← Тафсир

Тафсир · id 96271

إتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}

مرعي الكرمي

Полный текст (98 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (١). وَقَوْلِهِ ﷺ : «فَرَغَ اللهُ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَرِزْقِهِ، وَأَثَرِهِ، وَمَضْجَعِهِ، وَشَقِيٌّ (٢) أَوْ سَعِيدٌ»، رَوَاهُ إِمَامُنَا أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ (٣). وَقَوْلِهِ ﷺ : «فُرِغَ إِلَى ابْنِ آدَمَ مِنْ أَرْبَعٍ: الخَلْقِ وَالخُلُقِ (٤) وَالرِّزْقِ وَالأَجَلِ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٥). وَحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ؛ حَيْثُ قَالَتْ: اللَّهُمَ أَمْتِعْنِي بِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، وَبِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهَا ﵊: «لَقَدْ سَأَلْتِ اللهَ فِي آجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَا يُؤَخَّرُ

стр. 37

مِنْهَا شَيْءٌ» (١). وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٢) بِعَدَمِ حَمْلِهَا عَلَى العُمُومِ؛ فَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ (٣) وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالفَرَائِضِ فَيَنْسَخُهُ وَيُبَدِّلُهُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فَلَا يَنْسَخُهُ، وَجُمْلَةُ النَّاسِخِ وَالمَنسُوخِ عِنْدَهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: (المُرَادُ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ: نَسْخُ الحُكْمِ المُتَقَدِّمِ بِحُكْمٍ آخَرَ بَدَلًا مِنَ الأَوَّلِ) (٤)، وَنَحْوُهُ (٥) ذَكَرَ النَّحَّاسُ (٦) وَالمَهْدَوِيُّ (٧) عَنِ ابْنِ

стр. 38

عَبَّاسٍ (١). قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ القَلَمَ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: الحُكْمُ، فَكَمَا جَازَ نَسْخُ الحُكْمِ وَإِثْبَاتُهُ فَكَذَلِكَ العُمْرُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ (٢) وَالضَّحَّاكُ (٣): المُرَادُ بِالآيَةِ: مَحْوُ مَا فِي دِيوَانِ الحَفَظَةِ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ وَلَا سَيِّئَةٍ؛ لأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ (٤) كُلِّ مَا يَنْطِقُ بِهِ الإِنْسَانُ (٥). قُلْتُ: هُوَ قَرِيبٌ؛ لَكِنَّ المُرَادَ لَا يَدْفَعُ الإِيرَادَ (٦)، وَهُوَ تَخْصِيصٌ مِنْ

стр. 39

غَيْرِ مُخَصِّصٍ (١). وَفِي لَفْظٍ آخَرَ عَنِ الضَّحَّاكِ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنْ دِيوَانِ الحَفَظَةِ مَا لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَيُثْبِتُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ (٢). وَرَوَى مَعْنَاهُ: أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٣). وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ عَادِلٍ» (٤): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ (٥): هُمَا كِتَابَانِ؛ كِتَابٌ سِوَى أُمِّ الكِتَابِ، يَمْحُو مِنْهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَأُمُّ الكِتَابِ لَا يُغَيَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ (٦).

стр. 40

وَسُئِلَ الكَلْبِيُّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: يُكْتَبُ القَوْلُ كُلُّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الخَمْيِسِ طُرِحَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ؛ مِثْلُ قَوْلِكَ: أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ وَدَخَلْتُ وَخَرَجْتُ - وَنَحْوِهِ - وَهُوَ صَادِقٌ، وَيُثْبِتُ مَا فِيهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ (١). وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - أَيْضًا -: يَغْفِرُ مَا يَشَاءُ مِنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ، وَيَتْرُكُ مَا يَشَاءُ فَلَا يَغْفِرُهُ (٢). وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ - يَعْنِي بِالتَّوبَةِ - جَمِيعَ الذُّنُوبِ، وَيُثْبِتُ بَدَلَ الذُّنُوبِ حَسَنَاتٍ؛ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا … ﴾ (٣) - الآيَةَ -. وَعَنْهُ - أَيْضًا -: يَمْحُو الآبَاءَ وَيُثْبِتُ الأَبْنَاءَ (٤).

стр. 41

وَقَالَ السُّدِّيُّ (١): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يَعْنِي القَمَرَ، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ، بَيَانُهُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (٢). وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: مَنْ لَمْ يَأْتِ أَجَلُهُ (٣). وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ (٤): هَذَا فِي الأَرْوَاحِ حَالَةَ (٥) النَّوْمِ يَقْبِضُهَا، فَمَنْ أَرَادَ مَوْتَهُ فَجْأَةً أَمْسَكَهُ (٦)، وَمَنْ أَرَادَ إِبْقَاءَهُ أَثْبَتَهُ وَرَدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، بَيَانُهُ:

стр. 42

قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا … ﴾ (١) - الآيَةَ - (٢). وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنَ القُرُونِ؛ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ (٣)، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا؛ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٤)، فَيَمْحُو قَرْنًا وَيُثْبِتُ قَرْنًا (٥). وَقِيلَ: هُوَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللهِ، ثُمَّ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَيَمُوتُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَهَذَا الَّذِي يَمْحُو، وَالَّذِيَ يُثْبِتُ: الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ ثُمَّ يَتُوبُ، فَيَمْحُوهُ اللهُ مِنْ دِيوَانِ السَّيِّئَاتِ وَيُثْبِتُهُ فِي دِيوَانِ الحَسَنَاتِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ عَادِلٍ (٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٧). وَقِيلَ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يَعْنِي: الدُّنْيَا، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ الآخِرَةَ (٨).

стр. 43

قُلْتُ: وَفِي هَذِهِ الأَجْوِبَةِ كُلِّهَا نَظَرٌ لِمَا مَرَّ، وَلأَنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ إِلَّا السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ» (١). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُحْكِمُ اللهُ أَمْرَ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ؛ إِلَّا الحَيَاةَ وَالمَوْتَ وَالسَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ (٢). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ؛ إِلَّا سِتًّا: الخَلْقَ وَالخُلُقَ، وَالرِّزْقَ وَالأَجَلَ، وَالسَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ (٣). وَعَنْهُ: هُمَا كِتَابَانِ سِوَى أُمِّ الكِتَابِ، يَمْحُو مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ (٤).

