← Тафсир

Тафсир · id 96271

إتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}

مرعي الكرمي

Полный текст (98 стр.). Показаны 71–98 · переход к 76.

стр. 71

وَعَلَى هَذَا: فَيَنْبَغِي أَنَّ الغَايَةَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ، وَأَنَّ المُرَادَ بِالأَبَدِ: (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، أَوْ هِيَ دَاخِلَةٌ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَتَنَاهَى؛ كَالحِسَابِ وَالمِيزَانِ وَأَحْوَالِ المَحْشَرِ، لَا مَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ كَوْنَ القَلَمِ كَتَبَ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ بِأَمْرٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا عَلِمَهُ - سُبْحَانَهُ - أَبْرَزَهُ أَوْ أَظْهَرَهُ فِي اللَّوْحِ - وَلَوْ لِلْمَلَائَكَةِ -؛ لأَنَّ إِسْرَافِيلَ خَادِمُ اللَّوْحِ مُلْتَقِمُ الصُّورِ (١)، وَيَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فِيهِ (٢). وَيَحْتَمِلُ (٣) أَنْ يُقَالَ: هُوَ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُطْلِعْهُ عَلَيْهِ عَالِمُ الغَيْبِ، فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولِهِ، وَاللهُ - تَعَالَى - بِحَقِيقَةِ الحَالِ أَعْلَمُ.

стр. 72

وَلَعَمْرِي (١)؛ إِنَّ عُقُولَنَا لَا تُدْرِكُ اللَّوْحَ، وَلَا القَلَمَ، وَلَا كَيْفِيَّةَ جَرَيَانِهِ بِمَقَادِيرَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا - هَلْ كَانَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَوْ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؟ وَأَيُّ مُدَّةٍ تَسَعُ ذَلِكَ؟! -، وَلَا كَيْفِيَّةَ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَسُؤَالِ المَلَكَيْنِ لِخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ - مَعَ تَبَاعُدِهِمْ - فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُدْرِكُ الصِّرَاطَ وَالمِيزَانَ وَكَيْفِيَّةَ الوَزْنِ، وَلَا مُسَاءَلَةَ المَلَكِ فِي القَبْرِ؛ بَلْ وَلَا تُدْرِكُ أَنْفُسَنَا (٢) الَّتِي مَعَنَا. فَلَا يَسَعُنَا إِلَّا الإِيمَانُ بِذَلِكَ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ وَحَقِيقَتُهُ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ ؛ ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ (٣)؛ سِيَّمَا (٤) مُدَّعِي (٥) العِلْمِ؛

стр. 73

سِيَّمَا الخَائِضِينَ - بِلَا عِلْمٍ - فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ المُقَدَّسَةِ - وَاللهُ أَعْلَمُ -. وَقِيلَ: أُمُّ الكِتَابِ: عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى -؛ فَفِي «تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ»: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أُمِّ الكِتَابِ، فَقَالَ: عِلْمُ اللهِ مَا هُوَ خَالِقٌ وَمَا خَلَقَهُ (١). وَفِيهِ - أَيْضًا -: قَالَ كَعْبُ الأَحْبَارِ: أُمُّ الكِتَابِ: عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى - بِمَا خَلَقَ وَمَا هُوَ خَالِقٌ (٢). وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ عَادِلٍ» - وَغَيْرِهِ -: سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا عَنْ أُمِّ الكِتَابِ، فَقَالَ: عِلْمُ اللهِ مَا هُوَ خَالِقٌ وَمَا خَلَقَ (٣). قُلْتُ: مَا أَجْدَرَ هَذَا القَوْلَ بِالصِّحَّةِ؛ فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ عَادِلٍ قَالَ فِي (سُورَةِ الأَنْعَامِ): «فِي الكِتَابِ المُبِينَ قَوْلَانِ: الأَوَّلُ: هُوَ عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ الأَصْوَبُ» (٤). وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «وَالكِتَابُ: عِلْمُ اللهِ أَوِ اللَّوْحُ» (٥). وَاللهُ - سُبْحَانَهُ - أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ): اعْلَمْ - أَيَّدَكَ اللهُ - أَنِّي جَمَعْتُ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ المُفَسِّرِينَ فِي

стр. 74

هَذَا الكِتَابِ مَا لَا تَرَاهُ مَجْمُوعًا فِي غَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمُ المَذْكُورِ مَا يُوَضِّحُ المُرَادَ وَيُزِيلُ اللَّبْسَ وَالإِشْكَالَ عَمَّا وَرَدَ مِنَ المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ وَزِيَادَةِ العُمُرِ وَنَقْصِهِ - وَنَحْوِ ذَلِكَ -، فَنَحْتَاجُ لاسْتِئْنَافِ كَلَامٍ آخَرَ لِيَظْهَرَ الحَقُّ وَالمُرَادُ، وَيَرْتَفِعَ اللَّبْسُ وَيَزُولَ الخَفَاءُ، فَنَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ: قَدْ أَوْلَعَ نَقَلَةُ التَّفْسِيرِ بِنَقْلِ كُلِّ مَا يَرَوْنَهُ مَسْطُورًا مِنَ الأَقَاوِيلِ مِنْ صَحِيحٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ مَوْضُوعٍ عَنِ الكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ (١) - وَنَحْوِهِمَا -. وَلِهَذَا تَجِدُ أَئِمَّةَ النَّقْلِ وَأَهْلَ التَّثَبُّتِ فِيهِ يَلْتَفِتُونَ لِكُلِّ مُهِمٍّ فِي الغَالِبِ وَلَا يَسْتَدِلُّ بِهِ الفُقَهَاءُ فِي الأَحْكَامِ. قَالَ المَيْمُونِيُّ (٢): سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ كُتُبٍ لَيْسَ لَهَا أُصُولٌ: المَغَازِي وَالمَلَاحِمُ وَبَعْضُ التَّفَاسِيرِ (٣).

