إليهم") (١).
وسمعت بعض مشائخهم يحكي موقفًا تعرض له، إذ خرج للدعوة في حانة خمر في مدينة أوروبية، واستهدف رجلاً مسلمًا كان يجالس امرأة وهو يشرب الخمر، فوعظه، ونصحه، وذكره بالله، حتى لان قلبه، ودمعت عيناه، فأخذ بذراعه ليقوده إلى المسجد، وأخذت المرأة بذراعه الآخر، تنازعه فيه، وكانت الغلبة له بعد تجاذب شديد من الطرفين، وأتى به إلى المسجد، وعلَّمه كيف يتطهر، ويصلي، ثم تاب، وحسنت توبته. وهم يجتهدون في "ابتكار" الحيل الخيرية لجذب الناس إلى الدين، كذلك التبليغي الذى أراد دعوة طبيب مشهور، فدفع قيمة الفحص، ولما جاءت نوبته دخل عليه، فتهيَّأ الطبيب لفحصه، فإذا به يخبره أنه ليس بمريض، وإنما رغب أن يذكِّره بالله، وينصحه في الدين، وراح يفعل ذلك، حتى رق قلب الطبيب، وتأثر بموعظته، وأراد أن يرد عليه قيمة الكشف، فأبى قائلاً: "هذه قيمة ما استغرقته من وقتك" ...
ومن ذلك: أنه لما صعد الإنسان إلى القمر، قال أحدهم: "ولو صعد الناس إلى القمر، وتحول بعض منهم عن الأرض، لنرسلنَّ وراءهم قافلة تخرج في سبيل الله، وتصعد إلى القمر لتدعوهم".
ويقول الأستاذ الراشد حفظه الله:
(حركة التبليغ أجادت غرس الثقة في دعاتها، وبخطبة واحدة يتعلمونها يجوبون الآفاق، ويواجهون المجتمع، وآخرون يأمرون إخوانهم بضم الرأس، ويقولون لفتى الصحوة: "أنت في خندق،
стр. 282
احترس، وأتقن الاختباء!! " (١) اهـ.
* وهذا أخ مؤذن يأسف ويحزن حزنًا شديدًا، إذ بلغه أن برج ساعة "بيج بن" الشهيرة في لندن قد مال، وإنه مهدد بالانهيار، فلما سئل عن سر أسفه وحزنه قال: "ما زلت أؤمل أن يُعِزَّ الله المسلمين، ويفتحوا بريطانيا، وأصعد على هذا البرج كي أؤذن فوقه".
* وأعرف أخًا أمريكيًّا من أصل أسباني ممن أسلم لله، وحَسُن إسلامه يعيش مع زوجته الأمريكية التي أسلمت أيضًا في مدينة "نيويورك"، وقد انتدب نفسه للدعوة إلى الله، فيخرج هو وزوجته، ويقفان أمام الكنيسة، ليلتقط روادها من الرجال، ويدعوهم إلى الإسلام، وكذلك تفعل زوجته مع النساء، وذلك كلَّ أحَدٍ.
* وأعرف أخًا يعيشى في "ألمانيا" أحسبه -والله حسيبه- مجتهدًا في الدعوة إلى الله غاية الاجتهاد، حتى لا يكاد يذوق طعمًا للراحة، وقد استحوذت الدعوة على كل كيانه، حتى أرهق نفسه، وشُغل عن بيته وأهله وولده، فرأى إخوانه أن يُمنح عطلة إجبارية، وذهبوا به صحبة أسرته إلى منتجع ناءٍ لا يعرفه فيه أحد، ولا يعرف فيه أحدًا، كي يهنأ ببعض الراحة، وواعدوه أن يعودوا لإرجاعه بعد أيام، ولما رجعوا إليه وجدوه قد أسس جمعية إسلامية في هذا المكان قوامها بعض العمال المغاربة وغيرهم ممن انقطعت صلتهم بالدين، ففتش عنهم في مظانِّ وجودهم، ودعاهم إلى طاعة الله سبحانه، وألَّف بينهم، وأقاموا مسجدًا كان فيما بعد منطلقًا للدعوة إلى الله في تلك البلدة.
стр. 283
إنها "الحركة" سر شيوع دعوة الإسلام المباركة في أرجاء الدنيا، ينطلق بها جنود لا يعلمهم إلا الله ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾.
ويلفتنا الأستاذ محمد أحمد الراشد -حفظه الله تعالى- إلى ميزان غريب نقيس به تلك "الحركة الحياتية- المتفجرة".
(وقد كنتُ في الأيام الخوالي ألاطِفُ إخواني فأفتش عن أحذيتهم، ليس على نظافتها، وصبغها، ورونقها، كالتفتيش العسكري، بل على استهلاكها، وتقطعها، والغبار الذي عليها، وأقْلِبها فأرى النعل، فمن كان أسفل حذائه متهرئًا تالفًا فهو الناجح، وأقول له: "شاهدك معك: حذاؤك يشهد لك أنك تعمل، وتغدو في مصالح الدعوة وتروح، وتطبق قاعدة: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين﴾، وبكثرة حركتك تلف حذاؤك، فأنت المجتاز المرضي عندي".