стр. 44

وَقَالَ القُشَيْرِيُّ (١): وَقِيلَ: السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ وَالخَلْقُ وَالخُلُقُ وَالرِّزْقُ لَا تَتغَيَّرُ، فَالآيَةُ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الأَشْيَاءَ (٢). قُلْتُ: وَفِي هَذِهِ الأَجْوِبَةِ - أَيْضًا - نَظَرٌ ظَاهِرٌ. ثُمَّ رَأَيْتُ القُرْطُبِيَّ قَالَ فِي «تَفْسِيرِهِ»: «وَفِي هَذَا القَوْلِ نَوْعُ تَحَكُّمٍ»، قَالَ: «وَمِثْلُ هَذَا لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ وَلَا بِالاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ تَوْقِيفًا، فَإِنْ صَحَّ فَالقَوْلُ بِهِ يَجِبُ، وَيُوقَفُ عِنْدَهُ، وَإِلَّا فَتَكُونُ الآيَةُ عَامَّةً فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ، وَهُوَ الأَظْهَرُ» (٣). وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ … ﴾ (٤) - الآيَةَ - بِأَنَّ المُرَادَ بِالعُمُرِ: الطَّوِيلُ العُمُرِ، وَالمُرَادَ بِالنَّاقِصِ: قَصِيرُ العُمُرِ، وَالمَعْنَى: كُلُّ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ أَوْ قَصُرَ فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الكِتَابِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: «النَّقْصُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا القُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الإِضَافَةِ»، قَالَ: «[وَبِالضَّرُورَةِ عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ عُمِّرَ مِئَةَ عَامٍ وَعُمِّرَ آخَرَ ثَمَانِينَ

стр. 45

عَامًا؛ فَإِنَّ الَّذِي عُمِّرَ ثَمَانِينَ عَامًا نَقَّصَ مِنْ عَدَدِ عُمُرِ الآخَرِ عِشْرِينَ عَامًا] (١)، فَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الآيَةِ وَمُقْتَضَاهَا عَلَى الحَقِيقَةِ». وَفِي الضَّمِيرِ مِنْ (عُمُرِهِ) قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى (مُعَمَّرٍ) (٢) - لَفْظًا وَمَعْنًى -، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٣) وَابْنُ جُبَيْرٍ (٤) وَأَبُو مَالِكٍ (٥). الثَّانِي: أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مُعَمَّرٍ آخَرَ، حَكَاهُ ابْنُ عَادِلٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» (٦). وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ إِلَّا كُتِبَ

стр. 46

عُمْرُهُ كَمْ هُوَ سَنَةً، كَمْ هُوَ شَهْرًا، كَمْ هُوَ يَوْمًا، كَمْ هُوَ سَاعَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ فِي كِتَابٍ آخَرَ: نَقَصَ مِنْ عُمُرِهِ يَوْمٌ، نَقَصَ مِنْ عُمُرِهِ شَهْرٌ، نَقَصَ مِنْ عُمُرِهِ سَنَةٌ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ أَجَلَهُ (١). وَقَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: فَمَا مَضَى مِنْ أَجَلِهِ فَهُوَ النُّقْصَانُ، وَمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ عُمُرِهِ فَهُوَ الَّذِي يُعَمَّرُهُ، فَالهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى هَذَا المُعَمَّرِ (٢). وَعَنْ سَعِيدٍ - أَيْضًا -: يُكْتَبُ: (عُمْرُهُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً)، ثُمَّ يُكْتَبُ أَسْفَلَ ذَلِكَ: (ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمَانِ، ذَهَبَ ثَلَاثَةٌ … )، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِ، حَكَاهُ القُرْطُبِيُّ وَالبَغَوِيُّ (٣). وَمَذْهَبُ الفَرَّاءِ فِي مَعْنَى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ﴾؛ أَيْ: مَا [يُطَوَّلُ] (٤) مِنْ عُمُرِهِ، ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ بِمَعْنَى: مُعَمَّرٍ آخَرَ؛ أَيْ: وَلَا يُنْقَصُ الآخَرُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ، فَالكِنَايَةُ فِي ﴿عُمُرِهِ﴾ تَرْجِعُ إِلَى آخَرَ غَيْرِ الأَوَّلِ، وَكَنَى عَنْهُ بِالهَاءِ كَأَنَّهُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ لَفْظَ الثَّانِي لَوْ ظَهَرَ كَانَ كَالأَوَّلِ، وَمِثْلُهُ: قَوْلُكُ: (عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ)؛ أَيْ: نِصْفٌ آخَرُ (٥).

стр. 47

وَقِيلَ: المَعْنَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾؛ أَيْ: هَرِمَ، ﴿وَلَا يُنْقَصُ﴾ آخَرُ مِنْ عُمُرِ ذَلِكَ الهَرِمِ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾؛ أَيْ: بِقَضَاءٍ مِنَ اللهِ - تَعَالَى -، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ (١)، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ القُرْطُبِيُّ: «فَالهَاءُ - عَلَى هَذَا - يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُعَمَّرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ المُعَمَّرِ» (٢). وَعَنْ قَتَادَةَ: (المُعَمَّرُ): مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، وَالمَنْقُوصُ مِنْ عُمُرِهِ: مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً (٣). وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ (٤) بِأَنَّ المُرَادَ بِالأَجْلِ الأَوَّلِ: أَجَلُ المَاضِينَ، وَبِالأَجَلِ الثَّانِي: أَجَلُ البَاقِينَ (٥).

стр. 48

وَقِيلَ: المُرَادُ بِالأَوَّلِ: أَجَلُ المَوْتِ، وَبِالثَّانِي: أَجَلُ الحَيَاةِ فِي الآخِرَةِ؛ لأَنَّهُ لَا آخِرَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ (١). وَقِيلَ: إِنَّ الأَجَلَ الأَوَّلَ هُوَ مَا بَيْنَ خَلْقِ الإِنْسَانِ إِلَى مَوْتِهِ، وَالثَّانِي: مَا بَيْنَ مَوْتِهِ إِلَى بَعْثِهِ (٢). وَقِيلَ: إِنَّ الأَجَلَ الأَوَّلَ هُوَ النَّوْمُ، وَالثَّانِي هُوَ الوَفَاةُ (٣). وَقِيلَ: إِنَّ الأَوَّلَ: مَا انْقَضَى مِنْ عُمُرِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالثَّانِي: مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِ كُلِّ وَاحِدٍ (٤).

