← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96265

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة

محمد علي الهاشمي

Полный текст (330 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لا تخلف، لتؤتي هذه التمارين أكلها، وتعطي نتاجها الطيب لجسمه، كل ذلك باعتدال وتوازن ونظام اتسم به المسلم الحق الواعي في كل زمان ومكان. نظيف الجسم والثياب: والمسلم الذي يريده الإسلام شامة بين الناس نظيف جدا، نظيف في جسمه، يستحم كثيرا، وفي فترات متقاربة مستجيبا في ذلك لهدي النبي ﷺ الذي حث على الاغتسال الكامل والتطيب، وبخاصة يوم الجمعة، فقال: ((إغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنبا، وأصيبوا من الطيب)) (١). وبلغ من شدة حضه على النظافة بالاستحمام أن بعض الأئمة ذهب إلى أن الاغتسال واجب لصلاة الجمعة. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما. يغسل فيه رأسه وجسدها (٢). والمسلم الحق نظيف في ثوبه وجوربه، يتفقد ثيابه وجوربه بين الحين والحين، فلا يرضى أن تفوح من أردانه أو قدميه رائحة منفرة، ويستعين على ذلك بالطيب أيضا، فلقد حكي عن سيدنا عمر ﵁ أنه كان يقول: ((من أنفق ثلث ماله في الطيب ما كان مسرفا)). ويتعهد المسلم الواعي فمه، فلا يشم أحد منه رائحة مؤذية، وذلك بتنظيف أسنانه يوميا بالسواك والفرشاة والمطهرات والمنظفات، ويتفقد فمه، فيعرضه على طبيب الأسنان مرة في كل سنة على الأقل، وعلى غيره من أطباء

стр. 37

الفم والحنجرة والبلعوم، إن احتاج الأمر إلى ذلك، بحيث يبقى فمه نقيا معطر الأنفاس. تروي السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂: أن رسول الله ﷺ ((كان لا يرقد ليلا ولا نهارا، فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ، (١). وتبلغ عناية الرسول الكريم بنظافة الفم حدا يجعله يقول: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) (٢). وسئلت السيدة عائشة عن أي شيء يبدأ به الرسول الكريم إذا دخل بيته، فقالت: ((السواك)) (٣). إنه لمما يؤسف له أن نرى بعض المسلمين يهملون هذه الجوانب، وإنها لمن لب الإسلام وصميمه، فلا يعتنون بنظافة أفواههم وأبدانهم وملابسهم، فتراهم يغشون المساجد وغيرها من مجالس الذكر وحلقات الدرس والمذاكرة، وروائحهم البشعة تؤذي إخوانهم الحاضرين، وتنفر الملائكة التي تحف هذه الأماكن الجليلة المباركة. ومن عجب أنهم يسمعون ويرددون قول رسول الله ﷺ فيمن أكل ثوما أو بصلا أو كراثا، ألا يقرب المساجد لكيلا يؤذي برائحة فمه الملائكة والناس: ((من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأدى مما يتأدى منه بنو آدم)) (٤). لقد حظر رسول الله ﷺ على الذين أكلوا بعض البقول ذات الرائحة الخبيثة الاقتراب من المسجد، لئلا تتاذى الملائكة والناس من أنفاسهم

стр. 38

المشبعة بتلك الرائحة، ولعمري إنها لأهون شانا وأخف وقعا على النفس من كثير من روائح الملابس والجوارب المتسخة، والأبدان القذرة المنتنة، والأفواه البخر، التي تفوح من بعض الأفراد المتساهلين أو الغافلين عن النظافة، فيتأدى الناس منها في مجامعهم. وروى الإمام أحمد والنسائي عن جابر ﵁، أنه قال: أتانا رسول الله ﷺ زائرا، فرأى رجلا عليه ثياب وسخة، فقال: ((ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوتة؟)). لقد أنكر الرسول الكريم أن يظهر الإنسان على الملأ بثياب وسخة ما دام قادرا على غسلها وتنظيفها، إشعارا منه، صلوات الله عليه، للمسلم بأن يكون دوما نظيف الثياب، حسن المظهر، محبب المنظر. وكان يقول: ((ما على أحدكم إن وجد أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته)) (١). إن الإسلام ليحض أبناءه جميعا في عديد من النصوص على النظافة؛ فهو يريد منهم أن يكونوا نظيفين دوما، تفوح ثيابهم بالطيب، وتفوح من أجسامهم الروائح النظيفة العطرة الزكية. وهذا ما كان عليه رسول الله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم بإسناده عن أنس بن مالك ﵄، قال: ((ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ )). والأحاديث والأخبار في نظافة جسمه وملابسه، وطيب ريحه وعرقه، ﷺ ، كثيرة مستفيضة. منها: أنه كان إذا صافح المصافح، ظل يومه يجد ريح الطيب في يده، وإذا وضع يده على رأس الصبي، عرف من بين

стр. 39

الصبيان بالرائحة الزكية. وذكر البخاري في تاريخه الكبير عن جابر: أن النبي ﷺ لم يكن يمر في طريق، فيتبعه أحد، إلا عرف أنه سلكه من طيبه. ونام مرة في دار أنس، فعرق، فجاءت أم أنس بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالت: هذا عرقك، نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب (١). ألا ما أحوج المسلمين إلى قبسات من هدي هذا الرسول العظيم!. ومن هدي هذا الرسول العظيم أمره ﷺ برعاية الشعر وإصلاحه وتجميله التجميل المشروع في الإسلام؛ وذلك في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان له شعر فليكرمه)). وإكرام الشعر في الذوق الإسلامي يكون بتنظيفه وتمشيطه وتطييبه وتحسين شكله وهيئته. وقد كره النبي ﷺ أن يدع الإنسان شعره مرسلا مهملا شعثا منفوشا، بحيث يبدو للأعين كأنه الغول الهائج، وشبهه لقبح منظره بالشيطان، وذلك في الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلا عن عطاء بن يسار، قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه الرسول بيده، كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال النبي ﷺ : ((أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم وهو ثائر الرأس، كأنه شيطان؟!)). وواضح أن في تشبيه الرسول الكريم الرجل المنتفش الشعر بالشيطان

стр. 40

تعبيرا عن شدة عناية الإسلام بحسن المنظر وجمال الهيئة، وإنكاره التبذل وقبح المظهر. ولقد كان الرسول الكريم دائم التنبيه إلى هذه الملاحظ الجمالية في هيئة الإنسان، ما رأى رجلا زري الهيئة، مهملا ترجيل شعره إلا أنكر عليه إهماله وتقصيره وزرايته بنفسه. روى الإمام أحمد والنسائي عن جابر ﵁، قال: ((أتانا رسول الله ﷺ زائرا، فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره، فقال: ((ما كان يجد هذا ما يسكن به رئسه؟!)). حسن الهيئة: والمسلم الحق يعنى بلباسه وهندامه؛ لذلك تراه حسن الهيئة، أنيق المظهر، من غير مغالاة ولا سرف، ترتاح لمرآه العيون، وتأنس به النفوس، لا يغدو على الناس في هيئة مزرية قميئة مهلهلة، بل يتفقد نفسه دوما قبل خروجه على الناس، فيتجمل لهم باعتدال؛ فقد كان رسول الله ﷺ يتجمل لأصحابه، فضلا عن تجمله لأهله. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: (روى مكحول عن عائشة ﵂ قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء، ويسوي لحيته وشعره. قالت عائشة: فقلت له: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: نعم، إذا خرج الرجل إلى إخوانه، فليهيىء من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال)). والمسلم يفعل هذا كله وفق نظرية الإسلام الوسط في الأمور كلها،

стр. 41

وهي نظرية الاعتدال التي لا إفراط فيها ولا تفريط: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١). لقد أراد الإسلام لأبنائه ودعاته على وجه الخصوص أن يغشوا المجتمعات، وهم شامات مشتهاة، لا مناظر مؤذية تقتحمها الأعين وتصد عنها النفوس؛ فليس من الإسلام في شيء أن يسف الإنسان في مظهره إلى درجة الإهمال المزري بصاحبه، بدعوى أن ذلك من الزهد والتواضع؛ فرسول الله ﷺ ، وهو سيد الزهاد والمتواضعين، كان يلبس اللباس الحسن، ويتجمل لأهله وأصحابه، ويرى في هذا التجمل وحسن الهندام إظهارا لنعمة الله عليه: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)) (٢). وفي طبقات ابن سعد (٣): عن جندب بن مكيث ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قدم الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر علية أصحابه بذلك، فلقد رأيت رسول الله ﷺ يوم قدم وفد كندة، وعليه حلة يمانية، وعلى أبي بكر وعمر ﵄ مثل ذلك)). وأخرج ابن المبارك والطبراني والحاكم والبيهقي وغيرهم عن عمر ﵁ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ دعا بثياب جدد، فلبسها، فلما بلغت تراقيه قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي)) (٤). وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ يلبس البرد أو الحلة تساوي خمسمئة أو أربعمئة (٥).

стр. 42

واشترى ابن عباس ﵁ ثوبا بألف درهم فلبسه (١). وما دام التجمل لا يبلغ حد التأنق المفرط، فهو من الزينة الطيبة التي أباحها الله لعباده وحض عليها: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة- يعني: أيعد هذا من الكبر؟ - قال النبي ﷺ : ((إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق (٣)، وغمط الناس)) (٤). وهذا ما فهمه الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان وساروا عليه. ومن هنا كان الإمام أبو حنيفة ﵁ حسن الهيئة والثياب، طيب الريح، حريصا على دوام التأنق في الملبس، بلغ من حرصه على إصلاح الشأن وتحسين الثياب والهندام أنه كان يحث الناس على ذلك، ويبالغ في حثهم على إصلاح هيئتهم، ولقد رأى ذات يوم أحد جلسائه في ثياب رثة، فانفرد به وقدم إليه ألف درهم ليصلح بها هيئته، فقال له الرجل: إني موسر، وفي نعمة، ولا أحتاج إليها، فقال له أبو حنيفة معاتبا: أما بلغك الحديث: ((إن الله يجب أن يرى أثر نعمته على عبده؟)) فينبغي لك أن تغير حالك، حتى لا يغتم بك صديقك.

стр. 43

وبدهي أن الدعاة إلى الله ينبغي أن يكونوا أحسن هيئة، وأجمل مظهرا، وأتم أناقة، وأكثر جاذبية من غيرهم، ليكونوا أقدر على التغلغل في مسارب القلوب، والوصول بدعوتهم إلى دخائل النفوس. بل إنهم لمطالبون دون غيرهم بأن يكونوا كذلك، وإن لم يظهروا على الناس؛ فالدعاة إلى الله ينبغي أن يعنوا بهيئاتهم ونظافة أبدانهم وثيابهم وأظافرهم وشعورهم، ولو كانوا في خلوة مع أنفسهم، مستجيبين بذلك لنداء الفطرة السليمة التي أخبر بها وبمستلزماتها الرسول الكريم في قوله: ((خمس من الفطرة: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب)) (١). فرعاية جمال الفطرة الإنسانية مما حبب به هذا الدين، ورغب فيه كل ذي طبع راق وذوق سليم. على أن هذه العناية بالمظهر لا تنزلق بالمسلم الحق الصادق إلى المغالاة في التزين، والإفراط في التأنق، إلى حد يختل فيه التوازن الذي أقام الإسلام عليه تشريعاته جميعا؛ فالمسلم الواعي يقظ متنبه دوما إلى الاعتدال في كل شيء، بحيث لا يطغى جانب في حياته على جانب. ولا يغيب عن باله أن الإسلام الذي حض على التزين والاهتمام بالمظهر وأخذ الزينة عند كل مسجد، هو هو الذي حذر من الإفراط والمبالغة في الزينة، بحيث تستعبد الإنسان في هذه الحياة، وتغدو شغله الشاغل وهمه الدائم الكبير، وذلك في الحديث الشريف القائل: ((تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة (٢) والخميضة (٣)، إن أعطي

стр. 44

رضي، وإن لم يعط لم يرضى)) (١). ولا ريب أن الدعاة إلى الله في منجاة من هذا المنزلق وعصمة، بما أحاطوا به أنفسهم من هدي هذا الدين العظيم، وبأخذهم بنظرية الاعتدال والوسط التي جاءت بها تشريعاته السمحة الغراء. ب - عقله العلم عند المسلم فريضة وشرف: يعتقد المسلم أن تعهد العقل بالعلم، واستخدامه في الكشف عن آلاء الله في الكون فريضة؛ لقول الرسول الكريم ﷺ . ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) (٢). ومن هنا كان فرضا عليه أن يقبل على تعهد عقله بالعلم والمعرفة تعهدا دائما، لا يقف ما دامت أنفاس الحياة تتردد في صدره، ونبضها يدفع الدم في عروقه. وحسب المسلم تشجيعا على طلب العلم أن الله ﵎ رفع من شأن العلماء، فخصهم بخشيته وتقواه، وجعل ذلك الشرف مقصورا عليهم دون سائر الناس، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣). فما يخشى الله حق خشيته إلا الذين استنار فكرهم، وتجلت لهم قدرة الله وعظمته في خلق الكون والحياة والأحياء، وهم العلماء.

стр. 45

ثم فضلهم على غير العالمين بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). وجاء صفوان بن عسال المرادي ﵁ إلى النبي ﷺ ، وهو في المسجد، فقال له: يا رسول الله، إني جئت أطلب العلم، فقال: ((مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب)) (٢). والنصوص والشواهد على فضل العلم والترغيب في طلبه كثيرة. ومن هنا كان المسلم الحق عالما أو متعلما، وليس غير. طلب العلم مستمر حتى الممات: وليس التعلم الحق أن تحصل على شهادة عالية، تحقق لك المورد المالي الثر، وتضمن العيش الرضي الخفض، ثم تطوي كشحك عن المطالعة أو الاستزادة من كنوز المعرفة، بل التعلم الحق أن تستمر في مطالعاتك، وتزداد كل يوم علما، عملا بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٣). وقد كان سلفنا الصالح مهما عظمت منزلتهم العلمية لا يكفون عن الاستزادة من التعلم ومتابعة التحصيل حتى آخر العمر، ويرون أن العلم يحيا وينمو بالمتابعة، ويذبل ويجف بالهجر والآنقطاع، ولهم في ذلك أقوال رائعة تدل على احترامهم وتقديرهم للعلم، وحرصهم على متابعته، والنهل المستمر من مناهله العذبة.

стр. 46

ومن هذه الأقوال الرائعة ما رواه الإمام ابن عبد البر عن ابن أبي غسان، قال: ((لا تزال عالما ما كنت متعلما، فإذا استغنيت كنت جاهلا)) (١). وقال الإمام مالك ﵁: لا ينبغي لأحد يكون عنده العلم أن يترك التعلم)) (٢). وقيل للإمام عبد الله بن المبارك: ((إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات، ولعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد)) (٣). وسئل الإمام أبو عمرو بن العلاء، فقيل له: ((حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ فقال: ما دام تحسن به الحياة)) (٤). وما أجمل جواب الإمام سفيان بن عيينة حين قيل له: من أحوج الناس إلى طلب العلم؟ فقال: ((أعلمهم، قيل: ولماذا؟ قال: لأن الخطأ منه أقبح)) (٥). وهذا الإمام فخر الدين الرازي المفكر الكبير، ذو التصانيف الكثيرة، والمتفرد بالإمامة في عصره بعلم الكلام والمعقولات وغيرها من العلوم، المتوفى سنة ٦٠٦، قد آتاه الله من الشهرة العلمية وبعد الصيت ما جعل العلماء يتقاطرون عليه من كل حدب وصوب، في كل بلدة زارها أو مدينة دخلها. ولما ورد هذا الإمام مدينة مرو، توافدت عليه جموع العلماء والطلبة ليأخذوا عنه، ويعتزوا بالآنتساب إلى التلقي منه، وكان في جملة جموع الطلبة الذين يحضرون مجالسه طالب أديب عالم بالأنساب، لا يبلغ العشرين

стр. 47

من العمر، فلما آنس الإمام فخر الدين الرازي من هذا الطالب تمكنه من علم الأنساب، وكان الإمام فخر الدين لا يحسن هذا العلم، طلب من تلميذه هذا أن يعلمه إياه، ولم يجد كضاضة من التتلمذ عليه، فأجلسه مجلس الأستاذ، وجلس هو بين يديه، فكان هذا وسام تواضع ورفعة ازدانت به سيرة الإمام فخر الدين الرازي، وما نقص ذلك من مقامه العظيم، وهو إمام عصره. وقد روى هذه الواقعة النادرة المؤرخ الأديب ياقوت الحموي في كتابه ((معجم الأدباء)) في ترجمته عزيز الدين إسماعيل بن الحسن المروزي النسابة الحسيني، ولقد لقيه ياقوت وعاشره وصاحبه وترجم له ترجمة وافية، وقال في ترجمته: ((حدثني عزيز الدين قال: ورد الإمام فخر الدين الرازي إلى مرو، وكان من جلالة القدر، وعظيم الذكر، وضخامة الهيبة، بحيث لا يراجع في كلامه، ولا يتنفس أحد بين يديه لإعظامه، على ما هو مشهور متعارف، فدخلت إليه، وترددت للقراءة عليه، فقال لي يوما: أحب أن تصنف لي كتابا لطيفا في أنساب الطالبيين لأنظر فيه، فلا أحب أن أكون جاهلا به، فقلت له: أتريده مشجرا (١) أم منثورا؟ فقال: المشجر لا ينضبط بالحفظ، وأنا أريد شيئا أحفظه، فقلت: السمع والطاعة. ومضيت، وصنفت له الكتاب الذي سميته بالفخري، وجئته به، فلما وقف عليه، نزل عن طراحته (٢)، وجلس هو على الحصير، وقال لي: اجلس على هذه الطراحة، فأعظمت ذلك، وقلت له: أنا خادمك، فانتهرني نهرة مزعجة، وزعق علي، وقال: اجلس بحيث أقول لك، فتداخلني - علم الله- من هيبته ما لم أتمالك إلا أن جلست حيث أمرني. ثم أخذ يقرأ علي ذلك الكتاب، وهو جالس بين يدي، ويستفهمني عما يستغلق عليه إلى

стр. 48

أن أنهاه قراءة. فلما فرغ منه قال لي: اجلس الآن حيث شئت، فإن هذا علم، أنت أستاذي فيه، وأنا أستفيد منه، وأتتلمذ عليك، وليس من الأدب أن يجلس التلميذ إلا بين يدي الأستاذ فقمت من مقامي، وجلس هو في منصبه، ثم أخذت أقرأ عليه، وأنا جالس بحيث كان أولا)). وقال ياقوت بعد إيراده هذا الخبر: ((وهذا لعمري من حسن الأدب حسن، ولا سيما من مثل ذلك الرجل العظيم المرتبة)). ألا ما أحب العلم إلى قلوب هؤلاء العلماء! وما أجله في نفوسهم! وما أرفعه في أعينهم! وما أحرج الخلف إلى الاقتداء بهذا السلف العظيم! ما ينبغي للمسلم إتقانه: وأول ما ينبغي للمسلم أن يتقنه من العلم كتاب الله تعالى: تلاوة، وتجويدا، وتفسيرا. ثم يلم بعلوم الحديث، والسيرة وأخبار الصحابة والتابعين من أعلام الإسلام، ويطلع من الفقه على ما يلزمه لإقامة عباداته ومعاملاته، ومعرفة أحكام دينه على أساس قويم. هذا، إذا كان المسلم مختصا في غير علوم الشريعة. أما إذا كان مختصا في علم من علوم الشريعة، فينطبق عليه ما ينبغي للمسلم الحق أن يحققه في مجال اختصاصه عن إتقان ودقة ونجاح. ومن نافلة القول أن يكون المسلم متقنا اللغة العربية، متمكنا منها. يتقن ما تخصص به: ويلتفت المسلم الواعي بعد ذلك إلى اختصاصه، فيهبه كل طاقاته، ويمنحه جل اهتماماته، ويقبل عليه إقبال المسلم المعتقد أن عمله في دائرة اختصاصه فريضة، سواء أكان اختصاصه في علم من علوم الشريعة والدين، أم في علم من علوم الدنيا، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والفلك والطب والصناعة والتجارة وغيرها، ومن هنا يتوجب عليه أن يتقن العلم الذي

стр. 49

اختص فيه كل الإتقان، فلا يدخر وسعا في الإحاطة بكل ما كتب عنه في شتى اللغات إن استطاع، ويبقى دوما يرفد عقله بالجديد من مستحدثات ذلك العلم، بالمطالعة الدائبة، والاطلاع المستمر، في شتى وجوهه وألوانه. ذلك أن المسلم الواعي الحق في هذا العصر هو الذي يحقق نجاحا علميا عاليا، يكسبه في أعين الناس مهابة وإجلالا وتقديرا، ويرفعه إلى أعلى مراتب المجد والشرف والتكريم، وترتفع بارتفاعه دعوته إلى الشأو الذي بلغه، ما دام يمثلها في إخلاصه وجده ودأبه، وما دام ينطلق من الروح التي أشاعها الإسلام في جو العلم، إذ جعله فريضة، يتقرب بها فاعلها إلى الله، ويتخذ من العلم وسيله لمرضاته. ومن هنا كنا نجد علماء السلف يحرصون في مقدمات كتبهم على تأكيد هذه المعاني السامية؛ ذلك أنهم كانوا يبتغون من العلوم التي أفنوا أعمارهم في نشرها مرضاة الله ، مقدمين ثمرات قرائحهم خالصة لوجهه الكريم. يفتح نوافذ على فكره: ولا يكتفي المسلم الواعي الحصيف بدائرة اختصاصه، بل يفتح نوافذ على فكره وعقله، فيقرأ شتى الكتب والمجلات العلمية والأدبية والثقافية في مختلف العلوم والفنون النافعة، وبخاصة القريبة منها إلى دائرة اختصاصه، فيأخذ بذلك من كل لون من ألوان المعرفة بطرف، ينشط بها ذهنه، ويوسع أفقه، وينمي ملكاته العقلية. يتقن لغة أجنبية: ولا ينسى أن يكون لبعض اللغات الأجنبية من اهتمامه نصيب، فاللغة الأجنبية في هذا العصر من ألزم مستلزمات الثقافة للمسلم النابه النشيط المتفهم متطلبات الحياة الإسلامية المحاصرة. وإن للمسلم الواعي من هدي دينه العظيم خير مشجع على إتقان اللغة

стр. 50

الأجنبية؛ ذلك أن النبي ﷺ دعا إلى تعلم اللغات الأجنبية منذ خمسة عشر قرنا، ليكون المسلمون دوما قادرين على الاتصال بشتى الأمم والأجناس، ودعوتها إلى الحق الذي كلفهم الله بحمله إلى العالمين. نرى مصداق ذلك فى الحديث الذي رواه زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ((يا زيد، تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي))، قال زيد: فتعلمته، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب إليهم، وأقرأ كتبهم إذا كتبوا إليه وفي رواية: قال لي رسول الله ﷺ : ((أتحسن السريانية؟ فإنها تأتيني كتب))، قلت: لا، قال: ((فتعلمها))، فتعلمتها (١). ومن هنا كان ابن الزبير ﵁ يتقن عددا من اللغات دون أن تشغله هذه اللغات عن دينه ودخرته، فقد كان له مئة غلام يتكلم كل غلام فيهم بلغة أخرى، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين (٢). والمسلم المعاصر مطالب أكثر من أي وقت مضى بإتقان بعض اللغات الأجنبية، ليعيش عصره، ويطلع على الجوانب الإيجابية والسلبية مما يتصل بثقافة أمته وتراثها ودينها فيما كتب بغير لغته، ليكون درعها الواقي يدرأ عنها الشر، ولسانها الأمين يجلب إليها الخير. ج - روحه لا ينسى المسلم الحق، وهو يتعهد نفسه، ويبني كيانه الجسمي والعقلي، أنه ليس مكونا من جسم وعقل فحسب، وإنما يدرك أن له قلبا

стр. 51

يخفق، وروحا تهفو، ونفسا تحس، وأشواقا عليا تدفعه إلى السمو والاستغراق في عالم العبادة، والتطلع إلى ما عند الله من نعيم، والخشية مما لديه من أنكال وجحيم. يصقل روحه بالعبادة: ومن هنا كان لزاما على المسلم أن يعنى بروحه، فيقبل على صقلها بالعبادة والمراقبة لله آناء الليل وأطراف النهار، بحيث يبقى يقظا متنبها، متقيا أحابيل الشيطان الماكرة، ووسوساته المردية. فإذا مسه طائف من الشيطان في لحظة من لحظات الضعف البشري، هزته الذكرى، فارتد بصيرا متيقظا تائبا مستغفرا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١). ولهذا كان الرسول ﷺ يقول لأصحابه: ((جددوا إيمانكم)). قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: ((أكثروا من قول لا إله إلا الله)) (٢). والمسلم يستعين على تقوية روحه وإصلاح نفسه بضروب من العبادة يقوم بها لله طائعا مخبتا قانتا، كتلاوة القرآن في أناة وتدبر وخشوع، والذكر في إخبات وحضور قلب، والصلاة القويمة المستكملة شروط الصحة والخشوع وحضور الذهن، وغير ذلك من ألوان العبادة والرياضة الروحية، مدربا نفسه على القيام بهذه الطاعات، بحيث تصبح ديدنه وعاداته وسجاياه التي لا فكاك له عنها ولا انفصام. وبذلك ترهف نفسه، ويرق شعوره، وتتيقظ حواسه، فإذا هو في غالب الأحيان يقظ، متنته، مراقب لله في السر

стр. 52

والعلانية، مستحضر خشية الله ومراقبته إياه في تعامله مع الناس، لا يجور، ولا يحيد عن الحق، ولا ينحرف عن جادة السبيل. يلزم الرفيق الصالح ومجالس الإيمان: ويستعين المسلم أيضا على بلوغ هذا المرتقى الصعب بالرفيق الصالح الذي يتواصى وإياه بالحق، ويتواصيان بالصبر، وبالإكثار من مجالس الإيمان الروحية التي يكثر فيها ذكر الله، وتدور فيها الأحاديث عن الإسلام وعظمته في تربية الفرد والأسرة والمجتمع، ويتملى فيها الحاضرون قدرة الله العظيم القهار الجبار الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ويستعرضون فيها عظيم خلقه وبديع صنعه في الكون والحياة والإنسان؛ ففي مثل هذه المجالس تزكو الروح، وتصقل النفس، ويصفو القلب، وتخالط كيان الإنسان كله بشاشة الإيمان. ولهذا كان عبد الله بن رواحة ﵁ إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: ((تعال نؤمن بربنا ساعة))، ويبلغ ذلك النبي ﷺ فيقول: ((يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة)) (١). وكان الخليفة الراشد سيدنا عمر الفاروق ﵁ ينتزع نفسه من شواغل الخلافة وأعباء الحكم، ويأخذ بيد الرجل والرجلين، فيقول: ((قم بنا نزداد إيمانا))، فيذكرون الله (٢). لقد كان عمر ﵁ يحس، وهو من هو تقى وصلاحا وحسن عبادة، الحاجة إلى جلاء النفس بين الحين والحين، فيختلس هذه الساعة من أوهاق الدنيا وضرورات الحياة، ليفرغ فيها إلى ترويح قلبه، وجلاء نفسه،

стр. 53

وتصفية روحه. وكذلك كان معاذ بن جبل ﵁ يقول لأصحابه، وهم يمشون: ((اجلسوا بنا نؤمن ساعة)) (١). إن المسلم مسؤول عن تقوية روحه وتزكية نفسه، ودفعها دوما إلى أعلى، وحمايتها أبدا من الارتكاس إلى أدنى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢). ومن هنا كان المسلم مطالبا بأن يحسن اختيار الأخلاء والبيئات التي لا تزيده إلا إيمانا وصلاحا وتقوى وتبصرة، وأن يعرض عن رفاق السوء من شياطين الإنس، وعن مجالس الفحش والمعصية التي تظلم فيها النفس ويصدأ القلب: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٣). يكثر من ترديد الصيغ والأدعية المأثورة: ومما يستعين به المسلم على تقوية روحه وربط قلبه بالله، ترديده الصيغ المأثورة عن رسول الله ﷺ في كل عمل من الأعمال التي ورد فيها للرسول الكريم دعاء. فلقد كان له في الخروج من البيت دعاء، وللدخول فيه دعاء،

стр. 54

ولوداع المسافر دعاء، ولاستقباله دعاء، وللبس الثوب الجديد دعاء، وللاضطجاع في الفراش دعاء، وللاستيقاظ من النوم دعاء ... وهكذا لم يكد رسول الله ﷺ يقوم بعمل إلا وكان له فيه دعاء، يتوجه به لله تعالى أن يلهمه القصد، ويجنبه العثار، ويلطف به، ويكتب له الخير، مما هو مبسوط في كتب الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ (١)، وكان يعلم الصحابة الكرام هذه الأدعية والأذكار، ويحضهم على قولهم في أوقاتها. والمسلم التقي الواعي يحرص على تعلم هذه الصيغ المأثورة الرائعة، تأسيا بالرسول الكريم وصحبه الأبرار، ويثابر على تردادها في أوقاتها ومناسباتها، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وبذلك يبقى قلبه موصولا بالله ، وتزكو نفسه، وتسمو روحه، ويرهف وجدانه. بهذه الرياضة الروحية راض الرسول الكريم أرواح الجيل الأول من الصحابة الغز الميامين، وصقل نفوسهم، فإذا هي متألقة صافية مجلوة، لا غبش فيها ولا كدر ولا دخل، فحقق بهم معجزة الإسلام الكبرى في إيجاد الجيل المهذب الراقي الفريد في حياة الإنسانية، الذي صنع المعجزات في سنوات معدودات. والمسلم الصادق الحق مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن يروض جناح روحه على التحليق والارتفاع إلى هذا الأفق الوضيء السامي، ليكون على مستوى دعوته، وما تتطلبه من أعباء باهظة ومسؤوليات جسام. ...

стр. 55

٣ - المسلم مع والديه بر بهما: إن من أبرز صفات المسلم الحق البر بالوالدين والإحسان إليهما؛ ذلك أن البر بالوالدين أمر من أجل الأمور التي حض عليها الإسلام، وأكدتها نصوصه القاطعة الحاسمة. والمسلم الواعي المتمثل هذه النصوص الوفيرة التي استفاضت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكلها يدعو إلى البر بالوالدين وحسن مصاحبتهما، لا يسعه إلا أن يكون البر بالوالدين سجية من ألزم سجاياه، وخليقة من أبرز خلائقه. عارف قدرهما وما يجب عليه نحوهما: لقد رفع الإسلام مقام الوالدين إلى مرتبة لم تعرفها الإنسانية في غير هذا الدين؛ إذ جعل الإحسان إليهما والبر بهما في مرتبة تلي مرتبة الإيمان بالله والعبودية له. فقد جاءت آيات الله تترى متضافرة متعاقبة تضع مرضاة الوالدين بعد مرضاة الله، وتعد الإحسان إليهما فضيلة إنسانية تلي فضيلة الإيمان به: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١).

стр. 56

ومن هنا كان المسلم الصادق الواعي أبر بوالديه من أي إنسان في الوجود. ويسمو القرآن الكريم في تصوير مكانة الوالدين، وبسط الأسلوب الخلقي الراقي الذي ينبغي للمسلم أن يتبعه في معاملة والديه، إن تنفس بهما أو بأحدهما العمر، وبلغا مرحلة الهرم والشيخوخة والعجز، فيصل إلى الغاية التي ما عرفتها الإنسانية قبل أن تسطع شمس هذا الدين على الأرض: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١). إنه الأمر الرباني الخالد للمسلم في صورة قضاء حتمي، لا فكاك منه ولا معدل عنه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وإنه للربط المحكم بين عبادة الله وبر الوالدين، وفي ذلك رفع لقيمة الوالدين وإعلاء لشأنهما إلى حد لم يستطع الحكماء والمصلحون وعلماء الأخلاق بلوغ شأوه في يوم من الأيام. ولا يكتفي سياق الآية برسم هذه الصورة الوضيئة السامية لبر الوالدين، بل يستجيش وجدان الرحمة والعطف والبر في نفوس الأبناء في تعبير وجداني رقيق ودود، يقطر رقة وسلاسة وأنسا: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾، فهما إذا (عندك) في رعايتك وحمايتك وحفظك، وقد يكونان شيخين هرمين ضعيفين، فحذار حذار أن تنذ منك كلمة تذمر أو تململ أو ضيق: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، بل يجب عليك أن تفكر طويلا في الكلمة الطيبة توجهها إليهما ليطيبا بها نفسا، ويقرا عينا: ﴿وَقُلْ

стр. 57

لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ولتكن وقفتك بين أيديهما وقفة الاحترام البالغ والتقدير المتناهي، الشبيه بوقفة التذلل والاستسلام والخضوع: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، ولينطبق لسانك لاهجا بالدعاء لهما على ما أسديا لك من يد لا تنسى، إذ ربياك صغيرا قاصرا ضعيفا: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. والمسلم المفتوح القلب، المنور البصيرة، يتلقى دوما مثل هذا الإيقاع الرباني الجميل في عدد من آياث الله البينات، فيزداد لوالديه احتراما، وبهما برا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١). ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (٢). ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (٣). والباحث المثأمل في النصوص الواردة في بر الوالدين، يجد الأحاديث الشريفة تترى مواكبة الآيات الكريمة، مؤكدة فضل بر الوالدين، محذرة من عقوقهما أو الإساءة إليهما مهما تكن الأسباب: فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبى ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاه على وقتها))، قلت: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين))، قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)) (٤). لقد جعل الرسول المربي العظيم بر الوالدين بين أعظم عملين في

стр. 58

الإسلام: الصلاة على وقتها، والجهاد في سبيل الله. والصلاة عماد الدين، والجهاد ذروة سنام الإسلام. فأي مقام كريم جليل أحل الرسول الوالدين؟!. ويأتي الرسول الكريم رجل يبايعه على الهجرة والجهاد يبتغي الأجر من الله تعالى، فيتريث في قبوله، ويسأله: ((فهل من والديك أحد حي؟))، فيقول الرجل: نعم، بل كلاهما، فيقول الرسول الكريم: ((فتبتغي الأجر من الله تعالى؟!))، فيجيبه الرجل: نعم، فيقول الرسول البر الرحيم: ((فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)) (١). وفي رواية للشيخين: جاء رجل فاستأذن الرسول ﷺ في الجهاد، فقال: ((أحي والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)). لم يفت الرسول القائد، وهو يعبىء كتائب الجيش للجهاد، أن يذكر بقلبه الإنساني الرقيق ضعف الوالدين وحاجتهما لابنهما، فيصرف هذا المتطوع للجهاد عن التطوع، ويلفته برفق إلى العناية بوالديه، وإنه لفي حاجة إلى كل ساعد يضرب بالسيف آنذاك، تقديرا منه ﷺ لخطورة البر بالوالدين وحسن القيام على شؤونهما في منهج الإسلام الكامل المتوازن الفريد الذي رسمه الله لسعادة الإنسان. ولما أنكرت أم سعد بن أبي وقاص عليه إسلامه، وقالت له: إما أن ترجع عن إسلامك وإما أن أضرب عن الطعام حتى أموت، فتكسب معرة العرب، إذ سيقولون: قاتل أمه، أجابها سعد: تعلمين والله لو كان لك مئة نفس، وخرجت نفسا نفسا ما رجعت عن إسلامي. وصبرت أمه يوما فيومين، وفي اليوم الثالث أجهدها الجوع فطعمت، وأنزل الله تعالى قرآنا تلاه الرسول على المسلمين فيه عتاب لسعد على شدته مع أمه في جوابه لها:

стр. 59

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) وفي قصة جريج العابد عبرة بالغه في أهمية بر الوالدين والمسارعة في طاعتهما، إذ نادته أمه وهو يصلي، فقال: رب، أير أم صلاتي؟ واختار صلاته. ونادته ثانية، فلم يجبها وبقي في صلاته، ونادته ثالثة، فلما لم يجبها دعت عليه ألا يميته الله حتى يريه وجوه المومسات. وزنت مومس براع فحملت منه. فلما خشيت انفضاح أمرها قال لها الراعي: إن سئلت عن أبي المولود فقولي: جريج العابد، فقالت. وهب الناس يخربون صومعة جريج، واقتاده الحاكم للساحة، فبينما هو في الطريق تذكر دعاء أمه فتبسم. ولما قدم للعقاب استمهل حتى يصلي ركعتين، ثم طلب الغلام وهمس بأذنه: من أبوك؟ فقال: أبي فلان الراعي (٢)، فهلل الناس وكبروا وقالوا: نعيد بناء صومعتك فضة وذهبا، فقال: لا، بل أعيدوها كما كانت من تراب وطين. وفي هذا الحديث الذي رواه البخاري يقول النبي ﷺ : لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابته والدته ألزم من استرساله في صلاته. ومن هنا رأى الفقهاء أن المرء إذا كان في صلاة النفل، وناداه أحد والديه فعليه أن يقطع صلاته ويجيبه. بر بهما ولو كانا غير مسلمين: ويسمو نبي الإسلام العظيم بتوجيهاته الكريمة إلى ذروة الإنسانية إذ يوصي ببر الوالدين والإحسان إليهما، ولو كانا على غير دين الإسلام، وذلك فيما حدثتنا به أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: قدمت علي أمي، وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ ،

стр. 60

قلت: قدمت على أمي وهي راغبة (١)، أفأصل أمي؟ قال: ((نعم صلي أمك)) (٢). إن المسلم الحق الواعي هذه التوجيهات القرآنية العالية، واللفتات النبوية السامقة، لا يسعه إلا أن يكون من أبر خلق الله بوالديه، وأحسنهم عشرة لهما، في كل حال وفي كل آن، وهذا ما كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان؛ فقد سأل رجل سعيد بن المسيب ﵁ قائلا: لقد فهمت آية بر الوالدين كلها إلا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، فكيف يكون القول الكريم؟ فأجابه سعيد: يعني خاطبهما كما يخاطب العبد سيدة. وكان ابن سيرين ﵁ يكلم والدته بصوت ضعيف، كأنه صوت مريض إجلالا لها واحتراما. كثير الخوف من عقوقهما: ونحن إذا غادرنا هذه الصفحة المشرقة الوضيئة من التحبيب بالبر بالوالدين، وأدرنا الطرف بالصفحة المقابلة في التحذير من عقوقهما، رأيناها صفحة سوداء معتمة قاسية، تقرع قلب الولد العاق الصلد، وتهز ضميره من الأعماق. إنها لتجبه كل عاق لوالديه باقتران العقوق بالإشراك بالله، كما اقترن البر بهما هناك بالإيمان بالله، فإذا العقوق جريمة سوداء بشعة قاتمة، ينهلع لها لب المسلم الصادق، ويطير لها صوابه. إنها أكبر الكبائر، وأفدح الخطايا والذنوب: عن أبي بكرة نفيع بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أنبئكم

стр. 61

بأكبر الكبائر؟)) ثلاثا. قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) (١). يبر أمه ثم أباه: ولكيلا يختل التوازن عند الأبناء في بر أحد الوالدين على حساب الآخر، جاءت توجيهات الإسلام تشمل الوالدين كليهما، وتخص كلا من الأم والأب على انفراد. فهذا رسول الله ﷺ يسأل الرجل الذي جاءه مبايعا على الجهاد كما رأينا آنفا: ((فهل من والديك أحد حي؟))، وهذا تقرير من الرسول الكريم بوجوب البر لكلا الوالدين على السواء. ورأينا أيضا في حديث أسماء أنه أمرها بصلة أمها المشركة. وجاءه رجل فسأله: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فأجابه الرسول الكريم: ((أمك)). قال: ثم من؟ قال: ((أمك)). قال: ثم من؟ قال: ((أمك)). قال: ثم من؟ قال: ((أبوك)) (٢). ففي هذا الحديث تأكيد من الرسول الكريم على أن بر الأم مقدم على بر الأب، وكان الصحابة الكرام يؤكدون للمسلمين هذا المعنى بعد رسول الله ﷺ ، حتى إن ابن عباس ﵁، حبر الأمة وفقيهها، جعل بر الوالدة أقرب الأعمال إلى الله؟ فقد جاءه رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حية؟ قال: لا. قال: تب إلى الله ، وتقرب إليه ما استطعت. قال عطاء بن يسار راوي هذا الحديث عن

стр. 62

ابن عباس: فذهبت، فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله من بر الوالدة (١). ولهذا رأينا الإمام البخاري في كتابه (الأدب المفرد) الذي صدره بباب بر الوالدين يقدم باب بر الأم على باب بر الأب، محققا بذلك التناسق والانسجام بين تبويبه هذا وما تضمن من هدي نبوي كريم. ولقد استثار القرآن مشاعر البر والعرفان في نفوس الأبناء، فوصى بالوالدين، ونوه بفضل الأم في الحمل والرضاعة، وما تكابد من مشاق ومتاعب في هاتين المرحلتين من مراحل الحياة في صورة لطيفة حانية، توحي بالبذل النبيل، والحنو المطلق، والانعطاف الرقيق: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ (٢) وَفِصَالُهُ (٣) فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٤). فيا للتربية العليا! ويا للتوجيه الإنساني الرحيم! ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. فشكر الوالدين على ما أسديا للولد من خير يلي شكر الله ، رأس الفضائل والأعمال الصالحات. ويا للمنزلة الكريمة العليا التي أحلها هذا الدين الوالدين!. وقد تقبل الدنيا على الولد، وتدر عليه أخلاف الرزق، فتمتلئ خزائنه بالمال، وتشغله الزوجة الحسناء والفراخ الزغب، فينصرف عن العناية بوالديه، وينسى أباه وما أنفق في سبيله من مال، فيمسك يده عنه، فيبوء بغضب من الله.

стр. 63

ولكن المسلم الحق الصادق في نجوة من هذا كله، لأنه على اتصال دائم بالنبع الكريم الثر من توجيهات الإسلام العالية الحكيمة المسددة. إنه ليسمع هتاف الرسول ﷺ به: ((أنت ومالك لأبيك)) (١). فيهتز لهذا الأدب النبوي كيانه، وتتفتح لفيوض الهداية نفسه، فإذا هي تفيض بالبر والرعاية والحب والعطاء، وإذا هو في منجاة من العقوق وعصمة، وإذا هو حقا كما أراد له رسول الإسلام أن يكون: هو وماله لأبيه. يبر أهل ودهما: ولم تقتصر توجيهات هذا الدين الحنيف على بر الوالد، بل تعدتها إلى من يحب ويصفي الود. فعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه)). وفي رواية: ((إن من أبر البر صلة الرجل ود أبيه بعد أن يولي)) (٢). وصادف عبد الله بن عمر ﵁ صديقا لوالده عمر رضي الله

стр. 64

عنه، فبالغ في بره وإكرامه، فقال له بعض من معه: أما كان يكفيه أن يتصدق عليه بدرهمين؟ فقال ابن عمر: قال النبي ﷺ : ((إحفظ ود أبيك، لا تقطعه فيطفىء الله نورك)) (١). وسأل رجل النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما؟ قال: ((نعم، خصال أربع: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصحلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما)) (٢). إنها لأعلى مراتب الحب والوفاء والبر والإجلال للوالدين أن يصل الولد أصدقاءهما في حياتهما وبعد مماتهما. والمسلم الحق الصادق يوطد دوما أواصر المودة والصلة والصداقة بأهل ودهما، ويبقى على حبه لهم وإجلاله إياهم بعد أن يلقى والداه وجه ربهما، فلا ينسى ذلك الود القديم، ولا يغفل عن تلك الوشيجة الإنسانية النبيلة التي أحكم نسجها والداه الحبيبان. وبمثل هذه المشاعر الإنسانية العالية، وذلك الود النبيل الخالص تجمل الحياة، ويهنأ الأحياء. وهذا كله منوط بوجود المسلم الصادق في هذه الحياة. إن الولد في الغرب لينفصل عن والديه متى بلغ سن الرشد، وتنفصل معه آصرة البنوة. فلا لقاء ولا رحمة ولا تعاطف مع أب أو أم. يسير الولد في طريقه، فلا يكاد يلتفت إلى الوراء يلقي نظرة ود ووفاء وإحسان إلى الجيل المضحي المدبر المردود إلى أرذل العمر، بعدما سكب عصارة عمره وقدم رحيق حياته لأبنائه المتفتحين للحياة. فأين هذا العقوق والجفاء والجفاف من الولد لوالديه في الغرب، من ذلك البر والمودة والوفاء والري العاطفي المتدفق من ابن الإسلام البار نحو والديه في حياتهما وبعد مماتهما، متصلا بأهل

стр. 65

ودهما؟! ألا إنه الإسلام ومنهجه المتميز الفريد في صياغة النفوس وتقرير الأواصر الإنسانية النبيلة السامية التي ما وصل إليها نظام، ولا بلغ شأوها تشريع. أسلوبه في بره لهما: إن المسلم الذي صاغه الإسلام بحق إنسان بار بوالديه، يحيطهما بأجمل مظاهر الاحترام والتقدير، يقوم لهما إذا قدما على مجلسه، وينكب على أيديهما لثما وتقبيلا، يغض من صوته أمامهما تأدبا منه وإجلالا لهما، ويخفض لهما من جناحه، وينتقي العبارات المهذبة اللطيفة في حديثه معهما، فلا يجري على لسانه معهما لفظ ناب أو عبارة خشنة جارحة، ولا يبدو منه في تعامله معهما فعل عار عن أدب التوقير والتكريم والإجلال، مهما تكن الظروف والأحوال، مستهديا دوما بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١). وقد يكون الوالدان منحرفين عن جادة الصواب، حائدين عن طريق الحق، فواجب الولد المسلم البار في مثل هذه الحالة أن يتأتى إليهما برفق وتؤدة ولباقة وسماحة، ليزحزحهما عن الباطل الذي يتمسكان به، لا يشتد، ولا يغلظ، ولا يقسو، ولا ينهر، بل يحاول إقناعهما بذكاء وتلطف، حتى يلفتهما إلى الحق الذي يؤمن به، وسلاحه في هذا كله الحجة القوية، والمنطق السليم، والأسلوب المهذب الحكيم.

стр. 66

ولا ينسى المسلم الواعي الحصيف أنه مطالب بهذا الأسلوب مع والديه حتى لو كانا مشركين. إنه مطالب حتى في حالة شركهما أن يحسن معاشرتهما، وإنه ليعلم أن الشرك أكبر الكبائر. إنه ليمتثل في ذلك أمر الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) إن الوالدين لأقرب الأقرباء، وأحب الأحباب، ولكن رابطتهما- على جلالة قدرهما- تأتي بعد رابطة العقيدة، فإن كانا مشركين وأمرا ابنهما بالشرك، فلا طاعة لهما عليه؛ إذ لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإذ تعلو وشيجة العقيدة على كل وشيجة، ويسمو أمرها على كل أمر، ولكن الولد يبقى ملزما ببرهما ورعايتهما والإحسان إليهما. ومن هنا كان المسلم الحق برا بوالديه في الأحوال كلها، عاملا على إسعادهما وإدخال السرور على قلبيهما ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وفي حدود طاعة الله ، لا يدخر وسعا في تقديم ألوان البر والرعاية والإكرام لهما، من مأكل شهي، وملبس نفيس، وسكن مريح، وما يدخل في طوقه من صنوف الرفاهية المباحة المناسبة للعصر الذي يعيشان فيه، والمستوى الاجتماعي الذي هما عليه، وفوق ذلك كله: الكلمة الطيبة، والوجه الطلق المحيا، الباسم الثغر، الفائض بالحب والحنان والوفاء والعرفان بالفضل لصاحبي الفضل الكبير، الوالدين.

стр. 67

ويمتد بر المسلم الحق لوالديه إلى ما بعد وفاتهما، بالتصدق عنهما، والإكثار من الدعاء لهما بمثل قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١). وبعد، فهذا هو هدي الإسلام في بر الوالدين، وهذا هو المسلم الحق المهتدي به، فهل يتبعه المسلمون اليوم بعد أن غمرتهم الحياة المادية، وأعشت أبصارهم أضواء المدنية الحديثة؟. إن الاهتمام لينصب اليوم في حياتنا على الزوجة والأولاد. أما الوالدان، فالعناية بهما تأتي بعدهم، وقد لا يظفر باليسير منها الوالدان، إلا إذا كان أولادهما من البررة الأتقياء. ذلك أن النظم الاجتماعية الغربية الحديثة التي غزت عقول كثير من المسلمين، لا تحسب حسابا لبر الوالدين وحفظ شيخوختهما، وصونهما من الضيعة والامتهان حين يردان إلى أرذل العمر، وهذا ما جعل الرجل المطبوع بتلك المفاهيم والنظم لا يفكر إلا بزوجه وأولاده، ولا يلتفت إلى الوراء قليلا، ليلقي نظرة حب وبر ووفاء للجيل المدبر المولي، الذي طالما سهر الليل في تربيته، وأنفق الغالي والرخيص في تنشئته وإعداده للحياة، فتراه إذا ما فكر بالسكن المريح، والملبس الفاخر، والطعام الطيب، والرحلة الممتعة، التفت قلبه لزوجته وأولاده، ولم تدر في خلده خاطرة تذكره بنصيب والديه من هذا النعيم، وإنهما لفي أمس الحاجة إليه، يتلقيانه من يد ولدهما الحبيب. إن بر الوالدين والإقبال عليهما بالقلب النابض بالحب، واليد المبسوطة بالبذل، وبالكلمة الطيبة المؤنسة، والبسمة المفترة الودود، لخليقة أصيلة من

стр. 68

خلائق المسلمين. وما ينبغي للمسلمين أن تغيب فيهم هذه الخليقة، مهما تعقدت أمور الحياة،! مهما طرأ عليها من تطؤر، ومهما تجضغ فوقها من ركام العادات المستوردة؟ فهي من الخلائق التي تحفظهم من تحخر القلب،! تقيهم من أنانية السلوك، وترف! م إلى أصالتهم وإنسانيتهم صوفائهم، إذا ما ترفى غيرهم في حضيض الأثرة والجحود والكفران، وهي فوق ذلك كله، تفتح لهم أبواب الجنان.

стр. 69

٤ - المسلم مع زوجته نظرة الإسلام للزواج والمرأة: الزواج في الإسلام سكن للنفس، وراحة للقلب، واستقرار للضمير، وتعايش بين الرجل والمرأة على المودة والرحمة والانسجام والتعاون والتناصح والتسامح، ليستطيعا في هذا الجو الأليف الوديع الحاني أن يؤسسا الخلية السعيدة، التي تريش فيها الفراخ الزغب، وتنشأ فيها الأسرة المسلمة السليمة. وقد صور القرآن الكريم هذه العلاقة الفطرية الأبدية بين الرجل والمرأة تصويرا رقيقا شائقا، تشيع فيه أنداء السكينة والأمن والطمأنينة، ويفوح منه عبير المحبة والتفاهم والرحمة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١). إنها صلة النفس بالنفس في أوثق وشائجها، يعقدها الله بين النفسين، لتنعما بالسكينة والاستقرار والراحة، في بيت الزوجية الهنيء المحبب، العامر بالمودة الخالصة والرحمة الظليلة الحنون. والمرأة الصالحة في الإسلام متعة الحياة الأولى، ونعمة الله الكبرى على الرجل، إذ يسكن إليها من لأواء العيش ولغوب الكدح والنصب، فيجد

стр. 70

عندها الراحة والسلوى والمتاع الذي لا يدانيه في حياة الإنسان متاع، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: ((الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)) (١). هذه هي نظرة الإسلام إلى الزواج في أفقه العالي الوضيء، وتلك هي نظرته للمرأة في علياء أنوثتها المكرمة. الزوجة التي يطلبها المسلم: وانطلاقا من هذه النظرة السامية للزواج والمرأة، لا تستهوي المسلم الحق المظاهر الفارغة التي تتستر بها بعض فتيات هذا العصر، وإنما تستهويه شخصية الفتاة المسلمة الكاملة، ولذا فهو يتريث في اختياره رفيقة عمره، مفتشا عن الفتاة التي تحلت بالصفات الإسلامية العالية التي تحقق الحياة الزوجية الهنيئة المستقرة. ومن هنا لا يكتفي الرجل المسلم بالجمال والتألق والرشاقة وما إلى ذلك مما يقف عنده فقط الشبان الفارغون من بهارج وزخرف، بل يتطلب إلى جانب ذلك كله الدين القويم، والعقل الراجح، والسيرة الحسنى، مستهديا بهدي الرسول الكريم: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك (٢))) (٣). على أن وصية الرسول الكريم أن يفتش الشاب المسلم عن ذات الدين لا تعنى إهدار رغبته في جمال الشكل؛ فالرسول ﷺ ندب إلى النظر للمرأة

стр. 71

قبل العقد عليها، لكيلا يتورط مسلم في زواج فتاة لم يرتح لها قلبه، ولا تسر لمرآها عينه. فعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة على عهد رسول الله ﷺ ، فقال النبى ﷺ : ((أنظرت إليها؟)) قلت: لا، قال: ((فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما (١))) (٢). وجاء رجل خطب امرأة من الأنصار إلى النبي ﷺ ، فقال له الرسول الكريم:، هل نظرت إليها؟)) قال: لا، فأمره أن ينظر إليها (٣). وأكد رسول الله ﷺ في أكثر من حديث أن الجمال من الصفات الأساسية التي يتطلبها الرجل في المرأة الصالحة، إلى جانب الصفات المعنوية الأخرى، وأن كلا منها لا يغني عن الآخر. ومن ذلك قوله لابن عباس: ((ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة. إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ سئل رسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ فقال: ((التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله)) (٥). إنها النظرة النبوية الهادية الصائبة إلى شخصية المرأة التى تستطيع أن تهب الرجل السعادة والسكينة والاستقرار، والتي تستطيع أن تخلع على عش

стр. 72

الزوجية ومحضن الفراغ الزغب البشاشة والأمن والرضا، وتكون بالتالي مربية الأجيال، وصانعة الأبطال، ومنشئة العباقرة. وإنه للحرص من رسول الإسلام العظيم على أن يبنى الزواج على أساس مكين راسخ متوازن من مطالب الجسم والعقل والروح والعاطفة، ليكون قويا لا يزعزعه تنافر الأمزجة، ولا تعصف به نزوات النفوس، ومن هنا كان المسلم الحق المستهدي شريعة الله في خطواته كلها بصيرا، لا يقع في حبائل خضراء الدمن، وهي المرأة الحسناء في منبت السوء، بل يقول للناس مع القائل: ((إياكم وخضراء الدمن)) (١). يلتزم هدي الإسلام في حياته الزوجية: والمسلم الحق الصادق ملزم بعد زواجه بالسير على هدي الإسلام العالي في معاشرته لزوجته وتعامله معها. ولو رحنا نتدبر هدي الإسلام العظيم في توصيته بالمرأة، والحض على تكريمها وحسن معاملتها لرأينا عجبا. لقد أوصى الإسلام بالمرأة، وأحلها مكانة ما عرفتها يقينا في غير هذا الدين. فها هو ذا رسول الله ﷺ يهيب بالرجال جميعا: ((إستوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)) (٢). وفي رواية في الصحيحين: ((المرأة كالضلع: إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها، وفيها عوج)). وفي رواية لمسلم: ((إن المرأة خلقت من ظلع، لن تستقيم لك على

стр. 73

طريقة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)). إن في هذا التمثيل النبوي البليغ لبيانا رائعا لحقيقة المرأة ومزاجها الذي فطرت عليه؛ فهي لا تستقيم على حال واحدة كما يريد الزوج، فينبغي أن يعلم الزوج المسلم أن ذلك فيها سجية وطبع وخليقة، فلا يحاولن أن يقيمها على الجادة التي وقر في خلده أنها الصواب أو الكمال، وليراعين مزاجها الأنثوي الخاص، وليقبلها كما خلقها الله، وفيها عوج عما يريد ويرغب في بعض الأمور، وإن أبى إلا أن يقيمها على إرادته ومزاجه، فمثله كمثل من أبى إلا أن يقيم اعوجاج الضلع، فإذا هو ينكسر بين يديه، وكسر المرأة طلاقها. وحينما يستقر في وجدان الزوج المسلم الصادق هذا الهدي النبوي العالي، المبني على تفهم عميق لنفسية المرأة ومزاجها، يتسامح في كثير من هفوات زوجه، ويغض الطرف عن عديد من هنواتها، تقديرا منه لخلقتها وفطرتها، فإذا بيت الزوجية آمن هادئ سعيد، لا صراخ فيه ولا صخب ولا خصام ... وإن المتأمل نص هذا الحديث ليلاحظ أن النبي الكريم صدر حديثه بعبارة: ((استوصوا بالنساء خيرا)). ثم عاد بعد تحليله شخصيتها فختم الحديث بالعبارة ذاتها: ((فاستوصوا بالنساء)). فما أشد عناية الرسول الكريم بالمرأة! وما أعمق فهقه لنفسيتها! وما أكثر حدبه عليها! وهل يسع الزوج المسلم الصادق إلا أن يتمثل هذا الهدي الكريم، ويعمل به في كل آن؟. وتبلغ عناية الرسول الكريم بالمرأة أنه لم ينس أن يلمع إلى التوصية بها في خطبة حجة الوداع، وهي الخطبة التي اعتصر فيها ما ينبغي قوله للمسلمين بعد لن أحس أن هذه آخر وقفة له معهم في الحج، لم يفته في هذه الخطبة

стр. 74

الجليلة الحافلة أن يوصي بالنساء، مفتتحا حديثه عنهن بهذا التنبيه الدال على العناية والاهتمام: ((ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)) (١). إنها الوصية التي يسمعها كل زوج مسلم صادق واع، فيرى فيها الهدي النبوي الحكيم في تحديد الحقوق والواجبات على الأزواج والزوجات، في إطار من الرحمة بالنساء والحدب عليهن والإحسان إليهن، مما لا يدع مجالا للتفكير. بظلم الزوجة أو الإضرار بها في بيت الزوجية المسلم. وتتعدد توصيات الرسول الكريم بالمرأة، حتى تبلغ حدا يجعل الزوج المحسن لزوجته من خيار الأمة وصفوتها: ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم)) (٢). وجاءت نسوة إلى آل الرسول الكريم يشكون أزواجهن، فأعلن الرسول صلوات الله عليه على أسماع الرجال: ((لقد أطاف بال محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم)).

стр. 75

ويسمو الإسلام الحنيف في إنصاف المرأة وتكريمها، وتوصية الزوج بحسن معاشرتها حتى ولو كان كارها لها، وهذا ما لم تصل إليه المرأة في تاريخها كله إلا في هذا الدين. يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١). إن هذه الآية الكريمة لتلمس وجدان المسلم الصادق، فتهدئ من فورة غضبه، وتفثأ من حدة كراهيته لزوجته، وبذلك يقي الإسلام عروة الزوجية من الانفصام، ويحفظ الرباط المقدس أن يكون عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة، وحماقة الميل الأهوج الطائر هنا وهناك. وما أعظم قول عمر بن الخطاب ﵁ لرجل أراد أن يطلق زوجته لأنه يكرهها: ((ويحك ألم تبن البيوت إلا على الدين؟ فأين الرعاية والتذمم؟)). إن عقدة الزوجية في الإسلام لأكبر من النزوات العاطفية الصغيرة، وأجل من ضغط الميل الحيواني المسعور، وإن في المسلم الحق من المروءة والنبل والتجمل والاحتمال وسعة الصدر وسمو الخلق ما يجعله يرتفع في تعامله مع زوجته التي يكره، بعيدا جدا عن نزوات البهيمة، وطمع التاجر، وتفاهة الفارغ. بل إن المسلم الحق لا يسعه إلا أن يمتثل أمر ربه، فيحسن معاشرة زوجته، ولو كان كارها لها؛ ذلك أنه يتدبر قول ربه العليم الخبير بما خفي عليه، وهو كثير، بأن الإنسان قد يكره الشيء ويعافه ويود الابتعاد عنه، وهو محفوف بالخير، مفعم بالبركة، ولذلك فإن المسلم الواعي يعرف كيف يحب، ويعرف كيف يكره، فلا يندفع مع من أحب اندفاع الأهوج الأعمى،
следующие страницы →