стр. 75

قَالَ الخَطِيبُ (١): وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ فِي هَذِهِ المَعَانِي الثَّلَاثَةِ، غَيْرِ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهَا وَزِيَادَاتِ القُصَّاصِ فِيهَا. فَأَمَّا كُتُبُ المَلَاحِمِ فَجَمِيعُهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ المَلَاحِمِ وَالفِتَنِ المُنْتَظَرَةِ [غَيْرُ] (٢) أَحَادِيثَ يَسِيرَةٍ. وَأَمَّا كُتُبُ التَّفْسِيرِ فَمِنْ أَشْهَرِهَا: كِتَابُ الكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي «تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ»: «مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ كَذِبٌ»، قِيلَ لَهُ: فَهَلِ النَّظَرُ فِيهِ يَحِلُّ؟ قَالَ: «لَا» (٣). وَسُئِلَ وَكِيعٌ عَنْ «تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ»، فَقَالَ: «لَا تَنْظُرُوا فِيهِ»، قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «ادْفِنْهُ» - يَعْنِي تَفْسِيرَهُ - (٤). وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ أَرْوِيَ عَنْ [مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ] (٥) شَيْئًا (٦). وَأَمَّا المَغَازِي فَمِنْ أَشْهَرِهَا: كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ (٧)، وَكَانَ يَأْخُذُ

стр. 76

عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «كُتُبُ الوَاقِدِيِّ كَذِبٌ» (١). وَلَيْسَ فِي المَغَازِي أَصَحُّ مِنْ «مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ» (٢). وَلِعَدَمِ احْتِيَاطِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ فِي النَّقْلِ: يَنْقُلُونَ خُرَافَاتِ القُصَّاصِ وَأُكْذُوبَاتِهِمْ فِي حَقِّ الأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ؛ الموُهِمَةَ لِوُقُوعِ مَا هُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ الوَاقِفُ عَلَى كَلَامِهِمْ. وَبَعْضُهُمْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ الرَّافِضَةُ أَوِ المُعْتَزِلَةُ لِنُصْرَةِ مَذَاهِبِهِمْ، فَيَنْقُلُ، فَيُوهِمُ النَّاظِرَ فِيهِ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَالعُمْدَةُ - فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ وَالاسْتِدْلَالِ - إِنَّمَا هُوَ بِكَلَامِ ذَوِي التَّحْقِيقِ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ مَدَارُ التَّعْوِيلِ، وَإِلَيْهِمُ المَرْجِعُ فِيمَا فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ إِشْكَالٌ. وَكَلَامُهُمْ وَاعْتِقَادُهُمْ: أَنَّهُ لَا تَبْدِيلَ لِقَضَاءِ اللهِ، وَالمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ مِمَّا سَبَقَ بِهِ القَضَاءُ، وَقَدْ عَلِمَ اللهُ - تَعَالَى - عِلْمًا أَزَلِيًّا وُقُوعَ ذَلِكَ. كَذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي «شَرْحِ مُسْلِمٍ»: «إِنَّ اللهَ

стр. 77

- تَعَالَى - قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلْقِ وَمَا يَكُونُ مِنَ الأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِي الأَزَلِ، وَعَلِمَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُ - تَعَالَى -، وَعَلَى صِفَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَهِيَ تَقَعُ عَلَى حَسَبِ [مَا] (١) قَدَّرَهَا» (٢). وَقَالَ الخَازِنُ فِي «تَفْسِيرِهِ»: «مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ المَقَادِيرَ سَابِقَةٌ، وَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَأَنَّ المَحْوَ وَالإِثْبَاتَ مِمَّا جَفَّ بِهِ القَلَمُ وَسَبَقَ بِهِ القَدَرُ، فَلَا يَمْحُو شَيْئًا وَلَا يُثْبِتُ شَيْئًا إِلَّا سَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ فِي الأَزَلِ» (٣). وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «إِنَّ عِلْمَ اللهِ - تَعَالَى - السَّابِقَ مُحِيطٌ بِالأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا تَغْيِيرَ وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ؛ فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ، وَأَمَّا مَا جَرَى بِهِ القَلَمُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَهَلْ يَكُونُ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الصُّحُفُ الَّتِي بِيَدِ المَلَائِكَةِ - كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇: «فَيُؤْمَرُ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيُّ أَوْ سَعِيدٌ» (٤) -؛ فَهَذَا يَحْصُلُ فِيهِ المَحْوُ وَالإِثْبَاتُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَدَّرُ لَهُ مُدَّةٌ، ثُمَّ يَعْمَلُ شَيْئًا يَزِيدُ

стр. 78

عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ اللهُ أَنْ يَفْعَلَهُ؛ مِثْلَ أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ، فَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ» (١). قَالَ القُرْطُبِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ»: «وَمِنَ القَضَاءِ مَا يَكُونُ وَاقِعًا مَحْتُومًا، وَهُوَ الثَّابِتُ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مَصْرُوفًا بِأَسْبَابٍ، وَهُوَ المَحْوُ» (٢). وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ فِي كِتَابِهِ «الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ»: «إِنَّ مِنَ المَقْدُورِ مَا قُدِّرَ بِأَسْبَابٍ، وَلَمْ يُقَدَّرْ مُجَرَّدًا عَنْ سَبَبِهِ، فَمَتَى أَتَى العَبْدُ بِالسَّبَبِ وَقَعَ المَقْدُورُ، وَمَتَى لَمْ يَأْتِ بِالسَّبَبِ انْتَفَى» (٣). قَالَ: «وَهَذَا كَمَا قُدِّرَ الشِّبَعُ (٤) وَالرَّيِّ (٥) بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَقُدِّرَ الوَلَدُ بِالوَطْءِ، وَقُدِّرَ حُصُولُ الزَّرْعِ بِالبَذْرِ، وَقُدِّرَ خُرُوجُ نَفْسِ (٦) الحَيَوَانِ بِالذَّبْحِ» (٧). يَعْنِي: وَاللهُ - تَعَالَى - لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَوُجُودَ سَبَبِهِ المُرَتَّبِ هُوَ عَلَيْهِ، وَمَا عَلِمَ اللهُ وُجُودَهُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَخَلُّفِهِ الْبَتَّةَ.