قال "صباح": (قد والله بعد عشرين سنة يأخذني تأنيب الضمير كلما رأيت حذائي لا غبار عليه، وأتذكر ذاك التفتيش) (١).
...
стр. 284
الفَاسِقُ ضَالَّة الداعيَةِ
وفيما يلي قصة واقعية تبرز قيمة عنصر "المبادرة" و"المبادأة"، و"الحركة" إلى مواقع يندر مَن يتأهل لاقتحامها، بحثًا عن هذه الضالة المنشودة، حكاها الشيخ علي الطنطاوي، وهي قصة توبة حدثت في "مرقص" فقال، وفقه الله:
[دخلت أحد مساجد مدينة "حلب" فوجدت شابًّا يصلي فقلت: سبحان الله إن هذا الشاب من أكثر الناس فسادًا: يشرب الخمر، ويفعل الزنا، ويأكل الربا، وهو عاق لوالديه، وقد طرداه من البيت، فما الذي جاء به إلى المسجد؟!، فاقتربت منه وسألته: "أنت فلان؟!! "، قال: "نعم" ... قلت: "الحمد لله على هدايتك .. أخبرني كيف هداك الله؟؟ "، قال: "هدايتي كانت على يد شيخ وَعَظَنا في مرقص" .. قلت مستغربًا: "في مرقص؟!! "، قال: "نعم ... في مرقص" .. ، قلت: "كيف ذلك؟! "، قال: "هذه هي القصة" .. فأخذ يرويها، فقال:
(كان في حارتنا مسجد صغير ... يؤم الناسَ فيه شيخ كبير السن ... وذات يوم التفت الشيخ إلى المصلين وقال لهم: "أين الناس"! .. ما بال أكثر الناس وخاصة الشباب لا يقربون المسجد، ولا يعرفونه؟!! " .. فأجابه المصلون: "إنهم في المراقص والملاهي" .. قال الشيخ: "وما هي المراقص والملاهي؟!! " رد عليه أحد المصلين: "المرقص صالة كبيرة فيها
стр. 285
خشبة مرتفعة تصعد عيها الفتيات عاريات أو شبه عاريات يرقصن والناس حولهن ينظرون إليهن" ... فقال الشيخ: "والذين ينظرون إليهن من المسلمين؟ "، قالوا: "نعم" .. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله .. هيا بنا إلى تلك المراقص ننصح الناس .. قالوا له: "يا شيخ .. أين أنت .. تعظ الناس وتنصحهم في المرقص؟! " قال: "نعم ... "، حاوَلوا أن يثنوه عن عزمه، وأخبروه أنهم سيواجَهون بالسخرية والاستهزاء، وسينالهم الأذى فقال: "وهل نحن خير من محمد ﷺ ؟! "، وأمسك الشيخ بيد أحد المصلين ليدله على المرقص .. ، وعندما وصلوا إليه سألهم صاحب المرقص: "ماذا تريدون؟!! " قال الشيخ: "نريد أن ننصح من في المرقص"، تعجب صاحب المرقص ... وأخذ يمعن النظر فيهم، ورفض السماح لهم ... فأخذوا يساومونه ليأذن لهم، حتى دفعوا له مبلغًا من المال يعادل دخله اليومي ...
وافق صاحب المرقص .. وطلب منهم أن يحضروا في الغد عند بدء العرض اليومي).
قال الشاب: (فلما كان الغد كنت موجودًا في المرقص .. بدأ الرقص من إحدى الفتيات .. ولما انتهت أسدل الستار ثم فتح .. فإذا بشيخ وقور يجلس على كرسي، فبدأ بالبسملة، وحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على رسول الله ﷺ ، ثم بدأ في وعظ الناس الذين أخذتهم الدهشة، وتملكهم العجب، وظنوا أن ما يرونه هو فقرة فكاهية .. فلما عرفوا أنهم أمام شيخ يعظهم أخذوا يسخرون منه، ويرفعون أصواتهم بالضحك والاستهزاء، وهو لا يبالي بهم .. واستمر في نصحه ووعظه حتى قام أحد الحضور، وأمرهم بالسكوت والإنصات حتى يسمعوا
стр. 286
ما يقوله الشيخ ....
قال: فبدأ السكون والهدوء يخيم على أنحاء المرقص حتى أصبحنا لا نسمع إلا صوت الشيخ، فقال كلامًا ما سمعناه من قبل ... تلا علينا آيات من القرآن الكريم، وأحاديث نبوية، وقصصًا لتوبة بعض الصالحين، وكان مما قاله: "أيها الناس .. إنكم عشتم طويلًا وعصيتم الله كثيرًا .. فأين ذهبت لذة المعصية؟ لقد ذهبت اللذة، وبقيت الصحائف سوداء ستُسألون عنها يوم القيامة، وسيأتي يوم يهلك فيه كل شيء إلا الله .. أيها الناس ... هل نظرتم إلى أعمالكم إلى أين ستؤدي بكم؟ إنكم لا تتحملون نار الدنيا، وهي جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم فكيف بنار جهنم .. بادروا بالتوبة قبل فوات الأوان ... ".
