تفنيد الشبهات
حول ميراث المرأة في الإسلام
راجعه وقدم له
فضيلة الشيخ / وحيد بن عبد السلام بالي
أعده
أبو عاصم البركاتي المصري
دار الصفا والمروة بالاسكندرية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع التجاري محفوظة
الطبعة الأولى رقم الايداع/٧٩٠٦/ ٢٠١٠
стр. 3
مقدمة فضيلة الشيخ وحيد بالي حفظه الله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، وبعد:
فإن الإسلام دين كامل شامل أنزله الله ليحكم حياة الناس؛ وفق ما يُرْضِي اللهَ ربهم وخالقهم، فهو صالح لقيادة البشرية في كل زمان ومكان، فمهما تطورت البشرية فلن تصل إلى السعادة الحقيقية إلا إذا سارت على شرع الله في العقائد والعبادات والمعاملات هذه حقيقة يجب أن يعيها المسلمون قبل غيرهم.
ولكن للأسف طلع علينا أُنَاسٌ يتَسَمَون بأسماء
стр. 4
المسلمين، يشككون في بعض أحكام الإسلام الثابتة في القرآن والسنة.
والعجيب في الأمر أنك إذا ناقشتهم وجدت معلوماتهم الدينية ضحلة جدًا، حتى إنك لا تكاد تملك نفسك من الاستغراق في الضحك حينما تستمع لشبهاتهم التي يسمونها أدلة، وتتعجب كيف صبروا سنوات طوالًا على تعلم بعض العلوم الدنيوية، حتى نالوا منها قسطًا لا بأس به، ولم يكلف أحدهم نفسه أن يصبر ولو نصف هذه السنوات لدراسة بعض علوم الإسلام مثل:
١ـ أصول العقيدة.
٢ـ أصول الفقه.
٣ـ أصول الحديث.
стр. 5
٤ـ أصول التفسير.
٥ ـ تاريخ التشريع الإسلامي.
٦ـ فقه العبادات.
٧ـ فقه المعاملات.
٨ ـ الفقه المقارن.
٩ ـ فقه السيرة النبوية.
فلو قرأ ولو كتابًا واحدًا في كل علم من هذه العلوم لاستطاع أن يفهم كلام العلماء المتخصصين إذا سمعه أو قرأه.
ولو أنه تواضع وسأل العلماء المتخصصين عما يجهله من دين الله لعلموه وبَسَّطُوا له ما يصعب عليه من أمور دينه.
стр. 6
أمَّا أن يعترض ويجادل في أمور لم يدرسها أصلًا، ويحاول أن يظهر بمظهر المفكر المجدد المتنوِّر فسوف يظهر في كلامه عدة أمور دون أن يشعر:
(١) ركاكةُ العبارات.
(٢) عدمُ فهم المصطلحات.
(٣) مخالفة الإجماع.
(٤) مخالفة الأصول المتفق عليها بين أهل الفن.
(٥) السقوط من عين المستمع.
(٦) التشبع بما لم يعط.
(٧) ظهور الجهل الفاضح في أثناء تأصيل القضية.
(٨) التناقض الواضح في كلامه.
(٩) ضرب الأصول بعضها ببعض.
стр. 7
(١٠) يُجَرِئ عليه صغار الطلبة فضلًا عن المتخصصين.
(١١) التعرض لمذمة الناس له؛ والنيل من عرضه.
ولذلك ننصح هؤلاء الذين:
- لم يفهموا بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة.
- والذين لم يستوعبوا بعض الأحكام الشرعية.
والذين سمعوا بأحكام شرعية صحيحة ثابتة لم يسمعوا عنها من قبل؛ لعدم علمهم وتقصيرهم في دراسة هذا العلم.
ننصحهم جميعًا بألا يسارعوا بالاعتراض والإنكار قبل أن يسألوا أهل التخصص، ولا يغتروا بألقاب الدكتوراه والأستاذية؛ فقد يكون الإنسان عالمًا في فن من الفنون جاهلاً بغيره.
стр. 8
وعلماء الشرع يحترمون تخصصاتكم فيجب عليكم أيضًا أن تكون كذلك معهم.
ومن ذلك قضية ميراث المرأة في الإسلام حيث ظن بعض من لم يستو سوقه في الفقه أن الإسلام ظلم المرأة في الميراث:
قال العبد الفقير: لِمَ ......... ؟
قال المعترض: لأن الإسلام أعطى المرأة نصف الرجل في الميراث.
قال العبد الفقير: من أين فهمت ذلك؟
قال المعترض: من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾
(النساء:١١).
стр. 9
قال العبد الفقير: ماذا فهمتَ من هذه الآية الكريمة؟
قال المعترض: فهمتُ أن المرأة في الإسلام ترث نصف الرجل مطلقًا.
قال العبد الفقير: أرأيت لو كان فهمك هذا خاطئًا؟
قال المعترض: كيف يكون خاطئًا والآية واضحة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
قال العبد الفقير: هكذا يكون الفهم قاصرًا إذا لم يكن الإنسان على دراية بعلوم الشرع.
قال المعترض: عجباً .... عجباً ....... كيف ذلك؟
قال العبد الفقير: هل تعلم أن المرأة قد ترث مثل الذكر تمامًا لا فرق بينهما؟ مناقشة علمية عميقة؛ فأتى على بُنْيَانَهم من القواعد فلم يترك لهم قاعدة.
стр. 10
قال المعترض: أنا أتحدى أن توجد في الإسلام حالة ترث المرأة فيها كالذكر.
قال العبد الفقير: هكذا يكون الجهل المركب ولو قلتَ: لا أدري أو طلبتَ من يعلمك ما تجهل لكان أجمل بك وأحفظ لماء وجهك.
قال المعترض: أجبني ولا تُحِدْ عن الجواب.
قال العبد الفقير: لو مات رجل وترك: أخًا لأم وأختًا لأم وعمًا فكم ترث الأخت في هذه الحالة؟
ترث مثل الأخ تمامًا، لأن الإخوة لأم يرثون الأخت مثل الأخ، وهي ما تسمى في الشرع بالكلالة، هل سمعت عنها قبل ذلك أيها المعترض بجهل؟
وهذه صورتها:
стр. 11
٦ أسهم
الثلث: للأخ لأم وللأخت لأم =٢
الأخ لأم ........ ١
الأخت لأم ..... ١
ب للعم ....... ٤
فللأخ والأخت الثلث يشتركان فيه بالسوية لا فضل لأحدهما على الآخر.
نصيب الأخ لأم: سهم.
نصيب الأخت لأم: سهم.
نصيب العم: الباقي وهو ٤ أسهم.
ولو أنك سألت أهل العلم قبل أن تعترض على شرع
стр. 12
الله لبينوا لك أن الله ذكر ذلك في القرآن لو أنك قرأت القرآن.
قال المعترض: هل هناك آية في القرآن تدل على أن الأخت تأخذ مثل أخيها؟
قال العبد الفقير: نعم إذا كانوا إخوة لأم.
قال المعترض: أين هذه الآية؟
قال العبد الفقير: قوله تعالى في سورة النساء في الآية (١٢):
﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
стр. 13
وهذه حالة أخرى ترث فيها المرأة مثل الرجل تمامًا:
إذا مات وترك أبًا وأمًا وابنًا:
فيكون توزيعها:
نصيب الأب: السدس =١
نصيب الأم: السدس =١
نصيب الابن: الباقي = ٤
فانظر كيف أخذت المرأة مثل الرجل تمامًا في حالة وجود الابن
وقد ذكر الله ذلك في القرآن لو كنت ـ أيها المعترض على شرع الله ـ قد قرأت القرآن.
قال المعترض: وهذا أيضًا في القرآن؟!!!
قال العبد الفقير: نعم سأذكره لك بشرط ألا
стр. 14
تعترض بعد ذلك على شرع الله الحكيم؛ ولا تتحدث فيما لا علم لك به.
قال تعالى في سورة النساء في الآية (١١): ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
فالمقصود بالأبوين هنا الأب والأم.
وهذه صورتها:
٦
السدس للأب = ١ سهم.
السدس للأم = ١ سهم.
ب (الباقي) للابن = ٤ أسهم.
стр. 15
قال العبد الفقير: هل تعلم أيها المعترض على شرع الله بجهل أن المرأة قد ترث في الإسلام أكثر من الرجل؟؟؟.
قال المعترض: لا يوجد هذا في الإسلام أبدًا.
قال العبد الفقير: ألم أقل لك بأن جهلك مركب، وهو أصعب أنواع الجهل.
يقول الأصوليون: الجهل البسيط: هو الجاهل الذي يعلم أنه يجهل فيسأل ليتعلم.
أما الجهل المركب: فهو الجاهل الذي يجهل أنه يجهل فلا هو يسأل ليتعلم ولا يعترف بأنه جاهل فيصعب علاجه.
وقد يكون السبب في هذا الجهل المركب حصوله
стр. 16
على شهادة عالية في تخصص دنيوي فيظن أنه بذلك صار عالمًا في كل العلوم.
وقد يكون الغرور المحض فاللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما علمتنا.
نعم قد ترث المرأة أكثر من الرجل:
لو مات وترك: بنتًا وأمًا وأبًا فيكون:
نصيب البنت: النصف لانفرادها = ٣ أسهم
نصيب الأم: السدس لوجود الفرع الوارث =١سهم
نصيب الأب: السدس + الباقي لوجود الفرع الوارث الأنثى =١+١=٢ (سهمان).
فالبنت وهي امرأة أخذت أكثر من الأب وهو رجل.
стр. 17
وهذه صورتها:
٦
النصف للبنت = ٣ أسهم.
السدس للأم = ١ سهم
السدس + الباقي للأب = ١+١ = ٢ سهم.
وكذلك لو ترك زوجة وبنتًا وأخًا.
الزوجة: الثمن لوجود الفرع الوارث = ١
البنت: النصف لانفرادها = ٤
الأخ: الباقي تعصيبًا = ٣
стр. 18
فقد أخذت البنت وهي امرأة أكثر من الأخ وهو رجل، فأين الظلم أيها الظالم لنفسك؟؟؟
وهذه صورتها:
٨
الثمن للزوجة = ١ سهم.
النص للبنت= ٤ أسهم.
الباقي للأخ وهو ٣ أسهم.
стр. 19
وبعد: فقد وقفت على هذه الرسالة المباركة (تفنيد الشبهات حول ميراث المرأة في الإسلام) لفضيلة الشيخ أبي عاصم البركاتي؛ فوجدتها على صغرها مفيدة نافعة حيث ناقش الشبهات
وكَرَّ على شُبُهَاتِهم فلم يترك لهم شُبْهَةً، فاللهَ أسألُ أن يجزيه خير الجزاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى: وحيد بن عبد السلام بن بالي
مصر ـ كفر الشيخ ـ منشأة عباس
في ٢٧/ ٥ / ١٤٣٠ هـ
стр. 20
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
على سبيل التقديم
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١).
стр. 21
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
(الأحزاب: ٧٠ - ٧١)
وبعد،،،
فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فنحن في زمن كثرت فيه فتن الشهوات وفتن الشبهات، بعد مجانبة العلم والعلماء، وفُشُّو الجهلِ وتَصَدُرُ السفهاء، والشبهات لا شك هي الأعظم خطراً وأثراً، لأنها إذا تمكنت من القلب أفسدته، بل تضربه في مقتل، فلا يرجى له عَوْد أو فَيْء أو إفاقة، وكم رأينا أناساً كانوا دُعَاةَ حقٍ وصدقٍ فيما يظهرُ،
стр. 22
فجاءتهم الشبهات والتلبيسات، فإذا هم دُعَاةُ باطلٍ وزورٍ وبهتانٍ، ولهذا تعلم الحكمة في نهي رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ عن القراءة في صحيفة التوراة، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَغَضِبَ؛ فَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى ﷺ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِيِِِِ (١).
وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأَعَمَالِ فتناً كقطعِ الليلِ المظلمِ يُصْبِحُ الرجلُ مؤمناً ويُمْسِي كافراً أو يُمْسِي مؤمناً ويُصْبِحُ كافراً يبَِيعُ دِينَه بعَرَضٍ من الدنيا (٢)».
стр. 23
ونقول هذا لمن يتلقون عن المستشرقين المعادين للإسلام في غالب أحوالهم وأطروحاتهم، أو لمن يدخلون ويتصفحون مواقع الشبكة العنكبوتية (النت) ففيها من الخبث الكثير والكثير، وكلها مواقع تحارب الإسلام يشرف عليها اليهود والنصارى وغيرهم من الملاحدة والعلمانيين والمستغربين.
ومما يثار من حين لآخر من أولئك العلمانيين والمستغربين وغيرهم قولهم: بأن المرأة ظلمها تشريع الإسلام؛ لأنه جعل ميراثها على النصف من ميراث الرجل، وبناء عليه يطالبون بمساواة المرأة
ونحن في هذه المقالة نحاول جاهدين أن نعرض حقائق الإسلام وإنصافه للمرأة في كل قضاياها، بل وإنصافه للبشرية كلها، وهذا واضح لمن نظر وأنصف، ونبذ الحقد والتعصب، وببيان الحق يتبين زيف رأي هؤلاء، وفساد قولهم، وسوء نياتهم أو عدم فهمهم، والله وحده من وراء القصد، اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك زخرا، والحمد لله رب العالمين.
أبو عاصم البركاتي
الشحات شعبان محمود
هاتف/٠١٠٦٤٧٦٣١٩٥
стр. 26
وهذا أوان تحصيل المطلوب:
شبهات المستشرقين وأتباعهم
يظن المستشرقون وأتباعهم أنهم بإثارة مثل هذه الشبهات، وتخرص مثل هذا الكلام أنهم أصابوا الإسلام في أسسه التي يقوم عليها، ولو أنصفوا لعلموا أن جهلهم مركب، وأن مثل هذا النوع من الجهل يفضح صاحبه، ويودي به إلى المعاطب والمهالك، ويتنزل عليه قول الشاعر:
كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوْهِنَها .... فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ
وقول الشاعر:
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه .... أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
والعجيب أن المستشرقين متخبطون في أطروحاتهم،
стр. 27
فتارة لما يعجبهم تشريع الإسلام يقولون أنه مستمد من القانون الروماني القديم، حتى لا تكون المزية للإسلام، وتارة يهاجمون تشريع الإسلام، ويتهمونه بالنقص والظلم؛ كما في مسألتنا موضوع البحث، وهي طريقة الجاهليين من العرب الذين كانوا يسمون النبي ﷺ بالصادق الأمين، ويقولون: ما جربنا عليك كذباً، ثم صاروا بعد أن دعاهم يقولون: ساحر، شاعر، مجنون، يفرق بين المرء وزوجه؛ وهي نفس مقالة الذين يقولون بأن الإسلام ظلم المرأة لحساب الرجل!!!!.
قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨ ـ٩].
стр. 28
الإجابة عليهم:
وللإجابة عليهم نقول والله المستعان:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
أولاً: أن الله تعالى تعبدنا بالاستسلام له، والرضا والانقياد لما أمر به، قال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٤ـ٥٥].
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
стр. 29
والله خلق خلقه وهو وحده الذي يعلم ما يصلح لهم وما لا يصلح.
وقد خلق الذكر والأنثى وفرق بينهما في الخِلقَةِ، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦].
فالمرأة تحمل وتلد وترضع وتربي وتقوم على شئون بيتها وزوجها وأولادها، والرجل يسعى ويكتسب، وينفق، وله ولاية وقوامة على زوجته وأولاده، قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]،وقال جل شأنه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤].
وبهذا تسير الحياة بهذا التوازن الذي أمر الله به، فالمرأة لها دورها ولها مكانتها ولها منزلتها
стр. 30
الرفيعة، من الاحترام والتبجيل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
وقال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]،وانظر كيف أمر الله الأزواج بحسن العشرة ولو وجدت كراهية، فكيف تكون العشرة مع المحبة؟.
ثانياً: نقول بأن التشريع الإسلامي هو التشريع الإلهي الوحيد المعمول به في الأرض، فكل التشريعات سواه هي قوانين وضعية من صنع البشر، أو موروثات وعوائد وتقاليد باقية لدى بعض الناس،
стр. 31
أو بقايا تشريعات محرفة ومبدلة من شرائع لدى أمم قبل الإسلام كاليهود والنصارى.
ثالثاً: لو كانت هذه الشرائع باقية بدون تحريف أو تزوير أو تبديل، فإن شرعة الإسلام ناسخة لها، فشرع من قبلنا ليس بشرع لنا إلا إذا وافق شرعنا، فالإسلام هو الدين الخاتم الذي لا يقبل الله دينا سواه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
ومع هذا لقد قال المفكر الغربي" غوستاف لوبون " عن ميراث المرأة في الإسلام:
" إن مبادئ الميراث التي ينص عليها القرآن على جانب عظيم من العدل والإنصاف .. ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والإنجليزية أن الشريعة الإسلامية منحت الزوجات حقوقاً في الميراث لا نجد لها مثيلاً في قوانيننا ".أهـ
رابعا ً: إن الله تعالى هو الحكم العدل، لا يحابي أحداً على أحد، لا أبيض على أسود، ولا رجل على امرأة، ولا عربي على أعجمي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء:٤٠].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [سورة يونس:٤٤].
فالله تعالى له أوصاف الكمال والجلال، ومنزه عن كل نقص وعيب، ومن ادعى أن شريعة الإسلام في باب ميراث المرأة ناقصة وظالمة، فقد اتهم الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهذا من الكفر الصراح.
خامساً: أن الله تعالى بين مقادير الإرث في القرآن فذكر النصف والربع والثلثين والثلث والسدس ونحو ذلك، ولم يذكر عدد ركعات الصلوات، ولا مقادير الزكاة ولا أنصبتها في القرآن، مع أن الصلاة في الإسلام هي أعلى شأناً من المواريث، وهذا فيه بيان لشأن الميراث، وأن الظلم فيه إثم عظيم وخطر كبير، فكيف يقال أن المرأة في الإسلام ظلمت في ميراثها؟!!!.
فالنصوص التي بينت ووضحت الأنصبة ومقادير الإرث،
стр. 39
والمستحقين لها في كتاب الله العزيز أو في سنة النبي ﷺ هي نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فلا مجال لدعوى الاجتهاد بما يخالفها، فهي لا ترد ولا تخالف إلا بمحض الهوى، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠].
وقال جل شأنه: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم:٢٩].
وبعد أن حذر الله تعالى من اتباع الهوى وأقوال الضلال والمضلين أمر باتباع الدين الحق فقال جل شأنه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
стр. 40
سادساً: إن الله جعل نصيب المرأة في الميراث هو الأصل، فقال جل وعلا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].
ولم يقل للأنثى نصف حظ الذكر، وهذا يبين أن المرأة أخذت حقها تماماً غير منقوص.
سابعاً: أن الله بعد أن ورث الرجل والمرأة ما قضى به قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ ـ ١٤]، فهل بعد هذا التحذير الحاسم يزعم زاعم أن النصيب الذي فرضه الله لكل وارث في كتابه «لم يكن من أصوله الثابتة التي لا يتخطاها أحد»؟!!! وما معنى الحدود إذن في الآية، تلك التي وعد الله من يتخطاها بنار يخلد فيها وله عذاب مهين؟!! (١).