← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96265

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة

محمد علي الهاشمي

Полный текст (330 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

النبوي حاضا الإنسان المسلم على فعل الخير، حسب قدرته وإمكاناته، وجعل له في كل فعل للخير صدقة: ((على كل مسلم صدقة، فقالوا: يا نبى الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف، ويمسك عن الشر، فإن له صدقة)) (١). لقد وسع الإسلام دائرة الخير، ليلجها كل مسلم، فلا يحس الفقير المعدم أنه محروم من المشاركة الاجتماعية الخيرة، لصفر يده (٢) من المال، ففتح له أبواب هذه المشاركة، بجعل كل عمل نافع يقوم به صدقة له، يثاب عليها كما يثاب الغني على إنفاقه: ((كل معروف صدقة)) (٣). وبذلك ضمن مشاركة جميع الأفراد في بناء المجتمع وخدمته وتحسينه، وأدخل على قلوب أبنائه جميعا الراحة والسرور والابتهاج بهذه المشاركة التي ترد للإنسان اعتباره وتحفظ كرامته وتحقق مثوبته. ولقد كان الإسلام واقعيا رحيما بالمسلمين؛ إذ لم يكلفهم ما لا يطيقون، ولم يطلب منهم إلا أن يبذلوا فضول أموالهم، ولم يلم ذوي الكفاف، وآثر لهم أن يكفوا حاجتهم بأنفسهم؛ إذ اليد العليا في الإسلام خير من اليد السفلى، أما ما زاد عن الحاجة فهو داخل في باب المنافسة في الكرم، والمسلم الحق لا يمسك في وجه من وجوه الخيرة لأنه تعلم من هدي دينه أن في بذله خيرا، وفي إمساكه شرا،

стр. 282

((يا بن آدم إنك إن تبذل الفضل (١) خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف (٢)، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى)) (٣). ولا يفارق المسلم الواعي البصير كرمه وإقباله على الصدقة متى زاد شيء في يده عن حاجته وحاجة عياله، ولو كان هذا الشيء بمثابة احتياطي يذخره الناس ضمانا من الفقر، أو وسيلة للعروج في مدارج الغنى، بل إنه ليرى في هدي دينه أن صدقته في مثل هذه الحالة هي أعلى أنواع الصدقات طرا، وأفضلها أجرا، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة، قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل أجرا؟ قال: ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى. ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان)) (٤). والمسلم الحق الجواد يخص بعطائه وكرمه الفئات التي تستحق الرفد والغوث والإعانة، فيتحرى أولئك العفاة والمحرومين من المساكين المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافا، ويحسبهم الناس أغنياء من التعفف، فيذهب إليهم، ويطرق أبوابهم، ويحبوهم ما يسد حاجتهم ويحفظ كرامتهم. ذلك أن هؤلاء المساكين المتعففين هم أولى الناس بالرفد والعطاء، وهم الذين عناهم الرسول الكريم بقوله:

стр. 283

((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف)) (١). وفي رواية في الصحيحين: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)). ويخص المسلم السمح الجواد بعطائه اليتيم، فيكفله إن استطاع، فيقوم بالنفقة عليه، والعناية بشؤونه، سواء كان هذا اليتيم قريبا له أم بعيدا، محتسبا ما ينفقه في هذا السبيل عند الله الذي أعد لكافل اليتيم مقاما عليا، تتقطع دونه الأعناق، وتصغر الأماني الحفل المعسولة، بمنحه شرف جوار الرسول الكريم في الجنة، فعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا وكافل اليتيم (٢) في الجنة هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا)) (٣). وكذلك يسعى المسلم التقي المحسن السخي على الأرملة والمسكين، امتثالا لهدي دينه القويم، وابتغاء مرضاة ربه، وسعيا وراء المثوبة الكبرى التي أجزلها الله تعالى للساعي على الأرملة والمسكين، حتى إنها لتفوق أجر الصائم القائم، أو المجاهد في سبيل الله، كما أخبر بذلك الرسول الكريم بقوله:

стр. 284

((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)) وأحسبه قال: ((وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر)) (١). هذه هي طرق البر التي يسلكها المسلم المنفق الجواد، يبتغي بها مرضاة ربه ومثوبته، وهذه هي الأعمال الصالحات التي تقرب العبد من ربه زلفى، لا تلك الولائم التي تقام للأغنياء والوجهاء، وتراق في إقامتها الأموال الطائلة، طمعا في شهرة أو وجاهة او كسب موقوت؛ فتلك ولائم ذمها رسول الله ﷺ ، لأنه لم يرد بها وجه الله تعالى، وذلك في قوله: ((بئس الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء)) (٢). ثم إن السعي على الأرملة والمسكين، وتكفل اليتيم والإحسان إليه، فضلا على ما فيهما من ثواب عظيم، ليزكيان نفس المعطي، وينميان إنسانيته، ويرققان قلبه، ويجعلانه يتذوق حلاوة العطاء، ويلتذ بشعور الحنان، ويسعد بفعل الخير. ومن هنا كان الرسول الكريم يروض القلوب القاسية على الإحسان لتخالطها رقة، ويخالجها عطف وندى وحنان. فعن أبي هريرة ﵁ أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال: ((امسح رأس اليتيم، وأطعم المسيكين)) (٣). لا يمن على من يعطيهم: والمسلم التقي الواعي إذا وفقه الله للعطاء والبذل في سبيله، لا يمن على من أعطاهم، ويحرص على أن يكون ممن قال الله تعالى فيهم:

стр. 285

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). ولا يخفى عليه أن لا شيء أحبط للعمل وأبطل لثواب الصدقة من المن والأذى، بل إن نداء الله ﵎ للمؤمنين بالنهي والتحذير من المن الذي يبطل الصدقات ويطيح بالحسنات ليملأ سمعه، ويهز كيانه، ويصرفه عن التفكير بالمن أو الأذى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٢). إن المن على الإنسان الفقير الذي ألجأته الحاجة إلى الأخذ إهانة لإنسانيته، وامتهان لكرامته، وحط من قدره. وهذا كله محرم في شرعة الإسلام التي تعد المعطي والآخذ أخوين، لا فرق بينهما إلا بالتقوى والعمل الصالح، والأخ لا يمن على أخيه، ولا يؤذيه في نفسه وكرامته. ومن هنا اشتد الوعيد للمنان في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر، إذ صنفه رسول الله ﷺ في زمرة الأشقياء الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، فقال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم))، قرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبل (٣)، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)).