قال: فبكى الناس جميعًا .. وخرج الشيخ من المرقص، وخرج الجميع وراءه، وكانت توبتهم على يده، حتى صاحب المرقص تاب، وندم على ما كان منه .. ) اهـ (١).
...
стр. 287
وَللآخِرينَ حَرَكة في نُصرَةِ البَاطَلِ !
لئن كان سعى الدعاة وحركتهم في نصرة الدين من آثار علو همتهم، ولئن كان نشر مناقبهم وإذاعة أخبارهم من أسباب إيقاظ الغافلين، فإنه قد ينضم إلى هذه الأسباب تقريعُ النائمين والسادرين في الغفلة بأن نذكر لهم حركة أهل الباطل في الانتصار لباطلهم، وبذلهم في سبيل إطفاء نور الِإسلام، وهيهات هيهات ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾.
قال سبحانه: ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد﴾، وقص عن قوم إبراهيم أنهم قالوا: ﴿حرِّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين﴾، وقال في شأن الكافرين: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾، وقال: ﴿وترى كثيرًا منهم يسارعون في الِإثم﴾ وقال أيضًا: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾.
فهي حركة مذمومة مشئومة تعود عليهم بالوبال والنكال، وحبوط الأعمال، قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون﴾،
وقال سبحانه: ﴿وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة﴾، وقال تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة
стр. 288
الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾، وقال : ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا﴾.
إن حبوط أعمال الكافرين، راجع إلى فقدانهم الإيمان، قال تعالى: ﴿أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم﴾، كما أن حركتهم كانت وبالًا عليهم، لأنها كانت إما في طلب الدنيا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوَفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾، وإما أنها كانت لصد الناس عن دين الله: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾، وقال تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾.
ومع هذا كله، فإن الله سبحانه واسى أهل الإيمان وعزاهم فيما يلقون من الألم والضنى والكلال، بقوله : ﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا﴾، فليس المؤمنون وحدهم الذين يحتملون الألم والقرح، إن أعداءهم كذلك يتألمون، وينالهم القرح واللأواء، ولكن شتان بين المؤمنين الذين يتوجهون إلى الله بجهادهم، ويرتقبون عنده جزاءهم، وبين الكافرين الذين هم حيارى تائهون، ضائعون مضيَّعون، لا يتجهون لله، ولا يرتقبون عنده شيئًا في الحياة، ولا بعد الحياة.
فإذا كانوا مع ذلك يصرون ويدأبون في محاربة الحق، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا أشد إصرارًا وصبرًا، وما أجدرهم كذلك أن لا
стр. 289
يكفوا عن ابتغاء القوم، وتطلبهم، وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله! إن هذا المعنى هو عين ما نقصده مما سنذكره -فيما يلي إن شاء الله- من سعي الكافرين ودأبهم في تحصيل الدنيا، أو في الصد عن سبيل الله تعالى، بجانب معنى ثانٍ أشار إليه ﷺ فيما رُوي عنه من قوله: "ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها" (١)، وأشار إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله. عنه حين شكا إلى الله تعالى: "جَلَدَ الفاجر، وعجزَ الثقة"، وأشار إليه أحمد بن حرب في قوله: "يا عجبا لمن يعرف أن الجنة تُزَيَّن فوقه، والنار تُسَعَّرُ تحته، كيف ينام بينهما؟ ".
ومعنى ثالث هو: استثارة الشعور بالاستحياء من الله ﷻ في قلوب جند الله المسلمين حين يرون مَن لا خلاق لهم عند الله يكدحون ويضحون لنصرة باطلهم، ويوفون مع إمامهم إبليس بالعهد الذي قطعه على نفسه: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾، في حين يتباطأ كثير من المسلمين عن نصرة دين الحق مع أنهم عاهدوا الله على الانقياد لشرعه: ﴿واذكروا عهد الله وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾.
...
стр. 290
هَلُمَّ فَلنَستَحي مِنَ الله !
نعرض -فيما يلي- نماذج من حركة بعض الكافرين في سبيل الدنيا، أو خدمة أوطانهم، أو الدعوة إلى ملتهم، عسى أن يستحيي المقصرون منا فى حق دينهم وأمتهم المسلمة، ويروا أنفسهم أحرى وأجدر بمعالي الأمور.
