← Тафсир

Тафсир · id 96271

إتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}

مرعي الكرمي

Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تَقْدِيم] الحَمْدُ لِله حَقَّ حَمْدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّهِ وَعَبْدِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَوَفْدِهِ. أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ أَحْسَنَ بِيَ الظَّنَّ أَخِي المُكَرَّمُ الفَاضِلُ (حَازِم خَنْفَر) - وَفَّقَهُ اللهُ إِلَى مَزِيدِ هُدَاهُ -؛ فَدَفَعَ إِلَيَّ رِسَالَةً عِلْمِيَّةً حَقَّقَهَا، وَهِيَ رِسَالَةٌ لِلعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مَرْعِيٍّ الكَرْمِيِّ الحَنْبَليِّ ﵀، بِعُنْوَانِ: «إِتْحَافِ ذَوِي الأَلْبَابِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾». فَأَلْفَيْتُ جُهْدَهُ ظَاهِرًا فِي ضَبْطِ نَصِّهَا، وَالتَّعْلِيقِ عَلَيْهَا، وَتَخْرِيجِ أَحَادِيثِهَا. فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرًا عَلَى هَذَا الجُهْدِ المَبْذُولِ، وَعَلَى هَذَا الصَّنِيعِ الَّذِي أَرْجُو لَهُ مِنْ رَبِّي القَبُولَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ، وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ حَسَن الحَلَبِيُّ الأَثرِيُّ عَمَّانَ - الأُرْدُن فِي ضُحَى يَوْمِ الثُّلاثَاءِ ٢٠ /شَعْبَان /١٤٣٣ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مُقَدِّمَةُ المُحَقِّقِ] الحَمْدُ لِله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَمِمَّا لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا امْتِرَاءَ - عِنْدَ ذَوِي الأَفْئِدَةِ المُؤْمِنَةِ -: أَنَّ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِطَعْنٍ أَوْ نَقْدٍ؛ فَهُوَ بِنَجْوَةٍ مِنَ الاخْتِلَافِ وَالتَّنَافِي، وَمِنَ التَّعَارُضِ وَالتَّنَاقُضِ؛ فَالقُرْآنُ كَلَامُ رَبِّ العِزَّةِ وَالجَلَالِ القَائِلِ فِيهِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). وَلَمْ يَزَلِ القُرَّحُ مِنْ أَهْلِ الاجْتِهَادِ وَحَضَنَةِ العِلْمِ يَسْتَبِرُونَ غَوْرَ مَعَانِيهِ وَيَغُوصُونَ فِي دَرْكِهَا؛ كَشْفًا عَمَّا غَمُضَ تَفْسِيرُهُ وَاخْتَلَطَ بَيَانُهُ، فَدُوِّنَتِ الدَّوَاوِينُ وَصُنِّفَتِ المُصَنَّفَاتُ - مَا بَيْنَ أَسْفَارٍ وَكَرَارِيسَ -. وَمِنْ تِلْكَ المُؤَلَّفَاتِ: هَذِهِ الرِّسَالَةُ؛ الَّتِي تَضَمَّنْتِ الإِشْكَالَ الحَاصِلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٢)؛ _________ (١) سُورَةُ (النِّسَاءِ)، آيَة (٨٢). (٢) سُورَةُ (الرَّعْدِ)، آيَة (٣٩).