стр. 49

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿أَجَلًا﴾ فِي المَوْتِ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾؛ أَيْ: أَجَلُ القِيَامَةِ (١). قَالَ القُرْطُبِيُّ: «فَالمَعْنَى عَلَى هَذَا: حَكَمَ (٢) أَجَلًا، وَأَعْلَمَكُمْ أَنَّكُمْ تُقِيمُونَ إِلَى المَوْتِ، وَلَمْ يُعْلِمْكُمْ بِأَجَلِ القِيَامَةِ» (٣). وَفِي «الوَسِيطِ» - تَفْسِيرِ الوَاحِدِيِّ (٤) -: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يَعْنِي: أَجَلَ الحَيَاةِ إِلَى المَوْتِ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يَعْنِي: أَجَلَ المَوْتِ إِلَى البَعْثِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ (٥). قَالَ: «وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ (٦) وَقَتَادَةَ

стр. 50

وَالضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ» (١). وَقَالَ الحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ - وَهَذَا لَفْظُ الحَسَنِ -: قَضَى أَجَلَ الدُّنْيَا مِنْ يَوْمِ خَلَقَكَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يَعْنِي: الآخِرَةَ (٢). وَقِيلَ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾: مَا نَعْرِفُهُ مِنْ أَوْقَاتِ الأَهِلَّةِ وَالزُّرُوعِ وَمَا أَشْبَهَهَا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾: أَجَلُ المَوْتِ، لَا يَعْلَمُ الإِنْسَانُ مَتَى يَمُوتُ (٣). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ بِقَضَاءِ الدُّنْيَا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ لابْتِدَاءِ الآخِرَةِ (٤). وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي «المِلَلِ وَالنِّحَلِ»: «وَهَذِهِ الآيَةُ

стр. 51

حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ»؛ أَيْ: عَلَى القَائِلِينَ بِزِيَادَةِ العُمُرِ وَنَقْصِهِ. قَالَ: «لأَنَّهُ - تَعَالَى - نَصَّ عَلَى أَنَّهُ قَضَى أَجَلًا، وَلَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، لَكِنْ عَلَى الجُمْلَةِ، ثُمَّ قَالَ - تَعَالى -: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، فَهَذَا الأَجَلُ المُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ الأَجَلُ الَّذِي قَضَى نَفْسُهُ - بِلَا شَكٍّ -؛ إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَكَانَ أَحَدُهُمَا لَيْسَ أَجَلًا إِذَا أَمْكَنَ التَّقْصِيرُ عَنْهُ أَوْ مُجَاوَزَتُهُ [وَلَكَانَ الْبَارِي - تَعَالَى - مُبْطِلًا إِذْ سَمَّاهُ أَجَلًا، وَهَذَا كُفْرٌ لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ] (١)، وَأَجَلُ الشَّيْءِ - فِي اللُّغَةِ - هُوَ مِيعَادُهُ (٢) الَّذِي لَا يَتَعَدَّاهُ، وَإِلَّا فَلَا يُسَمَّى أَجَلًا الْبَتَّةَ (٣)، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ الأَجَلَ المُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ غَيْرُ الأَجَلِ الَّذِي قَضَى، فَأَجَلُ كُلِّ شَيْءٍ مُنْتَهَاهُ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤)، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (٥)» (٦).

стр. 52

وَعَلَى هَذَا: فَأَجَلُ الثَّانِي خَبَرٌ لِمُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ يَرْجِعُ لِلأَوَّلِ، وَالتَّقْدِيرُ: (وَهُوَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)، فَالأَجَلَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ (١). وَفِي «تَفْسِيرِ الخَازِنِ» (٢): «وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ، وَمَعْنَاهُ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يَعْنِي: قَدَّرَ مُدَّةً لِأَعْمَارِكُمْ تَنْتَهُونَ إِلَيْهَا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يَعْنِي: أَنَّ ذَلِكَ الأَجَلَ مُسَمًّى عِنْدَهُ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ، وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَهُ﴾: يَعْنِي: فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ». وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ» (٣) - وَنَحْوِهَا (٤) - بِأَجْوِبَةٍ:

стр. 53

فَقِيلَ: المُرَادُ بِالزِّيَادَةِ فِي العُمُرِ: السَّعَةُ (١) فِي الرِّزْقِ وَاليَسَارُ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ؛ لأَنَّ الفَقْرَ مَوْتٌ؛ كَمَا فِي الآثَارِ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - أَعْلَمَ مُوسَى ﵇ بِأَنَّهُ يُمَوِّتُ عَدُوَّهُ، ثُمَّ رَآهُ - بَعْدَ ذَلِكَ - يَنْسِجُ الخُوصَ (٢)، فَقَالَ: يَا رَبِّ! وَعَدْتَنِي أَنْ تُمِيتَهُ! قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ؛ لأَنِّي أَفْقَرْتُهُ (٣). قُلْتُ: وَفِي هَذَا الجَوَابِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ السَّعَةَ فِي الرِّزْقِ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فِي الأَزَلِ - كَالعُمُرِ -. وَقِيلَ: المُرَادُ بِالزِّيَادَةِ فِي العُمُرِ: نَفْيُ الآفَاتِ عَنْهُمْ، وَالزِّيَادَةُ فِي أَفْهَامِهِمْ وَعُقُولِهِمْ وَبَصَائِرِهِمْ. وَفِي «تَفْسِيرِ الخَازِنِ»: «وَأَجَابَ العُلَمَاءُ عَمَّا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ» (٤) بِأَجْوِبَةٍ، الصَّحِيحُ مِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ تَكُونُ بِالبَرَكَةِ فِي عُمُرِهِ بِالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَةِ أَوْقَاتِهِ، وَصِيَانَتِهَا عَنِ الضَّيَاعِ - وَغَيْرِ ذَلِكَ -» (٥).

