← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 96269

دلالة الاقتران ووجه الاحتجاج بها عند الأصوليين

أبو عاصم البركاتي

Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

دلالةُ الاقْتِرَانِ ووجهُ الاحْتِجَاجِ بِهَا عند الأُصولِيينَ أعده أبو عاصم البركاتي المصري راجعه وقدم له فضيلة الشيخ / أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله تعالى فضيلة الشيخ / وحيد بن عبد السلام بالي حفظه الله تعالى

стр. 2

كل الحقوق محفوظة للمؤلف دار النشر والتوزيع الإسلامية الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ ٢٠١١م

стр. 3

شكر وتقدير عملا بقول الرسول الكريم سيدنا محمد ﷺ : «لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة وصححه الألباني. أشكر كلا الشيخين الجليلين شيخنا أبا عمار وحيد بن بالي حفظه الله تعالى، فهو صاحب فكرة هذا البحث، والموجه والمراجع له. كما أشكر شيخنا أبا حفص بن العربي الأثري حفظه الله تعالى، لما بذله من جهد في مراجعة الكتاب، وفي إبداء النصح والتنبيه على بعض الملاحظات التي أفادت الباحث وبحثه.

стр. 4

مقدمة فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي حفظه الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وأصحابه أجمعين، والمهتدين بهديه والمستنين بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن علمَ أصولِ الفقه من أجلِ العلومِ قدرًا، وأوقعها أثرًا، وأكثرها فائدة، إذ هو الأصل والمنهج الذي يسير عليه المفتي والفقيه لاستنباط الأحكام الشرعية، وبه يفهم طالب العلم كيف استنبط العلماء؟، وكيف يُفْهَم كلامهم؟ وكيفية الترجيح بين كلامهم؟. ومن مسائل أصول الفقه التي تحتاج إلى بحثٍ مسألةُ " دلالة الاقتران" وهل هي حجة؟ ومتى تكون حجة ومتى لا تكون؟!.

стр. 5

وقد بحث ذلك أخونا في الله الشيخ الشحات بن شعبان أبو عاصم البركاتي، وبذل جهده. وقد اطلعت على هذا البحث المبارك وراجعته كاملًا، وكتبت بعض الملاحظات. فأسأل الله أن ينفع بالمؤلف الإسلام والمسلمين، وأن ينفعه بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعصمنا وإياه من الفتن ما ظهر منها وما بطن. والحمد لله رب العالمين. وكتب/ أبو حفص بن العربي الأثري الجمعة: ١٩/ ٥/ ١٤٣٢ ٢٢/ ٤/٢٠١١ مدينة السويس زائرًا.

стр. 6

مقدمة فضيلة الشيخ وحيد بالي حفظه الله الحمد لله الذي هدى من الضلالة، وعَلَّمَ من الجهالة، وأنطق من بُكْمٍ، وبَصَّرَ من عَمَى، وقوى من ضعفٍ، وأطعم من جوعٍ، وكَسَىَ من عُريٍ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وبعد: فإن علمَ الأصولِ من العلومِ المساعدةِ على فهم النصوص الشرعية كعلمي اللغة ومصطلح الحديث، فهذه العلوم الثلاثة يسميها العلماء علوم الآلة، أي الآلات التي تساعد على طالب العلم على الوصول إلى الحكم الشرعي. فعلم المصطلح: يُعَلِمَهُ صحة الحديث من عدمه. وعلم اللغة: يُعَلِمَهُ المراد بالألفاظ والتراكيب في لغة العرب. وعلم الأصول: يُعَلِمَهُ الفهم الصحيح للنص الشرعي. فينبغي لطالب العلم أن يحفظ مختصراً في كل فن من هذه الفنون.