стр. 3

فَقَدْ تَنَازَعَ فِي تَفْسِيرِهَا أَهْلُ العِلْمِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: الأُولَى: عَلَى مَاذَا يَقَعُ المَحْوُ وَالإِثْبَاتُ؟ وَالثَّانِيَةُ: مَا المُرَادُ بِـ (أُمِّ الكِتَابِ)؟ وذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١) المَسْأَلَةَ الأُولَى عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ، وَالثَّانِيَةَ عَلَى سِتَّةٍ. وَلَقَدْ أَظْهَرَ المُصَنِّفُ فِي رِسَالَتِهِ - هَذِهِ - الأَقْوَالَ المَشْهُورَةَ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ، وَأدِلَّةَ كُلِّ قَوْلٍ، ثُمَّ أَثْبَتَ رَأْيَهُ بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ وَالحُجَّةِ العَقْلِيَّةِ، وَتَكَلَّمَ - أَيْضًا - فِي بَعْضِ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقَدَرِ، وَرَدَّ أَقْوَالَ المُخَالِفِينَ لِأُصُولِ الشَّرْعِ - كَالمُعْتَزِلَةِ -، فَكَانَتْ رِسَالَةً جَامِعَةً مَاتِعَةً نَفِيسَةً، اسْتَوْعَبَتْ أُصُولَ المَسْأَلَةِ وَفُرُوعَهَا. وَقَدْ وَفَّقَنِي اللهُ لِأَنْشَطَ لَهَا - ضَبْطًا وَتَحْقِيقًا وَتَعْلِيقًا وَتَخْرِيجًا -، وَفَرَغْتُ مِنْهَا - بِعَوْنِ اللهِ تَعَالَى - فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ، سَنَةَ (١٤٣٣ هـ). أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُقِرَّ عَمَلَنَا - هَذَا - فِي مِيزَانِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ. حَازِم خَنْفَر ٨/ ٧/٢٠١٢ م _________ (١) انْظُرْ «تَفْسِيرَ المَاوَرْدِيِّ» (٣/ ١١٧ - ١١٨).

стр. 4

[عَمَلِي فِي الكِتَابِ] ١ - قَيَّدْتُ حُرُوفَ الكَلِمَاتِ بِالشَّكْلِ، وَضَبَطْتُ المُشْكِلَ - مِنْهَا - ضَبْطَ حُرُوفٍ؛ تَقْوِيمًا لِلِّسَانِ العَرَبِيِّ - مِنْ إِعْرَابٍ وَصَرْفٍ -، وَكَذَلِكَ مَنْعًا لِلإِشْكَالِ - مِنْ مُشَتَبِهٍ لِلأَسْمَاءِ -. ٢ - عَزَوْتُ الآيَاتِ، وَخَرَّجْتُ الأَحَادِيثَ وَالآثَارَ، وَلَمْ أَتَوَسَّعْ فِي ذِكْرِ المَصَادِرِ، وَمَا وَجَدْتُ لِلْعَلَمَاءِ فِيهِ حُكْمًا أَوْرَدْتُهُ، وَأَكْثَرُ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْهِ فِي هَذَا البَابِ: حُكْمُ العَلَّامَةِ المُحَدِّثِ الأَلْبَانِيِّ ﵀. ٣ - تَرْجَمْتُ لِمَا وَرَدَ مِنَ الأَعْلَامِ فِي الكِتَابِ. ٤ - أَظْهَرْتُ مَا غَرُبَ مِنَ المَعَانِي. ٥ - أَضَفْتُ فَوَائِدَ فِي بَعْضِ مَوَاضِعَ مِنَ الرِّسَالَةِ. ٦ - أَشَرْتُ إِلَى المَوَاضِعِ الَّتِي عَزَاهَا المُصَنِّفُ إِلَى قَائِلِيهَا، وَكَذَلِكَ الَّتِي لَمْ يَعْزُهَا، وَهُنَا تَنْبِيهٌ، وَهُوَ: أَنَّ المُصَنِّفَ قَدْ يَعْزُو إِلَى كِتَابٍ لِعَالِمٍ فَيَذْكُرُ مِنْهُ نَصًّا، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ - إِمَّا اخْتِصَارًا أَوْ زِيَادَةً أَوْ لَفْظًا -، وَلَوْلَا أَنَّهُ كَثِيرٌ - عِنْدَهُ - لَسَلَّمْتُ بِأَنَّهُ اخْتِلَافُ نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ. ٧ - ضَبْطُ النَّصِّ وَتَصْحِيحُهُ - مِمَّا ظَهَرَ خَطَؤُهُ -، وَالإِشَارَةُ إِلَى المُعَدَّلِ.

стр. 5

[تَرْجَمَةُ المُصَنِّفِ] مُصَنِّفُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ: هُوَ الإِمَامُ المُحَدِّثُ الفَقِيهُ: مَرْعِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ الكَرْمِيُّ المَقْدِسِيُّ الحَنْبَليُّ؛ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الحَنَابِلَةِ. وَالكَرْمِيُّ: نِسْبَةً إِلَى (طُورِ كَرْمٍ) المَعْرُوفَةِ الآنَ بِـ (طُولِ كَرْمٍ) - بِفِلَسْطِينَ - الَّتِي وُلِدَ بِهَا. أَخَذَ عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ المَرْدَاوِيِّ، وَالقَاضِي يَحْيَى الحَجَّاوِيِّ - وَغَيْرِهِمَا -. كَانَ ذَا اطِّلَاعٍ وَاسِعٍ عَلَى نُقُولِ الْفِقْهِ وَدَقَائِقِ الحَدِيثِ، وَمَعْرِفَةٍ تَامَّةٍ بِالعُلُومِ المُتَدَاوَلَةِ، وَكَانَ مُنْهَمِكًا عَلَى الْعُلُومِ انْهِمَاكًا كُلِّيًّا، فَقَطَعَ زَمَانَهُ بِالإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّصْنِيفِ. دَخَلَ مِصْرَ وَتَوَطَّنَهَا، وَأَخَذَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِهَا، ثُمَّ تَصَدَّرَ لِلإِقْرَاءِ وَالتَّدْرِيسِ بِجَامِعِ الأَزْهَرِ، ثُمَّ تَوَّلَى المَشْيَخَةَ بِجَامِعِ السُّلْطَانِ حَسَنٍ، وَتُوُفِّيَ فِيهَا سَنَةَ (١٠٣٣ هـ)، وَلَهُ نَحْوُ سَبْعِينَ كِتَاباً؛ مِنْ أَشْهَرِهَا: «دَلِيلُ الطَّالِبِ» وَ «غَايَةُ المُنْتَهَى» (١). _________ (١) انْظُر «خُلَاصَةَ الأَثَر» لِلْمُحِبِّي (٤/ ٣٥٨).

стр. 6

[صِحَّةُ نِسْبَةِ الكِتَابِ إِلَى المُؤَلِّفِ] صَحَّتْ نِسْبَةُ الكِتَابِ إِلَى المُصَنِّفِ لأُمُورٍ؛ مِنْهَا: ١ - مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ - نَفْسُهُ - فِي كِتَابِهِ «رَفْعِ الشُّبْهَةِ وَالغَرَرِ عَمَّنْ يَحْتَجُّ عَلَى فِعْلِ المَعَاصِي بِالقَدَرِ» (ص ٢١) بِقَوْلِهِ: «وَقَدْ بَسَطْتُ الكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِي «إِتْحَاف ذَوِي الأَلْبَابِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ)»». ٢ - مَا نَسَبَهُ لَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ كَالمُحِبِّي فِي «خُلَاصَةِ الأَثَرِ» (٤/ ٣٥٨)، وَإِسْمَاعِيلَ البَغْدَادِيِّ فِي «إِيضَاحِ المَكْنُونِ» (٣/ ١٨).

стр. 7

[وَصْفُ المَخْطُوطِ] المُقَدِّمَةُ: «الحَمْدُ لِله المُنَزَّهِ بِذَاتِهِ، الرَّفِيعِ الجَنَابِ، المُقَدَّسِ بِصِفَاتِهِ عَنْ إِدْرَاكِ عُقُولِ ذَوِي الأَلْبَابِ». الخَاتِمَةُ: «وَفِي هَذَا القَدْرِ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ - وَاللهُ أَعْلَمُ -». رَقْمُ النُّسْخَةِ: ٣٠٩٤٨٦. عَدَدُ الأَوْرَاقِ: (٢١) وَرَقَةً. مَصْدَرُ المَخْطُوطِ: مَكْتَبَةُ الأَزْهَرِ الشَّرِيفِ.

стр. 8

[صُورَةٌ مِنَ المَخْطُوطِ] الصَّفْحَةُ الأولَى مِنَ المَخْطُوطِ

стр. 9

الصَّفْحَةُ الأَخِيرَةُ مِنَ المَخْطُوطِ

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحَمْدُ لِله المُنَزَّهِ بِذَاتِهِ، الرَّفِيعِ الجَنَابِ (١)، المُقَدَّسِ بِصِفَاتِهِ عَنْ إِدْرَاكِ عُقُولِ ذَوِي الأَلْبَابِ، المَوْصُوفِ بِالأُلُوهِيَّةِ قَبْلَ كُلِّ مَوْجُودٍ، البَاقِي بِنَعْتِ السَّرْمَدِيَّةِ بَعْدَ كُلِّ مَحْدُودٍ (٢)، المَنِيعِ الحِجَابِ (٣)، المَلِكِ الَّذِي طَمَسَتْ

стр. 11

سُبُحَاتُ (١) جَلَالِهِ الأَبْصَارَ، وَحَارَتْ فِي بَدِيعِ جَمَالِهِ الأَفْكَارُ، العَزِيزِ الوَهَّابِ، الَّذِي كَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ المَقْدُورِ فِي أُمِّ الكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٢)، فَلَا رَادَّ لأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَخَلِيفَتِهِ (٣)، المَبْعُوثِ إِلَى كَافَّةِ خَلِيقَتِهِ، المَنْعُوتِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ (٤)، الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٥)، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ آلٍ وَأَصْحَابٍ، مَا انْهلَّتْ بِالغَيْثِ مُزَنُ (٦) السَّحَابِ، وَاشْتَاقَتْ لِلْمُتَّقِينَ الكَوَاعِبُ (٧)

стр. 12

الأَتْرَابُ (١). أَمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ فَرَائِدُ يَتِيمَةٌ، وَفَوَائِدُ ثَمِينَةٌ، وَعُقُودُ جَوَاهِرَ مُضِيئَةٍ، وَبُدُورٌ سَوَافِرُ (٢) مُسْتَضِيئَةٌ، فِي الكَلَامِ عَلَى قَوْلِ العَزِيزِ الوَهَّابِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٣) مُتَكَلِّمًا فِي ذَلِكَ عَلَى زِيَادَةِ العُمُرِ (٤) وَنُقْصَانِهِ، وَبَيَانِ إِثْبَاتِ القَدَرِ وَتِبْيَانِهِ، وَأَنَّ المَقْدُورَ مَسْطُورٌ، وَالمَسْتُورَ مَنْشُورٌ، يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، جَانِحًا فِي ذَلِكَ لاخْتِصَارِ كَلَامِ أُولِي الأَلْبَابِ، جَامِعًا مَا تَفَرَّقَ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي هَذَا الكِتَابِ، مَعَ زِيَادَاتٍ مُحَقَّقَةٍ، وَإِفَادَاتٍ مُدَقَّقَةٍ، وَسَمَّيْتُهُ: إِتْحَافَ ذَوِي الأَلْبَابِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

стр. 13

مقدِّمة في إِثْبات حقيقة القدر اعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللهُ تَعَالَى - أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الحَقِّ هُوَ الحَقُّ. وَمَذْهَبُهُمْ: أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلْقِ وَمَا يَكُونُ مِنَ الأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِي الأَزَلِ، وَعَلِمَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُ - تَعَالَى - وَعَلَى صِفَاتٍ مَخْصُوصَةٍ؛ فَهِيَ تَقَعُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّرَهَا. وَخَالَفَتِ القَدَرِيَّةُ (١) فِي ذَلِكَ - وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى مَذْهَبِهِمْ (٢) -؛ فَقَالُوا: إِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يُقَدِّرِ الأَشْيَاءَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِلْمُهُ بِهَا، وَأَنَّهَا مُسْتَأْنَفَةُ العِلْمِ؛ أَيْ: إِنَّمَا يَعْلَمُهَا - سُبْحَانَهُ - بَعْدَ وُقُوعِهَا (٣). وَكَذَبُوا عَلَى اللهِ فِي قَوْلِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ، وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ بِالكِتَابِ

стр. 14

وَالسُنَّةِ (١). أَمَّا الكِتَابُ: فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢). وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٣). إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَحَادِيثُ جَمَّةٌ فِي «البُخَارِيِّ» وَ «مُسْلِمٍ» - وَغَيْرِهِمَا -: فَفِي «مُسْلِمٍ»: عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ (٤) ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كَتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» (٥)، وَفِي حَدِيثِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: «قَدَّرَ المَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ

стр. 15

وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (١). وَحَدِيثِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ؛ حَتَّى العَجْزُ (٢) وَالكَيْسُ» (٣). وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لَوْ أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ (٤) عَلَى غَيْرِ هَذِهِ لَدَخَلْتَ النَّارَ» (٥)، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ - أَيْضًا - وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ

стр. 16

وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَفِي «مُسْلِمٍ» - أَيْضًا - حِينَ تَحَاجَّ (١) آدَمُ وَمُوسَى، وَفِيهِ: قَالَ آدَمُ لِمُوسَى: «أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟!» (٢). وَفِي «مُسْلِمٍ» - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِيهِ: قَالَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ (٣) إِلَّا وَكَتَبَ اللهُ مَكَانَهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ» (٤). وَرَوَى الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ (٥)، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ نَفْسٍ إِلَّا

стр. 17

وَقَدْ كَتَبَ اللهُ مَخْرَجَهَا وَمَدْخَلَهَا (١) وَمَا هِيَ لَاقِيَةٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَفِيمَ العَمَلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: «اعْمَلُوا؛ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُونَ (٢) لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ، وَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ (٣) لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ»، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: الآنَ حَقَّ (٤) العَمَلُ (٥). وَأَخْرَجَ البَزَّارُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 18

رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَوَّلُ (١) مَا خَلَقَ اللهُ: القَلَمُ (٢)، فَقَالَ: اجْرِ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٣).

стр. 19

قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ (١): إِسْنَادُهُ حَسَنٌ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ - وَصَحَّحَهُ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ: القَلَمُ، قَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، قَالَ: يَا رَبِّ! وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ» (٣). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ» (٤). قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي زُرَارَةَ: وَهَذَا الحَدِيثُ مِنَ الصِّحَاحِ (٥). وَفِي «تَفْسِيرِ مَكِّيٍّ» (٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَلَقَ

стр. 20

اللهُ النُّونَ (١) - وَهُوَ الدَّوَاةُ -، وَخَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ عَمْلٍ مَعْمُولٍ - بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ - وَرِزْقٍ مَقْسُومٍ - حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ -، ثُمَّ الْزَمْ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَأْنَهُ مِنْ دُخُولِهِ فِي الدُّنْيَا وَمُقَامِهِ (٢) فِيهَا كَمْ هُوَ، وَخُرُوجِهِ مِنْهَا كَيْفَ (٣). وَفِي «تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ» (٤): قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اللهُ: القَلَمُ؛ مِنْ نُورٍ، طُولُهُ خَمْسُ مِئَةِ (٥) عَامٍ (٦)، فَقَالَ القَلَمُ: اِجْرِ،

стр. 21

فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ؛ بَرِّهَا (١) وَفَاجِرِهَا، وَرَطْبِهَا وَيَابِسِهَا» (٢). فَثَبَتَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بُطْلَانُ مَذْهَبِ القَدَرِيَّةِ - وَمَنْ وَافَقَهُمْ -. وَفِي الحَدِيثِ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ» (٣). وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي المُرَادِ، وَعَلَى اللهِ الهِدَايَةُ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ. أَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤)؛ فَـ (المَحْوُ): ذَهَابُ أَثَرِ الكِتَابَةِ، يُقَالُ: (مَحَاهُ يَمْحُوهُ مَحْوًا)، إِذَا ذَهَبَ أَثَرُهُ، كَذَا فِي «تَفْسِيرِ ابْنِ عَادِلٍ» (٥)، وَ (يُثْبِتُ) قَرَأَهُ أَبُو

стр. 22

عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ، مِنْ (أَثْبَتَ)، وَقَرَأَهُ البَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ (١) وَأَبِي حَاتِمٍ (٢) لِكَثْرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهَا، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣). وَمَفْعُولُ (يُثْبِتُ) مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: (وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ)، إِلَّا إِنَّهُ اسْتُغْنِيَ بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ الأَوَّلِ عَنْ تَعْدِيَةِ الثَّانِي (٤)؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ … (٥). إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَذَهَبَ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ إِلَى أَنَّ العُمُرَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَكَذَا القَوْلُ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَالإِيمَانِ وَالكُفْرِ؛ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ

стр. 23

الشَّرِيفَةِ، وَبِهِ قَالَ الإِمَامُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو وَائِلٍ (١)، وَكَعْبُ الأَحْبَارِ (٢)، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ (٣) - وَغَيْرُهُمْ -. وَهُوَ قَوْلُ الكَلْبِيِّ (٤)؛ فَإِنَّهُ قَالَ: يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَيَمْحُو مِنَ الأَجَلِ وَيَزِيدُ فِيهِ. وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٥).

стр. 24

قَالَ الإِمَامُ الفَخْرُ (١): «قَالُوا: إِنَّ اللهَ يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي الأَجَلِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالإِيمَانِ وَالكُفْرِ» (٢). قَالَ: «وَالقَائِلُونَ بِهَذَا القَوْلِ كَانُوا يَدْعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ سُعَدَاءَ لَا أَشْقِيَاءَ». فَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (٣)، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ وَهُوَ يَبْكِي، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فَأَثْبِتْنِي بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ الشَّقَاوَةِ وَالذَّنْبِ فَامْحُنِي (٤) وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالمَغْفِرَةِ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ (٥). وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي السُّعَدَاءِ فَأَثْبِتْنِي فِيهِمْ، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي الأَشْقِيَاءِ فَامْحُنِي مِنَ الأَشْقِيَاءِ

стр. 25

وَاكْتُبْنِي فِي السُّعَدَاءِ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ (١). وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ ﵁ يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُو: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا أَشْقِيَاءَ فَامْحُنَا وَاكْتُبْنَا سُعَدَاءَ، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا سُعَدَاءَ فَأَثْبِتْنَا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ» (٢). وَقَالَ كَعْبٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄: لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ لأَنْبَأْتُكَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٣). وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي دَعَا لَهَا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا جَارِيَةٌ فَأَبْدِلْهَا غُلَامًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ (٤). وَحُجَّةُ القَائِلِينَ بِذَلِكَ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَأَمَّا الكِتَابُ فَهَذِهِ الآيَةُ الشَّرِيفَةُ. وَجْهُ الحُجَّةِ مِنْهَا أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ.

стр. 26

وَأَمَّا دَعْوَى التَّخْصِيصِ فَفِيهَا نَظَرٌ كَمَا يَأْتِي: فَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: يَمْحُو السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ، وَيَمْحُو الرِّزْقَ وَالأَجَلَ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ (١). وَفِي «تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ» (٢) وَ «ابْنِ عَادِلٍ» (٣): رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ - يَفْتَحُ الذِّكْرَ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَنْظُرُ فِي الكِتَابِ الَّذِي لَا يَنْظُرُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ» (٤). وَفِي «تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ» - وَغَيْرِهِ -: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِله لَوْحًا مَحْفُوظًا، مَسِيرَةَ (٥) خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ، مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، لَهُ دَفَّتَانِ (٦) مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، لِلهِ فِيهِ كُلَّ (٧) يَوْمٍ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتُّونَ نَظْرَةً، يُثْبِتُ مَا يَشَاءُ وَيَمْحُو مَا

стр. 27

يَشَاءُ (١). وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَلَقَ اللهُ لَوْحًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، قَلَمُهُ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، يَنْظُرُ اللهُ فِيهِ كَلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ، وَيَحْكُمُ مَا يَشَاءُ، وَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢). وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ (٣) - فِي اليَوْمِ العَاشِرِ مِنْ رَجَبٍ -: هُوَ اليَوْمُ الَّذِي يَمْحُو اللهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ (٤).

стр. 28

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُحْكِمُ اللهُ أَمْرَ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ (١). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللهَ يَقْضِي الأَقْضِيَةَ فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَيُسَلِّمُهَا لأَرْبَابِهَا فِي لَيْلَةِ القَدْرِ (٢). وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي (سُورَةِ فَاطِرٍ): ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٣)؛ أَيْ: لَا يَطُولُ عُمُرُ إِنْسَانٍ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا وَهُوَ فِي كِتَابٍ؛ أَيْ: فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وَقَالَ كَعْبُ الأَحْبَارِ - حِينَ طُعِنَ عُمَرُ وَحَضَرَتْهُ الوَفَاةُ -: وَاللهِ لَوْ دَعَا اللهَ عُمَرُ أَنْ يُؤَخِّرَ أَجَلَهُ لأَخَّرَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤)، فَقَالَ: (هَذَا إِذَا حَضَرَ الأَجَلُ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ وَيُنْقَصَ)، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ (٥)، حَكَاهُ البَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.