стр. 54

قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ - لِمَا مَرَّ -. وَقِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَرَوَى الحَدِيثَ الصَّحِيحَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمُدَّ اللهُ فِي عُمُرِهِ وَأَجَلِهِ وَيَبْسُطَ فِي رِزْقِهِ؛ فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١): كَيْفَ يُزَادُ فِي العُمُرِ؟ فَقَالَ: قَالَ اللهُ : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ (٢)، فَالأَجَلُ الأَوَّلُ: أَجَلُ العَبْدِ مِنْ حِينِ وِلَادَتِهِ إِلَى حِينِ مَوْتِهِ، وَالأَجَلُ المُسَمَّى عِنْدَهُ: مِنْ حِينِ وَفَاتِهِ إِلَى يَوْمِ لِقَائِهِ فِي البَرْزَخِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا اتَّقَى العَبْدُ رَبَّهُ وَوَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ اللهُ فِي أَجَلِ عُمُرِهِ الأَوَّلِ مِنْ أَجَلِ البَرْزَخِ مَا شَاءَ، وَإِذَا قَطَعَ رَحِمَهُ وَعَصَى نَقَّصَ اللهُ مِنْ أَجَلِهِ فِي الدُّنْيَا مَا شَاءَ، فَيَزِيدُهُ فِي أَجَلِ البَرْزَخِ، فَإِذَا انْحَتَمَ (٣) الأَجَلُ فِي عِلْمِهِ السَّابِقِ امْتَنَعَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ؛ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤).

стр. 55

قَالَ القُرْطُبِيُّ: «فَتَوَافَقَ الخَبَرُ وَالآيَةُ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ العُمُرِ وَذَاتِ الأَجَلِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فِي اخْتِيَارِ حَبْرِ الأُمَّةِ - وَاللهُ أَعْلَمُ -» (١). وَعِبَارَةُ الوَاحِدِيِّ فِي «الوَسِيطِ»: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - قَضَى لِكُلِّ شَخْصٍ أَجَلَيْنِ: مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مَوْتِهِ، وَمِنْ مَوْتِهِ إِلَى مَبْعَثِهِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا وَاصِلًا لِرَحِمِهِ؛ زَادَ اللهُ فِي أَجَلِ الحَيَاةِ مِنْ أَجَلِ المَمَاتِ إِلَى المَبْعَثِ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ وَلَا وَاصِلٍ (٢) لِلرَّحِمِ نَقَصَهُ اللهُ مِنْ أَجَلِ الحَيَاةِ وَزَادَ فِي أَجَلِ المَبْعَثِ، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٣)» (٤). وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّ عُمَرَ زَيْدٍ - مَثَلًا - سِتُّونِ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ، فَإِنْ وَصَلَهَا (٥) زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ عَلِمَ اللهُ مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا أَزَلِيًّا، حَكَاهُ الخَازِنُ فِي «تَفْسِيرِهِ» (٦).

стр. 56

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «يُكْتَبُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: إِنْ حَجَّ فُلَانٌ وَلَمْ يَغْزُ فَعُمُرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَإِنْ حَجَّ وَغَزَا فَعُمُرُهُ سِتُّونَ سَنَةً، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ بَلَغَ السِّتِّينَ وَقَدْ عُمِّرَ، وَإِذَا أَفْرَدَ أَحَدَهُمَا عَنِ الآخَرِ فَلَا يُجَاوِزُ الأَرْبَعِينَ؛ فَقَدْ نُقِصَ مِنْ عُمُرِهِ الَّذِي هُوَ الغَايَةُ - وَهُوَ السِّتُّونَ -» (١). قَالَ: «وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنْ قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ وَالصِّلَةَ (٢) يَعْمُرانِ (٣) الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ»» (٤). وَقَالَ الحَافِظُ الجَلَالُ السُّيُوطِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «قَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ عِنْدِي عَلَى زِيَادَةِ العُمْرِ وَنَقْصِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أَوْ بُرِّزَ (٥) إِلَى المَلَائِكَةِ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَلِمَ اللهُ - تَعَالَى -؛

стр. 57

فَإِنَّ عِلْمَهُ أَزَلِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ، وَالأَشْيَاءُ كُلُّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى وَفْقِ (١) عِلْمِهِ فِي الأَزَلِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ». قُلْتُ: هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الفَرِيقَيْنِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَمَا قَالُوهُ مِنْ دَلِيلٍ وَتَعْلِيلٍ، غَيْرَ أَنَّهَا كُلُّهَا (٢) - عِنْدِي - لَا تَشْفِي العَلِيلَ وَلَا تُرْوِي الغَلِيلَ. وَكَلَامُ الحَافِظِ السُّيُوطِيِّ مُسَلَّمٌ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّ عِلْمَ اللهِ أَزَلِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ … » - إِلخ - (٣)، بَلْ لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ، وَإِلَّا انْقَلَبَ العِلْمُ جَهْلًا. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: «لَا يَكُونُ أَلْبَتَّةَ إِلَّا مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ - تَعَالَى - أَنَّهُ سَيَكُونُ» (٤). وَقَوْلُ السُّيُوطِيِّ أَنَّ (زِيَادَةَ العُمْرِ وَنَقْصَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أَوْ بُرِّزَ إِلَى المَلَائِكَةِ)؛ فَأَنَا أُسَلِّمُهُ - أَيْضًا - عَلَى مَا فِيهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالجَوَابِ الدَّافِعِ لِلإِشْكَالِ عَمَّا وَرَدَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَالتَّغْيِيرِ

стр. 58

وَالتَّبْدِيلِ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ. قُلْتُ: وَعَلَى تَسْلِيمِ وُقُوعِ المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ فَفِيهِ عِنْدِي إِشْكَالَانِ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُمَا وَلَا لِلْجَوَابِ عَنْهُمَا: الأَوَّلُ: أَنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَمِنْ أَنْ يُغَيَّرَ وَيُبَدَّلَ. وَلَعَلَّ الجَوَابَ: أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ صَوْنِهِ وَحِفْظِهِ مِنْ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ خَلَلٌ أَوْ فَسَادٌ مِنْ أَحَدٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ؛ بَلِ اللهُ هُوَ يَمْحُو وَيُثْبِتُ، أَلَا تَرَاهُ أَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وَإِلَّا فَهَذَا - أَيْضًا - يَرِدُ عَلَى مَنْ قَالَ: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ؛ إِلَّا السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ وَنَحْوَهُمَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَرُدُّ القَوْلَ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ: مَا مَرَّ نَقْلُهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - لَمَّا خَلَقَ القَلَمَ كَتَبَ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالمُثْبَتُ بَعْدَ المَحْوِ لَمْ يُكْتَبْ إِلَّا بَعْدَ المَحْوِ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ مُقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ - حِينَئِذٍ -، وَذَلِكَ فَاسِدٌ. قُلْتُ: هُوَ قَوِيٌّ، وَلَعَلَّ جَوَابَهُ: أَنَّ المُثْبَتَ بَعْدَ المَحْوِ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ، وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ إِلَّا بَعْدَ إِثْبَاتِهِ، فَعَلَى هَذَا فَالمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ بِحَسَبِ مَا يَتَرَاءَى لَهُمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ عِبْرَةً تَامَّةً وَحِكْمَةً بَالِغَةً مِنْ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - هُوَ المُتَصَرِّفُ فِي العَالَمِ التَّصَرُّفَ العَامَّ المُطْلَقَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.

стр. 59

وَيُؤِيِّدُ هَذَا: مَا ذَكَرَ الإِمَامُ الفَخْرُ - وَغَيْرُهُ - فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ … (١) أَنَّ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الكِتَابِ: «أَنَّهُ - تَعَالَى - إِنَّمَا كَتَبَ هَذِهِ الأَحْوَالَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِتَقِفَ المَلَائِكَةُ عَلَى إِنْفَاذِ (٢) عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى - فِي المَعْلُومَاتِ، وَأَنَّهُ لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْءٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عِبْرَةً تَامَّةً لِلْمَلَائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِاللَّوْحِ؛ لأَنَّهُمْ يُقَابِلُونَ بِهِ مَا يَحْدُثُ فِي هَذَا العَالَمِ، فَيَجِدُونَهُ مَوَافِقًا لَهُ» (٣). قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَهُوَ الحَقُّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى -: أَنَّ القَوْلَ بِوُقُوعِ الإِثْبَاتِ الآنَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لَا يُقَالُ بِهِ؛ لأَنَّ كِتَابَةَ المَقَادِيرِ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَتَمَّ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤). وَأَمَّا القَوْلُ بِمَحْوِ الكِتَابَةِ الآنَ مِنَ اللَّوْحِ فَلَا يَنْبَغِي القَوْلُ بِهِ - أَيْضًا -؛

стр. 60

إِذْ لَا مَعْنَى لِمَحْوِهَا مِنْهُ يَقْتَضِي كَبِيرَ فَائِدَةٍ. فَإِنْ قُلْتَ: عَلَامَ (١) تَحْمِلُ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾؟ وَهَلْ هُوَ عَلَى العُمُومِ وَالخُصُوصِ؟ قُلْتُ: هُوَ عَلَى العُمُومِ فِيمَا يَشَاؤُهُ - تَعَالَى - مِنْ سَعَادَةٍ وَشَقَاوَةٍ وَرِزْقٍ وَأَجَلٍ - وَغَيْرِ ذَلِكَ - كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الآيَةِ، لَكِنَّ المَحْوَ وَالإِثْبَاتَ لَا يُحْمَلُ عَلَى نَفْسِ الكِتَابَةِ الَّتِي فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ بَلْ فِي مُتَعَلَّقِ الكِتَابَةِ الَّتِي فِي الخَارِجِ مِنَ المَوْجُودَاتِ؛ فَإِنَّ المَحْوَ تَارَةً (٢) يُرَادُ بِهِ ذَهَابُ أَثَرِ الكِتَابَةِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فِي اللَّوْحِ، وَتَارَةً يُرَادُ بِالمَحْوِ مُطْلَقُ الإِزَالَةِ وَالتَّغْيِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ المُرَادُ هُنَا، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي اللُّغَةِ، شَائِعٌ بِكَثْرَةٍ؛ قَالَ اللهُ - تَعَالَى -: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ (٣)، وَقَالَ الشَّاعِرُ (٤): مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا … . . . . . . . . . . . . وَيُقَالُ: مَحَتِ الرِّيَاحُ رُسُومَ (٥) الدَّارِ.

стр. 61

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنَ القُرُونِ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا (١). فَهَذَا المَحْوُ - لُغَةً - يُطْلَقُ عَلَى الإِزَالَةِ وَالتَّغْيِيرِ. وَحَيْثُ عَلِمْتَ هَذَا؛ فَكُلُّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ مِنْ حَالٍ وَثَبَتَ عَلَى حَالٍ أُخْرَى يُقَالُ فِيهِ: مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ. وَحِينَئِذٍ تَعْرِفُ عُمُومَ الآيَةِ وَمَا المُرَادُ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ، وَأَنَّهُمَا لَا يَقَعَانِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِاعْتِبَارِ الكِتَابَةِ؛ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ القَلَمَ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ؛ قَالَ - سُبْحَانَهُ -: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢)؛ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٣). فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ إِثْبَاتُ شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّوْحِ إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِإِثْبَاتِهِ دَوَامُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ؟! وَهَذَا خِلَافُ المُتَبَادَرِ مِنَ الآيَةِ، وَلَا كَبِيرَ فَائِدَةٍ فِيهِ بِهَذَا الاعْتِبَارِ؛ بَلِ المَحْوُ وَالإِثْبَاتُ وَالتَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ جَارٍ فِي مُتَعَلَّقِ الكِتَابَةِ - كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ -؛ فَإِنَّ الحُبَّ يُوجَدُ فِي الشَّخْصِ ثُمَّ يُمْحَى وَتُثْبَتُ البَغْضَاءُ،

