← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96278

علو الهمة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (416 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

اكتفيت بالآيتين السابقتين على سبيل الاستشهاد. بعد ذلك يتحدث الأخ المهتدي الجديد من إندونيسيا عن جانب آخر من دراسته المقارنة فيقول: ومن التعاليم البديهية في الديانة المسيحية أن عيسى ﵇ هو المنقذ المخلِّصُ للعالم، أي أنك إذا آمنت بألوهية عيسى فسوف تنجو، وهذا يعني أنك يمكنك أن تفعل ما تشاء غيرَ آبه بالذنوب والمعاصي ما دمت تؤمن بعيسى كمنقذ لك، شريطة أن تكون على يقين بأنك من التابعين، قلت لنفسي: لا بد أن أبحث في الإنجيل وأعرف الحق من الباطل في ذلك، في سفر أعمال الرسل رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينتوس يقول: الله قد أقام الرب وسُيقيمنا نحن أيضًا بقوته (٦: ١٤)، والقصة كما وردت في التعاليم المسيحية هي كالآتي: أنه لما قبضوا على السيد المسيح عرضوه أمام العدالة فحُكم عليه بالصلب، ثم دُفن فهنا تأتي الآية مناسبة لتلك القصة. وهنا يعلق الأخ رحمة بورنومو فيقول: لقد تأملت هذه الآية طويلًا ثم قلت: إذا لم يتدخل الله في إقامة المسيح من القبر لبقي مدفونًا تحت التراب إلى يوم القيامة، إذن مادام المسيح لم يستطع إنقاذ نفسه فكيف يكون بوسعه إنقاذ الآخرين؟ هل يليق بإله -كما يزعمون- أن يكون عاجزًا عن ذلك؟ لا أشك لحظة أن كل ذي عقل سيوافقني فيما ذهبت إليه. أليس كذلك؟ ثم يقول: عند ذلك عزمت على الخروج من الكنيسة وعدم الذهاب إليها، كان ذلك في عام ١٩٦٩ حيث خرجت فعلًا ولم أعد أتردد على الكنيسة، وليس معنى ذلك أنني خرجت ذلك الحين من الديانة النصرانية نفسها، لأنه كما هو معلوم هناك كنائس ومذاهب شتى في

стр. 247

الديانة النصرانية، فهناك الكاثوليك، والبروتستانت، والميثوديست، والبلاي كسلامتن، واليونيتاريان، وغيرها كثير، حتىّ أنني أستطيع أن أقول بأن هناك أكثر من ٣٦٠ مذهبًا في الديانة النصرانية، وصدق الله العظيم ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. قد يقول قائل: وفي الإسلام أيضًا توجد مذاهب وطوائف عدة، فهناك المذاهب الأربعة المعروفة، وهى الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي وغيرها ...... والجواب هو أن أتباع المذاهب .. لا يختلفون في أصول الدين بل يتفقون جميعًا أن الله واحد، لا شريك له، وأن محمدًا رسول الله، كما يتفقون في أركان الإسلام الخمسة، وجوانب الخلاف بينهم في الفروع فقط لا في الأصول، وخلافهم رحمة كما ورد في الأثر، أما في الديانة المسيحية فالأمر مختلف تمامًا إذ الخلاف في صلب العقيدة، وهذا هو الفارق بين الإسلام والمسيحية. ومهما اختلفت المذاهب في الإسلام فإنك لا تجد مسجدًا يخص مذهبًا معينًا دون سائر المساجد، بل على العكس من ذلك، فإذا نادى المنادي للصلاة تجد كل مسلم يدخل أقرب مسجد ليصلي فيه. ولكن الأمر يختلف تمامًا في الديانة النصرانية: فكل كنيسة تتبع مذهبًا معينًا، ولا يدخلها إلا أتباع ذلك المذهب فحسب، فالكاثوليكي لا يصلي في كنيسة بروتستانتية، والبروتستانتي لا يصلي هو الآخر في كنيسة كاثوليكية، وهكذا. ثم يمضي الأخ رحمة بورنومو في قصته الشائقة، فيقول: وذات يوم

стр. 248

لقيت صديقًا لي فدعاني إلى الكاثوليكية، وأخذ يعدد مميزات لهذا المذهب لم أجد مثلها في مذهبي البروتستانتي، قال صديقي: "في هذا المذهب توجد حجرة الغفران، وهي عبارة عن غرفة في الكنيسة يجلس فيها قس ذو لحية كثيفة يرتدي لباسًا أسود، ويقعد على كرسي عال، ومن طلب العفو والغفران ذهب إليه، ورددَ بعض الألفاظ غير المفهومة، وما أن يكاد يفرغُ من قراءتها حتى يقال له بأنه بريء من ذنوبه، ويرجع كيوم ولدته أمه، وهكذا قال لي صديقي، وأضاف قائلاً: كل ما تقترف يداك من الذنوب خلال أيام الأسبوع كفيل بأن يُغفر لك عند ذهابك إلى الكنيسة يوم الأحد، وحصولك على الغفران. فأنت لا تحتاج إلى الصلاة، ولا إلى العبادة، ولكن إذا تركت ذلك كله وذهبت إلى القس، واعترفت أمامه، غُفِرت ذنوبك". يقول الأخ رحمة بورنومو: لقد تذكرت ما يقرره الإسلام في ذلك؛ وهو أن البشر مهما علت رتبة أحدهم لا يمكن أن يُوكَلَ إليه غفران ذنوب العباد، كما أن التوبة والمغفرة لا تُسْقِط التكاليف والفرائض، بل لا بد للتائب من أن يؤدي الصلوات الخمس اليومية في أوقاتها، فإذا تركها فلا قيمة لتوبته وعليه إثم كبير لا يمكن أن يتحمله عنه غيره من الناس ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ صدق الله العظيم. ثم يقول: لقد رأيت الداخلين إلى حجرة الغفران في الكنيسة عليهم أمارات الحزن والكآبة لثقل الذنوب، بينما رأيت من يخرج منها وقد علت وجهه ابتسامة الفرح لاعتقاده بأن ذنوبه قد غفرت له، أما أنا فحين جربت تلك الغرفة دخلتها حزينًا وخَرجت منها حزينًا، لماذا يا ترى؟

стр. 249

لأنني كنت أفكر وأتساءل: "هذه ذنوبنا يتحملها القس، ولكن من يتحمل ذنوبه هو؟ " وهكذا لم أقتنع بالكاثوليكية فتركتها، وبحثت عن دين آخر. ثم يحدثنا الأخ رحمة بورنومو عن المرحلة التالية من رحلته من الشك إلى اليقين فيقول: بعد ذلك تعرفت على طائفة نصرانية أخرى تسمى (شهود يهوه) وهي مذهب آخر من مذاهب النصرانية، لقيت رئيسهم، وسألته عن تعاليم مذهبه، وقلت له: "من تعبدون؟ "، قال:- "الله"، قلت: "ومن هو المسيح" فقال: "عيسى هو رسول الله"، فصادف ذلك موافقة لما كنت أومن به، وأميل إليه، ودخلت كنيستهم فلم أجد فيها صليبًا واحدًا، فسألته عن سر ذلك، فقال: "الصليب علامة الكفر، لذلك لا نعلقه في كنائسنا". وهكذا رضي الأخ رحمة بورنومو أن يعرف المزيد عن شهود يهوه، وهو يصف هذه الفترة من حياته فيقول: لقد أمضيت ثلاثة أشهر كاملة أتلقى تعاليم ذلك المذهب، وفي نهايتها كان لي الحوار التالي مع رئيس الكنيسة، وكان هولنديًّا. قلت له: "يا سيدي، إذا توفيت على هذا المذهب؛ فإلى أين مصيري؟ " قال: "كالدخان الذي يزول في الهواء"، فقلت متعجبًا: "ولكني لست سيجارة، بل أنا إنسان ذو عقل وضمير". ثم سألته: "وأين أتجه بعد الممات"، فقال: "تُوضَع في ميدان واسع"، قلت: "وأين ذلك الميدان؟ " قال: "لا أعلم"، قلت: "سيدي إذا كنتُ عبدًا مطيعًا ملتزمًا بهذا المذهب، فهل أدخل الجنة؟ " قال: "لا"، قلت: "فإلى أين إذن؟ " قال: "الذين يدخلون الجنة

стр. 250

عددهم ١٤٤ ألف شخص فقط، أما أنت فسوف تسكن الأرض مرة أخرى"، وهنا قاطعته قائلًا: "ولكن يا سيدى قد وقعت الواقعة، فالدنيا خربت"، قال: "أنت لا تفهم حقيقة القيامة، لو كان لديك كرسي وفوقه حشرات مؤذية، هل تحرق الكرسي لتخلص من الحشرات؟ " قلت: "لا"، قال: "بل تقتل الحشرات ويبقى الكرسي سليمًا، وهكذا فتبقى الأرض سليمة بعد تطهيرها من الدنس والخطايا، وعندها ينتقل إليها الناس من ذلك الميدان، فليس هناك ما يسمى بالنار". وهنا أعملت فكري جيدًا، ودرست الأمر وقلبته، حتى اتخذت القرار الأخير بترك النصرانية بجميع مذاهبها رسميًّا، كان ذلك في عام ١٩٧٠، وفي أحد الأيام بينما كنت أسير في طريقي بحثًا عن الحق، رأيت معبدًا بوذيًّا جميلًا ضخمًا فاقتربت منه فوجدت فيه عدة تماثيل وصور في السقف تمثل التنين، وعلى الجدران مثل ذلك، كما شاهدت أمام البوابة تمثالين على شكل أسد صامت، وما أن دخلت من البوابة حتى جاءني رجل فأوقفني، وسأل: "إلى أين؟ " قلت: "أريد أن أدخل"، قال: "اخلع نعليك قبل أن تدخل، هذا معبد لنا فاحترم مكان عبادتنا"، قلت في نفسي: "حتى البوذية تعرف النظافة، أما ديانتي السابقه فلا نظافة فيها، أذكر أنني عندما كنت أدخل الكنيسة لم أكن أخلع نعلَّي عند الدخول" (١). ثم يقول: "لقد جربت الديانة البوذية فترة من الزمن، ولكن سرعان ما تركتها لإحساسي بأنني لم أجد الحق الذي أنشده، ثم اتصلت بالديانة الهندوسية التي بدأت ونشأت في الهند، والتي انتشرت تعاليمها حتى

стр. 251

وصلت إلى بعض الجزر الإندونيسية، فأخذت أتنقل بين تلك الجزر التي يوجد فيها نشاط لأتباع هذا الدين، ومكثت معهم فترة من الزمن تعلمت فيها الكثير، وقد نجحت فِي المرحلهّ الأولى إلى درجة أنني أخذت أجربَ الخوارق كالعبور في النار؛ والمشي على المسامير الحادة، وإدخال المسامير إلى أعضاء الجسم إلى غير ذلك، ولكن أيضًا ليس هذا هو ما كنت أبحث عنه". ثم يضيف الأخ رحمة بورنومو: وذات يوم سألت رئيس المعبد الهندوسي: "ماذا تعبدون؟ "، قال: نعبد "برهما، ويشنو، وشيوا"، برهما: إله الخلق، ويشنو: إله الخير، وشيوا: إله الشر، ثلاثة آلهة تجلت في جسد إنسان واحد اسمه كريشنا الذي يعتبر المنقذ للعالم عند الهندوس، قلت لنفسي: "إذن فلا فرق في أمر الألوهية بين الهندوسية والنصرانية، ولو اختلفت الأسماء فهما يناديان ثلاثة في واحد". قلت للكاهن الهندوسي: "اشرح لي نشأة كريشنا"، فقال: كان في الهند سنة ألفين قبل الميلاد ملك جبار ظالم لا يرحم حتى أبناءه، فيقتل مولوده الذكر خوفًا من أن يحتل عرشه غصبًا، وفي إحدى الليالي الظلماء كان الملك جالسًا أمام قصره، وإذا بكوكب مضيء يطلع في السماء فوق رأسه، وكان يسير بسرعة مذهلة، ثم توقف في الفضاء وأرسل نوره الباهر على حظيرة الأبقار، فلما سأل الملك رجال العلم والدين، راجعوا كتبهم المقدسة، فقالوا: إن ذلك دليل على تجلي الآلهة في جسم إنسان اسمه سري كريشنا، فقلت في نفسي: هذه القصة بحذافيرها مع تغيير الأشخاص موجودة في الديانة المسيحية، وكنت أحدث بها الناس وأنا قس، والفرق أن القرية المشار إليها هى بيت لحم، والِإنسان

стр. 252

عندنا هو المسيح، فلا فرق إذن بيِن القصتين ولا بين العقيدتين في قضية أساسية هي قضية الألوهية، وقضية هوية المنقذ للعالم. لقد واصلت حواري مع الكاهن الهندوسي فقلت له: "يا سيدي إذا توفيت وأنا على دينكم، فإلى أين مصيري؟ " قال: "لا أعلم، ولكن عليك أن تمتنع عن قتل الحشرات من أمثال النمل والبعوض وغيرهما"، وقال: "قد تكون هذه الحشرات آباءك وأجدادك الموتى". ثم يقول: "وفي النهاية قررت أن أترك كل تلك الديانات، ولم يكن أمامي إلا الإسلام الذي لم أكن أريد اعتناقه لما غُرس في نفسي منذ طفولتي من نفور وكراهية لهذا الدين الذي لم كن أعرف عنه إلا الشبهات، كنت أريد البحث عن الحق المجهول وهذا البحث يلزم الجهد والصبر، وذات يوم قلت لزوجتي: اعتبارًا من هذه الليلة لا أريد أن يزعجني أحد، أريد أن أصلي وأتضرع إلى الله، وهكذا أقفلت باب حجرتي ورفعت يدي إلى الله خاشعًا متضرعًا قائلًا: "يا رب: إذا كنت موجودًا حقًّا فخذ بناصيتي إلى الهدى والنور، واهدني إلى دينك الحق الذي ارتضيته للناس". ويمضي الأخ رحمة بورنومو في حديثه فيقول: والدعاء إلى الله ليس كأي طلب من الطلبات كما أن دعائي إلى الله لم يكن خلال فترة وجيزة فحسب، بل استمر ذلك زمنًا طويلًا، حوالي ثمانية أشهر، وفي ليلة الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر عام ١٩٧١م الموافقة للعاشر من رمضان من نفس العام، وبعد أن فرغت من دعائي المعتاد رحت في نوم عميق، وعندها جاءني نور الهدى من الله ، إذ رأيت العالم حولي في ظلام دامس، ولم يكن بوسعي أن أرى شيئًا، وإذا بجسم شخص يظهر أمامي، فأمعنت النظر فيه فإذا بنور حبيب يشع منه يبدد الظلمة من حولي، لقد تقدم الرجل المبارك نحوي، فرأيته يلبس

стр. 253

ثوبًا أبيض وعمامة بيضاء، له لحية جعدة الشعر، ووجه باسم لم أر قط مثله من قبل جمالًا وإشراقًا، لقد خاطبني الرجل بصوت حبيب قائلًا: "ردد الشهادتين"، وما كنت حينئذ أعلم شيئًا اسمه الشهادتان، فقلت مستفسرًا: "وما الشهادتان؟ "، فقال: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله" فكررتهما وراءه ثلاث مرات، ثم ذهب الرجل عني. يقول الأخ الإندونيسي بعد ذلك: ولما استيقظت من نومي وجدت جسمي مبللاً بالعرق، وسألت أول مسلم قابلته: "ما هي الشهادتان، وما قيمتهما في الإسلام؟ "، فقال: "الشهادتان هما الركن الأول في الإسلام، ما أن ينطقهما الرجل حتى يصبح مسلمًا"، فاستفسرت منه عن معناهما فشرح لي المعنى، وفكرت مليًّا، وتساءلت: "من يكون الرجل الذي رأيته في منامي، وكانت ملامحه واضحة المعالم لي؟ " فلما وصفتها لصديقي المسلم هتف على الفور قائلًا: "لقد رأيت الرسول محمدًا ﷺ ". ثم يختم الأخ رحمة بورنومو قصته بقوله: وبعد عشرين يومًا من ذلك الحادث وكانت ليلة عيد الفطر سمعت صيحات التكبير يرددها المسلمون من المساجد القريبة من دارنا، فاقشعر بدني واهتز قلبي، ودمعت عيناي لا حزنًا على شيء، بل شكرًا لله على هذه النعمة فالحمد لله الذي هداني أخيرًا إلى ما كنت أبحث عنه منذ سنين، لقد تم ذلك في عام ١٩٧١م وقد خَيَّرتُ زوجتي بين الإسلام والمسيحية، فاختارت الِإسلام، والجدير بالذكر أنها كانت فِي طفولتها مسلمة ومن عائلة مسلمة تنصرت بسبب إغراءات المبشرين، وتبعًا لجهلها بأمور دينها الحنيف، كما تبعنا أبناؤنا فاعتنقوا الِإسلام، ومنذ الثاني من شهر فبراير عام ١٩٧٢ ونحن مسلمون، والحمد الله.

стр. 254

الفصل الرابع عُلُوّ الهِمَّة فِي الدَّعوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى كبيرُ الهِمَّة يَحْمِل هَمَّ الأُمَّةِ من أعظم ما يهتم به الداعية هداية قومه، وبلوغ الجهد في النصح لهم، كما يتضح ذلك جليًّا لمن تدبر سورة نوح على سبيل المثال، وكذا قصص سائر المرسلين، حتى خاتمهم وسيدهم محمد ﷺ ، وكذا أتباعهم كمؤمن آل فرعون الذي قال لقومه: ﴿يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا﴾، وكحبيب النجار الذي حمل هَم دعوة قومه في الحياة، وأبلغ في النصح لهم بعد الاستشهاد: ﴿قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾. إذا تأملت قوائم عظماء رجالات الِإسلام من الرعيل الأول فمن بعدهم لرأيت أن "علو الهمة" هو القاسم المشترك بين كل هؤلاء الذين اعتزوا بالإسلام، واعتز بهم الإسلام، ووقفوا حياتهم لحراسة الملة وخدمة الأمة، سواء كانوا علماء أو دعاة أو مجددين أو مجاهدين أو مربين أو عُباد صالحين، ولو لم يتحلوا بعلو الهمة لما كان لهم موضع في قوائم العظماء، ولما تربعوا في قلوب أبناء ملتهم، ولا تزينت بذكرهم صحائف التاريخ، ولا جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين. وأسوتهم في حمل هَمِّ الأمة -بل في كل باب من أبواب الخير-

стр. 255

هو الصادق المصدوق ﷺ ، الذي شارك المسلمين آلامهم، وكان في حاجتهم حتى حطمه الناسُ ﷺ ، فعن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة ﵂: "أكان نبي الله ﷺ يصلي جالسًا؟ " قالت: "بعد ما حطمه (١) الناس" (٢). ومن أمثلهَ حمل هم الأمة قَول حذيفة رضي الله تعالى عنه: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) الحديث (٣)، فإن سياق الحديث يشي بحرص حذيفة على تعميم الانتفاع بالِإرشاد النبوي في زمن الفتنة إلى جميع المسلمين من بعده. وتأمل استنكاره ﷺ دعاء الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا" وقوله له: "لقد حجَّرت واسعًا" (٤)، وكذا قوله ﷺ : "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتَب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" (٥). وقوله ﷺ في وصف أهل الجنة: "ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم" (٦).

стр. 256

فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي ... سحائبُ ليس تنتظم البلادا والداعية إلى الله الكبير الهمة يقدر تبعات هذا المقام الرفيع، فهو يظمأ حيث يروي الناس، ويسهر حيث ينامون، ويجوع حيث يشبعون، ويتعب حيث يستريحون، ويقدم حيث يحجمون: عن عليٍّ رضى الله عنه قال: "كنا إذا احمرَّ البأسُ، ولقي القومُ القومَ، اتَّقَيْنا برسول الله ﷺ ، فما يكون منا أحدٌ أدني من القوم منه (١) "، وعن البراء رضى الله عنه قال: "كنا والله إذا احمرَّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا لَلذي يحاذي به ﷺ " (٢). وعن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ أحسنَ الناس، وأجودَ الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة (٣) ذات ليلة، فانطلق الناسُ قِبَلَ الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناسَ إلى الصوت (٤)، وهو يقول: "لم تُراعوا؛ لم تراعوا (٥)، وهو على فَرَسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ ما عليه سَرْجٌ، فِي عنقه سيف؛ فقال: "لقد وجدته بحرًا، أو: إنه لبَحَر") (٦). قال ﷺ : ( .. ولأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته -

стр. 257

وأشار بأصبعيه- أفضل من أن يعتكف في مسجدي -أي مسجد المدينة- هذا شهرين (١). وقال ﷺ : "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" (٢). وعن عبد الكريم أبي أمية قال: "لأن أردَّ رجلًا عن رأي سيئ أحب إليَّ من اعتكاف شهر". وتصف فاطمة بنت عبد الملك زوجها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فتقول: (كان قد فرَّغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه؛ وصل يومه بليلته). وقال أبو عثمان شيخ البخاري ﵀: "ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تَمَّ؛ وإلا قمت له بمالي، فإن تم؛ وإلا استعنا له بالإخوان، فإن تم؛ وإلا استعنت بالسلطان". وكان "الليث بن سعد" ﵀: "يجلس للمسائل، يغشاه الناس فيسألونه، ويجلس لحوائج الناس؛ لا يسأله أحد من الناس فيرده، كبرت حاجته أو صغرت". واعتادت أم الشيخ "محمد رشيد رضا" ﵀ أن تراه مهتمًّا لأحوال المسلمين إذا ألمَّت بهم أو بأحدهم نائبة، ورأته ذات يوم على

стр. 258

هذه الحال، فقالت له: "مالك؟ هل مات مسلم بالصين؟ ". وهذا شاعر الدعوة الإسلامية المعاصرة عمر بهاء الدين الأميري، وهو في جناح طب القلب، موصول الصدر إلى جهاز المراقبة الإلكتروني بأسلاك تفل من حركته، يُحقن في البطن كل يوم مراتٍ بإبر لإماعة الدم، وقد جاء الطبيب، يسأل القائم على التمريض عن استراحة شاعرنا، فيرد عليه باستغراب، وبفهم يختلف عن فهمه، فيقول: كلا رويدك يا طبيب ... وقد سألتَ: أما استراحْ؟ هل يستريح الحُرُّ يوقد ... صدرَه العبءُ الرزاح؟ ***

стр. 259

حَرَكة الدَّاعِيةِ إن الحركة ولود، والسكون عقيم، والحركة في قاموس الدعاة هي الحياة، والسكون هو الموت. قال الجيلاني: "الحركة بداية، والسكون نهاية"، والحركة هي الحد الفاصل بين عهد الرخاوة، وبين عهد حمل الأمانة بعزم وحزم ووفاء. وبالحركة انتشر المسلمون الأوائل مثل شعاع الشمس في أقطار الأرض، يفتحون البلاد، ويفتحون قلوب العباد، ويدعون إلى التوحيد، ويحطمون الطواغيت، ويقودون الناس إلى الجنة، وبالحركة صاروا في ظلمات الحياة سراجًا وهَاجًا، فإذا الباطل رماد بعد التهاب، وخمود بعد حركة. إنما التوحيد إيجاب وسلب ... فهما في النفس عزم ومضاء "لا" و"إلا" قوة قاهرة ... لها في النفس فعِلُ الكهرُباء وهذا الإمام الشافعي ﵀ يصور عشقه الحركةَ، وبغضه الجمود والكسل، ويمثل السكون بالماء الذي يتوقف عن الجريان فيفسد، ويجزم بأن الأسد قد تتعرض للهلاك لو لم تتحرك باحثة عن فريستها، وكذلك السهام لولا تحركها من الكنانة إلى القسي، ومن القسي إلى الهدف ما أصابت: إني رأيت وقوف الماء يفسده ... إن ساح طاب، وإن لم يجر لم يطب والأسْدُ لولا فراق الأرض ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب والشمس لو وقفت في الفلك دائمة ... لملَّها الناس من عجم ومن عربِ

стр. 260

وهذا الشاعر الإسلامي "وليد الأعظمي" يهيب بالداعية أن يتحرك، ويحرك الآخرين، مبتدئًا بعشيرته الأقربين: كن مشعلاً فِي جُنْح ِليلٍ حالكٍ ... يهدي الأنامَ إلى الهدى ويُبيِّنُ وانشط لدينك لا تكن متكاسلًا ... واعمل على تحريك ما هو ساكنُ وابدأ بأهلك إن دعوتَ فإنهم ... أولى الورى بالنصح منك وأقْمَنُ والله يأمر بالعشيرة أوَّلًا ... والأمر من بعد العشيرة هَيِّنُ وهذا "القرضاوي" يجادل الخاملين، ويحاج الخامدين، ويوبخ الهامدين: قالوا: السعادة في السكون ... وفي الخمول وفي الخمود في العيش بين الأهل لا ... عيش المهاجر والطريد في المشي خلف الركب في ... دعة وفي خطو وئيد في أن تقول كما يقال ... فلا اعتراض ولا ردود في أن تسير مع القَطيع ... وأن تقاد ولا تقود في أن تصيح لكل وال: ... عاش عهدكم المجيد قلت: الحياة هي التحرك ... لا السكون ولا الهمود وهي الجهاد، وهل يجا ... هد من تعلق بالقعود؟ وهي التلذذ بالمتاعب ... لا التلذذ بالرقود هي أن تذود عن الحياض ... وأي حر لا يذود؟ هي أن تحس بأن كأس ... الذل من ماء صديد هي أن تعيش خليفة ... في الأرض شأنك أن تسود وتقول: لا، ونعم، إذا ما ... شئت في بصر حديد ***

стр. 261

الحَرَكة قِيَامَة وَبَعثٌ لِلرُّوحِ قال تعالى: ﴿يا أيها المدثر* قم فأنذر﴾، وقال تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا﴾، وقال في شأن أصحاب الكهف: ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض﴾، فهذه القيامة الروحية، واليقظة القلبية من أوائل منازل الطريق، التي تستدعي الحركة في سبيل الدعوة: قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. قال الكلبي: "حق على كل من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه"، وتلا الحسن البصري قوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين﴾ ثم قال: هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، فهذا حبيب الله، هذا ولي الله. وقال الوزير ابن هبيرة في قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى﴾ وقوله : ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾: (تأملت ذكر أقصى المدينة، فإذا الرجلان جاءا من بُعدٍ في الأمر بالمعروف، ولم يتقاعدا لبعد الطريق). [لا يكون المؤمن العامر القلب إلا متحركًا محركًا، أما المتباطئ

стр. 262

الذي يعد بالالتحاق بعد ما تظهر بوادر النجاح، فإنما يعد وعد الضعاف. صاح ما الحر من يثور على الظلم ... وقد ثارت لحقها الأقوام إنما الحر من يسير إلى الظلـ ... ـم فيصميه والأنام نيام فلا تؤجل الانضواء تحت لواء الحق، وإلا عضضت أسنة الندم: دعا رسول الله ﷺ ذا الجوشن الضبابي إلى الإسلام بعد بدر فقال له: (هل لك إلى أن تكون من أوائل هذا الأمر؟ قال: لا، قال: فما يمنعك منه؟ قال: رأيت قومك كذبوك، وأخرجوك، وقاتلوك، فأنظر: فإن ظهرت عليهم آمنت بك واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك"، فكان ذو الجوشن يتوجع على تركه الِإسلام حين دعاه إليه رسول الله ﷺ )] (١). فكن رائدًا، وأجب داعي الله، بلا تلكؤ، ولا تلعثم، ولا تردد، فهذا هو شأن المؤمنين: قال إبراهيم ﵇: "يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر"، قال: "فاصنع ما أمرك ربك"، قال: "وتعينني؟ "، قال: "وأعينك" (٢). وقد كان الصادق المصدوق ﷺ ينادي في موسم الحج: "من يحملني حتى أبلغ رسالة ربي؟ "، وها هو ﷺ يناشدك: "بلِّغوا عني، ولو آية"، ويدعو لمن يبلغ عنه: "نضَر الله امرءًا سمع منا شيئًا،

стр. 263

فبلَّغه كما سمعه، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع"، ورُوي أنه كان يقول ﷺ في دعائه: "اللهم زينا بزينة الِإيمان، واجعلنا هداة مهتدين"، وقد أثنى الله على عباد الرحمن الذين كان من دعائهم إياه: ﴿واجعلنا للمتقين إمامًا﴾ أي: نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا مَن بعدنا، سئل وهب بن منبه عن صفة المسلم فقال ﵀: "يقتدي بمن قبله، وهو إمام لمن بعده". نحن في ذي الحياة ركب سفار ... يصل اللاحقين بالماضينا قد هدانا السبيلَ من سبقونا ... وعلينا هداية الآتينا وهذا الغزالي ﵀ يقول: (اعلم أن كل قاعدٍ في بيته أينما كان فليس خاليًا في هذا الزمان عن منكر، من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف، فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد، فكيف في القرى والبوادي ومنهم الأعراب والأكراد والتركمانية، وسائر أصناف الخلق. وواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم، وكذا في كل قرية، وواجب على كل فقيه -فرغ من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية- أن يخرج إلى ما يجاور بلده من أهل السواد ومن العرب والأكراد وغيرهم، ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم) (١) اهـ. وهذا شيخ الِإسلام ابن تيمية ﵀، يفسر قوله تعالى: ﴿يا أيها

стр. 264

المدثر * قم فأنذر﴾ فيقول: (فواجب على الأمة أن يُبَلِّغوا ما أنزل إليه، وينذروا كما أنذر، قال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون﴾ .. والجن لما سمعوا القرآن: ﴿ولَّوا إلى قومهم منذرين﴾ (١) اهـ. وهذا تلميذه الِإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀ يقول: (وتبليغ سنته ﷺ إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو، لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء، وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه) (٢) اهـ. إن سناء الهمة في نشدان الكمال الممكن، ومنَ أراد المنزلة العليا القصوى من الجنة، فعليه أن يكون في المنزلة القصوى في هذه الحياة الدنيا، واحدة بواحدة، ولكل سلعة ثمن (٣). إذا ما علا المرء رام العلا ... ويقنع بالدون من كان دونا وليست هذه المنزلة العليا في الدنيا إلا منزلة الدعوة إلى الله، ووراثة وظائف النبوة، التي ليس أشرف منها إلا منزلة النبوة نفسها، وهذا الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى يناديك:

стр. 265

(ألست تبغي القرب منه؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد، لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم) و (هل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثهم على الخير، ونهيهم عن الشر) اهـ. وها هو ﵀ يقارن بين الشجعان الذين يخالطون الناس لدعوتهم، ويصبرون على أذيتهم، وبين المتخاذلين المعتزلين القاعدين عن الدعوة إلى الله تعالى، فيقول: (الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير، من جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض. إلا أنها حالة الجبناء. فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون. وهذه مقامات الأنبياء ﵈. وهذا الشيخ الداعية القدوة عبد القادر الكيلاني الذي [تكلم كثيرًا، وصاح بأهل العراق صيحات بليغة رفيعة المعنى والمبنى، وينتشل لنا أحد تلامذته من تلك الصيحات كلمات يدونها سريعًا والإمام يخطب خطبه الأسبوعية سنة ٥٤٥ هـ، ويودعها كتابًا سماه (الفتح الرباني والفيض الرحماني) قد تجد فيه ما يجب رده، لكنه مملوء بصيحات الحق، والالتفاتات القيمة، والتشديد على وجوب الدعوة والأمر والنهي. فاسمع من صيحات الحق هذه قول عبد القادر ﵀ أن: (المتزهد المبتدي في زهده يهرب من الخلق، والزاهد الكامل في زهده لا يبالي منهم، لا يهرب منهم، بل يطلبهم، لأنه يصير عارفًا لله ، ومن عرف الله لا يهرب من شيء، ولا يخاف من شيء سواه.

стр. 266

المبتدي يهرب من الفساق والعصاة، والمنتهي يطلبهم، كيف لا يطلبهم وكل دوائهم عنده؟ ولهذا قال بعضهم رحمة الله عليه: لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف. من كملت معرفته لله صار دالاًّ عليه، يصير شبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا، يعطى القوة حتى يهزم إبليس وجنده، يأخذ الخلق من أيديهم. يا من اعتزل بزهده مع جهله: تقدم واسمع ما أقول، يا زهاد الأرض تقدموا. خربوا صوامعكم واقربوا مني، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل، ما وقعتم بشيء، تقدموا) ... قال هذا ﵀ وهو في الشيخوخة. وكذلك فهم العالم العامل، وإن كلماته ليهتز لها القلب اهتزازًا. تأمل قوله: (يا زهاد الأرض تقدموا، خربوا صوامعكم) خرب صومعتك أيها الهارب الذى ترزح تحت نير الأفكار الأرضية، وآراء طواغيت القرن العشرين. خذ مكانك في صفوف دعوة الإسلام] اهـ (١). ويستطرد الداعية المبدع الراشد محمد أحمد الراشد حفظه الله قائلًا:

стр. 267

(ولا ينبغي للداعية أن يبتئس إن لم يجد فضل وقت لقيام الليل يوميًّا، والإكثار من ختمات القرآن، فإن ما هو فيه من الدعوة وتعليم الناس وتربية الشباب خير وأجزل أجرًا، وقدوته في ذلك ورائده أئمة الدعاة من السلف الصالح الذين كانوا يسيحون لنشر الدعوة وتبليغها، ويبادئون الناس بالكلام، ويحتكون بهم احتكاكًا هادفًا، ولا ينتظرون مجيء الناس لهم ليسألوهم. هكذا كان شأن الدعاة دومًا، وعلى داعية اليوم أن يكون رحالة سائحًا في محلات مدينته، ومدن قطره، ييلغ دعوة الإسلام. انظر مثلًا كيف كانت رسل رسول الله ﷺ تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الِإسلام، وتبشر به، ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة، ألا ترى أن الأعرابي الذي سأل رسول الله ﷺ عن أركان الِإسلام، فلما أخبره بها وقال: (لا أزيد عليهن ولا أنقص) كيف كان قد بدأ سؤاله بأن قال للنبي ﷺ : "يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ " (١). أتاهم رسوله داعيًا، وكذلك الناس تُؤتَى، ومن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية، ولو فصَّلت كلمة هذا الأعرابى لتبين لك كيف فارق هذا الصحابي الداعية المدينة لما أرسله النبي ﷺ لقوم هذا، وكيف فارق أهله وبيته وأولاده، وكيف اجتاز المفاوز وصحراء من بعد صحراء، وكيف تعرض للمخاطر والحر أو البرد، ليبلغ دعوة الِإسلام. وهذا شأن الدعوة التي تريد أن تصل إلى أهدافها، لا بد من تحرك

стр. 268

ومبادأة وغدو ورواح وتكلم وزعم، ليس القعود والتمني من الطرق الموصلة، فافقه سيرة سلفك وقلدهم، تصل، وإلَّا، فراوح في مكانك، فإنك لن تبرحه .... ] (١) ويروي لنا التابعي الكوفي، الفقيه النبيل عامر الشعبي، أن رجالًا (خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريبًا يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: "ما حملكم على ما صنعتم؟ "، قالوا: "أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد"، فقال عبد الله: "لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا") (٢). (كان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد، أو قيام بحق، أو اتباع للأمر: سأل عنه، وأحب أن يجرى بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله) (٣). لم يكن بالمنعزل المتواري الهارب من الناس، فالداعية يفتش عن الناس، ويبحث عنهم، ويسأل عن أخبارهم، ويرحل للقائهم، ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ومن انتظر مجيء الناس إليه في مسجده أو بيته، فإن الأيام تبقيه وحيدًا، ويتعلم فن التثاؤب (٤). قالوا في التعريف بموسى بن حزام شيخ البخاري والترمذي: (إنه كان ثقة صالحًا، لكنه كان في أول أمره ينتحل الإرجاء، ثم أعانه الله تعالى بأحمد بن حنبل، فانتحل السنة، وذبَّ عنها، وقمع من خالفها، مع لزوم الدين، حتى مات) (٥).

стр. 269

نمَاذِج مِن حَرَكةِ السَّلَفِ فِي الدَّعَوةِ إلَى اللهِ تَعَالى وَحِرْصِهِم عَلَى هِدَايَةِ الخَلْقِ عن جعفر بن سليمان قال: (سمعت مالك بن دينار يقول: لو استطعت أن لا أنام؛ لم أنم مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعوانًا؛ لفرَّقتهم ينادون في سائر الدنيا كلها: "يا أيها الناس: النارَ النارَ"). وعن إبراهيم بن الأشعث قال: (كنا إِذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ، ويذكر ويبكي، حتى لكأنه يودِّع أصحابه ذاهب إلى الآخرة، حتى ييلغ المقابر، فيجلس فكأنه بين الموتى، جلس من الحزن والبكاء حتى يقوم، ولكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها). وعن شجاع بن الوليد قال: (كنت أخرج مع سفيان الثوري، فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا). والإمام الزهري "لم يكتف بتربية أجيال وتخريج أئمة في الحديث، بل كان ينزل إلى الأعراب، يعلمهم". وكان الفقيه الواعظ أحمد الغزالي، شقيق أبي حامد الغزالي رحمهما الله كان "يدخل القرى والضياع، ويعظ لأهل البوادي، تقربًا إلى الله" اهـ.

стр. 270

أما الشيخ أبو إسحاق الفراري ﵀: فقد "كان رجل عامة، وهو الذي أدَّب أهل الثغور الإسلامية التي في أعالي بلاد الشام والجزيرة تجاه الروم، وعلَّمهم سنن النبي ﷺ ، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه". وأما الشيخ الزاهد الفقيه محمد بن أحمد الدباهي: فقد (لازم العبادة، والعمل الدائب والجد، واستغرق أوقاته في الخير، صَلْبٌ في الدين، وينصح الإخوان، وإذا رآه إنسان؛ عرف الجد في وجهه). وعلى الفتى لطباعه ... سمةٌ تلوح على جبينه وأما الِإمام الجليل الخِرقي صاحب "المختصر" فقد قال الِإمام ابن قدامة ﵀: (وسمعت من يذكر أن سبب موته، أنه أنكر منكرًا بدمشق، فضرب، فكان موته بذلك). وَمِنْ نمَاذِج حِرْصِهِمْ عَلَى تَعْلِيم النَّاسِ العِلْمَ الشَّرِيف: ما رواه جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز، وقال في كتابه: "ومُرْ أهل الفقه من جندك، فلينشروا ما علمهم الله في مساجدهم ومجالسهم، والسلام". وعن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: "إن أوثق عملي في نفسي نشري العلم"، وعطاء بن أبي رباح مفتي مكة هو القائل: "لأن أرى في بيتي شيطانًا؛ خير من أن أرى فيه وسادة، لأنها تدعو إلى النوم". وقال الإمام ربيعة الرأي ﵀: "لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يُضَيِّع نفسه".

стр. 271

قال الحافظ في "الفتح": ومراده أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم، لا ينبغي له أن يهمل نفسه، فيترك الاشتغال، لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم، أو مراده: الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك، فيؤدي إلى رفع العلم، أو مراده: أن يُشهر العالم نفسه، ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه) (١) اهـ. ووصَّى ابن القاسم عيسى بن دينار، فقال له: "عليك بأعظم مدائن الأندلس، فانزلها، ولا تنزل منزلًا يضيع ما حملت من علم". ...

стр. 272

مُخاطرتهمْ بأَنفُسِهِمْ في نُصْرَةِ الدِّينِ إن الداعية الكبير الهمة يفاصل الباطل مفاصلة حاسمة، ويرفض الالتقاء به في منتصف الطريق، لسان حاله يقول: كان العيش المتصالح ممكنًا لي: ولكنهم ركبوا مَسْلَكًا ... يَحيد عن الجَدَدِ المشرقِ وقد ملك الأمرَ منهم رجالٌ ... يخالف منطقهُم منطقي نأوا عن هدى الله في نهجهم ... وساروا، وسرت، فلم نلتقِ (١) إنه على بصيرة من دينه، واثق من منهجه، موقن برسالته، ولو خالفه أهل الأرض قاطبة: قال سليمان الداراني: "لو شك الناس كلهم في الحق، ما شككت فيه وحدي" إنه يفترض حينئذ أنه خلق وحده، وكُلِّف بالحق وحده، وأنه سيحاسب عليه وحده. وعن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له: "فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي، وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي، كان في الله يسيرًا". إنه يعلم أن طريق الدعوة (طويل وشاق، مملوء بالأشواك والصعاب، لا تتحمله إلا نفوس الرجال، ولا تقوم به إلا همم الصادقين الأبطال، ولا تقدر على مواصلة السير فيه النفوس المريضة المترهلة ممن أصابها وهن العزيمة ونضب وقود الإيمان فيها .. هذا الطريق هو طريق

стр. 273

الأنبياء، فيه تعب آدم، وناح لأجله نوح، ورُمِيَ في النار الخليل، وأضْرِجَ للذبح إسماعيلُ، وبيع يوسف بثمن بخس، وقاسى المرضَ أيوب، وكذا سيرة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين) (١). إن من خصائص الداعية الكبير الهمة أنه لا يترخص في السكوت عند قوة أهل الفجور وأذاهم، لأنه يرى أن الترخيص هنا من شأن العامة من المستضعفين، وأما الدعاة، والقادة، والعلماء، فيتمسكون بالعزيمة، ويصدعون بالحق، وإن لحقهم الأذى والعذاب والموت، وقد تجسَّد هذا المعنى جليًّا في موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى من محنة القول بخلق القرآن، وهاك طرفًا منها كما يحكيه ابنه صالح: قال صالح: قال أبي: (لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم، وقال: ائتوني بغيِرها، ثم قال للجلادين: "تقدموا"، فجعل يتقدم إليَّ الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: "شد، قطع الله يدك! "، ثم يتنحى، ويقوم الآخر، فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: "شد، قطع الله يدك! "، فلما ضُربت تسعة عشر سوطًا قام إليَّ، يعني المعتصم: وقال: "يا أحمد علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق"، قال: فجعل عُجيْف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: "أتريد أن تغلبَ هؤلاء كلهم؟ "، وجعل بعضهم يقول: "ويلكَ، الخليفة على رأسك قائم! "، وقال بعضهم: "يا أمير المؤمنين، دمُه في عنقي، اقتله! "، وجعلوا يقولون: "يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم! "، فقال لي: "ويحك يا أحمد، ما تقول؟ "، فأقول: "أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أقول به"، فرجع

стр. 274

وجلس، وقال للجلَّاد: "تقدم وأوْجِع، قطع الله يدكَ! "، ثم قام الثانية، فجعل يقول: "ويحك يا أحمد، أجبني"، فجعلوا يقبلون علي ويقولون: "يا أحمد، إمامك على رأسك قائم! " وجعل عبد الرحمن يقول: "مَن صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ " وجعل المعتصم يقول: "ويحك، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أُطْلِقَ عنك بيدي"، فقلت: "يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله"، فيرجع، وقال للجلادين: "تقدموا"، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: "شد، قطع الله يدك! " قال أبي: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقتْ عني، فقال لي رجل ممن حضر: "إنا كَببْناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك بارية ودُسْناك! "، قال أبي: فما شعرت بذلك، وأتوني بسَوِيق فقالوا لي: "اشرب وتقيأ"، فقلت: "لا أفْطِر"، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سَمَاعة فصلَّى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: "صليتَ والدم يسيل في ثوبك؟ "، فقلت: "قد صلى عمر وجرحه يَثْعَبُ دمًا". قال صالح: ثم خُلي عنه فصار إلى منزله، وٍ كان مكثه في السجن، منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخُلي عنه، ثمانية وعشرين شهرًا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه، قال: يا ابن أخي، رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدًا يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يُوَجه إلينا بالطعام: "يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع تَقِيَّةٍ" (١)، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب:

стр. 275

"ناولني"، فناوله قدحًا فيه ماء وثلج، فأخذه ونظر إليه هنيَّةً، ثم ردَّه ولم يشرب! فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش، وهو فيما هو فيه من الهول! (١)، وعلَّق الإمام أبو الفرج بن الجوزي على موقف الإمام أحمد ﵀ قائلاً: (هذا رجل هانت عليه نفسه في الله تعالى فبذلها، كما هانت على بلال نفسه، وقد روينا عن سعيد بن المسيب: "أنه كانت نفسه عليه في الله تعالى أهون من نفس ذباب"، وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى

стр. 276

المآل، لا إلى الحال، وشدة ابتلاء أحمد دليل على قوة دينه، لأنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يبتلى المرء على حسب دينه"، فسبحان من أيده وبصَّره وقواه ونصره) اهـ. قال ابن طاهر المقدسي الحافظ: سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة يقول: "عُرِضْتُ على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت" (١). إن الداعية الكبير الهمة لا ينكر المنكر فحسب، بل ينكر على أهل النكر منكرهم، أي أنه لا يعرف التعميم، ولا التورية إنه يمد أصبعه يشير إلى الطاغوت بالاتهام، ويرفع صوته يعلن فضيحة الكفر الذي أمامه، باسمه، ورقمه، وعنوانه، ثم لا يلبث الإصبع الواحد حتى تنفتح معه بقية الخمس، فتكون يد التغيير من بعد إصبع الاتهام (٢). وقال الذهبى في ترجمته لأبي بكر النابلسي: قال أبو ذر الحافظ: سَجَنه بنو عُبيد، وصلبوه على السنَّة، سمعتُ الدارقطنَّي يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول، وهو يُسْلَخ: ﴿كان ذلك في الكتاب مسطورًا﴾ قال أبو الفرج بن الجوزي: أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرةُ أسهم، وجب أن يرميَ في الروم سهمًا، وفينا تسعة،

стр. 277

قال: ما قلت هذا، بل قلت. إذا كان معه عشرةُ أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة، وأن يرمي العاشر فيكم أيضًا، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية فشهَرهُ ثم ضربه ثم أمير يهوديًّا فَسلخَه، وقال ابن الأكفاني: "سُلِخ، وحُشِي تِبْنًا، وصُلِب"، وقيل: (سُلِخ من مفرِقِ رأسه حتى بلغ الوجه، فكان يذكر الله، ويصبر حتى بلغ الصدر، فرحمه السَّلَّاخ، فوكزه بالسكين موضع قلبه، فقضى عليه، وقيل، "لما سُلِخ كان يسمع من جسده قراءة القرآن" (١). الداعية الكبير الهمة (ينظر إلى غالبه من علٍ ما دام مؤمنًا، ويستيقين أنها فترة وتمضي، وأن للإيمان كرة لا مفر منها، وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسًا، إن الناس كلهم يموتون، أما هو فيستشهد .. ) (٢). وقال الشيخ العمرى الزاهد: (إن من غفلتك عن نفسك، وإعراضك عن الله، أن ترى ما يُسِخطُ الله فتتجاوزه، ولا تأمر فيه، ولا تنهى عنه، خوفًا ممن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا (٣))، وحكى الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن الحُبُلي قاضي برقة أنه (أتاه الأمير، فقال: "غدًا العيد"، قال: "حتى نرى الهلال، ولا أُفَطِّرُ الناسَ، وأتقلَّدُ إثمهم"، فقال: "بهذا جاء كتاب المنصور" -وكان هذا من رأي العبيدية، يُفَطِّرون بالحساب، ولا يعتبرون رؤية- فلم يُرَ هلال، فأصبح الأمير بالطول والبنود وأهْبَةَ العيد، فقال القاضي: "لا

стр. 278

أخرج، ولا أصلي"، فأمر الأمير رجلًا خطب، وكتب بما جرى إلى المنصور، فطلب القاضي إليه، فَأُحْضِرَ، فقال له: "تَنَصَّلْ، وأعفو عنك"، فامتنع، فأمر، فَعُلِّقَ في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث العطش، فلم يُسْقَ، ثم صلبوه على خشبة، فلعنة الله على الظالمين) اهـ (١). يقول إقبال: ليس يدنو الخوفُ منه أبدًا ... ليس غيرَ الله يخشى أحدا لحنه في القلب نارًا أشعلا ... من قيود الزوج والولد خلا معرض عما سوى الله الأحد ... يضع السكين في حلق الولد وهذا الشاعر "وليد الأعظمي" ينشد في "أغاني المعركة": مهما تمطى ليلنا الأسودُ مهما استبد الظالم "السيد" مهما عتا الأقزام والأعبدُ ولوَّحوا بالقيد أو هددوا عن نصرة الإسلام هل نقعدُ كلا، سنبقى دائمًا ننشدُ بفجره لابد أن يأتي الغدُ ... آخر: نحن عصبة الإله ... دينُه لنا وطن نحن جند مصطفاه ... نستخف بالمحن الداعية المسلم: لا أرض تحده، ولا العذاب يرهبه.

стр. 279

إنه يعمل أني هاجر وطرد، لا يعشق ترابًا، ولا يضيق ضمن حدود أوهم الاستعمارُ غيرهم أنها حدودهم، ويتآخى مع كل بني الإسلام، فإن لم تكن الهجرة وكان السجن، كان سجنه سياحة لروحه وفكره، وإذا شنق كان هبوط الحبل به علوًّا ينقله إلى منزل جميل كريم (١). خذوا كل دنياكم واتركوا ... فؤادي حرًّا وحيدًا غريبا فإني أعظمكم دولة ... وإن خلتموني طريدًا سليبا ...

стр. 280

البَرَكة .. في السَّعْي وَالحَركةِ بالرغم من التحفظات على فكر ومنهج جماعة التبليغ، إلا أننا نقر بأنها أوفر الجماعات الإسلامية حظًّا من علو الهمة في الحركة الواسعة الدءوب، ولهم في ذلك إنجازت رائعة أثمرت إسلامَ كثيرٍ من المشركين، وهداية الكثير من الفاسقين، وتبليغ دين الله في آفاق المعمورة. حكى من شهد مجلسًا لهم قال: (جلسنا يومًا في المسجد للتعارف، فقال شيخ وقور يُعرف نفسه، وقد جاوز السبعين من عمره: "اسمي الحاج وحيد الدين، أعمل في التجارة، وعمري الآن تسع سنوات! "، فاستغربنا، وقلنا له في دهشة: "تسع سنوات؟! "، قال: نعم، لأنني أحسب عمري من تاريخ دخولي في هذه الدعوة، أما قبل ذلك فإني أعتبر عمري ضائعًا .. !)، وكان هذا الرجل إذا وقف ليلقي موعظته يقول: "لا تضيعوا أعماركم مثلي، واشتغلوا بالدعوة إلى الله تعالى". وقد حدث أن سألنا أميرهم: "لماذا تذهبون إلى المقاهي لدعوة الناس؟ "، قال: "أرأيتم إن كان عندكم مريض ماذا تفعلون له؟ "، قلنا: "إن كان مرضه ثقيلًا نحضر له الطبيب في المنزل، وأما إذا كان مرضه خفيفًا، فإنه يذهب بنفسه إلى الطبيب"، قال: "فكذلك الذين لم يعرفوا طريق المسجد مرضهم الإيماني ثقيل، فنحن نذهب

стр. 281

إليهم") (١). وسمعت بعض مشائخهم يحكي موقفًا تعرض له، إذ خرج للدعوة في حانة خمر في مدينة أوروبية، واستهدف رجلاً مسلمًا كان يجالس امرأة وهو يشرب الخمر، فوعظه، ونصحه، وذكره بالله، حتى لان قلبه، ودمعت عيناه، فأخذ بذراعه ليقوده إلى المسجد، وأخذت المرأة بذراعه الآخر، تنازعه فيه، وكانت الغلبة له بعد تجاذب شديد من الطرفين، وأتى به إلى المسجد، وعلَّمه كيف يتطهر، ويصلي، ثم تاب، وحسنت توبته. وهم يجتهدون في "ابتكار" الحيل الخيرية لجذب الناس إلى الدين، كذلك التبليغي الذى أراد دعوة طبيب مشهور، فدفع قيمة الفحص، ولما جاءت نوبته دخل عليه، فتهيَّأ الطبيب لفحصه، فإذا به يخبره أنه ليس بمريض، وإنما رغب أن يذكِّره بالله، وينصحه في الدين، وراح يفعل ذلك، حتى رق قلب الطبيب، وتأثر بموعظته، وأراد أن يرد عليه قيمة الكشف، فأبى قائلاً: "هذه قيمة ما استغرقته من وقتك" ... ومن ذلك: أنه لما صعد الإنسان إلى القمر، قال أحدهم: "ولو صعد الناس إلى القمر، وتحول بعض منهم عن الأرض، لنرسلنَّ وراءهم قافلة تخرج في سبيل الله، وتصعد إلى القمر لتدعوهم". ويقول الأستاذ الراشد حفظه الله: (حركة التبليغ أجادت غرس الثقة في دعاتها، وبخطبة واحدة يتعلمونها يجوبون الآفاق، ويواجهون المجتمع، وآخرون يأمرون إخوانهم بضم الرأس، ويقولون لفتى الصحوة: "أنت في خندق،

стр. 282

احترس، وأتقن الاختباء!! " (١) اهـ. * وهذا أخ مؤذن يأسف ويحزن حزنًا شديدًا، إذ بلغه أن برج ساعة "بيج بن" الشهيرة في لندن قد مال، وإنه مهدد بالانهيار، فلما سئل عن سر أسفه وحزنه قال: "ما زلت أؤمل أن يُعِزَّ الله المسلمين، ويفتحوا بريطانيا، وأصعد على هذا البرج كي أؤذن فوقه". * وأعرف أخًا أمريكيًّا من أصل أسباني ممن أسلم لله، وحَسُن إسلامه يعيش مع زوجته الأمريكية التي أسلمت أيضًا في مدينة "نيويورك"، وقد انتدب نفسه للدعوة إلى الله، فيخرج هو وزوجته، ويقفان أمام الكنيسة، ليلتقط روادها من الرجال، ويدعوهم إلى الإسلام، وكذلك تفعل زوجته مع النساء، وذلك كلَّ أحَدٍ. * وأعرف أخًا يعيشى في "ألمانيا" أحسبه -والله حسيبه- مجتهدًا في الدعوة إلى الله غاية الاجتهاد، حتى لا يكاد يذوق طعمًا للراحة، وقد استحوذت الدعوة على كل كيانه، حتى أرهق نفسه، وشُغل عن بيته وأهله وولده، فرأى إخوانه أن يُمنح عطلة إجبارية، وذهبوا به صحبة أسرته إلى منتجع ناءٍ لا يعرفه فيه أحد، ولا يعرف فيه أحدًا، كي يهنأ ببعض الراحة، وواعدوه أن يعودوا لإرجاعه بعد أيام، ولما رجعوا إليه وجدوه قد أسس جمعية إسلامية في هذا المكان قوامها بعض العمال المغاربة وغيرهم ممن انقطعت صلتهم بالدين، ففتش عنهم في مظانِّ وجودهم، ودعاهم إلى طاعة الله سبحانه، وألَّف بينهم، وأقاموا مسجدًا كان فيما بعد منطلقًا للدعوة إلى الله في تلك البلدة.

стр. 283

إنها "الحركة" سر شيوع دعوة الإسلام المباركة في أرجاء الدنيا، ينطلق بها جنود لا يعلمهم إلا الله ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾. ويلفتنا الأستاذ محمد أحمد الراشد -حفظه الله تعالى- إلى ميزان غريب نقيس به تلك "الحركة الحياتية- المتفجرة". (وقد كنتُ في الأيام الخوالي ألاطِفُ إخواني فأفتش عن أحذيتهم، ليس على نظافتها، وصبغها، ورونقها، كالتفتيش العسكري، بل على استهلاكها، وتقطعها، والغبار الذي عليها، وأقْلِبها فأرى النعل، فمن كان أسفل حذائه متهرئًا تالفًا فهو الناجح، وأقول له: "شاهدك معك: حذاؤك يشهد لك أنك تعمل، وتغدو في مصالح الدعوة وتروح، وتطبق قاعدة: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين﴾، وبكثرة حركتك تلف حذاؤك، فأنت المجتاز المرضي عندي". قال "صباح": (قد والله بعد عشرين سنة يأخذني تأنيب الضمير كلما رأيت حذائي لا غبار عليه، وأتذكر ذاك التفتيش) (١). ...

стр. 284

الفَاسِقُ ضَالَّة الداعيَةِ وفيما يلي قصة واقعية تبرز قيمة عنصر "المبادرة" و"المبادأة"، و"الحركة" إلى مواقع يندر مَن يتأهل لاقتحامها، بحثًا عن هذه الضالة المنشودة، حكاها الشيخ علي الطنطاوي، وهي قصة توبة حدثت في "مرقص" فقال، وفقه الله: [دخلت أحد مساجد مدينة "حلب" فوجدت شابًّا يصلي فقلت: سبحان الله إن هذا الشاب من أكثر الناس فسادًا: يشرب الخمر، ويفعل الزنا، ويأكل الربا، وهو عاق لوالديه، وقد طرداه من البيت، فما الذي جاء به إلى المسجد؟!، فاقتربت منه وسألته: "أنت فلان؟!! "، قال: "نعم" ... قلت: "الحمد لله على هدايتك .. أخبرني كيف هداك الله؟؟ "، قال: "هدايتي كانت على يد شيخ وَعَظَنا في مرقص" .. قلت مستغربًا: "في مرقص؟!! "، قال: "نعم ... في مرقص" .. ، قلت: "كيف ذلك؟! "، قال: "هذه هي القصة" .. فأخذ يرويها، فقال: (كان في حارتنا مسجد صغير ... يؤم الناسَ فيه شيخ كبير السن ... وذات يوم التفت الشيخ إلى المصلين وقال لهم: "أين الناس"! .. ما بال أكثر الناس وخاصة الشباب لا يقربون المسجد، ولا يعرفونه؟!! " .. فأجابه المصلون: "إنهم في المراقص والملاهي" .. قال الشيخ: "وما هي المراقص والملاهي؟!! " رد عليه أحد المصلين: "المرقص صالة كبيرة فيها

стр. 285

خشبة مرتفعة تصعد عيها الفتيات عاريات أو شبه عاريات يرقصن والناس حولهن ينظرون إليهن" ... فقال الشيخ: "والذين ينظرون إليهن من المسلمين؟ "، قالوا: "نعم" .. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله .. هيا بنا إلى تلك المراقص ننصح الناس .. قالوا له: "يا شيخ .. أين أنت .. تعظ الناس وتنصحهم في المرقص؟! " قال: "نعم ... "، حاوَلوا أن يثنوه عن عزمه، وأخبروه أنهم سيواجَهون بالسخرية والاستهزاء، وسينالهم الأذى فقال: "وهل نحن خير من محمد ﷺ ؟! "، وأمسك الشيخ بيد أحد المصلين ليدله على المرقص .. ، وعندما وصلوا إليه سألهم صاحب المرقص: "ماذا تريدون؟!! " قال الشيخ: "نريد أن ننصح من في المرقص"، تعجب صاحب المرقص ... وأخذ يمعن النظر فيهم، ورفض السماح لهم ... فأخذوا يساومونه ليأذن لهم، حتى دفعوا له مبلغًا من المال يعادل دخله اليومي ... وافق صاحب المرقص .. وطلب منهم أن يحضروا في الغد عند بدء العرض اليومي). قال الشاب: (فلما كان الغد كنت موجودًا في المرقص .. بدأ الرقص من إحدى الفتيات .. ولما انتهت أسدل الستار ثم فتح .. فإذا بشيخ وقور يجلس على كرسي، فبدأ بالبسملة، وحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على رسول الله ﷺ ، ثم بدأ في وعظ الناس الذين أخذتهم الدهشة، وتملكهم العجب، وظنوا أن ما يرونه هو فقرة فكاهية .. فلما عرفوا أنهم أمام شيخ يعظهم أخذوا يسخرون منه، ويرفعون أصواتهم بالضحك والاستهزاء، وهو لا يبالي بهم .. واستمر في نصحه ووعظه حتى قام أحد الحضور، وأمرهم بالسكوت والإنصات حتى يسمعوا
следующие страницы →