← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96278

علو الهمة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (416 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فسمعتُ الفندقَ قد ارتَجَّ بأهله وأنا أسمعهم -يقولون-: "هو ذاك، أبصروه، هذا إمام المسلمن مقبلًا"، فبَدَر إليَّ صاحبُ الفندق مسرعًا فقال لي: "أبا عبد الرحمن! هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين مقبلًا إليك عائدًا لك". فدخل، فجلس عند رأسي، وقد احتَشَى البيتُ من أصحابه، فلم يسعهم، حتى صارَتْ فرقة منهم في الدار وقوفًا وأقلامُهم بأيديهم، فما زادني على هذه الكلمات؛ فقال لي: "يا أبا عبد الرحمن أبشِرْ بثواب الله، أيامُ الصحة لا سقَمَ فيها، وأيامُ السقم لا صحة فيها، أعلاك الله إلى العافية، ومَسَحَ عنك بيمينه الشافية"، فرأيت الأقلام تكتب لفظه. ثم خرج عني، فأتاني أهلُ الفندق يَلطُفون بي، ويخدمونني ديانةً وحِسبةً، فواحدٌ يأتي بفراش، وآخر بلحافٍ، وبأطايب من الأغذية، وكانوا في تمريضي أكثرَ من تمريض أهلي لو كنت بين أظهرهم، لعيادة الرجل الصالح. وتوفي بقي بن مخلد سنة ٢٧٦ بالأندلس -رحمه الله تعالى). * واجتهد كثير من الحفاظ في لقيا المشايخ والتلقي عنهم، حتى بلغ عدد شيوخ الِإمام أبي سعد عبد الكريم السمعاني المروزي سبعة آلاف شيخ وأستاذ، ولكثرة البلدان التي رحل إليها، ألف "معجم البلدان" التي سمع فيها، وصنف "معجم شيوخه" في عشر مجلدات. وقال القاسم بن داود البغدادي: "كتبت عن ستة آلاف شيخ"، وبلغ عِدَّةُ شيوخ الإمام الحافظ ابن عساكر ﵀ ألفًا وثلاثَ مائة شيخ، ومن النساء بضع وثمانون امرأة. ***

стр. 177

ولما مات "زيد بن ثابت" ﵁ قال ابن عباس ﵄: "يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، وأيْمُ الله لقد ذهب اليوم علمٌ كثيرٌ، يموت الرجل الذي يعلم الشيء لا يعلمه غيره، فيذهب ما كان معه -ويشير إلى قبر زيد ويقول:- لقد دفن اليوم علمٌ كثيرٌ". قال يحيى بن القاسم: كان "ابن سُكَيْنَة" عالمًا عاملًا، لا يُضيِّعُ شيئًا من وقته، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: "لا تزيدوا على: (سلامٌ عليكم) مسألة، لكثرة حرصه على المباحثة، وتقرير الأحكام. ***

стр. 178

(٨) مُبَادَرتهم الأَزمَان حِرصًا عَلى العِلمِ ومن ذلك: أن "شعبة بن الحجاج" جاء إلى "خالدٍ الحذاء"، فقال: "يا أبا منازل: عندك حديث حَدِّثني به؟ "، وكان خالد عليلًا، فقال له: "أنا وجع"، فقال: "إنما هو واحد؟ "، فحدثه به، فلما فرغ، قال: لا من إذا شئت". وكان "يحيى بن معين" شديد الحرص على لقاء الشيوخ والسماع منهم خشيه أن يفوتوه، قال عبد بن حميد: (سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إلي، فقلت: حدثنا حماد بن سلمة فقال: "لو كان من كتابك؟ " فقمت لأخرج كتابي، فقبض على ثوبي ثم قال: "أمْلِهِ عَليَّ، فإني أخاف أن لا ألقاك"، فأمليتُه عليه، ثم أخرجت كتابي فقرأته عليه). وعن ابن إسحاق قال: (سمعت مكحولًا يقول: "طُفتُ الأرض في طلب العلم"، وروى أبو وهب عن مكحول قال: "أعتقتُ بمصر، فلم أدَعْ بها عِلمًا إلا حويتُه فيما أُرَى، ثم أتيتُ العراق ثم أتيتُ المدينة، فلم أدع بهما علمًا إلا حويتُ عليه فيما أُرى، ثم أتيتُ الشام فغربلتُها"، وهذا من فطنته ومبادرته الزمان، خشية فوت الرواة، وموت المحدثين (١).

стр. 179

..........................

стр. 180

(٩) عُلُوّ هِمَّتهم فِي مُذَاكَرَةٍ العِلْمِ وَمُدَارَسَتهِ قال إبراهيم النخعي: "من سَرَّه أن يحفظ الحديث، فليحدث به، ولو أن يُحَدِّث به من لا يشتهيه، فإنه إذا فعل ذلك كان كالكتاب في صدره". وعن ابن شهاب أنه: (كان يسمع العلم من عروة وغيره، فيأتي إلى جارية له -وهي نائمة- فيوقظها، فيقول: "اسمعي حدثني فلان كذا وفلان كذا"، فتقول: "ما لي وما لهذا الحديث؟ "، فيقول: "قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعته الآن فأردت أن أستذكره"). قال زياد بن سعد: (ذهبنا مع الزهري إلى أرضه بالشعب، قال: وكان الزهري يجمع الأعاريب فيحدثهم، يريد الحفظ). وكان بعضهم يذاكر العلم مع نفسه فتراه يجلس وحده، ويرفع بالعلم صوته، حتى يحفظه، يقول جعفر بن المراغي: (دخلت مقبرة بتُسْتَر، فسمعت صائحًا يصيح: والأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة"، ساعة طويلة، فكنت أطلب الصوت، إلى أن رأيت ابن زهير، وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش). وقال عبد الرزاق: (كان سفيان الثوري عندنا ليلة، قال: وسمعت قرأ القرآن من الليل وهو نائم، ثم قام يصلي، فقضى جزءه من الصلاة، ثم قعد فجعل يقول: "الأعمش، والأعمش، والأعمش، ومنصور،

стр. 181

ومنصور، ومنصور، والمغيرة، والمغيرة، والمغيرة"، قال: فقلت له: "يا أبا عبد الله ما هذا؟ "، قال: "هذا جزئي من الصلاة، وهذا جزئي من الحديث"). وحكى القطب اليونيني عن الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: (أنه كان لا يضيع له وقت في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى إنه في ذهابه في الطريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظة، أو مطالعة، وإنه بقي على التحصيل -على هذا الوجه- ست سنين). ولقد كان النووي -أول طلبه أيضًا- يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا: درسين في "الوسيط"، وثالثًا في "المهذب"، ودرسًا في "الجمع بين الصحيحين"، وخامسًا في "صحيح مسلم"، ودرسًا في "اللمع " لابن جني في النحو، ودرسًا في "إصلاح المنطق" لابن السكيت في اللغة، ودرسًا في التصريف، ودرسًا في أصول الفقه، تارة في "اللمع" لأبي إسحاق، وتارة في "المنتخب" للفخر الرازي، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين -أي: التوحيد- قال النووي: "وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، وإيضاح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي واشتغالي، وأعانني عليه). ... وطالع الشيخ عبد الله بن محمد بن أبي بكر الحنبلي: "المغني" للموفق ابن قدامة ثلاًثا وعشرين مرة، حتى كاد يستحضره.

стр. 182

(١٠) عُلوّ هِمِّتِهِم فِي حِفْظِ العلْمِ الشَّريفِ قال أبو زُرعة: "كان أحمدُ بن حنبل يحفظُ ألفَ ألفِ حديثٍ (أي: مليونًا)، فقيل له: ما يُدْريك؟ قال: ذاكرتُه وأخذتُ عليه الأبوابَ". وقال سليمانُ بن شُعبةَ: "كَتَبوا عن أبي داودَ أربعين ألف حديث، وليس معه كتابٌ". وقال أبو زُرْعَة الرازى: "أحفظُ مائتي ألفِ حديثٍ، كما يحفظُ الإنسانُ: ﴿قل هو الله أحد﴾، وفي المذاكرةِ ثلاثمائةِ ألفِ حديثٍ". وقال هشام الكلبي: (حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد، كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن، فدخلت بيتًا، وحلفت أن لا أخرج حتى أحفظ القران، فحفظته في ثلاثة أيام، ونظرت يومًا في المرآة لأخذ ما دون القبضة، فأخذت ما فوق القُبَضة). وقال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ: (سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعَمَدوا إلى مِئة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد هذا، وإسنادَ هذا المتن هذا، ودفعوا إلى كل واحدٍ عشرة أحاديث ليُلقوها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم، فسأل البخاريَّ عن حديث من عَشَرَته، فقال:

стр. 183

"لا أعرفه"، وسأله عن آخر، فقال: "لا أعرفه"، وكذلك حتى فرغ من عَشَرَتِهِ. فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: "الرجلُ فَهِمَ"، ومَنْ كان لا يدرى قضَى على البخاري بالعَجْزِ، ثم انتدب آخر، ففعل كما فعل الأول، والبخاري يقول: "لا أعرفه"، ثم الثالث وإلى تمام العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على: "لا أعرفه"، فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: "أما حديثك الأول فكذا، والثاني كذا، والثالث كذا إلى العشرة" فَردَّ كل متن إلى إسناده، وفعل بالآخرين مثلَ ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النَّطَّاح) اهـ. قال ابن النجار: سمعت شيخنا عبد الوهاب بن الأمين، يقول: (كنت يومًا مع الحافظ أبي القاسم بن عساكر، وأبي سعد بن السمعاني، نمشي في طلب الحديث ولقاء الشيوخ، فلقينا شيخًا، فاستوقفه ابنُ السمعاني، ليقرأ عليه شيِئًا، وطاف على الجزء الذي هو سماعُه في خريطته، فلم يجده، وضاق صدره، فقال له ابن عساكر: "ما الجزء الذي هو سماعه؟ "، فقال: كتاب "البعث والنشور" لابن أبي داود، سمعه من أبى نصر الزينبي، فقال له: "لا تحزن"، وقرأه عليه من حفظه أو بعضه)، قال ابن النجار: "الشك من شيخنا". - قال ابن العميد: (ما كنت أظن في الدنيا حلاوة كحلاوة الوزارة أو الرياسة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، وكان الطبراني يغلبه بكثرة حفظه، وكان أبو بكر يغلبه بفطنته حتى ارتفعت أصواتهما، إلى أن قال الجعابي: "عندي حديث ليس

стр. 184

في الدنيا إلا عندي"، فقال: "هات"، قال: "حدثنا أبو خليفة أنا سليمان بن أيوب" (وحدث بحديث)، فقال الطبراني: "أنا سليمان بن أيوب ومني سمعه أبو خليفة، فاسمعه مني عاليًا"، فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني، وفرحت كفرحه). - عن محمد بن أحمد الواعظ قال: (قام أبو بكر بن الباغندي يصلي، فكبر، ثم قال: "حدثنا محمد بن سليمان لوين"، فسبحنا به، فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالين﴾. ورُوِيَ عنه أيضًا قال: ﴿قد حُبِّبَ إليَّ الحديث، رأيت النبي ﷺ ، فلم أقل: "ادع الله لي"، وقلت له: "يا رسول الله! أيهما أثبت في الحديث: منصور أو الأعمش؟ "، فقال لي: "منصور، منصور")، وقال ابن كثير: "إنه ربما يسرد بعض الأحاديث بأسانيدها في الصلاة والنوم، وهو لا يشعر". - وكان يحيى بن هلال بن مطر يجلس كل يوم لإسماع "المدونة" من الظهر إلى الليل، يستوعب قراءتها كل شهر. وقال الِإمام أبو إسحاق الشيرازي صاحب "المهذب": (كنت أعيد كل درس مائة مرة، وإذا كان في المسئلة بيت شعر يُستشهد به حفظت القصيدة كلها من أجله). - قال الذهبي: سمعت الشيخ تقي الدين أبا العباس يقول: (كان الشيخ ابن مالك يقول: "أُلين للشيخ المجد الفقه، كما ألين لداود الحديد")، قال الشيخ: (وكانت في جدنا حِدَّة، اجتمع ببعض

стр. 185

الشيوخ، وأورد عليه مسألة، فقال: "الجواب عنها من ستين وجهًا، الأول كذا، والثاني كذا، وسردها إلى آخرها، وقد رضينا عنك بإعادة أجوبة الجميع"، فخضع له، وابتهر). وقال الشيخ تقي الدين: (وجدناه عجيبًا في سرد المتون وحفظ المذاهب بلا كلفة، سافر مع ابن عمه إلى العراق ليخدمه، وله ثلاث عشرة سنة، فكان يبيت عنده، ويسمعه يكرر مسائل الخلاف، فيحفظ المسألة) اهـ. وكان الشيخ أحمد بن الحسن بن أنو شروان الرومي الحنفي (٦٥٢ هـ - ٧٤٥ هـ) "يحفظ في كل يوم من أيام الدرس ثلثمائة سطر، أقام فوق السبعين سنة يدرس بدمشق". - عكف أبو صالح أيوب بن سليمان على كتاب "العَروض" حتى حفظه، فسأله بعضهم عن إقباله عّلى هذا العلم بعد الكبير، فقال: "حضرت قومًا يتكلمون فيه، فأخذني ذلٌّ في نفسي أن يكون باب من العلم لا أتكلم فيه". **

стр. 186

(١١) شِدَّة محبتهِم للِكتبِ كان العلماء يحرصون على الكتب، ويوثقون علاقتهم بها، فيدمنون مطالعتها باعتبارها خزائن العلم وكنوزه. قال المبرد: (ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ، والفتح بن خاقان، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، أما الجاحظ: فإنه كان إذا وقع في يده كتاب، قرأه من أوله إلى آخره، أي كتاب كان، وأما الفتح: فكان يحمل الكتاب في خفه، فإذا قام من بين يدي المتوكل ليبول أو ليصلي، أخرج الكتاب فنظر فيه، وهو يمشي، حتى يبلغ الموضع الذي يريد، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه. وأما إسماعيل بن إسحاق: فإني ما دخلت عنيه قط إلا وفي يده كتاب ينظر فيه، أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه، أو ينفض الكتب). وكان أبو بكر الخياط النحوي يدرس جميع أوقاته حتى في الطريق وكان ربما سقط فِي جرف أو خبطته دابة. وقال بعض الوزراء: "يا غلام! ائتني بأنس الخلوة ومجمع

стр. 187

السلوة"، فظن جلساؤه أنه يستدعي شرابًا، فأتاه بسفط (١) فيه كتب. وقال أحمد بن عمران: (كنت عنه أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع، وقد تخلف في منزله، فبعث غلامًا من غلمانه إلى أبي عبد الله الأعرابي صاحب الغريب يسأله المجيء إليه، فعاد إليه الغلام، فقال: قد سألته ذلك، فقال لي: "عندي قوم من الأعراب، فإذا قضيت أربي معهم أتيت"، قال الغلام: "وما رأيت عنده أحدًا، إلا أن بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة"، ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له أبو أيوب: "يا أبا عبد الله سبحان الله العظيم! تخلفتَ عنا، وحرمتنا الأنس بك، ولقد قال لي الغلام: إنه ما رأى عندك أحدًا، وقلت أنت: معي قوم من الأعراب، فإذا قضيت أربي معهم أتيت"، فقال ابن الأعرابي: لنا جلساء ما نمل حديثَهم ... ألبَّاءُ مأمونون غيبًا ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... وعقلاً وتأديبًا ورأيًا مسددا بلا فتنة تُخشى ولا سوءِ عشرة ... ولا نتقي منهم لسانًا ولا يدا فإن قلت أموات فما أنت كاذبا ... وإن قلت أحياء فلست مُفْنِدا ومن الطرائف: "أن الجاحظ كان يكتري الدكاكين من الوراقين، ويبيت فيها للنظر في الكتب". قال ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: (فسبيل طالب الكمال في طلب العلم: الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر

стр. 188

من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة .. فالله الله وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم، وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قيل: فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي وإني أخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز. ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية، فإذا به يحتوي على ستة آلاف مجلد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحميدى، وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشاب، وكانت أحمالًا، وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه. ولو قلت: إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعدُ في الطلب. فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعبادتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع. فصرت استزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب، ولله الحمد). ومع ما في الكتب من المنافع العميمة والمفاخر العظيمة، فهي أكرم مال، وأنفس جمال، والكتاب آمَنُ جليس، وأسر أنيس، وأسلم نديم، وأفصح عليم، ولذلك حرص العلماء على جمع الكتب والنظر فيها: فهذا ابن حجر ﵀ يقول عن ابن القيم في كتابه "الدرر الكامنة": "وكان مغرى بجمع الكتب فحَصَّل منها ما لا يحصى، حتى

стр. 189

كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهرًا طويلًا سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم". وخلف "يحيى بن معين" من الكتب مائة قمطر وأربعة عشر قمطرًا وأربعة حباب شرابية مملوءة كتبًا. وقال ابن حجر عن ابن الملقن: (وكان يقتني الكتب، بلغني أنه حضر في الطاعون العام بيع كتب شخص من المحدثين، فكان وصيه لا يبيع إلا بالنقد الحاضر، قال: فتوجهت إلى منزلي فأخذت كيسًا من الدراهم ودخلت الحلقة فصببته فصرت لا أزيد في الكتاب شيئًا إلا قال: بع له، فكان فيما اشتريت "مسند الإمام أحمد" بثلاثين درهمًا ... ). والقاضي عبد الرحيم بن علي اللخمي قال عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء": (وبلغنا أن كتبه التي ملكها بلغت مئة ألف مجلد، وكان يحصلها من سائر البلاد). ومحمد بن عبد الله السلمي المرسي الأندلسي (كتب وقرأ وجمع من الكتب النفيسة كثيرًا، ومهما فتح به عليه صرفه في ثمن الكتب .. ). وقال الأدفوي: حكى لي شيخنا قَاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن جماعة أنه كان عنده أمين الحكم بالقاهرة، وكان في اجتهاد في تحصيل مال اليتيم، قال شيخنا فأحضر عندي مرة الشيخ "تقي الدين ابن دقيق العيد" وادعى بدين عليه للأيتام، فتوسطت بينهما، وقررت معه أن تكون جامكية المدرسة الكاملية -أي: ما يأخذه من أجر مقابل تدريسه فيها- للدين، وتترك للشيخ جامكية الفاضلية لنفقاته، ثم قال له قاضي القضاة: "أنا أشح عليك بسبب الاستدانة"، فقال ابن دقيق العيد: "ما يوقعني في ذلك إلا محبةُ الكتب".

стр. 190

وقالت زوجة الإمام الزهري ﵀: "والله إن هذه الكتب أشدُّ عليَّ من ثلاث ضرائر". وقال سليمان العامري: وقائلةٍ أنفقتَ في الكتب ما حوت ... يمينك من مال فقلت: دعيني لعلي أرى فيها كتابًا يدلني ... لأخذ كتابي آمنا بيميني قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-: (وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى، وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غُلِبَ، وضعه، فدخل عليه الطبيب يومًا وهو كذلك، فقال: "إن هذا لا يحل لك، فإنك تعين على نفسك، وتكون سببًا لفوات مطلوبك". ودخل الطبيب على أبي بكر الأنباري في مرض موته، فنظر إلى مائه -أي: بوله- فقال: "قد كنت تفعل شيئًا لا يفعله أحدٌ"، ثم خرج، فقال: "ما يجيء منه شيء"، قال له: "ما الذي كنت تفعل؟ "، قال الأنباري ﵀: "كنت أُعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة". وقال الشيخ "راغب الطباخ" ﵀: (كان علامة حلب الشيخ "أحمد الحجار" ﵀ يجب اقتناء الكتب، حتى سمعنا أنه رأى كتابًا يُباع، ولم يكن معه دراهم، وكان عليه ثياب، فنزع بعضَها وباعه، واشترى الكتاب في الحال) اهـ. ***

стр. 191

ودخل الشيخ علاء الدين -يعني ابن النفيس- مرة إلى الحمَّام التي في باب الزهومة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مَسْلَخ الحمام (١)، واستدعى بدواة وقلم وورق، وأخذ في تصنيف مقالة في النَّبْض إلى أن أنهاها، ثم عادَ ودخل الحمَّام وكمَّل تغسيله". ...

стр. 192

(١٢) عُلُوّ همَّتِهِم فَي نَشْرِ العِلْمِ وَتَعلِيمه عن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي: "ولدت بعسقلان، فلما أتت عليَّ سنتان حملتني أمي إلى مكة، وكانت نهمتي في شيئين: الرمي، وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى إني لأصيب من عشرةٍ عشرةَ"، وسَكَتَ عن العلم، فقلت: "أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي". وبرع "الشافعي" في الشعر واللغة وأيام العرب، فنقل القاضي ابن خلكان أن الأصمعي (١٢٢ - ٢١٦ هـ) على جلالة قدره في هذه العلوم قرأ على الشافعي أشعار الهذليين، وذكر أن أحد علماء الأنساب في العراق تحدث مع الشافعي في هذا العلم، فوجده من كبار العلماء فيه، فلما طال بينهما الحديث، قال له الشافعي: "مِثلي ومثلك لا يليق بهما أن يتحدثا عن أنساب الرجال من قِبَل آبائهم، فتعال نتحدث عن أنسابهم من قبل أمهاتهم"، ولقيه طلبة الطب في الفسطاط، فوجدوا عنده من المعرفة في علومهم ما أطمعهم في أن يخصص لهم درسًا يأخذون فيه عنه علوم الطب، فأشار إلى الفقهاء واقفين ينتظرونه في ظل جدار جامع عمرو بن العاص فقال: "وهل ترك لي هؤلاء من الوقتَ ما أتفرغ به لكم؟ ". وقال الربيع بن سليمان المرادي (١٧٤ - ٢٧٠ هـ)، وهو راوي كتب الشافعي، ومن أخص أصحابه، وأول من أملى الحديث بجامع

стр. 193

ابن طولون: (لما قدم الشافعي الفسطاط كان يجالسه أرباب الخلق - عبد الله بن الحكم ونظراؤه -وكان حسن الوجه والخلق، فحُبِّبَ إلى أهل مصر من الفقهاء والنبلاء والأعيان، وكان يجلس في حلقته إذا صلى الصبح بجامع عمرو، فيجيئه أهل القرآن ويسألونه، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث، فيسألونه عن معانيه وتفسره؛ فإذا ارتفعت الشمس قاموا، واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة؛ فإذا ارتفع النهار تفرقوا، وجاء أهل العربية والعَروض والشعر والنحو حتى يقترب انتصاف النهار، ثم ينصرف إلى منزله في الفسطاط). وقال الربيع: أقام الشافعي ها هنا في الفسطاط أربع سنين فأملى ألفًا وخمسين ورقة، وخرج كتاب "الأم" ألفي ورقة، وكتاب "السنن" وأشياء كثيرة، كلها في أربع سنين، وكان مع ذلك عليلًا شديد العلة، وربما خرج الدم وهو راكب، حتى يملأ سراويله وخفه (يعني من البواسير). وكان "سفيان الثوري" يقول: "لو لم يأتني أصحاب الحديث، لأتيتهم في بيوتهم"، وقال: "لو أني أعلم أن أحدًا يطلب الحديث بنية، لأتيتُه في بيته حتى أحدثه". - وأوصى ابن القاسم عيسى بن دينار، فقال: "عليك بأعظم مدائن الأندلس فانزلها، ولا تنزل منزلاً يضيع ما حملت من علم". وهذه همة الإمام الهمام ابن حزم الأندلسي "﵀" تتمدد، وتتمطى، وتتسامى، فانظر الآفاق التي بلغتها، إذ يقول: مُناي من الدنيا علومٌ أبثها ... وأنشرها في كل بادٍ وحاضر دعاءٌ إلى القرآنِ والسنن التي ... تناسى رجالٌ ذكرها في المحاضرِ

стр. 194

وألزمُ أطرافَ الثغور مجاهدًا ... إذا هيعة ثارت فأولُ نافرِ لألقَى حمامي مقبلًا غير مدبر ... بسُمْرِ العوالي والدقاق البواتر كفاحًا مع الكفارِ في حومةِ الوغى ... وأكرمُ موتٍ للفتى قتلُ كافرِ فيا ربِّ لا تجعل حِمامي بغيرها ... ولا تجعلنِّي من قطينِ المقابرِ ***

стр. 195

(١٣) عُلُوّ هِمَّتِهِم في التَّصنِيفِ (١) قال الخطيب البغدادي: "سمعت على بن عبيد الله بن عبد الغفار اللغوى، يحكي: أن محمد بن جرير الطبري -المتوفى سنة ٣١٠ هـ عن ثلاث وثمانين سنة-، مكث أربعين سنة، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة". أي: أنه ﵀ كتب ما يقارب (٥٨٤٠٠٠) أربعة وثمانين وخمسمائة ألف ورقة!! وابتداءً يقف المرء حائرًا مشدوهًا أمام هذا الرقم، الذي لا يُعْرَفُ لِعَالِمٍ في تاريخ البشرية، بيد أنه إذا عُلم ما كان عليه هذا الإمام الجليل من هِمةٍ عالية، وعزيمةٍ ماضية، وحرصٍ على لحظات العمر حتى في ساعة الاحتضار، وإدراكٍ لشرف الرسالة التي يحمل، مع فسحة في العمر، والبركة فيه، لما كان عليه من الإخلاص، وصدق النية، خفَّت حيرته، وأصبح أقرب إلى فهم حقيقة هذه الغزارة في الإنتاج العلمي. يقول الأستاذ محمد كرد علي في ترجمة ابن جرير الطبري: "وما أُثِرَ عنه أنه أضاع دقيقة من حياته في غير الإفادة والاستفادة". ومصنفات إمامنا الطبري ﵀ في الذروة: جِدَّةً ومنهجًا واتساعًا وعمقًا ونضجًا، مع اختلاف الفنون التي تناولها على كثرتها، حتى آلت إليه إمامة المؤرخين والمفسرين، إلى جانب كونه صاحب

стр. 196

مذهب فقهي يختص به. ولإدراك المنزلة التي نزلتها مصنفاته، أذكر ما قاله: أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرائيني: (لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب "تفسير محمد بن جرير" لم يكن ذلك كثيرًا). وتفسيره المشار إليه آنفًا، والمطبوع في ثلاثين جزءًا، على ضخامته ونفاسته وريادته، أتى على غير ما كان يؤمِّل سَعَة. يروي الخطيب البغدادي: (أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: "أتنشطون لتفسير القرآن؟ " قالوا: "كم يِكون قَدْره؟ "، فقال: "ثلاثون ألفَ ورقة"، فقالوا: "هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: "هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ "، قالوا: "كم قَدْره؟ "، فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: "إنَّا لله! ماتت الهمم! "، ثم أملاه على نحو قدر التفسير. وألفَّ الإمام البيهقي ألفَ جزء، كلُّها تآليفٌ محرَّرة نادرةُ المثال، كثيرة الفوائد، وأقام يصوم ثلاثين سنةَ. وبلغ الإمام أبو الوفاء على بن عقيل الحنبلي البغدادي -المتوفى سنة ٥١٣ هـ-، الذي يقول فيه الإمام ابن تيمية: "إنه من أذكياء العالم"، في محافظته على الزمن مَبْلَغًا أثمر أكبرَ كتاب عرف في الدنيا لِعَالِم، هو كتاب "الفنون" في ثمانمائة مجلدة. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمته: (وأكبر تصانيفه كتاب "الفنون"، وهو كتاب كبير جدُّا، فيه فْوائد كثيرة جليلة في الوعظ،

стр. 197

والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات، وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره، ونتائج فكره قيدها فيه). ويقول ابن الجوزي: (وكان له الخاطر العاطر والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى بـ "الفنون" مناطًا لخواطره وواقعاته، ومَن تأمل واقعاته فيه، عرف غَوْرَ الرجل). وقال سِبط ابن الجوزي: "واخْتصر منه جَدِّي عشر مجلدات فرقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقف المأمونية نحوًا من سبعين، وفيه حكايات ومناظرات، وغرائب وعجائب وأشعار". وقال عبد الرزاق الرسعني في "تفسيره" قال لي أبو البقاء اللغوي: سمعت الشيخ أبا حكيم النهرواني يقول: وقفت على السِّفْر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب "الفنون". وقال الحافظ الذهبي: (وعَلَّقَ كتاب "الفنون" وهو أزيد من أربعمائة مجلد، حشد فيه كُلَّ ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة، وما يَسْنَحُ له من الدقائق والغوامض وما يسمعُهُ من العجائب والحوادث). وقال أيضًا في "تاريخه": "لم يصنَّف في الدنيا أكبرُ من هذا الكتاب، حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة، قلت -القائل ابن رجب-: وأخبرني أبو حفص عمر بن على القزويني ببغداد قال: سمعت بعض مشايخنا يقول: هو ثمانمائة مجلدة". وصنف الحافظ ابن عساكر كتابه "تاريخ دمشق" في ثمانين مجلدة كبيرة.

стр. 198

وصنف الإمام أبو حاتم الرازي كتابه "المسند" في ألف جزء. وهذا هو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد الجوزي تلميذ ابن عقيل -المتوفى سنة (٥٩٧) هـ-، أحد أعلام الأئمة الذين يقتدي بهم في حرصهم على الزمن وتَحَيُّشِهِم عن كل ما يضيعه، مما أثمر هذا الذي يقوله سِبْطه أبو المظفر عنه: "وسمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعيَّ هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يديَّ مائة ألف، وأسلم على يديَّ عشرون ألف يهودي ونصراني". وقال أيضًا ﵀: "ولو قلت إني قد طالعت عشرين ألف مجلد، كان أكثر، وأنا بعد في الطلب، فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم، وعباداتهم، وغرائب علومهم، ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت أستزري ما الناسُ فيه، وأحتقر همم الطلاب، ولله الحمد". فإذا كان قدر ما قرأ وهو في الطلب (عشرين ألف) مجلدة، واحتسبنا أن صفحات المجلد الواحد في المتوسط (٣٠٠) صفحة، كان مقدار ما قرأ (٦٠٠٠٠٠٠) ستة ملايين صفحة!! وإذا كان ما كتب بأصبعيه (ألفي) مجلدة، كان مقدار ما كتب (٦٠٠٠٠٠) ستمائة ألف صفحة!! هذا ما قرأ ونسخ، فما هو مقدار ما كتب وصنَّف؟ يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في "أجوبته المصرية": "كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك

стр. 199

له ما لم أره". ويقول الحافظ الذهبي: "وما علمت أحدًا من العلماء صنَّف ما صنَّف هذا الرجل". ولم يَدَعْ ابنُ الجوزي فنًّا من الفنون إلا وصنف فيه، منها ما هو عشرون مجلدًا، ومنها ما هو في رسالة صغيرة. فكيف اجتمع له هذا كلُّه! يقول الموفق عبد اللطيف -فيما نقله عنه الذهبي- إنه كان "لا يضيِّعُ من زمانه شيئًا". ويقول ابن الجوزي نفسه ﵀: "لقد رأيت خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني، ويتخلله غيبة. وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور وتشوَّق إليه، واستوحش من الوحدة، وخصوصًا في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان. فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهازه بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غُلبت قصَّرت في الكلام لأتعجل الفراق. ثم أعددت أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغًا، فجعلت من المستعَدِّ للقائهم قطعَ الكاغد، وبريَ الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب،

стр. 200

فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي". وصنف شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ ما يربو على أربعمائة مصنف من كنوز العلم، ودقائقه. وقال ابن القيم: (وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية، في سَننه، وكلامه، وإقدامه، وكتابته أمرًا عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جعة وأكثر) اهـ. وعلى سنن من سبق، مشى شيخ الطِّب في زمانه: ابن النفيس ﵀، والذي يقول عنه الِإمام التاج السُّبكي: "وأما الطِّب فلم يكن على وجه الأرض مثله، قيل: ولا جاءَ بعد ابن سينا مثله، قالوا: وكان في العلاج أعظمَ من ابن سينا". هذا الطبيب الرائد صنَّف كتابًا في الطِّب سماه "الشامل" يقول فيه التاج السُّبْكي: "قيل: لو تَمَّ لكان ثلاثمائة مجلَّدة، تَمَّ منه ثمانون مجلَّدة، وكان فيما يُذْكَرُ، يُمْلي تصانيفه من ذهنه". فكيف تم له ذلك؟ كان ﵀ "إذا أراد التصنيف، توضع له الأقلام مبريةً، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاءً من خاطره، ويكتب مثل السَّيل إذا انحدر، فإذا كَلَّ القلم وحَفِي، رمى به وتناول غيره، لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم .. وكان السيوطي يلقب "ابن الكتب"، طلب أبوه إلى أمه أن تأتيه بكتاب من المكتبة فأجاءها المخاض فيها، فولدته بين الكتب، فلذلك لقب، ولقد صدق عليه ذلك اللقب حتى صار أبا الكتب، فقد وصلت مصنفاته نحو ستمائة غير ما رجع عنه ومحاه.

стр. 201

(١٤) هِمَمٌ لَمْ تَعْرِف الشيبَ قال البخاري -رحمه الله تعالى - في "صحيحه": "وقد تعلَّم أصحاب النبي ﷺ في كِبَرِ سِنِّهم". وعن نعيم بن حماد قال: قيل لابن المبارك: "إلى متى تطلب العلم"، قال: "حتى الممات إن شاء الله". * وعن ابن معاذ، قال: سألت أبا عمرو بن العلاء: "حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم" فقال: "ما دام تحسن به الحياة". * ويحدث الِإمام "ابن عقيل" عن همته وهو في عشر الثمانين من عمره، فيقول ﵀: "إني لا يحل لي أن أُضيِّعَ ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشدَّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين". ما شاب عزمي ولا حَزْمي ولا خُلُقي ... ولا ولائي ولا ديني ولا كرمي وإنما اعتاضَ رأسي غير صِبغته ... والشيب في الرأس غير الشيب في الهممِ

стр. 202

وقال الزرنوجي: "دخل حسن بن زياد في التفقه وهو ابن ثمانين سنة، ولم يبت على الفراش أربعين سنة". وقال الحافظ الذهبي في ترجمة "أبي الفرج بن الجوزي" ما نصه: "وقد قرأ بواسط هو ابن ثمانين سنة بالعشر -أي: بالقراءات القرآنية العشرة- على ابن الباقلاني، وتلا معه ولده يوسف، نقل ذلك ابن نقطة عن القاضي محمد بن أحمد بن الحسن". والإمام ابن الجوزي هو القائل: الله أسألُ أن يُطوِّلَ مدتي ... وأنالَ بالإنعام ما في نيتي لي همةٌ في العلمِ ما مِن مثلِها ... وهي التي جَنَتِ النُّحولَ هي التي كم كان لي من مجلسٍ لو شُبِّهَتْ ... حالاتُه لَتَشَّبهَتْ بالجنةِ وذهب الإمام "القفال" (١) يطلب العلم وعمره أربعون سنة، فقال: "كيف أطلب العلم؟، ومتى أحفظ؟ ومَتى أفهم؟ ومتى أعَلِّم الناس؟ "، فرجع، فمرَّ بصاحب ساقية، يسوق على البقر، وكان رِشاء (٢) هذا الحبل يقطع الصخر من كثرة ما مَرَّ، فقال: "أطلبه، ولا أتضجر من طلبه"، وأنشأ يقول: اطلب ولا تضجر من مطلب ... فآفة الطالب أن يضجرا أما ترى الحبل بطول المدى ... على صليب الصخر قد أثرا واستمر يطلب العلم، وصار إمامًا من كبار الأئمة، ومن جهابذة

стр. 203

الدنيا. ويُروى أن الإمام أبا محمد بن حزم ﵀ طلب العلم وهو في السادسة والعشرين من عمره، قال أبو محمد بن العربي: (وأقام أبو محمد في الوزارة من وقت بلوغه إلى انتهاء سنه سِتًّا وعشرين سنة، وقال: "إنني بلغت إلى هذا السن، وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات". وقال في رواية أخرى: (أخبرني الشيخ الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة لرجل كبير من إخوان أبيه، فدخل المسجد قبل صلاة العصر، والخلق فيه، فجلس، ولم يركع، فقال له أستاذه -يعني الذي رباه- بإشارة: "أن قم، فصَلِّ تحية المسجد"، فلم يفهم، فقال له بعض المجاورين له: "أبلغتَ هذا السن، ولا تعلم أن تحية المسجد واجبة؟ " (١)، وكان قد بلغ حينئذ ستة وعشرين عامًا، قال: "فقمت، وركعت، وفهمت إذًا إشارة الأستاذ لي بذلك"، قال: فلما انصرفنا من الصلاة على الجنازة إلى المسجد، مشاركة للأحباء من أقرباء الميت، دخلت المسجد، فبادرت بالركوع، فقيل لي: "اجلس، اجلس، ليس ذا وقت صلاة"، فانصرفت عن الميت، وقد خزيت، ولحقني ما هانت على به نفسي، وقلت للأستاذ، دُلَّني على دار الشيخ الفقيه المشاور أبى عبد الله بن دحون، فدلني، فقصدته من ذلك المشهد، وأعلمته بما جرى فيه، وسألت الابتداء بقراءة العلم، واسترشدته، فدلني على كتاب "الموطأ" لمالك بن أنس ﵁ فبدأت به عليه قراءة

стр. 204

من اليوم التالي لذلك اليوم، ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام، وبَدأت بالمناظرة". وعن عمر بن واجب قال: "بينما نحن عند أبي ببلنسية وهو يدرس المذهب إذ بأبي محمد بن حزم يسمعنا ويتعجب، ثم سأل الحاضرين مسألة من الفقه جووب فيها فاعترض في ذلك، فقال له بعض الحضار: "هذا العلم ليس من منتحلاتك" فقام، وقعد، ودخل منزله، فعكف، ووكف منه وابل، فما كف، وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع؛ فناظر أحسن مناظرة، وقال فيها: "أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيد بمذهب". وجاء في ترجمة يحيى النحوي بكتاب "إخبار العلماء" ص ٢٣٤: أنه كان ملَّاحًا يعبر الناس في سفينته، وكان يحبُّ العلم كثيرًا، فإذا عبر معه قوم من دار العلم والدرس التي كانت بجزيرة الإسكندرية يتحاورون فيما مضى لهم من النظر ويتفاوضونه، يسمعه فتهشُّ نفسه للعلم، فلما قوي رأيه في طلب العلم فكَّر في نفسه، وقال: "قد بلغت نيفًا وأربعين سنة، وما ارتضت بشىء، ولا عرفت غير صناعة الملاحة فكيف يمكنني أن أتعرض لشيء من العلوم؟ "، وفيما هو يفكر إذ رأى نملة قد حملت نواة تمرة وهي دائبة تصعد بها، فوقعت منها فعادت وأخذتها، ولم تزل تجاهد مرارًا حتى بلغت بالمجاهدة غرضها، فقال: "إذا كان هذا الحيوان الضعيف قد بلغ غرضه بالمجاهدة والمناصبة؛ فبالحري أن أبلغ غرضي بالمجاهدة"، فخرج من وقته، وباع سفينته، ولزم دار العلم، وبدأ يتعلم النحو واللغة والمنطق، فبرع في هذه الأمور لأنه أول ما ابتدأ بها، فنُسِبَ إليها واشتهر بها، ووضع كتبًا كثيرة ويحيى

стр. 205

هذا لقي عمرو بن العاص وأعجب عمرو به. - وكان الشيخ عزُّ الدين بن عبد السلام -الذي ملأ الأرض علمًا وعظمة نفس- في أوَّل أمره فقيرًا جدًّا، ولم يشتغل إلاَّ على كبر. واشتغل الشيخ أحمد بن إبراهيم بن الحسن القِنائي في العلم وهو ابن ثلاثين سنة، وتفقه، وقرأ النحو وغيره، حتى مهر، وشغل الناس ببلده، وكان يحفظ أربع مائة سطر في يوم واحد، ثم أقبل على الطاعة ولازم الطاعة حتى توفي سنة (٧٢٨ هـ). وعُمِّر الشيخ يوسف بن رزق الله طويلًا حتى قارب التسعين، وثقل سمعه، لكن بقيت حواسه كلها سليمة، وهمته همة ابن ثلاثين، مات وهو يباشر التوقيع بصفد سنة ٧٤٥ هـ. وطلب الشيخ أحمد بن عبد القادر القِيسي الحنفي النحوي العلوم الكثيرة، وبرع فيها، وأقبل على طلب الحديث في آخر عمره، فتكلم بعض الناس عليه، فأنكر عليهم بأبيات جميلة، قال فيها: وعاب سماعي للأحاديث -بعدما ... كبرتُ- أناسٌ هم إلى العيب أقربُ وقالوا: إمام في علوم كثيرة ... يروح ويغدو سامعًا يتطلَّبُ فقلتُ مجيبًا عن مقالتهم وقد ... غدوتُ لجهل منهمُ أتعجَّبُ إذا استدرك الإنسانُ ما فات من عُلا ... للحزم يُعْزَى لا إلى الجهل يُنسَبُ ***

стр. 206

(١٥) عُلُوّ هِمَّتِهِمْ في طَلَبِ العِلْم ِوَتَعْلِيمه حتَّى آخرِ رَمَقٍ * روى المُعَافَى بن زكريا عن بعض الثقات، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري -رحمه الله تعالى- قبل موته، وتُوفي بعد ساعة أو أقل منها، فَذُكِرَ له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى مَحْبَرَةً وصحيفة فكتبه، فقيل له: "أفي هذه الحال؟! " فقال: "ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات". * وعن فرقد -إمام مسجد البصرة- أنهم دخلوا على سفيان في مرض موته، فحدثه رجل بحديث فأعجبه، وضرب سفيان يده إلى تحت فراشه، فأخرج ألواحًا فكتبه، فقالوا له: "على هذه الحال منك؟! " فقال: "إنه حسن، إن بقيت فقد سمعت حسنًا، وإن مت فقد كتبت حسنًا". * وعن الفقيه أبي الحسن على بن عيسى الوَلْوَالجيُّ، قال: (دخلت على أبي الريحان -البَيْروني - وهو يجود بنفسِه، قد حَشْرَجَ نَفَسُهُ، وضاق به صدره، فقال لي في تلك الحال: "كيف قلت لي يومًا: حسابَ الجدَّات الفاسدة (١)؟ " فقلت له: إشفاقًا عليه: "أفي هذه الحالة؟ "، قال لي: "يا هذا أودِّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرًا من أن أُخلِّيها وأنا جاهل بها؟! "، فأعدتُ ذلك عليه، وحفظ، وعلمني ما وعد، وخرجت من عنده وأنا في الطريق،

стр. 207

فسمعت الصُّرَاخ"). * وقال القاضي إبراهيم بن الجرَّاح الكوفي تلميذ الإمام أبي يوسف القاضي -يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المتوفى سنة ١٨٢ هـ، والذي كان يقال له: قاضي قضاة الدنيا-: (مرض أبو يوسف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمًى عليه، فلما أفاق قال لي: "يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ "، قلتُ: "في مثل هذه الحالة؟! "، قال: "ولا بأس بذلك، ندرس لعلَّه ينجو به ناج؟ "، ثم قال: "يا إبراهيمُ، أيما أفضل في رَمْي الجمار -أي: في مناسك الحج- أن يرميها ماشيًا أو راكبًا؟ " قلت: "راكبًا"، قال: "أخطأتَ"، قلتُ: "ماشيًا"، قال: "أخطأتَ"، قلت: "قل فيها، يرضى الله عنك". قال: "أمَّا ما كان يوقف عنده للدعاء؛ فالأفضل أن يرميه ماشيًا، وأما ما كان لا يوقف عنده؛ فالأفضل أن يرميه راكبًا". ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات ﵀. * رأى الإمامَ أحمدَ بعضُ عارفيه في إحدى رحلاته في طلب الحديث، فقال له معترضًا مستكثرًا ما حفظ، وما كتب، وما روى: "مرة إلى الكوفة، ومرة إلى البصرة"!! إلى متى؟ فقال الإمام أحمد: "مع المحبرة إلى المقبرة". ***

стр. 208

الفَصلُ الثَّانَى عُلُوّ هِمَّةِ السَّلَفِ فِي العِبَادَةِ والاستقَامَةَ لقد فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت همتهم على السفاسف، فلا تراهم إلا صوَّامين قوامين، باكين والهين، ولقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشي بعلو همتهم في التوبة. والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات، وهاك طرفًا من عباراتهم وعباداتهم: قال الحسن: "من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره". وقال وهيب بن الورد: "إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل"، وقال الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان التركستاني: "ما بلغني عن أحدٍ من الناس أنه تعبَّد عبادة إلا تعبَّدتُ نظيرها وزدت عليه". وقال أحد العباد: "لو أن رجلًا سمع برجل هو أطوع لله منه فمات ذلك الرجل غمُّا، ما كان ذلك بكثير". وقيل لنافع: "ما كان ابن عمر يصنع في منزله؟ "، قال: "الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما". "وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة الجماعة صام يومًا، وأحيا ليلة، وأعتق رقبة". واجتهد أبو موسى الأشعري ﵁ قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: "لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ "، فقال: "إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك"، قال: فلم يزل على ذلك حتى مات.

стр. 209

وعن قتادة قال: قال مورق العجلي: (ما وجدت للمؤمن في الدنيا مثلًا إلا مثل رجل على خشبة في البحر، وهو يقول: "يا رب، يا رب"، لعل الله أن ينجيه). وعن أسامة قال: (كان من يرى "سفيان الثوري" يراه كأنه في سفينة يخاف الغرق أكثر ما تسمعه يقول: "يا رب سَلِّمْ سلِّم"). وعن جعفر قال: (دخلنا على أبي التياح نعوده، فقال: "والله إنه لينبغي للرجل المسلم أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله أن يزيده ذلك جدًّا واجتهادًا"، ثم بكى). عن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ قالت: "ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه، ولا أحدًا أشد فَرَقًا من ربه منه، كان يصلي العشاء، ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمير الآخرة، فينتفض كما ينتفض العصفور من الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف". وعن المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك: "يا مغيرة! قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر بن عبد العزيز، ولكني لم أر من الناس أحدًا قط كان أشد خوفًا من ربه من عمر، كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده، فلا يزال يبكي، ويدعو، حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ، فيفعل مثلَ ذلك ليلته أجمع". عن أبي عُبيدة بن عقبة بن نافع أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك فقال: "ألا تخبريني عن عمر؟ " قالت: "ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استُخِلف". وكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة، ويصوم في الحر حتى يخضر

стр. 210

جسده ويصفر، فكان علقمة بن قيس يقول له: "لم تعذب نفسك؟ "، فيقول "كرامتَها أريد" -وكان يصوم حتى يخضر جسده، ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا له: "إن الله لم يأمرك بكل هذا"، فقال: "إنما أنا عبد مملوك، لا أدع من الاستكانة شيئًا إلا جئت به". وقيل لعامر بن عبد الله: "كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر؟ "، فقال: "هل هو إلا أني صرفتُ طعام النهار إلى الليل، ونومَ الليل إلى النهار؟ وليس في ذلك خطيرُ أمرٍ". وكان إذا جاء الليل قال: "أذهب حَرُّ النارِ النومَ"، فما ينام حتى يصبح. وعن الحسن قال: (قال عامر بن قيس لقوم ذكروا الدنيا: "وإنكم لتهتمون؟ أما والله لئن استطعت لأجعلنهما همًّا واحدًا" قال: ففعل والله ذلك، حتى لحق بالله). وعن أحمد بن حرب قال: "يا عجبًا لمن يعرف أن الجنة تُزَيَّنُ فوقه، والنار تُسَعَّرُ تحته، كيف ينام بينهما؟ ". وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطًا في مسجد بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: "قومي فوالله لأزحفن بك زحفًا حتى يكون الكلل منكِ لا مني"، فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه، "أنت أولى بالضرب من دابتي"، وكان يقول: "أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يستأثروا به دوننا؟ كلا والله لنزاحمهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالًا". وكان منصور بن المعتمر إذا رأيتَه قلتَ: "رجل أصيب بمصيبة"، منكسر الطرف، منخفض الصوت، رطب العينين، إن حركته جاءت عيناه بأربع -ولقد قالت له أمه: "ما هذا الذي تصنع بنفسك؟

стр. 211

تبكي الليل عامته لا تسكت لعلك لِا بني أصبتَ نفسًا، لعلك قتلت قتيلًا"، فيقول: "يا أمه أنا أعلم بما صَنَعَتْ نفسي". وقال هشيم تلميذ منصور بن زاذان: "كان لو قيل له: إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل". وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له: "القيامة غدًا" ما وجد متزيدًا. ... وكان يقول: "اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي"، وقال أنس بن عياض: (رأيت صفوان بن سليم، ولو قيل له: "غدًا القيامة" ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة). وقال عبد الرحمن بن مهدي: (لو قيل لحماد بن سلمة: "إنك تموت غدًا"، ما قدر أن يِزيد في العمل شيئًا). وعن موسى بن إسماعيل قال: (لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط صدقتكم، كان مشغولًا بنفسه: إما أن يُحدِّث، وإما أن يقرأ، وإما أن يُسبح، وإما أن يصلي، كان قد قسم النهار على هذه الأعمال). وكانت ابنة الربيع بن خثيم تقول له: "يا أبت مالي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟ "، فيقول: "يا ابنتاه، إن أباك يخاف البيات"، وعن إبراهيم قال: (قال فلان: ما أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعَدُ)، وعن بعضهم قال: "صحِبت الربيع عشرين عامًا ما سمعتُ منه كلمة تُعاب". وقال مالك: "رأيت أيوب السَّختيانيَّ بمكة حَجَّتين، فما كتبتُ عنه، ورأيته في الثالثة قاعدًا في فناء زمزم، فكان إذا ذُكِر النبي ﷺ -

стр. 212

عنده يبكي حتى أرحمه، فلما رأيتُ ذلك كتبتُ عنه". وقال سلمة بن علقمة: "جالست يونس بن عبيد فما استطعت أن آخذ عليه كلمة". وعن أبي هارون موسى قال: "كان عون يحدثنا، ولحيته ترتش بالدموع". وقال أبو علي بن شهاب: سمعت أبا عبد الله بن بطة يقول: (أستعمل عند منامي أربعين حديثًا رويت عن رسول الله ﷺ ). وعن القاسم بن راشد الشيباني: كان زمعة نازلًا عندنا بالمحصب، وكان له أهل وبنات وكان يقوم فيصلي ليلًا طويلًا، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته: أيها الركب المعرسون أكُلَّ هذا الليل ترفدون، أفلا تقومون فترحلون؟ فيتواثبون، فيسمع من هاهنا باكٍ، ومن هاهنا داعٍ، ومن هاهنا قارئ، ومن هاهنا متوضئ - فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى. وعن وكيع قال: (كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة، فما رأيته يقضي ركعة). وعن أبي حيان، عن أبيه، قال: (كان الربيع بن خثيم يُقاد إلى الصلاة وبه الفالج -الشلل-، فقيل له: "قد رُخِّصَ لك"، قال: (إني أسمع "حيَّ على الصلاة"، فإن استطعتم أن تأتوها ولو حَبوًا). وعن حماد بن سلمة قال: (ما أتينا سليمان التيمي في ساعةٍ يُطاعُ اللهُ فيها إلا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعةِ صلاةٍ، وجدناه مصليًا، وإن لم تكن ساعة صلاة، وجدناه إما متوضئًا، أو عائدًا،

стр. 213

أو مشيعًا لجنازة، أو قاعدًا في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يُحسن يعصي الله . وعن عيسى بن عمر قال: (كان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلًا، فيقف على القبور فيقول: "يا أهل القبور! قد طويت الصحف، وقد رفعت الأعمال"، ثم يبكي، ويصف بين قدميه حتى يصبح، فيرجع، فيشهد صلاة الصبح). وقال أبو المواهب بن صَصْرَى في شأن الإمام أبي القاسم بن عساكر: (لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا من عذر، والاعتكاف في شهر رمضان وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة، وأباها بعد أن عُرِضت عليه، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم). وكان المحدث الثقة "بشر بن الحسن" يقال له: "الصَّفِّي" لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة. وكان "إبراهيم بن ميمون المروزي" أحد الدعاة المحدثين الثقات من أصحاب عطاء بن أبى رباح، وكانت مهنته الصياغة، وطرق الذهب والفضة، قالوا: (كان فقيهًا فاضلًا، من الأمَّارين بالمعروف، وقال ابن معين: كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يَرُدَّها). وقيل للأحنف بن قيس ﵁: "إن فيك أناة شديدة"، فقال: "قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها".

стр. 214

وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، وقد أمَّ أهل حمص ستين سنة كاملة، فقال: "ما دخلتُ من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله". وقال كبير قضاة الشام سليمان بن حمزة المقدسي وهو من ذرية ابن قدامة صاحب "المغني": "لم أصل الفريضة قط منفردًا إلا مرتين، وكأني لم أصلهما قط" مع أنه قارب التسعين ﵀. وقال شرف الدين بن محمد رحمه الله تعالى: كان ابن دقيق العيد يقيم في منزلنا بمصر في غالب الأوقات، فكنا نراه في الليل إما مصليًا وإما ماشيًا في جوانب البيت وهو مفكر إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر صلى الصبح ثم اضطجع إلى صحوه. وقال الصاحب شرف الدين: وسمعت الشيخ شهاب الدين أحمد بن إدريِس القرافي المالكي يقول: "قام الشيخ تقي الدين أربعين سنة لا ينام الليل إلا أنه كان إذا صلى الصبح اضطجع على جنبه إلى حيث يضحى النهار". وروى ابن عماد الحنبلي في "شذرات الذهب" أنه كان يقول: "ما تكلمت بكلمة ولا فعلت فعلًا إلا أعددت له جوابًا بين يدي الله"، كما نقل ذلك السبكي. وقال الحافظ قطب الدين الحلبي عن الشيخ تقي الدين ( .... وكان لا ينام من الليل إلا قليلاً، ويقطعه فيما بين مطالعة وتلاوة وذكر وتهجد حتى صار السهر له عادة، وأوقاته كلها معمورة لم يُرَ في عصره مثله).

стр. 215

ومن علو همتهم في النفقة والإيثار، ما وقع من عبد الله بن طالب حين جاءه رجل يشكو إليه أنه لا يجد لابنته جهازًا لزواجها، وكان لابن طالب ابنة تخرج إليه، من عيد إلى عيد، فقال لأمها: "أحب أن تزيني ابنتي، وتُلبيسها ثيابها وحليها"، ففعلت، وأخرجت إليه فرحب بها، واستبشر، ثم قال لها ولأمها: "إن فلانًا شكا إليَّ كذا، وأنا أحب أن أدفع له جميع ما على ابنتي من حلي وثياب، يجهز به ابنته، وعليَّ أنا عِوضُ ابنتي منه بما هو أكثر". هم الرجال وعيبٌ أن يُقا ... لَ لمن لم يكن مثلهم رجلُ ... واحسرتاه تقضي العمر وانصرمت ... ساعاته بين ذل العجز والكسل والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد ... ساروا إلى المطلب الأعلى على مَهَل ***
следующие страницы →