стр. 62

وَاليَسَارَ (١) ثُمَّ الإِعْسَارَ وَعَكْسَهُ، وَالكُفْرَ ثُمَّ الإِسْلَامَ وَعَكْسَهُ، - وَهَلُمَّ جَرًّا (٢) -. وَتَغَيُّرُ الإِنْسَانِ مِنْ حَالٍ وَإِثْبَاتُ حَالَةٍ أُخْرَى لَهُ - بَلْ وَتَغَيُّرُ سَائِرِ العَالَمِ -: مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ المُشَاهَدَةِ، وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى الدُّعَاءِ بِمَحْوِ المَعْصِيَةِ وَزَوَالِهَا عَنِ المُرَائِي وَإِثْبَاتِ الطَّاعَةِ لَهُ، وَمَحْوِ المَرَضِ وَإِثْبَاتِ الصِّحَّةِ، وَمَحْوِ الجَهْلِ وَإِثْبَاتِ العِلْمِ. وَأَمَّا عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى - فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ أَصْلًا، وَمَعَاذَ (٣) اللهِ أَنْ يَكْتُبَ فِي اللَّوْحِ خِلَافَ مَا عَلِمَ، فَثَبَتَ أَنَّ التَّغَيُّرَ وَالمَحْوَ وَالإِثْبَاتَ إِنَّمَا هُوَ فِي المَعْلُومِ عَلَى حَسَبِ مَا عَلِمَهُ - تَعَالَى -. فَتَأَمَّلْ - أَيَّدَكَ اللهُ - مَا لَمْ أَخَلْ (٤) أَنَّكَ تَرَاهُ مَسْطُورًا فِي كِتَابٍ - وَاللهُ تَعَالَى المَسْؤُولُ فِي التَّوْفِيقِ لِلصَّوَابِ -، وَتَسْتَرِيحُ مِنْ خِلَافِيَّاتٍ وَقَعَتْ فِي أَلْفَاظِ المُفَسِّرِينَ، لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهَا عَمَّا حَقَّقْنَاهُ، وَلَا يُمْكِنُ العُدُولُ عَنْهُ، وَيَكَادُ أَنْ يَكُونَ الخِلَافُ لَفْظِيًّا؛ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُ أَحَدًا إِنْكَارُ المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ فِي العَالَمِ بِاعْتِبَارِ تَغْيِيرِهِ وَتَبَدُّلِهِ، وَلَا أَنْ يَقُولَ بِتَغَيُّرِ عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى -، فَيَكُونَ

стр. 63

ذَلِكَ هُوَ البَدَاءَ (١) وَالجَهْلَ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الرَّافِضَةِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: (إِنَّ البَدَاءَ جَائِزٌ عَلَى اللهِ - تَعَالَى -)، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ شَيْئًا ثُمَّ يَظْهَرَ لَهُ خِلَافُ مَا اعْتَقَدَهُ - تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ -، فَتَأَمَّلْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أَيْ: أَصْلُ الكِتَابِ؛ لأَنَّ الأُمَّ أَصْلُ الشَّيْءِ، وَالعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَا يَجْرِي مَجْرَى الأَصْلِ لِلشَّيْءِ أُمًّا لَهُ، وَمِنْهُ: (أُمُّ الرَّأْسِ) لِلدِّمَاغِ، وَ (أُمُّ القُرَى) لِمَكَّةَ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ فَهِيَ أُمٌّ لِمَا حَوْلَهَا مِنَ القُرَى، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ: (كَانَ) أُمُّ النَّوَاسِخِ (٢)، وَ (أَنْ) المَصْدَرِيَّةُ أُمُّ النَّوَاصِبِ (٣) - وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُهِمٍّ -. وَاخْتُلِفَ فِي (أُمِّ الكِتَابِ) - هُنَا -: فَقِيلَ: أُمُّ الكِتَابِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي لَا يُبَدَّلُ وَلَا يُغَيَّرُ، حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يَجْرِي فِيهِ التَّبْدِيلُ. وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْتَ رَدَّهُ بِمَا مَرَّ؛ فَفِي «تَفْسِيرِ الخَازِنِ»: «وَسُمِّيَ اللَّوْحُ

стр. 64

المَحْفُوظُ (أُمَّ الكِتَابِ) لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ مُثْبَتَةٌ فِيهِ، وَمِنْهُ تُنْسَخُ الكُتُبُ المُنْزَلَةُ، وَقِيلَ: إِنَّ العُلُومَ كُلَّهَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَتَتَوَلَّدُ مِنْهُ» (١). وَفِي «تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ» وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٢): «وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وَهُوَ أُمُّ الكِتَابِ، وَمِنْهُ تُنْسَخُ الكُتُبُ، مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَمِنَ الزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنُّقْصَانِ» (٣). وَذَكَرَ الإِمَامُ الفَخْرُ فِي «تَفْسِيرِهِ»: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أَنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قَالَ: «وَجَمِيعُ حَوَادِثِ العَالَمِ العُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مُثْبَتَةٌ فِيهِ» (٤). وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ. وَفِي «تَفْسِيرِ البَيْضَاوِيِّ» (٥): «وَهُوَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ إِذْ مَا مِنْ كَائِنٍ إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ» (٦).

стр. 65

وَفِي «تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ»: «وَقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ هُوَ الَّذِي فِيهِ أَصْنَافُ الخَلْقِ وَالخَلِيقَةِ، وَبَيَانُ أُمُورِهِمْ، وَذِكْرُ آجَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَالأَقْضِيَةِ النَّافِذَةِ فِيهِمْ وَمَآلِ عَوَاقِبِ أُمُورِهِمْ، وَهُوَ أُمُّ الكِتَابِ» (١). قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا: فَهَلَّا اكْتُفِيَ بِمَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَنْ كِتَابَةِ أَعْمَالِنَا فِي الصُّحُفِ وَفِي الكِتَابِ المُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (٢)؟! وَلَعَلَّ الجَوَابَ: أَنَّ المَكْتُوبَ فِي اللَّوْحِ المَحفُوظِ عَامٌّ يَشْمَلُ الأَعْمَالَ وَغَيْرَهَا، فَاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإِلَهِيَّةُ لِذَلِكَ انْفِرَادَ الأَعْمَالِ بِكِتَابٍ يَخُصُّهَا، كَمَا اقْتَضَتْ - أَيْضًا - مَعَ ذَلِكَ كِتَابَةَ عَمَلِ كُلِّ إِنْسَانٍ بِكِتَابٍ يَخُصُّهُ - كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (٣) -. وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ (٤) عَلَى مَزِيدِ الضَّبْطِ وَالحِسَابِ؛ كَمَا يَقَعُ لِكَتَبَةِ الدَّوَاوِينِ - اليَوْمَ - مِنْ ضَبْطِهِمُ الحِسَابَ فِي دَفْتَرٍ (٥) بَعْدَ دَفْتَرٍ.

