قال الإمام أبو الفرج بن الجوزىِ -رحمه الله تعالى-:
(تأملت عجبًا، وهو أن كل شىء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله.
فإن العلم لما كان أشرف الأشياء، لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: "بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر، لأن وقعت بيعها وقت سماع الدرس" ... ) اهـ.
ولذلك قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: (وأما سعادته فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية.
وقد أحسن القائل في ذلك:
فقل لمرجي معالي الأمور ... بغير اجتهاد: رجوتَ المحالا
وقال الآخر:
لولا المشقة ساد الناسُ كلُّهم ... الجود يُفْقِر والإقدام قَتَّالُ
ومن طمحت همته إلى الأمور العالية؛ فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية، وهي السعادة، وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وأنها متى أكرهت النفس عليها، وسيقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها أفضت منها إلى رياض مونقة، ومقاعد صدق، ومقام كريم، تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك، فحينئذ حال صاحبها كما قيل:
وكنت أرى قد تناهى بي الهوى ... إلى غاية ما بعدها لي مذهبُ
стр. 142
فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أني إنما كنت ألعبُ
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، فلا نقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد.
قال مسلم في "صحيحه": قال يحيى بن أبي كثير: "لا يُنال العلم براحة الجسم"، وقد قيل: "من طلب الراحة، ترك الراحة".
فيا واصل الحبيب أما إليه ... بغير مشقة أبدًا طريق؟!
ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حُفَّتْ بحجاب من المكاره، وحُجِبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله لها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم) اهـ.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
(حق على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه).
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكِلُه ... لا تبلغ المجدَ حتى تلعقَ الصبرا
وقد كان أهل العلم -رحمهم الله تعالى- يلاقون المصاعب. والشدائد في تحصيلهم للعلم، نصح الإمامُ ابنُ هشام النحوي، صاحبُ كتاب "القطر" و"المغني" وغيرهما، طَلَبةَ العلم بالصبر على مَشاقِّ العلم والتحصيل، إذ هو شَرْطٌ في نيل المراد العزيز الغالي، فيقول:
ومن يَصطبرْ للعلِم يَظفَرْ بنَيلِهِ ... ومن يَخْطُبِ الحسناءَ يَصبرْ على البَذْلِ
ومن لم يُذِلِّ النَّفْسَ في طَلَب العُلى ... يسيرًا يَعِشْ دهرًا طويلًا أخا ذُلِّ
стр. 143
إنما يقطع السفر وبصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟
الجد بالجد والحرمان في الكسلِ ... فانْصبْ تُصِبْ عن قريبٍ غايةَ الأملِ
فعليك يا طالب العلم أن تجد في التحصيل، فإن الأمر كما قال ابن الجنيد: "ما طلب أحد شيئًا بجد وصدق إلا ناله، فإن لم ينله كلَّه نال بعضه".
فهذا هو علو الهمة في طلب العلم:
- غيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة،
- وعزم يبلي الجديدان وهو صارم صقيل،
- وحرص لا يشفى غليله إلا أن يفترق من موارد العلوم بأكواب طافحة،
- وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورةُ المسلك، ولا طولُ مسافةِ الطريق،
- وألسنة مهذبة لا تقع في لغو ومهاترة، كيف لا وقد شغلت بالحق، فأشغلها عن الباطل.
لقد كان حالُ سلف الأمة في طلب العلم، ونشره، والتصنيف فيه حالًا عجيبًا، استثمروا فيه أوقاتهم، وأفنَوْا شبابهم، فحصَّلوا ما يدهش العقول، ويبهر الألباب، ويستنهض الهمم، فهيا إلى مطالعة أحوالهم، والاقتداء بهديهم، والسير على سننهم.
وحدثتني عنهم يا سعد فزدتني ... بهم غرامًا، فزدني من حديثك يا سعدُ!
آخر:
كَرِّرْ عليَّ حديثهم يا حادي ... فحديثهم يُجلي الفؤادَ الصادي
стр. 144
(١) حِرْصُهُم عَلَى طَلَبِ العِلْمَ الشَّريفِ
العلم صناعة القلب وشغله فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها، وله وجهة واحدة، فإذا وُجَّهَتْ إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم، ومن لم يُغَلِّبْ لذةَ إدراكِه العلمَ وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه؛ لم ينل درجة العلم أبدًا، فإذا صارت شهوته في العلم، ولذته في إدراكه؛ رجي له أن يكون من جملة أهله، ولذلك كان علماؤنا -رحمهم الله تعالى- يحرصون على العلم وجمعه حرصًا ليس له نظير، وهاك أمثلة من ذاك:
* عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: (كنتُ أنا وجارٌ لي من الأنصار -هو أوسُ بن خَوَليِّ الأنصاري- في بني أمية بن زيد -أي: ناحية بني أمية-، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوَبُ النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئتُه بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك).
* وعن ابن عباس ﵄ قال: (لما قُبِض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: "هلم فلنسألْ أصحابَ رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير"، فقال: "واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحَاب رسول الله ﷺ مَن فيهم؟ "، قال: "فتركت ذاك، وأقبلتُ أسأل أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، يسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم
стр. 145
رسول ﷺ ما جاء بك؟ هلا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ "، فأقول: "لا؛ أنا أحق أن آتيك"، فأسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فيقول: "هذا الفتى كان أعقل مني".
ولما فُتحت البلاد آثر ابن عباس من أجل العلم ظمأ الهواجر في دروب المدينة ومسالكها على الظلال الوارفة في بساتين الشام، وسواد العراق، وشطآن النيل ودجلة والفرات، قال ﵁: "لما فُتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا، وأقبلتُ على عمر ﵁".
لكل بني الدنيا مراد ومقصَدُ ... وإن مرادي صحةَ وفراغُ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغًا ... يكون به في للجِنان بلاغ
وفي مثل هذا فلينافس أولو النهى ... وحسبي من الدنيا الغَرور بلاغُ
فما الفوز إلا في نعيم مُويَّدٍ ... به العينُ رَغْدٌ والشراب يُساغ
واسمعه ﵁ يخبر عن دأبه في طلب العلم:
"كنت آتي باب أبيِّ بن كعب، وهو نائم، فأقيل على بابه، ولو علم بمكاني، لأحب أن يوقَظ لي لمكاني من رسول الله ﷺ ، لكني أكره أن أملَّه".
وقال ﵁: (كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدًا إلا سُرَّ بإتياني لقربي من رسول الله ﷺ ، فجعلت أسأل أبيَّ بن كعب يومًا، وكان من الراسخين في العلم، عما نزل بالقرآن في المدينة؟ فقال: "نزل بها سبعٌ وعشرون سورة وسائرها بمكة".
стр. 146
قال الشافعي ﵀:
(حفظت "القرآن"، وأنا ابن سبع سنين، وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشر سنين).
وقال ﵀:
(فلما ختمت القرآن، دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تُعطيني أشتري به قراطيس! فكنت إذا رأيت عظمًا يلوح، آخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحتُه في جَرَّةٍ كانت لنا قديمًا).
وقال أيضًا ﵀: (لم يِكن لي مال، وكنت أطلب العلم في الحداثة -أي: في مستهل عمره، وكانت سنه أقل من ثلاث عشرة سنة- وكنت أذهب إلى الديوان أستوهِبُ الظهور -أي: ظهورَ الأوراق المكتوبِ عليها- فأكتب فيها).