стр. 7

ففي المصطلح: يحفظ "نخبة الفكر"، ثم يدرس "تيسير مصطلح الحديث"، ثم يتوسع. وفي اللغة: يحفظ "الآجرومية"، ثم يدرس "القواعد الأساسية"، ثم يتوسع. وفي الأصول: يحفظ "البداية في أصول الفقه"، ثم يدرس "الواضح في أصول الفقه"، ثم يتوسع. ولكن لا يقدم هذه العلوم على فروض الأعيان، كأصول التوحيد، وفقه العبادات. بل عليه أن يتعلم أولاً ما يصح به توحيده، كأصول الإيمان الستة، وما تصح به عباداته. ولقد وقفت على رسالة " دلالة الاقتران" للشيخ أبي عاصم البركاتي - حفظه الله- فوجدته قد درسها بشيء من التوسع، مع سلاسة الأسلوب، وجمال العبارة، ومما أعجبني في هذه الرسالة: التركيز على التطبيقات الفقهية على دلالة الاقتران، وبيان ما يقبل منها وما يرد. فجزى الله المؤلف خيراً، وزاده من العلم النافع والعمل الصالح. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه الفقير إلى عفو ربه/ وحيد بن عبد السلام بن بالي.

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠ - ٧١). أما بعد .. فإن أصدقَ الحديثِ كلامُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ ، وشرَ الأمورِ محدثاتُها، وكلَ محدثةٍ بدعةُ، وكلَ بدعةٍ ضلالةُ وكلَ ضلالةٍ في النارِ.

стр. 9

إخوة الإسلام: فإن دلالةَ الاقترانِ من المسائلِ الأُصُولِيَّةِ التي حَصَلَ في ثبوتِ الأحكامِ بها خلافٌ, فبعض العلماء اعتبرها وقال بها واستعملها في إثبات الأحكام، فهي من طرق الاستدلال على رأي أولئك الذين قالوا بها، وفريق آخر وهم الجمهور أنكرها وقال بضعفها. وفي هذا البحث تجد بتوفيق الله تعالى تفصيل هذا الكلام وأدلة كل فريق ومناقشتهم، وذكر الأمثلة الفقهية، لأن علمَ أُصُولِ الفِقْهِ لا ينفك أبداً عن التطبيقِ الفقهي والواقعِ العمليِ، وإلا كان ضربًا من الخيالِ، ونوعًا من التَّرَفِ العَقْلِيِ. هذا والتوفيق والسداد من الله وحده، وإن كان من خطأٍ فمني ومن الشيطان، وأتوب إلى الله منه, ورحم الله من رأى خللاً فنصحنا وهو يحتسب لله، فإن " الدين النصيحة" ونحن مع الحق أينما كان. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين. كتبه/ أبو عاصم البركاتي المصري الشحات شعبان محمود عبد القادر هاتف |٠٠٢٠١٠٦٤٧٦٣١٩٥

стр. 10

خطة البحث تَعْرِيفُ الدلالَةِ. تَعْرِيفُ الاقترانِ. التَعْرِيفُ اللَقَبِي لدلالَةِ الاقْتِرَانِ. أمثلةٌ لاستعمالِ دلالةِ الاقترانِ في استنباطِ الأحكامِ. أقْوَالُ العُلَمَاءِ في دلالَةِ الاقْتِرَانِ. بحثٌ في واو العَطْفِ واستعمالاتها. عَطْفُ السُّنَةِ على الواجبِ. أنواعُ دلالَةِ الاقْتِرَانِ. الأنواعُ التي يُحْتَجُ بها والأنواعُ التي لا يُحْتَجُ بها. تطبيقاتٌ فقهيةٍ استعملَ فيها الفقهاءُ دلالةَ الاقترانِ ومناقشتُهم فيها. خلاصَةُ البَحْثِ. الخَاتِمَةُ.

