← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96265

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة

محمد علي الهاشمي

Полный текст (330 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قبل العقد عليها، لكيلا يتورط مسلم في زواج فتاة لم يرتح لها قلبه، ولا تسر لمرآها عينه. فعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة على عهد رسول الله ﷺ ، فقال النبى ﷺ : ((أنظرت إليها؟)) قلت: لا، قال: ((فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما (١))) (٢). وجاء رجل خطب امرأة من الأنصار إلى النبي ﷺ ، فقال له الرسول الكريم:، هل نظرت إليها؟)) قال: لا، فأمره أن ينظر إليها (٣). وأكد رسول الله ﷺ في أكثر من حديث أن الجمال من الصفات الأساسية التي يتطلبها الرجل في المرأة الصالحة، إلى جانب الصفات المعنوية الأخرى، وأن كلا منها لا يغني عن الآخر. ومن ذلك قوله لابن عباس: ((ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة. إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ سئل رسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ فقال: ((التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله)) (٥). إنها النظرة النبوية الهادية الصائبة إلى شخصية المرأة التى تستطيع أن تهب الرجل السعادة والسكينة والاستقرار، والتي تستطيع أن تخلع على عش

стр. 72

الزوجية ومحضن الفراغ الزغب البشاشة والأمن والرضا، وتكون بالتالي مربية الأجيال، وصانعة الأبطال، ومنشئة العباقرة. وإنه للحرص من رسول الإسلام العظيم على أن يبنى الزواج على أساس مكين راسخ متوازن من مطالب الجسم والعقل والروح والعاطفة، ليكون قويا لا يزعزعه تنافر الأمزجة، ولا تعصف به نزوات النفوس، ومن هنا كان المسلم الحق المستهدي شريعة الله في خطواته كلها بصيرا، لا يقع في حبائل خضراء الدمن، وهي المرأة الحسناء في منبت السوء، بل يقول للناس مع القائل: ((إياكم وخضراء الدمن)) (١). يلتزم هدي الإسلام في حياته الزوجية: والمسلم الحق الصادق ملزم بعد زواجه بالسير على هدي الإسلام العالي في معاشرته لزوجته وتعامله معها. ولو رحنا نتدبر هدي الإسلام العظيم في توصيته بالمرأة، والحض على تكريمها وحسن معاملتها لرأينا عجبا. لقد أوصى الإسلام بالمرأة، وأحلها مكانة ما عرفتها يقينا في غير هذا الدين. فها هو ذا رسول الله ﷺ يهيب بالرجال جميعا: ((إستوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)) (٢). وفي رواية في الصحيحين: ((المرأة كالضلع: إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها، وفيها عوج)). وفي رواية لمسلم: ((إن المرأة خلقت من ظلع، لن تستقيم لك على

стр. 73

طريقة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)). إن في هذا التمثيل النبوي البليغ لبيانا رائعا لحقيقة المرأة ومزاجها الذي فطرت عليه؛ فهي لا تستقيم على حال واحدة كما يريد الزوج، فينبغي أن يعلم الزوج المسلم أن ذلك فيها سجية وطبع وخليقة، فلا يحاولن أن يقيمها على الجادة التي وقر في خلده أنها الصواب أو الكمال، وليراعين مزاجها الأنثوي الخاص، وليقبلها كما خلقها الله، وفيها عوج عما يريد ويرغب في بعض الأمور، وإن أبى إلا أن يقيمها على إرادته ومزاجه، فمثله كمثل من أبى إلا أن يقيم اعوجاج الضلع، فإذا هو ينكسر بين يديه، وكسر المرأة طلاقها. وحينما يستقر في وجدان الزوج المسلم الصادق هذا الهدي النبوي العالي، المبني على تفهم عميق لنفسية المرأة ومزاجها، يتسامح في كثير من هفوات زوجه، ويغض الطرف عن عديد من هنواتها، تقديرا منه لخلقتها وفطرتها، فإذا بيت الزوجية آمن هادئ سعيد، لا صراخ فيه ولا صخب ولا خصام ... وإن المتأمل نص هذا الحديث ليلاحظ أن النبي الكريم صدر حديثه بعبارة: ((استوصوا بالنساء خيرا)). ثم عاد بعد تحليله شخصيتها فختم الحديث بالعبارة ذاتها: ((فاستوصوا بالنساء)). فما أشد عناية الرسول الكريم بالمرأة! وما أعمق فهقه لنفسيتها! وما أكثر حدبه عليها! وهل يسع الزوج المسلم الصادق إلا أن يتمثل هذا الهدي الكريم، ويعمل به في كل آن؟. وتبلغ عناية الرسول الكريم بالمرأة أنه لم ينس أن يلمع إلى التوصية بها في خطبة حجة الوداع، وهي الخطبة التي اعتصر فيها ما ينبغي قوله للمسلمين بعد لن أحس أن هذه آخر وقفة له معهم في الحج، لم يفته في هذه الخطبة

стр. 74

الجليلة الحافلة أن يوصي بالنساء، مفتتحا حديثه عنهن بهذا التنبيه الدال على العناية والاهتمام: ((ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)) (١). إنها الوصية التي يسمعها كل زوج مسلم صادق واع، فيرى فيها الهدي النبوي الحكيم في تحديد الحقوق والواجبات على الأزواج والزوجات، في إطار من الرحمة بالنساء والحدب عليهن والإحسان إليهن، مما لا يدع مجالا للتفكير. بظلم الزوجة أو الإضرار بها في بيت الزوجية المسلم. وتتعدد توصيات الرسول الكريم بالمرأة، حتى تبلغ حدا يجعل الزوج المحسن لزوجته من خيار الأمة وصفوتها: ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم)) (٢). وجاءت نسوة إلى آل الرسول الكريم يشكون أزواجهن، فأعلن الرسول صلوات الله عليه على أسماع الرجال: ((لقد أطاف بال محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم)).

стр. 75

ويسمو الإسلام الحنيف في إنصاف المرأة وتكريمها، وتوصية الزوج بحسن معاشرتها حتى ولو كان كارها لها، وهذا ما لم تصل إليه المرأة في تاريخها كله إلا في هذا الدين. يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١). إن هذه الآية الكريمة لتلمس وجدان المسلم الصادق، فتهدئ من فورة غضبه، وتفثأ من حدة كراهيته لزوجته، وبذلك يقي الإسلام عروة الزوجية من الانفصام، ويحفظ الرباط المقدس أن يكون عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة، وحماقة الميل الأهوج الطائر هنا وهناك. وما أعظم قول عمر بن الخطاب ﵁ لرجل أراد أن يطلق زوجته لأنه يكرهها: ((ويحك ألم تبن البيوت إلا على الدين؟ فأين الرعاية والتذمم؟)). إن عقدة الزوجية في الإسلام لأكبر من النزوات العاطفية الصغيرة، وأجل من ضغط الميل الحيواني المسعور، وإن في المسلم الحق من المروءة والنبل والتجمل والاحتمال وسعة الصدر وسمو الخلق ما يجعله يرتفع في تعامله مع زوجته التي يكره، بعيدا جدا عن نزوات البهيمة، وطمع التاجر، وتفاهة الفارغ. بل إن المسلم الحق لا يسعه إلا أن يمتثل أمر ربه، فيحسن معاشرة زوجته، ولو كان كارها لها؛ ذلك أنه يتدبر قول ربه العليم الخبير بما خفي عليه، وهو كثير، بأن الإنسان قد يكره الشيء ويعافه ويود الابتعاد عنه، وهو محفوف بالخير، مفعم بالبركة، ولذلك فإن المسلم الواعي يعرف كيف يحب، ويعرف كيف يكره، فلا يندفع مع من أحب اندفاع الأهوج الأعمى،

стр. 76

ولا يزور عمن أبغض ازورار الجافي المعرض المنكر الجاحد، وإنما يكون في الموقفين معتدلا مقسطا منصفا. ويبين رسول الإسلام العظيم أن المرأة المسلمة المؤمنة مهما كرهها زوجها، فإنها لا تخلو من خلق كريم يرضى عنه الرجل، فما ينبغي له أن يتجاهل هذا الجانب الرضي فيها، ويبرز الجانب الذي يكره: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة (١)، إن كره منها خلقا رضي منها آخر)) (٢). المسلم الحق زوج مثالي: إن المسلم الحق ليقف إزاء هذه النصوص الصريحة القاطعة الآمرة بإنصاف المرأة والإحسان إليها، فلا يملك إلا أن يكون زوجا مثاليا، تنعم امرأته بعشرته الدمثة، وتسعد برفقته المهذبة الراقية، مهما امتد بهما العمر وطالت الأيام. إذا دخل البيت أقبل على زوجه وأولاده بوجه طلق المحيا، مفتر الأسارير، فبادرهم بالتحية المباركة الطيبة التي أمر الله تعالى بها، وجعلها تحية الإسلام المتميزة إذ قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٣). وحض على هذه التحية الرسول الكريم إذ قال لأنس ﵁: ((يا بنى إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك)) (٤).