* هذا "هيوستن" يقف (في حدود سنة ١٨٣٠ أمام الكونجرس الأمريكي، ويخطب خطبة بليغة لم يستعمل فيها كلمة مرتين، فسحر ألباب الرجال الذين أمامه، وكان قد نجح لتوِّه في تسكين ثائرة الهنود الحمر وجَلْبِهم إلى توقيع اتفاقات مع الحكومة، فاستدعاه الرئيس الأمريكي آنذاك وقال له: "إن تكساس تتبع المكسيك، ومستقبل أمريكا متعلق بها، ولا بد من ضمِّها، وأريدها منك".
فقال هيوستن: "نعم أنا لها، زودني بمال ورجال".
قال الرئيس: "لو كان عندي مال ورجال ما دعوتك، بل تذهب منفردًا وبلا دولار واحد، وأبعثُ معك حارسًا حتى تعبر نهر المسيسبي، ويعود".
ومع ذلك قبل المهمة، وودَّعه الحارس على ضفة النهر، واندفع نحو تكساس، فلما دخل أول مدينة بها فتح له مكتب محاماة، فكان المدعي في المحكمة يخرج متهمًا والمتهم بريئًا، لبلاغة وقوة لسانه، حتى انبهر به الناس، فلاثوا به، فتلاعب بمفاهيمهم وأخيلتهم، وغرس فيهم معنى
стр. 291
ضرورة الاستقلال عن المكسيك، وأنشأ حركة قوية أتمت الاستقلال، ثم غرس معنى وجوب الانضمام إلى الولايات المتحدة، فانضمت طواعية بالقناعات التي غرسها هيوستن، وجاء بعد سنوات قليلة إلى الرئيس الأمريكي، وسلمه مفتاح تكساس، إذ لم تطلق طلقة أمريكية ولم يصرف دولارًا، فشكره الرئيس، وخلَّدوا عمله بإطلاق اسمه على مدينة "هيوستن" التي هي الآن من أهم مدن أمريكا، وعاصمة النفط فيها) اهـ (١).
وهاك مثالًا آخر حكاه الدكتور توفيق الواعي حفظه الله، قال:
* "أرسلت الدولة اليابانية في بدء حضارتها بعوثًا دراسية إلى ألمانيا. كما بعثت الأمة العربية بعوثًا، ورجعت بعوث اليابان لتحضِّر أمتها، ورجعت بعوثُنا خاويةَ الوفاض!! فما هو السر؟ لنقرأ هذه القصة حتى نتعرف على الإجابة".
يقول الطالب الياباني "أوساهير" الذي بعثته حكومته للدراسة في ألمانيا: لو أنني اتبعت نصائح أستاذي الألماني الذى ذهبت لأدرس عليه في جامعة هامبورج لما وصلت إلى شيء، كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية، كنت أحلم بأن أتعلم، كيف أصنع محركًا صغيرًا؟ كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى "موديل" هو أساس الصناعة كلها، فإذا عرفتَ كيف تُصنع، وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها، وبدلًا من أن يأخذني الأساتذة إلى معمل، أو مركز تدريب عملي، أخذوا يعطونني كتبًا لأقرأها، وقرأت
стр. 292
حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها، ولكنني ظللت أمام المحرك، أيًّا كانت قوته وكأنني أقف أمام لغز لا يُحَل، وفي ذات يوم، قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع، كان ذلك أول الشهر، وكان معي راتبي، وجدت في المعرض محركًا قوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله، فأخرجت الراتب ودفعته، وحملت المحرك، وكان ثقيلًا جدًّا، وذهبت إلى حجرتي، ووضعته على المنضدة، وجعلت أنظر إليه، كأنني أنظر إلى تاج من الجوهر، وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة أوروبا، لو استطعت أن أصنع محركًا كهذا لغيرت تاريخ اليابان، وطاف بذهني خاطر يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتَّى، مغناطيس كحذوة الحصان، وأسلاك، وأذرع دافعة، وعجلات، وتروس وما إلى ذلك، لو أنني استطعت أن أفكك قطع هذا المحرك، وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها، ثم شغَّلتُه فاشتغل، أكون قد خطوت خطوة نحو سر "موديل" الصناعة الأوروبية، وبحثت في رفوف الكتب التي عندي، حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات، وأخذت ورقًا كثيرًا، وأتيت بصندوق أدوات العمل، ومضيت أعمل، رسمت المحرك، بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمل أجزاءه، ثم جعلت أفككه، قطعة قطعة، وكلما فككت قطعة رسمتها على الورقة بغاية الدقة، وأعطيتها رقمًا، وشيئًا فشيئًا فككته كله، ثم أعدت تركيبه، وشغلته فاشتغل، كان قلبي يقف من الفرح، استغرقت العملية ثلاثة أيام، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل.
وحملت النبأ إلى رئيس بعثتنا فقال: "حسنًا ما فعلت، الآن لا بد
стр. 293
أن أختبرك، سآتيك بمحرك متعطل، وعليك أن تفككه، وتكشف موضع الخطأ وتصححه، وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل"، وكلفتني هذه العملية عشرة أيام عرفت أثناءها مواضع الخلل، فقد كانت ثلاث من قطع المحرك بالية متآكلة، صنعت غيرها بيدي، صنعتها بالمطرقة والمبرد.
بعد ذلك قال رئيس البعثة الذي كان يتولى قيادتي روحيًّا ... قال: "عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركًا، ولكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد، وصهر النحاس، والألومنيوم، بدلًا من أن أعد رسالة الدكتوراة كما أراد مني أساتذتي الألمان، تحولت إلي عامل ألبس بذلة زرقاء وأقف صاغرًا إلى جانب عامل صهر المعادن، كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم، حتى كنت أخدمه وقت الأكل، مع أنني من أسرة ساموراي، ولكنني كنت أخدم اليابان وفي سبيل اليابان يهون كل شيء، قضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات، كنت أعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم، وبعد انتهاء يوم العمل كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة.
وعلم "الميكادو" "الحاكم الياباني" بأمري فأرسل لي من ماله الخاص، خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهب، اشتريت بها أدواتِ مصنعِ محركاتٍ كاملة، وأدوات وآلات، وعندما أردت شحنها إلى اليابان كانت النقود قد فرغت، فوضعت راتبي وكل ما ادخرته، وعندما وصلت إلى "نجازاكي" قيل لي: إن "الميكادو" يريد أن يراني، قلت: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع محركات كاملًا، استغرق ذلك تسع سنوات، وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي
стр. 294
عشرة محركات (صنع في اليابان)، قطعة قطعة، حملناها إلى القصر، ودخل "الميكادو" وانحنينا نحييه وابتسم، وقال: "هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة، هكذا ملكنا "الموديل" وهو سر قوة الغرب، نقلناه إلى اليابان، نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان، ونقلنا اليابان إلى الغرب" (١)) اهـ.
وحدث من عايش الطلاب اليابانيين الذين يبتعثون إلى أمريكا عن أحوالهم، فقال: (ربما يلبثون في مكتبة الجامعة إلى نصف الليل، وربما نام أحدهم وهو جالس على كرسيه، ويواصل الدراسة في اليوم الثاني من غير ذهاب للبيت).
قال الأستاذ محمد أحمد الراشد حفظه الله:
(شفعت مرة لداعية أن يقبله الأستاذ فؤاد سزكين طالبًا بمعهده في فرانكفورت معهد تاريخ العلوم الإسلامية، فاشترط الأستاذ سزكين أن يشتغل الطالب ست عشرة ساعة يوميًّا، فرفض، ثم أراني الأستاذ سزكين من بُعْد عددًا من الطلاب اليابانين في معهده، وقد انكبُّوا على المخطوطات العربية يدرسونها، ويبعثونها إلى الحياة، وقد رضوا بهذا الشرط، فتأمل) (٢) اهـ.
وقال د. عبد الودود شلبي في كتابه "في محكمة التاريخ":
(أذكر أنني ترددت كثيرًا جدًّا على مركز من مراكز إعداد المبشرين في مدريد، وفي فناء المبنى الواسع وضعوا لوحة كبيرة كتبوا عليها:
стр. 295
"أيها المبشر الشاب: نحن لا نعدك بوظيفة أو عمل أو سكن أو فراش وثير، إننا ننذرك بأنك لن تجد في عملك التبشيري إلا التعب والمرض، كل ما نقدمه إليك هو العلم والخبز وفراش خشن في كوخ فقير، أجرك كله ستجده عند الله إذا أدركك الموت، وأنت في طريق المسيح كنت من السعداء").
(وهذه الكلمات حرَّكت كثيرًا من جند الشيطان المبشرين بالنيران، من حملة الشهادات في الطب والجراحة والصيدلة وغيرها من التخصصات للذهاب إلى الصحاري القاحلة التي لا توجد فيها إلا الخيام، والمستنقعات المليئة بالنتن والميكروبات، والمكوث هناك السنين الطوال دون راتب، ودون منصب، ولو أراد أحدهم العمل بمؤهله لربح مئات الآلاف من الدولارات، ولكنه ضحى بكل هذا من أجل الباطل الذي يعتقد صحته) (١) اهـ.