стр. 11

تَعْرِيفُ الدلالَةِ لغةً واصطلاحاً: الدَّلالة بفتح الدال وكسرها مصدر من الفعل دَلَّ، أي أرشد، والجمعُ دلائلُ ودلالات، وقال ابن دريد: الدَّلالة بالفتح حِرْفة الدَّلاَّل (١). ودَليلٌ بَيِّن الدِّلالة بالكسر لا غير. وفي الاصطلاحِ: الدَّلالَةُ: كونُ اللَّفظِ متَى أُطْلِقَ أو أُحِسَّ فُهِم منه معناه للعِلْم بوَضْعِه، وهي مُنْقَسِمة إلى المُطابَقة والتَّضمُّن والالتِزام؛ لأنّ اللفظَ الدالَّ بالوَضْعِ يَدُلُّ على تَمام ما وُضِع له بالمُطابَقة؛ وعلَى جُزئِه بالتَّضمُّن إن كان له جزءٌ وعلَى ما يُلازِمه في الذِّهن بالالتِزام، كالإنسان فإنه يدلُّ على تَمامِ الحيوان الناطقِ بالمطابَقةِ وعلى أحدِهما بالتَّضمُّن وعلى قابِلِ العِلْم بالالتِزام (٢). * وقيل دلالة اللفظ: ما يقتضيه عند إطلاقه.

стр. 12

تَعْرِيفُ الدليل: والدَّلِيلُ: المرشد، وهو ما يُستَدَلُّ به، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ (الفرقان:٤٥). وجمع الدليل: أدلة وأدلاء. واصطلاحاً: هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر (١). وقيل: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالغير. وقيل: مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ (٢). و الاستِدلالُ: تَقرِيرُ الدَّلِيلِ لإثبات المَدْلُول. والدَّلُ: السَّمْتُ حُسْن الهيئة والمَنْظَر في الدين وهيئة أَهل الخير من السكينة والوقار في الهيئة والمَنْظر والشمائل وغير ذلك, وفي الحديث أَن أَصحاب ابن مسعود ﵁ كانوا يَرْحَلون إِلى عمر بن الخطاب ﵁ فينظرون إِلى سَمْتِه وهَدْيه ودَلِّه فيتشبهون به.

стр. 13

وفي الحديث: «فقلنا لحذيفة: أَخْبِرْنا برجل قريب السَّمْت والهَدْي والدَّلِّ من رسول الله ﷺ حتى نَلْزَمه فقال: ما أَحد أَقرب سَمْتاً ولا هَدْياً ولا دَلاًّ من رسول الله ﷺ حتى يواريه جِدارُ الأَرض من ابن أُمِّ عَبْدٍ (١)». ودَلُّ المرأَةِ ودَلالُها تَدَلُّلها على زوجها وذلك أَن تُرِيه جَراءةً عليه في تَغَنُّج وتَشَكُّل كأَنها تخالفه وليس بها خِلاف وقد تَدَلَّلت عليه، وامرأَة ذات دَلٍّ أَي شَكْل تَدِلُّ به (٢).

стр. 14

تعريف الاقتران لغةً واصطلاحاً: الاقتران لغة: القران (١): المصاحبة كالمقارنة، قارن الشيء مقارنة وقراناً اقترن به وصاحبه، وقارنته قراناً صاحبته، والاقتران يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر. ومَصْدَرُ قَوْلكَ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ أقْرُنُه قَرْناً: إذا شدَدْتَه إلى شَيْءٍ وقَرَنْتَه إليه. والقِرَانُ: الحَبْل الذي يُقْرَنُ به، وجَمْعُه قُرُنٌ والقَرِيْنُ: صاحِبُكَ الذي يُقارِنُكَ. وامْرَأةُ الرجُلَ: قَرِيْنَتُه. والقَرْن: قَرْن الثور وغيره، والجمع قُرون. والقَرْن من الناس: الأمَّة منهم، والجمع قرون أيضاً.