стр. 79

قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ» (١)، وَدُعَاءُ مَنْ دَعَا مِنَ السَّلَفِ: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا شَقِيًّا فَامْحُنَا وَأَثْبِتْنَا سُعَدَاءَ» (٢)؛ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ المَقْدُورِ المُقَدَّرِ بِأَسْبَابٍ، وَأَنَّ السَّعَادَةَ - وَنَحْوَهَا - مُقَدَّرَةٌ بِهَذَا الدُّعَاءِ - كَمَا يُقَالُ فِي بَقِيَّةِ الأَدْعِيَةِ -، وَإِلَّا لَكَانَ الدُّعَاءُ كُلُّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ - كَمَا هُوَ مَذْهَبُ قَوْمٍ -، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ يُرِيحُكَ مِنَ الخُلْفِ (٣) الوَاقِعِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ - كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ -، وَإِلَّا فَمَعَاذَ اللهِ - وَحَاشَا - لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَابْنِ مَسْعُودٍ - وَأَضْرَابِهِمَا -؛ فَإِنَّهُمْ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَتَوَهَّمُوا أَنَّ عِلْمَ اللهِ يَتَغَيَّرُ، وَأَنَّهُ يُبَدِّلُ شَقَاوَةَ مَنْ عَلِمَ شَقَاوَتَهُ فِي الأَزَلِ أَبَدًا بِسَعَادَةٍ (٤)، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ لِلْبَدَاءِ القَائِلِ بِهِ الرَّافِضَةُ، وَهُوَ عَلَى اللهِ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا دَعَوْا بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ تَكُونَ السَّعَادَةُ مِنَ المَقْدُورِ المُقَدَّرِ بِأَسْبَابٍ، فَتَأَمَّلْ تَحْرِيرَاتٍ لَا تَرَاهَا مَسْطُورَةً فِي كِتَابٍ؛ بَلْ هِيَ مِمَّا فَتَحَ عَلَى عَبْدِهِ الفَتَّاحُ الوَهَّابُ.

стр. 80

وَسَأَذْكُرُ لَكَ مَا يَزِيدُ المَسْأَلَةَ بَيَانًا شَافِيًا: قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ فِي «المِلَلِ وَالنِّحَلِ»: «وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْسَأَ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١)؛ فَصَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلْقُرْآنِ» (٢). قَالَ: «وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا سَيَصِلُ رَحِمَهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ مِنَ العُمُرِ كَذَا وَكَذَا، كُلُّ حَيٍّ قَدْ عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ سُيَعَمِّرُهُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الزَّمَانِ، وَأَنَّهُ - تَعَالَى - قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيُغَذَّى بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَتَنَفَّسُ بِالهَوَاءِ، وَيَسْلَمُ مِنَ الآفَاتِ القَاتِلَةِ تِلْكَ المُدَّةَ (٣)، وَيَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى بُلُوغِهِ تِلْكَ المُدَّةَ (٤) الَّتِي لَا بُدَّ مِنَ اسْتِيفَائِهَا، فَالسَّبَبُ وَالمُسَبَّبُ - كُلُّ ذَلِكَ - قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ كَمَا هُوَ؛ لَا يُبَدَّلُ؛ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ (٥)» (٦). وَقَالَ: «الخَلْقُ كُلُّهُ مُصَرَّفٌ تَحْتَ أَمْرِ اللهِ - تَعَالَى - وَعِلْمِهِ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَعَدِّي عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى -، وَلَا يَكُونُ البَتَّةَ إِلَّا مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنْ

стр. 81

يَكُونَ» (١). وَقَالَ: «وَقَدْ قَالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ: (لَوْ لَمْ يُقْتَلْ زَيْدٌ لَعَاشَ)، وَقَالَ أَبُو الهُذَيْلِ (٢): (لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَمَاتَ)، وَشَغَّبَ القَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعَاشَ بِقَوْلِ اللهِ : ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٣)، وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْسَأَ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (٤)» (٥). قَالَ: «وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ … (٦)» (٧). قَالَ: «وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ بَلْ هُوَ - بِظَاهِرِهِ - حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ» (٨). قَالَ: «وَالقَتْلُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ المَوْتِ، فَمَنْ سَأَلَ عَنِ المَقْتُولِ: (لَوْ لَمْ

стр. 82

يُقْتَلْ، أَكَانَ يَمُوتُ أَوْ يَعِيشُ؟)، فَسُؤَالُهُ سَخِيفٌ فَاسِدٌ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ: (لَوْ لَمْ يَمُتْ هَذَا المَيِّتُ، أَكَانَ يَمُوتُ أَمْ كَانَ لَا يَمُوتُ؟!)، وَهَذِهِ حَمَاقَةٌ؛ لأَنَّ القَتْلَ عِلَّةٌ لِلمَوْتِ كَمَا أَنَّ الحُمَّى القَاتلَةَ وَالبَطْنَ القَاتِلَ وَسَائِرَ الأَمْرَاضِ القَاتِلَةِ عِلَلٌ لِلْمَوْتِ الحَادِثِ عَنْهَا، وَلَا فَرْقَ» (١). قَالَ: «وَنَصُّ القُرْآنِ يَشْهَدُ بِمَا قُلْنَا؛ قَالَ اللهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٢)، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٣)، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤) … » (٥) - وَذَكَرَ آيَاتٍ أُخَرَ -. وَفِي «تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ» - فِي (سُورَةِ الأَعْرَافِ) -، فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٦): (أَجَلٌ)؛ أَيْ: وَقْتٌ مُؤَقَّتٌ، (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ)؛ أَيِ الوَقْتُ المَعْلُومُ عِنْدَ اللهِ