стр. 66

وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اللَّوْحُ: مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، أَعْلَاهُ مَعْقُودٌ بِالعَرْشِ، وَأَسْفَلَهُ فِي حَجْرِ (١) مَلَكٍ يُقَالُ لَهُ: (مَاطِرْيُونَ) (٢)، كِتَابُهُ نُورٌ، وَقَلَمُهُ نُورٌ، وَيَنْظُرُ اللهُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، لَيْسَ مِنْهَا نَظْرَةٌ إِلَّا وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ؛ يَرْفَعُ وَضِيعًا وَيَضَعُ رَفِيعًا، وَيُغْنِي فَقِيرًا وَيُفْقِرُ غَنِيًّا، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» (٣)، حَكَاهُ القُرْطُبِيُّ (٤) - وَغَيْرُهُ -. وَقَدْ مَرَّ أَنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ (٥)، وَنَقَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أَنَّهُ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَعَرْضُهُ: مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ (٦). وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، وَأَثْبَتَ فِيهِ جَمِيعَ أَحْوَالِ الخَلْقِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٧).

стр. 67

وَمَرَّ - قَرِيبًا - أَنَّ فِيهِ جَمِيعَ حَوَادِثِ العَالَمِ العُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ (١). قُلْتُ: وَهُنَا إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ مَا مِقْدَارُهُ (٢) خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ كَيْفَ يَسَعُ كِتَابَةَ جَمِيعِ حَوَادِثِ العَالَمِ، مَعَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ أَحْرُفَ القُرْآنِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا كَجَبَلِ ق (٣)، تَحْتَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ المَعَانِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ. فَعَلَى هَذَا: حُرُوفُ القُرْآنِ - وَحْدَهُ - تَمْلَأُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ - أَوْ تَكَادُ تَمْلَؤُهُ -، فَضْلًا (٤) عَنْ بَقِيَّةِ حَوَادِثَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا.

стр. 68

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا المِقْدَارَ إِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ سَعَتِهِ وَعِظَمِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (١)، مَعَ أَنَّهَا قُدِّرَتْ أَضْعَافًا كَثِيرَةً. فَالجَوَابُ: إِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لأَنَّ حَوَادِثَ العَالَمِ بِأَسْرِهِ - الَّتِي حَوَادِثُ اللَّوْحِ مِنْهَا - لَا يَسَعُهَا إِلَّا قَدْرَ مَا هُوَ مِنَ العَالَمِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً؛ فَإِنَّ الشَّخْصَ مِنَّا لَا يَسَعُ حَوَادِثَهُ مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ إِلَى مَوْتِهِ إِلَّا لَوْحٌ قَدْرُهُ فَوْقَ المِئَةِ مَرَّةٍ - كَمَا

стр. 69

هُوَ مُشَاهَدٌ -، فَتَأَمَّلْ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ أَعْظَمَ مِنَ العَرْشِ وَالكُرْسِيِّ - وَغَيْرِهِمَا -، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ؛ فَقَدْ وَقَعَ الاتِّفَاقُ أَنَّ أَعْظَمَ العَالَمِ - أَوْ أَكْبَرَهُ -: العَرْشُ. وَرُبَّمَا يُقَالُ: وَلَا تَتَدَاخَلُ الأَجْسَامُ - هُنَا - لِفَوَاتِ الغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنَ الكِتَابَةِ. قُلْتُ: وَهَلْ حَوَادِثُ العَرْشِ وَالماءِ - المَخْلُوقَيْنِ قَبْلَ القَلَمِ - مَكْتُوبَةٌ فِي اللَّوْحِ؟ أَوِ المُرَادُ بِكَوْنِ القَلَمِ كَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ - أَيْ: حَادِثٍ - بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَهُمَا قَبْلَهُ؛ لِمَا فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدَّرَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» (١). فَهَذَا صَرِيحٌ أَنَّ التَّقْدِيرَ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ خَلْقِ العَرْشِ وَالمَاءِ؛ لأَنَّ التَّقْدِيرَ وَقَعَ عِنْدَ أَوَّلِ خَلْقِ القَلَمِ، وَحَدِيثُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ: القَلَمُ» (٢)؛ أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَا المَاءَ (٣) وَالعَرْشَ وَالكُرْسِيَّ.

стр. 70

قُلْتُ: وَهَلْ تَدْخُلُ الغَايَةُ فِي حَدِيثِ: «فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (١)، فَيَكُونُ مَقَادِيرُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَعَدَدُ حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ وَأَنْفَاسِهِمْ مَكْتُوبًا فِي اللَّوْحِ؟ أَوِ الغَايَةُ غَيْرُ دَاخِلَةٍ؟ الظَّاهِرُ: الدُّخُولُ؛ لِلْحَدِيثِ الآخَرِ: «فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ» (٢)، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَنَاهٍ؛ لأَنَّهَا حَوَادِثُ لَا آخِرَ لَهَا، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ كِتَابَةُ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَمَا لَا يَتَنَاهَى ضَبْطُهُ مُحَالٌ. بَلْ سُئِلْنَا: هَلْ يَعْلَمُ اللهُ عَدَدَ أَنْفَاسِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ؟ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَقُولَ: (لَا)؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِشْعَارِ بِالجَهْلِ، وَلَا (نَعَمْ)؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ يَفْنَوْنَ. قَالَ النَّسَفِيُّ (٣) فِي «بَحْرِ الكَلَامِ»: «وَالجَوَابُ: أَنْ نَقُولَ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ [أَنَّ] (٤) أَنْفَاسَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ لَيْسَتْ بِمَعْدُودَةٍ، وَلَا تَنْقَطِعُ» (٥).

стр. 71

وَعَلَى هَذَا: فَيَنْبَغِي أَنَّ الغَايَةَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ، وَأَنَّ المُرَادَ بِالأَبَدِ: (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، أَوْ هِيَ دَاخِلَةٌ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَتَنَاهَى؛ كَالحِسَابِ وَالمِيزَانِ وَأَحْوَالِ المَحْشَرِ، لَا مَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ كَوْنَ القَلَمِ كَتَبَ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ بِأَمْرٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا عَلِمَهُ - سُبْحَانَهُ - أَبْرَزَهُ أَوْ أَظْهَرَهُ فِي اللَّوْحِ - وَلَوْ لِلْمَلَائَكَةِ -؛ لأَنَّ إِسْرَافِيلَ خَادِمُ اللَّوْحِ مُلْتَقِمُ الصُّورِ (١)، وَيَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فِيهِ (٢). وَيَحْتَمِلُ (٣) أَنْ يُقَالَ: هُوَ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُطْلِعْهُ عَلَيْهِ عَالِمُ الغَيْبِ، فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولِهِ، وَاللهُ - تَعَالَى - بِحَقِيقَةِ الحَالِ أَعْلَمُ.