قال ابن أبي حاتم: سمعت المزني يقول: قيل للشافعي: "كيف شهوتك للعلم؟ "، قال: "أسمع بالحرف -أي: بالكلمة- مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به ما تنعمت به الأذنان"،
فقيل له: "كيف حرصك عليه؟ "، قال: "حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال"، فقيل له: "فكيف طلبك له؟ "، قال: "طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره".
وهذا "محمد بن سلام" شيخ البخاري، كان في حال الطلب جالسًا في مجلس الإملاء، والشيخ يحدِّث ويملي، فانكسر قلمُه، فأمر أن يُنادَى: "قلم بدينار" فتطايرت إليه الأقلام.
стр. 147
* وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
"أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف" وبقي يتلقى الحديث ببغداد من سنة (١٧٩ هـ) إلى سنة (١٨٦ هـ)، ولزم عالمًا كبيرًا من علماء الحديث والآثار ببغداد أربع سنوات، وهو هشيم بن بشير بن أبي حازم الواسطي (١٨٣ هـ)، وسمع عبد الرحمن بن مهدي، وأبا بكر بن عياش، وكان في طلبه للعلم مثال الجد والحرص والنشاط، فقد حكى عن نفسه: "كنت ربما أردت البكور في الحديث، فتأخذ أمي بثيابي، حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا"، وقال: "لو كان عندي خمسون درهمًا لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد).
* وقال سفيان الثوري -رحمه الله تعالى-:
(لما أردت أن أطلب العلم قلت: "يا رب إنه لا بد لي من معيشة"، ورأيتَ العلم يدرس، فقلت أفرغ نفسي لطلبه، قال: وسألت ربي الكفاية).
وعزم على طلب العلم حتى كفلت له والدته الإنفاق عليه، فقالت: "يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي"، فأخذ يتلقى العلم عن شيوخه المتعددين، وكن كل من يحمل علمًا أو خبرًا.
وكان كثير الاهتمام في طلب العلم، ذكر أبو نعيم: أنه كان إذا لقي شيخا سأله: "هل سمعت من العلم شيئا؟ "، فإن قال: "لا"؛ قال: "لا جزاك الله عن الإسلام خيرًا".
ومن مظاهر اهتمامه بالعلم، أنه كان يقول: "ينبغي للرجل أن يُكْرِهَ ولده على طلب الحديث، فإنه مسئول عنه".
стр. 148
ولم يكن اهتمام سفيان بالعلم مقْصورًا على طلبه، بل كان يعمل به، ويحرص على إشاعته بين الناس والدعوة إليه.
وروى أبو نعيم أنه كان يقول: "ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم"، وكان يقول: "لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا".
وقال ثعلبة: "ما فقدت إبراهيم الحربى من مجلس لغة ولا نحو خمسين سنة".
* وذكر الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حاتم الرازى -محمد بن إدريس المتوفى سنة ٢٧٧ هـ-، أن أبا حاتم قال:
(قال في أبو زُرْعة -يعني الرازي-: "ما رأيت أحرصَ على طلب الحديث منك"، فقلت له: "إن عبد الرحمن ابني لحريص"، فقال: "من أشبه أباه فما ظلم"، قال الرَّمَّام -وهو أحمد بن علي، أحد رجال إسناد الخبر-: فسألت عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له، وسؤالاته لأبيه، فقال: "ربما كان يأكلُ وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويَدْخُل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ علية".
فكانت ثمرة تلك المحافظة النادرة على الزمن، والحرص على طلب العلم، نِتَاجا علميًّا كبيرًا، منه كتاب "الجرح والتعديل" في تسعة مجلدات، وهو من الكتب النفيسة الحافلة الرائدة في هذا العلم، وكتاب "التفسير" في عدة مجلدات، وكتاب "المسند" في ألف جزء).
* وقال الذهبي ﵀: قال على بن أحمد الخوارزمي قال:
стр. 149
ابنُ أبي حاتم-: (كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مَرَقةً، نهارَنا نَدُورُ على الشيوخ، وبالليِل نَنَسخُ ونقابل، فأتينا يومًا أنا ورفيقٌ لي: شيخًا فقالوا: "هو عليل"، فرأيت سمكةً أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقتُ مجلس بعض الشيوخ فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت أن تُنتِن، فأكلناها نيِئةً لم نتفرغ نشويها، ثم قال: "لا يُستطاع العلم براحة الجسَد! ").
لولا ثلاث قد شُغِفْتُ بحبها ... ما عبت في حوض المنية موردي
وهي الرواية للحديث وكَتْبُه ... والفقهُ فيه وذاك حب المهتدي
* وهذا هو الإمام سُلَيم بن أيوب الرازي، أحد كبار أئمة المذهب الشافعي -المتوفي سنة ٤٤٧ هـ-، يحاسب نفسه على الأنفاس أن تضيع دون إفادة أو استفادة، فقد قال أبو الفرج غيث بن على التنوخي الصوري:
"وحُدِّثت عنه أنه كان يحاسب نفسه على الأنفاس، لا يدع وقتًا يمضي عليه بغير فائدة، إما ينسخ، أو يدرِّس، أو يقرأ، وينسخ شيئًا كثيرًا، ولقد حدثني عنه شيخنا أبو الفرج الِإسفرايني -وهو أحد تلامذته-، أنه نزل يومًا إلى داره ورجع، فقال: "قد قرأت جزءًا في طريقي".
قال: وحدثني المؤمَّل بن الحسن: "أنه رأى سُلَيْمًا خَفِيَ (١) عليه القلم، فإلى أن قَطَّهُ (٢) جعل يحرك شفتيه، فعلم أنه يقرأ بإزاء إصلاحه
стр. 150
القلم، لئلا يمضي عليه زمانٌ وهو فارغ"، أو كما قال.
ووصف ابن ناصر الحافط أبا الطاهر السلفي، فقال: "كأنه شعلة نارٍ في التحصيل".
وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي ﵀ يقول: "أثقل الساعات عليَّ: ساعة آكل فيها".
وكان عثمان الباقلاويُّ دائم الذكر لله تعالى، فقَال: "إني وقت الإفطار أُحِسُّ بروحي كأنها تخرج! لأجل اشتغالي بالأكل. عن الذكر".
قال عمَّار بن رجاء: سمعت عُبَيدَ بن يعيشَ يقول: "أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تُلَقِّمُني وأنا أكتب الحديث".
وكان داود الطائي يَسْتَفُّ الفَتيتَ، ويقول: "بين سَفِّ الفتيت وأكل الخبز قراءةُ خمسين آية".
ويخرج من نفس المشكاة قول الإمام الجليل ابن عقيل ﵀: "وأنا أقَصِّرُ بغاية جهدي أوقاتَ أكلي، حتى أختار سَفَّ الكعك وتحسِّيَه بالماء على الخبز، لأجل ما بنيهما من تفاوت المضغ، توفرًا على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها".
بل إن أحدهم ليحزن، ويصيبه المرض إذا فاته شيء من، العلم، فقد ذكروا لشعبة حديثًا لم يسمعه، فجعل يقول: "واحزناه! "، وكان يقول: "إني لأذكر الحديث فيفوتني، فأمرض".
وقيل للشعبي: "من أين لك هذا العلم كله"، قال: "بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب".
وكان من حرصهم على العلم ومجالسه أنك تجدهم يَعْدون فِي
стр. 151
الطرقات، كأنهم مجانين، ولذلك يقول شعبة -رحمه الله تعالى-: "ما رأيت أحدًا قط يعدو إلا قلتُ: مجنون، أو صاحب حديث" (١).
* وعن عبد الرحمن بن تيمية قال عن أبيه: "كان الجدُّ إذا دخل الخلاء يقول لي: "اقرأ في هذا الكتاب، وارفع صوتك حتى أسمع".
وكان العلامة الكبير أبو المعالي محمود شكري الآلوسى البغدادي الحفيد، يمتاز بالجد الشديد والحرص على الوقت، فكان لا يثنيه عن دروسه حَمَارَّةُ القيظ، ولا يؤخِّره عنها قَرْصُ برد الشتاء، وكثيرًا ما تعرض تلاميذه - بسبب تأخرهم عن موعد الدرس - إلى النقد والتعنيف، قال عنه تلميذه العلامة الشيخ بهجة الأثري: (أذكر أنني انقطعت عن حضور درسه في يوم مزعج، شديد الريح، غزير المطر، كثير الوحل، ظنًّا مني أنه لا يحضر إلى المدرسة، فلما شَخَصتُ في اليوم الثاني إلى الدرس، صار ينشد بلهجة غضبان:
*ولا خيرَ فيمن عاقَهُ الحَرُّ والبردُ*
* وقال العلامة القرآني "محمد الأمين الشنقيطي" ﵀ تعالي-:
"قدمتُ على بعض المشايخ لأدرس عليه، ولم يكن يعرفُني من قبلُ،
стр. 152
فسأل عني مَن أكون في ملإ من تلامذته؟ فقلت مرتجلًا:
هذا فَتًى مِنْ بَني جَاكَانَ قَدْ نَزَلا ... بهِ الصِّبَا عَنْ لِسانِ العُرْب قَدْ عَدَلا
رَمَتْ بهِ هِمَّةٌ عَلْيَاءُ نَحْوَكُمُ ... إذ شَامَ بَرْقَ عُلومٍ نُورُهُ اشتعَلا
فجَاءَ يَرْجُو رُكامًا مِن سَحَائِبهِ ... تَكْسُر لِسانَ الفَتَى أزْهَارُهُ حُلَلا
إذ ضَاقَ ذَرْعًا بِجَهْلِ النَّحْوِ ثُمَّ أبي ... ألاَّ يُمَيِّزَ شَكْلَ العَيْن مِنْ "فَعَلا"
وَقَد أتَى اليَوْمَ صَبًّا مولَعًا كَلِفًا ... بـ "الحمْدُ للهِ لا أبْغِي لهُ بَدَلا"
يريد دراسة "لامية الأفعال".
وقد مضى ﵀ في طلب العلم قُدُمًا، وقد ألزمه بعض مشايخه بالقِران؛ أي: أن يَقْرِنَ بين كل فنَّيْن؛ حرصًا على سرعة تحصيله، وتفرُّسًا له في القدرة على ذلك، فانصرف بهمة عالية في درس وتحصيل.
وقد صوَّر شدَّة انشغاله بطلب العلم في شبابه بقوله ﵀ في "رحلة الحج" ما نصه: "ومما قلتُ في شأن طلب العلم، وقد كنت في أخريات زمني في الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج، لأنه ربما عاق عنه، وكان إذ ذاك بعض البنات ممن يصلح لمثلي، يرغب في زواجي ويطمع فيه، فلما طال اشتغالي بطلب العلم عن ذلك المنوال؛ أَيِسَتْ مني، فتزوجَتْ ببعض الأغنياء، فقال لي بعض الأصدقاء: "إن لم تتزوج الآن مَن تصلح لك؛ تزوجتَ عنكَ ذواتُ الحسب والجمال، ولم تجد مَن يصلح لمثلك، يريد أن يُعْجِلَني عن طلب العلم، فقلت في ذلك هذه الأبيات:
دَعَانِي النَّاصِحُونَ إلىِ النَّكاحِ ... ِغَدَاةَ تَزَوَّجَت بِيْضُ المِلاحِ
فَقَالوا لي تَزَوَّجْ ذاتَ دَلٍّ ... خلُوب اللَّحْظِ جائِلةَ الوشاحِ
ضحُوكًا عَنْ مُؤشرةٍ رِقاقِ ... تَمجُّ الرَّاحَ بالماء القراحِ
(٢) عُلُوّ هِمَّتِهِم فِي قِرَاءَةِ كُتبِ الحَدِيثِ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ
جاء في ترجمة المجد الفيروزآبادي صاحب "القاموس" أنه قرأ "صحيح مسلم" في ثلاثة أيام بدمشق وأنشد:
قرأتُ بحمد الله جامِعَ مُسلم ... بجوف دمشق الشام جوف الإسلام
على ناصر الدين الإمام بن جهبل ... بحضرةِ حُفَّاظٍ مشاهيرَ أعلام
وتَمَّ بتوفيق الإله وفضلِهِ ... قراءة ضبطٍ في ثلاثة أيام
وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي "صحيح مسلم" على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب وهو يعارض بنسخته، وفِى "تاريخ الذهبي" في ترجمة إسماعيل بن أحمد الحيري النَّيْسابوري الضرير ما نصه: "وقد سمع عليه الخطيب البغدادي بمكة "صحيح البخاري" بسماعه من الكشميهني في ثلاثة مجالس: اثنان منها في ليلتين، كان ييتدئ بالقراءة وقت المغرب، ويختم عند صلاة الفجر، والثالث من صحوة النهار إلى طلوع الفجر" قال الذهبي: "وهذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه" انتهى.
وقال الحافظ السخاويِّ: (وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجل مما وقع لشيخه المَجْد اللغوي، فإنه قرأ "صحيح البخاريِّ" في أربعين ساعه رملية، وقرأ "صحيح مسلم" في أربعة مجالس سوى مجلس الختم في يومين وشيء، وقرأ "سُنَن ابن ماجه" في أربعة مجالس، وقرأ
стр. 155
"كتاب النسائي الكبير" في عشرة مجالس، كل مجلس منها نحو أربع ساعات، وقرأ "صحيح البخاري" في عشرة مجالس كل مجلس منها أربع ساعات). ثم قال السخاوي: (وأسرع شيء وقع له -أي: لابن حجر- أنه قرأ في رحلته الشامية "مُعْجَمَ الطبَراني الصغير" في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، قال: وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو ألف حديث وخمسمائة حديث) انتهى.
***
стр. 156
(٣) عُلُوُّ هِمَّتِهِم فِي الرِّحْلَةِ لطِلَب العِلْمِ
قال البخاري ﵀: "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد"، ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى عقبة بن نافع وهو في مصر ليروي عنه حديثًا، فقدم مصر، ونزل عن راحلته، ولم يحل رحلها، فسمع منه الحديث، وركب راحلته، وقفل إلى المدينة راجعًا.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيَّب قال: "كنتُ أرحَلُ الأيامَ والليالَي في طلبِ الحديثِ الواحد".
وقال أبو العالية رُفَيْع بن مِهْران الرّياحي البصري:
"كنا نَسمَعُ الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ ونحن بالبصرة، فما نَرَضى حتى نركب إلى المدينة فنَسمَعُها من أفْواههم":
وقال الحافظ ابن كثير في ترجمة الإمام البخاري ﵀: (رحَلَ إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنَتْه الراحلةُ إليها. وكتَبَ عن أكثر من ألف شيخ، قال الفِرَبْرِي: سَمِعَ "الصحيحَ" من البخاري معي نحوٌ من سبعين ألفًا، لم يبق منهم أحد غيري).
ورُوي عن الرازيِّ ما يُدهش اللب، من علو همته في الرحلة لتحصيل العلم إذ قال:
"أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا،
стр. 157
ثم إلى الرملة ماشيًا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة".
سأضرب في طول البلاد وعرضها ... لأطلب علمًا أو أموت غريبًا
فإن تلفت نفسي فلله دَرُّها ... وإن سلمت كان الرجوع قريبًا
ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب والأندلس إلا برجال رحلوا إلى الشرق، ولاقوا في رحلاتهّم عناءً ونصبًا، مثل أسد بن الفرات، وأبي الوليد الباجى، وأبي بكر بن العربي.
***
стр. 158
(٤) مُعانَقَتهم الفَقْر فِي سَبيل ِالطَّلبِ
(حَفَلتْ كتبُ الأدب والتراجم والتاريخ والأخلاق بأقوال العلماء في فقرهم وغُربتهم وصبرهم على شدائدهم الخانقة، واستهانتهم بها، وعدمِ اكتراثهم لها، تمسكًا منهم بمثوبة الصبر، المحتسَب فيه الأجر، والذي كانوا فيه من الفائزين.
فهذا قائل منهم يقول مسائلًا عن مسكن الفقر ومنزلِه ليعرفَه فيجتنبَه، فيخبره الفقرُ أنه جليسُه وأنيسُه، وخَدِينُه وقَرِينُه لا يبارحه ولا يفارقه!
قلت للفقر: أين أنت مقيم؟ ... قال لي: في عمائم الفقهاءِ!
إنَّ بيني وبينهم لِإخاءً ... وعزيزٌ عليَّ تركُ الإخاءِ!
وآخَرُ يجعل الفِقهَ هو الفقَر بعينه، وإنما استدارَتْ "راءُ" الفقر فصارت "هاء"، فيقول مشيرًا إلى التلازم بين الفقه والفقر:
إنَّ الفقيهَ هو الفقيرُ وإنما ... راءُ الفقيرِ تجمَّعَتْ أطرافُها
وهذا الِإمام الشافعي ﵁ يستهين بسطوة الفاقة، ويكسر جبروتها بصبره الذي غلبها، فيقول فيما نسب إليه ﵁:
أمطري سَماءَ سَرَنْدِيَب ... وأخرجي آبارَ تُكرُورَ تِبْرا (١)
أنا إن عِشْتُ لستُ أعدَمُ قُوتًا ... ولئن مِتُّ لستُ أعدَمُ قَبرَا
стр. 159
هِمَّتي هِمةُ الملوك ونفسي ... نفسُ حُرٍّ تَرى المذلة كُفْرا) (١)
وقال عمر بن حفص الأشقر: "إنهم فقدوا البخاري أيامًا من كتابة الحديِث بالبصرة، قال: فطلبناه فوجدناه في بيتٍ وهو عُرْيان، وقد
стр. 160
نَفِدَ ما عنده ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوبًا وكسوناه، ثم اندفع معنا فِي كتابة الحديث".
وقال "مالك" ﵀: "لا يُنال هذا الأمر، حتى يُذاق فيه طعم الفقر"، وقد قال ابن القاسم: "أفضى بمالكٍ طلبُ الحديث إلى أن نقض سقف بيته، فباع خشبه".
وهذا "يحيى بن معين" ﵀، خلَّف له أبوه ألف ألف درهم، فأنفقها كلَّها على تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه".
وروي عن أبى حاتم أنه قال: (ضاقت بنا الحال أيام طلب العلم، فعجزت عن شراء البزر (١)، فكنت أخرج الليلَ إلى الدرب الذي أنزله، وأرتفق. بسراج الحارس، وكان ربما ينام الحارس، فكنت أنوب عنه).
...
стр. 161
(٥) مُعَانَاتهم الجُوع وَالمرَض والشَّدَائِدِ وَالمخاطَرة بِالنفسِ في طَلَبِ العلم
قص الإمام أبو حاتم -رحمه الله تعالى - شيئًا مما لقيه أثناء رحلته في طلب العلم، فقال:
(لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار، وركبنا البحر وكنا ثلاثة أنفس: أبو زهير المروزي شيخ، وآخر نيسابوري، فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا من الزاد، وبقيت بقية، فخرجنا إلى البر فجعلنا نمشى أيامًا على البر، حتى فني ما كان معنا من الزاد والماء، فمشينا يومًا وليلة لم يأكل أحد منا شيئًا، ولا شربنا، واليوم الثاني كمثل، واليوم الثالث، كل يوم نمشي إلى الليل، فإذا جاء المساء صلينا، وألقينا بأنفسنا حيث كنا، وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء، فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، فسقط الشيخ مغشيًّا عليه، فجئنا نحركه، وهو لا يعقل، فتركناه، ومشينا أنا وصاحبي النيسابوري قدر فرسخ أو فرسخين، فضعفت، وسقَطت مغشيًّا علي، ومضى صاحبي، وتركنى، فلم يزل هو يمشي، إذ بصر من بعيد قومًا قد قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى ﷺ ، فلما عاينهم لوَّحَ بثوبه إليهم، فجاءوه معهم الماء في إداوة فسقوه، وأخذوا بيده، فقال لهم: "رفيقين لي قد ألقوا بأنفسهم مغشيًّا عليهم"، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحتَ عيني، فقلت: "اسقني"، فصب من الماء في
стр. 162
ركوة أو مشربة شيئًا يسيرًا، وأخذ بيدي، فقلت: "ورائي شيخ ملقى"، قال: "قد ذهب إلى ذاك جماعة"، فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي، ويسقيني شيئًا بعد شيء، حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم، وأتوا برفيقي الثالث الشيخ، وأحسنوا إلينا أهل السفينة، فبقينا أيامًا حتى رجع إلينا أنفسنا، ثم كتبوا لنا كتابًا إلى مدينة يقال لها "راية" إلى واليهم، وزودونا من الكعك والسويق والماء، فلم نزل نمشي حتى نفد ما كان معنا من الماء والسويق والكعك، فجعلنا نمشي جياعًا عطاشًا على شط البحر، حتى وقعنا إلى سلحفاة قد رمى به البحر مثل الترس، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهر السلحفاة، فانفلق ظهره، وإذا فيها مثل صفرة البيض، فأخذنا من بعض الأصداف الملقى على شط البحر، فجعلنا نغترف من ذلك الأصفر، فنتحساه حتى سكن عنا الجوع والعطش، ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة "الراية"، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم، فأنزلنا في داره، وأحسن إلينا، وكان يقدم إلينا كل يوم القرع، ويقول لخادمه: "هات لهم باليقطين المبارك"، فيقدم إلينا ذاك اليقطين من الخبز أيامًا، فقال واحد منا بالفارسية: "لا تدعو باللحم المشئوم؟ "، وجعل يُسمع الرجلَ صاحبَ الدار، فقال: "أنا أحسن بالفارسية: فإن جدتي كانت هَرَويهّ"، فأتانا بعد ذلك باللحم، ثم خرجنا من هناك، وزودنا إلى أن بلغنا مصر).
وقال بكر بن حمدان المروزي: (سمعتُ ابنَ خراش يقَول: شربتُ بولي في طلب هذا الشأن -يعني طلب الحديث- خمس مرات).
وذلك أنه كان يمشي في الفَلَوات والقِفار لتحصيل الحديث وتلقيه عن أهله، فيناله العطش الشديد في طريقه!
تلوم على أن رحت للعلم طالبًا ... وأجمع من علم الرواة فنونه
стр. 163
فيالائمى دعنى أغالي بمهجتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه
قال الوحشي أبو على الحسن: "كنت بعسقلان أسمع من ابن مصحح وغيره، فضاقت علَيَّ النفقة، وبقيت أيامًا بلا أكل، فأخذت لأكتب فعجزت، فذهبت إلى دكان خباز، وقعدت بقربه لأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم فتح الله تعالى علَيَّ".
وهذا ابن الجوزي يقول:
(لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو.
كنت في زمان الصبا آخذ معى أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء.
فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم فأثمر ذلك عندى أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسولِ الله ﷺ وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم .. ).
قال البارودي:
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها مُحَبَّبُ
***
стр. 164
(٦) مُعَانَاتهم والسَّهَر فى طَلَبِ العِلمِ
قيل لبعض السلف:
"بم أدركت العلم؟ "، قال: "بالمصباح والجلوس إلى الصباح"، وقيل لآخر، فقال: "بالسفر، والسهر، والبكور في السحر" ...
قال الخطيب البغدادي: "وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك وكان جماعة منهم يبدأون من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح".
وبادر الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
(وكان الشيخ أبو علي يكشف عن ظهره في الليلة الباردة يطرد به النوم).
وكان محمد بن الحسن الشيباني ﵀ لا ينام الليل، وكان عنده الماء يزيل نومه به، وكان يقول: "إن النوم من الحرارة فلا بد من دفعه بالماء البارد".
ذكر ابن اللباد أن محمد بن عبدوس "صلى الصبح بوضوء العتمة، ثلاثين سنة، خمس عشرة من دراسة، وخمس عشرة من عبادة".
يَهْوَى الدَّياجي إذا المغرورُ أغْفَلَها ... كأنَّ شُهْبَ الدياجي أعينٌ نُجْلُ
وحكى الربيع عن فاطمة بنت الشافعي قالت: "أسرجت لأبي في ليلةّ سبعين مرة".
وقال الحافظ ابن كثير: "وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيُوقدُ السراجَ ويكتب الفائدة تمُرُّ بخاطره، ثم يُطفئُ سراجَه، ثم يقوم مرةً أخرى وأخرى، حتى كان يتعدَّدُ منه ذلك قريبًا من عشرين مرة".
وكان أسَدُ بن الفُرات، - قاضي القيروان وتلميذُ الإمام مالك ومُدون مذهبه، - وأحَدُ القادة الفاتحين، فتحَ صِقلِّيَهَّ واستُشهدَ بها سنة ٢١٣
стр. 165
كان قَد خرج من القيروان إلى الشرق سنة ١٧٢، فسمع "الموطأ" علىٍ مالك بالمدينة، ثم رحل إلى العراق، فسمِع من أصحاب أبي حنيفة وتفقَّه عليهم، وكان أكثَرُ اختلافه إلى محمد بن الحسن الشيباني، ولما حضَرَ عنده قال له: "إني غريب قليلُ النفقة، والسماعُ منك نَزْر، والطلبةُ عندك كثير كما فما حِيلتي؟ "،
فقال له محمد بن الحسن: "اسمع العراقِيِّين بالنهار، وقد جعلتُ لك الليلَ وحدَك، فتَبِيتُ عندي وأسمعك"، قال أسد: "وكنتُ أبيتُ عنده وينَزلُ إلي، ويجعلُ بين يديه قَدَحًا فيه الماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ونعَستُ، ملأ يَده ونفحَ وجهى بالماء فأنتبه، فكان ذلك دأبه ودأبي، حتى أتيتُ على ما أريدُ من السماع عليه".
وكان محمد بن الحسن يتعهده بالنفقة حِين علم أن نفقته نَفِدَتْ، وأعطاه مَرةً ثمانين دينارًا حين رآه يشرب من الماء السبيل، وأمَدَّه بالنفقة حين أراد الانصراف من العراق.
وقال عبد الرحمن بن قاسم العُتَقي المصري أحد أصحاب مالك والليث وغيرهما:
(كنتُ آتي مالكًا غَلَسًا فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة، وكنتُ أجد منه في ذلك الوقت انشراحَ صدر، فكنت آتي كلَّ سحر.
فتوسَّدتُ مرَّةً عتبتَه، فغلبتنى عينى فنِمت، وخرَجَ مالك إلى المسجد ولم أشعر به، فركضتني جارية سوداء له برجلها، وقالت لي: "إن مولاك قد خرج، ليس يَغفُلُ كما تَغفُلُ أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة، قلَّما صلى الصبح إلا بوضوء العتَمَة"، ظنَّت السوداء أنه مولاه من كثرةِ اختلافِه إليه.
قال ابن القاسم: (وأنختُ بباب مالك سبع عشرة سنة، ما بعتُ
стр. 166
فيها ولا اشتريتُ شيئًا، قال: فبينما أنا عنده، إذ أقبل حاجُّ مصر، فإذا شابٌّ متلثِّم دخل علينا، فسلَّم على مالك، فقال: "أفيكم ابنُ القاسم؟ فأُشيرَ إلَيَّ، فأقبل يُقَبِّلُ عينيَّ، ووجدتُ منه ريحًا طيبة، فإذا هي رائحةُ الوَلَد، وإذا هو ابني"، وكان ابنُ القاسم ترك أمه حاملًا به، وكانت ابنةَ عمه، وقد خيَّرها عند سفره لطول إقامته، فاختارت البقاء).
وقال أبو يعلى الموصلي:
اصبر على مضض الإدلاج بالسـ ... ـحر وبالرواح على الحاجات والبكر
لا تعجزن ولا يضجرك مطلبها ... فالنجح يتلف بين العجز والضجر
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يطالبه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
حكى شيخ الإسلام النووي ﵀ عنه شيخه الإمام الجليل أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي قال: سمعت الشيخ عبد العظيم ﵀ يقول: "كتبت بيدي تسعين مجلدة، وكتبت سبعمائة جزء"، كل ذلك من علوم الحديث تصنيف غيره، وكتب ذلك من مصنفاته وغيرها أشياء كثيرة، قال النووي: (قال شيخنا: "ولم أرَ، ولم أسمع أحدًا أكثر اجتهادًا منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار"، قال: وجاورته في المدرسة -يعني بالقاهرة حماها الله- بيتي فوق بيته اثني عشر سنة، فلم أستيقظ في ليلة من الليالي، في ساعة من ساعات الليل إلا وجدت ضوء السراج في بيته، وهو مشتغل بالعلم، وحتى كان في حال الأكل والكتاب والكتب عنده يشتغل فيها) اهـ.
فنورهم من جدهم وسهرهم، كالحافظ الضياء أبو محمد المقدسي:
стр. 167
"كأن النور يخرج من وجهه، ضعف بصره من كثرة الكتابة والبكاء".
وقال الزمخشري واصفًا تلذذ العلماء بإيقاظ ليلهم، وطول سهرهم:
سَهَري لتنقيح العلوم ألذُّ لي ... من وَصْل غانيةٍ وطِيب عِناقِ
وتمايلي طربًا لحلِّ عويصة ... أشهى وأحلى من مُدامة ساقي
وصَريرُ أقلامي على أوراقها ... أحلى من الدُّوكاهِ (١) والعُشَّاقِ
وألذُّ من نَقْرِ الفتاة لدُفِّها ... نقري لألقي الرَّمْلَ عن أوراقي
أأبِيتُ سهرانَ الدُّجَى وتبيتَه ... نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي؟!
وقال النووي ﵀ حاكيًا عن أوائل طلبه للعلم: "وبقيت سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض"، وحكى البدر بن جماعة أنه سأله ﵀ عن نومه؛ فقال: "إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه" وقال البدر: "وكنت إذا أتيته أزوره يضع بعض الكتب على بعض ليوسع لي مكانًا أجلس فيه".
وهذا الإمام الشيخ مؤرخ الِإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -رحمه الله تعالى-، أخذ كتاب الإمام أحمد مرتبًا من المحب الصامت، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، و"معجم الطبراني الكبير"، و"مسند البزار"، و"مسند أبي يعلى الموصلي"، وأجهد نفسه كثيرًا، وتعب فيه تعبًا عظيمًا، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله، إلا من بعض مسند أبي هريرة. فإنه مات قبل أن يكمله فإنه عوجل بكف بصره، يقول للذهبي: "لا زلت كتب فيه في الليل، والسراج يُنونص، حتى ذهب بصري معه،
стр. 168
ولعل الله يقيض من يكمله".
وهاك طرفًا من سيرة الإمام الجليل "ابن دقيق العيد" -رحمه الله تّعالى- يبين عن علو همته وسهره في طلب العلم:
بعد أن قام بجولته العلمية في الفسطاط والقاهرة والإسكندرية ودمشق والحجاز، وأخذ العلم عن كبار أساتذة عصره، تعمق في المذهبين، مذهب مالك والشافعي، كما تعمق في علوم الحديث والتفسير، وعلم الكلام والنحو والأدب، وأتقن وهو شاب المذهبين اتقانًا عظيمًا، وبلغ به إلى درجة الإفتاء بهما.
قال الإسنوي: حقق المذهبين معًا ولذلك مدحه الشيخ ركن الدين بن القويع المالكي بقصيدة يقول من جملتها:
صبَا للعلم صَبًّا في صِباه ... فأعلي بهمةِ الصَّبِّ الصبيّ
وأتقنَ والشبابُ لَهُ لباسٌ ... أدلةَ مالكٍ والشافعي
كان الشيخ تقي الدين ﵀ منقطعًا للعلم والعبادة، فكان لا ينام الليل إلا قليلاً، فكانت أوقاته معمورة بالدرس والمطالعة والتحصيل، أو الِإملاء والتأليف، ورواية الحديث، فإن أراح نفسه من بعض ذلك العناء فلا يُرَى إلا قائمًا يصلي في المحراب، أو جالسًا يتلو كلام الله، أو ماشيًا يتفكر في خلق الله، متدبرًا صنعه، مستدلاً بذلك على قدرة الله ووحدانيته، فهو منصرف بجسمه وفكره، سوادَ ليله وبياضَ نهاره إلى البحث والتدقيق، والاستنباط والتحقيق، أو الصلاة والقيام، وتقديس الله الملك العلام، وأصدق مرآة لحياته قوله:
الجسمُ يذيبُه حقوقُ الخدمهْ ... والقلبُ عذابُهُ علو الهمهْ
والعمرُ بذاك ينقضي في تعبٍ ... والراحةُ ماتت فعليها الرحمهْ
стр. 169
فهو قد أضنى فؤاده علو همته في درك العلا، ونيل المرام، فشغل فكره باستنباط الأحكام الشرعية، وخدمة الدين والأمة، والتزود بالتقوى.
قال السبكي: "أما دأبه في الليل علمًا وعبادة فأمر عجاب، ربما استوعب الليل فطالع فيها المجلد أو المجلدين، وربما تلا آية واحدة فكررها إلى مطلع الفجر".
وقال الآدفوي: (حكى لي الشيخ زين الدين عمر الدمشقي المعروف بابن الكناني -رحمه الله تعالى-: قال: دخلت عليه بكرة يوم فناولني مجلدة، وقال: "هذه طالعتها في هذه الليلة التي مضت"، وقال الآدفوي أيضًا: له قدرة على الطالعة، رأيتَ خزانة المدرسة النجيبة بقوص فيها كتب من جملتها "عيون الأدلة" لابن القصار في نحو ثلاثين مجلدًا، وعليها علامات له، وكذلك رأيت كتب المدرسة السابقية، رأيت على "السنن الكبرى" للبيهقي له فيها في كل مجلدة علامة، وفيها "تاريخ الخطيب" كذلك، "ومعجم الطبراني" الكبير، والأوسط، وقال: وأخبرني شيخنا الفقيه سراج الدين الدنوري أنه لما ظهر "الشرح الكبير" للرافعي اشتراه بألف درهم، وصار يصلي الفرائض فقط، واشتغل بالمطالعة إلى أن أنهاه، وذُكر عنده هو والغزالى في الفقه، فقال: "الرافعي في السماء"، ويقال إنه طالع كتب الفاضلية عن آخرها، وقال: "ما خرجت من باب من أبواب الفقه واحتجت أن أعود إليه".
* ومن سيرة العلماء المعاصرين ننتقي أنموذج العلامة القرآني "محمد الأمين الشنقيطي" ﵀، قال ابنه عبد الله: "حدثني أبي أنه
стр. 170
كان يقرأ في البلاد زمان طلبه العلم في "مختصر خليل" في أول كتاب النكاح، حتى وصل إلى قول خليل: "في عشرة ندبه ولو ببيع سلطان لفلس"؛ قال لي: أقرأنيها شيخي بعد العصر، وكانت دراسته جرديَّة، بحيث يقرأ كل ما قيل في الباب؛ قال: فأخذت شراح خليل وحواشيه على هذه المسألة، وجلست أراجعها حتى جاء الليل، ثم أوقدت النار أطالع في ضوئها إلى الصبح، ولم أنم، ولم أصلِّ غير الفريضة، فوجدت أن للشراح في قول خليل قولين، ولو كنت أبحث في الكتاب والسنة لأتيت للأمة بالعجب".
ولي شغل بأبكار عذارى ... كان وجوهها ضوء الصباح
أبيتُ مفكرًا فيها فتضحي ... لفَهْم الفَدْمِ (١) خافضة الجناح
قال الشيخ عطية سالم في روايته هذه القصة ما نصه:
(نعم؛ إنه كان يبيت في طلب العلم مفكرًا وباحثًا، حتى يذلل الصعاب، وقد طابق القول العمل؛ حدثني ﵀ قال: "جئت للشيخ في قراءتي عليه، فشرح لي كما كان يشرح، ولكنه لم يشف ما في نفسى على ما تعودت، ولم يرو لي ظمئي، وقمت من عنده وأنا أجدني في حاجة إلى إزالة بعض اللبس وإيضاح يعض المشكل، وكان الوقت ظهرًا، فأخذت الكتب والمراجع، فطالعت حتى العصر، فلم أفرغ من حاجتي، فعاودت حتى المغرب، فلم أنته أيضًا، فأوقد لي خادمي أعوادًا من الحطب أقرأ على ضوئها كعادة الطلاب، وواصلت المطالعة، وأتناول الشاهي الأخضر كلما مللت أو كسلت، والخادم بجواري يوقد الضوء، حتى انبثق الفجر وأنا في مجلسي، لم أقم إلا لصلاة فرض أو تناول طعام، وإلى أن ارتفع النهار، وقد فرغت من
стр. 171
درسي، وزال عني لبسي، ووجدت هذا المحل من الدرس كغيره في الوضوح والفهم، فتركت المطالعة ونمت، وأوصيت خادمي أن لا يوقظني لدرسي في ذلك اليوم؛ اكتفاءً بما حصلت عليه، واستراحة من عناء سهر البارحة؛ فقد بات مفكرًا فيها، فأضحت لفهم الفدم خافضة الجناح) اهـ.
* وقال العلامة أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي ﵀ واصفًا حاله أثناء مدارسته تفسير القرآن العظيم قبل أن يبلغ سن العشرين: (وإني ولله تعالى المنة مذ ميطت عني التمائم، ونيطت على رأسي العمائم، لم أزل متطلبًا لاستكشاف سره المكتوم، مترقبا لارتشاف رحيقه المختوم، طالما فرقت نومي لجمع شوارده، وفارقت قومي لوصال خرائده، فلو رأيتني وأنا أصافح بالجبين صفحات الكتاب من السهر، وأطالع -إن أعوز الشمع يومًا- على نور القمر، في كثير من ليالي الشهر، وأمثالي إذ ذاك يرفلون في مطارف اللهو، ويرقلون في ميادين الزهو، ويؤثرون مسرات الأشباح، على لذات الأرواح، ويهبون نفائس الأوقات، لنهب خسائس الشهوات، وأنا مع حداثة سني، وضيق عَطَني، لا تغرني حالهم، ولا تغيرني أفعالهم) اهـ.
***
стр. 172
(٧) حِرصهم على مَجَالِسِ العُلَمَاءِ
إن من رحمه الله تعالى بهذه الأمة أن ألقى في قلوب سلفنا الصالح الشغف بالعلم والحرص على مجالسه ليحفظ بهم دينه، ويكونوا أسوة لمن بعدهم، فمن ثم تبوأوا مناصب الِإمامة في الدين.
فقد كانوا يزدحمون على مجالس العلم حتى قال جعفر بن درستويه: (كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليومَ لمجلس غدٍ، فنقعد طول الليل، مخافة أن لا نلحق من الغد موضعًا نسمع فيه، ورأيت شيخًا في المجلس يبول في طيلسانه، ويدرج الطيلسان، حتى فرغ مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام للبول".
وقال يحيى بن حسان: (كنا عند سفيان بن عيينة، وهو يحدث، فازدحمت فرقة من الناس على محل شيخٍ ضعيفٍ، فانتهبوه، ودَقُّوا يد الشيخ، فجعل الشيخ يصيح: "سفيانُ لا جعلتك مما عمِلوا بي في حِل"، وسفيانُ لا يسمع، حتى نظر إلى رجل من أولئك الذين صنعوا بالشيخ ما صنعوا، فقال له: "ما يقول الشيخ؟ "، قال: يقول (١): "زدنا في السماع").
وهشيم -رحمه الله تعالى- كان سبب موته ازدحام طلبة العلم
стр. 173
عليه، فقد قال الخطابي: (ازدحم أصحاب الحديث على هشيم، فطرحوه عن حماره، فكان سبب موته).
وكان أبو بكر بن الخياط النحوي -رحمه الله تعالى- يدرس جميع أوقاته، حتى في الطريق، وكان ربما سقط في جُرْفٍ، أو خبطته دابة! وحكي عن "ثعلب" أنه كان لا يفارقه كتاب يدرسه، فإذا دعاه رجل إلى دعوة، شرط عليه أن يُوسِع له مقدار مِسْوَرة -وهي المتكأ من الجلد- يضع فيها كتابًا، ويقرأ.
وكان سببُ وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة، بعد العصر، وكان قد لحقه صَمَمٌ، لا يَسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمته فرسٌ فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلِط، فحُمل إلى منزله على تلك الحال، وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم، رحمه الله تعالى.
وهذا الإمام "بَقيٌّ بن مَخْلَد الأندلسي" الذي رحل إلى بغداد ماشيًا على قدميه، وكان جُلُّ بغيته أن يلقى إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀، ليأخذ عنه العلم، حُكي عنه أنه قال: (لما قَرُبتُ من بغداد اتصل بي خبرُ المحنة التي دارت على أحمد بن حنبل، وأنه ممنوع من الاجتماع إليه والسماع منه، فاغتممتُ بذلك غمًّا شديدًا، فاحتَللتُ الموضع، فلم أعرج على شيء بعد إنزالي متاعي في بيت اكتريتُه في بعض الفنادق أن أتيتُ المسجد الجامع الكبير، وأنا أريد أن أجلس إلى الخَلْق وأسمع ما يتذاكرونه.
فدُفِعتُ إلى حلقة نبيلة، فإذا برجل يكشف عن الرجال، فيُضعِّفُ ويُقوِّي، فقلت: "من هذا"؟ لمن كان قربي، فقال: "هذا يحيى بن
стр. 174
معين"، فرأيتُ فرجة قد انفرجت قُرْبَه، فقمت إليه فقلت له: "أبا زكريا رحمك الله، رجل غريب نائي الدار، أردتُ السؤال فلا تَستخفَّني"، فقال لي: "قُلْ"، فسألته عن بعض من لقيتُ من أهل الحديث، فبعضًا زكَّى، وبعضًا جرَّح.
فسألته في آخر السؤال عن هشام بن عمار، وكنتُ قد أكثرت من الأخذ منه، فقَال: "أبو الوليد هشام بن عمار صاحبُ صلاة، دمشقي ثقة وفوق الثقة، لو كان تحت ردائه كبر وتقلد كبرًا ما ضرَّه شيئًا لخيرِه وفضلِه"، فصاح أهلُ الحلقة: "يكفيك رحمةُ الله عليك، غيرُك له سؤال".
فقلت: وأنا واقف على قدمي: "أكشِفُك عن رجل واحد: أحمد بن حنبل؟ "، فنظر إليَّ يحيى بن معين كالمتعجِّب وقال لي: "ومثلنا نحن يكشف عن أحمد بن حنبل؟! إنَّ ذاك إمامُ المسلمين، وخيرُهم، وفاضلهم".
ثم خرجت أستدل على منزل أحمد بن حنبل، فدُللتُ عليه، فقرعتُ بابه، فخرج إليَّ وفتَح الباب، فنظر إلى رجل لم يعرفه، فقلت: "يا أبا عبد الله رجل غريب الدار، هذا أول دخولي هذا البلد، وأنا طالبُ حديث ومُقَيِّدُ سُنَّة -أي: جامعُ سُنَّة-، ولم تكن رحلتي إلا إليك"، فقال لي: "ادخل الأسطوان، ولا تقع عليك عين".
فقال لي: "وأين موضعك؟ "، قلت: "المغرب الأقَصى"، فقال لي: "إفريقية؟ " فقلت: "أبعَدُ من ذلك، أجوزُ من بلدي البحرَ إلى إفريقية، الأندلس"، فقال لي: "إن موضعك لبعيد، وما كان شيء أحبَّ إليَّ من أن أحسن عَونَ مثلِك على مطلبه، غير أني في حيني
стр. 175
هذا ممتحَن بما لعله قد بلغك"، فقلت له: "بلى قد بلغني، وأنا قريب من بلدك مقبلٌ نحوك".
فقلت له: "أبا عبد الله هذا أول دخولي، وأنا مجهول العين عندكم، فإن أذنتَ لي أن آتي في كل يوم في زِيِّ السُّؤَّال، فأقولَ عند باب الدار ما يقولون، فتَخرُجَ إلى هذا الموضع، فلو لم تحدثني في كل يوم إلا بحديث واحد لكان فيه كفاية"، فقال لي: "نعم، على شرط أن لا تظهر في الخَلْق، ولا عند أصحاب الحديث"، فقلت: "شَرْطك".
فكنتُ آخذ عُودًا بيدي، وألُفُّ رأسي بخرقة، وأجعل كاغدي -أي: ورقي- ودَواتي في كُمِّي، ثم آتي بابه فأصيح: "الأجْرَ رحمكم الله"، والسُّؤَّالُ هنالك كذلك، فيَخرج إليَّ، ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة والأكثر.
فالتزمتُ ذلك، حتى مات الممتحِنُ له، ووَلَي بعده من كان على مذهب السُّنَّة، فظهر أحمد بن حنبل، وسَمَا ذكره، وعظُمَ في عيون الناس، وعلَتْ إمامتُه، وكانت تُضرَب إليه آباط الإبل، فكان يَعرفُ لي حقَّ صبري.
فكنت إذا أتيتُ حَلْقَتَهُ فسَحَ لي وأدناني من نفسه، ويقول لأصحاب الحديث: "هذا يقع عليه اسمُ طالب العلم"، ثم يقص كليهم قصتي معه، فكان يناولني الحديث مناولة، ويقرأه عليَّ، وأقرأه عليه.
فاعتللتُ أشفيتُ منها، ففقَدَني من مجلسه فسأل عني، فأعلم بعِلَّتي، فقام من فوره مقبلًا إليَّ عائدًا لي بمن معه، وأنا مضطجع في البيت الذي كنت اكتريت، ولِبْدي تحتي، وكسائي عليَّ، وكتبي عند رأسي.
стр. 176
فسمعتُ الفندقَ قد ارتَجَّ بأهله وأنا أسمعهم -يقولون-: "هو ذاك، أبصروه، هذا إمام المسلمن مقبلًا"، فبَدَر إليَّ صاحبُ الفندق مسرعًا فقال لي: "أبا عبد الرحمن! هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين مقبلًا إليك عائدًا لك".
فدخل، فجلس عند رأسي، وقد احتَشَى البيتُ من أصحابه، فلم يسعهم، حتى صارَتْ فرقة منهم في الدار وقوفًا وأقلامُهم بأيديهم، فما زادني على هذه الكلمات؛ فقال لي: "يا أبا عبد الرحمن أبشِرْ بثواب الله، أيامُ الصحة لا سقَمَ فيها، وأيامُ السقم لا صحة فيها، أعلاك الله إلى العافية، ومَسَحَ عنك بيمينه الشافية"، فرأيت الأقلام تكتب لفظه.
ثم خرج عني، فأتاني أهلُ الفندق يَلطُفون بي، ويخدمونني ديانةً وحِسبةً، فواحدٌ يأتي بفراش، وآخر بلحافٍ، وبأطايب من الأغذية، وكانوا في تمريضي أكثرَ من تمريض أهلي لو كنت بين أظهرهم، لعيادة الرجل الصالح.
وتوفي بقي بن مخلد سنة ٢٧٦ بالأندلس -رحمه الله تعالى).
* واجتهد كثير من الحفاظ في لقيا المشايخ والتلقي عنهم، حتى بلغ عدد شيوخ الِإمام أبي سعد عبد الكريم السمعاني المروزي سبعة آلاف شيخ وأستاذ، ولكثرة البلدان التي رحل إليها، ألف "معجم البلدان" التي سمع فيها، وصنف "معجم شيوخه" في عشر مجلدات.
وقال القاسم بن داود البغدادي: "كتبت عن ستة آلاف شيخ"، وبلغ عِدَّةُ شيوخ الإمام الحافظ ابن عساكر ﵀ ألفًا وثلاثَ مائة شيخ، ومن النساء بضع وثمانون امرأة.
***
стр. 177
ولما مات "زيد بن ثابت" ﵁ قال ابن عباس ﵄: "يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، وأيْمُ الله لقد ذهب اليوم علمٌ كثيرٌ، يموت الرجل الذي يعلم الشيء لا يعلمه غيره، فيذهب ما كان معه -ويشير إلى قبر زيد ويقول:- لقد دفن اليوم علمٌ كثيرٌ".
قال يحيى بن القاسم: كان "ابن سُكَيْنَة" عالمًا عاملًا، لا يُضيِّعُ شيئًا من وقته، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: "لا تزيدوا على: (سلامٌ عليكم) مسألة، لكثرة حرصه على المباحثة، وتقرير الأحكام.
***
стр. 178
(٨) مُبَادَرتهم الأَزمَان حِرصًا عَلى العِلمِ
ومن ذلك: أن "شعبة بن الحجاج" جاء إلى "خالدٍ الحذاء"، فقال:
"يا أبا منازل: عندك حديث حَدِّثني به؟ "، وكان خالد عليلًا، فقال له: "أنا وجع"، فقال: "إنما هو واحد؟ "، فحدثه به، فلما فرغ، قال: لا من إذا شئت".
وكان "يحيى بن معين" شديد الحرص على لقاء الشيوخ والسماع منهم خشيه أن يفوتوه، قال عبد بن حميد: (سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إلي، فقلت: حدثنا حماد بن سلمة فقال: "لو كان من كتابك؟ " فقمت لأخرج كتابي، فقبض على ثوبي ثم قال: "أمْلِهِ عَليَّ، فإني أخاف أن لا ألقاك"، فأمليتُه عليه، ثم أخرجت كتابي فقرأته عليه).
وعن ابن إسحاق قال: (سمعت مكحولًا يقول: "طُفتُ الأرض في طلب العلم"، وروى أبو وهب عن مكحول قال: "أعتقتُ بمصر، فلم أدَعْ بها عِلمًا إلا حويتُه فيما أُرَى، ثم أتيتُ العراق ثم أتيتُ المدينة، فلم أدع بهما علمًا إلا حويتُ عليه فيما أُرى، ثم أتيتُ الشام فغربلتُها"، وهذا من فطنته ومبادرته الزمان، خشية فوت الرواة، وموت المحدثين (١).
стр. 179
..........................
стр. 180
(٩) عُلُوّ هِمَّتهم فِي مُذَاكَرَةٍ العِلْمِ وَمُدَارَسَتهِ
قال إبراهيم النخعي: "من سَرَّه أن يحفظ الحديث، فليحدث به، ولو أن يُحَدِّث به من لا يشتهيه، فإنه إذا فعل ذلك كان كالكتاب في صدره".
وعن ابن شهاب أنه: (كان يسمع العلم من عروة وغيره، فيأتي إلى جارية له -وهي نائمة- فيوقظها، فيقول: "اسمعي حدثني فلان كذا وفلان كذا"، فتقول: "ما لي وما لهذا الحديث؟ "، فيقول: "قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعته الآن فأردت أن أستذكره").
قال زياد بن سعد: (ذهبنا مع الزهري إلى أرضه بالشعب، قال: وكان الزهري يجمع الأعاريب فيحدثهم، يريد الحفظ).
وكان بعضهم يذاكر العلم مع نفسه فتراه يجلس وحده، ويرفع بالعلم صوته، حتى يحفظه، يقول جعفر بن المراغي: (دخلت مقبرة بتُسْتَر، فسمعت صائحًا يصيح: والأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة"، ساعة طويلة، فكنت أطلب الصوت، إلى أن رأيت ابن زهير، وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش).
وقال عبد الرزاق: (كان سفيان الثوري عندنا ليلة، قال: وسمعت قرأ القرآن من الليل وهو نائم، ثم قام يصلي، فقضى جزءه من الصلاة، ثم قعد فجعل يقول: "الأعمش، والأعمش، والأعمش، ومنصور،