علو الهمة
تأليف
محمد أحمد إسماعيل المقدم
عفا الله عنه
دار الإيمان
إسكندرية
стр. 2
علو الهمة
ئأليف
محمد إسماعيل المقدم
عَفَا الله عَنُهُ
دار القمة
لتوزيع الكتاب والشريط والسي دي
فاكس: ٥٤٥٧٧٦٩ ت: ٥٢٢٢٠٠٢
دار الإيمان
للطبع والنشر والتوزيع
إسكندرية ت: ٥٤٥٧٧٦٩
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربَّنَا تَقبَّل منَّا
إنك أنت السميع العليم
رقم الإيداع
١٥٧١٨/ ٢٠٠٤
الترقيم الدولي
(٥ - ٣٢٥ - ٣٣١ - ٩٧٧)
جميع الحقوق محفوظة
علو الهمة
دار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع ١٧ شارع خليل الخياط - مصطفى كامل - إسكندرية
تليفون وفاكس: ٥٤٥٧٧٦٩ ت: ٥٤٤٦٤٩٦
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربُّنا ويرضى، والشكر له على ما أولى من نِعَمٍ سابغةٍ، وأسدى، أحمده سبحانه، وهو الوليُّ الحميد، وأتوب إليه جل شأنه، وهو التواب الرشيد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له شهاده نستجلب بها نِعَمَه، ونَستدفع بها نِقَمَه، ونَدَّخِرُها عُدَّةً لنا ﴿يَومَ لا يَنفع مَالٌ وَلَا بَنونَ إِلَّا مَنْ أتى اللَّه بقَلْب سلِيم﴾.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه، وصَفِيُّه من خلقه وخليلُه، صلى الله عليه، وعلى آله نجوم المهتدين، ورجوم المعتدين.
ورضي الله عن صحابته الأبرار الذين قاموا بحق صحبته، وحِفظ شريعته، وتبليغ دينه إلى سائر أمته، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.
أمَّا بَعد
ففي قرنٍ وبعض قرنٍ، وثب المسلمون وثبةً ملأوا بها الأرضَ قوةً وبأسًا، وحكمة وعلمًا، ونورًا وهداية، فراضوا الأممَ، وهاضُوا الممالك، وركزوا ألويتَهم في قلب آسيا، وهامات أفريقية، وأطراف أوربة، وتركوا دينَهم، وشرعتَهم، ولغتَهم، وعلمَهم، وأدبَهم، تَدِينُ لها القلوب، وتتقلب بها الألسنةُ، وتَحقَّق فيهم الأنموذج الفريد،
стр. 5
والمثال الأعلى للبشرية باعتبارهم "خير أمة أخرجت للناس"، بعد أن كانوا فرائق بَددًا، لا نظام، ولا قوام، ولا علم، ولا شريعة.
لقد قطع المسلمون تلك المرحلة التي سَهَم لها الدهر، ووجم لروعتها التاريخ، وهم يعرفون معالم طريق المجد، ونهج السعادة في الدارين، وأمعنوا بكل ثقة في هذا السبيل مدفوعين بطاقةٍ خارقة، وقوةٍ دافعة، كانوا إذن يدركون بكل دقة معالمَ الطريق كأن معهم "خارطة" مفصلة أودَعُوها "قوتهم العلمية"، وكان الوقود الذى يتزودون به لبلوغ غاياتهم هو "القوة العملية "، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فهذان هما سر عظمة المسلمين، وخيريتهم وتفوقهم على الأمم: "العلم" و "الإرادة".
أما العلم فحسبنا أنه الحاكم على الممالك، والسياسات، والأموال، والأقلام، فمُلْك لا يتأيد بعلم لا يقوم، وسيف بلا علمٍ مِخراق لاعب، وقلم بلا علم حركةُ عابث، والعلم مُسَلَّط حاكم على ذلك كله، ولا يحكم شىء من ذلك على العلم.
ولن نفيض في ذكر فضائل العلم فذاك حديث يطول، وكم صنف المتقدم والمتأخر في شرفه والحث عليه، ولكن المقصود من هذا المبحث إلقاء الضوء على قسيم العلم وشريكه في صناعة المجد، وإحياء الأمة، ألا وهو "القوة العملية" أو "الإرادة" أو "الهمة".
***
стр. 6
البَابُ الُأوَل المقدمَاتُ
ما هي الهَمَة ؟
الهَمُّ: ما هُمَّ به. من أمرٍ ليُفْعَل.
والهمة: هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلوٍّ أو سفول.
وفي "المصباح": الهمة بالكسر: أول العزم، وقد تطلق على العزم القوي، فيقال: له همة عالية.
وقيل: علو الهمة: "هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور " (١).
وقيل: "خروج النفْس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل" (٢).
قال الجرجاني في "التعريفات":
(الهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل، من خير أو شر).
стр. 7
والهمة: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق، لحصوله الكمال له أو لغيره) (١).
وقال ابن القيم في "مدارج السالكين":
(و "الهِمَّةِ" فِعْلَة من الهمِّ، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خصوها بنهاية الإرادة، فالْهَمُّ مبدؤها، والْهِمَّة نهايتها.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: في بعض الآثار الِإلهية قول الله تعالى: "إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته".
قال: والعامة تقول: قيمة كل امرىءٍ ما يحسن. والخاصة تقول: "قيمة كل امرىءٍ ما يطلب"، يريد: أن قيمة المرء همته ومطلبه.
قال صاحب "المنازل":
"الهمة: ما يملك الانبعاث للمقصود صِرفًا، لا يتمالك صاحبها، ولا يلتفت عنها".
قوله: "يملك الانبعاث للمقصود" أي: يستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك، و "صرفًا" أي: خالصًا صرفًا.
والمراد: أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبًا صادقًا خالصًا محضًا، فتلك هي الهمة العالية، التي "لا يتمالك صاحبها" أي: لا يقدر على المهلة، ولا يتمالك صبره، لغلبة سلطانه عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود "ولا يلتفت عنها" إلى ما سوى أحكامها، وصاحب هذه الهمة: سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه
стр. 8
العلائق، والله اعلم) (١) اهـ.