وحكى لي بعض الشباب المسلمين في "ألمانيا" أنه منذ الصباح الباكر ينتشر دعاة فرقة "شهود يهوه" في الشوارع وينطلقون إلى البيوت، ويطرقون الأبواب للدعوة إلى عقيدتهم، وحدثني أحدهم أن فتاة ألمانية منهم طرقت بابه في السادسة صباحًا، فلما علم أن غرضها دعوته إلى عقيدتها، بيَّن لها أنه مسلم، وأنه ليس في حاجة إلى أن يستمع منها، فظلت تجادله وتلح عليه أن يمنحها ولو دقائق "من أجل المسيح"! فلما رأى إصرارها أوصد الباب في وجهها، ولكنها أصرت على تبليغ عقيدتها، ووقفت تخطب أمام الباب المغلق قرابة نصف ساعة تشرح له عقيدتها، وتغريه باعتناق دينها!! فما بالنا معشر المسلمين يجلس الواحد منا شبعان متكئًا على أريكته، إذا طُلِب منه نصرة دين الحق، أو كلف بأبسط المهام، أو عوتب لاستغراقه في اللهو والترفيه، انطلق كالصاروخ
стр. 296
مرددًا قوله ﷺ : "يا حنظلة ساعة وساعة" كأنه لا يحفظ من القرآن والسنة غيره، يقول الأستاذ الراشد حفظه الله:
[يقف الداعية يؤذن في الناس، ولكن أكثر الناس نيام، ويرى جلد أصحاب الباطل وأهل الريبة وتفانيهم لإمرار خطتهم، فإذا التفت رأى الأمين المسلم سادرًا غافلًا، إلا الذين رحمهم ربهم، وقليل ما هم، ويعود ليفرغ حزنه، في خطاب مع نفسه:
تبلَّدَ في الناس حِسُّ الكفاح ... ومالوا لكسبٍ وعيش رتيب
يكاد يزُعزع مِن همتي ... سُدورُ الأمين، وعزمُ المريب
ويتهم نفسه أنه لم يكن بليغًا في ندائه، ولكن سرعان ما يُحسُّ أنه قد حاز البلاغة من أقطارها، فيعود يسلي نفسه، ويجمل عزاءه:
ومن حرِّ شَدْوي يُرى في الخريف ... طروبًا بصحبتي العندليب
ولكن خُلِقتُ بأرضٍ بها ... نفوسُ العبيد برِقٍّ تطيب
لقد تبدلت موازين البلاغة، وافتقد الجيل الأعمال الكبيرة التي يتمجد بها، فصار -كما يقول الرافعي- "تخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها".
ورغم الفساد فإن الداعية المسلم لن يتخلى عن محاولة انتشال العباد، وإن كل وساوس اليأس من الإصلاح لن تلبث أن تتبدد أمام لحظة انتباه إيماني تُريه مكانته المتوسطة لموكب الإيمان السائر، أخذَ عن السلف، ولا بد أن يسوق له قدر الله خَلَفًا يستلم الأمانة منه، ذلك وعد الله، وإنه لموكب لن ينقطع أبدًا، مضى به القول على لسان النبي ﷺ حين قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك (١) "] (٢).
стр. 297
الفَصل الخامس
عُلُوّ الهِمَّة في الجِهَادِ في سَبيلِ اللهِ تَعَالَى
علم الرعيل الأول من صفوة المسلمين أن في الجهاد فضلًا لا يُضاهَى، وخيرًا لا يتناهى، وأيقنوا أن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن الريَّ الأعظم في شرب كئوس الحتوف، فشمروا للجهاد عن ساق الاجتهاد، ونفروا إلى ذوي الكفر والعناد من شتى أصناف العباد، وجهزوا الجيوش والسرايا، وبذلوا في سبيل الله العطايا، وأقرضوا الأموال لمن يضاعفها ويزكيها، ودفعوا سلع النفوس من غير مماطلةٍ لمشتريها، وضربوا الكافرين فوق الأعناق، واستعذبوا من المنية مُرَّ المذاق، وباعوا الحياة الفانية بالعيش الباق، ونشروا أعلام الإسلام في الآفاق.
فِمن ثَمَّ كان في الإشارة إلى بعض مناقبهم، وحسن بلائهم ما عساه يوقظ الهمم الرُّقَّد، ويُنهِضُ العزمَ المُقْعَد، ومن لم تروه الإشارة، وطمحت نفسه إلى الاستزادة، فليطلب ذلك من مظانه المبسوطة، وبالله المستعان.
لقد كان إمامهم الأوحد، ورائدهم الأول في ذلك -بل في كل باب من أبواب الخير- خير من وطئ الحصى رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم
стр. 298
الآخر وذكر الله كثيرًا﴾، ولقد كان رسول الله ﷺ أعلى البشر همة على الإطلاق، وكان أشجع الناس، وأقواهم قلبًا، وأثبتهم جَنانًا، وقد حضر المواقف الصعبة المشهورة، وفرَّ الكماة والأبطال عنده غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة أو فترة، سواه، فإنه لم يفر قط، وحاشاه من ذلك، ثم حاشاه، قال الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري وفي عنقه السيف، وهو يقول: "لم تراعوا ... لم تراعوا") (١).
وقال على ﵁: (كنا إذا اشتد البأس، واحمرت الحَدَقُ، اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي ﷺ ، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا) (٢)، وقيل: "كان الشجاع هو الذي يقرب منه ﷺ إذا دنا العدو لقربه منه"، وقال عمران بن حصين: "ما لقي ﷺ كتيبة إلا كان أول من يضرب".
