← Акыда

Акыда · id 96272

الولاء والبراء في الإسلام - البركاتي

أبو عاصم البركاتي

Полный текст (76 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الولاء والبراء في الإسلام سؤال وجواب أعده أبو عاصم البركاتي المصري

стр. 2

بسم الله الرحمن الحيم كل الحقوق محفوظة إلا لمن أراد طبعه وتوزيعه مجانا الطبعة الأولى دار الدعوة الإسلامية ١٤٣٣ هـ ـ ٢٠١٢ م

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،،،،،،،،،، وبعد: فهذا مبحث الولاء والبراء؛ أعددته في صورة سؤال وجواب تسهيلًا لقارئه؛ وترغيبًا لدارسه؛ وتشويقًا لسامعه وشارحه؛ وأرجو من الله له الانتشار والقبول، وهو سبحانه خير مسئول؛ أن يجعله لوجهه خالصًا؛ وأن يكتبه لي عملًا صالحًا؛ وأن يعطني به أجرًا وأن يحطط عني به وزرًا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. أبو عاصم البركاتي المصري هاتف/ ٠١٠٦٤٧٦٣١٩٥ ٢٠ من جمادى الأول ١٤٣٣ هـ ١٢/ ٤ / ٢٠١٢ م

стр. 4

س: ما معنى الولاء ؟ ج: الولاء لغةً: الوَلْيُ في اللغة هو القُرْب، ويأتي بمعنى الحُب والنُّصْرة في الولاء. والولاء شرعًا: حُبُّ الله تعالى ورسوله ودين الإسلام وأتباعِه المسلمين، ونُصْرةُ الله تعالى ورسولِه ودينِ الإسلام وأتباعِه المسلمين. ***** س: ما معنى البراء ؟ ج: البراء لغةً: البَرَاءُ: مصدر بَرِئتُ، وهو من الفعل بَرِئ؛ وله معنيان أصليان. (١) بَرِئ بمعنى: تَنَزَّهَ وتباعَدَ مع البغض والعداوة. (٢) بمعنى الخَلْقُ، ومنه اسمه تعالى (البارئ). والبراء شرعًا: بُغْضُ الطواغيت التي تُعبَدُ من دون الله تعالى (من الأصنام الماديّة والمعنويّة: كالأهواء والآراء)، وبُغْضُ الكفر (بجميع ملله) وأتباعِه الكافرين، ومعاداة ذلك كُلِّه. *****

стр. 5

س: اذكر أدلة الولاء من القرآن ؟ ج: كثيرة ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة ٥٥ - ٥٦). وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١). ***** س: اذكر أدلة الولاء من السنة ؟ ج: من ذلك قوله ﷺ : «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفهم مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تَدَاعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى» (١). وقال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بَعْضُه بعضًا» (٢). وقال ﷺ : «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يُسْلِمُه» (٣). وقال ﷺ : «لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ» (٤). *****

стр. 6

س: اذكر أدلة البراء من القرآن ؟ ج: من ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (آل عمران ٢٨). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (الممتحنة: ١). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ الزخرف. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ الممتحنة. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: ٢٢). وغير ذلك كثير. *****

стр. 7

س: هل يُتَبَرَأُ من المسلم لمعصيته ؟ ج: لا يُتَبَرَأ من المسلم إذا كانت معصيته غير مكفرة؛ وإنما يتبرأ من المعصية التي هو عليها؛ ويناصح ويدعى بالتي هي أحسن، وبعض الناس يكره المؤمن العاصي أكثر مما يكره الكافر، وهذا من العجب وهو قلب للحقائق، فالكافر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين ويجب علينا أن نكرهه من كل قلوبنا؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. وقال تعالى فيمن قتل مؤمناً عمداً: ﴿فمن عُفِيَ له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾. فجعل الله القاتل عمداً أخاً للمقتول مع أن القتل ـ قتل المؤمن عمداً ـ من أعظم الكبائر؛ وقوله تعالى في الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾. إلى قوله: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾. فلم يخرج الله الطائفتين المقتتلتين من الإيمان ولا من الأخوة الإيمانية. ومما يؤكد على ما قلناه ما رواه البخاري بسنده في صحيحه عنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ، فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (١). *****