стр. 15

وقُرون المرأة: ذوائبها. وامرأة قَرناءُ، وهي التي تظهر قرْنَة رحِمها من فرجها، وهو عيب، والاسم القَرَن. وعلى هذا فَالْقَرْنُ فِي الْفَرْجِ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ سُلُوكِ الذَّكَرِ فِيهِ إمَّا غُدَّةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ لَحْمَةٌ مُرْتَتِقَةٌ أَوْ عَظْمٌ (وَامْرَأَةٌ قَرْنَاءُ) بِهَا ذَلِكَ. وقَرْن الشمس: أول شعاعها. والقَرْنُ: جانب الرأس. وقَرْنُ الثَّعالب: قرنُ المنازلِ ميقاتُ نجدٍ. قال الله جل وعز: ﴿أوَلَم يَرَوْا كَمْ أهلكْنا مِن قَبْلِهمْ مِنْ قَرْنٍ﴾. قال أبو إسحاق: قيل القرن ثمانون سنة، وقيل: سبعون. قال: والذي يقع عندي والله أعلم أن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم قَلت السنون أو كثرت. والدليل على هذا قول النبي ﷺ : «خيركم

стр. 16

قرني بمعنى أصحابي - ثم الذين يلونهم - يعني التابعين - ثم الذين يلونهم (١)» يعني الذين أخذوا عن التابعين. و الاقتران اصطلاحاً: جاء في شرح الكوكب المنير: القِرَانُ: أن يُقْرِن الشارعُ بين شيئينِ لفظاً (٢).اهـ قال الراغبُ: الاقترانُ كالازدواجِ في كونه اجتماع شيئين أو أشياء في معنى من المعاني (٣).اهـ

стр. 17

دلالة الاقتران اصطلاحاً (التعريف اللقبي): وعلى ما سبق فنقول إنَّ دلالة الاقتران: هي أن يُجْمَع بين شيئين أو أشياءٍ في الأمرِ أو النهيِ، ثم يُبَيَّنُ حكمُ أحدِهما، فيستدل بالقِرَانِ على ثبوتِ ذلك الحُكْمِ للآخر (١).

стр. 18

ومن الأمثلة الفقهية التي استعملت فيها دلالة الاقتران: (١) استدل من قال بأن نجاسة الخمر معنوية وليست حسية حقيقية بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:٩٠). وذلك لأنها اقترنت بالميسر والأنصاب والأزلام، وليست أعيانهم نجسة (١).

стр. 19

.........

стр. 20

(٢) استدل القائلون باشتراط التسمية على الوضوء بقوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ (١)» وذلك لاقترانه بالوضوء للصلاة، والوضوء شرط فقالوا باشتراط التسمية. قال الطحاوي (٢) في شرح معاني الآثار (١|٢٧): فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ من لم يُسَمِّ على وُضُوءِ الصَّلاَةِ فَلاَ يُجْزِيهِ وضوؤه،

стр. 21

وَاحْتَجُّوا في ذلك بِهَذِهِ الآثَارِ وَخَالَفَهُمْ في ذلك آخَرُونَ فَقَالُوا: من لم يُسَمِّ على وُضُوئِهِ فَقَدْ أَسَاءَ وقد طَهُرَ بِوُضُوئِهِ ذلك. اهـ

стр. 22

أقوال العلماء في دلالة الاقتران اختلف العلماء في الأخذ بدلالة الاقتران والاستدلال بها على قولين. أولا القائلون بها (١): قال بها جماعةٌ من أهل العلمِ فمن الحنفيةِ أبو يوسف (٢)

стр. 23

ومن الشافعيةِ المزَنِيُ (١) وابنُ أبي هريرة (٢) والصيرفيُ وحَكَىَ ذلك الباجيُ (٣) عن

стр. 24

بعضِ المالكيةِ؛ قال: ورأيتُ ابنَ نصرٍ (١) يستعملها كثيراً، ونقله ابنُ الموازِ (٢) عن مالكِ ﵀،

стр. 25

واختاره القاضي أبو يعلى (١) شيخ الحنابلة في وقته، وقال: قد استدلَ أحمدُ ﵀ بالقرينة في بابِ التخصيصِ، فلولا أنها حجة لم يخصص اللفظَ بها واختاره أيضاً من الحنابلةِ الحلواني (٢).

стр. 26

ثانياً المانعون من الاستدلال بدلالة الاقتران: ذهب الشافعية وأكثر المالكية وأكثر الحنابلة إلى إنكار دلالة الاقتران، وقالوا: إن الاقتران في اللفظ لا يوجب القران في الحكم (١)، وهو قول الجمهور. أدلة حجية دلالة الاقتران عند القائلين بها: احتج المثبتون لدلالة الاقتران بأن العطف يقتضي المشاركة, فَإِنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ , وَالْعَطْفُ لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرُو فَيَكُونُ إخْبَارًا بِمَجِيئِهِمَا. واحتج أبو حنيفة ﵀ على اقتضاء الاشتراك دون الترتيب (٢) بدخولها في باب التفاعل، تقول تضارب زيد وعمرو فانه يدل على الجمع المطلق دون الترتيب , ولهذا لا يصح أن يقال تضارب زيد ثم عمرو.

стр. 27

قالوا: ولأن قول القائل رأيت زيداً وعمراً ولا يقتضي ترتيباً في وضع اللسان ولا يفهم منه ذلك ويدل عليه من طريق النقل قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (البقرة: ٥٨). ثم قال في سورة الأعراف: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ (الأعراف: ١٦١). والقصة واحدة ولولا إن الواو لا تقتضي الترتيب لما جاز ذلك وكذلك قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ والركوع مقدم على السجود (١).اهـ إذن فأبو حنيفة وأكثر أصحابه على أن العطف موجب للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم أو في المعنى أو في الصفة، فالعطف على العام يوجب العموم في المعطوف (٢).

стр. 28

وأجاب المانعون عن هذا فقالوا: إن الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم والشركة إنما تكون في المتعاطفات الناقصة المحتاجة إلى ما تتم به فإذا تمت بنفسها فلا مشاركة كما في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (الفتح: ٢٩) فإن الجملة الثانية معطوفة على الأولى, والصحابة لا يشاركون النبي ﷺ في الرسالة ونحو ذلك كثير في الكتاب والسنة، والأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه ولا يشاركه غيره، فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل خارجي ولا نزاع فيما كان كذلك ولكن الدلالة فيه ليست للاقتران بل للدليل الخارجي، أما إذا كان المعطوف ناقصا بأن لا يذكر خبره كقول القائل فلانة طالق وفلانة فلا خلاف في المشاركة، ومثله عطف المفردات وإذا كان بينهما مشاركة في العلة فالتشارك في الحكم إنما كان لأجلها لأجل الاقتران وقد احتج الشافعي على وجوب العمرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة:١٩٦)، والأمر يقتضي الوجوب فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران. والمروي عن الحنفية كما حكاه الزركشي (١)

стр. 29

عنهم في "البحر" أنها إذا عطفت جملة على جملة فإن كانتا تامتين كانت المشاركة في أصل الحكم لا في جميع صفاته؛ وقال: لا تقتضي المشاركة أصلاً وهي التي تسمى واو الاستئناف كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ (الشورى:٢٤)، فإن قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها ولا هي داخلة في جواب الشرط وإن كانت الثانية ناقصة شاركت الأولى في جميع ما هي عليه (١). وقال العلامة الآمدي (٢) في الإحكام (٢|٢٥٨) رداً على من قال بأن العطف على العام يوجب العموم في المعطوف: استدل أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله ﷺ : «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (٣)» وهو عام بالنسبة إلى كل كافر، حربياً كان أو ذمياً.

стр. 30

فقال أصحابُ أبي حنيفة: لو كان ذلك عاماً للذمي، لكان المعطوفُ عليه كذلك، وهو قوله: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» ضرورة الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وصفته، وليس كذلك، فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو الكافر الحربي دون الذمي. ثم قال: إنه قد ورد عطف الخاص على العام في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: ٢٢٨) فإنه عام في الرجعية والبائن، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (البقرة: ٢٢٨) خاص (أي بالرجعية). وورد عطف الواجب على المندوب في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (النور: ٣٣) فإنه للندب، وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ للإيجاب. وورد عطف الواجب على المباح في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (الأنعام: ١٤١) فإنه للإباحة وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ للإيجاب. ولو كان الأصل هو الاشتراك في أصل الحكم وتفصيله، لكان العطف في جميع هذه المواضع على خلاف الأصل، وهو ممتنع (١) اهـ.

стр. 31

بحث في عطف السنة على الواجب قَالَ الطِّيبِيُّ (١): يَجُوزُ عَطْفُ السُّنَّةِ عَلَى الْوَاجِبِ إنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ (٢). وقال ابن قدامة (٣) في المغني (٦| ١٣٩): في من أوصى بِالْوَاجِبِ وقرن الْوَصِيَّةَ بِالتَّبَرُّعِ "، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: حُجُّوا عَنِّي، وَأَدُّوا دَيْنِي، وَتَصَدَّقُوا عَنِّي.

стр. 32

فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِرَانَ فِي اللَّفْظِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاقْتِرَانِ فِي الْحُكْمِ، وَلَا فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّهُ هَاهُنَا قَدْ عَطَفَ غَيْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَكَمَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الْوُجُوبِ لَا يَلْزَمُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي مَحَلِّ الْإِخْرَاجِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ مَا مَخْرَجُهُ مِنْ الثُّلُثِ." اهـ قلت: الظاهر بالاستقراء أنه يجوز عطف المتباينات والمتغايرات على بعضها كعطف المندوب على الواجب أو العكس، وعطف الأمر على النهي أو العكس، وعطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية أو العكس. _________

стр. 33

وقال أبو حيان الأندلسي (١) في تفسيره البحر المحيط عند قوله تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ في الأرض وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ (النور: ٥٧): استبعد العطف من حيث إن ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ﴾ نهي و ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ جملة خبرية فلم يناسب عنده أن يعطف الجملة الخبرية على جملة النهي لتباينهما؛ وهذا مذهب قوم؛ ولما أحسن الزمخشري بهذا قال كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله؛ فتأول جملة النهي بجملة خبرية حتى تقع المناسبة؛ والصحيح أن ذلك لا يشترط بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضاً على بعض وإن لم تتحد في النوعية وهو مذهب سيبويه (٢). اهـ ومثال عطف الأمر على النهي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (النساء: ٣٦).

стр. 34

أقسام دلالة الاقتران قسم العلماء والأصوليون دلالة الاقتران إلى ما يلي أولا تقسيم ابن القيم (١) وقد قَسَّمَ ابنُ القَيِّمِ ﵀ دلالة الاقتران إلى: أولاً دلالة قوية. ثانيًا دلالة ضعيفة. ثالثًا دلالة متساوية. أولاً الدلالة القوية: قال رحمه الله تعالى: إذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله قويت الدلالة كقوله ﷺ «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (٢)» وفي مسلم: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ (٣)» ثم فصلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان، لكن تلك المقدمات مصنوعتان، فليست الفطرة بمرادفة للسنة، ولا السنة في لفظ النبي ﷺ هي المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع، ومن ذلك قوله ﷺ : «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أن يغتسل يوم الْجُمُعَةِ ويستاك وَيَمَسُّ مِنْ طِيب بيته (٤)» فقد اشترك الثلاثة في إطلاق الحق عليه، إذا كان حقا مستحبًا في اثنين منها كان في الثالث مستحباً اهـ.

стр. 35

قلت: ويمثل أيضاً لهذا النوع من دلالة الاقتران بقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام:١٥١ - ١٥٢). ولا يقل قائل بأن الإحسان بالوالدين حرام مثلاً لأن المذكورات جمعها التحريم فهذه المذكورات جمعها التحريم، فبعضها توجه إليها الخطاب مباشرة. كالشرك، وقتل الأولاد، ومقارنة الفواحش، وقتل النفس بغير حق، وأكل مال اليتيم، واتباع السبل المضلة. وبعضها متوجه إلى أضداد بعضها. كالإحسان إلى الوالدين، وإيفاء الكيل والميزان، والعدل في القول، والوفاء بالعهد، واتباع صراط الله، فإن أضداد هذه الأمور محرمة. ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... ﴾) الإسراء: ٢٣. (فإن دلالة الاقتران هاهنا قوية وذلك بوجوب الإحسان للوالدين لاقترانه بالأمر بعبادة الله تعالى.

стр. 36

ثانياً الدلالة الضعيفة . وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها (١)،كقوله ﷺ : «لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ, وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ (٢)» وقوله: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» فالتعرض لدلالة الاقتران هاهنا في غاية الفساد، فإن كل جملة مفيدة لمعناها وحكمها وسببها وغايتها منفردة عن الجملة الأخرى، واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراء ذلك. اهـ ثالثاً دلالة متساوية . وأما موطن التساوي فحيث كان العطف ظاهراً في التسوية وقصد المتكلم ظاهراً في الفرق فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح، والله أعلم. انتهى.

стр. 37

جاء في فتح الباري (١٠|٤٧٩ ـ ٤٨٠) بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ الْآيَة وَقَالَ اِبْن التِّين: يُسْتَفَاد مِنْ الْآيَة الْأُولَى أَنَّ دَلَالَة الِاقْتِرَان ضَعِيفَة، لِجَمْعِهِ تَعَالَى بَيْنَ الْعَدْل وَالْإِحْسَان فِي أَمْر وَاحِد، وَالْعَدْل وَاجِب وَالْإِحْسَان مَنْدُوب. قُلْت: وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى تَفْسِير الْعَدْل وَالْإِحْسَان، وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِهِمَا فِي الْآيَة فَقِيلَ: الْعَدْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، وَالْإِحْسَان الْفَرَائِض. وَقِيلَ: الْعَدْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، وَالْإِحْسَان الْإِخْلَاص. وَقِيلَ: الْعَدْل خَلْع الْأَنْدَاد، وَالْإِحْسَان أَنْ تَعْبُد اللَّه كَأَنَّك تَرَاهُ. وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْله. وَقِيلَ: الْعَدْل الْفَرَائِض، وَالْإِحْسَان النَّافِلَة وَقِيلَ: الْعَدْل الْعِبَادَة، وَالْإِحْسَان الْخُشُوع فِيهَا. وَقِيلَ الْعَدْل الْإِنْصَاف، وَالْإِحْسَان التَّفَضُّل. وَقِيلَ: الْعَدْل اِمْتِثَال الْمَأْمُورَات، وَالْإِحْسَان اِجْتِنَاب الْمَنْهِيَّات. وَقِيلَ: الْعَدْل بَذْل الْحَقّ، وَالْإِحْسَان تَرْك الظُّلْم. وَقِيلَ: الْعَدْل اِسْتِوَاء السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَالْإِحْسَان فَضْل الْعَلَانِيَة. وَقِيلَ: الْعَدْل الْبَذْل، وَالْإِحْسَان الْعَفْو. وَقِيلَ: الْعَدْل فِي الْأَفْعَال، وَالْإِحْسَان فِي الْأَقْوَال. وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ. وَأَقَرَّ بِهَا لِكَلَامِهِ الْخَامِس وَالسَّادِس. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: الْعَدْل بْين الْعَبْد وَرَبّه بِامْتِثَالِ أَوَامِره وَاجْتِنَاب مَنَاهِيه، وَبَيْنَ الْعَبْد وَبَيْنَ نَفْسه بِمَزِيدِ الطَّاعَات وَتَوَقِّي الشُّبُهَات وَالشَّهَوَات، وَبَيْنَ الْعَبْد وَبَيْنَ غَيْره بِالْإِنْصَافِ. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا.

стр. 38

وَقَالَ الرَّاغِب: الْعَدْل ضَرْبَانِ مُطْلَق يَقْتَضِي الْعَقْل حُسْنه وَلَا يَكُون فِي شَيْء مِنْ الْأَزْمِنَة مَنْسُوخًا وَلَا يُوصَف بِالِاعْتِدَاءِ بِوَجْهٍ، نَحْو أَنْ تُحْسِن لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْك وَتَكُفّ الْأَذَى عَمَّنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنْك. وَعَدْل يُعْرَف بِالشَّرْعِ وَيُمْكِن أَنْ يَدْخُلهُ النَّسْخ وَيُوصَف بِالِاعْتِدَاءِ مُقَابَلَة كَالْقِصَاصِ وَأَرْش الْجِنَايَات وَأَخْذ مَال الْمُرْتَدّ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَة، وَهَذَا النَّحْو هُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ فَإِنَّ الْعَدْل هُوَ الْمُسَاوَاة فِي الْمُكَافَأَة فِي خَيْر أَوْ شَرٍّ، وَالْإِحْسَان مُقَابَلَة الْخَيْر بِأَكْثَر مِنْهُ وَالشَّرّ بِالتَّرْكِ أَوْ بِأَقَلّ مِنْهُ (١). تقسيم آخر لأنواع دلالة الاقتران . أولاً: الاقترانُ بعطفِ مفردٍ على مفردٍ . ثانياً: الاقترانُ بعطفِ جملةٍ ناقصةٍ على جملةٍ تامةٍ. ثالثاً: الاقترانُ بعطفِ جملةٍ تامةٍ على جملةٍٍ تامةٍ. وبيانه كالتالي: الاقترانُ بعطفِ مفردٍ على مفردٍ. يثبت الحكم للقرين إذا ساواه في اللفظ أو شاركه في العلة، ومثله حديث: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْآبَاطِ (٢)». وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:٩٠)

стр. 39

الاقترانُ بعطفِ جملةٍ ناقصة على جملةٍٍ تامةٍ . إذا عطفت جملة ناقصة على جملةٍٍ تامةٍ شاركتها في جميع ما هي عليه، فمثلا إذا قيل: هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ، طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: وَهَذِهِ طَالِقٌ، لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً، لِاسْتِقْلَالِ الْجُمْلَةِ بِتَمَامِهَا " وَقَدْ الْتَزَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ، فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ لَهُ فِي " مُخْتَصَرِهِ ": أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: ضَرَبَ زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا، يَتَقَيَّدُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ عِنْدَهُ عَلَى الْكَامِلَةِ يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُصْفُورٍ (١) مِنْ النَّحْوِيِّينَ (٢) " وكقوله تعالى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (الطلاق: ٢). والإشهاد في المفارقة غير واجب فكذا في الرجعة (٣).

стр. 40

الاقترانُ بعطفِ جملةٍ تامةٍ على جملةٍٍ تامةٍ . عطف الجملة التامة على الجملة التامة لا يوجب الاشتراك ولا الاقتران في الحكم بين الجملتين، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣) استدل من قال بالقران بأنه لا تجب الزكاة في مال الصبيان حتى يبلغوا، وذلك لأن الأمر بالزكاة قرن بالأمر بالصلاة، فقالوا: لا تجب الزكاة إلا على من تجب عليه الصلاة. وهذا غير صحيح فإن كل جملة من الجملتين تامة بنفسها، مستغنية عن الأخرى. ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ (الشورى: ٢٤) فإن قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها ولا هي داخلة في جواب الشرط (١).
следующие страницы →