وقال أيضًا:
(علو الهمة: أن لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم: كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التى تصل إليهم، فإن "الهمة" كلما علت، بعدت عن وصوله الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان، فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء: عنوان فلاحه، وسفول همته: عنوان حرمانه) (٢) اهـ.
والهمة طليعة الأعمال ومقدمتها، قال أحد الصالحين: "همتك فاحفظها، فإن، الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها، صلح له ما وراء ذلك من الأعمال" (٣)، وعن عبيد الله بن زياد بن ظبيان قال: (كان لي خال من "كلب"، فكان يقول لي: "يا عبيد هِمَّ؛ فإن الهمة نصف المروءة ").
الهمةُ مولودةٌ مع الآدمي
قال ابن الجوزي في: "لفتة الكبد إلى نصيحة الولد":
(وما تقف همة إلا لخساستها، وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع
стр. 9
بالدون، وقد عُرف بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثَّتْ سارت، ومتى رأيت في نفسك عجزًا فسل المنعم، أو كسلًا فسل الموفق، فلن تنال خيرًا إلا بطاعته، فمن الذي أقبل عليه ولم ير كل مراد؟ ومن الذي أعرض عنه فمضى بفائدة؟ أو حظي بغرض من أغراضه؟) اهـ.
وقوله ﵀: "وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات" بسبب عجز أو كسل، أو ركون إلى وسوسة الشيطان، وركوب الهوى، وتسويل النفس الأمارة بالسوء، فهنا تحتاج الهمة إلى إيقاظ وتنبيه وتذكير برضا من تطلب؟ وفي أي نعيم ترغب؟ ومن أي عقاب ترهب؟ كما فعل ذلك البطل الذي لا نعرف اسمه، لكن حسبه أن الله يعلمه، وهو وحده الذي يثيبه:
عن عبد الله بن قيس، أبي أمية الغفاري قال: (كنا في غزاة لنا، فحضر عدوُّهم، فصِيحَ في الناس، فهم يثوبون إلى مصافهم، إذا رجل أمامي، رأسُ فرسي عند عَجُز فرسه، وهو يخاطب نفسه ويقول: "أيْ نفس ألم أشهد مشهد كذا وكذا؟ فقلتِ لي: أهلُكَ وعيالُك فأطعتك ورجعتُ؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا؟ فقلت: أهلُك وعيالُك فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنك اليوم على الله، أخذكِ، أو تركك"، فقلت: لأرمُقنَّه اليوم، فرمقته، فحمل الناسُ على عدوهم، فكان في أوائلهم، ثم إن العدوَّ حمل على الناس فانكشفوا، فكان في حُماتهم، ثم إن الناس حملوا، فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو، وانكشف الناس، فكان في حُماتهم، قال: "فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعًا، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنةً") (١).
стр. 10
لابُدَّ للسالِكِ مِن همةٍ تُسيَّرهُ، وتُرقَِّيهِ، وعلم يُبصِّرُه، وَيهدِيهَ
قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-:
(إن الله لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة، أعاضهم أفضل منها، وهو ما أعطاهم من عهده الذى جعله سببًا موصِّلاً لهم إليه، وطريقًا واضحًا بَيِّنَ الدلالة عليه، من تمسك به؛ فاز واهتدى، ومن أعرض عنه؛ شقى وغوى، ولما كان هذا العهد الكريم، والصراط المستقيم والنبأ العظيم، لا يُوصَل إليه أبدًا إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة باب الوصوله إليه، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحُه عليه، وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين "همة تُرَقِّيه" و "علم يُبصِّره، ويهديه"،فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالمًا بها، ولا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسًا، وقلبه عن كماله الذي خُلِق له مصدودًا منكوسًا، قد أسام نفسه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَل، واستطاب لِقِيعات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل، لا كمن رُفع له عَلَم فشمَّر إليه، وبورك له في تفرده في طريقه طلبه فلزمه، واستقام عليه، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه
стр. 11
الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله.
ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرفُ العلم تابعًا لشرف معلومه، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها، ولا حياة له إلا بها؛ أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى، والحظ الأوفى؛ إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيًا، وأقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطة يينه وببين الأنام، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحدٍ منهم سعيًا إلا أن يكون مبتدئًا منه، ومنتهيًا إليه، ﷺ ) (١) اهـ.
أقسَامُ الناس من حيث القوتان العلمية والعملية
قال ابن القيم ﵀:
[كمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل (٢) وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا
стр. 12
والآخرة؛ إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين وهما اللذان أثنى الله سبحانه على أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام- في قوله تعالى: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار﴾ فالأيدي: القوة في تنفيذ الحق، والأبصار: البصائر في الدين، فوصفهم بكمال إدراك الحق، وكمال تنفيذه، وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسم، فهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق، وأكرمهم على الله تعالى.
القسم الثاني: عكس هؤلاء، من لا بصيرة له في الدين، ولا قوة على تنفيذ الحق، وهم أكثر هذا الخلق وهم الذين رؤيتهم قذى العيون، وحُمَّى الأرواح، وسقم القلوب، يُضيقون الديار ويغلون الأسعار، ولا يُستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار.
القسم الثالث: من له بصيرة في الهدى ومعرفة به، ولكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه، ولا الدعوة إليه، وهذا حال المؤمنِ الضعيف، والمؤمنُ القوي خير وأحب إلى الله منه.
القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف البصرة في الدين، لا يكاد يميز أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء تمرة، وكل بيضاء شحمة، يحسب الورم شحمًا، والدواء النافع سمُّا.
وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضع لها سوى القسم الأول قال الله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ فأخبر سبحانه أنهم بالصبر واليقين
стр. 13
بآيات الله نالوا الإمامة في الدين، وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر -الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين- على أن من عداهم فهو من الخاسرين، فقال تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذي آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾] (١) اهـ.
وقال أيضًا ﵀:
(فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفًا في القوة العملية يبصر الحقائق، ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب، ولا يتوقاها (٢)، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله.
ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية، وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والجِد التشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات، كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله، وداء الأول من فساد إرادته، وضعف عقله وهذا حال أكثر أرباب الفقر
стр. 14
والتصوف السالكين على غير طريق العلم، بل على طريق الذوق والوجد
والعادة، يُرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا يدري من يعبد؟ ولا بماذا يعبده؟ فتارة يعبده بذوقه ووَجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين، وكشف رأس أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالأوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين وليس لها أصل في الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنًا ما كان، وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد.
فهؤلاء كلهم عمي عن ربهم وعن شريعته ودينه، لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، ولا يقبل من أحدٍ دينًا سواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التي تعرَّف بها إلى عباده على ألسنة رسله، ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها. فلا معرفة له بالرب ولا عبادة له.
ومن كانت له هاتان القوتان؛ استقام له سيره إلى الله، ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإن القواطع كثيرة، شأنها شديد، لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها، وذهب بها، ولكن الله يفعل ما يريد، "والوقت -كما قيل- سيف فإن قطعته، وإلا قطعك"، فإذا كان السر ضعيفًا، والهمة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفًا، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة؛ فإنه جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب، فيأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع، والله ولي التوفيق) اهـ.
стр. 15
الهمَّة مَحَلهَا القلب
الهمة عمل قلبي، والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه، وكما أن الطائر يطير بجناحيه، كذلك يطير المرء بهمته، فتحلق به إلى أعلى الآفاق، طليقةً من القيود التي تكبل الأجساد.
إن يَسْلُب القومُ العِدا مُلْ ... ـكي وتُسْلِمْني الجموعْ
فالقلب بين ضُلُو ... عِهِ لم تُسْلِمِ القلبَ الضلوعْ
ونقل ابن قتيبة عن بعض كتب الحكمة:
"ذو الهمة إن حُطَّ، فنفسه تأبى إلا عُلُوًّا، كالشعلة من النار يُصَوِّبُها صاحبها، وتأبى إلا ارتَفاعًا" (١).
همة المؤمن أبلغ من عمله
قال ﷺ : "من هَمَّ بحسنة، فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة" الحديث (٢).
وقال ﷺ : "من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٣).
وقال ﷺ فيمن تجهز للجهاد، ثم أدركه الموت: "قد أوقع الله أجره على قدر نيته" (٤).
стр. 16
وقال ﷺ في حق المتخلفين عن غزوة تبوك من الحريصين على الخروج معه: "إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر" (١).
وقال ﷺ : "ما من امرىءٍ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كُتب له أجر صلاته، وكان نومُه صدقةً عليه" (٢).
فليس الشأن فيمن يقوم الليل، إنما الشأن فيمن ينام على فراشه، ثم يصبح، وقد سبق الركب بعلو همته، وطهارة قلبه، وقوة يقينه، وشدة إخلاصه، وفي ذلك قيل:
من لي بمِثل سيرك المدللِ ... تمشي رويدًا وتجيء في الأوَّلِ
وما أحسن قول الشاعر مخاطبًا الحجيج، وقد انطلقوا للحج:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ... سِرْتم جُسومًا وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عُذْرٍ وعن قَدَرٍ ... ومن أقام على عُذرٍ فقد راحا
وقد يتفوق المؤمن بهمته العالية كما بَيَّن ذلك الصادق المصدوق ﷺ في قوله: "سبق درهم مائة ألف"، قالوا: "يا رسول الله! كيف يسبق درهم مائة ألف؟ "، قال: "رجل كان له درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به، وآخر له مال كثير، فأخذ من عَرْضها مائة ألف" (٣).
...
стр. 17
قوَّةٌ المؤًمِن في قَلُبهِ
قال الإمام المحقق "ابن القيم" ﵀:
(اعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب، لا تقوى الجوارح، قال تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، وقال: ﴿لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾، وقال النبى ﷺ : "التقوى هنا"، وأشار إلى صدره، فالكَيِّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة، وعلو الهمة، وتجريد القصد، وصحة النية، مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير، والسفر الشاق فإن العزيمة والمحبة تُذهب المشقة وتُطَيِّب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم؛ وصدق الرغبة، والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله، وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلامُ الإحسانَ، فأكمل الهدي هديُ رسولِ الله ﷺ ، وكان موفيًا كل واحدٍ منهما حقه، فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه، ويصوم حتى يقال لا يفطر، ويجاهد في سبيل الله، ويخالط أصحابه، ولا يحتجب عنهم، ولا يترك شيئًا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر) اهـ.
حياة القلب بالعلم والهمة
(إن ضعْفَ الإرادةِ والطلب من ضعفِ حياةِ القلبِ، وكلَّما كان القَلبُ أتمَّ حياةً، كانت همُّتُهُ أعلى، وإرادتُهُ ومحبتهُ أقوى، فإنَّ الإرادةَ
стр. 18
والمحبةَ تَتبَعُ الشعور بالمرادِ المحبوب، وسلامةَ القلبِ من الآفةِ التي تَحولُ بينَهُ وبينَ طلبِه لاِرإدتِهِ، فضعفُ الطلب وفتورُ الهمَّةِ إما من نقصانِ الشعور والإحساس، وإمَّا من وجودِ الآفةِ المضعفِة للحياةِ، فقَوةُ الشعورِ وقوةُ الإرادةِ دليلٌ على قوةِ الحياةِ، وضَعْفُها دليل على ضَعْفِها، وكما أنَّ علوَّ الهمةِ، وصدقَ الإرادةِ، والطلبَ من كمالِ الحياة، فهُو سبب إلى حصولِ أكملِ الحياةِ وأطيَبِها، فإِنَّ الحياةَ الطيبةَ إنَّما تُنالُ بالهمَّةِ العالية، والمحبةِ الصادقةِ، والِإرادةِ الخالصةِ، فعلى قَدرِ ذلك تكونُ الحياةُ الطيبةُ، وأخَسُّ الناس حياةً أخسُّهُم همَّةً، وأضعفُهم محبةً وطلبًا، وحياةُ البهائمَ خير من حياتِهِ، كما قيل:
نَهارُكَ يا مَغْرورُ سَهوٌ وَغَفْلَة ... وَلَيْلُكَ نومٌ والرَّدى لَكَ لازِمُ
وَتَكْدَح فيما سَوْفَ تُنْكِرُ غِبَّهُ ... كَذلكَ في الدُّنيا تعيشُ البهائمُ
تُسَرُّ بما يَفْنى، وَتَفرَحُ بالْمُنَى ... كما غُرَّ باللَّذاتِ في النومِ حالمُ (*)
لماذا يستبدلون الذي هو أدني بالذى هو خيرٌ ؟
(والسبب الذي يجعل كثيرًا من الناس يطلبون الأدنى من الأمور، ويقصدون ما لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا -فساد العلم، وكثرة الجهل، وضعف الهمَّة، فكلَّما صحَّ العلم، وانتفى الجهل، وصحَّت العزيمة، وعظمت الهمَّة؛ طلب الِإنسان معالي الأمور، فبعض الناس همُّه لقمة يسدُّ بها جوعته، وشَربة روية تذهب ظمأه، ولباس يواري سوأته- وهو مذهبٌ ذمَّ أهل الجاهلية أصحابه، وفي مثل هؤلاء يقول حاتم طيىء
стр. 19
لَحَى (١) اللَّهُ صُعْلُوكًا (٢) مُنَاهُ وَهَمُّهُ ... مِنَ الْعَيْشِ أنْ يَلْقَى لُبُوسًا وَمَطْعَمًا
يَرَى الْخُمْص (٣) تَعْذِيبًا وَإِنْ يَلْقَ شَبْعَةً ... يَبِتْ قَلْبُهُ مِنْ قِلَّةِ الهَمِّ مُبْهَمًا (٤)
ومن الناس من يكون مطلبه التمتع بمتاع الحياة الدنيا كحال طَرَفَة بن العبد)، فقد قيل له: ما أطيب عيش الدنيا؟ فقال: "مطعمٌ شهيٌّ، وملبسٌ دفيٌّ، ومركب وطيٌّ" وقال أيضًا مبينًا غايته من الحياة:
(وَلولا ثَلَاثُ هُنَّ مِن عِيشَةِ الفتى ... وَجَدِّكَ (٥) لَمْ أحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي (٦)
فَمِنْهُنَّ سَبْقي العَاذِلَاتِ (٧) بِشَرْبَةٍ ... كُمَيْتٍ (٨) مَتَى مَا تُعْلَ بالمْاء تُزْبِدِ (٩)
وَكَرِّي (١٠) إذَا نَادَى المُضَافُ مُحَنَّبًا (١١) ... كَسِيد (١٢) الْغَضَا (١٣) نَبَّهْتَهُ الْمُتَوَرِّدِ
стр. 20
وَتَقْصِيرُ (١) يَوْمِ الدجنِ (٢) وَالدَّجْنُ مُعْجِبٌ ... بِبَهْكَنَةٍ (٣) تَحْتَ الْخِبَاءِ الْمُعَمَّدِ (٤)
كثير من الناس همُّه من دنياه همُّ هذا الشاعر المسكين (٥)، شَربة خمر، والتمتع بامرأة حسناء، وقليل من النَّاس تنهض همته إلى الدفاع عن الخائف المستجير.
وقد يكون مسعى الناس ومطلبهم أمورًا يعدُّ طالبها سامي الهمَّة عالي القصد كحال امرىء القيس، عندما أفاق من سكره وعبثه على زوال ملك أبيه، فانقلب جادًّا طالبًا إعادة هذا الملك:
فَلَوْ أنَّ مَا أسْعَى لأدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي وَلَمْ أطْلُبْ قَلِيلاً مِنَ الْمَالِ
وَلَكِنَّمَا أسْعَى لِمَجْدٍ مؤثَّل ... وَقَدْ يدْرِكُ الْمَجْدَ المؤَثَّل أمْثَالِي
ولقد طال تطلابه للملك، حتى قضى نحبه في طلبه:
بَكَى صَاحِبي لَما رَأى الدَّرْبَ دونَهُ ... وَأيقَنَ أنَّا لَاحِقَانِ بِقَيْصَرَا
стр. 21
فَقلت لَه لَا تَبكِ عَينكَ إنَّمَا ... نُحَاوِل مُلْكًا أو تَمُوتَ فَنُعْذَرا
لقد ضيَّع حياته أولاً في المتع والشهوات، وقضى شطر عمره الثاني في طلب الملك الضائع، وانتهت حياته، ولم يحصِّل مطلوبه، ومات كما مات المتنبي من بعده، طلبًا الملك والإمارة، فأعياهما الطلب) اهـ (١). بتصرف.
وما أكثر الذين طلبوا الملك للرياسة، وألحوا في طلبه، فحامت حوله همتهم، وطافت به عزيمتهم: كان "الأبيوردي" يدعو عقب كل صلاة: "اللهم مَلِّكني مشارق الأرض ومغاربها" (٢)، وله في ذلك الأشعار الفائقة، التي تكشف عن شخصية ونفسية شديدة الشبه بشخصية المتنبي.
وقيل ليزيد بن المهلب: "ألا تّبني دارًا؟ "، فقال: "منزلي دار الإمارة أو الحبس".
وقال آخر:
وعِش مَلِكًا أو مُت كريمًا، وإن تمت ... وسيفُك مشهور بكفِّك تُعْذَرِ
...
стр. 22
تَفَاوتُ الِهمَّم ِحَتَّى بَين الحيواَنَاتَ
تتفاوت الهمم في جميع الحيوانات:
فالعنكبوت من حين يولد ينسج لنفسه بيتًا، ولا يقبل مِنَّة الأم، والحية تطلب ما حفر غيرها، إذ طبعها الظلم، والغراب يتبع الجيف، والصقر لا يقع إلا على الحِّي، والأسد لا يأكل البايت، والفيل يتملق حتى يأكل، والخنفساء تُطردُ فتعود.
قال المُتَلَمِّس:
إن الهوانَ حِمارُ البيت يَألفْه ... والحُرُّ يُنكِره والفيلُ والأسَدُ
ولا يُقيم بدارِ الذلِّ يألفها ... إلا الذليلان عَيْرُ الحي والوتدُ
هذا على الخَسْف مربوط بِرُمَّتِهِ ... وذا يُشَجُّ فما يأوِي (١) له أحدُ (٢)
...
стр. 23
تَفَاضُل الناس ِبتفاوفت هِمَمهم
قال الله تعالى: ﴿إن سعيكم لشتَّى﴾.
والهمة رزق من الله عز رجل، والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ومن حكمته سبحانه أن فاضل بين خلقه في قواهم العملية، كما فاضل بينهم في قواهم العلمية.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
وتعظم في عين الصغير صغارُها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
اجتمع عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبه، فقال لهم مصعب: "تمنَّوا"، فقالوا: "ابدأ أنت"، فقال: "وِلاية العراق، وتزوُّج سكَِينة ابنة الحسين، وعائشة بنت طلحهَ بن عبيد الله"، فنال ذلك، وأصدق كل واحدة خمسمائة ألف درهم، وجهَّزها بمثلها، وتمنى عروة بن الزبير الفقه، وأن يُحمل عنه الحديثُ، فنال ذلك، وتمنى عبد الملك الخلافة، فنالها"، وتمنى عبد الله بن عمر الجنة.
стр. 24
ويدل على تفاوت الهمم أن من الناس من ينشط للسهر في سماع سمر، ولا يسهل عليه السهر في سماع القرآن الكريم، ومنهم من يحفظ بعض القرآن، ولا يتوق إلى التمام، ومنهم من يعرف قليلًا من الفقه، ومنهم قنوع بصلاة ركعتين في الليل، ومنهم من يطلب معالي الأمور، دون أن تكون له إرادة وسعي في تحقيقها، فهذا مغتر بالأماني الكاذبة:
وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا
وما استعصى على قوم منال ... إذا الإقدام كان لهم ركابا
ولو علت بهم الهمم لجدَّت في تحصيل كل الفضائل، ونَبَتْ عن النقص، فاستخدمت البدن، كما قال الشاعر:
ولكل جسم في النُّحول بَلِيَّةٌ ... وبلاءُ جسمي من تفاوت همتي
وقال المتنبي:
وإذا النفوس كُنَّ كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسامُ
آخر:
وقائلةٍ: لِمْ غيرتك الهمومُ ... وأمرك ممتثل في الُأمَمْ
فقلتُ: ذريني على غُصَّتي ... فإن الهمومَ بقدر الهِمَمْ
لما ولي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ الخلافة خيَّر امرأته "فاطمة" بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها، وبين أن تلحق بأهلها، فبكت، وبكى جواريها لبكائها، فسمعت ضجة في داره، ثم اختارت مقامها معه على كل حال -رحمها الله.
وقال له رجل: "تَفَرَّغ لنا يا أمير المؤمنين"، فأنشأ يقول:
стр. 25
قد جاء شغلٌ شاغل ... وعدلْت عن طرق السلامهْ
ذهب الفراغ فلا فرا ... غَ لنا إلى يوم القيامهْ
وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀:
الجسم يُذيبه حقوقُ الخِدمَهْ ... والقلب عذابه علوُّ الهمهْ
والعمر بذاك ينقضى في تعب ... والراحة ماتت فعليها الرحمهْ
***
стр. 26
الباب الثاني خصائصُ كبِير الِهمة
يَا عَالي الهمَّة بِقَدر ِمَا تتعَنَّى، تنالُ مَا تتمنى
إن عالي الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته، وتحقيق بغيته، لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره، وأن المصالح والخيرات، واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب:
بَصُرتُ بالراحة الكرى فلم أرها ... تُنال إلا على جسر من التعب
آخر:
فقل لِمُرَجِّي معالي الأمور ... بغير اجتهاد: رجوتَ المحالا
آخر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفقر، والإقدامُ قتَّال
آخر:
والذي يركب بحرًا سيرى ... قُحَمَ الأهوالِ من بعِدِ قُحَمْ
آخر:
الذل في دَعَة النفوس ولا أرى ... عِزَّ المعيشة دون أن يُشْقىَ لها
كان أبو موسى الأشعري ﵁ يصوم حتي يعود كالخلال -العود الذي يخلل به الأسنان- فقيل له: "لو أجْمَمْتَ نفسك؟ " -أي:
стр. 27
تركتها تستريح- فقال: "هيهات! إنما يسبق من الخيل المُضَمَّرة".
وقد قيل: من طلب الراحة، ترك الراحة.
فيا وصل الحبيب أما إليه ... بغير مشقة أبدًا طريق
قال الإمام المحقق ﵀:
(وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة، فاتته الراحة، وأنَّ بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هَمَّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلًا، استراح طويلًا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قادة لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله.
وكلما كانت النفوس أشرف، والهمة أعلى، كان تعب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل، كما قال المتنبي:
وإذا النفوسُ كُنَّ كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام
وقال ابن الرومي:
قلب يظل على أفكاره ويَدٌ ... تُمْضِي الأمورَ ونفسٌ لهوُها التعَبُ
وقال مسلم في "صحيحه": (قال يحيى بن أبى كثير: "لا يُنال العلم براحة البدن").
ولا ريب عند كل عاقل أن كمال الراحة بحسب التعب، وكمال النعيم بحسب تحمل المشاق في طريقه، وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم في دار السلام، فأما في هذه الدار فكلا ولمَّا) (١) اهـ.
стр. 28
قال الصديق أبو بكر ﵁: "والله ما نمتُ فحلمت، ولا توهَّمتُ فسهوت، وإني لعلى السبيل ما زغتُ"، أي: شغلته حروب الردة والفتوح وإرساء جهاز دولة الخلافة إلى حَدِّ أنه لا يتسنى له أن يستغرق في نومه، ولا يتاح له أن يحلم.
وقالت فاطمة بنت عبد الملك في أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀: "ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استُخلِف".
وقال الِإمام أحمد لابنه في المحنة: "يا بنى! لقد أعطيتُ المجهود من نفسي".
وقال الشيخ محمد الخضر حسين ﵀:
(كبير الهمة دومًا في عناء، وهو أبدًا في نصب لا ينقضي، وتعب لا يفرغ: لأن من علت همته وكبرت طلب العلوم كلها، ولم تقتصر همته على بعضها، وطلب من كل علم نهايته، وهذا لا يحتمله البدن، ثم يرى أن المراد العمل فيجتهد في قيام الليل، وصيام النهار، والجمع بين ذلك وبين العلم صعب، ثم يرى ترك الدنيا، ويحتاج إلى ما لا بد منه، ويحب الإيثار، ولا يقدر على البخل، ويتقاضاه الكرمُ البذل، وتمنعه عزة النفس من الكسب من وجوه التبذل، فإن هو جرى على طبعه من الكرم احتاج وافتقر، وتأثر بدنه وعائلته، وإن أمسك فطبعه يأبى ذلك، ولكن تعب العالي الهمة راحة في المعنى، وراحة القصير الهمة تعب وشين إن كان ثمة فهم) اهـ. ومصداقه في قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهن حالي
فنفسي لا تطاوعني ببخل ... ومالي لا يُبَلِّغُني فعالي
وقيل للربيع بن خثيم: "لو أرحت نفسك؟ "، قال: "راحتَها أريد".
стр. 29
وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببًا ما مثله سببُ
قال أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي:
(دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: "يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور" -كأني أسهل عليه الِإجابة- فقال لي أحمد بن حنبل: "إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد، فقد استرحت".
وقد قيل للإمام أحمد: "متى يجد العبد طعم الراحة؟ "، فقال: "عند أول قدم في الجنة".
أحزان قلبي لا تزول ... حتى أبشر بالقبول
وأرى كتابى باليمين ... وتُسَرَّ عيني بالرسول
قال الأمير شمس المعالي قابوس: "ابتناء المناقب باحتمال المتاعب، وإحراز الذكر الجميل بالسعي في الخطب الجليل".
ونحن أناس لا توسط عندنا ... لنا الصدرُ دون العالمين أو القبرُ
تهون علينا في المعالي نفُوسُنا ... ومن خطب الحسناء لم يُغْلِه المهرُ
وقال أحدهم لما عوتب لشدة اجتهاده: "إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكون فيها، ولا أحب أن أُغبَنَ أيامى".
انفضوا النوم وهُبُّوا للعلا ... فالعلا وقف على من لم ينم
فالصلاةُ خير من النوم، والتجلُّد خير من التبلُّد، والمنية خير من الدنية، ومن عَزَّ بَزَّ:
فثب وثبة فيها المنايا أو المنى ... فكل محب للحياة ذليل
فترى عالي الهمة منطلقًا بثقة وقوة وإقدام نحو غايته التي حددها على بصيرة وعلم، فيقتحم الأهوال، ويستهين بالصعاب، قال عمرو بن
стр. 30
العاص ﵁: "عليكم بكل أمير مَزْلَقة مَهْلَكَة" أي: عليكم بجسام الأمور دون خسائسها.
وقال أمير المؤمنين معاوية ﵁: "من طلب عظيمًا، خاطر بعظمته".
ذريني وأهوالَ الزمان أُعانِها ... فأهوالُها العظمى تليها رغائبه
وقال كعب بن زهير:
وليس لمن لم يركب الهولَ بُغْيَةٌ ... وليس لِرَحْل حَطَّه الله حامِلُ
آخر:
ذريني أنل ما لا يُنال من العُلا ... فصعب العلا في الصعب، والسهلُ في السهلِ
تريدين إدراكَ المعالي رخيصة ... ولا بُدَّ دون الشَّهْدِ مِن إبر النحْلِ
وقال الشريف الرضي:
رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبدًا يُمانع عاشقًا معشوق
وصبرتُ حتى نِلْتُهن ولم أقل ... ضجًرا: دواء الفارك (١) التطليق
وعالي الهمة دائم الترحال في طلب مبتغاه حيث لاح له.
آخر:
هِمَمٌ تقاذفتِ الخطوبُ بها ... فهُرِ عن من بلدٍ إلى بلد
آخر:
إذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عَزْمَةٌ ورِكابُ
وقال مالك بن الرَّيْب:
وفي الأرض عن دار المذلة مذهبٌ ... وكلُّ بلادٍ أوْطِنَتْ كبلادي
ولا يزال يطير إلى المعالي بجناح الهمة، لا يلوي على شيء،
стр. 31
ولا يستفزه لوم اللائمين، ولا تثبيط القاعدين:
سبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة، علوِّ هِمَّهْ
ولاح بحكمتي نور الهدى في ... ليالٍ للضلالة مُدْلهمهْ
يريد الجاهلون ليطفئوه ... ويأبى الله إلا أنْ يُتِمَّهْ
وقال الشماخ بن ضرار في عرابة الأوسي:
رأيتُ عَرابةَ الأوسيَّ يسمو ... إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رُفعتْ لمجدٍ ... تلقَّاها عرابةُ باليمينِ
وقال ابن نباتة السعدي:
أعاذلتي على إتعاب نفسي ... ورعيي في الدجى روضَ السهاد
إذا شام الفتى برقَ المعالي ... فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرقاد
ومن أراد الجنة سلعةَ الله الغالية لم يلتفت إلى لوم لائم، ولا عذل عاذل، ومضى يكدح في السعي لها: قال تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا﴾ وقال ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" (١)، وقدر السلعة يُعرف بقدر مشتريها، والثمن المبذول فيها، والمنادي عليها، فإذا كان المشتري عظيمًا، والثمن خطيرًا، والمنادي جليلاً؛ كانت السلعة نفيسة: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾.
أنت يا مفتون ما تبرح في بحر المنام ... فدع السهو وبادر مثل فعل المستهامِ
وسح الدمع على ما أسلفته ... وابك ولا تلو على عذل الملام
أيها اللائم دعنى لست أصغي للملام ... إنني أطلب ملكًا نيله صعب المرام
стр. 32
في جنان الخلد والفردوس في دار السلام ... وعروسًا فاقت الشمس مع بدر التمام
طرفها يشرق بالخط مضيًا بالسهام ... ولها صدغ على خد كتون تحت لام
أحسن الأتراب قدًّا في اعتدال وقوام ... مهرها من قام ليلاً وهو يبكي في الظلام وقد لا يتسنى له إدراك بغيته، وتحقيق غايته لأمور خارجة عن إرادته، فلا يفل ذلك من عزيمته، ولا يحط من همته، بل يعزي نفسه أنه أدَّى ما عليه، وأعذر إلى نفسه:
* ومُبْلِغُ نفسٍ عُذرَها مِثْلُ مُنْجِح *
قال الطائي:
وركب كأطراف الأسنة عرَّسوا ... على مثلها، والليل تسطو غياهِبُهْ
لأمرٍ عليهم أن تتم صدورُه ... وليس عليهم أن تتمَّ عواقبه
وقال آخر:
سأضرب في طول البلاد وعوضها ... أنال مرادي أو أموت غريبا
فإن تلفت نفسي فلله دَرُّها ... وإن سلمت كان الرجوع قريبا
آخر:
عَجِبْتُ لهم قالوا: تماديت في المنى ... وفي المثُلِ العُليا، وفي المرتقى الصعبِ
فالقصر، ولا تُجْهِدْ يراعَك إنما ... ستبذر حَبًّا في ثرًى ليس بالخصبِ
فقلت لهم: مهلاً، فما اليأس شيمتي ... سأبذر حَبي، والثمارُ من الربِّ
إذا أنا أبلغت الرسالة جاهدًا ... ولم أجد السمع المجيب فما ذنبي (*)؟
كبير الهمة لا ينقض عزمه
قال تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾.
وامتدح سبحانه الصالحين بقوله: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾، وقال تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً﴾.
ولما أشار الشباب على رسول الله ﷺ قبل غزوة أحد - بالخروج إلى المشركن ومقاتلتهم خارج المدينة، نزل ﷺ على رأيهم، وبعد أن صلى النبي ﷺ بالمسلمين، دخل إلى منزله، فتدجج بسلاحه، فظاهر بين درعين، ثم خرج على قومه بكامل عدته الحربية، وأذن فيهم بالخروج إلى العدو، وكان ذوو الرأي قد ندموا حين شعروا أنهم استكرهوا الرسول ﷺ على اتباع خطة لمقاتلة العدو، كان يفضل غيرها، فقالوا له: "ما كان لنا أن نخالفك، ولا نستكرهك على الخروج، فاصنع ما شئت، امكث كما أمرتنا"، فلم يرض أن ينقض همته، وقال لهم مصممًا على الخروج: "ما ينبغي لنبى إذا لبس لأمَتَه -أي: كامل سلاحه- أن يضعها، حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" الحديث (١).
стр. 35
وبعد وفاة النبي ﷺ : أرسلت الأنصار عمر إلى أبي بكر ليحبس الجيش، أو ليولي عليهم رجلًا أقدمَ سِنًّا من أسامة، فقال أبو بكر: "والله لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أرُدَّه ما رددتُه، ولا حللت لواءً عقده رسول الله ﷺ "، فقال عمر: "إن الأنصار أمروني أن أبلغك، وهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنًّا من أسامة"، فوثب أبو بكر -وكان جالسًا- فأخذ بلحية عمر، فقال: "ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله ﷺ ، وتأمرني أن أنزعه! ".
فخرج عمر إلى الناس، فقالوا له: "ما صنعت؟ " فقال: "امضوا، ثكلتكم أمهاتكم، حسبي ما لقيت في سبيلكم من خليفة رسول الله".
-وحين جاءه عمر في حروب الردة يقول: "تألف الناس، وارفق بهم"، فقال أبو بكر: "رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك!! أجبار في الجاهلية، وخوار في الِإسلام؟! إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين، أوَ يَنْقُص وأنا حي!! ".
قال عمر: "فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفت أنه الحق".
وكان هذا المبدأ -وهو عدم نقص العزم- هو ما اعتمده فريق من الهاجرين ﵃ حين استشارهم أمير المؤمنين عمر ﵁، وأخبرهم أن الوباء وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: "خرجتَ لأمرٍ، ولا نرى أن ترجع عنه" (١).
стр. 36
- وقال جعفر الخلدي البغدادي: "ما عقدتُ لله على نفسي عقدًا، فنكثته".
- وقال صالح بن الإمام أحمد بن حنبل.
(عزم أبي على الخروج إلى مكة، ورافق يحيى بن معين، فقال أبي: "نجح، ونمضي إلى صنعاء إلى عبد الرزاق"، قال: فمضينا حتى دخلنا مكة، فإذا عبد الرزاق في الطواف، وكان يحيى يعرفه، فطفنا، ثم جئنا إلى عبد الرزاق، فسلم عليه يحيى، وقال: "هذا أخوك أحمد بن حنبل"، فقال: "حياه الله، إنه ليبلغني عنه كل ما أسر به، ثبته الله على ذلك"، ثم قام لينصرف، فقال يحيى: "ألا نأخذ عليه الموعد؟ "، فأبى أحمد، وقال: "لِمَ أغير النية في رحلتي إليه؟ "، أو كما قال، ثم سافر إلى اليمن لأجله، وسمع منه الكتب، وأكثر عنه).
- وقال الحافظ أبو إسحاق الحبال: (كنتُ يومًا عند أبي نصر السِّجزي، فدُقَّ الباب، فقُمتُ ففتحتُه، فَدَخَلَت امرأة وأخرَجتْ كيسًا فيه ألفُ دينار، فوضعَتْه بين يدي الشيخ، وقالت: "أنفِقْها كما ترى"، قال: "ما المقصود؟ "، قالت: "تتزوَّجُني، ولا حاجة لي في الزواج، ولكن لأخدمك"، فأمَرَهَا بأخذ الكيس، وأن تنصرف.
فلما انصرفَتْ، قال: "خرجتُ من سِجسِتْان بِنيّةِ طلب العلم، ومتى تزوَّجتُ سقَطَ عني هذا الأسم، وما أُوثِرُ على ثواب طلب العلم شيئًا").
***
стр. 37
عَلَامَ يندَم ُكبَيرُ الهِمَّةَ ؟
إن كبير الهمة كائن متميز في كل خصائصه، حتى في ندمه، فبينما يندم خسيس الهمة لفوات لذاته، أو يتحسر لفراق شهواته، فإن لكبير الهمة شأنًا آخر حتى وهو يندم، كما تنبىء عنه المواقف التالية:
- فهو يتحسر على ساعة مرت به في الدنيا، لا لأنه عصى الله فيها، وإنما لأنه لم يعمرها بذكر الله : قال رسول الله ﷺ : "ليس يتحسر أهل الجنة على شيءٍ، إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها".
وكان عبد الله بن عمر ﵄ يصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه قول رسول الله ﷺ :
"من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا حتى يُصَلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن (وفي رواية: حتى يُفرغ منها) فله قيراطان من الأجر"، قيل: "يا رسول الله وما القيراطان؟ "، قال: "مثل الجبلين العظيمين"، (وفي رواية: كل قيراط مثل أحد)، وكان قد أخذ ابن عمر قبضة من حصى بالمسجد يقلبها في يده، فلما بلغه أن رسول الله ﷺ قاله، ضرب بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
- وهذا سيف الله المسلول "خالد بن الوليد" ﵁.
يتحسر لموته على فراشه، فقد قال لما حضرته الوفاة:
"لقد شهدت كذا، وكذا زحفًا، وما في جسدي موضع إلا وفيه
стр. 38
ضربة سيف أو طعنة رمح، أو رمية سهم، ثم هأنذا أموت على فراشي حتفَ أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".
- وكان أبو محجن الثقفي مُولعًا بالشراب، مشتهرًا به، وكان سَعْدُ بن أبي وقَّاص حبسه فيه، فلمَّا كان يومُ القادِسيَّة وبلَغه ما يفعل المشركون بالمسلمين، وهو عند أمِّ ولدٍ لسَعْدٍ، قال:
كفَى حَزَنًا أن تُطْعَنَ الخَيْلُ بالقَنَا ... وأترَكَ مَشْدُودًا عليَّ وَثَاقيَا
إذَا قُمْتُ عَناني الحَديدُ وغُلِّقَت ... مَغَالِيقُ من دُوني تُصِمُّ المُنَادِيَا
وقد كُنْتُ ذَا أهْلٍ كَثير وإخْوَةٍ ... فَقَدْ تَرَكُوني واحدًا لَّا أخا ليَا
هَلَُمَّ سِلَاحي، لا أبا لَكَ، إِننيْ ... أرى الحَرْبَ لا تَزْدَادُ الا تَمَاديَا
فقالت له أمُّ ولد سعدٍ: "أتَجْعَلُ لي إنْ أنا أطلقتُك أن ترجعَ حتَّى ْأُعيدَكَ في الوَثاق؟! " قال: "نعم"، فأطلقَتْه، وركب فرسًا لسعْدٍ بَلْقاءَ، وحَمَل على المشركين، فجعل سعد يقول: "لولَا أنَ أبا مِحْجَن في الوَثاق لظننتُ أنَّه أبو محجن وأنَّها فَرسي"، وانكشف المشركون، وجاءَ أبو محجن فأعادتْه في الوَثاق، وأتت سعدًا فأخبرتْه، فأرسل إلى أي محجن فأطلقَه، وقال: "والله لا حبستُك فيها أبدًا"، قال أبو محجن: "وأنا واللهِ لا أشربُها بعدَ اليوم أبدًا".
- وعن قتادة أن عامر بن قيس لما حُضِر جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال.: "ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمإ الهواجر، وعلى قيام ليالي الشتاء".
- وذكروا لشعبة حديثًا لم يسمعه، فجعل يقول: "واحزناه! "، وكان يقول: "إني لأذكر الحديث، فيفوتني، فأمرض".
كم فرصةٍ ذهبت فعادت غُصَّةً ... تشجى بطول تلهف وتندُّم
стр. 39
وقال القاسم بن سلام: (دخلت البصرة لأسمع من "حماد بن زيد"، فإذا هو ميت، فشكوت ذلك إلى "ابن مهدي"، فقال لي: "مهما سُبِقْتَ، فلا تُسْبَقَنَّ بتقوى الله").
وكان مالك بن يخامر السكسكي من تلاميذ معاذ بن جبل ﵁، وقد عاش ما عاش ناقلاً من روح معاذ إلى روحه، ومن قلب معاذ إلى قلبه، ومن عقل معاذ وإيمانه إلى عقله وإيمانه، فلما حضرت معاذا لوفاةُ بكى، فقال له معاذ: "ما يُبكيك؟ "، قال: "والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أستفيدهما منك"، فأجابه معاذ وهو يجود بروحه:
ْ "إن العلم والِإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما".
- ولما حج أبو بكر السمعاني والسِّلَفُّي ظفرا بأبي مكتوم عيسى بن أبي ذر، فتهاونا، فسارع في النفر الأول، ورجع إلى موطنه سراة بني شبابة، وفاتهما، فتحزَّن تاج الِإسلام أبو بكر، فأخذ السلفي يُسَلّيه، ويقول: (ما كان معه سوى "صحيح البخاري"، وأنت في إسناده مثله).
- واقتنى الشيخ جمال الدين بن القفطي نسخة حميلة من كتاب "الأنساب" للسمعاني حُرِّرت بيد المؤلف، إلا أن فيها نقصًا، وبعد الاطِّلاب المديد، والافتقاد الطويل حصل على الناقص، إلا على أوراق بلغه أن قلانسيًّا قد استعملها في شغله، وجعلها قوالب للقلانس، فضاعت، فتأسف غاية التأسف على هذا الضياع، حتى كاد يمرض، وامتنع أيامًا عن خدمة الأمير في قصره، فصارت عِدَّة من الأفاضل والأعيان يزورونه تعزية له، كأنه قد مات أحدُ أقاربه المحبوبين.
***
стр. 40
يا كبير الهمة: لا يضرك التفرد فإن طرق العلاء قليلة الإيناس
إن كبير الهمة على الإطلاق من يتحرى الفضائل، لا للذة، ولا لثروة، ولا لاستشعار نخوة، واستعلاء على البرية، بل يتحرى مصالح العباد شاكرًا بذلك نعمة الله، وطالبًا به مرضاته غير مكترث بقلة مصاحبيه، فإنه إذا عظم المطلوب قلَّ المساعد، وطرق العلاء قليلة الِإيناس.
أَهُمُّ بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونها وأُطارِدُ
فريدٌ عن الخِلَّان في كل بلدة ... إذا عَظُم المطلوبُ قلَّ المساعِدُ
عن ابن جدعان قال: (سمع عمر رجلًا يِقول: "اللهم اجعلني من الأقلين"، فقال: "يا عبد الله! وما الأقلون؟ "، قال: سمعت الله يقول. ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، وذكر آيات أخر، فقال عمر: "كل أحد أفقه من عمر").
وقال سفيان بن عيينة: "اسلكوا سبل الحق، ولا تستوحشوا من قلة
أهلها".
وقال الفضيل بن عياض ﵀: "الزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين".