- وقال جعفر الخلدي البغدادي: "ما عقدتُ لله على نفسي عقدًا، فنكثته".
- وقال صالح بن الإمام أحمد بن حنبل.
(عزم أبي على الخروج إلى مكة، ورافق يحيى بن معين، فقال أبي: "نجح، ونمضي إلى صنعاء إلى عبد الرزاق"، قال: فمضينا حتى دخلنا مكة، فإذا عبد الرزاق في الطواف، وكان يحيى يعرفه، فطفنا، ثم جئنا إلى عبد الرزاق، فسلم عليه يحيى، وقال: "هذا أخوك أحمد بن حنبل"، فقال: "حياه الله، إنه ليبلغني عنه كل ما أسر به، ثبته الله على ذلك"، ثم قام لينصرف، فقال يحيى: "ألا نأخذ عليه الموعد؟ "، فأبى أحمد، وقال: "لِمَ أغير النية في رحلتي إليه؟ "، أو كما قال، ثم سافر إلى اليمن لأجله، وسمع منه الكتب، وأكثر عنه).
- وقال الحافظ أبو إسحاق الحبال: (كنتُ يومًا عند أبي نصر السِّجزي، فدُقَّ الباب، فقُمتُ ففتحتُه، فَدَخَلَت امرأة وأخرَجتْ كيسًا فيه ألفُ دينار، فوضعَتْه بين يدي الشيخ، وقالت: "أنفِقْها كما ترى"، قال: "ما المقصود؟ "، قالت: "تتزوَّجُني، ولا حاجة لي في الزواج، ولكن لأخدمك"، فأمَرَهَا بأخذ الكيس، وأن تنصرف.
فلما انصرفَتْ، قال: "خرجتُ من سِجسِتْان بِنيّةِ طلب العلم، ومتى تزوَّجتُ سقَطَ عني هذا الأسم، وما أُوثِرُ على ثواب طلب العلم شيئًا").
***
стр. 37
عَلَامَ يندَم ُكبَيرُ الهِمَّةَ ؟
إن كبير الهمة كائن متميز في كل خصائصه، حتى في ندمه، فبينما يندم خسيس الهمة لفوات لذاته، أو يتحسر لفراق شهواته، فإن لكبير الهمة شأنًا آخر حتى وهو يندم، كما تنبىء عنه المواقف التالية:
- فهو يتحسر على ساعة مرت به في الدنيا، لا لأنه عصى الله فيها، وإنما لأنه لم يعمرها بذكر الله : قال رسول الله ﷺ : "ليس يتحسر أهل الجنة على شيءٍ، إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها".
وكان عبد الله بن عمر ﵄ يصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه قول رسول الله ﷺ :
"من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا حتى يُصَلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن (وفي رواية: حتى يُفرغ منها) فله قيراطان من الأجر"، قيل: "يا رسول الله وما القيراطان؟ "، قال: "مثل الجبلين العظيمين"، (وفي رواية: كل قيراط مثل أحد)، وكان قد أخذ ابن عمر قبضة من حصى بالمسجد يقلبها في يده، فلما بلغه أن رسول الله ﷺ قاله، ضرب بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
- وهذا سيف الله المسلول "خالد بن الوليد" ﵁.
يتحسر لموته على فراشه، فقد قال لما حضرته الوفاة:
"لقد شهدت كذا، وكذا زحفًا، وما في جسدي موضع إلا وفيه
стр. 38
ضربة سيف أو طعنة رمح، أو رمية سهم، ثم هأنذا أموت على فراشي حتفَ أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".
- وكان أبو محجن الثقفي مُولعًا بالشراب، مشتهرًا به، وكان سَعْدُ بن أبي وقَّاص حبسه فيه، فلمَّا كان يومُ القادِسيَّة وبلَغه ما يفعل المشركون بالمسلمين، وهو عند أمِّ ولدٍ لسَعْدٍ، قال:
كفَى حَزَنًا أن تُطْعَنَ الخَيْلُ بالقَنَا ... وأترَكَ مَشْدُودًا عليَّ وَثَاقيَا
إذَا قُمْتُ عَناني الحَديدُ وغُلِّقَت ... مَغَالِيقُ من دُوني تُصِمُّ المُنَادِيَا
وقد كُنْتُ ذَا أهْلٍ كَثير وإخْوَةٍ ... فَقَدْ تَرَكُوني واحدًا لَّا أخا ليَا
هَلَُمَّ سِلَاحي، لا أبا لَكَ، إِننيْ ... أرى الحَرْبَ لا تَزْدَادُ الا تَمَاديَا
فقالت له أمُّ ولد سعدٍ: "أتَجْعَلُ لي إنْ أنا أطلقتُك أن ترجعَ حتَّى ْأُعيدَكَ في الوَثاق؟! " قال: "نعم"، فأطلقَتْه، وركب فرسًا لسعْدٍ بَلْقاءَ، وحَمَل على المشركين، فجعل سعد يقول: "لولَا أنَ أبا مِحْجَن في الوَثاق لظننتُ أنَّه أبو محجن وأنَّها فَرسي"، وانكشف المشركون، وجاءَ أبو محجن فأعادتْه في الوَثاق، وأتت سعدًا فأخبرتْه، فأرسل إلى أي محجن فأطلقَه، وقال: "والله لا حبستُك فيها أبدًا"، قال أبو محجن: "وأنا واللهِ لا أشربُها بعدَ اليوم أبدًا".
- وعن قتادة أن عامر بن قيس لما حُضِر جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال.: "ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمإ الهواجر، وعلى قيام ليالي الشتاء".
- وذكروا لشعبة حديثًا لم يسمعه، فجعل يقول: "واحزناه! "، وكان يقول: "إني لأذكر الحديث، فيفوتني، فأمرض".
كم فرصةٍ ذهبت فعادت غُصَّةً ... تشجى بطول تلهف وتندُّم
стр. 39
وقال القاسم بن سلام: (دخلت البصرة لأسمع من "حماد بن زيد"، فإذا هو ميت، فشكوت ذلك إلى "ابن مهدي"، فقال لي: "مهما سُبِقْتَ، فلا تُسْبَقَنَّ بتقوى الله").
وكان مالك بن يخامر السكسكي من تلاميذ معاذ بن جبل ﵁، وقد عاش ما عاش ناقلاً من روح معاذ إلى روحه، ومن قلب معاذ إلى قلبه، ومن عقل معاذ وإيمانه إلى عقله وإيمانه، فلما حضرت معاذا لوفاةُ بكى، فقال له معاذ: "ما يُبكيك؟ "، قال: "والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أستفيدهما منك"، فأجابه معاذ وهو يجود بروحه:
ْ "إن العلم والِإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما".
- ولما حج أبو بكر السمعاني والسِّلَفُّي ظفرا بأبي مكتوم عيسى بن أبي ذر، فتهاونا، فسارع في النفر الأول، ورجع إلى موطنه سراة بني شبابة، وفاتهما، فتحزَّن تاج الِإسلام أبو بكر، فأخذ السلفي يُسَلّيه، ويقول: (ما كان معه سوى "صحيح البخاري"، وأنت في إسناده مثله).
- واقتنى الشيخ جمال الدين بن القفطي نسخة حميلة من كتاب "الأنساب" للسمعاني حُرِّرت بيد المؤلف، إلا أن فيها نقصًا، وبعد الاطِّلاب المديد، والافتقاد الطويل حصل على الناقص، إلا على أوراق بلغه أن قلانسيًّا قد استعملها في شغله، وجعلها قوالب للقلانس، فضاعت، فتأسف غاية التأسف على هذا الضياع، حتى كاد يمرض، وامتنع أيامًا عن خدمة الأمير في قصره، فصارت عِدَّة من الأفاضل والأعيان يزورونه تعزية له، كأنه قد مات أحدُ أقاربه المحبوبين.
***
стр. 40
يا كبير الهمة: لا يضرك التفرد فإن طرق العلاء قليلة الإيناس
إن كبير الهمة على الإطلاق من يتحرى الفضائل، لا للذة، ولا لثروة، ولا لاستشعار نخوة، واستعلاء على البرية، بل يتحرى مصالح العباد شاكرًا بذلك نعمة الله، وطالبًا به مرضاته غير مكترث بقلة مصاحبيه، فإنه إذا عظم المطلوب قلَّ المساعد، وطرق العلاء قليلة الِإيناس.
أَهُمُّ بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونها وأُطارِدُ
فريدٌ عن الخِلَّان في كل بلدة ... إذا عَظُم المطلوبُ قلَّ المساعِدُ
عن ابن جدعان قال: (سمع عمر رجلًا يِقول: "اللهم اجعلني من الأقلين"، فقال: "يا عبد الله! وما الأقلون؟ "، قال: سمعت الله يقول. ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، وذكر آيات أخر، فقال عمر: "كل أحد أفقه من عمر").
وقال سفيان بن عيينة: "اسلكوا سبل الحق، ولا تستوحشوا من قلة
أهلها".
وقال الفضيل بن عياض ﵀: "الزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين".
стр. 41
وقال سليمان الداراني: "لو شك الناس كلهم في الحق، ما شككت فيه وحدي".
وقال بعض الصالحين: "انفرادك في طريق طلبك، دليل على صدق الطلب".
فعالي الهمة ترقى في مدارج الكمال بحيث صار لا يأبه بقلة السالكين، ووحشة الطريق لأنه يُحَصِّل مع كل مرتبة يرتقي إليها من الأنس بالله ما يزيل هذه الوحشة (١)، وإلا انقطع به السبيل.
[إن أول ثمرات العزة الإيمانية التي يحسها المؤمن: إدراكه ما في الإسلام من قوة الحقيقة التي يكفي لكي تعلن عن نفسها أن تتمثل في فرد واحد، وما في الآراء الجاهلية المخالفة من زيف الباطل، واحتياجها إلى سواد كثير، وعدد كبير من الأفراد، يأسر منظرهم كل ساذَج، فيغتر، وينطلي زيف الباطل عديه، دون أن يدرك ما هم فيه من الضلال.
стр. 42
ومن ها هنا رأينا تمثل الأمة الإسلامية أكثر من مرة بمؤمن واحد فقط، كما قال الله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفا﴾ قال ابن تيمية: "أي: كان مؤمنًا وحده، وكان الناس كفارا جميعًا") (١) وفي "صحيح البخاري" أنه قال لزوجه سارة: "يا سارة! ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك".
ثم كما تمثلت حينًا بمحمد ﷺ وحده] (٢)، وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لقد أوذيتُ في الله وما يؤذى أحد، وأخِفْتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عَليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة، ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال". [صحيح].
فمن ثم (انسدَّ باب شعور المؤمن بالغربة، فهو -لأنه يمثل الإيمان والحقيقة- يشعر بأن الناس حميعًا، وهم في ضلالهم هم الغرباء التائهون، ولذلك، فإنه لما توهم واهم، فوصف عبد الوهاب عزام بالغربة، كان جوابه سريعًا، فقال:
قال لي صاحب: أراك غريبًا ... بين هذا الأنام دون خليلِ
قلت: كلا، بل الأنام غريب ... أنا في عالمي، وهذي سبيلي) (٣)
стр. 43
وكبير الهمة -كما يقول الامام المحقق ابن القيم ﵀ تعالي-:
(لا يكترث بمخالفه الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف: "عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين" وكلما استوحشت في تفردك؛ فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغُضَّ الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئًا، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك، فلا تلتفت إليهم، فإنك متى التفت إليهم أخذوك، وعاقوك) (١) اهـ.
والملتفت لنعيق الباطل كالظبي، و "الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحسَّ به؛ التفت إليه، فيضعف سعيه، فيدركه الكلبُ، فيأخذه" (٢).
وقال الأستاذ سيد قطب ﵀ في هذا المعنى:
أخي فامضِ لا تلتفت للوراءْ ... طريقك قد خَضبَّتْهُ الدماءْ
ولا تلتفت ها هنا أو هناك ... ولا تتطلع لغير السَّماء
...
стр. 44
أحَوالُ خَسِيس الِهمَّةَ
إن الإنسان المسمى بالحيوان الناطق موضع تجاذب بين أخلاق وطباع العالم السفلي، وبين صفات وصفاء العالم العلوي:
فَيَحِنُّ ذاك لأرضه بِتَسَفُّلِ ... ويحن ذا لسمائه بتصعُّدِ
قال أحمد بن خِضرويه: "القلوب جوالة: فإما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحُشِّ"، وقال بعضهم: "نزول همة الكسَّاح؛ دلَّاه في جُبِّ العَذِرَةِ" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "الأرواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج، وليس ما أعدَّ للاستفراخ كمن هيىء للسباق".
خلق الله للحروب رجالاً ... ورجالاً لقصعة وثريدِ
فإن رفض ذلك الإنسان الارتقاء إلى عِليين، وعشق الظلمة، ومقت النور، وأبى إلا أن يهبط بنفسه إلى وَحْل الشهوات، فتمرَّغ فيها، وانحطَّ إلى نزوات الحُمُر، وسفاسف الأمور، ونزغات الشياطين، وتثاقل إلى الأرض؛ سقط إلى سِجِّين، وما أدراك ما سجين، وانحدر دون مرتبة ذوات الحوافر، قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾، وقال تعالى: ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام
стр. 45
والنار مثوى لهم﴾.
فهم كالأنعام ليس لهم هَمٌّ إلا تحصيل الشهوات:
كالعير ليس له بشيء همَّةٌ ... إلا اقتضام القَضْبِ (١) حول المِذودِ (٢)
كما أن الأنعام تسهو، وتلهو بالطعام، وتغفل عن عاقبة النحر والذبح بعده، وهوًلاء أيضا ساهون عما في غدهم.
وهم أضل من الأنعام، لأنها تبصر منافعها ومضارها، وتتبع مالكها، وهم بخلاف ذلك، قال عطاء: "الأنعام تعرف الله، والكافر لا يعرفه".
وصف سعد بن معاذ ﵁ المشركين، فقال: "رأيت قومًا ليس لهم فضل على أنعامهم، لا يهمهم إلا ما يجعلونه في بطونهم وعلى ظهورهم، وأعجب منهم: قوم يعرفون ما جهل أولئك، ويشتهون كشهوتهم".
وإنك إن أعطيت بطنك سُؤْلَه ... وفرجَكَ نالا منتهى الذم أجمعا
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إياكم والبِطْنَة في الطعام والشراب؛ فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة"، ووصف الشاعر أكولًا، يستغرق حياته في نهمه وشهوته، فقال:
عريضُ البِطانِ (٣) جديد الخوان ... قريب المَراث (٤) من المرتعِ
فنِصفُ النهارِ لكِرْياسِه (٥) ... ونِصفٌ لمأكلِهِ أجمعِ
وعن محمد بن الحنفية قال: "من كَرُمت عليه نفسه، هانت عليه
стр. 46
الدنيا"، وقيل لمحمد بن واسع: "إنك لترضى بالدون"، قال: "إنما رضي بالدون مَن رضي بالدنيا".
يا خاطبَ الدنيا إلى نفسها ... تنحَّ عن خِطبتها تَسْلم
إن التي تخطبُ غرَّارة ... قريبةُ العُرْس من المأتم
وسفلة الهمم هؤلاء هم الذين أخبر عنهم الصادق المصدوق بقوله: "وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر (١) له، الذين هم فيكم تبعًا، لا يبغون أهلًا ولا مالًا" (٢) الحديث، فهو قانع بكونه ذيلًا، ومسبوقًا، وتابعا، فارٌّ من المسئولية وتبعاتها.
ففيهم يقول الشاعر:
شبابٌ قُنَّعٌ لا خير فيهم ... وبُورِك في الشباب الطامحينا
وهم "الغثاء" الذين أخبر عنهم ﷺ بقوله: ("يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكَلة إلى قصعتها"، فقال قائل: "ومن قلة نحن يومئذ؟ " قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوَهَن"، فقال قائل: "يا رسول الله وما الوهن؟ " قال: "حب الدنيا، وكراهية الوت") (٣).
وفيهم قال الشاعر:
стр. 47
وأفتح عيني حين أفتحها ... فأرى كثيرًا، ولكن لا أرى أحداً
فهم كَسَقَطِ المتاع، موتهم وحياتهم سواء، وفيهم يقول ابن الجوزي ﵀:
"لا يدرون لم خلقوا، ولا المراد منهم، وغاية همتهم: حصول بغيتهم من أغراضهم، ولا يسألون عند نيلها ما اجتلبت لهم من ذم، يبذلون العِرْضَ دون الغرض، ويؤثرون لذة ساعة، وإن اجتلبت زمان مرض، يلبسون عند التجارات ثياب محتال، في شعار مختال، ويُلبِّسون في المعاملات، ويسترون الحال، إن كسبوا: فشبهة، وإن أكلوا: فشهوة، ينامون الليل وإن كانوا نيامًا بالنهار في المعنى (١)، ولا نوم بهذه الصورة، فإذا أصبحوا، سعوا في تحصيل شهواتهم بحرص خنزير، وتبصيص كلب، وافتراس أسد، وغارة ذئب، وروغان ثعلب، ويتأسفون عند الموت على فقد الهوى، لا على عدم التقوى، ذلك مبلغهم من العلم" اهـ.
كلما همَّ أحدهم أن يسمو إلى المعالي، ختم الشيطان على قلبه: "عليك ليل طويل، فارقد"، وكلما سعى في إقالة عثرته، والارتقاء بهمته، عاجلته جيوش التسويف والبطالة والتمني، ودعثرته، ونادته نفسه الأمارة بالسوء: "أنت كبر أم الواقع؟ ".
стр. 48
لا تطلب المجد واقنع ... إن المجد سُلَّمه صعب
آخر:
دَع المكارم لا ترحل لبُغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فبقي مستكينًا يرزح تحت وطأة الشهوات، ويجبن عن أن يثور على واقعه (١)، أو أن يفك وَثاق همته:
ومن يتهيب صعود الجبال ... يَعِشْ أبد الدهر بين الحُفَر
وإن نازعته نفسه إلى طلب المعالي، والارتقاء بهمته، واقتحام الأهوال، والتخلي عن البَطالة والعجز والكسل، زجرها قائلًا:
ذريني تَجِئْني مِيتتي مطمئنةً ... ولم أتقحَّمْ هولَ تلك المواردِ
فإن كريمات المعالي مَشُوبة ... بمستودَعات في بطون الأساودِ (٢)
وفي شأنهم وأمثالهم يقول الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀:
стр. 49
(لا شيء أقبح بالإنسان من أن يكون غافلاً عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهمج الرَّعاع، الذين يكدرون الماء، ويغلون الأسعار، إن عاش عاش غير حميد، وإن مات مات غير فقيد، فقدهم راحة للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحش لهم الغبراء) (١) اهـ.
وقال أيضًا ﵀ في الذين حُرِموا العلم والبصيرة، والهمة والعزيمة: (هم الموصوفون بقوله تعالى: ﴿إن شَرَّ الدُّوَابِّ عند اللهِ الصم البكم الذين لا يعقلون﴾، وبقوله: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً﴾، وبقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء﴾ وبقوله: ﴿وما أنت بمُسمعٍ من في القبور﴾.