стр. 29

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «وَقَدِ اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ: (أَطَالَ اللهُ عُمُرَكَ وَفَسَحَ فِي مُدَّتِكَ) - وَمَا أَشْبَهَهُ -» (١). وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي (سُورَةِ الأَنْعَامِ): ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ … (٢). فَثَبَتَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ لِلإِنْسَانِ أَجَلَيْنِ، وَتَأَوَّلَهَا حُكَمَاءُ الإِسْلَامِ - عَلَى مَا حَكَاهُ الإِمَامُ الفَخْرُ (٣) - أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَجَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الآجَالُ الطَّبِيعِيَّةُ. الثَّانِي: الآجَالُ الاخْتِرَامِيَّةُ (٤). فَالآجَالُ الطَّبِيعِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَوْ بَقِيَ المِزَاجُ مَصُونًا عَنِ العَوَارِضِ الخَارِجِيَّةِ - كَالغَرَقِ وَالحَرْقِ وَلَسْعِ الحَشَرَاتِ وَغَيْرِهَا - لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقَائِهِ إِلَى الأَوْقَاتِ الفَلَكِيَّةِ.

стр. 30

وَالآجَالُ الاخْتِرَامِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ الخَارِجِيَّةِ - كَالغَرَقِ وَالحَرْقِ وَلَسْعِ الحَشَرَاتِ -. وَعَلَيْهِ: فَالعُمُرُ الطَّبِيعِيُّ: أَنْ يَمُوتَ الشَّخْصُ لَا بِعِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ (١). هَذَا احْتِجَاجُهُمْ مِنَ الكِتَابِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَاحْتَجُّوا مِنْهَا بِقَوْلِهِ ﷺ : «صِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ

стр. 31

وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرْنَ (١) الدِّيَارَ وَيَزِدْنَ فِي الأَعْمَارِ»، رَوَاهُ إِمَامُنَا أَحْمَدُ، وَالبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ (٢). وَقَوْلِهِ ﷺ : «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (٣)، رَوَاهُ القُضَاعِيُّ (٤) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ (٥) لَهُ فِي أَثَرِهِ (٦)؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (٧)، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ (٨): «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمُدَّ اللهُ فِي عُمُرِهِ وَأَجَلِهِ، وَيَبْسُطَ فِي

стр. 32

رِزْقِهِ؛ فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١). وَفِي آخَرَ: «صِلْ رَحِمَكَ؛ يُزَدْ فِي عُمُرِكَ» (٢). وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ (٣) عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ

стр. 33

اللهِ ﷺ : «الصَّدَقَةُ عَلَى وَجْهِهَا (١)، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، وَاصْطِنَاعُ المَعْرُوفِ: تُحَوِّلُ الشَّقَاءَ سَعَادَةً، وَتَزِيدُ فِي العُمُرِ، وَتَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ» (٢). وَرَوَى الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ، وَلَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» (٣). هَذَا حَاصِلُ اسْتِدْلَالِ مَنْ قَالَ بِزِيَادَةِ العُمُرِ وَنَقْصِهِ، وَالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ

стр. 34

عَلَى سَبِيلِ العُمُومِ. وَذَهَبَ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ إِلَى أَنَّ العُمُرَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَأَنَّ المُرَادَ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ العُمُومِ، وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ، وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ (١) أَنَّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ (٢). وَاحْتَجُّوا - أَيْضًا - عَلَى ذَلِكَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الكِتَابُ؛ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٣)، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤)، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (٥). وَأَمَّا السُّنَّةُ؛ فَاحْتَجُّوا مِنْهَا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكًا، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ:

стр. 35

اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ (١) أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ … » - الحَدِيثَ (٢) -، رَوَاهُ السِّتَّةُ: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ

стр. 36

وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (١). وَقَوْلِهِ ﷺ : «فَرَغَ اللهُ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَرِزْقِهِ، وَأَثَرِهِ، وَمَضْجَعِهِ، وَشَقِيٌّ (٢) أَوْ سَعِيدٌ»، رَوَاهُ إِمَامُنَا أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ (٣). وَقَوْلِهِ ﷺ : «فُرِغَ إِلَى ابْنِ آدَمَ مِنْ أَرْبَعٍ: الخَلْقِ وَالخُلُقِ (٤) وَالرِّزْقِ وَالأَجَلِ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٥). وَحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ؛ حَيْثُ قَالَتْ: اللَّهُمَ أَمْتِعْنِي بِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، وَبِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهَا ﵊: «لَقَدْ سَأَلْتِ اللهَ فِي آجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَا يُؤَخَّرُ

стр. 37

مِنْهَا شَيْءٌ» (١). وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٢) بِعَدَمِ حَمْلِهَا عَلَى العُمُومِ؛ فَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ (٣) وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالفَرَائِضِ فَيَنْسَخُهُ وَيُبَدِّلُهُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فَلَا يَنْسَخُهُ، وَجُمْلَةُ النَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ عِنْدَهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: (المُرَادُ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ: نَسْخُ الحُكْمِ المُتَقَدِّمِ بِحُكْمٍ آخَرَ بَدَلًا مِنَ الأَوَّلِ) (٤)، وَنَحْوُهُ (٥) ذَكَرَ النَّحَّاسُ (٦) وَالمَهْدَوِيُّ (٧) عَنِ ابْنِ

стр. 38

عَبَّاسٍ (١). قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ القَلَمَ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: الحُكْمُ، فَكَمَا جَازَ نَسْخُ الحُكْمِ وَإِثْبَاتُهُ فَكَذَلِكَ العُمْرُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ (٢) وَالضَّحَّاكُ (٣): المُرَادُ بِالآيَةِ: مَحْوُ مَا فِي دِيوَانِ الحَفَظَةِ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ وَلَا سَيِّئَةٍ؛ لأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ (٤) كُلِّ مَا يَنْطِقُ بِهِ الإِنْسَانُ (٥). قُلْتُ: هُوَ قَرِيبٌ؛ لَكِنَّ المُرَادَ لَا يَدْفَعُ الإِيرَادَ (٦)، وَهُوَ تَخْصِيصٌ مِنْ

стр. 39

غَيْرِ مُخَصِّصٍ (١). وَفِي لَفْظٍ آخَرَ عَنِ الضَّحَّاكِ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنْ دِيوَانِ الحَفَظَةِ مَا لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَيُثْبِتُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ (٢). وَرَوَى مَعْنَاهُ: أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣). وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ عَادِلٍ» (٤): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ (٥): هُمَا كِتَابَانِ؛ كِتَابٌ سِوَى أُمِّ الكِتَابِ، يَمْحُو مِنْهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَأُمُّ الكِتَابِ لَا يُغَيَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ (٦).

стр. 40

وَسُئِلَ الكَلْبِيُّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: يُكْتَبُ القَوْلُ كُلُّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الخَمْيِسِ طُرِحَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ؛ مِثْلُ قَوْلِكَ: أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ وَدَخَلْتُ وَخَرَجْتُ - وَنَحْوِهِ - وَهُوَ صَادِقٌ، وَيُثْبِتُ مَا فِيهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ (١). وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - أَيْضًا -: يَغْفِرُ مَا يَشَاءُ مِنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ، وَيَتْرُكُ مَا يَشَاءُ فَلَا يَغْفِرُهُ (٢). وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ - يَعْنِي بِالتَّوبَةِ - جَمِيعَ الذُّنُوبِ، وَيُثْبِتُ بَدَلَ الذُّنُوبِ حَسَنَاتٍ؛ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا … ﴾ (٣) - الآيَةَ -. وَعَنْهُ - أَيْضًا -: يَمْحُو الآبَاءَ وَيُثْبِتُ الأَبْنَاءَ (٤).
следующие страницы →