стр. 77

وإنها لبركة، أي بركة، أن يلقى الرجل أهله بالسلام، ويقبل عليهم إقبال الربيع، فينضر حياتهم بالسعادة والسرور والمرح، ويشيع فيها الأنس والرحمة والرضا، يمد يد العون لزوجته، إن رآها بحاجة إلى شيء من ذلك، ويواسيها باللطيف من القول إن آنس فيها شكوى من تعب أو سأم أو ضيق، ويشعرها أنها تعيش في ظل زوج قوي كريم سمح، يحميها، ويرعاها، ويهتم بشؤونها، ويوفر لها حاجاتها المشروعة كلها حسب استطاعته، ويرضي أنوثتها بالتجمل لها بالزينة التي أباحها الشرع الحنيف، ويعطيها جانبا من وقته واهتماماته، لا يشغل عنها وقته كله في مطالعاته أو أعماله أو هواياته أو مسؤولياته أو أصحابه، فلقد ضمن الإسلام للمرأة حقها في الاستمتاع بزوجها، حتى إنه لم يبح للزوج أن يشغل وقته كله عنها بالعبادة، أجل الأعمال وأشرفها، كيلا يختل التوازن المحكم الذي قام عليه هذا الدين العظيم، ونجد ذلك فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ علم بمغالاته في العبادة، فقال له: ((ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟))، قال: بلى يا رسول الله. قال: ((فلا تفعل، صم وأفطر، ونم وقم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا ... )) (١). ودخلت خولة ابنة حكيم، امرأة عثمان بن مظعون ﵁ على نساء النبي ﷺ في ثياب رثة، وهيئة سيئة، فقلن لها: ما لك؟ فقالت عن زوجها: أما الليل فقائم، وأما النهار فصائم، فأخبرن النبي ﷺ بقولها، فلقي عثمان بن مظعون، فلامه، وقال له: ((أما لك بي أسوة؟)) قال: بلى، جعلني الله فداك! فجاءت بعد حسنة الهيئة طيبة الريح، وفي رواية أن

стр. 78

النبي ﷺ قال له: ((يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفمالك في أسوة؟ فوالله إن أخشاكم وأحفظكم لحدوده لأنا)) (١). لقد كان الرسول الكريم ينشر هديه هذا بين أصحابه، ويأخذ بأيديهم إلى الاعتدال والتوازن في حياتهم التعبدية وحياتهم الخاصة مع زوجاتهم، حتى أصبح هذا الاعتدال والتوازن سجية من سجاياهم، يتواصون بها، ويحرصون على التحلي بها، ويحتكمون إلى الرسول ﷺ إن أحب أحد منهم أن يتحلل منها ويغالي في الزهد والتبتل والعبادة. فقد روى الإمام البخاري عن أبي جحيفة ﵁ قال: ((آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء ﵄، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل، فإني صائم. قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم الليل، قال سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبى فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : صدق سلمان)). ولا يفوت المسلم التقي النابه اللبق أن يرطب جفاف الحياة الرتيبة مع زوجته، وينضر جوانب العيش والمعاشرة الدائمة بينهما بالمداعبة اللطيفة الممتعة، والنكتة المرفهة السارة، يطلقها بين الحين والحين، متأسيا بذلك بالرسول العظيم صلوات الله عليه، الذي كان قمة شامخة في حياته كلها؛ إذ ما كانت تشغله الأعباء الجسام التي كان ينهض بها، من إرساء قواعد الدين، وتكوين الأمة المسلمة، وتوجيه كتائب الجهاد، وغير ذلك من الأعمال

стр. 79

الجليلة، ما كان يشغله هذا كله عن أن يكون زوجا مثاليا مع زوجاته في حسن المعاشرة، وسماحة الخلق، وطلاقة الوجه، ولطف المداعبة والمرح. فمن ذلك ما روته السيدة عائشة ﵂، قالت: ((أتيت النبي ﷺ بحريرة قد طبختها له، فقلت لسودة ﵂، والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت: لتأكلن، أو لألطخن وجهك، فأبت فوضعت يدي في الحريرة، فطليت وجهها، فضحك النبي ﷺ ، فوضع بيده لها، وقال لها: الطخي وجهها ... وفي رواية: فخفض لها ركبته لتستقيد مني، فتناولت من الصحفة شيئا، فمسحت به وجهي، ورسول ﷺ يضحك)) (١). أرأيت إلى هذا الخلق الرضي، والسماحة الطليقة، والقلب الكبير، في مداعبة المرأة وممازحتها وحسن معاشرتها، وإدخال السرور والمرح على قلبها؟. وتروي السيدة عائشة أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر، فسابقته فسبقته. فلما حملت اللحم وبدنت سابقته فسبقها، فقال: هذه بتلك السبقة (٢). ويتسع صدره الشريف لإدخال المزيد من السرور على قلب زوجته الحبيبة الشابة، فيدعوها لحضور ضروب من اللهو البريء، ترفه بها عن نفسها، وتستمتع بمشاهدتها. من ذلك ما روته السيدة عائشة: ((أن النبي ﷺ كان جالسا، فسمع ضوضاء الناس والصبيان، فإذا حبشية ترقص والناس حولها، فقال: يا عائشة، تعالي فانظري، فوضعت خذي على منكبيه،

стр. 80

فجعلت أنظر ما بين المنكبين إلى رأسه، فجعل يقول: يا عائشة، أما شبعت، أما شبعت؟ فأقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، فلقد رأيته يراوح بين قدميه)) (١). وقالت السيدة عائشة في رواية أخرى: ((والله لقد رأيت النبيي ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه لأنظر إلى لعبهم بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو)) (٢). إن المسلم الحق لا يسعه إذ يرى سيرة الرسول الكريم مع زوجاته حافلة بحسن المعاشرة والممازحة والتبسط، إلا أن يكون مع زوجته طيب العشرة، موطأ الكنف، لين الجانب، كريم الخلق، واسع الصدر، ما دام تبسطه وترخصه معها في حدود المتعة الحلال، والترفيه البريء المباح. والمسلم التقي الحصيف لا ينفعل وتثار ثائرته للأسباب التافهة التي تنتفخ لها أوداج الأزواج الجهلة، إذ يقيمون الدنيا ويقعدونها إذا جاءت طبخة الطعام على غير مزاجهم، أو تأخرت وجبة الطعام عن وقتها المحدد، أو نحو ذلك من الأسباب التي كثيرا ما تقدح شرارة الغضب والخصام والنفور بين الزوجين؛ ذلك أن المسلم الحق المتأسي بأخلاق الرسول الإنسان العظيم ليذكر دوما من أخلاقه ﷺ ما يجعله كريما حليما متسامحا. إنه ليذكر من شمائل الرسول الكريم أنه ((ما عاب طعاما قط: إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه)) (٣).

стр. 81

ويذكر أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: ((نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل)) (١). ألا فليسمع الأزواج الحمقى الذين كثيرا ما استطار الشرر من عيونهم لتقصير وقعت فيه زوجاتهم، فتأخر الطعام عن موعده، أو جاء على غير مزاجهم الرائق، وقد تكون هناك أسباب قاهرة أرغمت الزوجة المسكينة على الوقوع في مثل هذا التقصير، ولكن الأزواج يغضبون قبل معرفة تلك الأسباب، أليسوا رجالا قوامين على النساء!!؟. والزوج المسلم الصادق لا يكتفي ببره وحسن معاشرته لزوجته، بل يمتد بره وخيره وكرم وده إلى صديقات زوجته الفاضلات، وذلك تأسيا بما كان يفعله رسول الله ﷺ ؛ فقد حدثت السيدة عاثشة ﵂، قالت: ((كانت عجوز تأتي النبي ﷺ ، فيهش بها ويكرمها، ويقول لها: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ فتجيبه: بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت، قالت عائشة: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ وإنك لتصنع بها شيئا لا تصنعه بأحد، فيجيبها النبي ﷺ : ((إنها كانت تأتينا عند خديجة، أما علمت أن كرم الود من الإيمان)) (٢). وقد تأخذ الزوجة نزوة غضب، أو تستبد بها ثائرة انفعال لسبب من الأسباب، فتنكمش عن زوجها، وتشعره بغضبها وانفعالها، وهنا ينبغي أن يسع الزوج المسلم زوجته بخلقه الرضي، وحلمه الواسع، ونظرته العميقة لحقيقة المرأة وتكوينها ومزاجها، كما كان الرسول ﷺ يسع زوجاته إذ يغاضبنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. يقول عمر بن الخطاب ﵁: ((كنا معشر قريش قوما نغلب

стр. 82

النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي. قال: فتغضب يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك! فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل! قال: فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: اتراجعين رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر! أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟ فإذا هي قد هلكت؟! لا تراجعي رسول الله، ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك)) (١). ويأتي عمر ﵁ النبي ﷺ ، ويحدثه بما دار بينه وبين حفصة من حوار، فيبتسم الرسول الكريم. بمثل هذا الخلق الرضي العالي ينبغي أن يتحلى المسلم، ليكون على قدم الرسول الكريم في شمائله وسجاياه، وفي أعماله كلها، وحينئد يقيم الدليل على أن الإسلام دين الحياة الاجتماعية الراقية، وأن ما أصاب الأفراد والأسر والمجتمعات من شقاء وتفكك واضطراب وقلق وضياع، إنما كان ببعد الناس عن هذه القيم العليا التي نشر شذاها الإسلام، وجهلهم إياها، وظنهم الخاطىء بها، وإنها لقيم خلقية ثمينة، إذا تحلى بها الأزواج انتفى من حياة الأسر الخصام والشقاق، ورفرفت على البيوت أجنحة السعادة والطمأنينة والاستقرار والنعيم. من أنجح الأزواج: ومن هنا كان الزوج المسلم الواعي من أنجح الأزواج في الحياة الاجتماعية، ومن أحبهم إلى نفس المرأة الصالحة النظيفة الحصان؛ ذلك أنه بما تلقى من هدي الإسلام العظيم، يعرف كيف يتسرب إلى كوامن نفس

стр. 83

المرأة بلطف ولباقة وكياسة، فيوجهها الوجهة المستقيمة التي تقتضيها الحياة الإسلامية المنسجمة كل الانسجام مع الفطرة السليمة والخلق النقي القويم. إنه ليتعرف على ميولها ورغباتها ومزاجها، فيحاول جهده أن يوفق بين تلك الميول والرغبات وبين ما يريد لها من سيرة حسنة مثلى، دون أن ينسى لحظة واحدة أنها خلقت من ضلع، وأن تقويم الضلع أمر لا سبيل إليه. كيس فطن مع زوجته: والمسلم الحق الواعي كيس فطن دوما مع زوجته؛ إنه لا ينال أحدا من أهلها بسوء أمامها، ولا يلقي على مسامعها كلمة نابية جارحة لأحد من ذويها، مراعاة لشعورها، وهي بالمقابل ستحترم شعوره، فلا تفعل أو تقول ما يؤذيه أو يمس أحدا من أهله بأذى أو سوء. وهو لا يفشي لها سرا ائتمنته عليه، ولا يذيع خبرا أفضت به إليه وخصته به؛ ذلك أن التساهل في مثل هذه الأمور كثيرا ما يفجر براكين الخلاف بين الزوجين، ويطفىء شعلة المودة بينهما، والزوج المسلم الحصيف اللبق بمنجاة من هذا كله وعصمة، ما دام ينهل من معين الإسلام الصافي، ويتأدب بأدبه العالي القويم. يكمل نقصها: والزوج المسلم الواعي يحرص على أن يكمل نقص زوجته إن آنس فيها نقصا في علم أو سلوك، ويسلك في سبيل ذلك أنجع السبل وألطفها وأكيسها، وإن صادف في أثناء ذلك منها نشوزا أو رغبة في انحراف، ردها إلى الجادة برفق وحلم وذكاء، متجنبا تعنيفها أو لومها أمام الناس، مهما كانت الأسباب؛ فإن أشد ما يؤلم المرأة أن يسمع أحد لومها أو يشهد تقريعها،

стр. 84

والمسلم التقي الواعي من أرهف الناس إحساسا، وأكثرهم تقديرا لشعور الآخرين. يحسن التوفيق بين إرضاء زوجه وبر والدته: والزوج المسلم الصالح الواعي يعرف كيف يوفق بين إرضاء والدته وزوجه، فيستخدم ذكاءه ولباقته وحلمه وقوة شخصيته في تعامله معهما، بحيث لا يجور على أحد الطرفين، وبذلك لا يكون عاقا لوالدته ولا ظالما لزوجته، بل يعرف لوالدته حقوقها، ويقوم ببرها على أحسن وجه، ويعرف لزوجته أيضا حقوقها، فلا يهضم منها شيئا في سبيل بر الوالدة ورعايتها، وإن المسلم الصادق النبيه لقادر على هذا، ما دام متزودا بزاد التقوى، مسلحا بالأخلاق الرضية السمحة المستمدة من هدي الإسلام وتعاليمه الغراء، التي أنصفت كلا من الوالدة والزوجة، ووضعت كلا منهما في مكانه الصحيح. يحسن القوامة على المرأة: بهذه الأخلاق العالية، وبهذه المعاملة الحسنة، يملك الزوج المسلم قلب زوجته، فلا تعصي له أمرا، ومن هنا كانت القوامة للرجل المسلم على المرأة، بما حلاه الدين من صفات، وما زوده من مقومات، وبما ألزمه من ضوابط وتشريعات: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١). ولهذه القوامة تبعات، وعلى الرجل بسببها مسؤوليات؛ فالرجل مسؤول عن زوجته مسؤولية كاملة:

стр. 85

((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته)) (١). إنها المسؤولية التي تمسك بناصية كل فرد في المجتمع الإسلامي، فما تجد أحدا فيه إلا مسؤولا عن جانب من جوانبه؟ ذلك أن الحياة في نظر الإسلام جد وعمل وبناء، يتطلب من كل فرد في المجتمع أن يكون مسؤولا، وليست هزلا وفراغا ولهوا. وكما أن الإسلام أوصى بالمرأة وأعلى مكانتها، أمرها أن تعرف دورها في الحياة، وأن تقف عند الحدود التي رسمتها لها الشريعة، لتستطيع أن تؤدي رسالتها، وتقم بدورها، على النحو الأفضل، شريكة للرجل في تربية الأجيال، وتنضير الحياة بالمتعة والسعادة والجمال. وإذ طلب الإسلام من الرجل أن يحسن صحبة المرأة ويستوصي بها خيرا، أمرها كذلك أن تطيع الرجل في حدود الحلال والإنصاف والعدل، وذهب في التشديد على هذه الطاعة مذهبا بعيدا، يصوره قول الرسول الكريم صلوات الله عليه: ((لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) (٢) بل إنه جعل رضا الزوج عنها سببا في دخولها الجنة: ((أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة)) (٣). وتوعد المرأة الناشزة المجافية زوجها باللعنات تصبها الملائكة عليها حتى تثوب إلى رشدها، وتصطلح مع زوجها:

стр. 86

((إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح)) (١). وبلغ من حرص الإسلام الحنيف على تأكيد قوامة الرجل على المرأة، ووجوب طاعته وإرضائه أنه لم يأذن للزوجة بالصيام في غير شهر رمضان إلا بإذنه، ولا استقبال أحد من الضيوف إلا بإذنه: ((لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه)) (٢). لقد أعطى الإسلام للزوج حق القوامة على المرأة ليكون رجلا بحق، يعرف كيف يقي سفينة الحياة في أسرته نحو شاطىء السلامة والهدى والرشاد، وحذر الرجال قاطبة من أن تأخذهم الفتنة بالنساء، فتعشو أبصارهم، وتخور عزائمهم، ويرق دينهم، فيتغاضون عن انحراف النساء عن جادة الشرع، ثم يفلت من أيديهم الزمام، فإذا المرأة المنحرفة كل شيء في البيت، لا يعصى لها أمر، ولا ترد لها كلمة، ولا ترفض لها رغبة، وصدق رسول الله ﷺ ، إذ جعل هذا أضر فتنة تصيب الرجال: ((ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)) (٣). إن الزوج المسلم الرجل لا يضعف أمام فتنة زوجته المنحرفة مهما طغت تلك الفتنة، ويفهمها بكل لطف ولباقة أن فتنتها إذا كانت حبيبة إلى نفسه، فإن مرضاة الله أحب، وأن مودة الرجل لزوجه مهما عظمت فهي دون حب الله ورسوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا

стр. 87

وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١). ومن هنا تنتفي من حياة المسلم الحق الصادق هذه المخالفات النسائية التي نجدها في بيوت كثيرة ممن ينتسبون إلى الإسلام. إن الرجل الذي يرى بأم عينه زوجته وبناته وأخواته يخرجن إلى الشارع متبرجات كاسيات عاريات، قد حسرن عن رؤوسهن، وكشفن عن صدورهن وسواعدهن، ولا يبادر إلى تغيير هذا الواقع المنحرف عن هدي الله وأدب الإسلام إنما فقد رجولته وانحسر عن إسلامه، وباء بغضب من الله، ولن ينتشله من هذه الوهدة التي ارتكس فيها إلا توبة نصوح توقظ ضميره، وهزة عنيفة تحرك رجولته، وترده إلى الطريق القصد والصراط المستقيم. لقد وضع الإسلام للمرأة آدابا، وخصها بزي مميز، وحدد لها لباسها الذي يسوغ لها أن تخرج فيه إلى الشارع، أو تظهر أمام الرجال غير المحارم، وهو ما يسمى بالحجاب الشرعي للمرأة المسلمة. والمرأة المسلمة التي رضعت لبان الإسلام، ونهلت من معينه الصافي، ونشأت في جوه الوارف الظليل، تتقبل هذا الحجاب بنفس راضية، وقلب مطمئن، واقتناع راسخ عميق، على أنه دين صادر عن الله ، وليس تعسفا من الرجال، ولا إرضاء لأنانياتهم وتحكمهم واستنثارهم بالمرأة، ولا تقليدا ابتدع في العصر الأموي زمن الوليد لتهتكه، كما يحلو للتافهين والتافهات والفارغين والفارغات أن يتبجحوا به من غير سند من علم، أو حجة من منطق، أو هدي من كتاب منير. فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ فيما رواه البخاري عنها، قالت: ((يرحم الله نساء المهاجرات الأول. لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى

стр. 88

جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن، فاختمرن بها)). وفي رواية للبخاري أيضا: ((أخذن أزرهن، فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها)). وفي رواية عن صفية بنت شيبة، قالت: ((بينا نحن عند عائشة ﵂ ذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل! لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة، فما منهم امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل (١)، فاعتجرت به (٢)، تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان)) (٣). رحم الله نساء الأنصار، ما أقوى إيمانهن! وما أصدق إسلامهن! وما أجمل انصياعهن للحق حين نزوله! وإن كل مؤمنة بالله ورسوله حق الإيمان، لا يسعها إلا أن تتأسى بنساء الأنصار، فتلزم نفسها الزي الإسلامي المميز، غير عابئة بما يحيط بها من عري وتكشف وتبرج، وإني لأذكر موقف فتاة جامعية مسلمة متحجبة، لا يقل روعة عن موقف نساء الأنصار ﵅: إذ سألها مراسل صحفي زار جامعة دمشق عن حجابها وعما يصبرها عليه في حر الصيف القائظ، فأجابته: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾. بمثل هؤلاء الفتيات المسلمات الواعيات الطاهرات تعمر البيوت المسلمة، وتربى الأجيال على الفضيلة، ويزخر المجتمع بالرجال الأبطال العاملين البناة، وإنهن اليوم لكثيرات والحمد لله.

стр. 89

والمسلم الصادق مسؤول عن التزام نسائه بآداب الإسلام في الخروج من بيوتهن، وعن اتخاذهن الحجاب الشرعي الذي غدا عنوان المرأة المسلمة وزيها المتميز الأصيل. ويوم تغلب الزوج زوجته أو بيئته على أمره، وتحملاته على تخطي هذا الحكم الشرعي، ويقف عاجزا أمامهما لا يبدئ ولا يعيد، فسلام على دينه وعلى رجولته معا. على أن مسؤولية الزوج عن زوجه لا تقتصر على مظهرها الخارجي، وإنما تتعداه إلى عباداتها وسلوكها في الحياة؛ فهو مسؤول عنها إن قصرت في عبادة، أو فرطت في جنب الله بتهاون أو معصية، ومسؤول عن حسن سيرتها، واستقامة سلوكها، وقيامها بواجباتها، وأي تقصير منها في جانب من هذه الجوانب يخل برجولة الزوج، ويقدح في حسن إسلامه، ويخدش القوامة التي أكرمه بها الله. ذلك أن الإسلام جعل المرأة أمانة في عنق الرجل، إذ غالبا ما تكون المرأة على دين زوجها، يقودها معه إما إلى الجنة، وإما إلى النار، ومن هنا كان أمر الله للمؤمنين في وقاية أنفسهم وأهليهم من النار معا، وقد جاء مصورا العاقبة المخيفة المروعة في مشهد رهيب، تنهلع لشدته القلوب، وتدار من هوله الرؤوس، إن هم تهاونوا في أمر نسائهم وذويهم، ولم يأطروهم على الحق أطرا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١). إن قوامة الرجل على المرأة لا تتحقق كما أرادها الإسلام، إلا إذا كان الزوج رجلا ناجحا في قيادته لبيته وأسرته، والزوج المسلم لا يكون رجلا بغلظته وفظاظته وقسوته وعنفه وبطشه وسلاطة لسانه، فهذه رجولة الجاهلية، والرجولة

стр. 90

في الإسلام شيء آخر غير هذا كله. الرجولة في الإسلام: شخصية قوية جذابة محببة، وخلق عال نبيل، وتسامح وإغضاء وعفو عن الهفوات الصغيرة، ووقوف جاد حازم عند حدود الله، وتطبيق لأحكامه على أفراد الأسرة جميعا، وقيادة بارعة لبقة نحو الخير، وبذل وسخاء في غير سرف ولا تبذير، ونباهة ووعي وشعور عميق بالمسؤولية في الدنيا والآخرة، وإدراك للحالة المثلى التي ينبغي أن يكون عليها البيت المسلم الراشد، وهذه هي صفات المسلم الحق الذي أراده الإسلام.

стр. 91

٥ - المسلم مع أولاده تمهيد: الأولاد قرة عين الإنسان في حياته، وبهجته في عمره، وأنسه في عيشه، بهم تحلو الحياة، وعليهم بعد الله تعلق الآمال، وببركتهم يستجلب الرزق، وتتنزل الرحمة، ويضاعف الأجر. بيد أن هذا كله منوط بحسن تربية الأولاد، وتنشئتهم النشأة الصالحة التي تجعل منهم عناصر خير، وعوامل بر، ومصادر سعادة. فإن توافر للإنسان في أولاده هذا كله كانوا بحق زينة الحياة الدنيا، كما وصفهم الله بقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١). ولهذا كان من دعوات النبي الصالحات لمن يحب: الإكثار من المال والولد؛ فقد روى أنس ﵁ أنه دخل على النبي ﷺ ، ومعه أمه وخالته، فصلى بهم النبي ﷺ ، ثم دعا لهم بكل خير. فقالت أم أنس: يا رسول الله، خويدمك، ادع الله له، فدعا له بكل خير، وقال في آخر دعائه: ((اللهم أكثر ماله وولده وبارك له)) (٢). أما إذا غفل الوالدان عن تربية الأولاد وتوجيههم الوجهة الصالحة كانوا بلاء ونكدا وعنتا وشقاء وهما واصبا، وراءه السهر في الليل والتعب في النهار.

стр. 92

يدرك مسؤوليته الكبرى إزاء أولاده: والمسلم الحق الواعي يدرك مسؤوليته الكبرى إزاء أولاده الذين نجلهم وقدمهم للحياة، إذ يسمع صوت القرآن يهتف به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١). وإذ يسمع صوت الرسول الكريم يضعه أمام مسؤوليته الكبرى في الحياة: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته)) (٢). إنها المسؤولية الشاملة التي طوق بها الإسلام أعناق أبناء الحياة جميعا، فلم تغادر منهم أحدا، وجعل بمقتضاها الوالدين مسؤولين عن تربية أولادهما تربية إسلامية دقيقة، وتنشئتهم التنشئة الصالحة، القائمة على مكارم الأخلاق التي أخبر الرسول الكريم أنه ما بعث إلا لتتميمها وتأصيلها بين الناس إذ قال: ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)) (٣). وليس أدل على عظم مسؤولية الوالدين تجاه أبنائهما، وتنشئتهم على طاعة الله ورسوله وامتثال أمرهما، من تقرير العلماء: أن كل بيت يسمع قول الرسول الكريم: ((مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها، وهم أبناء عشر ... )) (٤)، إن كل بيت يسمع هذا الحديث ولا يأمر

стр. 93

الأولاد بالصلاة متى بلغوا السابعة من العمر، ولا يضربهم على تركها متى بلغوا العاشرة، هو بيت مقصر مفرط، الوالدان فيه آثمان مسؤولان أمام الله عن هذا التقصير وذلك التفريط. ذلك أن البيت هو المحضن الذي تريش فيه الفراخ الزغب، وهو البيئة الأولى التي يترعرعون فيها، وهو الوسط الذي تتكون فيه ميولهم وأمزجتهم وشخصياتهم. ومن هنا يبدو دور الوالدين الكبير في تعهد تلك البراعم الغضة الغضيرة، ومدها بالغذاء النافع، والتوجيه الأصيل الذي يربي فيها الجسم والعقل والروح على السواء. يستخدم في تربيتهم أبرع الأساليب: والوالد المسلم الحصيف- وأعني بالوالد كلا من الوالدين الأب والأم- يدرك نفسيات أطفاله، فيحسن التأتي إليها، والتوغل في عوالمها الصافية البريئة، مستخدما في سبيل صياغتها وتوجيهها أبرع الأساليب. إنه يتحبب إليهم بشتى الوسائل، فيدنو منهم، ويراعي مستواهم العقلي والزمني، فيلاعبهم، ويجاملهم، ويمازحهم، ويسمعهم من كلمات المحبة والإيثار والحدب ما تبتهج به نفوسهم فإذا هم يحبونه، ويقبلون على سماع توجيهه بلهفة وحرارة وصدق، وإذا طاعتهم له وامتثالهم أمره نابعان من القلب، وشتان ما بين طاعة قائمة على الحب والاحترام والتقدير والثقة، وبين طاعة قائمة على العنف والقهر والكبت والانصياع الزجري، فالأولى طاعة دائمة وطيدة والثانية طاعة موقوتة هشة، سرعان ما تزول وتتلاشى بزوال الشدة والعنف والزجر، أو بغيابها إلى حين. وقد يظن بعض الناس أن تبسط الوالد مع أولاده ومخالطته إياهم يخل بأبوته في أعينهم، ويزري بمقامه التربوي في نظرهم، وهذا خطأ محض؛ فإن هذا الخلق الكريم مع الأولاد هو الأسلوب التربوي الحكيم الناجح الذي

стр. 94

تدعو اليه اليوم التربية الحديثة، وقد دعا إليه الرسول ﷺ منذ خمسة عشر قرنا بقوله وفعله. فقد كان ﷺ يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا بني العباس ﵃، ثم يقول: ((من سبق إلي فله كذا وكذا، فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم)) (١). وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أخذ بيد الحسن أو الحسين ﵄، ثم وضع قدميه على قدمه، ثم قال: ((ترق)). وتتجلى روح الرسول المربي العظيم أكثر ما تتجلى في حمله الحسن والحسين ﵄، وترفقه بهما، وحنوه عليهما، ضاربا المثل للآباء والأجداد في كل زمان ومكان، ليكونوا على خلق رضي كريم مع تلك الغرسات اللدنة الغضة، مهما كانوا عليه من وقار ومكانة وقدر؛ ذلك في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن شداد، قال: خرج النبي ﷺ وهو حامل حسنا أوحسينا، فتقدم فوضعه، ثم كبر في الصلاة، فسجد سجدة أطالها، فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهره، فرجعت في سجودي، فلما قضى صلاته قالوا: يا رسول الله، إنك أطلت، قال: ((إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)) (٢). هكذا ينبغي أن يكون شأن المسلم مع أولاده، يخالطهم، ويترفق بهم، ويحنو عليهم، ويمازحهم، ويدخل على قلوبهم السعادة والغبطة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وما وجد من وقته فراغا وسعة.

стр. 95

يشعرهم بحبه وحنانه: وإن من أولى واجباته الأبوية أن يشعرهم بالرحمة والحنان والعطف والحب، لينشأوا نشأة نفسية صحيحة، تعمر قلوبهم الثقة، ويشيع في نفوسهم الصفاء، ويغمر أخيلتهم التفاؤل. والرحمة خلق إسلامي أصيل، كان من أبرز خلائق الرسول الكريم وشمائله الرفيعة، كما حدثنا أنس ﵁ إذ قال: ((ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، قال: كان إبراهيم مسترضعا له في عوالي المدينة، فكان ينطلق، ونحن معه، فيدخل البيت، فيأخذه فيقبله، ثم يرجع)) (١). وتتسع رحمة الرسول الكريم بالبراعم المسلمة المتفتحة، ويمتد رواقها الظليل فيشمل الصغار وهم يلعبون، فإذا هو يغمرهم بعطفه وحنانه، كما يروي أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان كلما مر بصبيان هش لهم وسلم عليهم (٢). وكان من أقواله التربوية الخالدة: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا)) (٣). ويروي أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قبل الحسن بن علي، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فقال رسول الله ﷺ : ((من لا يرحم لا يرحم)) (٤).

стр. 96

لقد كان الرسول المربي العظيم يحاول دوما، وهو يصوغ النفوس أن يفجر فيها ينابيع الرحمة، ويفتح كوامنها على الحب والحنان، أخص خصائص الإنسان. جاءه يوما أعرابي فقال: أتقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم. فقال النبي ﷺ : ((أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟)) (١). وتروي السيدة عائشة أم المؤمنين: ((أن فاطمة كانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها، فرحب بها، وقبلها، وأجلسها في مجلسه. وكان إذا دخل عليها قامت إليه، فأخذت بيده، فرحبت به، وقبلته، وأجلسته مجلسها. وأنها دخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه، فرحب بها، وقبلها)) (٢). إن المسلم الصادق لا يملك إزاء هذا الهدي النبوي العالي أن يكون متجهما لأولاده، جافا في معاملتهم، فظا في مخاطبتهم، حتى ولو كان في طبعه جفاء، وفي خلقه جفاف وكزازة؛ ذلك أن هذا الدين بما جاء به من هدى منير، يرقق القلب، ويفجر ينابيع الحنان، ويذكي أوار الحب، فإذا الأولاد قطع من القلب تسعى على الأرض، كما قال الشاعر (٣): وإنما أولادنا بيننا...أكبادنا تمشي على الأرض إن هبت الريح على بعضهم...تمتنع العين من الغمض وإذا الوالدان ذوب عاطفة، ودفقة حنان، وموجة رعاية وتضحية واحتضان.

стр. 97

ينفق عليهم بسخاء وطيب نفس: على أن الإسلام لا يكتفي بعاطفة الوالدين الفطرية وحنانهما على الأولاد، إذ ربما يعرض في الحياة ما يلهي عن الولد، ويصرف الوالدين أو أحدهما عن التضحية في سبيله بطيبات الحياة، أو تقسو الأيام، ويخشن العيش، ويستحكم الإملاق، فيتذمر الوالدان أو أحدهما من ثقل التبعات، وفداحة الأعباء، وبهظ النفقات؛ ولهذا كله رفد الإسلام عاطفة الوالدين الفطرية بما أعده لهما من ثواب عظيم، تهون أمامه التضحيات، ويصغر العذاب ويتلاشى البؤس والإملاق. عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني سلمة أن أنفق عليهم، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا؟ إنما هم بني، فقال: ((نعم لك أجر ما أنفقت عليهم)) (١). وعن أبي مسعود البدري ﵁ عن النبى ﷺ قال: ((إذا أنفق الرجل على أهله نفقة، يحتسبها (٢)، فهي له صدقة)) (٣). بل إن الإسلام ليجعل النفقة على الأهل والعيال أفضل وجوه النفقة وأعظمها أجرا، نرى مصداق ذلك في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك)).

стр. 98

وفي رواية أخرى لمسلم: ((أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله)). وإن نفس المسلم الحق الصادق لتطيب وترتاح وتسعد بالنفقة على العيال، إذ تستيقن أن ما من نفقة ينفقها المسلم على عياله أو غيرهم، يبتغي بها وجه الله إلا أعظم الله له فيها الأجر، حتى اللقمة يرفعها الرجل إلى فم امرأته متوددا ملاطفا مداعبا، له فيها أجر، يؤكد ذلك الحديث الذي رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في أمرأتك)) (١). والمسلم الصادق لا يستطيع أن يتخفى عن عياله، ويجعلهم في فاقة وعسر وضياع، وهو يسمع صوت الرسول العظيم يهدد الرجال المتخفين عن مسؤولياتهم العائلية، وينذرهم بأوخم العواقب، وأشد أنواع الإثم والعقاب: ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)) (٢). لا يفرق في حنوه ونفقته بين البنين والبنات: وقد يضيق بعض الناس ذرعا بالبنات، ويتمنون لو أن الله ما رزقهم سوى الصبيان، ولم يدر هؤلاء الثواب العظيم الذي أعده الله للوالد الذي رزقه البنات، فصبر عليهن وأحسن تربيتهن، وفاضت نفسه بالحنان عليهن. ولو علموا هذا الثواب الذي ينتظر أبا البنات البار الكافل الرحيم لغبطوه عليه، وتمنوا لأنفسهم مثله.

стр. 99

يقول الرسول ﷺ : ((من كان له ثلاث بناب، فصبر عليهن، وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته، كن له ججابا من النار يوم القيامة)) (١). وفي رواية: ((من كان له ثلاث بنات يؤويهن، ويكفيهن، ويرحمهن، فقد وجبت له الجنة البتة، فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يارسول الله؟ قال: ((واثنتين)). فأي أب يتأفف من تربية البنات والإنفاق عليهن بعد أن يسمع ما أعده الله له من أجر ونعيم؟. ويلحظ الإسلام، وهو دين الحياة الذي يعالج واقع الناس ومشكلاتهم في كل زمان ومكان، أن البنت قد تطلق وتعود إلى بيت أبيها، وقد يكون أبوها في عسر وفاقة وضيق، من قلة في الدخل، أو كثرة من الولد، فيضع له الإسلام البلسم الشافي لجراح نفسه المعذبة المكدودة، ويقشع عنها ما يساورها من هم ونصب وعذاب، إذ يبين لهذا الوالد ذي العيلة أن إنفاقه على بنته المردودة إليه من أعظم الصدقات وأقرب القربات إلى الله. يقول الرسول الكريم ﷺ لسراقة بن جعشم: ((ألا أدلك على أعظم الصدقة، أو من أعظم الصدقة؟)) قال: بلى، يا رسول الله! قال: ((ابنتك مردودة إليك، ليس لها كاسب غيرك)) (٢). فأين هذا الري العاطفي النبيل الذي يحظى به الأولاد في دنيا الإسلام من جفاف الحياة المادية الذي يعانيه الأولاد في الغرب، إذ ما يكاد الولد، صبيا كان أو بنتا، يكمل الثامنة عشرة من عمره حتى يخرج من محضن أبويه الدافىء، ليلقى الحياة المادية القاسية، ويواجه أعاصير الكسب، ولما يشتد عوده، ولما ينهل من منهل الحنان العائلي ما يرويه!!.

стр. 100

إنه الفرق البعيد الشاسع بين تشريع الله الذي جاء لسعادة الإنسان، وتشريع البشر القاصر الذي شقي به الإنسان. ولا بدع أن نجد في الغرب، نتيجة لهذا التشريع المادي، جيوش المنحلين التائهين من الشبان، وجموع العاثرات من الأمهات غير المتزوجات من الفتيات البائسات الضائعات، وأعداد هؤلاء وأولئك في تصاعد مستمر على مر الأيام. مفتح العينين على كل ما تؤثر في تكوينهم وتوجيههم: والوالد المسلم الواعي مفتح العينين على أولاده، يعرف ما يقرأون وما يكتبون، ويعرف هواياتهم التي اختاروها لأنفسهم، أو لفتهم هو إليها ونماها فيهم من حيث لا يشعرون، ويعرف رفاقهم الذين يلازمونهم، أو يقضون معهم معظم الأوقات، ويعرف الأماكن التي يرتادها أولاء في أوقات الفراغ، يعرف هذا كله من حيث لا يشعرون برقابته عليهم، فإذا ما وجد انحرافا منهم في مطالعة، أو هواية، أو تعلق برفيق سوء، أو ارتياد لأماكن مشبوهة، أو اعتياد بعض العادات الضارة كالتدخين، أو العكوف على الألعاب المكروهة أو المحرمة، مما يقتل الوقت، ويهدر الطاقة، ويعود الناشىء على الفراغ واللهو والتفاهة، إذا ما آنس الوالد شيئا من ذلك في أولاده، ردهم إلى الجادة برفق وحكمة وحزم، وسددهم إلى الصواب بلباقة وإقناع وجد. ذلك أن كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري. ومن هنا تبرز مسؤولية الوالدين في صياغة عقل المولود وتكوين شخصيته وتربية نفسه بملاحظة العوامل التربوية المؤثرة المذكورة آنفا. فالكتاب الذي يعكف على مطالعته الأولاد ينبغي أن يكون مفتحا