стр. 8

س: ما حكم هجر المسلم العاصي ؟ ج: يجوز هجر المسلم المجاهر بالمعصية بل قد يجب زجرًا له حتى يقلع عن ذنبه وذلك إذا نُصِحَ فلم ينتصح؛ وأما إن كانت معصيته داخلة في البدع والمحدثات فيناصح؛ فإن كانت الطرق إلي إقناعه منقطعة، وبات مصرًا علي بدعته، فالواجب عندئذ هجره، والتحذير منه ومن بدعته، حتى لا يغتر الناس بما يدعو إليه من البدعة. قال ابن قدامة المقدسي ﵀: ومن السنة هجران أهل البدع ومباينتهم وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلي كلامهم. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ تعليقًا علي كلام ابن قدامة: وهجران أهل البدع واجب لقوله تعالي: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة: ٢٢) ولأن النبي صلي الله عليه وسلم هجر كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك (١). ولا يتقيد في هجر أهل البدع بحديث: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" لأن هجر أهل البدع يجوز علي التأبيد، طالما هم مصرون علي البدعة وقائمون عليها، وذلك مستفاد من هجر النبي وأصحابه لكعب بن مالك وصاحبيه ﵃. وعلي هذا فعل السلف الأوائل ومن تبعهم بإحسان، فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يأمر بهجر صبيغ بن عسل العراقي لما وجده يسأل عن مشكلات القرآن، وذلك بعد أن أدبه بضرب ظهره برطائب من جريد (٢). *****

стр. 9

س: ما منزلة الولاء والبراء في الإسلام ؟ ج: الولاء والبراء من لوازم " لا إله إلا الله" وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة. أما الكتاب فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ (البقرة: ٢٥٦). وقال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: ٢٨). ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْاْ فإن اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ٣١ - ٣٢). ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ (المائدة: ٥٤). وقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح:٢٩). ويبين ذلك من السنة قوله ﷺ : "إِنَّ أَوْسَطَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ" أخرجه أحمد (١٨٥٢٤). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ» متفق عليه.

стр. 10

وقوله ﷺ : " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وذكر منهم: وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ "متفق عليه. وروى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ بايعه على أن " تَنْصَحُ لِلْمُسْلِمِ، وَتَبْرَأُ مِنَ الْكَافِرِ " (١). وفي صحيح مسلم قوله ﷺ : «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (٢)». وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ (٣)». وفي الصحيحين أيضًا عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ (٤)». *****

стр. 11

س: ما مظاهر موالاة المؤمنين ؟ ج: مظاهر مولاة المؤمنين كثيرة ومن ذلك: (١) الهجرة إلى بلاد المسلمين، وهجر بلاد الكفار. (٢) مناصرة المؤمنين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان والقلم، وبكل ما يحتاجون إليه. قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (الأنفال:٧٢). ٣) التألم لألمهم، والسرور لسرورهم. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» متفق عليه. (٤) النصح لهم ومحبة الخير لهم، وعدم غشهم؛ قال ﷺ قَالَ: «لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ» متفق عليه من حديث أنس ﵁. (٥) احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ .. الآية (٦) زيارتهم، ومحبة الالتقاء بهم، ففي الحديث القدسي: "قَالَ اللَّهُ : وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ (١) ". (٧) أن يكون معهم في حال يسرهم وعسرهم، ومنشطهم ومكرههم، واحترام حقوقهم، والاستغفار لذنوبهم؛ قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (محمد:١٩). *****

стр. 12

س: ما مظاهر موالاة الكافرين ؟ ج: قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ما ملخصه: (١) من مظاهر موالاة الكفار التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما، قال النبيّ ﷺ "من تشبه بقوم فهو منهم". فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعباداتهم وسمعتهم وأخلاقهم كحلق اللحى وإطالة الشوارب والرطانة بلغتهم إلاّ عند الحاجة. (٢) من مظاهر موالاة الكفار الإقامة في بلادهم قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (النساء:٩٧ - ٩٩). فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلاّ المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة؛ وكذا من كان في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم. (٣) ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين ومدحهم والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة نعوذ بالله من ذلك. (٤) ومن مظاهر موالاة الكفار الاستعانة بهم والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين واتخاذهم بطانة ومستشارين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (آل عمران: ١١٨ - ١٢٠).

стр. 13

وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: لي كاتب نصراني. قال: مالك قاتلك الله. أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ألا اتخذت حنيفًا، قال: قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله. وروى الإمام أحمد ومسلم أن النبيّ ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك، قال: "تؤمن بالله ورسوله"؟ قال لا - قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك". (٥) ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتاريخهم - خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح ﵇، والذي ابتدعوه من أنفسهم وليس هو من دين المسيح ﵇ فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم، ولتجنب هذا لما أراد الصحابة ﵃ وضع تاريخ للمسلمين في عهد عمر ﵁ عدلوا عن تواريخ الكفار وأرخوا بهجرة الرسول ﷺ مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم - والله المستعان.

стр. 14

(٦) ومن مظاهر موالاة الكفار مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها - وقد فسر قوله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار. (٧) ومن مظاهر موالاة الكفار مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية، بل ذلك مطلوب قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وهذه المنافع والأسرار الكونية هي في الأصل للمسلمين قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات ولا يستجدون الكفار في الحصول عليها، يجب أن يكون لهم مصانع وتقنيات.

стр. 15

(٨) ومن مظاهر موالاة الكفار التسمي بأسمائهم - بحيث يسمون أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم وقد قال النبيّ ﷺ : "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن". وبسبب تغيير الأسماء فقد وجد جيل يحمل أسماء غربية، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة. (٩) من مظاهر موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه (١). انتهى (١٠) "محبة الكفار وتعظيمهم ونصرتهم على حرب أولياء الله، وتنحية شريعة الله عن الحكم في الأرض ورميها بالقصور والجمود وعدم مسايرة العصر ومواكبة التقدم الحضاري. (١١) ومنها: استيراد القوانين الكافرة - شرقية كانت أم غربية - وإحلالها محل شريعة الله الغراء وغمز كل مسلم يطالب بشرع الله بـ: التعصب والرجعية والتخلف! (١٢) ومنها: التشكيك في سنة رسول الله ﷺ والطعن في دواوينها الكريمة والحط من قدر أولئك الرجال الأعلام الذين خدموا هذه السنة حتى وصلت إلينا. (١٣) قيام دعوات جاهلية جديدة تعتبر جديدة في حياة المسلمين، ذلك مثل دعوة القومية الطورانية والقومية العربية والقومية الهندية و .. و ... الخ" (٢). *****

стр. 16

س: ما حكم موالاة الكفار ؟ ج: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة: حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.

стр. 17

ولا ينبغي أبداً أن يثق المؤمن بغير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح فإن الله تعالى يقول عنهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، ويقول سبحانه لنبيه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، والواجب على المؤمن أن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه، وألا تأخذه فيه لومة لائم، وألا يخاف من أعدائه فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، والله الموفق (١). *****

стр. 18

س: هل يمكن أن يرضى اليهود والنصارى عن المسلمين ؟ ج: يكفي في الرد على هذا السؤال قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: ١٢٠). قال ابنُ جرير ما ملخصه: "ليستِ اليهود - يا محمَّد - ولا النَّصارى براضيةٍ عنك أبدًا، فدعْ طلب ما يُرضيهم ويُوافقهم، وأقبِلْ على طلَب رِضا الله في دعائِهم إلى ما بعثَك الله به من الحقّ، فإنَّ الَّذي تدْعوهم إليه من ذلك لَهو السَّبيل إلى الاجتِماع فيه معك على الأُلْفة والدين القيِّم، ولا سبيلَ لك إلى إرضائِهم باتِّباع ملَّتهم؛ لأنَّ اليهوديَّة ضدّ النَّصرانيَّة، والنَّصرانيَّة ضد اليهودية، ولا تجتمع النَّصرانيَّة واليهوديَّة في شخص واحد، ولن يَجتمع فيك دينان متضادَّان في حال واحدة، وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل، فالزم هُدى الله الَّذي لجمع الخلْق إلى الأُلفة عليه سبيل" (١). وذكر الشيخ ابن عُثيمين ﵀ في تفسيره فوائد للآية الكريمة (٢): أوَّلاً: بيان عناد اليهود والنَّصارى؛ فإنَّهم لن يرضَوا عن أحدٍ مهْما تألَّفهم وبالَغ في ذلك حتَّى يتَّبع ملَّتهم. ثانيًا: الحذر من اليهود والنَّصارى، فإنَّ مَن تألَّفهم وقدَّم لهم تنازُلات، فإنَّهم سيطلبون المزيد، ولن يرضَوا عنه إلاَّ باتّباع ملَّتهم. ثالثًا: أنَّ الكفَّار من اليهود والنَّصارى يتمنَّون أنَّ المسلمين يكونون مثلهم في الكُفر؛ حسدًا لهم؛ قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ (البقرة: ١٠٩)، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (النساء: ٨٩).

стр. 19

رابعًا: استدلَّ كثيرٌ من الفقهاء بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ - حيث أفرد الملَّة - على أنَّ الكفر ملَّة واحدة، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ٦)، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفَّار، وكل منهم يرث قريبَه، سواء كان من أهل دينِه أم لا؛ لأنَّهم كلهم ملَّة واحدة. خامسًا: أنَّ ما علَيْه اليهود والنَّصارى ليس دينًا، بل هو هوى؛ لقوله تعالى: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾، ولَم يقُل: ملَّتهم، كما في أوَّل الآية، ففي الأوَّل ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾؛ لأنَّهم يعتقدون أنَّهم على ملَّة ودين، ولكن بيَّن الله - تعالى - أنَّ هذا ليس بدين ولا ملَّة؛ بل هوى، وليْسوا على هدى؛ إذ لو كانوا على هُدًى لوَجب على اليهود أن يُؤمِنوا بالمسيح عيسى ابن مريم، ولوجب عليْهم جميعًا أن يُؤمنوا بمحمَّد ﷺ . سادسًا: أنَّ العقوبات إنَّما تقع على العبد بعد أن يأْتيه العلم، وأمَّا الجاهل فلا عقوبةَ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (البقرة: ١٢٠)، وهذا الأصل يشهد له آيات متعدِّدة؛ منها قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (الأحزاب: ٥). سابعًا: أنَّ منِ اتَّبع الهوى بعد العلم فهو أشدُّ ضلالة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (البقرة: ١٢٠) ثامنًا: الرَّد على أهل الكفْر بهذه الكلمة ﴿هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، والمعنى: إنْ كان معكم هدى الله، فأنتم مهتدون، وإلاَّ فأنتُم ضالُّون.

стр. 20

تاسعًا: أنَّ البدَع ضلالة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤)، فليس بعد الهدى إلاَّ الضَّلال، ولقول النَّبي ﷺ : "كلّ بدعة ضلالة". عاشرًا: أنَّ ما جاء إلى الرَّسول ﷺ سواء كان القرآن أم السنَّة، فهو علم، فالنَّبي ﷺ كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب؛ كما قال الله لنبيِّه ﷺ : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (العنكبوت: ٤٨)، ولكنَّ الله تعالى أنزل عليه هذا الكتاب، حتَّى صار بذلك نبيًّا جاء بالعلم النَّافع، والعمل الصَّالح؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٣). الحادي عشر: أنَّه لا أحد يَمنع ما أراد الله من خيرٍ أو شرٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: ١٢٠)، روى البخاري ومسلم من حديث المُغيرة بن شُعبة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "اللَّهُمَّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعْطِيَ لِما منعتَ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"؛ أي: لا ينفع ذا الجد - أي: الحظّ والغنى - حظُّه وغناه من الله، فاللَّه مُحيطٌ بكلِّ شيء، وقادرٌ على كل شيء، ولا ينفع العبدَ إلاَّ عملُه الصَّالح.

стр. 21

الثَّاني عشر: أنَّ هذا التَّحذير في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ موجَّه إلى رسول الله ﷺ فكيف بمَن دونه؟! فإنَّ هذا التَّحذير يشمله وأوْلى؛ قال تعالى لنبيِّه ﷺ ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ (الإسراء: ٧٤، ٧٥). الثالث عشر: أنَّ ما عليه اليهود والنصارى من دينٍ باطل منسوخٌ بشريعة الإسْلام؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، وهو الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥)، روى مسلم في صحيحه من حديث أبِي هُرَيرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "والَّذي نفسُ محمَّد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمَّة؛ يهودي ولا نصراني، ثمَّ يَموت ولم يؤْمِن بالَّذي أُرْسِلت به، إلاَّ كان من أصحاب النَّار"، حتَّى عيسى ﵇ عندما ينزل في آخر الزمان لا يأْتِي بشرع جديد، بل يحكم بشريعة الإسلام، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "والَّذي نفسي بيده، ليوشكَنَّ أن ينزل فيكم ابنُ مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصَّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجِزْية، ويفيض المال حتَّى لا يقبله أحد، وحتَّى تكون السَّجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها"، ثمَّ يقول أبو هريرة: "اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٥٩) انتهى. ******

стр. 22

س: ثانياً المانعون من الاستدلال بدلالة الاقتران: ج: موالاة صغرى وموالاة كبرى. الموالاة الصغرى لا تخرج عن الإسلام، والموالاة الكبرى تخرج عن الإسلام والعياذ بالله. ***** س: ما هي الموالاة الصغرى وما صورها ؟ ج: الموالاة الصغرى التي لا تخرج صاحبها من الملة، وهي محرمة؛ ومن صورها التعصب للكافر لأنه من أبناء الوطن؛ أو الحزب أو لشراكة في مال أو تجارة؛ يعني من أجل مصلحةٍ دنيوية، وموالاته في تلك المصلحة، مع بغضه ديانةً؛ قال ابن تيمية في الفتاوى (٧/ ٥٢٣): قد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً. اهـ. ***** س: ما هي الموالاة الكبرى وما صورها ؟ ج: موالاةٌ كفرية، وهي مودة الكفار من أجل دينهم، ومحبتهم بالقلب ديانةً، وقد يتمنى نصرتهم على المسلمين، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: ٥١). *****

стр. 23

س: هل تجوز الموالاة في بعض المواضع للكفار ؟ ج: تجوز عند الضرورة والإكراه؛ وهي إظهار الموالاة باللسان عند الضرورة وعند خوف الفتنة من الكفار؛ كما قال الله : ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (آل عمران: ٢٨)؛ ولقوله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: ١٠٦). وسبب ذلك قصة عمار، عندما أرغمه الكفار على النيل من النبي ﷺ ؛ فنال منه تحت التهديد وتحت الخطر؛ فجاء يبكي وخشي على نفسه الردة؛ فقال له النبي ﷺ : "إن عادوا فعُدْ" (١). ***** س: ما حكم التجسس للكفار على المسلمين ؟ ج: التجسس على المسلمين لمصلحة الكفار حرام: فهو خيانة للدّين، ومحاربة للمسلمين، ومعاونة لأهل الشرك والكفر عليهم، وكلها كبائر عظيمة، وتصل للردّة إذا صدرت من المسلم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: ٢٧). وهي من نواقض العهود والمواثيق إذا صدرت من المعاهدين وأهل الذمة، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (التوبة: ٤).

стр. 24

وقد حذر الله من ألئك؛ فقال -تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (التوبة: ٤٧). قال مجاهد ﵀ في قوله -تعالى-: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ وفيكم مخبرون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم وهو الجواسيس (١). وقد تحدث الفقهاء عن عقوبة الجاسوس مسلمًا كان أو كافرًا، فقالت المالكية والحنابلة وغيرهم: يقتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم قتله، وإنما يعاقب تعزيرًا، إلا إن تظاهر على الإسلام فيقتل، أو ترتب على جاسوسيته قتل، ومثله الذمي. وإن كان كافرًا يقتل في حال الحرب، وكذلك في حال السلم إن كان هناك عهد لأنّه نقض للعهد. وقد ورد في السنة النبوية: ما يدل على قتل الجاسوس مطلقا، فعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: " أُتي النبي ﷺ عينٌ من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه، ثم انسل، فقال ﷺ : "اطلبوه فاقتلوه" قال: فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه، فنفلني إياه" رواه البخاري وأبو داود. *****

стр. 25

س: هل هناك أمور مشروعة يظن أنها من الموالاة وليست كذلك ؟ ج: ما يُظنَّ أنه موالاة وليس بموالاة؛ كالتعامل مع الكفار بتجارةٍ أو إجارةٍ أو عاريةٍ أو رهنٍ أو بيعٍ أو شراءٍ أو نحو ذلك. وكذا التخلق بالأخلاق الطيبة معهم لعل الله أن يهديهم للدين أو بذل الهدية لهم فإن عمر ﵁ أهدى لأخ له قبل أن يُسلِمْ ثوبًا أهداه له النبي ﷺ ، وابن عمر ﵁ كانوا إذا وُجِدَ عندهم لحمٌ أو ذبيحةٌ قال: "أأطعمتم جارنا اليهودي؟ " ونحو ذلك، وكذلك قبول هديةٍ منهم؛ فالنبي ﷺ قَبِلَ ماريةً ﵂ هديةً من المقوقس عظيم الأقباط، ولا يعدُ هذا موالاة، ورهن درعه عند يهودي في صاعٍ من شعير، وعلي ﵁ أجَّرَ نفسه ليهوديةٍ فنتح لها ستة عشر دلوًا، كل دلوٍ بتمرة، والنبي ﷺ قد عاقد اليهود وعاهدهم على أن يشاركوا مع المسلمين في قتال بقية الكفار والمشركين، وعقد معهم عهدًا، وعقد عهدًا مع خُزَاعة، وأحيانًا عقد عهودًا فيها حيفٌ على المسلمين في الظاهر؛ ولكن العاقبة للمتقين، كما حدث في صلح الحديبية، ولم يقل أحدٌ أن هذا التعامل نوعٌ من المودة والموالاة. والنبي ﷺ قال: " أَمَّا وَاللهِ لاَ يَدْعُونِي الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ، يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرْمَةً، وَلاَ يَدْعُونِي فِيهَا إِلَى صِلَةٍ إِلاَّ أَجَبْتُهُمْ إِلَيْهَا (١) ". كذلك في مسألة الوفاء بالعهد؛ حذيفة ﵁ لما أسره المشركون هو وأبوه -مشركو قريش -، فطلبوا منهم أن يخلُّوا سبيلهم، قالوا بشرط: أن تذهبوا إلى المدينة - أو إلى يثرب كما يقولون- ولا تذهبوا إلى محمد وأصحابه في بدر، ﷺ ، فأعطوهم العهد على أن يذهبوا إلى المدينة ولا يذهبوا إلى بدرٍ إلى القتال، فجاء حذيفةُ وأبوه إلى النبي ﷺ ، فأخبروه الخبر، مع حاجة النبي

стр. 26

صلى الله عليه وسلم إلى المقاتلين، مع كثرة عدد الكفار، وقلَّةِ عدد المسلمين؛ فقال لحذيفة وأبيه: "نَفِى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ (١) ". والنبي ﷺ مرض جاره اليهودي، غلامٌ من جيرانه من اليهود، فذهب النبي ﷺ يعوده، يزوره؛ فقال له: "قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" فنظر اليهودي الغلام إلى أبيه، فقال له: "أطع أبا القاسم". فقال: "أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"؛ فقال النبي ﷺ : "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار"أخرجه مسلم. والنبي ﷺ أذِنَ لأسماء بنت أبي بكر أن تصل أمها لما جاءتها، وأمرنا الله ببر الوالدين ولو كانا كافرين أو مشركين. ***** س: ما معنى " البر " في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ (الممتحنة: ٨). ج: قال العلامة السعدي في تفسيره: أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة؛ كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢) انتهى. *****

стр. 27

س: ما حكم اتخاذ الكافر صَدِيقًا ؟ ج: نهى الله تعالى ذكره عن اتخاذ الكافرين بطانة وأصدقاء وأولياء؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: ١١٨ - ١٢٠). وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: ٢٨). قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٤١): ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. انتهى ***** س: ما حكم وصف الكافر بأنه أخ؛ وذلك مثل قول إخواننا الأقباط أو إخواننا النصارى وما شابه؟ ج: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لا يحل للمسلم أن يصف الكافر-أيا كان نوع كفره؛ سواء كان نصرانيا، أم يهوديًا، أم مجوسيًا، أم ملحدًا- لا يجوز له أن يصفه بالأخ أبدا، فاحذر يا أخي مثل هذا التعبير، فإنه لا أخوة بين المسلمين وبين

стр. 28

الكفار أبدا، الأخوة هي الأخوة الإيمانية كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وإذا كانت قرابة النسب تنتفي باختلاف الدين، فكيف تثبت الأخوة مع اختلاف الدين وعدم القرابة؟!! قال الله عن نوح وابنه لما قال نوح ﵊: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. فلا أخوة بين المؤمن والكافر أبدا، بل الواجب على المؤمن ألا يتخذ الكافر وليا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. فمن هم أعداء الله؟ أعداء الله هم الكافرون، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) انتهى. ***** س: ما حكم وصف النصارى بالمسيحيين ؟ ج: لا يجوز ذلك لأن ذلك يعني أنهم أتباع المسيح ﵇ وليسوا كذلك؛ بل كذبوا على الله تعالى وعلى المسيح ﵇ فزعموا أن المسيح هو الله أو هو ابن الله؛ تعالى الله عما يقول الظالمون؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ

стр. 29

أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٦ - ١١٧). وعليه فتسميتهم مسيحيين فيه تزكية لهم ولما هم عليه؛ وهم على كفر وباطل والعياذ بالله؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: ١٧). والله سماهم في كتابه العزيز النصارى؛ وعليه فلا نسميهم إلا بما سماهم الله وسماهم رسوله ﷺ . ***** س: ما حكم السفر لبلاد الكفر ؟ ج: الأصل في السفر الإباحة، ومنع السفر لبلاد الكفر للمفاسد المترتبة على ذلك، وأبيح في حالات محدودة كالسفر للدعوة إلى الله، قال الشيخ العلامة صالح الفوزان: السفر إلى بلاد الكفر لا يجوز؛ لأن فيه مخاطر على العقيدة والأخلاق ومخالطة للكفار وإقامة بين أظهرهم، لكن إذا دعت حاجة ضرورية وغرض صحيح للسفر لبلادهم كالسفر لعلاج مرض لا يتوفر إلا ببلادهم، أو السفر لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين، أو السفر لتجارة، فهذه أغراض صحيحة يجوز السفر من أجلها لبلاد الكفار بشرط المحافظة على شعائر الإسلام، والتمكن من إقامة الدين في بلادهم، وأن يكون ذلك بقدر الحاجة فقط ثم يعود إلى بلاد المسلمين. أما السفر للسياحة فإنه لا يجوز؛ لأن المسلم ليس بحاجة إلى ذلك، ولا يعود عليه منه مصلحة تعادل أو ترجح على ما فيه من مضرة وخطر على الدين والعقيدة. انتهى

стр. 30

ويقول فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى: "لا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا بشروط ثلاث: الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات. الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات. الشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك مثل أن يكون مريضًا أو يكون محتاجًا إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصص فيه فيذهب إلى هناك, أو يكون الإنسان محتاجًا إلى تجارة , يذهب ويتجر ويرجع. المهم أن يكون هناك حاجة, ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون, وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكانًا يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه " (١). ***** س: ما حكم الإقامة في بلاد الكفر ؟ ج: حرام لا يجوز إلا لضرورة؛ قال رسول الله ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" (٢) وقال: "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا" (٣). وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وحسّنه الشيخ الألباني في الصحيحة من حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن جامع المُشرك وسَكَن معه فإنَّه مثله». وقوله ﷺ : «أنا بريءٌ مِن كل مسلمٍ يقيمُ بين أظْهُر المشركين»، قالوا: يا رسول الله، ولِم؟ قال: «لا تراءَى نَارَاهُما» (٤).

стр. 31

وأخرج النسائي وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٧٧٤٨) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين». وأخرج النسائي وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع عن جرير قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشرك». وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي ﷺ كان إذا بعث أميراً على سرية أو جيشاً أوصاه بأمور؛ فذكرها، ومنها «ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين». وقال العلامة ابن باز: قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين (١) "؛ وقد أخبر الله سبحانه عمن لم يهاجر من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام بأنه قد ظلم نفسه، وتوعده بعذاب جهنم في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (النساء: ٩٧ - ٩٩). *****

стр. 32

س: ما حكم التجنس بجنسية دولة من دول الكفر ؟ ج: الأصل في التجنس بجنسية دول الكفار التحريم، لأدلة تحريم السفر لبلاد الكفر والإقامة بين المشركين، وأجيز لأمور منها: أ - أن يترك المسلم بلده بسبب الاضطرار والاضطهاد ويلجأ لهذه الدولة؛ فهو جائز بشرط الاضطرار الحقيقي للجوء، وأن يتحقق الأمن للمسلم وأهله في بلاد الكفر، وأن يستطيع إقامة دينه هناك، وأن ينوي الرجوع لبلاد الإسلام متى تيسر ذلك، وأن ينكر المنكر ولو بقلبه، مع عدم الذوبان في مجتمعات الكفر. ب - التجنس لمصلحة الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة، وهو جائز. واشترط لجواز ذلك: (١) انسداد أبواب العالم الإسلامي في وجه لجوئه إليهم. (٢) أن يضمر النية على العودة متى تيسَّر ذلك. (٣) أن يختار البلد التي يستطيع فيها إظهار دينه وعبادته بحرية. قال الشيخ ابن جبرين ﵀: " من اضطر إلى طلب جنسية دولة كافرة كمطارَد من بلده ولم يجد مأوى، فيجوز له ذلك بشرط أن يظهر دينه، ويكون متمكنا من أداء الشعائر الدينية، وأما الحصول على الجنسية من أجل مصلحة دنيوية محضة فلا أرى جوازه " انتهى. *****

стр. 33

س: ما حكم الاستعانة بالكفار في القتال ؟ ج: اختلف العلماء ﵏ في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على قولين: أحدهما: المنع من ذلك. واستدلوا بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رجلا من المشركين كان معروفا بالجرأة والنجدة أدرك النبي ﷺ في مسيره إلى بدر في حرة الوبرة فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك؛ فقال له النبي ﷺ : "تؤمن بالله ورسوله " قال: لا؛ قال "ارجع فلن أستعين بمشرك" قالت: ثم مضى حتى إذا كنا في الشجرة أدركه الرجل فقال: له كما قال له أول مرة فقال: "تؤمن بالله ورسوله" قال: لا؛ قال: "ارجع فلن أستعين بمشرك"؛ ثم لحقه في البيداء فقال مثل قوله؛ فقال له: "تؤمن بالله ورسوله" قال: نعم؛ قال "فانطلق" ا. هـ. وروى إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي قال: خرج رسول الله ﷺ يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة حسناء فقال: "من هؤلاء "؟ قالوا هذا عبد الله بن أبي بن سلول ومواليه من اليهود وهم رهط عبد الله بن سلام فقال: "هل أسلموا"؟ قالوا: لا إنهم على دينهم؛ قال: "قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين" انتهى. واحتجوا أيضًا بما رواه الحاكم في صحيحه من حديث يزيد بن هارون أنبأنا مسلم بن سعيد الواسطي عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده خبيب بن يساف قال: أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله ﷺ وهو يريد غزوًا فقلت يا رسول الله إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لم نشهده معهم فقال: "أسلما" فقلنا: لا؛ قال: "فإنا لا نستعين بالمشركين" قال: فأسلمنا وشهدنا معه" (١) الحديث. القول الثاني: القول بالجواز؛ قال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به أستعين به وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم والله أعلم. ا. هـ

стр. 34

وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه. واحتج القائلون بالجواز أيضًا بما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستصالحون الروم صلحًا آمنًا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتنصرون وتغنمون" الحديث. *****

стр. 35

س: ما حكم معاونة بعض الكفار في حرب بعضهم لبعض ؟ ج: إذا كانت هناك معاهدة على النصرة بين المسلمين وفريق من الكفار؛ فيساعد المسلمون الكفار المعاهدين على من بغى عليهم، بالسلاح ونحوه، ومثل هذا ينظر فيه للمصلحة والمفسدة، وإذا كان العدو مشتركًا بين المسلمين وبعض الكفار فيعاونون أيضًا؛ كما في الحديث: "ستصالحون الروم صلحًا آمنًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم فتنصرون وتغنمون"أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الألباني. ***** س: ما حكم إعانة الكفار في حرب المسلمين ؟ ج: قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في (فتاواه) (١/ ٢٧٤): وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: ٥١). *****

стр. 36

س: ما حكم التشبه بالكفار ؟ ج: يحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم؛ عنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ (١) ". وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦). قال شيخ الإسلام ﵀: "فقوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضاً في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي" انتهى. وقال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية (٤/ ٣٩٦): "ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية " انتهى. وروى أبو داود (٦٥٢) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ " وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا" رواه مسلم (٢٠٧٧). وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى " رواه مسلم (٢٥٩). *****

стр. 37

س: ما معنى مخالفة الكفار ؟ ج: أوجب الشرع الحنيف وجوب مخالفة الكافرين؛ وترك التشبه بهم فيما هو من خصائصهم؛ والتشبه يكون فيما يظهر ومن ذلك لبس الثياب التي هي علامة عليهم، وكطريقة كلامهم والتحدث بلغتهم بغير حاجة ونحو ذلك؛ أما المخالفة فتكون في الأفعال والأقوال وفي كل الأمور؛ ما لم يكن أمرًا أقره شرعنا الحنيف؛ فالمخالفة أعم وأوسع من ترك التشبه؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: ١٨). وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ (الرعد: ٣٧). وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد:١٦). وروى أبو داود (٦٥٢) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ " وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ " رواه البخاري (٣٤٦٢) ومسلم (٢١٠٣). والأدلة في هذا الباب كثيرة. *****

стр. 38

س: ما حكم عيادة مرضى الكفار ؟ ج: يجوز إذا كان يرجى من وراء ذلك مصلحة؛ كإسلام المريض؛ وقد جاء في صحيح البخاري من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمَرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ . فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار". وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءَه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول الله صلى لله عليه وسلم لأبي طالب: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله؛ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله؛ فقال رسول الله ﷺ : أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك؛ فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾. *****

стр. 39

س: ما حكم تعزية الكفار في أمواتهم ؟ ج: لا بأس بذلك لتأليف قلوبهم بغير مفسدة ولا يكون في كنيسة، قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ينظر في ذلك للمصلحة، إن كان في ذلك مصلحة التأليف وجلب المودة من هؤلاء الكفار للمسلمين فلا بأس، وإن لم يكن فيها فائدة فلا فائدة" (١) انتهى. ***** س: ما حكم الاستغفار لموتى غير المسلمين ؟ ج: لا يجوز الاستغفار لغير المسلمين أو الدعاء لهم بالرحمة؛ قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وفي الآية وجوب إظهار البراءة من الكفار والمنافقين من جميع الوجوه، وظهر في هذه الآية أنه تجب البراءة من أمواتهم وأحيائهم وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان. ***** س: ما حكم الزواج من نساء الكفار ؟ ج: يجوز للمسلم أن يتزوج المحصنة من أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (المائدة:٤). هذا مع كون المسلمة أولى؛ قال تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (البقرة:٢٢١). وأما المشركة التي تعبد الأصنام أو البوذية أو المجوسية أو الملحدة فلا يجوز للمسلم نكاحهن؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (البقرة: ٢٢١). *****

стр. 40

س: ما حكم زواج المسلمة من كافر ؟ ج: يحرم على المسلمة أن تتزوج بغير مسلم؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة: ٢٢١). ***** س: هل يقدح في البراءة من الكفار محبة الزوجة غير المسلمة (الكتابية) ؟ ج: أما إن كانت المحبة لدينها ولما هي عليه من الكفر فهذا والعياذ بالله من الموالاة الكبرى التي تخرج عن الإسلام؛ وأما إن كانت المحبة لحسن تبعلها له؛ ولتفانيها في خدمته وأولاده؛ مع بغض ما هي عليه من الكفر والبراءة منه ودوام النصح لها ودعوتها إلى الإسلام؛ فهذا لا شيء فيه والله أعلم. *****
следующие страницы →