وكذلك الشجعان في أمته والأبطال لا يُحْصَوْنَ عدة، ولا يحاط بهم كثرة، سيما أصحابه المؤيدين الممدوحين في التنزيل بقوله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشِدَّاءُ على الكفار رحماءُ بينهم﴾.
стр. 299
* فأشجع الصحابة -وكلهم ﵃ شجعان- وأفضلهم، بل أفضل البشر جميعًا بعد الأنبياء، خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁، هكذا شهد له علي بن أبي طالب ﵁ أنه أشجع الناس، وصدق ﵁ فقد كان أثبتهم قلبًا، وأقواهم جَنانًا، وحسبك من ذلك ثبات قلبه يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الخندق، ويوم الحديبية، ويوم حنين، بل ثبات قلبه وتثبيته المسلمين عند الخطب الأعظم، والأمر الأفخم بموت رسول الله ﷺ ، وكذا عزمه في قتال من ارتد حينئذ، فتلك الشجاعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم، والهمة التي تنازلت لها أعالي الهمم.
* ومنهم الفاروق ناصر الدين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، الذي بلغ من الشجاعة والهمة الكبرى أقصى الغايات وأعلى النهايات، والأخبار في قوته في الدين وشدته على المشركين كثيرة مشهورة.
* وهذا الليث الحصَّار، والغيث المدرار، ومفرق كتائب المشركين، والآتي من أنواع الشجاعة بما أوجب في المتعجبين أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ (كان درعه صدرًا لا ظهر له، فقيل له: "ألا تخاف أن تؤتى مِن قبل ظهرك؟ "، فقال: "إن أمكنت عدوي من ظهري، فلا أبقى الله عليه، إن أبقى عليَّ" رواه ابن عساكر، وذكر ابن عبد البر في صفته أنه: "كان إذا أمسك بذراع رجل، لم يستطع أن يتنفس"، وأخبار شجاعته وعلو همته كثيرة مشهورة.
* ولما استشار النبي ﷺ أصحابه ﵃ فِي القتال في
стр. 300
غزوة بدر الكبرى، قال له المقداد بن الأسود ﵁: "يا رسول الله امضِ لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون".
وقال سعد بن معاذ ﵁: " .. فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لَخُضْناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدًا، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُق عند اللقاء، لعل الله يُريك ما تقر به عينك، فسر على بركة الله".
وعن أنس ﵁ قال: (انطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركِين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه"، فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض"، قال عمير بن الحمام: "يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض" قال: "نعم"، قال: "بخ بخ" (١)، فقال رسوله الله ﷺ : "ما يحملك على قولك: بخ بخ؟ "، قال: "لا والله، إلا رجاء أن أكون من أهلها"، قال: "فإنك من أهلها"، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: "إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل" (٢).
стр. 301
* عن أنس بن مالك ﵁ قال: (غاب عمي أنس بن النضر، عن قتال بدر، فقال: "يا رسول الله! غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئنِ اللهُ أشهدني قتال المشركين، ليرين الله ما أصنع"، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: "اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: "يا سعد بن معاذ! الجنة وربِّ النضر، إني أجد ريحها دون أحد"، قال سعد: "فما استطعت يا رسول الله ما صنع"، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتل، ومَثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، فقال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ الآية) (١).
* ورُوي أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه -في سرية مؤتة- فقُطِعت، فأخذه بشماله، فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلًا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين .. فلما قُتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال:
أقسمتُ يا نفس لَتنزِلنهْ ... لتنزلن أو لتُكرَهِنَّهْ
стр. 302
أن أجلب الناس وشدُّوا الرنَّه ... ما لي أراكِ تكرهين الجنه
وقال:
يا نفس إن لا تُقتلي تموتي ... هذا حِمام الموت قد صَليتِ
وما تمنيتِ فقد أعطيتِ ... إن تفعلِي فعلهما هُديتِ
وإن تأخَّرتِ فقد شقيتِ
يريد صاحبيه زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عمٍّ له بِعَرْق لحمٍ، فقال: "شُدَّ بهذا صُلبك، فإنك قد لقيتَ يومك هذا"، فأخذه من يده، فانتهش منه نهشة، ثم سمع الحَطْمَة في ناحية الناس، فقال: "وأنتَ في الدنيا؟! "، فألقاه من يده، ثم تقدم فقاتل حتى قُتِل (١).
* وعن شداد بن الهادِ ﵁ أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ ، فآمن به واتبعه، ثم قال: "أهاجر معك"، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غَزاة، غَنِم النبي ﷺ شيئًا، فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: "ما هذا؟!، قالوا: "قِسْمٌ قسمه لك النبي ﷺ ، فأخذه، فجاء به إلى النبي ﷺ ، فقال: "ما هذا؟ "، قال: "قسمتُه لك"، قال: "ما على هذا اتبَّعْتُك، ولكن اتبعتك على أن أرْمَى إلى ها هنا -وأشار إلى حلقه- بسهم فأموتَ، فأدخلَ الجنة، فقال: "إن تَصْدُقِ اللهَ يصدقك"، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتِىَ به النبُّي ﷺ يُحْمَل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال
стр. 303
النبي ﷺ : "أهو هو؟ " قالوا: "نعم"، قال: "صدق اللهَ فصدقه"، ثم كفَّنه النبي ﷺ في جُبَّتِهِ، ثم قَدَّمه فصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك، خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتِل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك" (١).