وهذا الصنف شر البرية، رؤيتهم قذى العيون، وحُمَّى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار، وعند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، وينطقون، ولكن عن الهوى ينطقون، ويتكلمون ولكن بالجهل يتكلمون، ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت، ويعبدون ولكن من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويجادلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق، ويتفكرون ويبيتون، ولكن ما لا يرضى من القول، ويدعون، ولكن مع الله إلهًا آخر يدعون، ويحكمون ولكن حكم
стр. 50
الجاهلية يبغون، ويقولون: إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، فهذا الضرب: ناس بالصورة، وشياطين بالحقيقة، وجلهم إذا فكرت لها حمير أو كلاب أو ذئاب، وصدق البحتري في قوله:
لم يبق من جل هذا الناس باقية ... ينالها الوهم إلا هذه الصور
وقال آخر:
لا تخدعنك اللحاء والصور ... تسعة أعشار مَن ترى بقر
في شجر السِّدْر منهم مثل ... لها رواء ومالها ثمر
وأحسن من هذا كله قوله تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم
وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة﴾، عالِمهم كما قيل:
زوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير -إذا غدا ... بأوساقه أو راح- ما في الغرائرِ
وأحسن من هذا وأبلغ وأوجز وأفصح قوله تعالى: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾) اهـ.
أصدق الأسماء حارِث، وَهَمَّام
(الناس حميعًا مؤمنون وكفار لا بد لهم من مراد يقصدونه، ويتوجهون إليه، على ذلك فطرهم الله، فالإنسان دائم الهم والإرادة، دائب العمل والحركة، ولذلك كان "أصدق الأسماء: حارث، وهمام" كما ورد في الحديث (١)، لأن كل إنسان حارث: بمعنى
стр. 51
كاسب، وكل إنسان همَّام: أي كثير الهم والإرادة.
فالإنسان مجبول على أن يقصد شيئًا، ويريده، ويستعينه، ويعتمد عليه في تحصيل مطلبه، قد يكون هو الله، وقد يكون غيره، ولكن الإنسان لا يمكن إلا أن يكون كذلك، أي له مراد يقصده، ويتوجه إليه.
والسبب في ذلك أن الإنسان فقير إلى غيره محتاج اليه، كي يَسُدَّ نقصه، ويكمل عجزه، ويحصل حاجته، وفقره هذا دائم لا يتوقف، ولا ينقطع.
ومن عجائب الإنسان أنه إذا أراد شيئاً من المخلوقات، ثم حصل عليه مَلَّه، وطلب غيره، أو أكثر منه، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثًا" (١)، فالنفس الإنسانية دائمة التطلاب لما لم تحصل عليه، ولم تصل إليه، وليس هناك مِن شيء يمكن أن يسدَّ فقرها وحاجتها إلا أن تصل إلى ربها ومعبودها، فتعرفه، وتقصده دون سواه، عند ذلك يجد القلب مطلوبه، وتحصل النفس على مرادها، فيكون الاطمئنان والراحة والهناء، وفي ذلك يقول رب العزة: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، فليس هناك ما يمكن أن يجلب الطمأنينة إلا الوصول إلى الرب المعبود معرفة وقصدًا وتوجهًا) (٢) اهـ.
стр. 52
لقد كان يسبي القلبَ في كل ليلة ... ثمانون بل تسعون نفسًا وأرجحُ
يهيم بهذا ثم يألف غيره ... ويسلوهم من فوره حين يصبح
وقد كان قلبي ضائعًا قبل حبكم ... فكان بحب الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن خبائك يبرح
وكم مشتر في الخلق قد سام قلبه ... فلم يره إلا لحبك يصلح
هوى غيركم نارٌ تلظى ومحبس ... وحبكم الفردوس أو هو أفسحُ
فيا ضَيمَ قلب قد تعلق غيركم ... ويا رحمة مما يجول ويكدح (١)
(والنفس في طلب مرادها مترقية متسامية، تطلب الأكمل والأفضل، والكمال كله والفضل كله حازته الذات الإلهية، فإذا وجَّه الإنسانُ قصده وهمته لغير فاطره، فإنه يشقى ولا بد، لأن همومه تتعدد، وغاياته تتشتت، فإذا لم يكن هم العبد همًّا واحدًا تقاسمته هموم الدنيا، فعند ذلك لا يدري إلى أين يسير؟ ولا كيف يتجه؟ فمرة يُشَرِّقُ، ومرة يُغَرِّبُ، ومرة يعبد صنمًا، وأخرى شمسًا وقمرًا، ويحاول إرضاء هذا مرة، وذاك مرة، والذى رضي عنه قد يغضب عليه، والذي زيَّن له العمل قد يستقبحه منه بعد حين، فيئول الأمر به إلى الصراع، والقلق الروحي، والعقد النفسية، وقد ينتهي به إلى الانتحار.
أما المسلم فغايته واحدة، ومنهجه الذي يؤدى إلى هذه الغاية واحد،
وهو قادر على أن يرضي الله، ويسير على هداه، وبذلك تتوحد همته، ويتحقق مطلوبه، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : "من كانت نيته
стр. 53
الآخرة، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلبُ الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتَّت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كُتِب له") (١) اهـ.
ومُشَتَّتُ العزمات ينفق عُمره ... حيران لا ظَفَرٌ ولا إخفاق
عُلوِيَّةُ الرَّوحَ وَسُفِليَّةُ البدَنِ
ْقال الإمام المحقق "ابن القيم " -رحمه الله تعالى-:
(خُلق بدن ابن آدم من الأرض، وروحه من ملكوت السماء، وقرن بينهما، فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة، وجدت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي، وإذا أشبعه، ونعَّمه، ونوَّمه، واشتغل بخدمته وراحته، أخلد البدن إلى الموضع الذى خُلق منه، فانجذبت الروح معه، فصارت في السجن، فلولا أنها ألفت السجن، لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه، كما يستغيث المعذب.
وبالجملة: فكلما خف البدن؛ لطفت الروح، وخفت، وطلبت عالمها العلوي، وكلما ثقل وأخلد إلى الشهوات والراحة؛ ثقلت الروح، وهبطت من عالمها، وصارت أرضية سفلية، فترى الرجل روحه في الرفيق الأعلى، وبدنه عندك، فيكون نائمًا على فراشه، وروحه عند سدرة المنتهى، تجول حول العرش، وآخر واقف في الخدمة ببدنه، وروحه في السفل تجول حول السفليات، فإذا فارقت الروح
стр. 54
البدن، التحقت برفيقها الأعلى أو الأدنى، فعند الرفيق الأعلى كل قرة عين، وكل نعيم وسرور وبهجة ولذة وحياة طيبة، وعند الرفيق الأسفل كل هم وغم وضيق وحزن وحياة نكدة، ومعيشة ضنك، قال تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا﴾، فذِكره: كلامه الذي أنزله على رسوله ﷺ ، والِإعراض عنه: ترك تدبره والعمل به، والمعيشة الضنك: فأكثر ما جاء في التفسير أنها عذاب القبر، قاله ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس ﵃؛ وفيه حديث مرفوع؛ وأصل الضنك في اللغة: الضيق والشدة، وكل ما ضاق فهو ضنك، يقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، فهذه المعيشة الضنك في مقابلة التوسيع على النفس والبدن بالشهوات واللذات والراحة، فإن النفس كلما وسَّعْتَ عليها، ضَيَّقْتَ على القلب حتى تصير معيشة ضنكًا، وكلما ضيقت عليها، وسَّعت على القلب حتى ينشرح وينفسخ، فضنك المعيشة في الدنيا بموجب التقوى؛ سَعتها في البرزخ والآخرة، وسعة المعيشة في الدنيا بحكم الهوى ضنكها في البرزخ والآخرة، فآَثِرْ أحسن المعيشتين، وأطيبهما، وأدومهما، وأشْقِ البدن بنعيم الروح، ولا تُشْقِ الروح بنعيم البدن، فإن نعيم الروح وشقاءها أعظم وأدوم، ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون، والله المستعان) (١) اهـ.
...
стр. 55
عَالِي الِهمَةِ لَا يَقنعَ بِالدوَنِ ولَا يُرضيه إلَا معالي الأمُورِ
الهمم الغالية لا تعطي الدنية، ولا تقنع بالسفاسف، ولا ترضى إلا بمعالي الأمور:
قلت للصقر وهو في الجو عالٍ ... اهبط الأرضَ فالهواءُ جديب
قال لي الصقر: في جناحي وعزمي ... وعَنانِ السماء مرعًى خصيب
وهذا المرعى لا شك يجهله الأرضيون، حيث ثقلة التراب، ومطامع الأرض.
إذا ماكنت في أمرٍ مَروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
وقال صفي الدين الحِلِّي:
لا يَظهر العجر منا دون نيل مُنى ... ولو رأينا المنايا في أمانينا
وقال الباروديُّ:
فانهض إلى صَهَواتِ (١) المجد معتليا ... فالبازُ (٢) لم يأو إلا عالي القُلَلِ (٣)
ودع من الأمر أدناه لأبعده ... في لُجَّة البحر ما يغني عن الوَشَلِ (٤)
стр. 56
قد يظفر الفاتك (١) الألوي (٢) بحاجته ... ويقعدُ العجزُ بالهيَّابةِ (٣) الوكلِ (٤)
إن عالي الهمة يعلم أنه إذا لم يزد شيئًا في الدنيا فسوف يكون زائدًا عليها، ومن ثم فهو لا يرضى بأن يحتل هامش الحياة، بل لا بد أن يكون في صلبها ومتنها عضوًا مؤثرًا:
وما للمرء خيرٌ في حياة ... إذا ما عُدَّ من سَقَطِ (٥) المتاع
وقال على بن محمد الكاتب البُستي:
إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يدًا ... ولم أقتبس علمًا فما هو من عمري
إن كبير الهمة نوع من البشر تتحدى همته -بحول الله وقوته- ما وراه
غير مستحيلًا، وينجز -بتوفيق الله إياه- ما ينوء به العصبة أولو القوة،
ويقتحم -بتوكله على الله- الصعاب والأهوال، لا يلوي على شيء:
له هِممٌ لا منتهى لكبارها ... وهمتُه الصغرى أَجَلُّ من الدهر
فمن ثم قيل: "ليس في علو الهمة إفراط في الحقيقة"، لأن الهمم العالية طموحة وثَّابة، دائمة الترقي والصعود، لا تعرف الدعة والسكون.
فكن رجلًا رجلُه في الثرى ... وهامة همته في الثريا
بل إن همته تتجاوز الثريا، ولا تقنع بدون أعلى درجات الجنة.
قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- لدُكين لما جاءه: "يا دُكين، إن لي نفسًا توَّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نِلتها تاقت إلى الجنة".
стр. 57
قال الإمام "ابن الجوزي" ﵀:
(من أعمل فكره الصافي؛ دله على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضى بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا ... كنقص القادرين على التمام
فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه:
فلو كان يُتصور للآدمي صعود السموات، لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد، رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض.
غير أنه إذا لم يمكن ذلك، فينبغي أن يطلب الممكن، والسيرة الجميلة عند الحكماء: خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل.
وأنا أشرح من ذلك ما يدل مذكوره على مُغْفَلِه:
أما في البدن: فليست الصورة داخلة تحت كسب الآدمي؛ بل يدخل تحت كسبه تحسينُها، وتزيينها، فقبيح بالعاقل إهمال نفسه، وقد نبه الشارع على الكل بالبعض: فأمر بقصِّ الأظفار ونتف الإبط، وحلق العانة، ونهى عن أكل الثوم والبصل النيىء لأجل الرائحة، وينبغي له أن يقيس على ذلك، ويطلب غاية النظافة، ونهاية الزينة، وقد كان النبي ﷺ يُعرف مجيئه بريح الطيب، فكان الغاية في النظافة والنزاهة.
ولست آمر بزيادة التقشف الذي يستعمله الموسوس، ولكن التوسط هو المحمود ... ).
إلى أن قال ﵀:
(وينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب ليفضل على غيره، ولا يفضل غيره عليه، وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم، ثم ينبغي
стр. 58
له أن يطلب الغاية في العلم.
ومن أقبح النقص: التقليد، فإن قويت همته رقته إلى أن يختار لنفسه مذهبًا، ولا يتمذهب لأحد، فإن المقلد أعمى يقوده مقلده.
ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في معرفة الله تعالى ومعاملته، وفي الجملة لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلها، فإن القنوع حالة الأراذل:
فكن رجلًا رِجله في الثرى ... وهامة همته في الثريَّا
ولو أمكنك عبور كل أحد من العلماء والزهاد فافعل، فإنهم كانوا رجالًا، وأنت رجل (١)، وما قعد من قعد إلا لدناءة الهمة وخساستها.
واعلم أنك في ميدان سباق، والأوقات تنتهب، ولا تخلد إلى كسل، فما فات من فات إلا بالكسل، ولا نال من نال إلا بالجد والعزم.
وإن الهمة لتغلي في القلوب غليان ما في القدور، وقد قال بعض من سلف:
ليس لي مال سوى كرِّي ... فبه أحيا من العدم
قَنِعَت نفسي بما رُزِقت ... وتمطَّت في العُلا هممي) (٢) اهـ.
ومن غليان الهمة فٍى الصدور يفزع صاحبها إلى المجد فزعًا:
إذا ذُكِرَ المجدُ ألفيتَه ... تأزَّر بالمجد ثم ارتدى
стр. 59
نَدْرَةُ كبيري الِهمَّة فَى الناسِ
وكبيرو الهمة يتسابقون إلى المكارم، لا يكلون، ولا يملون، ولا، يقنطون ﴿وهل يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾.
وجد القنوطُ إلى الرجالِ سبيلَه ... وإليك لم يجدِ القنوطُ سبيلا
ولَرُبَّ فردٍ في سُمُوِّ فعاله ... وعُلُوِّه خُلُقًا يعادل جيلا
وهم في الناس كالعملة النادرة، أو كالكبريت الأحمر، يصدق عليهم قول رسول الله ﷺ : "تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة" (١).
وهم في الناس ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين:
وقد كانوا إذا عُدُّوا قليلًا فقد صاروا أعَزَ من القليل.
الواحد منهم بأمة، والفرد منهم بألف:
يعد بألفٍ من رجال زمانه ... لكنه في الألمعية واحدُ
стр. 60
آخر:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتًا ... إلى المجد حتى عُدَّ ألف بواحدِ
ولذا عظمت المصيبة بفقدهم، وعمت الرزية بموتهم:
تعلَّم ما الرزية فقد مالٍ ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقدُ حُرٍّ ... يموت بموته بشر كثير
آخر:
فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ ... ولكنه بنيانُ قوم تَهَدَّما
قال بعض السلف: "موت العالم ثُلْمَةٌ في الإسلام، لا يسدها شىء".
ومما قيل في رثاء عمر بن عبد العزيز ﵀:
عَمَّت صنائعه، فعم هلاكُه ... فالناسُ فيه كلهم مأجورُ
والناس مَأتمهم عليه واحدٌ ... في كل دارٍ رَنَّةٌ وزفيرُ
يُثني عليك لسانُ مَن لم تُولِهِ ... خيرًا، لأنك بالثناء جديرُ
رَدَّتْ صنائعُه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشورُ
وقال أبو بكر ﵁: "صوت القعقاع -أي: ابن عمرو التيمي- في الجيش خير من ألف رجل".
ولما طلب عمرو بن العاص ﵁ المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في فتح مصر كتب إليه:
(أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن خالد).
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يومًا لأصحابه: "تَمَنُّوا" فقال رجل: "أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا،
стр. 61
أنفقه في سبيل الله "، فقال: "تمنوا"، فقال رجل: "أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله ، وأتصدق به"، ثم قال: "تمنوا"، قالوا: "ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ "، قال عمر: "لكنى أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالًا مثل أبى عبيدة بن الجراح"، أخرجه صاحب "الصفوة"، وأخرجه الفضائلي وزاد: (فقال رجل: "ما آلوت (١) الإسلام"، قال: "ذلك الذي أردت").
وقال أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن على الباقرُ:
"لكل قوم نجيبةٌ، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، إنه يُبْعَث أمَةً وَحْدَهُ".
وقال الأصمعي: لما صافَّ قتيبهُ بن مسلم للترك، وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع، فقيل: "هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه، يبصبصُ بأصبعه نحوَ السماء"، قال: "تلك الأصبعُ أحبُّ إلَّي من مئة ألف سيف شهير، وشاب طرير".
وقد يقرن ذو الهمة بالعجائب، بل يوفى عليها:
قال يحيى بن معين إمام المحدثين:
"رأيت بمصر ثلاث عجائب: النيل، والأهرام، وسعيد بن عفير".
وهو الإمام الحافظ العلامة الأخباري الثقة أبو عثمان المصري كان من بحور العلم، وحسبك أن ينبهر به يحيى بن معين!
وسئل ابن المبارك عن الجماعة؟ فقال: "أبو بكر وعمر"، فقيل
стр. 62
له: "قد مات أبو بكر وعمر"، قال: "فلانٌ وفلان"، قيل: "قد مات فلانٌ وفلان؟ "، قال ابن المبارك: "أبو حمزة السكري جماعة" (١).
...
стр. 63
عَالي الهمة لَا يَرضَي بِمَا دُونَ الجنَّةَ
لما كان كمالُ الإرادة بكمال المراد، فإن أكمل الناس إرادة هو من أراد الله ، فوحَّده، ولم يشرك به شيئًا، وسعى إِلى مجاورة الرفيق الأعلى في دار كرامته التي رضيها الله لأوليائه، وتجافى عن دار الغرور التي جعلها للمؤمن سجنًا، وللكافر جنة، قيل للعتَّابي: "فلان بعيد الهمة"، قال: "إِذن لا يكونُ له غاية دون الجنة".
قد هيَّأوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ
وإذا كانت لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسَّا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرًا مَنْ لذتهم في معرفة الله ومحبته، والشوق إِلى لقائه، والتودد إِلية بما يحبه ويرضاه ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾.
يقول الإمام الغزالي ﵀ في كتابه "منهاج العابدين":
(الملك والكرامة بالحقيقة في الدنيا لأولياء الله وأصفيائه الراضين بقضائه، فالبر والبحر والأرض والحجر والمدر لهم ذهب وفضة، والجن والإنس والبهائم والطير لهم مسخرون، لا يشاءون إلا ما شاء الله، وما شاء الله كان، ولا يهابون أحدًا من الخلق، ويهابهم كل الخلق، ولا يخدمون أحدًا إلا الله ، ويخدمهم كل من دون الله، وأين لملوك الدنيا بعشر هذه الرتبة، بل هم أقل وأذل، وأما ملك الآخرة فيقول الله تعالى: ﴿وإذا رأيتَ ثَمَّ رأيتَ نعيمًا ومُلكًا
стр. 64
كبيرًا﴾ وأعظِم بما يقول فيه رب العزة "إنه ملك كبير"، وأنت تعلم أن الدنيا بأسرها قليلة، وأن بقاءها من أولها إلى آخرها لقليل، ونصيب أحدنا من هذا القليل قليل، ثم الواحد منا قد يبذل ماله وروحه حتى ربما يظفر بقدر قليل من هذا القليل في بقاء قليل، وإن حصل له ذلك فيُعذَر، بل يُغْبَط، ولا يستكثر ما بذل فيه من المال والنفس (١)، نحو ما ذكر عن آمرىء القيس حيث يقول:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكًا، أو نموت فنعذرا
فكيف حال من يطلب الملك الكبير في دار النعيم الخالد المقيم؛ أيستكثر مع ذلك أن يصلي ركعتين لله تعالى أو ينفق درهمين أو يسهر ليلتين، كلا بل لو كان له ألف ألف نفس، وألف ألف روح، وألف ألف عمر كل عمر مثل الدنيا وأكبر وأكثر، فبذل ذلك كله في المطلوب العزيز؛ لكان ذلك قليلاً، ولئن ظفر بعده بما طلب، لكان ذلك غُنْمًا عظيمًا، وفضلاً من الذى أعطاه كثيرًا) اهـ (٢).
قال ﷺ : "لو أن رجلاً يجر على وجهة من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في طاعة الله لحقره يوم القيامة" (٣)، وذلك لما يرى وينكشف له عيانًا من عظيم نواله، وباهر عطائه.
стр. 65
فأخلِق بمثل هذا إذا عاين جنة الرضوان أن يتمثل قول القائل:
وكنت أرى أن قد تناهى بى الهوى ... إلى غاية ما بعدها لي مذهبُ
فلما تلاقينا، وعاينت حُسْنَها ... تيقنت أني إنما كنتُ ألعب
إن كبير الهمة لا يعتد بما له فناء، ولا يرضى بحياة مستعارة، ولا بِقُنْيةٍ (١) مستردة، بل همه قنية مؤبدة، وحياة مخلدة، فهو لا يزال يحلِّق في سماء المعالي، ولا ينتهي تحليقه دون عليين، فهي غايته العظمى، وهمه الأسمى، حيث لا نقص ولا كدر، ولا تعب ولا نصب، ولا هم ولا غم ولا حَزَن، إنما هي نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبدي، في حَبرة ونَضرة، في دور عالية بهية، وهناك فقط تقر عينه، وتهدأ نفسه، ويستريح قلبه، قال تعالى في أهل الجنة: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلًا خالدين فيها لا يبغون عنها حِوَلًا﴾.
فالجنة هي الوطن، والأوطار إنما تطلب في الأوطان، أما الدنيا فهي دار غربة منذ أهبط إليها الأبوان:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأولِ منزلِ
فحيَّ على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
...
стр. 66
الدُّنيَا جيفَةٌ، وَالأَسدُ لَاَ يقعُ على الجيَفِ
بعثت "بلقيس" إلى سليمان ﵇ هدية لتمتحن بها قدر همته: فإن رأتها قاصرة، علمت أنها لا تصلح للمعاشرة، وإن رأتها عالية تطلب ما هو أعلى، تيقنت أنه يصلح:
﴿وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون * فلما جاء سليمانَ قال أتمدوننِ بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون﴾ الآيات.
فالدنيا هدية بِلقيس، فارفضها، وتشوَّف إلى ما هو أنفس منها.
وعن ابن مسعود ﵁ قال:
" من أراد الآخرة، أضَرَّ بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة (١)، يا قوم! فأضروا بالفاني للباقي".
قال الإمام الشافعي ﵀:
ومن يذق طعم الحياة فإني خبرتُها ... وسيق إليَّ عَذْبُها وعذابُها
فلم أرها إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلابٌ هَمُّهُنَّ اجتذابها
فإن تجتنبها عشت سِلمًا لأهلها ... وإن تجتذبها ناهشتك كلابُها
стр. 67
لِمَاذَا لَا يوصَفُ الكافِرُ بعلو الِهمَةَ ؟
يخطىء بعض الناس حين يصفون بعض شعوب الكفار كالألمان مثلًا أو اليابانيين، أو أفرادهم من المخترعين والباحثين، بالهمة العالية، وهذا خطأ بَيِّن، لأن الهمة العالية حِكر على طلاب الآخرة، وهي -من شرفها وعزتها- تأنف أن تسكن قلبًا قد تنجس بالشرك والكفران، وتلطخ بأقبح معصية في الوجود، قال تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حَرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾، وقال سبحانه: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾، وقال : ﴿إن الله لا يغفر أن يُشركَ به ويَغفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا﴾.
وقد بينَّا أن كمال "الإرادة" بكمال "المراد".
فمن نظر إلى "الِإرادة"، وقطع النظر عن "المراد" وقع في هذا الخطإ البين.
وقد تواترت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية على ذم الدنيا وتحقيرها، ومدح الآخرة وتعظيمها، وهذا الكافر ليس له مراد إلا تعمير الدنيا، فلها يكدح، وعليها يقاتل، مع إعراضه عن الآخرة، وزهده فيها، أو تكذيبه بالبعث والنشور، قال تعالى:
﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها
стр. 68
والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾، وقال سبحانه: ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾، وقال سبحانه: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى﴾، وقال تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو﴾، وقال سبحانه: ﴿زُين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا﴾، وقال : ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾.
وبين تعالى أن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية فقال :
﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾، ولذلك شنع على الذين يفضلون الدنيا على الآخرة، ويشتغلون بها عنها؛ فقال ﵎:
﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، وقال تعالى: ﴿كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة﴾، وقال سبحانه: ﴿إنَّ هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلاً﴾، وقال : ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى﴾، وقال سبحانه: ﴿وذر الذين اتخذوا دينَهم لعبًا ولهوًا وغرتهم الحياة الدنيا﴾.
وحذر نبيه ﷺ من التطلع إلى زهرة الدنيا، فقال سبحانه:
стр. 69
﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرةَ الحياة الدنيا (١) لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾، وقال للمؤمنين: ﴿ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون﴾.
وعن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيُقال له: "ألم أجعل لك سمعًا، وبصرًا، ومالًا، وولدًا؟ وسخَّرتُ لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس، وترْبَعُ؟ فكنتَ تظن أنك ملاقي يومِك هذا؟ "، فيقول: "لا"، فيقول له: "اليوم أنساك كما نسيتني" رواه أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن خزيمة، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما رأيت مثلَ النارِ نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها" رواه الترمذي [حسن].
وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكرَ اللهِ وما والاه (٢)، وعالمًا أو متعلمًا" رواه ابن ماجه [حسن].
وحسبنا أن هذه الدنيا الدنية وصفها رسول الله ﷺ في كلمة واحدة
стр. 70
بذلك الوصف الحاسم البليغ: "باطل"، قال ﷺ : "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لَبيد:
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل" (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع على سرير مُرَمَّل (٢) بشريط، وتحت رأسه وسادة من أدَمٍ حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر، فانحرف رسول الله ﷺ انحرافة، فلم يَرَ عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبًا، وقد أثَّر الشريط بجنب رسول الله ﷺ ، فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ : "ما يُيكيك يا عمر؟ "، قال: "والله، إلا أن أكون أعلم (٣) أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما يعبثان (٤) في الدنيا فيما يعبثان فيه، وأنت يا رسول الله بالمكان الذي أرى؟ "، فقال النبي ﷺ : "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ "، قال: "بلى"، قال: "فإنه كذلك") (٥).
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
(يُؤتى بأنعمِ أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصبَغُ في جهنم صَبغة، ثم يقال له: "يا ابن آدم! هل رأيتَ خيرًا قط؟ هل مَرَّ بك
стр. 71
نعيمٌ قَط؟ "، فيقول: "لا والله يا ربِّ"، ويُؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيُصبَغ في الجنة صَبغة، فيقّال له: "يا ابنَ آدم! هل رأيت بؤسا قط؟ هل مَر بك شدةٌ قط؟ " فيقول: "لا والله يا رب! ما مَر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط") رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما.
فكيف يكون عالَي الهمة مَن أمكنه أن يكون ملِكًا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فتقوم الملائكة في خدمته، وتدخل عليه من كل باب: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾، فإذا به يتنكب طريق الإيمان، ويتمرغ في وحل الكفر والفسوق والعصيان، ويزهد في جنة الرضوان، ويأبى إلا أن يكون حطبًا للنيران؟!
ويبذل نفسه وماله وولده في سبيل صد الناس عن سبيل الله، قال تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالًا بعيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾.
وكيف يكون عالَي الهمة من فطره الله على التوحيد، فأفسد فطرته، وآتاه نعمة العقل، فعطَّلَها، وبثَّ له آيات توحيده، ودلائلَ صدقِ رسوله ﷺ في الآفاق وفي نفسه، وأنزل كتابه المعجز، فأعرض عن ذلك كله، ولم يرفع به رأسًا، وجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، قال تعالى: ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجًا ممن يكذِّبُ بآياتنا فهم يُوزَعُون * حتى إذا جاءوا قال: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علمًا أمَّاذا كنتم تعملون * ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون﴾.
стр. 72
وعن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يُبغضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ (١) جَوَّاظٍ (٢)، سَخَّابٍ (٣) في الأسواقِ، جِيفةٍ (٤) بالليلِ، حِمارٍ بالنهارِ، عالمٍ بأمرِ الدنيا، جاهلٍ بأمرِ الآخرةِ" رواه ابن حبان في "صحيحه".
فما أشد انطباق هذا الحديث على هؤلاء الكفار الذين لا يهتمون لآخرتهم، مع علمهم بأمور دنياهم، وفرحهم بما عندهم منه، كما قال تعالى فيهم: ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾، وقال سبحانه: ﴿فأعرِض عمَّن تولَّى عن ذِكرنا ولم يُرِدْ إلا الحياةَ الدنيا ذلك مبلغهُم من العلم﴾، فهم يجتهدون في العلم بأمور دنياهم، ويُمعِنون في تحصيلها، مع جهلهم التام بأشرف العلوم، وهي علوم الآخرة التي هي شرف لازم لا يزول، دائم لا يُمَل، فجدير بمن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير أن يبغضه الله، ويمقته لشقاوته وإدباره، فالله كرمهم بنعمة العقل، وميزهم بها على العجماوات، فسخروها أعظم تسخير في كل شيء من أغراض الدنيا الخسيسة؛ كالتأنق في الشهوات والمأكل والملبس والترفه، إلا الشيء الذى خُلقوا من أجله، وهو عبادة الله وحده، لا شريك له، واتباع
стр. 73
رسله عليهم الصلاة والسلام، ولهذا قال تعالى في حقهم: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً، صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾، وقال سبحانه: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا﴾، وقال -جل وعلا-: ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾.
وقال -عز مِن قائل- في سورة الروم: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس﴾ يعني الكفار ﴿لا يعلمون﴾ بحكمته تعالى، في كونه، وأفعاله المحكمة، الجارية علي وفق العدل، لجهلهم وعدم تفكرهم ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا﴾ وهو ما يوافق شهواتهم وأهواءهم ﴿وهم عن الآخرة﴾ التي هي المطلب الأعلى ﴿هم غافلون﴾ أي: لا يخطرونها ببالهم، فهم جاهلون بها، تاركون لعملها.
وقوله سبحانه: ﴿يعلمون﴾ بدل من قوله: ﴿لا يعلمون﴾ وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه، ويَسُدُّ مَسَدَّه، ليُعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا.
﴿ظاهرًا﴾ يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنُها، وحقيقتُها: أنها مجاز إلى الآخرة، يُتَزَوَّدُ منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة، وقيل: ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا﴾ يعني أمر معايشهم ودنياهم: متى يزرعون؟ ومتى يحصدون؟ وكيف يغرسون؟ وكيف يبنون؟ وحدِّث ولا حرج عن مظاهر استغراق كفار زماننا وبخاصة الغربيون منهم في علوم الدنيا ودقائقها؛ مع إعراضهم التام عن علوم الآخرة.
стр. 74
ومن الكفار من يريد الجنة، ويكدح لنيلها، لكنه يخطىء الطريق إليها، إذ يريد دخولها بعد أن سُدَّت كل الطرق المؤدية إليها إلا طريقًا على رأسه خاتم النبين محمد ﷺ ، وهو يأبى الإيمان برسالته، والانقياد لشريعته، ويكابر في الحق بعد ما تبين، وظهرت أدلته، أو يكتفي بتقليد الآباء والأجداد، والرؤساء والسادات، فيكون جوابه إذا سئل عن رسول الله ﷺ في قبره: "سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته":
عاشوا كما عاش آباء لهم سَلَفُوا ... وأُورِثُوا الدِّينَ تقليدًا كما وَجَدُوا
لم تنبعث همته للبحث عن الحق، والنظر في الأدلة، في حين أنها كانت تنبعث في الدنيا في طلب سفاسف الأمور وأحقرها، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿وجوه يومئذ خاشعة (١) عاملة ناصبة (٢) تصلى نارًا حامية﴾ الآيات، وقال سبحانه فيهم: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا﴾، وقال أيضًا: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾.
وكيف يعجب مسلم بكافر، ويمدحه بعلو الهمة بسبب أعمالٍ غايتها تعمير الدنيا وإصلاحها.
ثم إن كان قد فعلها تعبدًا دون أن يُسْلِمَ لله فإنها
стр. 75
لا تنفعه قطعًا في الآخرة، بل يجعلها الله هباء منثورا: ﴿وقدِمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثْورً﴾.
وقال : ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالُهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾، وقال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾.
استِخفَافُ السَّلَف الصاِلح بِأَعَراض الدنيَا
كبير الهمة على الإطلاق (١): هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه، فلا يصير عبد عارية ببطنه وفرجه، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة، فيصير من أولياء الله وخلفائه في الدنيا، ومن مجاوريه في الآخرة، وصغير الهمة من كان على الضد من ذلك.
وكبير الهمة يُعَظِّمُه صِغَرُ الدنيا في عينيه، فيكون خارجًا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثر إذا وجد.
ويكون خارجًا من سلطان فرجه، فلا يستحق له رأيًا ولا بدنًا.
ولما فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا حقيقة الدنيا، ومصيرهم إلى الآخرة، استوحشوا من زخرفها، وتناءت قلوبهم عن زينتها، وارتفعت هممهم فوق سفاسفها، وجعلوا الهموم همُّا واحدًا هو إرضاء الله ، ومجاورته في دار كرامته: