← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96265

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة

محمد علي الهاشمي

Полный текст (330 стр.). Показаны 316–330 · переход к 321.

стр. 316

أذن للمستأذن دخل، وإلا رجع، وذلك في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك (١)، وإلا فارجع)) (٢). واستاذن أبو موسى الأشعري مرة على عمر فلم يأذن له، فانصرف، فأرسل إليه عمر، ودار بين الاثنين حديث حول الاستئذان والرجوع، من المفيد إيراده بنصه، ليطلع القارئ على دقة الصحابة الكرام في تقصي هدي الرسول الكريم، وحرصهم على وضعه موضع التطبيق، قال أبو موسى: ((استأذنت على عمر فلم يؤذن لي- ثلاثا- فأدبرت، فأرسل إلي فقال: يا عبد الله، اشتد عليك أن تحتبس على بابي؟ إعلم أن الناس كذلك يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك، فقلت: بل استأذنت عليك ثلاثا، فلم تؤذن لي، فرجعت [وكنا نؤمر بذلك]. فقال: ممن سمعت هذا؟ فقلت: سمعته من النبى ﷺ ، فقال: أسمعت من النبي ﷺ ما لم نسمع؟ لئن لم تأتني على هذا ببينة لأجعلنك نكالا، فخرجت حتى أتيت نفرا من الأنصار جلوسا في المسجد، فسألتهم، فقالوا: أو يشك في هذا أحد؟ فأخبرتهم ما قال عمر، فقالوا: لا يقوم معك إلا أصغرنا. فقام معي أبو سعيد الخدري - أو أبو مسعود- إلى عمر، فقال: خرجنا مع النبي ﷺ ، وهو يريد سعد بن عبادة، حتى أتاه، فسلم، فلم يؤذن له، ثم سلم الثانية ثم الثالثة، فلم يؤذن له، فقال: قضينا ما علينا. ثم رجع، فأدركه سعد، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما سلمت من مرة إلا وأنا أسمع وأرد عليك، ولكن أحببت أن تكثر من السلام علي وعلى أهل بيتي. فقال أبو موسى: والله إن

стр. 317

كنت لأمينا على حديث رسول الله ﷺ ، فقال: أجل، ولكن أحببت أن أستثبت)) (١). وفي رواية لمسلم أيضا أن عمر قال معاتبا نفسه حين ثبت له الحديث: ((خفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ ألهاني عنه الصفق بالأسواق)). يعني الخروج إلى التجارة في الأسواق. يجلس حيث ينتهي به المجلس: وللمسلم الحق الواعي المستنير أدبه المتميز أيضا في المجلس الذي يغشاه، وإنه لأدب عالم مستقى من هدي الرسول القولي والعملي، يجعل من تحلى به آية في الرقي الاجتماعي والدماثة الخلقية. وأول ما يتعلمه المسلم من هذا الهدي الرفيع الجلوس حيث ينتهي به المجلس، فلا يتخطى الرقاب، ولا يزاحم الجلوس ليفسحوا له مكانا بينهم في صدر المجلس، متبعا بذلك السنة الاجتماعية القويمة التي علمها رسول الله ﷺ الصحابة الكرام حين يغشون مجلسه الكريم. فعن جابر بن سمرة ﵁، قال: ((كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي)) (٢). فالمسلم المتأدب بهذا الأدب العالي يتحاشى أن يقحم نفسه بين اثنين، فيفرق بينهما إلا بإذنهما حين تدعو ضرورة إلى ذلك؛ ذلك أن تفريقه بينهما بغير إذنهما مما نهى عنه الرسول الكريم، وحذر منه بقوله:

стр. 318

((لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما)) (١). ذلك أن اقحام الشخص نفسه بين اثنين، سواء كان ذلك في مجلس أم في غير مجلس، من الأمور المستكرهة المستهجنة التي اشتد الإسلام في تبيان قبحها، والتنبيه إلى تجنبها. والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة جدا، ومنها ما يرويه سعيد المقبري، يقول: ((مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث، فقمت إليهما، فلطم في صدري فقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما، ولا تجلس معهما، حتى تستأذنهما. فقلت: أصلحك الله يا أبا عبد الرحمن، إنما رجوت أن أسمع منكما خيرا)) (٢). وإذا قام له أحد من المجلس ليجلسه مكانه لم يقبل الجلوس فيه؛ ذلك أكرم وأفضل وأمثل، وأشبه بما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. فعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا)) (٣). وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه (٤). وإذا ما استقر به المجلس كان في أحاديثه وتصرفاته متأدبا ما استطاع بأدب الرسول الكريم حين كان يجالس الناس؛ فقد كان ﷺ يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام (٥).

стр. 319

يجتنب التثاؤب في المجلس ما استطاع: والمسلم المهذب الواعي آداب المجالس لا يتثاءب في مجلسه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإذا ما غشيه التثاؤب وغلبه على أمره حاول دفعه ما استطاع، وهذا ما أرشد إليه الرسول الكريم بقوله: ((إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع)) (١). أما إذا كان التثاؤب أقوى من أن يكظم أو يدفع، فليضع يده على فمه، وبهذا أمر الرسول الكريم بقوله: ((إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل)) (٢). إن التثاؤب في المجالس قبيح منفر لا يليق بالإنسان المهذب. ومن هنا لا بد من دفعه أو تحاشيه بستر الفم الفاغر المتثائب باليد، وحجب منظره عن الجالسين، بذلك جاء الهدي النبوي الكريم معلما المسلم التصرف الاجتماعي اللبق الذي لا ينفر الجالسين، ولا يشعرهم بملل المتثائب من مجالستهم، ورغبته في انصرافه عنهم أو انصرافهم عنه. يأخذ بأدب الإسلام عند العطاس: وكلما وضع الإسلام أدبا للتثاؤب في المجالس، وضع أدبا للعطاس، فعلم المسلم كيف يفعل إذا دهمه العطاس، وماذا يقول، وكيف يشمت العاطس ويدعو له. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الله يجب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله

стр. 320

تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله. وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان)) (١). إن هذا الحادث الانعكاسي البسيط لا يمر في حياة المسلم دون أن يكون له ضوابط وقواعد وآداب، تجعل المسلم يحس في أعماقه أن هذا الدين جاء لصلاح أمره كله، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا نظمها ووضع لها الصيغ الخاصة بها التي تربط الإنسان دوما بالله رب العالمين. فإذا ما عطس فعليه أن يقول: الحمد لله، وعلى سامعه أن يقول: يرحمك الله، وعليه أن يجيب على دعاء صاحبه بدعاء: يهديكم الله ويصلح بالكم، وهذا ما أرشد إليه حديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري: ((إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاجبه: يرحمك الله. فإذا قال له: يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم)) (٢). وصيغة هذا الدعاء: ((يرحمك الله)) تسمى التشميت، وتقال للعاطس على سبيل الاستحباب إذا حمد الله تعالى، فإن لم يحمد الله فلا يشمت، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : ((إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: ((عطس رجلان عند النبى ﷺ ، فشمت

стр. 321

أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني؟ فقال: ((هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله)) (١). ومن استعراض هذه الصيغ التي حض النبي ﷺ على قولها في العطاس يبرز الغرض الكبير منها في ذكر الله وحمده، وتعزيز وشائج الإخاء والمودة والتصافي بين المسلمين؛ فالعاطس يحمد الله على تفريج ما اعتمل في رأسه من تحسسات وتفاعلات وتهيجات، والسامع يدعو له بالرحمة إذا سمعه يحمد الله، وحامد الله يستحق دوما رحمة الله، فيقابل العاطس دعاء مشمته بدعاء أطول منه وأشمل، يفيض بمعاني الخير والمحبة والود والإيناس. وهكذا يوجه الإسلام الحوادث العفوية العابرة في حياة المسلمين ليتخذ منها مناسبات تذكر المسلمين بربهم، وتطلق ألسنتهم بحمده، وتعزز في نفوسهم وشائج الأخوة والمودة والتراحم. ومن أدب العطاس أن يضع الإنسان يده على فمه، ويخفض صوته ما استطاع، وهذا ما كان يفعله الرسول الكريم حين العطاس. فعن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض -أو غض- بها صوته. شك الراوي)) (٢). لا يحد نظره في بيت غيره: ومن أدب المسلم في المجالس أنه لا يحد نظره في بيت جليسه، ولا ينقب عن العورات فيه؛ فذلك ليس من خلق المسلم الحيي الستير المؤدب.

стр. 322

وقد توعد الرسول الكريم أصحاب العيون المرسلة في المجالس، المنقبة المتفحصة ثغراتها وعوارتها، وأحل فقء عيونهم، إذ قال: ((من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه)) (١). لا يتشبه بالنساء: وفي المجتمع الإسلامي السليم لا تجد المسلم يتشبه بالمرأة، ولا المرأة تتشبه بالرجل؛ ذلك أن تشبه كل جنس بالآخر حرام في شرعة الإسلام، فالرجل في المجتمع الإسلامي رجل له صفاته وخصائصه ومهماته، والمرأة امرأة لها صفاتها وخصائصها ومهماتها، ولا ينبغي أن تزول الفروق بينهما في المظهر والمخبر سواء. ومن هنا اشتد الإسلام في وعيده المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. فعن ابن عباس ﵁ قال: ((لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال (٢)، والمترجلات من النساء. وفي رواية: ((لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل)) (٤).

стр. 323

إن ما نشاهده اليوم في بعض المجتمعات الإسلاميه من وجود نفر من الشباب أطال شعره حتى غدا كالفتاة يصعب التمييز بينهما، وبخاصة إذا علق في عنقه سلسلة ذهبية تدلت على صدره المكشوف، ومن وجود فتيات ارتدين البنطالات الضيقة المجسمة والقمصان المشتركة بين الرجال والنساء، وقد كشفن رؤوسهن، وحسرن عن سواعدهن، حتى غدون كالشباب من الرجال، إن هذه المشاهد دخيلة على المجتمعات الإسلامية، وفدت إليها من الغرب الفاجر والشرق الكافر سواء، حيث عمت موجات الهيبية والوجودية والعبثية والعدمية وما إلى ذلك من ضلالات زاغت بها البشرية، وانحرفت عن جادة الفطرة الإنسانية السوية، وكان من نتائجها الوخيمة وثمراتها المرة هذا التيه الذي يتخبط فيه شبابهم من الجنسين. وقد أصابنا منه شواظ ودخان، تلبس بعض الشاردين والشاردات في مجتمعات المسلمين، في عهود الانتكاس والفتنة والشرود والضلال، حتى بدوا غرباء عن جسم الأمة الإسلامية، دخلاء على مجتمعها الأصيل المتميز.

стр. 324

١٠ - خاتمة وتعقيب لقد جلت الفصول السابقة شخصية الإنسان المسلم كما أرادها الإسلام، وصورتها نصوصه القاطعة من آيات بينات وأحاديث صحيحة، موضحة علاقة الإنسان المسلم بربه، وتحقيقه التوازن الحكيم في نفسه بين جسمه وعقله وروحه، مبينة صلاته الاجتماعية بغيره، كالوالدين، والزوجة، والأولاد، والأقرباء من ذوي الأرحام، والجيران، والإخوان والأصدقاء، وأبناء مجتمعه قاطبة بكل فئاتهم وأنماطهم وطبقاتهم. وبدا واضحا مما تقدم في تلك الفصول: أن الإنسان المسلم الذي أراده الإسلام إنسان فذ فريد في أخلاقه وصلاته الفردية وعلاقاته الاجتماعية جميعا. وبدا واضحا أيضا أن الإنسان في تاريخه الطويل لم يحظ بمكونات الشخصية الفاضلة المتكاملة كما حظي الإنسان المسلم حين تلقى إشراقة الوحي والهداية الربانية من نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة. ذلك أن الإسلام لم يحفل بحشو عقل الإنسان بالمعارف الفلسفية كما صنع اليونان، ولا بالروحانيات المهومة المغرقة كما فعل الهنود، ولا بتربية الجسم الرياضية كما فعل الرومان، ولا بالفلسفة المادية النفعية كما يعنى العالم المادي اليوم شرقيه وغربيه سواء، وإنما اختط الإسلام منهجا متوازنا متكاملا في تربية الإنسان، آخذا بعين الاعتبار جسمه وعقله وروحه، انطلاقا من نظرته القويمة للإنسان على أنه مخلوق مكون من جسم وعقل وروح.

стр. 325

من هنا بدت شخصية الإنسان المسلم متوازنة سوية متكاملة، لا يطغى فيها جانب على آخر، كما يقع في المجتمعات التي يربي الإنسان فيها مناهج البشر القاصرة التي كثيرا ما تتحكم في وضعها الأهواء والبدع والمفاهيم المنحرفة والضلالات. إن شخصية الإنسان المسلم، كما جلتها هذه الدراسة، طائعة لله، منصاعة لهديه، أوابة إلى حماة، راضية بقضائه وقدره، همها دوما مرضاة ربها. وهي شخصية متوازنة تعطي للجسم حقه من العناية، وللمظهر ما يستوجبه من الرعاية، ولا يلهيها هذا المظهر عن المخبر اللائق بالإنسان الذي كرمه الله، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السموات والأرض، بل تعنى بما يكون فيها العقل الراجح، والتفكير السديد، والمنطق السليم، والفهم العميق لحقائق الأشياء، والنظرة النافذة إلى لب هذه الحقائق وجوهرها، ولا يعزب عنها أن الإنسان ليس مكونا من جسم وعقل فحسب، وإنما له قلب يخفق، وروح ترفرف، ونفس تهجس، وأشواق عليا تدفعه إلى الاستعلاء على هذه الحياة المادية وحطامها، والصعود في معارج الخير والفضيلة والنور، ومن هنا تعنى بالتربية الروحية كما تعنى بالتربية الجسمية والعقلية سواء بسواء، في توازن محكم دقيق، بحيث لا يطغى جانب من هذه الجوانب على آخر. وهي مع الوالدين مثال للبر الصادق، والإحسان الجميل، والرحمة المتناهية، والتهذيب الكامل، والوفاء العميق. وهي مع الزوجة مثال لحسن العشرة، ولطف المعاملة، وذكاء التصرف وعمق الفهم لتكوين المرأة ونفسيتها ومزاجها، وحسن القوامة عليها.

стр. 326

وهي مع الأولاد شخصية تدرك المسؤولية الكبرى التي تحملها إزاءهم، وهي، إذ تغمرهم بالحب والحنان والعطف، لا تغفل التربية والتوجيه، متنبهة إلى كل ما يؤثر في تكوين شخصياتهم التكوين الإسلامى السوي الأمثل. وهي مع الأرحام من ذوي القربى الشخصية الواصلة حبل الود، الجامعة للشمل، الواعية ما للرحم من مكانة في شرعة الإسلام، تجعل الإنسان المسلم واصلا لها، مهما تكن الظروف والأحوال. وشخصية المسلم الحق مع الجيران نموذج لحسن الجوار، وطيب المعاملة، ومراعاة المشاعر والأحاسيس، واحتمال الأذى، والإغضاء عن الأخطاء، والتحرز عن الوقوع فيها، والتخلق الدائم بخلق الإسلام الذي أصل التوصية بالجار على لسان الروح الأمين، حتى ظن الرسول الكريم أن جبريل سيورثه، ومن هنا لا تبدر منه بادرة سوء نحو جاره، ولا يند عنه تقصير في حقه، بل إنه لا يألو جهدا في إسداء المعروف إليه، ولا ينتظر على معروفه مكافأة ولا جزاء ولا شكورا. أما علاقته بإخوانه وأصدقائه، فهي أنقى وأصفى وأطهر علاقة؛ إنها علاقة الحب في الله، وهو الحب الأخوي الصادق الصافي الذي استمد صفاءه وشفافيته من مشكاة الوحي وهدي النبوة، فكان نسيج وحده في تاريخ الأخوة الإنسانية والعلاقات البشرية. وقد انبثق عن تلك العلاقة الوثيقة وهذا الحب الكبير طائفة من غرر الأخلاق، جعلت المسلم الحق نموذجا عجيبا من البشر، تمثلت فيه قيم الإسلام وأخلاقه، فإذا هو مع إخوانه وأصدقائه محب لا يجفو، وفي لا يخون، ناصح لا يخدع، رفيق لا يغلظ، سمح عفو لا يحقد ولا يضطعن، كريم يؤثر إخوانه على نفسه، ويدعو لهم دوما بظهر الغيب. وأما علاقاته الاجتماعية مع الناس جميعا، فهي علاقات الإنسان

стр. 327

المهذب الراقي النبيل المتحلي بمكارم الأخلاق التي حض عليها الإسلام، فهي ليست من الذماثة المصطنعة أو التخلق الموقوت الذي يخفي وراءه ما يخفي من نوايا ومآرب وأغراض، وإنما هي الأخلاق الدائمة التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة، وجعلت التخلق بها دينا يحاسب المرء عليه. فهو صادق مع الناس جميعا، لا يغش ولا يخدع ولا يغير، ولا يحسد، موف بالعهد، متصف بالحياء، عفو متسامح غفور، طليق الوجه، خفيف الظل، حليم، يجتنب السباب والفحش وبذيء الكلام، لا يرمي أحدا بفسق أو كفر بغير حق، حيي ستير، لا يتدخل فيما لا يعنيه، بعيد عن غيبة الناس والمشي بالنميمة بينهم، يجتنب قول الزور وظن السوء، إذا اؤتمن على سر حفظه ولم يفشه، متواضع لا بتكبر ولا يسخر من أحد، يجل الكبير ويحترم صاحب الفضل، ويعاشر كرام الناس، يحرص على نفع الناس ودفع الضر عنهم، ويسعى للصلح بين المسلمين، يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يعود المريض، ويشهد الجنازة، يكافئ على المعروف ويشكر عليه، يخالط الناس ويصبر على أذاهم، يدخل السرور على القلوب ما استطاع إلى ذلك سبيلا، يدل الناس على الخير، يحب التيسير ويجتنب التعسير في الأمور كلها، عادل في حكمه، لا يظلم ولا يحابي ولا ينافق ولا يداهن ولا يرائي، ولا يباهي بأعماله ومنجزاته، مستقيم لا ينحرف ولا يلتوي ولا يتلون مهما تكن الظروف، يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، لا يتنطع في كلامه، ولا يصغر خده للناس، كريم جواد، لا يمن على من يعطيهم أو يسدي إليهم معروفا، مضياف، لا يتبرم بالضيف ولا يضيق به ذرعا إن ألم به، يؤثر على نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ينفس عن المعسر، عفيف لا يتطلع إلى المسألة، ويرى اليد العليا خيرا من اليد السفلى، آلف مألوف، يخضع عاداته كلها لمقاييس الإسلام، ويتأدب بأدبه في طعامه وشرابه وسلامه

стр. 328

وزياراته للناس ودخوله عليهم ومجالسته إياهم، وغير ذلك من الأعمال كالصلات الاجتماعية ... هذه هي الصورة الوضيئة الجلية المشرقة لشخصية الإنسان المسلم الذي صاغه الإسلام، وارتوت نفسه من مناهله العذاب، واستنار عقله وقلبه وروحه بنوره الرباني اللألاء. ولعمري إن الوصول بالإنسان إلى مثل هذا المستوى العالي الشفيف من مكارم الأخلاق، وترجمتها سلوكا حيا يمشي على الأرض، لأكبر إنجاز حضاري تتطلع إلى تحقيقه النظم والشرائع والفلسفات و (الأيديولوجيات)، وإنه لإنجاز، دونه المنجزات العلمية المادية التي غمرت عالمنا اليوم، وبهرت بأضوائها وألوانها القلوب والأبصار؛ ذلك أن الإنسان أكرم وأغلى المخلوقات في الوجود، وما بذلت الجهود المضنية عبر القرون وقامت الحضارات البشرية إلا من أجل إسعاده وترقيته وتكريمه، ومناط تكريمه إنسانيته؛ ولهذا كانت الحضارة التي تهتم بإشباع غرائز الإنسان الدنيا، ولا تعنى بتنمية إنسانيته وتزكيتها، وتفجير ينابيع الخير فيها، حضارة قاصرة ناقصة، أخلت بأهم شروط الحضارة الإنسانية، إذ أغفلت إنسانية الإنسان، وهي جوهرته المكنونة، وأثمن شيء فيه. ولا يغني عن الاهتمام بإنسانية الإنسان والعناية بها شيء مما وصلت إليه الحضارة البشرية من مخترعات: كالمدافع والصواريخ، والأقمار الصناعية و (الترانزستور) و (التلفاز) و (الفيديو) و (الكومبيوتر) و (الأنترنت) وغير ذلك من منجزات العلم، ما لم تسخر جميعها من أجل السمو بالإنسان وإسعاده وتزكية نفسه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (١).

стр. 329

إن رقي المجتمعات لا يقاس بما حققت من منجزات العلم، وما اكتشفت في عالم المادة من مخترعات فحسب، وإنما يقاس بهذا، وبشيء أهم منه، وهو سيادة القيم الإنسانية فيها، من حب وتعاطف وإيثار وتضحية واستقامة ونظافة في التصور والسلوك والمعاملة. وإذ كان الأفراد هم أساس المجتمعات، والدعائم التي تبنى عليها كل نهضة اجتماعية، عنيت المجتمعات الإنسانية الراشدة بتربية الإنسان، فنمت فيه جوانب الخير والبناء، وحاولت أن تستل من نفسه نزعات الشر والهدم، ليغدو مواطنا صالحا، إذ من مجموع المواطنين الصالحين يتكون المجتمع الصالح القوي الراقي النظيف. والمجتمع الإسلامي مجتمع متكامل راق من الطراز الأول، الإنسان المسلم فيه اجتماعي من النمط الرفيع، بما لقن من أحكام دينه الحق، وبما تمثل من أخلاقه الإنسانية الرفيعة النبيلة التي دعا إليها، وحض على التخلق بها في مجال التعامل الاجتماعي. إن ما نشهده اليوم من تخلف وفرقة وشحناء وقطيعة تقع بين صفوف المسلمين على مستوى الدول والشعوب والأفراد، إن هو إلا دليل صارخ على بعد المسلمين عن عروة الله الوثقى، وتنكرهم لرابطة الإيمان المتينة، ونقضهم لوشيجة الأخوة القويمة، ومن هنا نبتت في بلادهم الدعوات الجاهلية الضالة، وغزتهم المبادئ الأجنبية المستوردة، فارتفعت في سماء المسلمين رايات ورايات، وتسربت إلى مجتمعاتهم سموم وآفات، جعلت منهم غثاء كغثاء السيل. وما كان ذلك كله ليقع في حياة المسلمين، لو سلمت للمسلم شخصيته الأصيلة، وسلمت له مناهله الفكرية والروحية. ولكن الغارة على العالم الإسلامي كانت تستهدف شخصية المسلم،

стр. 330

وتستهدف مناهله الفكرية والروحية أيضا، وكان المغيرون يحاربون الإسلام والمسلمين على جبهتين؛ مهمة الأولى زحزحة المسلم عن شخصيته الأصيلة، ومهمة الثانية تلويث مناهله الفكرية والروحية، أو تحويله عنها إلى مناهل أخرى غريبة عنه. ولقد استطاعوا في كثير من بلاد المسلمين أن يهزوا شخصيه المسلم، ويزحزحوها عن أصالتها، ويزجوا بها في حمأة التبعية الفكرية والشعورية والسلوكية، ويعروها من قيم دينها وأخلاقياته ويفرغوها من المحتوى الرباني الذي به أخرجت للناس، وبه دخلت التاريخ، وبه كانت شيئا مذكورا في حياة الإنسانية. ولن يرد إلى شخصية المسلم عافيتها وأصالتها إلا عودة صادقة إلى منهج الله الخالد، وفهم عميق لحقيقة الرسالة المنوطة بالإنسان المسلم في هذه الحياة، يضع المسلمين أمام واجباتهم الكبرى في حمل هذه الرسالة للناس، بعد أن يتمثلوها عقيدة وعبادة وسلوكا ومنهاج حياة. ويوم تفيء أمتنا التائهة في دروب الجاهلية، الغارقة في ظلام التبعية، الضالة في متاهات العصبية، يوم تفيء أمتنا إلى ظلال منهج الله الوريف الظليل، تعود كما كانت أمة موحدة متراصة متحابة قوية عزيزة حرة، وعندئذ لن يفل لها سلاح، ولن تنكس لها راية، ولن يهزم لها جيش؛ إنها يومئذ أمة الإيمان، ولقد تأذن رب العزة في محكم كتابه أن ينصر دوما أمة الإيمان: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).