стр. 83

» (١). قَالَ: «فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ المَقْتُولَ إِنَّمَا يُقْتَلُ بِأَجَلِهِ، وَأَجَلُ المَوْتِ هُوَ وَقْتُ المَوْتِ كَمَا أَنَّ أَجَلَ الدَّيْنِ هُوَ وَقْتُ حُلُولِهِ، وَأَجَلُ الإِنْسَانِ هُوَ الوَقْتُ الَّذِي يَعْلَمُ اللهُ أَنَّهُ يَمُوتُ الحَيُّ فِيهِ - لَا مَحَالَةَ -، وَهُوَ وَقْتٌ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ مَوْتِهِ عَنْهُ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ - إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ -: إِنَّ المَقْتُولَ مَاتَ بِغَيْرِ أَجَلِهِ الَّذِي ضُرِبَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَحَيِيَ» (٢). قَالَ: «وَهَذَا غَلَطٌ؛ لأَنَّ المَقْتُولَ لَمْ يَمُتْ مِنْ أَجْلِ قَتْلِ غَيْرِهِ لَهُ؛ بَلْ مِنْ أَجْلِ مَا فَعَلَهُ اللهُ مِنْ إِزْهَاقِ نَفْسِهِ عِنْدَ الضَّرْبِ لَهُ» (٣). وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَصْحِيحُ الطِّبِّ وَالأَمْرُ بِالعِلَاجِ، وَأَنَّهُ ﵇ قَالَ: «تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلَّا خَلَقَ لَهُ دَوَاءً؛ إِلَّا السَّامَ (٤)، وَالسَّامُ: المَوْتُ» (٥)».

стр. 84

قَالَ: «فَاعْتَرَضَ قَوْمٌ، فَقَالُوا: قَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللهِ بِنِهَايَةِ أَجَلِ المَرْءِ وَمُدَّةِ صِحَّتِهِ وَشِدَّةِ سَقَمِهِ؛ فَأَيُّ مَعْنًى لِلْعِلَاجِ؟!». قَالَ: «فَقُلْنَا لَهُمْ: نَسْأَلُكُمْ هَذَا السُّؤَالَ نَفْسَهُ فِي جَمِيعِ مَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَاللِّبَاسِ لِلْمَطَرِ وَالبَرْدِ وَالحَرِّ، وَالسَّعْيِ بِالمَعَاشِ بِالحَرْثِ وَالغَرْسِ وَالقِيَامِ عَلَى المَاشِيَةِ وَالتَّحَرُّفِ بِالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ، وَنَقُولُ لَهُمْ: قَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللهِ - تَعَالَى - بِنِهَايَةِ أَجَلِ المَرْءِ وَمُدَّةِ صِحَّتِهِ وَمُدَّةِ سَقَمِهِ؛ فَأَيُّ مَعْنًى لِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا؟! فَلَا جَوَابَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ عِلْمَ اللهِ - تَعَالَى - أَيْضًا قَدْ سَبَقَ بِمَا يَكُونُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، وَبِأَنَّهَا أَسْبَابٌ إِلَى بُلُوغِ نِهَايَةِ العُمُرِ المَقُدَّرَةِ، فَنَقُولُ لَهُمْ: وَهَكَذَا الطِّبُّ؛ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى - أَنَّ هَذَا العَلِيلَ يَتَدَاوَى، وَأَنَّ تَدَاوِيَهُ سَبَبٌ إِلَى بُلُوغِ نِهَايَةِ أَجَلِهِ، فَالعِلَلُ مُقَدَّرَةٌ، وَالزَّمَانَةُ (١) مُقَدَّرَةٌ، وَالمَوْتُ مُقَدَّرٌ، وَالعِلَاجُ مُقَدَّرٌ، وَلَا مَرَدَّ لِحُكْمِ اللهِ - تَعَالَى -، وَنَافِذٌ عِلْمُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَهَذَا الكَسْبُ: مِنْهُ مَا لَيْسَ رِزْقًا، فَلَا يَصِلُ العَبْدُ إِلَيْهِ وَلَوْ جَهِدَ جَهْدَهُ أَوْ سَعَى لَهُ دَهْرَهُ، وَلَوْ صَارَ فِي يَدَيْهِ لَتَلِفَ، وَلَوْ صَارَ فِي فِيهِ لَسَقَطَ مِنْهُ، وَمِنْهُ: مَا هُوَ رِزْقٌ لِلإِنْسَانِ مَحْتُومٌ لَهُ؛ فَقَدْ يَأْتِيهِ بِلَا عَنَاءٍ، وَلَوْ رَامَ أَهْلُ الأَرْضِ صَرْفَهُ عَنْهُ مَا قَدِرُوا؛ فَقَدْ نَجِدُ الفُلْفُلَ (٢) بِبِلَادِ الهِنْدِ ثُمَّ يُسَخِّرُ اللهُ لَهُ مَنْ يَجْلِبُهُ (٣) إِلَى مَنْ

