عام ١٩٧٠ من الجامعة نفسها. وقد نال الدكتور الهاشمي شهادة الدكتوراه لتحقيقه كتاب "جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام" لأبي يزيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، وهو منهل من مناهل الأدب العربي وسجلّ ضخم حافل من تراث العرب وحياتهم وأيامهم وخلائقهم .. وقد تقصى الدكتور الهاشمي نسخ الجمهرة المخطوطة في مظانها في مكتبات العالم في الفاتيكان وإستانبول وحيدر أباد وعليكرة في الهند، وكذلك في المتحف البريطاني ومكتبة جامعة برتستون والمكتبة الوطنية في باريس، وكذلك نسخة العلامة حمد الجاسر ونسخة الحرم المكي، وقام بتحقيقها وضبط أصولها. والجمهرة من أهم كتب التراث التي حفظت لنا نخبة من القصائد تعد من عيون شعر الجاهلية والإسلام، فيها الشعر السياسي، وفيها الحكمة والموعظة الحسنة، وفيها أيام العرب في جاهليتهم وإسلامهم، وفيها البيئة العربية، وفيها الكثير من الموضوعات التي تصور نفسية العربي وبيئته ومجتمعه وقيمه وأعرافه. وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه قام بالتدريس في كلية الآداب بجامعة حلب مدة سنتين، سافر بعدها إلى المملكة العربية السعودية بطلب من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حيث تعاقدت معه على التدريس في كلية اللغة العربية وكان ذلك عام ١٣٩٤هـ/١٩٧٤م وبقي فيها حتى عام ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. وفي رحاب الجامعة عرفه زملاؤه وطلابه أستاذاً قديراً ومربياً فاضلاً يغرس في طلابه حبّ العربية والإسلام .. ويجول معهم في حقول اللغة والأدب العربي، ويواصل فيهم روح الجد والبحث العلمي النزيه. ولا غرو في ذلك على من تربى في أحضان الدعوة الإسلامية ونهل من مناهل فكرها الشامل للكون والإنسان والحياة .. وغدا مُعلماً ومربياً انعكست أخلاق القرآن الكريم على سلوكه وانعكس كل ذلك على تربيته لتلاميذه وأولاده وأهل بيته. وبعد ما جال أديبنا في كتب التراث محققاً ومحلقاً في جمهرة أشعار العرب طاف مع الصحابي الجليل كعب بن مالك الأنصاري .. الصحابي الشاعر والأديب في كتاب يدرس حياته وشعره. يقول حفظه الله: كنتُ أمضي في دراستي له والسرور يغمر نفسي فأُحس في العمل نشاطاً واسترواحاً ومتعة ذلك أنني كنتُ أستشرف أثناء هذه الدراسة الفترة المباركة المشرقة التي أضاءت فيها مشكاة الوحي، وأصاخت الدنيا إلى ترتيل الكتاب المنزل، ونَعِمَ الوجود وشاهد الزمان الرعيل الأول من صحابة رسول الله ﷺ ، يبايعونه على إقامة صرح دولة الإسلام، وكان كعب بن مالك من هذا الرعيل. وقد كان لأستاذنا الهاشمي أيضاً جولات في علم البلاغة والعروض وله مؤلفات في هذا الحقل. أولها: المنهل العذب في الدراسة الأدبية والإعراب والبلاغة والعروض والقوافي. وثانيهما: العروض الواضح وعلم القافية. وله كذلك كتاب عن طرفة بن العبد الشاعر الجاهلي المشهور وأحد أصحاب المعلقات، درس فيه حياته وشعره، وكذلك كتاب: عدي بن زيد العبادي، الشاعر المبتكر .. حياته وشعره. ولم ينس الدكتور الهاشمي في غمرة انشغاله بالتدريس في رحاب جامعة الإمام .. سيّد البشر حبيبنا محمداً ﷺ وخصه عام ١٩٧٧ بدراسة فريدة في بابها سماها: "شخصية الرسول ودعوته في القرآن الكريم" ويقول في اختياره لهذه الدراسة: لا ريب أن الصورة الواضحة الصادقة لشخصية الرسول الكريم التي رسمت خطوطها ريشة القرآن المعجزة هي أصدق ما وصلنا عن الرسول ﷺ من أخبار وأصح وصف لحقيقة شمائله وأخلاقه، وأوثق تقرير لما كان عليه في حالاته جميعاً. فلا غروَ إذاً أن تكون الصورة الوضيئة المشرقة لشخصية الرسول الكريم التي استخدمت خطوطها وألوانها من هذا الكتاب الصادق الموثوق، لا غرو أن تكون أصدق وأوضح وأوثق وأضفى صورة في التراث العربي على الإطلاق، وقد درس في هذا الكتاب شخصية الرسول البشر الذي يُعدّه ربه لحمل الرسالة، ودرس بعد ذلك شخصية الرسول النبي الذي يوحى إليه وقال: "إن الباحث يجد نفسه أمام حقيقة ضخمة هائلة، إنه أمام شخصية طلعت على الدنيا زاداً للإنسانية جديداً، لا تزيده الأيام إلا جدة وكمالاً وحياةً، ولقد كان في توافر أسباب هذه العظمة الفريدة في شخص الرسول الكريم دليل قاطع على أن الله تعالى أراد أن يختار من البشر رسولاً يكون فريداً في تكوينه الروحي والخلقي والفكري، بحيث يجمع الفضائل البشرية من أطرافها، ويحوز محاسن الكمال الإنساني من جوانبه كلها. وبعدما جال كاتبنا في رياض التراث وتفيأ ظلال سيرة الرسول ﷺ في القرآن الكريم يبحر بنا إلى العصر الحديث ويصدر عام ١٩٨١ كتاب "شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنّة" وقد تلقى القراء والناشرون هذا الكتاب بالقبول الحسن وكتب له الذيوع والانتشار، وتعددت طبعاته وعمت فائدته، وقد ترجم إلى الإنكليزية وإلى التركية وطبع في تركيا نحو عشرين طبعة، وكل سنة يطبع مرتين أو ثلاثاً. يقول أستاذنا الهاشمي في مقدمة هذا الكتاب: "إن الله لم ينزل هذا الدين من فوق سبع سماوات ليكون نظريات تستمتع العقول بمناقشتها، ولا ليكون كلاماً مقدساً يتبرك الناس بتلاوته وهم لا يفقهون هديه ولا يدركون معانيه، وإنما أنزله الله ليحكم حياة الفرد ويقود حياة المجتمع وليكون نوراً يضيء طريق البشر .. وهذا ما صنعه رسول الله في صدر الدعوة إذ كانت أولى خطواته في درب الإسلام الطويل أن يصنع رجالاً يتجسد فيهم الإسلام، فإذا هم مصاحف تمشي على الأرض انتشروا في أنحاء الدنيا فرأى الناس فيهم نماذج فريدة من البشر يمثلون منهجاً للحياة فريداً أيضاً. والإنسانية اليوم والمسلمون على وجه الخصوص في أمسِّ الحاجة إلى صنع هذا النموذج الفريد من البشر الذي لا تطيب الحياة إلا به، ولا تسود القيم الإنسانية الرفيعة إلا بوجوده، ولا تتجلى حقيقة الإسلام اللألاءة إلا فيه. فما هي تلك الصورة الجميلة لهذا النموذج الإنساني الفريد؟ هذا ما يجده القارئ في شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة وفيها يتحدث حديثاً مفصلاً عن المسلم مع ربه ونفسه ومجتمعه. وقد أورد المؤلف في الكتاب أفكاراً مميزة قال في إحداها: فكما أن المسلم مؤمن يقظ مطيع أمر ربه كثير التلاوة للقرآن فهو كذلك يزاول الرياضة البدنية ويتقن لغة أجنبية .. وقد كان ابن الزبير ﵁ يتقن عدداً من اللغات دون أن تشغله هذه الصفات عن دينه وآخرته. وفي الحديث الذي رواه زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال له: يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي قال زيد فتعلمته فما مضى لي نصف شهر حتى حذفته فكنت أكتب لرسول الله إذا كتب إليهم وأقرأ كتبهم إذا كتبوا إليه، وفي حديث أخرجه الترمذي قال لي رسول الله ﷺ : أتحسن السريانية؟ فإنها تأتيني كتب قلت لا قال: فتعلمها .. فتعلمتُها. ثم يختار أستاذنا الهاشمي إحدى الشخصيات الإسلامية البارزة في العصر الحديث هو الشاعر عمر بهاء الدين الأميري ﵀، ويقوم بدراسته عام ١٩٨٦ من خلال ديوانين من دواوينه العديدة، يُطوّفان في أسمى آفاق الإنسانية، ويصفان أدق خلجات النفوس ويرسمان أقرب المشاهد إلى القلوب هما ديوان (أب) وديوان أمي اللذين -كما يقول- شدّ بهما إلى قيثارة الشعر العربي الحديث وترين جديدين عزف عليهما أجمل الألحان وأسمعنا ألواناً من شريف المعاني وبديع البيان. رثى الشاعر والدته بأصدق الشعر وأجمله وعندما يقرب اليوم الأربعون لوفاتها يمهد نفسه للصبر الجميل وهو يتأهب لزيارة ضريحها .. وذلك بإجراء حوار طويل بين عقله وعاطفته ينتصر فيه الرضى بقضاء الله وقدره، وإن كانت عينه دامعةً هتانه: رويد دموعك يا مقلتي ... أأبغي لها صفقة خاسره .. وهل برُّها أن تَعُدَّ عيوني ... اللياليَ ساهدة ساهره معاذ مقام الهوى أن تزيل ... جوى فقدها عبرة سائره ولكن ستبقى خلايا كياني ... لأمي ذاكرة شاكره غداً سوف أسعى إلى رمسها ... وأنشق أعرافها العاطره وأمسك دمعيَ لو أستطيعُ ... وأرسلُ من روحيَ الزاخره ضراعة صبٍ يرى في الرضى ... سُمُوا فكل الدنى عابره ويبقى رضى الله يربو ويحبو ... طمأنينة بالندى زاخره لقد كان حقاً كما وصفه أستاذنا الهاشمي شاعر الأبوة الحانية والبنوّة الباره .. والفن الأصيل .. ثم انتقل الدكتور محمد علي الهاشمي في أوائل العام الجامعي ١٤٨هـ - ١٩٨٨م إلى التدريس في كلية الآداب للبنات في الرياض، وبقي فيها حتى بلوغه السن القانونية في أوائل عام ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م ولا يزال يشرف على رسائل الدراسات العليا فيها. ولا ينسى في غمرة التحولات الحضارية الهائلية في عصر الكومبيوتر الفضائيات وهو يُدرّس في كلية البنات أن يبلور شخصية المرأة كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة، وصاغها بأسلوب مشرق يجمع بين أصالة الفكرة وجمال العرض وقوته .. وما لاقاه هذا الكتاب من الانتشار والقبول الحسن في الأوساط العربية والإسلامية يشير إلى ظمأ تلك القلوب إلى مصادر المعرفة الإسلامية الحقيقية الصافية .. فقد طبع الكتاب خمس طبعات خلال أربع سنوات وقد تمت ترجمته إلى التركية وطبعت منه عشرات الآلاف من النسخ كما تمت ترجمته إلى الإنكليزية والفرنسية. ولا غروَ في ذلك فإن هذا الكتاب يُجلّي العناية البالغة التي أولاها الإسلام المرأة في تكوين شخصيتها تكويناً كاملاً، شاملاً كل جانب من جوانب شخصيتها الفردية والأسرية والاجتماعية حتى بلغت في تكوينها الشأو الرفيع الذي لم تبلغه المرأة في تاريخها إلا في هذا الدين. وقد أذيعت معظم مواضيع هذا الكتاب بصوت المؤلف في حلقات متتابعة من إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية، ويقول الشيخ أمين سراح: ما من عائلة تركية مسلمة متمسكة بدينها إلا ولها جلسات تقرأ فيها من كتابي شخصية المسلم وشخصية المرأة المسلمة ويقول كثير من الشباب الأتراك أن كتاب شخصية المرأة المسلمة ساهم في النهضة النسائية في تركية والوعي الذي ظهر عند المرأة المسلمة والذي تمثل في انتخابات حزب الرفاه في حينها. إن أستاذنا الهاشمي ابن دعوة الإسلام عاصرها في نشأتها وتربى في أحضانها .. وعاش في صفوفها خادماً لدينه وأمته .. وشاهداً بأم عينيه العودة في حال ازدهارها وقد استوت على سوقها واشتد عودها، ورأى كذلك ما تلاقيه الدعوة من أشواك وعثرات على الطريق. ولم يمنعه حبه للدعوة وإخلاصه لها من تحديد تلك العثرات في نقد ذاتي موضوعي، ففي حياة الإسلاميين إيجابيات كثيرة لا ينكرها مُنصف ولا يُماري فيها عاقل عادل، ولكن لهم إلى جانب هذه الإيجابيات سلبيات لا سبيل إلى إنكارها أو المغالطة فيها، فهم بشر من بني آدم وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الحسن الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقد كان سيدنا عمر يقول: "رحم الله أمرأً أهدى إلى عمر عيوبه". وقد سطر أستاذنا الهاشمي ذلك في كتيب سماه (سلبيات يجب أن تختفي من حياة الإسلاميين) وعدد منها التعصب للرأي أو عالم أو جماعة، أو التعصب للبلد وأهله .. والضن بالنصيحة خشية الإحراج، وقلة النقد الذاتي. وقال: إن من علامات نضج الجماعات ومن الدلائل القاطعة على سلامة تفكيرها إقبالها على النقد الذاتي من تلقاء أنفسها وترحيلها بالنقد يصدر من غيرها وتقبله بصدور رحبة ونفوس سعة رضية ولا ريب أن هذا يسير بالدعوة نحو الأفضل. وقد حضر أستاذنا الهاشمي عدة مؤتمرات عالمية وأدبية في المملكة العربية السعودية والبلاد العربية والإسلامية وله بحوث ودراسات ومضَ بها الخاطر في فترات متباعدة وفي مناسبات مختلفة منها ما نشر في الصحف أو أذيع في الإذاعة والتلفاز، وقد جمعها في كتاب: "ومضات الخاطر" وهي بحوث ودراسات إسلامية واجتماعية وأدبية فاضت بها نفوس المؤلف فجاءت متنوعة الموضوعات ملونة الشكل والصورة والأسلوب. وفي الختام أقول: إنك قد تختلف مع بعض الأفكار والطروحات والمواقف لكاتبنا وأديبنا وأستاذنا الهاشمي ولكنك لا تملك إلا أن تكبر فيه تواضعه وإخلاصه وإيمانه بأفكاره، وبالتالي لا يمكنك إلا أن تحبه.

стр. 3

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة العاشرة ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م

стр. 5

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة بقلم الدكتور محمد علي الهاشمي دار البشائر الإسلامية

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك اللهم وأستعينك وأستهديك، وأصلي وأسلم على رسولك الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 7

مقدمة أما بعد، فإن اهتمامي في موضوع تجلية شخصية الإنسان المسلم كلما أراد له الإسلام أن يكون، يعود إلى سنين لا تقل عن عشر، إثر ملاحظتي على كثير من المسلمين إفراطا في جانب وتفريطا في جانب آخر، أو اهتماما بأمور وتساهلا بأمور أخرى؛ كأن تجد الواحد منهم يحرص على الصلاة في الصف الأول، ولكنه قد لا يأبه للرائحة الكريهة تنبعث من فمه، أو تفوح من أردانه (١)، أو تجده طائعا لله مخبتا خاشعا، ولكنه مقصر في صلة رحمه. وقد تجده منصرفا إلى العبادة والعلم، ولكنه مقصر في تربية أولاده، غافل عما يقرأون ومن يرافقون، أو تجده معنيا بأولاده، ولكنه عاق لوالديه، قاس في معاملتهما. وقد تجده برا بوالديه، ولكنه يظلم زوجته ويسيء عشرتها، أو تجده خسن العشرة لزوجه وأولاده، ولكنه يسيء معاملة جاره، وقد تجده منصرفا إلى شؤونه الخاصة مهتما بما يعود عليه بالنفع، ولكنه مقصر في علاقاته الاجتماعية واهتمامه بأمر المسلمين، أو تجده متدينا صالحا، ولكنه يتساهل بآداب الإسلام في السلام أو الطعام والشراب ومجالسة الناس ومحادثتهم ... ومن عجب أن تجد هذا النقص في بعض من يحسبون على الدعوة الإسلامية واتجاهها العملي المتميز الذي يكسب رجاله في الغالب حسا إسلاميا مرهفا، وفهما دقيقا لأحكام الإسلام وآدابه وقيمه، وانصياعا صادقا

стр. 8

لهديه القويم، ولكنه الآنشغال أو الغفلة أو اللامبالاة، توقع بعض الإسلاميين في مثل هذه الهنات والمخالفات من حيث يشعرون أو لا يشعرون. ودفعني اهتمامي بتجلية شخصية المسلم كما أراد لها الإسلام أن تكون إلى تتبع النصوص المتعلقة بالإنسان وتوجيهه وتكوينه، لأضع بين أيدي المسلمين، وخصوصا العاملين منهم، دراسة وافية شاملة تجلي تلك الشخصية، وتبرز ما تميزت به من صفات وعادات وأخلاق، لتكون نبراسا لأولئك المقصرين في بعض الجوانب، ليسموا بأنفسهم إلى المرتقى السامق الوضيء الذي أراده لهم دينهم الحق. وهالني ما رأيت، لقد رأيت البون شاسعا، والمسافة بعيدة جدا بين ما أراده الإسلام للمسلمين، وما أرادوه هم لأنفسهم، إلا قليلا منهم، ممن صحت عقيدتهم، وحسن إسلامهم، وصفت قلوبهم، وسمت نفوسهم، ونشطت هممهم، فأقبلوا على دينهم بصدق وشغف وحرارة، ينهلون من نبعه الصافي النمير، ويزدادون كل يوم جديدا من هديه المتألق الألاء. إن من يتاح له الاطلاع على هدي الله ورسوله للإنسان في مظانهما من كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، ليدهش من غزارة النصوص واستيعابها وشمولها لكل صغيرة وكبيرة من قضايا الإنسان المتصلة بربه وبنفسه وبالناس من حوله، وكلها توجيه وتكوين وبناء لشخصية الإنسان المسلم في كل جانب من جوانبها، وتأهيل لها للحياة الفردية والاجتماعية المثلى. ومن هنا يبدو الإنسان المسلم كما أرادت له هذه النصوص أن يكون، إنسانا اجتماعيا راقيا فذا، تضافرت على تكوينه هذا التكوين الفريد مجموعة من مكارم الأخلاق، نطقت بها آيات الكتاب الكريم وأحاديث السنة المطفرة، وجعلت التحلي بها دينا يحرص المرء عليه، ويبتغي به من ربه المثوبة والأجر.

стр. 9

ورحت أجمع تلك النصوص من كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، وأصنفها حسب أبوابها وموضوعاتها، حتى إذا تم لي هذا التصنيف اتضحت معالم البحث، وانتظمت في الأقسام التالية: ١ - المسلم مع ربه. ٢ - المسلم مع نفسه. ٣ - المسلم مع والديه. ٤ - المسلم مع زوجته. ٥ - المسلم مع أولاده. ٦ - المسلم مع أقربائه وذوي رحمه. ٧ - المسلم مع جيرانه. ٨ - المسلم مع إخوانه وأصدقائه. ٩ - المسلم مع مجتمعه. ولقد تبين لي من خلال مصاحبتي تلك النصوص، وتأملي ما تضمنته من هدي عال قويم، أن رحمة الله بعباده كانت كبيرة، إذ انتشلهم من وهدة الضلال، ورفعهم إلى علياء الهداية، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم رسالاته وشرائعه، ليبقى البشر دوما على المحجة البيضاء، لا يخبطون في ظلماء، ولا يتيهون في عماية، ولا تغم عليهم مسالك السبيل القصد. وكم بدت لي حاجة الإنسان لنفحات الهداية والتربية والتأدب كبيرة، ليستطيع أن يمارس إنسانيته، ويقوم بالدور الكبير الذي عهد الله إليه أن يقوم به في هذه الحياة، إذ لولا تلك النفحات القدسية الهادية الراشدة لغلب على الإنسان الارتكاس في حمأة الأثرة والأنانية والإضرار بالناس، والتمرغ في وحل الضغينة والحقد والاستغلال والسيطرة والظلم، وما إلى ذلك من ذميم العادة وسيء الأخلاق.

стр. 10

وإننا لواجدون مصداق ذلك في سلوك الطفل، إذ يقف بين يدي والديه، فيجهد نفسه في إثبات صلاحه واستقامة سلوكه وفضله على أخيه، ويحرص كل الحرص على تعرية أخيه من تلك الفضائل التي حلى جيده بها، وهو في ذلك يود أن يحقق ذاته، ويؤكد ميله الفطري إلى التغلب على أخيه والتفوق عليه في كل شيء. وهذه الخليقة في الإنسان طبيعة فطرية، بها قوام الإنسان وصلاح أمر الدنيا، ما دامت سوية معتدلة؛ ذلك أنها تدفع الإنسان إلى استخراج أعمق وأحسن ما فيه من خير، وهو، إذ ينسب هذا الخير إلى ذاته، ينعم بشعور الرضا يغمر أرجاء نفسه، فيذا هو يندفع قذمأ إلى المزيد من العطاء. على أن هذه الخليقة إذا تضخمت لدى المرء، وغالى الإنسان فيها، انقلبت إلى علة مرضية خطيرة كريهة، إذ يبرز الإنسان المصاب بها مغرورا دعيا، يتيه عجبا على أقرانه، وإنه لأبعد ما يكون عما يدعيه لنفسه من فضائل ومكرمات. وهنا تبرز قيمة الدين والتربية والأخلاق في كبح جماح المريض بهذه العلة، والكفكفة من غلواء إعجابه بنفسه، وتسديد خطوه نحو الاعتدال والتعقل والتواضع. والدين هو النبع الثر الدافق لكل فضيلة ومكرمة في هذه الحياة، وما احتوته مبادئ التربية ونصت عليه أصول الأخلاق، من قيم رفيعة، وعادات حسنة، وسلوك قويم، إنما تحدر إلى الإنسانية عبر القرون من ذلك المعين الإلهي المغدق الفياض. والذي يبدو واضحا في حياة البشر أنهم أدنى إلى الهبوط والتفلت منهم إلى الصعود والتماسك؛ إذ الهبوط دوما أسهل من الصعود، والتفلت أشهى

стр. 11

من التماسك، ولا بد من وازع يزعهم كلما رانت على قلوبهم الغفلة، وحادت بهم الأقدام عن الصراط المستقيم. ومن هنا كان لزاما على أرباب الفكر وحملة الأقلام أن ينشطوا في تجلية قيم الدين الرفيعة، وعرضها سائغة ميسرة ذلولا للناس، ويبينوا لهم الصورة المشرقة الوضيئة السمحة التي أراد الله لعباده أن يتخلقوا بها في هذه الحياة، لتكون الحياة جميلة ممتعة هنيئة. إن الله لم ينزل هذا الدين من فوق سبع سموات ليكون نظريات تستمتع العقول بمناقشتها، ولا ليكون كلاما مقدسا يتبرك الناس بتلاوته وهم لا يفقهون هديه ولا يدركون معانيه، وإنما أنزله الله ليحكم حياة الفرد، وينظم حياة الأسرة، ويقود حياة المجتمع، وليكون نورا يضيء طريق البشر، ويخرجهم من الظلمات إلى النور: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). وفي ظلال هذه الهداية ينضر العيش، وتطيب الحياة، ويهنأ الأحياء، وأولى الخطوات نحو هذه الحياة الراشدة الهنيئة إيجاد الفرد المسلم الصادق الذي تتمثل فيه صورة الإسلام الوضيئة المشرقة، يراها الناس فيرون الإسلام، ويتعاملون معها فيزدادون إيمانا به وإقبالا عليه. وهذا ما صنعه رسول الله ﷺ في صدر الدعوة، إذ كانت أولى خطواته في درب الإسلام الطويل أن يصنع رجالا يتجسد فيهم الإسلام، فإذا هم مصاحف تمشي على الأرض، انتشروا في أنحاء الدنيا، فرأى الناس فيهم

стр. 12

نماذج فريدة من البشر، يمثلون منهجا للحياة فريدا أيضا، فلما رأوا المنهج الفريد مجسدا في الفرد المؤمن الصادق أقبلوا يدخلون في دين الله أفواجا. والإنسانية اليوم، والمسلمون على وجه الخصوص، في أمس الحاجة إلى صنع هذا النموذج الفريد من البشر الذي لا تطيب الحياة إلا به، ولا تسود القيم الإنسانية الرفيعة إلا بوجوده، ولا تتجلى حقيقة الإسلام اللألاءة إلا فيه. فما هي تلك الصورة الجميلة لهذا النموذج الإنساني الفريد؟ هذا ما يجد القارئ الجواب عنه في الصفحات التاليات. والله أسأل أن يتقبل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، ويجعله زادا لي يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. الرياض في ٢٧ من جمادى الآخرة ١٤٠١ هـ ١ من أيار (مايو) ١٩٨١ م محمد علي الهاشمي

стр. 13

١ - المسلم مع ربه مؤمن يقظ: إن أول ما يتطلبه الإسلام من المسلم أن يكون مؤمنا بالله حق الإيمان، وثيق الصلة به، دائم الذكر له والتوكل عليه، يستمد منه العون مع أخذه بالأسباب، ويحس في أعماقه أنه بحاجة دوما إلى قوة الله وعونه وتأييده، مهما بذل من جهد، ومهما اتخذ من أسباب. والمسلم الحق الصادق يقظ القلب، مفتح البصيرة، متنبه إلى بديع صنع الله في الكون، موقن أن يده الخفيه العليا هي التي تسير أمر الكون وشؤون الناس، ومن هنا هو ذاكر دوما لله، يرى آثار قدرته غير المحدودة في كل ومضة من ومضات الحياة، وفي كل مشهد من مشاهد الكون، فيزداد إيمانا به، وذكرا له، وتوكلا عليه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ... ﴾ (١). مطيع أمر ربه: فلا بد أن يكون المسلم الصادق مطيعا لله في أمره كله، مخبتا،

стр. 14

خاشعا، وقافا عند حدوده، ممتثلا أمره ولو خالف هواه، منصاعا لهديه ولو جاء على غير مزاجه، ومحك إيمان المسلم هذا الآنصياع والامتثال لأمر الله ورسوله في كل كبيرة وصغيرة من غير تحفظ ولا احتراس ولا استثناء: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)) (١). ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). إنه الاستسلام المطلق لحكم الله ورسوله، والطاعة الكاملة المطلقة أيضا، وبدونهما لا يكون إيمان، ولا يتحقق إسلام. ومن هنا ينتفي من حياة المسلم الصادق الآنحراف عن هدي الله، والمجانبة لأمر رسوله، سواء أكان ذلك في شخص المسلم أم في أسرته وأطرافه، ممن له عليهم التوجيه والمسؤولية والسلطان. يشعر بمسؤوليته عن رعيته: ذلك أنه ما من تقصير أو تهاون أو تفريط في جنب الله ورسوله، يقع فيه أحد أفراد أسرة هذا المسلم إلا وهو مسؤول عنه: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ... )) (٣). وهذه المسؤولية التي يحسها المسلم الصادق من جراء تفريط أحد أفراد أسرته تخز جنبه، فلا يطيق عليها صبرا، ويسارع في إزالة أسبابها مهما تكن النتائج، فما يصبر على هذه المسؤولية، وما يطيق السكوت عليها إلا رجل في إيمانه ضعف، وفي دينه رقة، وفي رجولته خور.

стр. 15

راض بقضاء الله وقده: والمسلم الصادق راض دوما بقضاء الله وقدره، يضع نصب عينه حديث رسول الله ﷺ : ((عجبا لأمر المسلم! إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)) (١). ذلك أن المسلم الصادق يعتقد في أعماقه أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، وأن ما يصيبه في هذه الحياة ما كان ليخطئه، لأنه قدر مقدور، لا قبل له بدفعه، وأن رضاه بقضاء الله وقدره يكسبه الثواب الجزيل من الله، ويكتبه عنده من المؤمنين الطائعين الفائزين. ومن هنا كان أمره كله خيرا، إن أصابته سراء لهج لسانه بالشكر الجزيل لربه الكريم المنعم المتفضل، وإن أصابته ضراء صبر امتثالا لأمره، ورضي بقضائه وقدره، وفي كلا الحالين خير له، أي خير. أواب: وقد تغشى نفس المؤمن أثارة من غفلة، فتزل به القدم، أو يقع في تقصير، لا يليق بالمؤمن البصير المطيع الخابت الخاشع، ولكنه سرعان ما يتذكر ويتنبه وينتفض من غفلته، وينخلع من زلته، ويستغفر من تقصيره، ويؤوب إلى حمى ربه الآمن مخبتا نادما مستغفرا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢).

стр. 16

فالغفلة لا ترين على قلب خفق بحب الله وتقواه، ولكنها ترين على القلوب التي أعرضت عن أمره وهداه. وقلب المسلم الصادق متفتح دوما إلى الاستغفار والتوبة والإنابة، مستروح أبدا نسمات الطاعة والهداية والتقى والرضوان. همه مرضاة ربه: والمسلم الصادق يبتغي في أعماله كلها وجه الله، همه مرضاة ربه في كل خطوة من خطواته، وفي كل عمل من أعماله، لا مرضاة الناس، بل قد يضطر أحيانا إلى إغضاب الناس في سبيل مرضاة الله، مستهديا في ذلك كله بقول الرسول الكريم: ((من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس)) (١). ومن هنا هو يزن أعماله بميزان مرضاة الله ، فما رجحت به كفة هذا الميزان قبله وارتضاه، وما شالت به الكفة أعرض عنه وجفاه. وبذلك تستقيم مقاييس المسلم، وتتضح أمام عينيه معالم الطريق القصد والسبيل القويم، فلا يقع في متناقضات مضحكة سخيفة، كأن تراه يطيع الله في أمر ويعصيه في آخر، أو يحل الشيء عاما ويحرمه عاما؛ إذ لا مجال للتناقض ما دامت المنطلقات صحيحة، والمنهج بينا، والمقاييس ثابتة. إن الذين تراهم في المسجد مصلين خاشعين، ثم تراهم في السوق يتعاملون بالربا، أو تراهم في البيت أو الشارع أو المدرسة أو المنتدى لا يقيمون شرع الله على أنفسهم وزوجاتهم وأولادهم ومن يعولون، يعانون نقصا واضطرابا في فهمهم وتصورهم لحقيقة هذا الدين المتكامل الذي

стр. 17

يقود المسلم في أعماله كلها إلى حقيقة كبرى، وهي مرضاة الله ، فيجعله يزن كل قضية بميزان رضاه، ومن هنا يبدو هؤلاء أنصاف مسلمين، وقد لا يكون لهم من الإسلام سوى الاسم، وهذا الازدواج في الشخصية من أخطر ما ابتلي به المسلمون في هذا العصر. مؤد الفرائض والأركان والنوافل: والمسلم الصادق يؤدي فرائض الإسلام وأركانه أداء كاملا حسنا، لا تهاون فيه ولا تساهل ولا ترخص. يقيم الصلوات الخمس: فهو يقيم الصلوات الخمس بأوقاتها؛ إذ الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين (١)، وهي أجل الأعمال وأفضلها كما في الحديث الذي رواه ابن مسعود ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الصلاة على وقتها))، قلت: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين))، قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)) (٢). ذلك أن الصلاة صلة بين العبد وربه، ينقطع فيها الإنسان عن شواغل الحياة، ويتجه بكيانه كله إلى ربه، يستمد منه الهداية والعون والتسديد، ويسأله الثبات على الصراط المستقيم. فلا غرو أن تكون الصلاة أجل الأعمال وأفضلها؛ لأنها المورد الثر الذي يتزود منه المسلم تقواه، ولأنها المنهل العذب النقي الذي يغسل بنميره خطاياه: فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى

стр. 18

من درنه شيء؟)) (١)، قالوا: لا يبقى مم درنه، قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)) (٢). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الصلوات الخمس كمثل نهر غمر جار على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات)) (٣). وعن ابن مسعود ﵁ أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤)، فقال الرجل: ألي هذا؟ قال: ((لجميع أمتي كلهم)) (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر)) (٦). وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)) (٧). والأحاديث والآثار والأخبار في بيان فضل الصلاة وأهميتها وخيرها على المصلين كثيرة متنوعة، لا تتسع لها هذه الصفحات.

стр. 19

يشهد الجماعة في المسجد: ويحرص المسلم التقي على الجماعة الأولى في المسجد ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ ذلك أن رسول الله ﷺ أخبر أن ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) (١). وأخبر الرسول ﷺ أن المسلم ((إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة (٢)، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة)) (٣). وبشر الرسول الكريم المصلي الحريص على الجماعة بالجنة في كل غدوة من غدواته إلى المسجد أو روحة إليه، فقال: ((من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا، كلما غدا أو راح)) (٤). ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أحرص ما يكونون على صلاة الجماعة، وفي ذلك يقول عبد الله بن مسعود ﵁: من سره أن يلقى الله تعالى غدا مسلما فليحافط على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف

стр. 20

عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى (١) بين الرجلين حتى يقام في الصف (٢). ويبلغ اهتمام الرسول ﷺ بأمر الجماعة في المسجد أن يهم بتحريق بيوت تاركي الجماعة من غير عذر، إذ يقول: ((والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب، فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم)) (٣). فلا عجب بعد ذلك أن نجد مثل سعيد بن المسيب لا يرى خلال ثلاثين سنة قفا أحد في المسجد لأنه كان دائما في الصف الأول قبل الأذان، وأمثال سعيد كثير في تاريخ المسلمين. ولم يكن بعد الدار عن المسجد ليعيق الصحابة الكرام عن حضور الجماعة كلما سمعوا النداء، لما كان للجماعة من أهمية بالغة في نفوسهم، بل إنهم كانوا يسرون ببعد بيوتهم عن المسجد ليكتب لهم ممشاهم إلى المسجد، وتحسب لهم خطواتهم إليه في صحيفة أعمالهم: فعن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدا أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة! فقيل له: لو اشتريت حمارا لتركبه في الظلماء وفي الرمضاء (٤)، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : ((قد جمع الله لك ذلك كله)) (٥).

стр. 21

ولقد كان من هدي الرسول الكريم للصحابة الذين بعدت بيوتهم عن المساجد ألا يتحولوا إلى بيوت قريبة منها، وأكد لهم أن آثارهم في السعي إليها ستكتب في صحيفة أعمالهم، وأن خطواتهم الكثيرة إليها لن تضيع: فعن جابر ﵁ قال: ((خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنوا سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك النبى ﷺ فقال لهم: ((بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟)) قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: ((بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم))، فقالوا: ((ما يسرنا أنا كنا تحولنا)) (١). وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام)) (٢). وجاء الحث على حضور الجماعة في الصبح والعشاء في عدد من النصوص، بين فيها الرسول الكريم الثواب الجزل العميم لمن شهد الجماعة في هاتين الصلاتين، أجتزئ منها بنصين: الأول: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)) (٣). والثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال سول الله ﷺ : ((ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا)) (٤).

стр. 22

يصلي السنن الرواتب والنوافل: ولا يفوت المسلم التقي الحريص على فوزه في آخرته أن يصلي السنن الرواتب أيضا، ويأتي من النوافل ما يتسع له نشاطه وتنشط إليه نفسه آناء الليل وأطراف النهارة ذلك أن الإكثار من النوافل يدني العبد من ربه، ويرفعه إلى مقام حبه له ورضاه عنه، وإنه لمقام على كريم، إذا بلغه الإنسان أحبه الله، وخصه بقوته الكبرى، فكان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ... يشهد لذلك الحديث القدسي: ((ما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) (١). ويترتب على محبه الله للعبد أن يحبه أهل السماء والأرض، مصداق ذلك ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني احب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض)) (٢). ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه، فتسأله أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر

стр. 23

الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيجيبها: ((أفلا أكون عبدا شكورا؟)) (١). يحسن أداء الصلاة: ويحرص المسلم الحق في صلواته كلها على أن تكون حسنة الأداء، مستكملة الشروط، لا مجرد قيام وقعود وحركات، والذهن شارد، والنفس مبلبلة، والقلب خواء. وهو لا ينفتل من صلاته توا لينغمر في شواغل الحياة وتيارها الجارف، بل يكون له بعد الصلاة استغفار وأذكار وتسبيحات نصت عليها السنة المطهرة، يتوجه بعدها إلى الله العلي الكبير بدعاء خاشع من أعماق القلب أن يهبه خيري الدنيا والآخرة، وأن يجعل له من أمره رشدا، وبذلك تؤدي الصلاة دورها في تصفية الروح، وترقيق القلب، وتزكية النفس، ولهذا كله كان الرسول صلوات الله عليه يقول: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) (٢). ومن هنا كان المصلون الصادقون الخاشعون في حمى الله الآمن، وفي رعايته الشاملة، لا يجزعون إذا مسهم شر، ولا يمنعون إذا غمرهم خير: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ... ﴾ (٣). يؤذي زكاة ماله: وهو يؤتي الزكاة، إن كان ذا سعة توجب عليه الزكاة، فيحصي ما يتوجب عليه دفعه من هذه الفريضة بكل دقة وأمانة وتقوى، وينفقه في مصارفه المشروعة، ولو بلغ مقدار الزكاة المتوجبة عليه آلافا كثيرة، أو ملايين، ولا يدور في خلده أن يتهرب من بعض ما يتوجب عليه دفعه.

стр. 24

ذلك أن الزكاة فريضة مالية تعبدية محددة، لا يسع المسلم الصادق أن يتهاون في إخراجها كاملة كما بينتها الشريعة. وما يتلكأ في إخراجها مسلم إلا وفي تدينه غبش، وفي نفسه كزازة، وفي خلقه التواء. وحسبنا أن نعلم أن حابسها يقاتل ويهدر دمه، حتى يؤديها كاملة كما بينتها أحكام الدين، وما تزال قولة أبي بكر الصديق ﵁ في أهل الردة تتردد في سمع الزمان معلنة عظمة هذا الدين في ربطه بين الدين والدنيا: ((والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)) (١). وإنه لقسم من أبي بكر يوحي بعمق فهمه لطبيعة هذا الدين الكامل المتكامل، وللعلاقة الوثقى بين الصلاة والزكاة في إقامة صرحه، إذ رأى آيات القرآن الكريم تترى متضافرة متآزرة متعاقبة تقرن بين الصلاة والزكاة على هذا النحو المتلازم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٢). (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣). ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (٤). يصوم شهر رمضان ويقوم ليله: والمسلم الحق يصوم رمضان إيمانا واحتسابا، والإيمان يعمر قلبه: ((أن من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٥)، ويعرف حق الصوم عليه في حفظ لسانه وبصره وجوارحه عن كل مخالفة، تخدش صومه، أو تحبط من أجره:

стр. 25

((إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)) (١). ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) (٢). ولا يغيب عن بال المسلم الصائم أنه يعيش شهرا لا كالشهور؛ إنه شهر الصوم، والصوم لله، وهو الذي يجزي به، وجزاء الله الغنى المتفضل المنعم أكبر وأوفى وأعم وأشمل من أن يتصوره خيال: ((كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنه بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك)) (٣). ومن هنا وجب على المسلم اليقظ الحصيف أن يغتنم أويقات هذا الشهر المبارك، فيملأها بالعمل الصالح؛ فنهاره صوم وصلاة وتلاوة وصدقة وغير ذلك من الصالحات، وليله قيام وتهجد ودعاء: ((من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٤). ولقد كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان بالإكثار من الأعمال الصالحة ما لا يجتهد في غيره، وبخاصة في العشر الأواخر منه: فعن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره)) (٥).

стр. 26

وعنها ﵂ قالت: ((كان رسول الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل كله، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر)) (١). وكان يأمر بتحري ليلة القدر، ويرغب في قيامها بقوله: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)) (٢). وقوله: ((تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)) (٣). وقوله: ((من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٤). ومن هنا كان هذا الشهر الكريم شهر عبادة خالصة، لا مجال فيه للمسلم الجاد أن يقضي الليل في اللهو والسهر الفارغ الطويل، حتى إذا ما قارب طلوع الفجر، وغشيه النعاس، تناول لقيمات، وآوى إلى فراشه، وراح يغط في نوم عميق، وقد لا يصحو لأداء صلاة الفجر!. إن المسلم التقي الواعي تعاليم دينه يعود من صلاة التراويح، فلا يطيل السهرة لأنه سيستيقظ بعد سويعات قليلة لقيام الليل وتناول طعام السحور، ثم الذهاب إلى المسجد لأداء صلاة الفجر. ولقد أمر رسول الله ﷺ بالسحور، لما فيه من خير كثير، فقال: ((تسحروا، فإن في السحور بركة)) (٥). ذلك أن الاستيقاظ للسحور يذكر بقيام الليل، وينشط النفوس للانطلاق إلى المساجد لأداء صلاة الفجر في جماعة، هذا إلى ما فيه من تقوية الأجسام

стр. 27

على الصوم، وهذا ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، ويروض عليه أصحابه: فعن زيد بن ثابت ﵁ قال: ((تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قيل: كم كان بينهما؟ قال: خمسون آية)) (١). يصوم النافلة: والمسلم التقي اليقظ لا يفوته صوم النافلة في غير رمضان، كصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم تاسوعاء؛ فصيام هذه الأيام من أفضل الأعمال التي تكفر الذنوب كما أخبر بذلك الرسول الكريم ﷺ : فعن أبي قتادة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة، فقال: ((يكفر السنة الماضية والباقية)) (٢). وعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه (٣). وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: ((يكفر السنة الماضيمه)) (٤). وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لئن بقيت إلى قابل (٥) لأصومن التاسع)) (٦). وكذلك صوم ستة أيام من شوال، وفي بيان فضل صومها يقول الرسول الكريم ﷺ :

стр. 28

((من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر)) (١). ومن الأيام المستحبة صيامها ثلاثة أيام من كل شهر، وفي ذلك يقول أبو هريرة ﵁: ((أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أثام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)) (٢). وعن أبى الدرداء ﵁ قال: ((أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لن ادعهن ما عشت: بصيام ثلائة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر)) (٣). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله)) (٤). ووردت نصوص تحدد هذه الأيام الثلاثة بالثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وتسميها الأيام البيض، ووردت نصوص أخرى تفيد أن الرسول الكريم كان يصوم ثلاثة أيام غير محددة من كل شهر: فعن معاذة العدوية أنها سألت عائشة ﵂ أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت: من أي الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي الشهر يصوم)) (٥). يحج بيت الله الحرام: والمسلم الواعي هدي دينه يضع نصب عينيه أن يحج بيت الله متى

стр. 29

استطاع إلى ذلك سبيلا، وقبل سفره إلى الديار المقدسة يعكف على دراسة أحكام الحج دراسة مستفيضة، فيقف على كل صغيرة وكبيرة منها، فإذا ما أقبل يؤدي مناسك الحج كان حجه صحيحا تاما، وكان واعيا فاهما الحكم البليغة التي انطوت عليها هذه الفريضة العظيمة، وشعر بطمأنينة الإيمان تتغلغل في مسارب نفسه، وأحس بشاشة الإسلام تغمر كيانه، فينقلب بعد هذا الحج المبرور إلى أهله وبلده، وقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأفعمت نفسه إيمانا بعظمة هذا الدين الذي جمع أمم الأرض قاطبة حول البيت المعمور، فإذا الحج مؤتمر شعبي دولي أممي، لا تشهده الدنيا إلا في الحج، وإذا الحجيج على اختلاف ألوانه وأجناسه ولغاته يصدع بالتلبية والتهليل والتكبير والتسبيح والحمد للإله الواحد العلي الكبير. يعتمر: ولا ينسى المسلم المطيع أمر ربه أن يعتمر أيضا في غير أوقات الحج، إن تيسرت له الأسباب، ولا سيما في رمضان؛ ذلك أن العمرة في رمضان تعدل في ثوابها حجة مع رسول الله ﷺ كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: ((لما رجع النبي ﷺ من حجته قال لأم سنان الأنصارية: ((ما منعك من الحج؟)) قالت: أبو فلان - تعني زوجها- كان له ناضحان (١)، حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضا لنا. قال: ((فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي)))). متمثل معنى العبودية لله: والمسلم يعتقد اعتقادا جازما أنه ما وجد في هذه الحياة إلا لعبادة ربه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢).

стр. 30

وعبادة الله تتمثل في كل حركة من حركات الإنسان الإيجابية البناءة لإعمار الكون، وتحقيق كلمة الله في الأرض، وتطبيق منهجه في الحياة، كما تتمثل في شعور العبودية لله الواحد القهار، يستقر في ضمير المسلم، ويكون منطلقه في أعماله كلها، بحيث يبتغي بها وجه الله، وبذلك تكون أعمال المسلم عبادة كاداء الشعائر، ما دامت نيته في حركته كلها أنه يعمل في سبيل الله. إن أجل الأعمال التعبدية التي يقوم بها المسلم الحق هو العمل على تحكيم شرع الله في الأرض، وتطبيق منهجه في الحياة، بحيث يحكم حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. وإن المسلم الصادق ليشعر أن عبادته تبقى ناقصة، إذا هو لم يبذل جهده لتحقيق الهدف الكبير الذي خلق الله الجن والإنس من أجله، ألا وهو إعلاء كلمة الله في الأرض، الذي به وحده تتحقق عبادة البشر لله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، وبه وحده يتحقق معنى ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)) في واقع الحياة. ومن هذه الرؤية الراشدة والتصور الواعي لحقيقة العبادة في الإسلام، لا يستطيع المسلم إلا أن يكون صاحب رسالة في هذه الحياة، هي أن يكون الحكم لله وحده في شتى شؤون الحياة، لا يكمل إسلامه إلا بحملها، ولا تتحقق عبادته لربه إلا بالعمل الجاد الدائب المخلص على تحقيقها في واقع الحياة، وهذه الرسالة هي التي تعطي للمسلم هوية الآنتساب الصحيح للإسلام، وهي وحدها التي تدخله في زمرة المسلمين المجاهدين الصادقين، وهى التي تجعل الحياة في نظره ذات معنى، يليق بخلافة الإنسان في الأرض، إذ يفسر له علة وجوده في هذه الحياة، وتفضيل الله إياه على كثير ممن خلق:

стр. 31

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١). فلا بدع أن يقبل المسلم الصادق على هذه الرسالة إقبال الربيع، فيهبها كل خيره، ويمنحها كل كنوزه، ويضع في سبيل نصرتها كل وقته وجهده وماله؛ ذلك أنها سمة حياته المتميزة، ومعنى وجوده السامي، وعنوان قربه من الله، لا طعم لحياته إلا بها، ولا معنى لوجوده بدونها، ولا اطمئنان إلى رضوان الله إلا بالعمل المتواصل الدؤوب على تحقيقها. وهي، بعد، أعظم عبادة يقوم بها المسلم المتبتل الصادق، يتقرب بها إلى الله، وهي أجل عمل يدنيه منه، ويكسبه رضاه. ومن هنا كان المسلم الواعي عاملا دوما على نصرة هذه الرسالة وتحقيق هدفها الكبير في الحياة، لا يمنح ولاءه إلا لها، ولا يرفع راية إلا رايتها، ولا يلتزم بعقيدة سواها. كثير التلاوة للقرآن: ومن أجل بلوغ هذا المرتقى السامي الوضيء يفيء المسلم دوما إلى ظلال القرآن الوارفة المعطرة، يستروح فيها نسمات الهداية الندية البرود، ويستشرف آفاق الخير، تفتحها له آيات الذكر الحكيم، فهو يكثر من تلاوته في تدبر وتفكر وخشوع، ويجعل لهذه التلاوة أوقاتا لا تتخلف، يخلو فيها إلى ربه يتلو كلامه، فتنسرب معانيه في نفسه فتزكيها، وتلامس عقله فتنميه، وتخالط قلبه فتزيده إيمانا وطمأنينة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢). وحسب المسلم التقي الواعي أن يتملى الصورة الجميلة المحببة لقارئ القرآن التي رسمها الرسول الكريم ببيانه البليغ الفذ، ليملأ بياض

стр. 32

أيامه وسواد لياليه بتلاوة القرآن الكريم، والتغني بمعانيه العاليه المباركة الوضاء. يقول الرسول الكريم ﷺ : ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة (١)، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمر، لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر)) (٢). ويقول الرسول ﷺ : ((اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه)) (٣). ويقول أيضا: ((الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران)) (٤). فهل يستطيع المسلم الصادق بعد هذا أن يتلكأ في تلاوة القرآن وتدبر معانيه؟!. وبعد، فهذا شأن المسلم الحق مع ربه: إيمان صادق عميق، وعمل صالح مستمر، وتطقع دائم إلى رضوانه، يؤكد عبوديته له، ويحقق الهدف من وجوده في هذه الحياة الذي حدده قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥). ...

стр. 33

٢ - المسلم مع نفسه تمهيد: يريد الإسلام من المسلمين أن يكونوا شامة في الناس، متميزين في زيهم وهيئاتهم وتصرفاتهم وأعمالهم، حت يكونوا قدوة حسنة، تجعلهم جديرين بحمل رسالتهم العظمى للناس، ففي حديث الصحابي الجليل ابن الحنظلية أن النبي ﷺ قال لأصحابه وكانوا في سفر قادمين على إخوانهم: ((نكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأحسنوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)) (١). والرحال هنا: ما يوضع على ظهر الجمل عند ركوبه. والفحش والتفحش: كل ما يشتد قبحه. فقد عد رسول الله ﷺ الهيئة الرديئة، والحالة الزرية، وإهمال العناية بالمظهر، والتبذل في اللباس أو المرافق المفروشة: فحشا وتفحشا، وهو مما يكرهه الإسلام الحنيف، وينهى عنه. إن المسلم الحق لا يهمل نفسه، ولا ينسى ذاته، مع التكاليف العليا التي يحملها في هذه الحياة؛ إذ لا ينفصل في تصوره مظهر الإنسان عن مخبره، فإن الشكل المرتب الحسن أليق بالمحتوى الجليل والجوهر النبيل، ومن هذا كله يتكون المسلم الداعية إلى الله.

стр. 34

فالمسلم الحق الواعي الحصيف هو الذي يوازن بين جسمه وعقله وروحه، فيعطي لكل حقه، ولا يغالي في جانب من هذه الجوانب على حساب جانب، مستهديا بهدي رسول الله ﷺ المتوازن الحكيم، وذلك فيما يروي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ علم بمغالاته في العبادة فقال له: ((ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال: بلى يارسول الله. قال: ((فلا تفعل، صم وأفطر، ونم وقم؛ فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا ... )) (١). فكيف يحقق المسلم هذا التوازن بين جسمه وعقله وروحه؟. أ - جسمه معتدل في طعامه وشرابه: يحرص المسلم كل الحرص على أن يكون صحيح الجسم، قوي البنية. ولهذا، فهو يعتدل في طعامه وشرابه، لا يقبل على الطعام إقبال الشره النهم، وإنما يصيب منه ما يقيم به صلبه، ويحفظ عليه صحته وقوته ونشاطه، مستهديا بقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢). وبقول الرسول الكريم وهديه في الاعتدال في الطعام والشراب: ((ما ملأ آدمى وعاء شرا من بطنه، فإذا كان لا محالة فاعلا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه (٣).

стр. 35

وبقول عمر ﵁: ((إياكم والبطنة في الطعام والشراب، فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة. وعليكم بالقصد فيهما، فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف. وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه)) (١). ويجتنب المسلم المخذرات والمنبهات، بله المحرمات منها، ينام مبكرا ويستيقظ مبكرا، ولا يتناول الدواء إلا في حالة المرض. أما فيما عداها، فكل ما في نظام حياته يساعد على الصحة والنشاط الطبيعيين. والمسلم الواعي يعلم أن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، كما قرر رسول الله ﷺ ، ومن هنا هو يعمل على تقوية جسمه باتباع نظام صحي في حياته. يزاول الرياضة البدنية: إن المسلم الحق، وإن كان في الغالب صحيح الجسم قوي البدن، لبعده عن المنهكات والمهلكات من المأكولات والمشروبات الضارة الخبيثة المحرمة، ولتجنبه العادات السيئة المجهدة المنهكة كالسهر والآنهماك بما يوهي العزيمة ويحط الجسم، ليعمل جاهدا على كسب المزيد من القوة لجسمه، فلا يكتفي بالأسلوب الحياتي الصحي الذي رسمه لنفسه، بل يزاول الرياضة المدروسة التي تناسب جسمه وعمره ووضعه الاجتماعي، وتهب جسمه قوة ونشاطا وحيوية ومناعة من العلل والأمراض، ويضع لذلك مواعيد

стр. 36

لا تخلف، لتؤتي هذه التمارين أكلها، وتعطي نتاجها الطيب لجسمه، كل ذلك باعتدال وتوازن ونظام اتسم به المسلم الحق الواعي في كل زمان ومكان. نظيف الجسم والثياب: والمسلم الذي يريده الإسلام شامة بين الناس نظيف جدا، نظيف في جسمه، يستحم كثيرا، وفي فترات متقاربة مستجيبا في ذلك لهدي النبي ﷺ الذي حث على الاغتسال الكامل والتطيب، وبخاصة يوم الجمعة، فقال: ((إغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنبا، وأصيبوا من الطيب)) (١). وبلغ من شدة حضه على النظافة بالاستحمام أن بعض الأئمة ذهب إلى أن الاغتسال واجب لصلاة الجمعة. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما. يغسل فيه رأسه وجسدها (٢). والمسلم الحق نظيف في ثوبه وجوربه، يتفقد ثيابه وجوربه بين الحين والحين، فلا يرضى أن تفوح من أردانه أو قدميه رائحة منفرة، ويستعين على ذلك بالطيب أيضا، فلقد حكي عن سيدنا عمر ﵁ أنه كان يقول: ((من أنفق ثلث ماله في الطيب ما كان مسرفا)). ويتعهد المسلم الواعي فمه، فلا يشم أحد منه رائحة مؤذية، وذلك بتنظيف أسنانه يوميا بالسواك والفرشاة والمطهرات والمنظفات، ويتفقد فمه، فيعرضه على طبيب الأسنان مرة في كل سنة على الأقل، وعلى غيره من أطباء

стр. 37

الفم والحنجرة والبلعوم، إن احتاج الأمر إلى ذلك، بحيث يبقى فمه نقيا معطر الأنفاس. تروي السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂: أن رسول الله ﷺ ((كان لا يرقد ليلا ولا نهارا، فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ، (١). وتبلغ عناية الرسول الكريم بنظافة الفم حدا يجعله يقول: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) (٢). وسئلت السيدة عائشة عن أي شيء يبدأ به الرسول الكريم إذا دخل بيته، فقالت: ((السواك)) (٣). إنه لمما يؤسف له أن نرى بعض المسلمين يهملون هذه الجوانب، وإنها لمن لب الإسلام وصميمه، فلا يعتنون بنظافة أفواههم وأبدانهم وملابسهم، فتراهم يغشون المساجد وغيرها من مجالس الذكر وحلقات الدرس والمذاكرة، وروائحهم البشعة تؤذي إخوانهم الحاضرين، وتنفر الملائكة التي تحف هذه الأماكن الجليلة المباركة. ومن عجب أنهم يسمعون ويرددون قول رسول الله ﷺ فيمن أكل ثوما أو بصلا أو كراثا، ألا يقرب المساجد لكيلا يؤذي برائحة فمه الملائكة والناس: ((من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأدى مما يتأدى منه بنو آدم)) (٤). لقد حظر رسول الله ﷺ على الذين أكلوا بعض البقول ذات الرائحة الخبيثة الاقتراب من المسجد، لئلا تتاذى الملائكة والناس من أنفاسهم

стр. 38

المشبعة بتلك الرائحة، ولعمري إنها لأهون شانا وأخف وقعا على النفس من كثير من روائح الملابس والجوارب المتسخة، والأبدان القذرة المنتنة، والأفواه البخر، التي تفوح من بعض الأفراد المتساهلين أو الغافلين عن النظافة، فيتأدى الناس منها في مجامعهم. وروى الإمام أحمد والنسائي عن جابر ﵁، أنه قال: أتانا رسول الله ﷺ زائرا، فرأى رجلا عليه ثياب وسخة، فقال: ((ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوتة؟)). لقد أنكر الرسول الكريم أن يظهر الإنسان على الملأ بثياب وسخة ما دام قادرا على غسلها وتنظيفها، إشعارا منه، صلوات الله عليه، للمسلم بأن يكون دوما نظيف الثياب، حسن المظهر، محبب المنظر. وكان يقول: ((ما على أحدكم إن وجد أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته)) (١). إن الإسلام ليحض أبناءه جميعا في عديد من النصوص على النظافة؛ فهو يريد منهم أن يكونوا نظيفين دوما، تفوح ثيابهم بالطيب، وتفوح من أجسامهم الروائح النظيفة العطرة الزكية. وهذا ما كان عليه رسول الله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم بإسناده عن أنس بن مالك ﵄، قال: ((ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ )). والأحاديث والأخبار في نظافة جسمه وملابسه، وطيب ريحه وعرقه، ﷺ ، كثيرة مستفيضة. منها: أنه كان إذا صافح المصافح، ظل يومه يجد ريح الطيب في يده، وإذا وضع يده على رأس الصبي، عرف من بين

стр. 39

الصبيان بالرائحة الزكية. وذكر البخاري في تاريخه الكبير عن جابر: أن النبي ﷺ لم يكن يمر في طريق، فيتبعه أحد، إلا عرف أنه سلكه من طيبه. ونام مرة في دار أنس، فعرق، فجاءت أم أنس بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالت: هذا عرقك، نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب (١). ألا ما أحوج المسلمين إلى قبسات من هدي هذا الرسول العظيم!. ومن هدي هذا الرسول العظيم أمره ﷺ برعاية الشعر وإصلاحه وتجميله التجميل المشروع في الإسلام؛ وذلك في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان له شعر فليكرمه)). وإكرام الشعر في الذوق الإسلامي يكون بتنظيفه وتمشيطه وتطييبه وتحسين شكله وهيئته. وقد كره النبي ﷺ أن يدع الإنسان شعره مرسلا مهملا شعثا منفوشا، بحيث يبدو للأعين كأنه الغول الهائج، وشبهه لقبح منظره بالشيطان، وذلك في الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلا عن عطاء بن يسار، قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه الرسول بيده، كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال النبي ﷺ : ((أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم وهو ثائر الرأس، كأنه شيطان؟!)). وواضح أن في تشبيه الرسول الكريم الرجل المنتفش الشعر بالشيطان

стр. 40

تعبيرا عن شدة عناية الإسلام بحسن المنظر وجمال الهيئة، وإنكاره التبذل وقبح المظهر. ولقد كان الرسول الكريم دائم التنبيه إلى هذه الملاحظ الجمالية في هيئة الإنسان، ما رأى رجلا زري الهيئة، مهملا ترجيل شعره إلا أنكر عليه إهماله وتقصيره وزرايته بنفسه. روى الإمام أحمد والنسائي عن جابر ﵁، قال: ((أتانا رسول الله ﷺ زائرا، فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره، فقال: ((ما كان يجد هذا ما يسكن به رئسه؟!)). حسن الهيئة: والمسلم الحق يعنى بلباسه وهندامه؛ لذلك تراه حسن الهيئة، أنيق المظهر، من غير مغالاة ولا سرف، ترتاح لمرآه العيون، وتأنس به النفوس، لا يغدو على الناس في هيئة مزرية قميئة مهلهلة، بل يتفقد نفسه دوما قبل خروجه على الناس، فيتجمل لهم باعتدال؛ فقد كان رسول الله ﷺ يتجمل لأصحابه، فضلا عن تجمله لأهله. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: (روى مكحول عن عائشة ﵂ قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء، ويسوي لحيته وشعره. قالت عائشة: فقلت له: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: نعم، إذا خرج الرجل إلى إخوانه، فليهيىء من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال)). والمسلم يفعل هذا كله وفق نظرية الإسلام الوسط في الأمور كلها،
следующие страницы →