стр. 72

وَلَعَمْرِي (١)؛ إِنَّ عُقُولَنَا لَا تُدْرِكُ اللَّوْحَ، وَلَا القَلَمَ، وَلَا كَيْفِيَّةَ جَرَيَانِهِ بِمَقَادِيرَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا - هَلْ كَانَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَوْ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؟ وَأَيُّ مُدَّةٍ تَسَعُ ذَلِكَ؟! -، وَلَا كَيْفِيَّةَ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَسُؤَالِ المَلَكَيْنِ لِخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ - مَعَ تَبَاعُدِهِمْ - فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُدْرِكُ الصِّرَاطَ وَالمِيزَانَ وَكَيْفِيَّةَ الوَزْنِ، وَلَا مُسَاءَلَةَ المَلَكِ فِي القَبْرِ؛ بَلْ وَلَا تُدْرِكُ أَنْفُسَنَا (٢) الَّتِي مَعَنَا. فَلَا يَسَعُنَا إِلَّا الإِيمَانُ بِذَلِكَ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ وَحَقِيقَتُهُ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ ؛ ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ (٣)؛ سِيَّمَا (٤) مُدَّعِي (٥) العِلْمِ؛

стр. 73

سِيَّمَا الخَائِضِينَ - بِلَا عِلْمٍ - فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ المُقَدَّسَةِ - وَاللهُ أَعْلَمُ -. وَقِيلَ: أُمُّ الكِتَابِ: عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى -؛ فَفِي «تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ»: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أُمِّ الكِتَابِ، فَقَالَ: عِلْمُ اللهِ مَا هُوَ خَالِقٌ وَمَا خَلَقَهُ (١). وَفِيهِ - أَيْضًا -: قَالَ كَعْبُ الأَحْبَارِ: أُمُّ الكِتَابِ: عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى - بِمَا خَلَقَ وَمَا هُوَ خَالِقٌ (٢). وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ عَادِلٍ» - وَغَيْرِهِ -: سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا عَنْ أُمِّ الكِتَابِ، فَقَالَ: عِلْمُ اللهِ مَا هُوَ خَالِقٌ وَمَا خَلَقَ (٣). قُلْتُ: مَا أَجْدَرَ هَذَا القَوْلَ بِالصِّحَّةِ؛ فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ عَادِلٍ قَالَ فِي (سُورَةِ الأَنْعَامِ): «فِي الكِتَابِ المُبِينَ قَوْلَانِ: الأَوَّلُ: هُوَ عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ الأَصْوَبُ» (٤). وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «وَالكِتَابُ: عِلْمُ اللهِ أَوِ اللَّوْحُ» (٥). وَاللهُ - سُبْحَانَهُ - أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ): اعْلَمْ - أَيَّدَكَ اللهُ - أَنِّي جَمَعْتُ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ المُفَسِّرِينَ فِي

стр. 74

هَذَا الكِتَابِ مَا لَا تَرَاهُ مَجْمُوعًا فِي غَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمُ المَذْكُورِ مَا يُوَضِّحُ المُرَادَ وَيُزِيلُ اللَّبْسَ وَالإِشْكَالَ عَمَّا وَرَدَ مِنَ المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ وَزِيَادَةِ العُمُرِ وَنَقْصِهِ - وَنَحْوِ ذَلِكَ -، فَنَحْتَاجُ لاسْتِئْنَافِ كَلَامٍ آخَرَ لِيَظْهَرَ الحَقُّ وَالمُرَادُ، وَيَرْتَفِعَ اللَّبْسُ وَيَزُولَ الخَفَاءُ، فَنَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ: قَدْ أَوْلَعَ نَقَلَةُ التَّفْسِيرِ بِنَقْلِ كُلِّ مَا يَرَوْنَهُ مَسْطُورًا مِنَ الأَقَاوِيلِ مِنْ صَحِيحٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ مَوْضُوعٍ عَنِ الكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ (١) - وَنَحْوِهِمَا -. وَلِهَذَا تَجِدُ أَئِمَّةَ النَّقْلِ وَأَهْلَ التَّثَبُّتِ فِيهِ يَلْتَفِتُونَ لِكُلِّ مُهِمٍّ فِي الغَالِبِ وَلَا يَسْتَدِلُّ بِهِ الفُقَهَاءُ فِي الأَحْكَامِ. قَالَ المَيْمُونِيُّ (٢): سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ كُتُبٍ لَيْسَ لَهَا أُصُولٌ: المَغَازِي وَالمَلَاحِمُ وَبَعْضُ التَّفَاسِيرِ (٣).

стр. 75

قَالَ الخَطِيبُ (١): وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ فِي هَذِهِ المَعَانِي الثَّلَاثَةِ، غَيْرِ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهَا وَزِيَادَاتِ القُصَّاصِ فِيهَا. فَأَمَّا كُتُبُ المَلَاحِمِ فَجَمِيعُهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ المَلَاحِمِ وَالفِتَنِ المُنْتَظَرَةِ [غَيْرُ] (٢) أَحَادِيثَ يَسِيرَةٍ. وَأَمَّا كُتُبُ التَّفْسِيرِ فَمِنْ أَشْهَرِهَا: كِتَابُ الكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي «تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ»: «مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ كَذِبٌ»، قِيلَ لَهُ: فَهَلِ النَّظَرُ فِيهِ يَحِلُّ؟ قَالَ: «لَا» (٣). وَسُئِلَ وَكِيعٌ عَنْ «تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ»، فَقَالَ: «لَا تَنْظُرُوا فِيهِ»، قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «ادْفِنْهُ» - يَعْنِي تَفْسِيرَهُ - (٤). وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ أَرْوِيَ عَنْ [مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ] (٥) شَيْئًا (٦). وَأَمَّا المَغَازِي فَمِنْ أَشْهَرِهَا: كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ (٧)، وَكَانَ يَأْخُذُ
следующие страницы →