стр. 85

هُوَ مَكْتُوبٌ لَهُ بِأَقْصَى الأَنْدَلُسِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ» (١). وَقَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ نَفْعَ الدُّعَاءِ وَالأَمْرَ بِهِ وَدَفْعَهُ لِلْبَلَاءِ: «وَقَدِ اعْتَرَضَ قَوْمٌ بِأَنَّ المَدْعُوَّ بِهِ إِنْ كَانَ قَدْ قُدِّرَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ وُقُوعِهِ - دَعَا بِهِ العَبْدُ أَوْ لَمْ يَدْعُ -؛ لأَنَّ كُلَّ مُقَدَّرٍ كَائِنٌ - كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ الصَّرِيحَةُ وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ -، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَمْ يَقَعْ - سَأَلَهُ العَبْدُ أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ -، فَظَنَّتْ طَائِفَةٌ صِحَّةَ هَذَا الكَلَامِ، فَتَرَكَتِ الدُّعَاءَ، وَقَالُوا: لَا فَائِدَةَ فِيهِ» (٢). قَالَ: «وَهَؤُلَاءِ - مَعَ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ - مُتَنَاقِضُونَ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَهُمْ يُوجِبُ تَعْطِيلَ جَمِيعِ الأَسْبَابِ، فَيُقَالُ لأَحَدِهِمْ: إِنْ كَانَ الشِّبَعُ وَالرَّيُّ قَدْ قُدِّرَا لَكَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِمَا؛ أَكَلْتَ أَوْ لَمْ تَأْكُلْ؛ شَرِبْتَ أَوْ لَمْ تَشْرَبْ، فَلَا حَاجَةَ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَإِنْ كَانَ الوَلَدُ قَدْ قُدِّرَ لَكَ فَلَا بُدَّ مِنْهُ؛ وُطِئْتِ الزَّوْجَةُ وَالأَمَةُ أَوْ لَمْ تُوْطَأْ، وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا حَاجَةَ لِلتَّزْوِيجِ وَالتَّسَرِّي - وَهَلُمَّ جَرًّا -، فَهَلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ أَوْ آدَمِيٌّ؟! بَلِ الحَيَوَانُ البَهِيمُ مَفْطُورٌ عَلَى مُبَاشَرَةِ الأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا قِوَامُهُ وَحَيَاتُهُ، فَالحَيَوَانَاتُ أَعْقَلُ وَأَفْهَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ كَالأَنْعَامِ؛ بَلْ هُمْ أَضَلُّ

стр. 86

سَبِيلًا» (١). قَالَ: «وَعَلَى هَذَا: فَالدُّعَاءُ مِنْ أَقْوَى الأَسْبَابِ، فَإِذَا قُدِّرَ وُقُوعُ المَدْعُوِّ بِهِ بِالدُّعَاءِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: لَا فَائِدَةَ فِي الدُّعَاءِ كَمَا لَا يُقَالُ: لَا فَائِدَةَ فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَجَمِيعِ الحَرَكَاتِ وَالأَعْمَالِ» (٢). وَاعْلَمْ - أَيَّدَكَ اللهُ - أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَظُنُّهُ الإِنْسَانُ سَبَبًا يَكُونُ سَبَبًا، وَلَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ مُبَاحًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، فَالعَبْدُ يُؤْمَرُ بِالسَّبَبِ الَّذِي أَذِنَ اللهُ فِيهِ وَيَنْهَى عَنْ غَيْرِهِ، وَغَيْرُ المَقْدُورِ لِلْعَبْدِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الدُّعَاءُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ - تَعَالَى - (٣). وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا: مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ»، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: «لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» (٤). فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ مِنَ الأَسْبَابِ المَأْذُونِ فِيهَا لِجَلْبِ المَنْفَعَةِ وَدَفْعِ المَضَرَّةِ، وَلَكِنْ نُلْقِيهِ إِلَى مَا قُدِّرَ لَهُ، فَنُهِيَ عَنْهُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ (٥). وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ - زَوَجُ النَّبِيِّ ﷺ -: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي

стр. 87

مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ اللهُ شَيْئًا قَبْلَ أَجَلِهِ (١)، وَلَنْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ أَجَلِهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي القَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ» (٢). فَفِي هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ مَشْرُوعًا نَافِعًا فِي بَعْضِ الأَسْبَابِ دُونَ بَعْضٍ، فَالأَعْمَارُ المُقَدَّرَةُ لَمْ يُشْرَعِ الدُّعَاءُ بِتَغْيِيرِهَا، بِخِلَافِ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الدُّعَاءَ مَشْرُوعٌ لَهُ، نَافِعٌ فِيهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يَكْرَهُ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِطُولِ العُمُرِ، وَيَقُولُ: هَذَا فُرِغَ مِنْهُ (٣)، فَتَأَمَّلْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا (٤). (تَنْبِيهٌ): اعْلَمْ - أَيَّدَكَ اللهُ - أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا أَسْلَفْنَاهُ: أَنَّ حَاصِلَ مَا مَرَّ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ: أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي

стр. 88

كِتَابٍ﴾ (١) أَنَّ مَعْنَاهُ: كُلُّ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ أَوْ قَصُرَ فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الكِتَابِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ (٢) أَنَّ الأَجَلَ المُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ الأَجَلُ الَّذِي قَضَاهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (٣) عَلَى عُمُومِهِ، حَتَّى فِي الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ وَالأَجَلِ وَالرِّزْقِ وَالخَلْقِ وَالخُلُقِ، لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِ الكِتَابَةِ وَالعِلْمِ - كَمَا مَرَّ -؛ لأَنَّ مِنَ المُشَاهَدِ أَنَّ الشَّخْصَ يَكُونُ كَافِرًا - وَذَلِكَ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الحَوَادِثِ - ثُمَّ يُسْلِمُ، وَمُسْلِمًا ثُمَّ يَكْفُرُ، وَفَقِيرًا ثُمَّ يَسْتَغْنِي، وَعَكْسُهُ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَوَادِثُ، وَالحَوَادِثُ كُلُّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَبِالضَّرُورَةِ حَصَلَ المَحْوُ وَالإِثْبَاتُ، وَأَنَّ عِلْمَ اللِه - تَعَالَى - بِذَلِكَ أَزَلِيٌّ، لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ القَطْعِيَّةِ أَنَّ اللهَ عَالِمٌ بِالآجَالِ وَالأَرْزَاقِ - وَغَيْرِهَا -. وَحَقِيقَةُ العِلْمِ: مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمَ اللهُ أَنَّ زَيْدًا يَمُوتُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ اسْتَحَالَ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهَ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا يَتَغَيَّرُ عِلْمُهُ - تَعَالَى - بِذَلِكَ، وَإِنَّ المَعْلُومَ هُوَ الَّذِي يَتَغَيَّرُ وَيَتَبَدَّلُ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ المُشَاهَدَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْحُو شَيْئًا وَلَا

стр. 89

يُثْبِتُ شَيْئًا إِلَى مَا سَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ، وَأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ - وَنَحْوَهُ مِمَّا قُدِّرَ طُولُ العُمُرِ بِسَبَبِهِ - يَزِيدُ فِي الأَجَلِ فِي أَنَّ الدُّعَاءَ المُقَدَّرَ دَفْعُ البَلَاءِ بِهِ يَدْفَعُهُ (١). فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ غَايَةُ البَيَانَ، وَارْتَفَعَ بِهِ اللَّبْسُ وَالإِشْكَالُ، وَأَغْنَاكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الهَذَيَانِ - وَاللهُ أَعْلَمُ -. وَبِالجُمْلَةِ (٢): فَاعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللهُ - أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزيدُ فِي العُمُرِ بِشَرْطِهِ، وَأَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ وَتَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ وَالهَلَاكُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ دَلَّ العَقْلُ وَالنَّقْلُ وَالفِطْرَةُ وَتَجَارِبُ الأُمَمِ - عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَمِلَلِهَا وَنِحَلِهَا - عَلَى أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى رَبِّ الأَرْبَابِ وَطَلَبَ مَرْضَاتِهِ وَالإِحْسَانَ إِلَى خَلْقِهِ: مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ الجَالِبَةِ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَضْدَادَهَا مِنْ أَكْبَرِ الأَسْبَابِ الجَالِبَةِ لِكُلِّ شَرٍّ، فَمَا اسْتُجْلِبَتْ نِعَمُ اللهِ وَاسْتُدْفِعَتْ نِقْمُهُ بِمِثْلِ طَاعَتِهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ، وَقَدْ رَتَّبَ اللهُ - سُبْحَانَهُ - حُصُولَ الخَيْرَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَحُصُولَ الشُّرُورِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ عَلَى الأَعْمَالِ تَرَتُّبَ الجَزَاءِ عَلَى الشَّرْطِ وَالعِلَّةِ عَلَى المَعْلُولِ وَالمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، فَقَالَ - جَلَّ مِنْ قَائِلٍ -: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٣)، وَقَالَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ

стр. 90

سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١)، وَقَالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣). وَبِالجُمْلَةِ: فَالقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ صَرِيحٌ فِي تَرَتُّبِ الجَزَاءِ بِالخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الأَسْبَابِ؛ بَلْ أَحْكَامُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَصَالِحُهُمَا وَمَفَاسِدُهُمَا عَلَى الأَسْبَابِ وَالأَعْمَالِ (٤). وَمَنْ فَقِهَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَتَأَمَّلَهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ انْتَفَعَ بِهَا غَايَةَ النَّفْعِ، وَلَمْ يَتَّكِلْ عَلَى القَدَرِ جَهْلًا مِنْهُ وَعَجْزًا وَتَفْرِيطًا وَإِضَاعَةً - فَيَكُونُ تَوَكُلُّهُ عَجْزًا وَعَجْزُهُ تَوَكُّلًا -؛ بَلِ الفَقِيهُ - كُلُّ الفَقِيهِ - الَّذِي يَرُدُّ القَدَرَ بِالقَدَرِ وَيَدْفَعُ القَدَرَ بِالقَدَرِ وَيُعَارِضُ القَدَرَ بِالقَدَرِ؛ بَلْ لَا يُمْكِنُ الإِنْسَانُ أَنْ يَعِيشَ إِلَّا بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ الجُوعَ وَالعَطَشَ وَالبَرْدَ وَأَنْوَاعَ المَخَاوِفِ وَالمَحَاذِيرِ هِيَ مِنَ القَدَرِ، وَالخَلْقُ كُلُّهُمْ سَاعُونَ فِي دَفْعِ هَذَا القَدَرِ بِالقَدَرِ حَتَّى يَأْتِيَ القَضَاءُ المَحْتُومُ الَّذِي لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ وَلَا يُغَيِّرُهُ؛ بِخِلَافِ مَا قُضِيَ صَرْفُهُ بِالتَّوْبِةِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالحِفْظِ؛ فَفِي تَفْسِيرِ ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (٥)؛ أَيْ:

стр. 91

يَحْفَظُهَا مِنَ الآفَاتِ حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلَى القَدَرِ، قَالَ الفَرَّاءُ: «الحَافِظُ مِنَ اللهِ، يَحْفَظُهَا حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلَى المَقَادِيرِ»، وَقَالَهُ الكَلْبِيُّ (١). وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾ (٢)؛ يَعْنِي: المَلَائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِهِ لِحِفْظِهِ مِنَ الوُحُوشِ وَالهَوَامِّ (٣) وَالأَشْيَاءِ المُضِرَّةِ لُطْفًا مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (٤). وَنَقَلَ المَاوَرْدِيُّ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَوْتِ مَا لَمْ يَأْتِ أَجَلُهُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ وَالهَوَامِّ المُؤْذِيَةِ مَا يَأْتِ قَدَرٌ، قَالَهُ أَبُو أُمَامَةَ (٥) وَكَعْبُ الأَحْبَارِ، فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّوْا عَنْهُ (٦).

стр. 92

وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ (١): جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: احْتَرِسْ؛ فَإِنَّ نَاسًا يُرِيدُونَ قَتْلَكَ، فَقَالَ: إِنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلَيْنِ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدَرِ اللهِ، وَإِنَّ الأَجَلَ حِصْنٌ حَصِينٌ (٢). وَهَكَذَا مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ - تَعَالَى - وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ؛ يَدْفَعُ قَدَرَ العُقُوبَةِ الأُخَرْوِيَّةِ (٣) بِقَدَرِ التَّوْبَةِ وَالإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ فَهَذَا وِزَانُ (٤) القَدَرِ المَخُوفِ (٥) فِي الدُّنْيَا، وَمَا يُضَادُّهُ سَوَاءٌ، فَرَبُّ الدَّارَيْنِ وَاحِدٌ وَحِكْمَتُهُ وَاحِدَةٌ، لَا يُنَاقِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَا يُبْطِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ مِنْ أَشْرَفِ المَسَائِلِ لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَهَا وَرَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا؛ فَإِنَّ الأَعْمَالَ

стр. 93

الصَّالِحَةَ تَنْفَعُ فِي الآخِرَةِ - بِإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ -، وَإِنَّ الكُفْرَ مُحَرِّمٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ - بِنَصِّ القُرْآنِ -، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ وَالدُّعَاءَ يَدْفَعُ البَلَاءَ المُقَدَّرَ دَفْعُهُ بِهِ، وَيَحْصُلُ بِهِ المَحْوُ وَالإِثْبَاتُ المُقَدَّرَانِ بِهِ؛ فَقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ - وَغَيْرُهُ - قَالَ: بَيْنَمَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَوْمًا جَالِسٌ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا يَحْيَى! ادْعُ لامْرَأَةٍ حُبْلَى مُنْذُ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدْ أَصْبَحَتْ فِي كَرْبٍ شَدِيدٍ، فَغَضِبَ مَالِكٌ، وَأَطْبَقَ المُصْحَفَ، ثُمَّ قَالَ: مَا يَرَى هَؤُلَاءِ القَوْمُ إِلَّا أَنَّا أَنْبِيَاءُ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ المَرْأَةُ إِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا رِيحٌ فَأَخْرِجْهُ السَّاعَةَ، وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا جَارِيَةٌ فَأَبْدِلْهَا بِهَا غُلَامًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ، ثُمَّ رَفَعَ مَالِكٌ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ، وَجَاءَ الرَّسُولُ إِلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: أَدْرِكِ امْرَأَتَكَ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَمَا حَطَّ مَالِكٌ يَدَهُ حَتَّى طَلَعَ الرَّجُلُ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ عَلَى رَقَبَتِهِ غُلَامٌ جَعْدٌ (١)، ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ، قَدِ اسْتَوَتْ أَسْنَانُهُ (٢). فَهَذَا دُعَاءُ مَالِكٍ قَدْ كَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ ظَاهِرًا، كَمَا أَنَّ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَعَدَمَ ذَبْحِ الحَيَوَانِ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي الحَيَاةِ، وَالسَّبَبُ وَالمُسَبَّبُ كُلُّ ذَلِكَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ وَتَقْدِيرِهِ كَمَا هُوَ؛ لَا يُبَدَّلُ، وَلَا يَكُونُ الْبَتَّةَ إِلَّا مَا سَبَقَ فِي

стр. 94

عِلْمِهِ وَتَقْدِيرِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَاعْلَمْ - أَيَّدَكَ اللهُ - كَمَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (١): أَنَّ أَهْلَ المِلَلِ كُلَّهُمْ (٢) مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللهَ يُثِيبُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُعَاقِبُ عَلَى المَعَاصِي. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ وَالحَقِيقَةِ وَالفَنَاءِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ مُرَادٌ؛ بَلْ يُرِيدُونَ مَا يُرِيدُ الحَقُّ - تَعَالَى -، فَقَالُوا: إِنَّ الكَمَالَ أَنْ تَفْنَى عَنْ إِرَادَتِكَ وَتَبْقَى مَعَ إِرَادَةِ رَبِّكَ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّبِّ سَوَاءٌ، فَلَا يَسْتَحْسِنُونَ حَسَنَةً وَلَا يَسْتَقْبِحُونَ سَيِّئَةً. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، مُحَرَّمٌ شَرْعًا، وَلَيْسَتِ الطَّاعَاتُ عِنْدَهُمْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ، وَلَا المَعَاصِي سَبَبًا لِلْعِقَابِ، وَالعَارِفُ عِنْدَهُمْ مَنْ يَكُونُ مُشَاهِدًا سَبْقَ الحَقِّ بِحُكْمِهِ وَعِلْمِهِ؛ أَيْ: يَشْهَدُ أَنَّهُ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ وَحَكَمَ بِهِ؛ أَيْ: أَرَادَهُ وَقَضَاهُ وَكَتَبَهُ. وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا المَذْهَبِ يَتْرُكُونَ الأَسْبَابَ الدُّنْيَوِيَّةَ، وَيَجْعَلُونَ وُجُودَ السَّبَبِ كَعَدَمِهِ، وَمِنْهُمْ قَوْمٌ زَنَادِقَةٌ؛ يَتْرُكُونَ الأَسْبَابَ الأُخْرَوِيَّةَ، فَيَقُولُونَ: إِنْ سَبَقَ العِلْمُ وَالحُكْمُ أَنَّا سُعَدَاءُ فَنَحْنُ سُعَدَاءُ، وَإِنْ سَبَقَ أَنَّا أَشْقِيَاءُ فَنَحْنُ أَشْقِيَاءُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي العَمَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ العَمَلَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الأَصْلِ الفَاسِدِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الأَصْلَ الفَاسِدَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