стр. 101

لأذهانهم، مكونا لنفوسهم على مكارم الأخلاق، مزودا شخصياتهم بالمثل العليا، لا أن يكون مغتالا لعقولهم، مفسدا لفطرهم، مطفئا جذوات الخير في نفوسهم. والهوايات ينبغي أن تكون منفية جوانب الخير في نفوسهم لا جوانب الشر، مشعلة جمرات الحق في أفئدتهم لا جمرات الباطل، مربية فيهم الذوق السليم لا الذوق السقيم. والرفيق ينبغي أن يكون قائدا إلى الجنة لا إلى النار، مرشدا إلى الحق لا إلى الباطل، هاديا إلى الرشد والتسامي والنجاح والبر، لا إلى الغي والهبوط والخيبة والعقوق، وكم من رفيق جر رفاقه إلى مزالق السوء ومنحدرات الشر ومهاوي الرذيلة، والآباء عن أولادهم غافلون، وما أحكم قول الشاعر عدي بن زيد العبادي في الصاحب والقرين (١): إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم...ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي عن المرء لا تسأل وسل عن قرييه...فكل قرين بالمقارن يقتدي وهكذا فعين الوالد المسلم الواعي تلحظ في تربيته لأولاده الكتاب والمجلة والرفيق والهواية والمدرسة والأساتذة والنادي ووسائل الإعلام، وكل ما له تأثير في تكوين شخصيات أولاده وتربية عقولهم ونفوسهم وعقيدتهم، وتتدخل عند اللزوم سلبا أو إيجابا، كيلا تتعثر العملية التربوية للأولاد، أو تصاب بعراقيل أو أمراض أو مشوهات. ومن هنا نستطيع تفسير نجاح بعض الأسر في تربية أبنائها، وإخفاق بعضها، فالأسر الأولى شعرت بمسؤوليتها إزاء أولادها، فأولتهم عنايتها، فكانوا خيرا عليها وعلى المجتمع والناس، والثانية لم تشعر بمسؤوليتها هذه،

стр. 102

فأهملتهم، فكانوا شرا واصبا عليها وعلى المجتمع والناس، وبلاء يلاحقها في هذه الحياة وبعد الممات، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١). وما كان الأولاد ليكونوا أعداء لآبائهم لو أن الآباء استقاموا على الطريقة، وعرفوا مسؤولياتهم إزاء أولادهم، وقاموا بتبعاتها حق القيام. يسوي بينهم: ومن أسلوب التربية الحكيم للأبناء التسوية بينهم، وعدم تفضيل أحدهم على الآخر في الأمور كلها، ذلك أن الولد الذي يشعر بالتسوية والعدل بينه وبين إخونه ينشأ صحيح النفس، بريئا من عقد النقص، لا يحقد على إخوته، ولا تأكل قلبه الغيرة والحسد، بل يشيع في نفسه الرضا والتسامح والإيثار والبر وحب الغير، وهذا ما حض عليه الإسلام، وأمر به الوالدين. روى الشيخان عن النعمان بن بشير رضى الله عنهما أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي. فقال رسول الله ﷺ : ((أكل ولدك نحلته مثل هذا؟)) فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : ((فارجعه))، وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : ((أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: ((اتقوا الله واعدلوا في أولادكم))، فرجع أبي فرد تلك الصدقة. وفي روايه: فقال رسول الله ﷺ : ((يا بشر، ألك ولد سوى هذا؟))، قال: نعم، قال: ((أكلهم وهبت له مثل هذا؟)) قال: لا، قال: ((فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور))، ثم قال: ((أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟)) قال: بلى، قال: ((فلا إذا)) (٢).

стр. 103

ومن هنا كان المسلم التقي عادلا بين أولاده، لا يفضل أحدهم على الآخر في هبة أو نفقة أو معاملة، وبذلك تلهج ألسنتهم جميعا بالدعاء له، وتخفق قلوبهم بحبه، وتعمر نفوسهم ببره وإجلاله وإكباره. يغرس فيهم الأخلاق العالية: وبهذه النفوس الطافحة بالبشر والرضا والقناعة والبر، يستطيع الوالد أن يرقى بأولاده صعدا في مدارج المثل العليا والمكارم الإنسانية الرفيعة، فيغرس فيهم الأخلاق العالية من حب للآخرين، وحدب على الضعفاء، وصلة للأرحام، واحترام للكبير، ورحمة بالصغير، وارتياح لفعل الخير، ورغبة في إشاعة العدل بين الناس، وما إلى ذلك من مكلارم الأخلاق؛ ذلك أن الخير لا يندفع إلا من النفوس التي ارتوت منه، وفاقد الشيء لا يعطيه، وصدق من قال: ((الصلاح من الله، والأدب من الآباء)) (١). إن الوالد المسلم الحصيف يعرف كيف يتسرب إلى نفوس أبنائه، ويغرس فيها الحكمة والخلق القويم، مستخدما في ذلك الأساليب التربوية الحكيمة، من قدوة مثلى محببة، وتبسط ومخالطة وحسن تعهد، ورحمة وتواضع وبشر، وحب واهتمام وتشجيع، وعطف ومساواة وعدل، ونصح وتسديد وإرشاد، في لين من غير ضعف، وشدة من غير عنف، وبذلك ينشأ الأولاد في جو كله بر ورعاية وحنان، ومثل هذا الجو لا بد أن يعطي أولادا أبرارا، أوفياء، صالحين، أسوياء الشخصية، مفتحي الأذهان، قادرين على العطاء، مهيئين لتحمل المسؤوليات. وهذا بدهي في كل أسرة تربت على مبادئ الإسلام، وتأدبت بأدب القرآن، وصدق الله العظيم: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً؟﴾ (٢).

стр. 104

٦ - المسلم مع أقربائه وذوي رحمه الأرحام: لا يقتصر بر المسلم على والديه وزوجه وأولاده، بل يتعداهم إلى أقاربه وذوي رحمه، فيشمل هؤلاء جميعا ببره وإحسانه وحسن صلته. والأرحام: هم الأقارب الذين يرتبطون مع الإنسان بنسب، سواء أكانوا يرثونه أم لا يرثونه. حفاوة الإسلام بالرحم: ذلك أن الإسلام حفي بالرحم حفاوة ما عرفتها الإنسانية في غيره من الأديان والنظم والشرائع، فأوصى بها، وركب في صلتها، وتوعد من قطعها. وليس أدل على حفاوة الإسلام البالغة بالرحم من تلك الصورة الرائعة التي رسمها رسول الله ﷺ للرحم، تقوم بين يدي الله في الساحة الكبيرة التي خلق الله فيها الخلق، فتستعيذ به من قطيعتها، ويجيبها الله إلى سؤلها، فيصل من وصلها، ويقطع من قطعها، وذلك في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة، قال: قال رسول ﷺ : ((إن الله تعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك،)) ثم قال رسول الله ﷺ : ((اقرأوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ

стр. 105

وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (١). ولقد جاءت آيات القرآن الكريم تترى مؤكدة منزلة الرحم في الإسلام، حاضة على الإحسان إليها، وإرهاف المشاعر للإحساس بوشائجها وأداء حقوقها، وتوقي هضم تلك الحقوق أو خدشها أومسها بظلم أو أذى، محذرة من الإساءه إليها. ومن هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٢). فقد أمر بتقوى الله، وثنى بالأرحام، إعظاما لها، وتأكيدا على توقيرها، والحنين دوما إلى نداها وظلها. وحسب الرحم أهمية ومنزلة في شعور المسلم الصادق أن الأمر بصلتها وبرها أتى في أكثر الآيات الكريمة بعد الإيمان بالله والإحسان بالوالدين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣). ثم يقول بعد قليل: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٤). ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ﴾ (٥). ومن هنا تأتي مرتبة ذوي القربى في البر بعد الوالدين، كما حددها