стр. 286

مضياف: وبدهي أن المسلم الحق الذي أشربت روحه معاني الكرم مضياف، يهش لاستقبال الضيف، ويسارع إلى إكرامه، مستجيبا إلى خليقة الإسلام الأصيلة في نفسه، المنبثقة من الإيمان بالله واليوم الآخر: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) (١). فمكرم الضيف يؤكد بإكرامه ضيفه أنه مؤمن بالله واليوم الآخر، ومن هنا سمي هذا الإكرام جائزة، تقدم للضيف، وكأنها شكر له على ما أتاح للمضيف من عمل صالح، يحقق به إيمانه ويرضي ربه: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته))، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: ((يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة)) (٢). إن إكرام الضيف في الإسلام عمل عزيز محبب للمسلم الصادق، يثاب عليه، وقد نظمه الإسلام ووضع له حدودا، فجائزة الضيف يوم وليلة، ثم يأتي واجب الضيافة، ومدته ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة تثبت في صحيفة الرجل الكريم المضياف. وليس إكرام الضيف في الإسلام أمرا اختياريا يتبع الأمزجة والنفسيات والاجتهادات الشخصية، وإنما هو واجب على المسلم، عليه أن يبادر إلى تأديته إذا ما قرع بابه طارق، أو نزل بفنائه ضيف:

стр. 287

((ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو دين عليه فإن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه)) (١). أما الذين يضيقون ذرعا باستقبال الضيف، ويغلقون دونه الأبواب، فلا خير فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن النبي ﷺ . ((لا خير فيمن لا يضيف)) (٢). لقد جعل الإسلام الضيافة واجبة على كل مسلم، وعدها حقا مفروضا للضيف، لا ينبغي أن يقصر في أدائه مسلم، فإن استحكم شح النفوس في قوم، وبلغ بهم أن يمنعوا الضيف حقه، فإن الإسلام أذن للضيف أن يأخذ حقه منهم، وذلك في الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما عن عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟ فقال: ((إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما بنبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم)). إن الضيافة خلق إسلامي أصيل، ومن هنا لا تجد مسلما حسن إسلامه بخيلا ممسكا عن الضيف، مهما كانت حاله؛ ذلك أن الإسلام علمه أن طعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة، وأن لا خوف البتة من طروق الضيف المفاجئ؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الاثتين، كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) (٣).

стр. 288

وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) (١). إن المسلم الحق لا يخاف كثرة الأيدي على الطعام، شأن الإنسان الغربي الذي لا يستقبل ضيفا مفاجئا لم يعد له طعاما من قبل، بل إن المسلم ليستقبل ضيفه المفاجئ، ويرحب في مشاركته طعامه، وما عليه إن نقص حظ معدته لقيمات معدودات؛ لأن الجوع أهون عند المسلم الحق من الإعراض عن الضيف الذي أمر الله رسوله بإكرامه، بل إن الله ليبارك في طعام الواحد فإذا هو يكفي الاثنين ويبارك في طعام الاثنين فإذا هو يكفي الأربعة، وهكذا ... ولا داعي لذلك الجفاف المقيت الذي مني به الإنسان الغربي، ربيب المدنية المادية في الشرق والغرب سواء. ولقد ضرب سلفنا الصالح المثل الأعلى في إكرام الضيف، حتى إن الله ﵎ عجب من صنيع بعضهم في إكرام الضيف، ونجد ذلك في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما عندنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ : من يضم (أو يضيف) هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبيان، فقال: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، وجعلا يريانه أنهما يأكلان، وباتا طاويين. فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ((تقد عجب الله من صنيعكما

стр. 289

بضيفكما الليلة، وأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). على أن المسلم الحق كيس فطن، إذا نزل ضيفا على أخيه فإنه يقدر ظروفه، فلا يقيم عنده مسترخيا متثاقلا غير عابئ بما يسبب لمضيفه من إحراج وإثقال وإزعاج قد يبلغ به درجة التذمر والضيق، بل إنه ليجد في هدي الرسول الكريم ما يحرم عليه هذا الإثقال البشع الذي تأباه روح الإسلام، وذلك في الحديث الذي رواه مسلم عن النبي ﷺ : ((لا يحل لمسلم، أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه (٢)))، قالوا: يا رسول الله!، وكيف يؤثمه؟ قال: ((يقيم عنده ولا شيء له يقريه به)). وفي رواية للبخاري: ((ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه)). وأيا كان الإثم أو الإحراج، فالمسلم الحق بعيد عن إيقاع أخيه المضيف فيهما. والضيف المسلم مؤدب، علمه الإسلام أدب الضيافة وسلوكها الرصين الراشد، ومن هنا هو يتحرى الدقة في تطبيق هذا السلوك، بحيث يكون خفيف الظل على مضيفيه، دمثا في الاستجابة لما يحبون أو يبدون من ملاحظات ورغبات.

стр. 290

يؤثر على نفسه: والمسلم الحق الذي ارتوت نفسه من مناهل الإسلام يؤثر على نفسه، ولو كان مقلا به خصاصة (١)؛ ذلك أن الإسلام طبع أبناءه بما ساقه لهم من هدي على الإيثار، حتى أصبح الإيثار خليقة أصيلة من خلائق المسلم الحق، بها يعرف ويتميز عن غيره من الناس. ولقد كان الأنصار رضوان الله عليهم الرواد الأوائل للإيثار بعد الرسول الكريم، إذ نزل فيهم قرآن يتلى، يشيد بإيثارهم الفريد على وجه الزمان، الذي جعلهم منارة خالدة للأجيال الإنسانية، تعلمها كيف يكون الجود، وكيف يكون الإيثار، وذلك حين استقبلوا إخوانهم المهاجرين الذين لا يملكون شيئا، فأعطوهم كل شيء (٢): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). ولقد كانت حياة النبي ﷺ حافلة بالإيثار، وبذلك أصله في نفوس المسلمين الأوائل، وركزه في طبائعهم وعاداتهم؛ فعن سهل بن سعد ﵁ أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال فلان: اكسنيها، ما أحسنها! فقال: ((نعم))، فجلس النبى ﷺ في المجلس، ثم رجع فطواها. ثم أرسل بها إليه. فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها

стр. 291

النبى ﷺ محتاجا إليها، ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلا، فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه)) (١). وكم كان صلوات الله عليه يطيب نفسا إذ يرى ثمرات غرسه في الإيثار تؤتي أكلها في حياة المسلمين، إذا ما دعا إليه داع من جدب أو إقلال، فيعبر عن ذلك بقوله: ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)) (٢). ينفس عن المعسر: والمسلم الحق سمح، حسن المعاملة، رضي الخلق، يبادر إلى التنفيس عن المعسر، عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣). ذلك أن الإسلام يريد من المسلم أن يكون إنسانا قبل أن يكون صاحب حق، فإذا ما آنس من أخيه المدين عسرة مطبقة عليه، عذره، وقدر الضيق الذي هو فيه، وأنظره إلى أجل آخر، أو وضع عنه من الدين. وهو إذ يفعل ذلك إنما يمتثل أمر ربه، ويقدم بين يديه عملا صالحا ينجيه من كرب يوم القيامة، ويظله بظل العرش العظيم يوم لا ظل إلاظله: عن أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يمول:

стр. 292

((من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر (١) أو يضع عنه (٢))) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أنظر معسرا، أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله)) (٤). ولقد ورد في هذا الموضوع نصوص كثيرة، وكلها تؤكد أن تنازل الدائن للمدين لا يضيع عند الله، وإنما سيكون ذلك في صحيفته، وسيعوضه الله الكريم الوهاب بتجاوزه عن دين أخيه تجاوزا أكبر وأغنم وأعظم، يجبر التقصير، ويقيل من الزلل، وينجي من الهول، يوم يقوم الناس لرب العالمين: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: ((كان رجل يداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه)) (٥). وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس (٦)، وكان موسرا، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال الله : ((نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه)) (٧).

стр. 293

وعن حذيفة ﵁ قال: أتي الله بعبد من عباده آتاه الله مالا، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال:- ولا يكتمون الله حديثا- قال: يا رب آتيتنى مالك، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أتيسر على الموسر، وأنظر المعسر، فقال الله تعالى: ((أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي))، فقال عقبة بن عامر، وأبو مسعود الأنصاري ﵄: ((هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ )) (١). عفيف لا يتطلع إلى المسألة: على أن المسلم الحق عفيف مستغن، لا يتطلع إلى المسألة، إذا ألم به ضيق تذرع بالصبر، وضاعف من الجهد، وحرص على ألا يقف موقف المستعطي المستجدي المستدر أكف المحسنين؛ ذلك أن هدي هذا الدين يربأ بالمسلم أن يضع نفسه في هذا الموقف، ويهيب به أن يستعف ويستغني ويصبر، وسيعينه الله ويهبه الغنى والصبر والعفاف: ((من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خيرا وأوسع من الصبر)) (٢). إن الإسلام الذي جعل في أموال الأغنياء حقا للفقراء، يتقاضونه بغير منة ولا أذى ولا غضاضة، أراد للفقراء في الوقت نفسه أن يستغنوا عن هذا الحق، وأعلن أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن على المسلم الحق أن يعمل دوما على ألا تكون يده السفلى؛ ذلك أجدر به وأليق وأكرم، وفي ذلك دفع للمقلين أن يضاعفوا من جهودهم، وألا يتكلوا على الصدقة والعطاء، وفيه حفط لماء وجوههم، وصون لكراماتهم، أن تتعرض يوما لأذى، ومن هنا

стр. 294

كان رسول الله ﷺ يعلن من على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة، أن ((اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة)) (١). آلف مألوف: والمسلم الواعي المستنير بهدي دينه دمث آلف مألوف، يألف الناس ويخالطهم ويوادهم، ويألفه الناس ويخالطونه ويوافونه، وهذه صفة اجتماعية راقية، يتصف بها المسلم الراقي الذي وعى رسالة دينه، وأدرك أن الاتصال بالناس في المجتمع وكسب ثقتهم من أهم واجبات المسلم، وأنه الوسيلة الفعالة الناجعة لإسماعهم كلمة الحق، وتعريفهم بالقيم والمثل العليا التي يحملها؛ ذلك أن الناس لا يستمعون إلا لمن يألفون ويثقون به، ولا يقتنعون بكلام إلا إذا صدر ممن يحملون له شيئا من الثقة والود والقبول؛ ومن هنا جاءت النصوص تعلي من شأن هذا النمط الذي يألف ويؤلف، وتجعله من الفئة المختارة، أحب الفئات إلى الرسول الكريم، وأقربها منه مجالس يوم القيامة: ((ألا أخبركم بأحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟ فأعادها ثلاثا أو مرتين، قالوا: نعم يا رسول ﷺ ، قال: أحسنكم خلقا)) (٢). وزادت بعض الروايات: ((الموطأون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون)). إن من صفات المؤمن أن يكون آلفا مألوفا، يحب الناس ويحبونه، يقبل عليهم وبقبلون عليه، وإذا لم يكن كذلك فإنه لا يستطيع أن يؤدي رسالة،

стр. 295

ولا يرخى لأمر، ولا ينهض بعبء، ومن كان كذلك لا خير فيه، كما جاء في الحديث الشريف: ((المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)) (١). ولقد ضرب الرسول الكريم لأمته المثل الأعلى في حسن سلوكه مع الناس، وبراعته في تأليف القلوب، ودعاها للتاسي به في القول والعمل والسلوك، ورسم لها السبيل القصد في كيفية التسرب إلى قلوب الناس، والوصول إلى حبهم وإعجابهم ومودتهم، فقد كان صلوات الله عليه دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا له عنده في الحق سواء، الناس في مجلسه متعادلون، يتفاضلون بالتقوى، متواضعون، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، يؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. وكان صلوات الله عليه لا يوئس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك من الناس ثلاثا: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستحلبونه في المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب حاجة فارفدوه (٢)، ولا يقبل

стр. 296

الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام (١). وتحدثنا السيدة عائشة أنه كان يتقي شرار الناس، ويستميلهم بلين الكلام وحسن المعاملة؛ فقد استأذن رجل عليه فقال: ((ائذنوا له: بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة))، فلما دخل ألان له الكلام، فقالت عائشة: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام، قال: ((أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس (أو ودعه الناس) اتقاء فحشه)) (٢). ولا ريب أن المسلم الحق يترسم خطا نبيه الأمين في معاملته الناس، صالحهم وطالحهم، بحيث يكون محبوبا مألوفا مقبولا لدى الناس جميعا. يخضع عاداته لمقاييس الإسلام: ومن أهم ما يميز المسلم الحق الواعي إخضاعه كل عادة مألوفة في مجتمعه لمقاييس الإسلام، ومن هنا كانت قيمه الاجتماعية مستمدة كلها من تصور الإسلام ومفاهيمه ومنطلقاته الأصيلة المتميزة. فهو لا يتختم بالذهب؛ لأن التختم بالذهب حرام على الرجال في دين الإسلام، أعلن ذلك رسول الإسلام إذ رأى رجلا يلبس في أصبعه خاتما من ذهب، فقال: ((أيعمد أحدكم إلى جمرة نار فيضعها في يده؟)) (٣). ثم نزع الخاتم من أصبع الرجل وطرحه أرضا. وهنا تجلت روعة الطاعة

стр. 297

والامتثال والانصياع لأمر الله ورسوله في ذلك الرجل، إذ قال له أصحابه: خذ خاتمك المطروح فانتفع بثمنه، فقال: لا والله، لا أرفع شيئا طرحه رسول الله ﷺ . والمسلم الحق لا يأكل ولا يشرب في آنية الذهب والفضة، ولا يلبس الحرير والذيباج؛ لأن الرسول الكريم نهى عن ذلك في أحاديث كثيرة، منها حديث حذيفة ﵁ الذي يقول فيه: ((إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: ((هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة)) (١). وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) (٢). وفي رواية لمسلم: ((إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب))، وفي رواية له أيضا: ((من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم)). وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنما يلبس الحرير من لا خلاق له (٣) في الآخرة)) (٤). وعن علي ﵁ قال: رأيت رسول ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه، وذهبا فجعله في شماله، ثم قال:

стр. 298

((إن هذين حرام على ذكور أمتي)) (١). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم)) (٢). وعن حذيفه ﵁ قال: نهانا النبى ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه)) (٣). والمسلم الحق يحرم ذلك على نفسه امتثالا لأمر الرسول الكريم، قبل أن تبدو له علة التحريم، اجتماعية نفسية كانت أم اقتصادية، إذ أن دستوره في التحليل والتحريم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤). وهو لا يتبع ما يسمى اليوم بـ (الموضة) في تقاليد الخطبة والزواج، مما أخذناه عن الغرب كالعمي أو الببغاوات التي تقلد دونما تفكير وترو وتبصر، كلبس خاتم الخطبة في اليد اليمنى، ثم نقله ليلة الزفاف إلى اليد اليسرى، ولا يسمح بدخول مصور غير محرم يلتقط له ولزوجه الصور التذكارية لليلة الزفاف، وغير ذلك مما ألفه الناس في مجتمعاتنا التي منيت بالغزو الفكري والنفسي، فأضحت صورة مشوهة عن المجتمعات الغربية، وهي تحسب أنها لا تزال تنتمي إلى الإسلام الانتماء الكامل. ومن تلك العادات التي يسقطها المسلم الواعي من حياته الاجتماعية

стр. 299

عادة تعليق الصور ونصب التماثيل في البيوت، واقتناء الكلب في البيت إلا لحراسة؛ فقد اشتد الإسلام في محاربة هذه العادات، وجاءت نصوصه القاطعة تحرم ذلك على المؤمنين تحريما لا مجال للترخص فيه: عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الذين يصنعون هذه الصورة يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)) (١). وعن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفر، وقد سترت شهوة (٢) لي بقرام (٣) فيه تماثيل. فلما رآه رسول الله ﷺ تلون وجهه! وقال: ((يا عائشة، أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله!)). قالت: فقطعناه، فجعلنا منه وسادة أو وسادتين (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعث رسول الله ﷺ يقول: كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس، فيعذبه في جهنم. قال ابن عباس: فإن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا روح فيه (٥). وعن أبي طلحة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة)) (٦). وعن عائشة ﵂ قالت: واعد رسول الله ﷺ جبريل عليه

стр. 300

السلام في ساعة يأتيه فيها فجاءت تلك الساعة ولم يأته! قالت: وكان بيده عصا فطرحها من يده، وهو يقول: ((ما يخلف الله وعده ولا رسله))، ثم التفت، فإذ جرو كلب تحت شريره، فقال: ((متى دخل هذا الكلب؟)) فقلت: والله ما دريت به، فأمر به فأخرج، فجاءه جبريل ﵇، فقال رسول الله ﷺ : ((وعدتني فجلست لك ولم تأتني)). فقال: ((منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة)) (١). والنصوص في ذلك كثيرة، وكلها تحرم نشر الصور ونصب التماثيل. ولقد كشفت الأيام عن حكمة ذلك التحريم، وبخاصة في هذا العصر الذي يسارع فيه المنافقون والمتزلفون وأصحاب المطامع والشهوات إلى الطغاة يزينون لهم التمادي في طغيانهم، ومن ذلك إقامة التماثيل لهم في حياتهم أو بعد مماتهم، ليجعلوا منهم آلهة أو أنصاف آلهة، يتربعون على عرش العظمة، ويلهبون ظهور المستضعفين بالسياط. إن الإسلام الذي جاء بعقيده التوحيد، وحطم أوثان الشرك والجاهلية منذ خمسة عشر قرنا، ليأبى لهذه الأوثان أن تعود مرة أخرى إلى حياة المسلمين، باسم تخليد الزعيم الفلاني تارة، وباسم تكريم الفنان الفلاني تارة أخرى، وباسم تعظيم العالم أو الشاعر أو الأديب الفلاني تارة ثالثة، والمجتمع الإسلامي مجتمع موحد، لا يعرف التعظيم والتقديس والتبجيل إلا لله، ومن هنا لا مكان فيه لمثل هذه الأوثان والأنصاب. أما اقتناء الكلب، فلا مانع منه إذا كان لصيد أو ماشية أو أرض، كما في حديث ابن عمر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 301

((من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان)) (١). وأما اقتناء الكلاب على الطريقة الغربية في البيوت، والعناية بها وتدليلها، وتخصيص أطعمة وصابون (شامبو) لها، وإنشاء حمامات خاصة بها، إلى غير ذلك مما ينفق عليه الغرب والولايات المتحدة بلايين الدولارات في العام، فليس من الإسلام وعاداته السمحة في شيء. وإذا كانت ظروف القوم النفسية في الغرب، والحياة المادية الجافة التي يحيونها انحرفت بهم إلى هذا التطرف في تربية الكلاب، ليعوضوا بها عن عاطفة الحب الإنساني التي فقدوها في حياتهم الاجتماعية، فإن الحياة الاجتماعية في الإسلام ريا بالعاطفة الإنسانية، ولا حاجة بها لمثل هذا الانحراف (٢). يتأدب بأدب الإسلام في طعامه وشرابه: ومن أهم ما يميز المسلم الحق أدبه على الطعام. فإذا ما وجد في مجتمع على مائدة طعام عرفته من آداب طعامه وشرابه التي جاء بها الهدي النبوي العالي، ورغب كل مسلم أن يتحلى بها. فهو لا يبدأ الطعام حتى يسمي الله، ويأكل بيمينه، وما يليه، عملا بقول الرسول ﷺ : ((سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)) (٣). وإذا نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أول طعامه استدرك ما فاته فقال:

стр. 302

بسم الله أوله وآخره، كما في الحديث الذي روته السيدة عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره)) (١). ولقد كان رسول الله ﷺ يهتم جدا بذكر الله تعالى على الطعام، ويحض أصحابه على ذلك لما في هذا الذكر من خير كثير للآكلين، ودفع للشيطان وأذاه عن الطعام وآكليه: فعن حذيفة ﵁ قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعاما لم نضع أيدينا حتي يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده. وإنا حضرنا معه مرة طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضغ يدها في الطعام، فأخذ رسول الله بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله تعالى عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما، ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل)) (٢). أما المسألة الثانية فهي أكله بيمينه؛ فالمسلم المتأدب بأدب الإسلام يأكل بيمينه، ولا يأكل بشماله، وقد جاء الأمر بالأكل باليمين، والنهي عن الأكل بالشمال، واضحين صريحين في أحاديث كثيرة، منها قول الرسول الله: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)) (٣).

стр. 303

وقوله: ((لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله)). وكان نافع يزيد فيها: ((ولا يأخذ بها ولا يعط بها)) (١). وكان الرسول الكريم إذا رأى أحدا يأكل بشماله نهاه ووعظه وأدبه، وربما اشتد ودعا عليه إذا رأى منه كبرا وإصرارا على فعلته: فعن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلا أكل عند رسول الله بشماله، فقال: ((كل بيمينك)) قال: لا أستطيع. قال: ((لا استطعت))! ما منعه إلا الكبر! فما رفعها إلى فيه (٢). ذلك أن الرسول الكريم يحب التيامن في كل شيء، ويحض على الأخذ به، وفي ذلك يروي الشيخان والإمام مالك عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء من البئر، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق، فشرب، ثم أعطى الأعرابي، وقال: ((الأيمن فالأيمن)). وأتي مرة بشراب، وكان عن يمينه غلام (٣)، وعن يساره أشياخ، فشرب، ثم قال للغلام: الشربة لك، فهل تتنازل عنها لهؤلاء الأشياخ؟ فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بسؤرك أحدا يا رسول الله، والحديث المروي في هذا عن سهيل بن سعد ﵁، ونصه: ((أتي رسول الله ﷺ بشراب، فشرب منه، وعن يمييه غلام وعن يساره

стр. 304

أشياخ، فقال للغلام: ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتله (١) رسول الله ﷺ في يده (٢). إن هذه الشواهد والنصوص، وأمثالها كثير، لتدل دلالة قاطعة على أن التيامن أدب هام جدا من آداب الإسلام، يأخذ المسلم الحق به نفسه دونما تساهل أو ترخص أو تراخ، وهذا ما كان عليه الصحابة والتابعون، لا يشذ عن ذلك منهم أحد، ولقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يعير هذا التيامن أهمية كبرى، ولا يتغاضى عمن يتساهل فيه. وفي إحدى جولاته على الرعية متفقدا أحوالهم رأى رجلا يأكل بشماله، فقال له: يا عبد الله كل بيمينك، ورآه ثانية يأكل بشماله، فخفقه بالدرة، وقال له: يا عبد الله كل بيمينك، ورآه مرة ثالثة يأكل بشماله، فخفقه بالدرة، وقال له بحدة: يا عبد الله كل بيمينك، فأجاب الرجل: يا أمير المؤمنين إنها مشغولة، فقال عمر: وما شغلها؟ قال: شغلها يوم مؤتة (٣)، فبكى عمر، وأقبل على الرجل معتذرا مواسيا قائلا له: من يوضئك؟ من يقوم بحاجاتك؟ من يعينك على أمورك؟ ثم أمر، بإنصافه ورعايته. إن اهتمام أمير المؤنين عمر ﵁ بهذه الجزئية في سلوك رجل من الرعية ليؤكد أهمية هذه الجزئية، ودلالتها الكبيرة على شخصية المسلم، وتعبيرها عن هويته المتميزة، وحرص عمر الشديد على تطبيقها في حياة المسلمين. ومن هنا لا يجوز التساهل فيها أو التغاضي عنها. وأحب أن أسوق هذا الكلام إلى المسلمين الذين أخذوا بنظام المائدة الغربية القاضي بجعل الشوكة على اليسار، والسكين على اليمين، ليقطع

стр. 305

الأكل بيمينه، ويتناول اللقمة بيساره، فاتبعوه دونما تعديل، فإذا هم يأكلون بيسارهم مخالفين بذلك هدي دينهم، ولم يكلفوا أنفسهم أن ينقلوا الشوكة إلى اليمين، والسكين إلى اليسار، ليأكلوا بيمينهم خشية أن يخدش (الإتيكليت) الغربي. وهذا لون من ألوان الهزيمة النفسية التي منيت بها أمتنا أمام ما يفد إلينا من أشياء مستحدثة، نعكف على تطبيقها دونما تعديل أو تكييف يوائم شخصيتنا وديننا وقيمنا الأصيلة. والمسلم الحق بعيد عن هذا التقليد الببغاوي الأعمى التافه الهزيل. إن المسلم الواعي البصير المعتز بهدي دينه القويم وأدبه العالي الرفيع في شؤون الحياة كافة ليعمد إلى الأكل باليمين، داعيا إلى ذلك، ولا يخجل أن يجهر به في المحافل والمجتمعات التي لا تزال تتمسك بحرفية ما جاءنا من الغرب، حتى يتنبه الغافلون واللامبالون، ويثوبون إلى رشدهم في اتباع هدي السنة النبوية المطهرة في التيامن في الطعام والشراب. وأما المسألة الثالثة، فهي أكله مما يليه، عملا بأدب الإسلام في تناول الطعام. وقد جاء به الأمر النبوي أيضا صريحا واضحا مع التسمية والأكل باليمين في أحاديث كثيرة، ومنها قوله فيما رواه عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ (١)، وكانت يدي تطيش في الصحفة (٢)، فقال لي رسول الله ﷺ : ((يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)) (٣). وإذا تناول المسلم طعامه بيده تناوله برفق ولطف وتهذيب، كما كان يفعل الرسول ﷺ ، إذ كان يتناول طعامه بأصابع ثلاث، ولا يغمس يده كلها

стр. 306

في الطعام على نحو تشمئز منه الأنظار وتنفر النفوس، وهذا ما حكاه كعب بن مالك ﵁ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها)) (١). وكان ﷺ يأمر بلعق الأصابع وسلت الصحفة (٢)، وذلك فيما يروى عن جابر ﵁ من أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: ((إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث، وقال: ((إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها، وليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان))، وأمرنا أن نسلت القصعة، وقال: ((إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)) (٤). وفي هذا الهدي النبوي الكريم، فضلا عن التماس البركة، حض على نظافة الأيدي والآنية؛ ومسحها من بقايا الأطعمة أليق بالإنسان المهذب النظيف، وأدل على نظافته وترتيبه وذوقه المرهف. وقد وصل الغرب اليوم إلى الأخذ بهذه العادة الحسنة التي قررها الرسول الكريم منذ خمسة عشر قرنا؛ فالأوربيون اليوم يمسحون الصحون ولا يدعون فيها شيئا. وبدهي أن المسلم المرهف الحس المتأدب بأدب الإسلام لا يتمطق في أكله، ولا يشخر، ولا ينفخ حين مضغه الطعام محدثا أصواتا منفرة مزعجة، ولا يكبر اللقمة بحيث يصبح منظر فيه منتفخا مزريا قبيحا.

стр. 307

فإذا فرغ من طعامه، فاه بالحمد لله بالصيغة الرائعة التي علمنا إياها الرسول الكريم، شاكرا نعمته، ملتمسا منه أجر ومثوبة الحامدين الشاكرين. فعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: ((الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه، ربنا)) (١). وعن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدتم من ذنبه)) (٢). ولا يعيب المسلم المتأدب بأدب الإسلام الطعام مهما كان، أخذا بالهدي النبوي في ذلك، وجريا على فعل الرسول ﷺ حين يأتيه الطعام. فعن أبي هريرة ﵁ قال: ((ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط: إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه)) (٣). وأما آدابه في الشراب فمستمدة أيضا من أدب الإسلام الذي أدب الإنسان، فأحسن تأديبه في كل شأن من شؤون الحياة. فهو يشرب على دفعتين أو ثلاث، بعد التسمية، ولا يتنفس في الإناء، ولا يشرب من فم السقاء ما أمكنه ذلك، ولا ينفخ في الشراب، ويشرب قاعدا إن استطاع.

стр. 308

أما الشرب على دفعتين أو ثلاث، فهو ما كان عليه الرسول الكريم، كما أخبر بذلك أنس ﵁ بقوله: ((كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب (١) ثلاثا)) (٢). ولقد نهى الرسول الكريم عن الشرب دفعة واحدة بقوله: ((لا تشربوا واحدا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم)) (٣). ونهى عن النفخ في الشراب، وجاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: أرى القذاة فيه، قال النبي ﷺ : ((فأهرقها)) قال: ((إني لا أروى من نفس واحد، فقال الرسول ﷺ : ((فأبن القدح عن فيك ثم تنفس)) (٤). ومن استعراض الأحاديث الواردة في أدب الشراب يتبين أن الأحسن صنعا والأمثل طريقة ألا يشرب المسلم المهذب من فم السقاء ما أمكنه ذلك، وأن يشرب قاعدا ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فذلك أمثل وأكمل وأفضل، كما تدل على ذلك الأحاديث الواردة في هذا الموضوع، وإن كان الشرب من فم السقاء وفي حالة القيام جائزين؛ لأن الرسول الكريم شرب في هذه الحالات جميعا. يفشي السلام: ومن أدب المسلم الاجتماعي المميز إفشاؤه السلام. وإفشاء السلام في الإسلام ليس تقليدا اجتماعيا، تعاور على وضعه وتنظيمه البشر في عصورهم

стр. 309

المختلفة، فهو يتغير ويتطور تبعا للبيئة الاجتماعية والعصر الذي وضع فيه، وإنما هو أدب محدد منظم أصيل، أمر به رب العزة في كتابه الحكيم، ونظمه ووضع قواعده الرسول الكريم في أحاديثه الثرة الغزيرة التي أفردها المحدثون بباب مستقل سموه (كتاب السلام)، أو (باب السلام). لقد أمر الله تعالى المؤنين بالسلام في محكم كتابه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا (١) وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (٢). وأمر برد التحية بأحسن منها أو بمثلها، ومن هنا كان واجبا على كل من سمع تحية أن يردها ولا يتجاهلها أو يتهاون في ردها: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣). وجاء الهدي النبوي ثرا غزيرا يحض بحرارة على إفشاء السلام وإسماعه من نعرف ومن لا نعرف؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) (٤). وكان السلام إحدى الوصايا السبع التي أمر رسول الله ﷺ صحابته بها، ليلتزموها في حياتهم الاجتماعية، وتلتزمها الأمة الإسلامية من بعدهم، وهي كما عددها البراء بن عازب ﵁، قال: ((أمرنا رسول الله ﷺ بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز،

стр. 310

وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم)) (١). لقد أعطى الرسول الكريم قضية السلام جانبا كبيرا من اهتمامه، وحض على تطبيقه، وحبب فيه، في قسم كبير من أحاديثه، لما كان يعلم من أثره الكبير في تفجير ينابيع الحب في النفوس، وتوثيق عرى القلوب، وإحكام وشائج الود والتقارب والتصافي بين الأفراد والجماعات، حتى إنه جعله سبب المحبة التي تفضي إلى الإيمان، الموصل إلى الجنة، وذلك في قوله: ((والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)) (٢). وجعل أولى الناس بالله ومرضاته ونعمه وخيراته من يبدأ الناس بالسلام: ((إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام)) (٣). ولذلك كان عبد الله بن عمر ﵁ يغدو إلى السوق فلا يمر على أحد إلا سلم عليه، وسئل يوما: ما تصنع في السوق، وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟ فقال: ((إنما نغدو من أجل السلام على من لقينا)) (٤). وللسلام في المجتمع الإسلامي صيغة واحدة يلتزمها المسلم الحق الواعي آداب دينه، الحريص على تطبيق هديه المتميز الأصيل، وهي: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، يقولها المبتدئ بالسلام هكذا بضمير

стр. 311

الجمع، ولو كان المسلم عليه واحدا، ويقول المجيب: ((وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)). ولا يغني عن هذه الصيغة الشرعية الأصيلة صيغ أخرى قديمة مثل: عم صباحا، أو صيغ مستحدثة كصباح الخير، التي هي ترجمة حرفية لـ ( Good morning) بالإنكليزية، أو ( Bonjour) بالفرنسية، وما إلى ذلك من صيغ تفشت في مجتمعات المسلمين المتخلفين عن هدي دينهم القويم. إن تحية الإسلام هذه هي التحية التي اصطفاها الله تعالى لخلقه منذ خلق آدم، علمه إياها، وأمره أن يحيي بها الملائكة، وأراد لذريته على مدى عصورها واختلاف أمصارها أن تتمسك بها، لما تحمل من معنى السلام، أحب شيء للإنسان في كل زمان ومكان. ولم تبق على هذه التحية الربانية الأصيلة سوى أمة الإسلام التي بقيت على الملة الحنيفية السمحة، لم تغير فيها ولم تبدل، ولم تنحرف عن هديها ولم تمل، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : ((لما خلق الله آدم ﷺ قال: ((اذهب فسلم على أولئك - نفر من الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله)) (١). لا بدع إذا أن تكون هذه الصيغة هي التحية المباركة الطيبة؛ لأنها جاءتنا من عند الله تعالى، وأمرنا أن نتخذها تحيتنا، ولا نعدل عنها إلى سواها: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٢).

стр. 312

ومن أجل ذلك التزم بصيغتها جبريل ﵇ حين قرأ عائشة السلام، وكذلك التزمت السيدة عائشة ﵂ بصيغة الرد، كما جاء في الحديث المتفق عليه: ((عن عاثشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ((هذا جبريل يقرأ عليك السلام)) قالت قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته)) (١). وللسلام في الإسلام قواعد أيضا، يحرص المسلم الحق على اتقانها وتطبيقها بدقة في حياته الاجتماعية، وتتلخص هذه القواعد في الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير)) (٢). وفي رواية للبخاري: ((والصغير على الكبير)). والسلام يكون على الرجال وعلى النساء أيضا، يشهد لذلك حديث أسماء بنت يزيد ﵂ أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم)) (٣). ويكون السلام أيضا على الصبيان، تعويدا لهم على آداب التحية والسلام؛ فعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان رسول الله ﷺ يفعله (٤). ومن قواعد السلام وآدابه في الإسلام أن يلقى في الليل برفق وتؤدة وخفض صوت، بحيث يسمعه اليقظان، ولا يوقظ الوسنان، وهذا ما كان

стр. 313

يفعله رسول الله ﷺ فيما يرويه المقداد ﵁ في حديثه الطويل، قال: ((كنا نرفع للنبي ﷺ نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان، فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم)) (١). ويكون السلام عند الدخول إلى المجلس وحين القيام منه وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : ((إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة)) (٢). لا يدخل غير بيته إلا باستئذان: ولا يدخل المسلم الواعي آداب دينه بيتا غير بيته إلا باستئذان. وهذا الاستئذان أمر رباني، لا يجوز التهاون في شأنه أو التغاضي عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا (٣) وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... ﴾ (٤). إن الدخول إلى بيوت الناس لا يكون نقيا خاليا من الشوائب بعيدا عن الشبهات، إلا إذا كان بإذن أهله. ومن هنا لا مجال للتلصص والاستغفال والترقب والتسرب والدخول غير المشروع الذي يخفي وراءه الريب والشكوك؛

стр. 314

ذلك أزكى وأنقى لسمعة الزائر والمزور، وهذا ما أراده الله لعباده المؤمنين حين شرع الاستئذان. وللاستئذان آداب حرص الإسلام على تجليتها للمسلم، وأمره بالتحلي بها كلما قادته قدماه إلى زيارة إنسان. وأولها: ألا يقف أمام الباب، بل يأخذ يمنة أو يسرة، وهذا ما كان يفعله رسول الله ﷺ ؛ فعن عبد الله بن بسر، صاحب النبي ﷺ : ((أن النبي ﷺ إذا أتى بابا يريد أن يستأذن لم يستقبله، جاء يمينا أو شمالا، فإن أذن له، وإلا انصرف)) (١). ذلك أن الاستئذان جعل من أجل البصر، كما في حديث سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) (٢). ومن هنا لا يجوز للمستأذن أن يقف في مواجهة الباب حيث ينصب البصر حين فتحه. وثانيها: السلام فالاستئذان، ولا يصح الاستئذان قبل السلام؛ بهذا جاء الهدي النبوي العالي في حديث ربعي بن حراش، قال: ((حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبى ﷺ ، وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال رسول الله ﷺ لخادمه: ((أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟)) فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبى ﷺ ، فدخل (٣).

стр. 315

وثالثها: أن يسمي نفسه بما يعرف به من اسم أو كنية، إذا قيل له: من أنت؟ ولا يقول كلمة غامضة مثل: أنا، ونحوها؛ فقد كره النبي ﷺ أن يجيب الطارق بكلمة أنا التي لا تفصح عن هوية صاحبها وشخصيته، وأمر بذكر الاسم الصريح عند السؤال. عن جابر ﵁ قال: ((أتيث النبى ﷺ ، فدققت الباب، فقال: ((من هذا؟، فقلت: أنا، فقال: ((أنا أنا؟!)) كأنه كرهها)) (١). لقد علمنا الرسرل الكريم بذلك أن السنة في أدب الاستئذان ذكر الاسم الصريح، وهذا ما كان عليه هو وصحابته الأكرمون. فعن أبي ذر ﵁ قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يصلي وحده، فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: ((من هذا؟)) فقلت: أبو ذر)) (٢). وعن أم هانئ ﵂ قالت: أتيت النبى ﷺ ، وهو يغتسل، وفاطمة تستره، فقال: ((من هذه؟)) فقلت: أنا أم هانئ)) (٣). ورابعها: أن يرجع إذا قيل له: ارجع، دون أن يجد في نفسه شيئا من غضاضة؛ إذ بذلك جاء أمر الله في كتابه العزيز: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٤). وبذلك أيضا جاءه الهدي النبوي العالي، مبينا أن الاستئذان ثلاث، فإن

стр. 316

أذن للمستأذن دخل، وإلا رجع، وذلك في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك (١)، وإلا فارجع)) (٢). واستاذن أبو موسى الأشعري مرة على عمر فلم يأذن له، فانصرف، فأرسل إليه عمر، ودار بين الاثنين حديث حول الاستئذان والرجوع، من المفيد إيراده بنصه، ليطلع القارئ على دقة الصحابة الكرام في تقصي هدي الرسول الكريم، وحرصهم على وضعه موضع التطبيق، قال أبو موسى: ((استأذنت على عمر فلم يؤذن لي- ثلاثا- فأدبرت، فأرسل إلي فقال: يا عبد الله، اشتد عليك أن تحتبس على بابي؟ إعلم أن الناس كذلك يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك، فقلت: بل استأذنت عليك ثلاثا، فلم تؤذن لي، فرجعت [وكنا نؤمر بذلك]. فقال: ممن سمعت هذا؟ فقلت: سمعته من النبى ﷺ ، فقال: أسمعت من النبي ﷺ ما لم نسمع؟ لئن لم تأتني على هذا ببينة لأجعلنك نكالا، فخرجت حتى أتيت نفرا من الأنصار جلوسا في المسجد، فسألتهم، فقالوا: أو يشك في هذا أحد؟ فأخبرتهم ما قال عمر، فقالوا: لا يقوم معك إلا أصغرنا. فقام معي أبو سعيد الخدري - أو أبو مسعود- إلى عمر، فقال: خرجنا مع النبي ﷺ ، وهو يريد سعد بن عبادة، حتى أتاه، فسلم، فلم يؤذن له، ثم سلم الثانية ثم الثالثة، فلم يؤذن له، فقال: قضينا ما علينا. ثم رجع، فأدركه سعد، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما سلمت من مرة إلا وأنا أسمع وأرد عليك، ولكن أحببت أن تكثر من السلام علي وعلى أهل بيتي. فقال أبو موسى: والله إن

стр. 317

كنت لأمينا على حديث رسول الله ﷺ ، فقال: أجل، ولكن أحببت أن أستثبت)) (١). وفي رواية لمسلم أيضا أن عمر قال معاتبا نفسه حين ثبت له الحديث: ((خفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ ألهاني عنه الصفق بالأسواق)). يعني الخروج إلى التجارة في الأسواق. يجلس حيث ينتهي به المجلس: وللمسلم الحق الواعي المستنير أدبه المتميز أيضا في المجلس الذي يغشاه، وإنه لأدب عالم مستقى من هدي الرسول القولي والعملي، يجعل من تحلى به آية في الرقي الاجتماعي والدماثة الخلقية. وأول ما يتعلمه المسلم من هذا الهدي الرفيع الجلوس حيث ينتهي به المجلس، فلا يتخطى الرقاب، ولا يزاحم الجلوس ليفسحوا له مكانا بينهم في صدر المجلس، متبعا بذلك السنة الاجتماعية القويمة التي علمها رسول الله ﷺ الصحابة الكرام حين يغشون مجلسه الكريم. فعن جابر بن سمرة ﵁، قال: ((كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي)) (٢). فالمسلم المتأدب بهذا الأدب العالي يتحاشى أن يقحم نفسه بين اثنين، فيفرق بينهما إلا بإذنهما حين تدعو ضرورة إلى ذلك؛ ذلك أن تفريقه بينهما بغير إذنهما مما نهى عنه الرسول الكريم، وحذر منه بقوله:

стр. 318

((لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما)) (١). ذلك أن اقحام الشخص نفسه بين اثنين، سواء كان ذلك في مجلس أم في غير مجلس، من الأمور المستكرهة المستهجنة التي اشتد الإسلام في تبيان قبحها، والتنبيه إلى تجنبها. والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة جدا، ومنها ما يرويه سعيد المقبري، يقول: ((مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث، فقمت إليهما، فلطم في صدري فقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما، ولا تجلس معهما، حتى تستأذنهما. فقلت: أصلحك الله يا أبا عبد الرحمن، إنما رجوت أن أسمع منكما خيرا)) (٢). وإذا قام له أحد من المجلس ليجلسه مكانه لم يقبل الجلوس فيه؛ ذلك أكرم وأفضل وأمثل، وأشبه بما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. فعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا)) (٣). وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه (٤). وإذا ما استقر به المجلس كان في أحاديثه وتصرفاته متأدبا ما استطاع بأدب الرسول الكريم حين كان يجالس الناس؛ فقد كان ﷺ يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام (٥).

стр. 319

يجتنب التثاؤب في المجلس ما استطاع: والمسلم المهذب الواعي آداب المجالس لا يتثاءب في مجلسه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإذا ما غشيه التثاؤب وغلبه على أمره حاول دفعه ما استطاع، وهذا ما أرشد إليه الرسول الكريم بقوله: ((إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع)) (١). أما إذا كان التثاؤب أقوى من أن يكظم أو يدفع، فليضع يده على فمه، وبهذا أمر الرسول الكريم بقوله: ((إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه فإن الشيطان يدخل)) (٢). إن التثاؤب في المجالس قبيح منفر لا يليق بالإنسان المهذب. ومن هنا لا بد من دفعه أو تحاشيه بستر الفم الفاغر المتثائب باليد، وحجب منظره عن الجالسين، بذلك جاء الهدي النبوي الكريم معلما المسلم التصرف الاجتماعي اللبق الذي لا ينفر الجالسين، ولا يشعرهم بملل المتثائب من مجالستهم، ورغبته في انصرافه عنهم أو انصرافهم عنه. يأخذ بأدب الإسلام عند العطاس: وكلما وضع الإسلام أدبا للتثاؤب في المجالس، وضع أدبا للعطاس، فعلم المسلم كيف يفعل إذا دهمه العطاس، وماذا يقول، وكيف يشمت العاطس ويدعو له. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الله يجب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله

стр. 320

تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله. وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان)) (١). إن هذا الحادث الانعكاسي البسيط لا يمر في حياة المسلم دون أن يكون له ضوابط وقواعد وآداب، تجعل المسلم يحس في أعماقه أن هذا الدين جاء لصلاح أمره كله، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا نظمها ووضع لها الصيغ الخاصة بها التي تربط الإنسان دوما بالله رب العالمين. فإذا ما عطس فعليه أن يقول: الحمد لله، وعلى سامعه أن يقول: يرحمك الله، وعليه أن يجيب على دعاء صاحبه بدعاء: يهديكم الله ويصلح بالكم، وهذا ما أرشد إليه حديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري: ((إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاجبه: يرحمك الله. فإذا قال له: يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم)) (٢). وصيغة هذا الدعاء: ((يرحمك الله)) تسمى التشميت، وتقال للعاطس على سبيل الاستحباب إذا حمد الله تعالى، فإن لم يحمد الله فلا يشمت، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : ((إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: ((عطس رجلان عند النبى ﷺ ، فشمت
следующие страницы →