стр. 95

وَأَئِمَّةِ الدِّينِ، وَمُخَالِفٌ لِصَرِيحِ المَعْقُولِ، وَمُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالمُشَاهَدَةِ، وَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِسْقَاطِ الأَسْبَابِ نَظَرًا إِلَى القَضَاءِ وَالقَدَرِ، فَرَدَّ ﵇ ذَلِكَ؛ كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا نَدَعُ العَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى الكِتَابِ؟! فَقَالَ: «لَا؛ اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (١)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآيَاتِ. وَفِي «السُّنَنِ» أَنَّهُ ﵇ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ ﵇: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ - تَعَالَى -» (٢). فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - جَعَلَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ أَسْبَابًا، وَأَنَّهُ هُوَ مُسَبِّبُ الأَسْبَابِ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِسَبَبٍ، لَكِنَّ الأَسْبَابَ - كَمَا قَالَ فِيهَا الغَزَالِيُّ وَابْنُ الجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمَا -: الالْتِفَاتُ إِلَى الأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَالإِعْرَاضُ عَنِ الأَسْبَابِ بِالكُلِّيَّةِ قَدْحٌ في الشَّرْعِ، وَالتَّوَكُّلُ مَعْنًى يَلْتَئِمُ مِنْ مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالعَقْلِ وَالشَّرْعِ؛ فَالمُؤْمِنُ المُتَوَكِّلُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى الأَسْبَابِ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا وَلَا يَثِقُ بِهَا، وَلَا

стр. 96

يَرْجُوهَا، وَلَا يَخَافُهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الوُجُودِ سَبَبٌ يَسْتَقِلُّ بِحُكْمٍ؛ بَلْ كُلُّ سَبَبٍ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى أُمُورٍ أُخَرَ تُضَمُّ إِلَيْهِ - كَالإِخْلَاصِ وَالقَبُولِ مَثَلًا -، وَلَهُ مَوَانِعُ وَعَوَائِقُ تَمْنَعُ مُوجِبَهُ، وَمَا ثَمَّ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ إِلَّا مَشِيئَةَ اللهِ وَحْدَهُ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَحُكْمُهُ فَهُوَ حَقٌّ، وَقَدْ عَلِمَ وَحَكَمَ أَنَّ الشَّيْءَ الفُلَانِيَّ يَقَعُ بِالسَّبَبِ الفُلَانِيِّ. خَاتِمَةٌ: اعْلَمْ يَا أَخِي - وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ القَدَرَ عِبَارَةٌ عَنْ سَبْقِ عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى - بِالمَقْدُورِ، وَمَا عَلِمَهُ اللهُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَخَلُّفِهِ قَطْعًا - كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَتَقْرِيرُهُ -، وَالقَضَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ اللهِ - تَعَالَى - لِذَلِكَ المَقْدُورِ، وَقَدْ أُمِرْتَ أَنْ تُدَافِعَ القَدَرَ بِالقَدَرِ، وَتَفِرَّ مِنَ القَدَرِ إِلَى القَدَرِ، فَإِذَا وَقَعَ فَعَلَى كُلِّ عَاقِلٍ حُرٍّ التَّسْلِيمُ وَالصَّبْرُ وَإِلَّا أَثِمَ وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ، فَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ وَهُوَ بِالحَالِ أَعْلَمُ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: أَوَّلُ شَيْءٍ كَتَبَهُ اللهُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: إِنِّي أَنَا اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مُحَمَّدٌ رَسُولِي، مَنِ اسْتَسْلَمَ لِقَضَائِي وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِي وَشَكَرَ نَعْمَائِي (١)؛ كَتَبْتُهُ صِدِّيقًا وَبَعَثْتُهُ مَعَ الصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِقَضَائِي وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَلَمْ يَشْكُرْ نَعْمَائِي؛ فَلْيَتَّخِذْ إِلَهًا سِوَايَ (٢).

стр. 97

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ (١): «اتَّفَقَ العُقَلَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْشِ مَعَ القَدَرِ لَمْ يَتَهَنَّ بِعَيْشٍ» (٢). وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَا قُضِيَ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ قَلَّ حُزْنُهُ (٣). عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟! (٤). وَقَالَ - أَيْضًا -: مَنْ تَأَمَّلْ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ رَأَى الابْتِلَاءَ عَامًّا وَالأَغرَاضَ مُنْعَكِسَةً، وَعَلَى هَذَا وَضْعُ هَذِهِ الدَّارِ (٥). فَالعَجَبُ مِمَّنْ يَدُهُ فِي سَلَّةِ الأَفَاعِي كَيْفَ يُنْكِرُ اللَّسْعَ؟! وَأَعْجَبَ مِنْهُ مَنْ

стр. 98

يَطْلُبُ مِنَ المَطْبُوعِ عَلَى الضُّرِّ (١) النَّفْعَ؟! (٢) وَقَدْ قِيلَ: وَمَا اسْتَغْرَبَتْ عَيْنِي فِرَاقًا رَأَيْتُهُ … وَلَا عَلَّمَتْنِي غَيْرَ مَا أَنَا عَالِمُهُ (٣) وَفِي هَذَا القَدَرِ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَدَبَرَهُ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ - وَاللهُ أَعْلَمُ -. ************** قَالَ مُؤَلِّفُهُ - سَامَحَهُ اللهُ تَعَالَى وَعَفَا عَنْهُ -: فَرَغْتُ مِنْهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ - بَعْدَ العِشَاءِ - الآخِرَةِ فِي العِشْرِينَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ بَعْدَ أَلْفٍ، وَذَلِكَ بِمَحْرُوسَةِ مِصْرَ، بِجِوَارِ المَشْهَدِ الحُسَيْنِيِّ (٤). وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.