стр. 106

التوجيه القرآنى الحكيم، متدرجا من الأعلى إلى الأدنى في سلم العلاقات الإنسانية، ثم يمتد البر من ذوي القرابة ويتسع نطاقه، وينسحب خيره على المحتاجين جميعا في الأسرة الإنسانية الكبيرة، وهذا ما يوائم طبيعة النفس البشرية التي هي أميل إلى البدء ببر الأقربين، ويلائم منهج الإسلام العام في تنظيم المجتمع الإسلامي، إذ جعل التكافل الاجتماعي يبدأ من محيط الأسرة، ثم يمتد إلى دائرة الأقربين، ثم ينساح في محيط الجماعة، في سهولة ويسر، وفي تراحم ورضا وود، يجعل الحياة حلوة جميلة شائقة لائقة ببني الإنسان. وصلة الرحم من المبادئ الإسلامية الأولى، والأصول الكبرى التي طلع بها هذا الدين على الدنيا منذ اليوم الأول الذي صدع فيه رسول الله ﷺ بالدعوة، مبينا أسسها، موضحا معالمها؛ فهي إذا من أبرز المعالم وأوضحها في شريعة هذا الدين، يشهد لذلك حديث أبي سفيان الطويل مع هرقل، إذ سأل أبا سفيان: فماذا يأمركم به نبيكم؟ فأجابه: يقول: ((اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة)) (١). فقد جاءت صلة الرحم في عداد المعالم الكبرى لهذا الدين الحنيف، من توحيد لله، وإقامة للصلاة، والتمسك بالصدق والعفاف. ومن هنا كانت صلة الرحم من أبرز مميزات هذا الدين التي تعرض على أسماع السائلين عنه لأول مرة. وفي حديث عمرو بن عنبسة ﵁ الطويل المشتمل على جملة من قواعد الإسلام وآدابه، قال فيه: دخلت على النبي ﷺ بمكة، يعني في أول النبوة، فقلت له: ما أنت؟ قال: ((نبي؟ فقلت: وما نبي؟ قال:

стр. 107

((أرسلني الله))، فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: ((أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء ... )) (١). وواضح أن الرسول الكريم في شرحه الموجز لأهم مبادئ الإسلام وقواعده في هذا الحديث قدم صلة الأرحام، فذكرها في طليعة تلك المبادئ والقواعد، وهذا يوحي بما لها من كبير المنزلة، وعظيم المكانة، في منهج هذا الدين الذي أنزله الله رحمة للعالمين. ومن هنا استفاضت النصوص التي تحض على صلة الرحم، وترغب فيها، وتحذر من قطيعتها، وتتوعد جافيها. فعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال النبى ﷺ : ((تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)) (٢). فصلة الرحم تأتي مع عبادة الله وتوحيده وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في سياق واحد، فهي إذا من أجل الأعمال الصالحات التي تضمن لصاحبها الجنة، وتقيه من النار. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه)) (٣). فهي إذا بركة على الواصل في رزقه، وبركة عليه في عمره، تزيد في ماله وتنميه، وتطيل في أجله وتبارك فيه.

стр. 108

وكان ابن عمر يقول: ((من اتقى ربه، ووصل رحمه نسئ ت في أجله، وثرى ماله، وأحبه أهله)) (١). وكما رأينا صلة الرحم بركة على صاحبها في رزقه وعمره، ورحمة من الله تتغشاه في دنياه وأخراه، ومجلبة لمحبة الناس له، والثناء عليه، فإننا نجد بالمقابل قطيعة الرجم شؤما على صاحبها وبلاء، ومقتا له من الله والناس، وبعدا له عن الجنة في دار القرار. وحسب قاطع الرحم بلاء وشقاء وحرمانا أن يسمع قول الرسول ﷺ فيه: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) (٢). وحسبه شؤما وتعسا وضلالا أن الرحمة لا تتنزل على قوم هو فيهم، كما في الحديث الذي رواه البيهقي في شعب الإيمان: ((ان الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم)) (٣). ولهذا كان الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ لا يرضى أن يدعو الله في مجلس فيه قاطع رحم؛ لأنه يحول دون نزول الرحمة واستجابة الدعاء؛ فقد قال في أحد مجالسه عشية يوم خميس، ليلة الجمعة: ((أخرج (٤) على كل قاطع رحم لما قام من عندنا، فلم يقم أحد، حتى قال ثلاثا. فأتى فتى عمة له قد صرمها منذ سنتين، فدخل عليها، فقالت له: يا ابن أخي، ما جاء بك؟ قال: سمعت أبا هريرة يقول: كذا وكذا، قالت: ارجع إليه فسله: لم قال ذاك؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول:

стр. 109

((إن أعمال بني آدم تعرض على الله ﵎ عشية كل يوم خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم)) (١). إن المسلم المرهف الحس، المتطلع إلى رضوان ربه وسلامة آخرته، لتهزه هذه النصوص من الأعماق؛ إذ تقرر أن قطيعه الرحم تحجب الرحمة، وترد الدعاء، وتحبط العمل، وإنه لبلاء كبير يحيق بالمرء أن يدعو فلا يستجاب له، ويعمل فلا يرفع له عمل، ويفيء إلى رحمة ربه فتبتعد عنه. ومن هنا لا يتصور أبدا أن يكون المسلم الحق قاطع رحم في يوم من الأيام. إن قطيعة الرحم ذنب لا يبوء بإثمه مسلم استنار قلبه بهدي الإسلام، وتفتحت نفسه على طاعة الله وضوانه؛ ذلك أن قطيعة الرحم من الذنوب التي يعجل الله بها العقوبة، بل إنها في طليعة الذنوب التي يأخذ أصحابها بها فى الدنيا قبل الآخرة، كما جاء في الحديث الشريف: ((ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الآنيا- مع ما يدخر له في الآخرة- من قطيعة الرحم والبغي)) (٢). فقطيعة الرحم والبغي صنوان، ولذا قرنهما رسول الله ﷺ في حديثه؛ ذلك أن قطيعة الرحم من الظلم، وأي ظلم أشد من تقطيع الوشائج، وفصم عرى المحبة، وتجفيف ينابيع الوداد؟!. ولقد مثل رسول الله ﷺ هذا الظلم يقع على الرحم بالقطيعة، فقال: ((إن الرحم شجنة (٣) من الرحمن، تقول: يا رب، إني ظلمت،

стр. 110

يا رب، إني قطعت، يا رب، إني ... فيجيبها: ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأصل من وصلك؟)) (١). لقد أعلى الله من شأن الرحم، إذ جعلها شجنة من اسمه الرحمن، وكرمها، إذ اشتق اسمها من اسمه، فقال: ((أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي. فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته)) (٢). وفي ذلك إشارة للمسلم المرقف أن واصلها ينعم في ظلال رحمة ربه الوارفة الندية البرود، موصولا منعما مكرما، وأن قاطعها محروم من تلك الظلال، مبتوت شقي مهان. المسلم واصل رحمه حسب هدي الإسلام: ومن هنا كان المسلم التقي الواعي واصلا رحمه، لا تلهيه الدنيا، ولا المال ولا الزوجة والولد، عن تفقد ذوي رحمه وقرابته، وبرهم وإكرامهم ومعونتهم، وهو في ذلك يتبع هدي الإسلام الحنيف الذي نظم هذه الصلة، فجعلها متسلسلة حسب الأهمية والقرب، فبدأ بالأم، ثم بالأب، ثم بالأقرب فالأقرب؛ فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن الصحبة؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك (٣) (٤). وإن للمسلم في بره ذوي القربى لأجرين، أجر القرابة وأجر الصدقة، وهذا أدعى أن يتيمم في عطائه ذوي رحمه، إن كانوا بحاجة إلى المال،
следующие страницы →