* وعن جعفر بن عبد الله بن أسلم، قال: (لما كان يوم اليمامة، واصطف الناس كان أولَ من جُرح أبو عقيل، رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده في غير مقتل، فأخرج السهم، ووهن له شقه الأيسر في أول النهار، وُجرَّ إلى الرَّحْل، فلما حمي القتال، وانهزم المسلمون، وجاوزوا رحالهم، وأبو عقيل واهن من جرحه، سمع معن بن عدي يصيح: "يا للأنصار! اللهَ اللهَ والكرَّةَ على عدوكم! " قال عبد الله بن عمر: "فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: "ما تريد؟ ما فيك قتال! "، قال: "قد نَوَّه المنادى باسمي"، قال ابن عمر: فقلت له: "إنما يقول: يا للأنصار، ولا يعني الجرحى"، قال أبو عقيل: "أنا من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حَبْوًا"، قال ابن عمر: فتحزَّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى، ثم جعل ينادي: يا للأنصار! كرةً كيوم حُنين! فاجتمِعوا رحمكم الله جميعًا، تقدَّموا فالمسلمون دَريئة (٢) دون عدوهم"، حتى أقحموا عدوهم الحديقة، فاختلطوا، واختلفت السيوف بيننا وبينهم.
قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قُطِعت يده المجروحة من المنكب فوقعتْ إلى الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا كلها قد خلصت إلى مقتل، وقُتل عدوُّ الله مسيلمة.
стр. 304
قال ابن عمر: فوقفت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: يا أبا عقيل! قال: "لبيك -بلسان ملتاث- لمن الدَّبْرَة؟ " (١) قلت: "أبشر قد قُتل عدو الله"، فرفع أصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله) (٢).
* ومنهم البراء بن مالك أخو أنس بن مالك ﵄: عن ابن سيرين: (أن المسلمين انتهوا إلى حائط فيه رجال من المشركين، فقعد البراء على ترس، وقال: "ارفعوني برماحكم، فألقوني إليهم"، فألقوه وراء الحائط، قال: فأدركوه وقد قتل منهم عشرة، وجُرح البراء يومئذ بضعًا وثمانين جراحة، ما بين رمية وضربة، فأقام عليه خالد بن الوليد شهرًا حتى برأ من جراحته) (٣).
* وعن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري قال: (لما انكشف المسلمون يوم اليمامة، قال سالم مولى أبي حذيفة: "ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ "، فحفر لنفسه حفرة، وقام فيها، ومعه راية المهاجرين يومئذ، فقاتل حتى قُتل يوم اليمامة شهيدًا سنة اثنتي عشرة) (٤).
* وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: (مررت يوم اليمامة
стр. 305
بثابت بن قيس بن شماس وهو يتحنط (١)، فقلت: "يا عم، ألا ترى ما يلقى المسلمون وأنت هاهنا؟ " قال: فتبسم، ثم قال: "الآن يا ابن أخي، فلبس سلاحه، وركب فرسه حتي أتى الصف، فقال: "أف لهؤلاء وما يصنعون"، وقال للعدو: "أف لهؤلاء وما يعبدون، خَلُّوا على سبيله -يعنى فرسه- حتى أصلي بحرها، فحمل، فقاتل حتى قُتِل ﵁" (٢).
* وعن عبد الله بن أبي موسى الأشعري ﵁ قال:
(سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف"، فقام رجل رث الهيئة، فقال: "يا أبا موسى آنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ " قال: "نعم"، قال: فرجع إلى أصحابه فقال: "أقرأ عليكم السلام"، ثم كسر جِفْنَ سيفه -وهو غمده- فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل) (٣).
* وهذا سيف الله تعالى، وفارسُ الإسلام، وليثُ المشاهد، قائد المجاهدين أبو سليمان خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، وأرضاه،
стр. 306
لما حضرته الوفاة قال:
"لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء" (١).
وروى عاصم بن بهدلة: عن أبي وائل قال: لما حضرت خالدًا الوفاة قال: "لقد طلبتُ القتلَ مظانَّه، فلم يُقَدَّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما مِن عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد -من ليلة بِتُّها وأنا متترس، والسماء تُهِلُّني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار"، ثم قال: "إذا متُّ، فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدة في سبيل الله"، فلما توفي، خرج عمر على جنازته، فذكر قوله: "ما على آل الوليد أن يَسْفَحْن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعًا أو لَقْلَقة" (٢).
وقد بلغ من شجاعته في بعض حروبه أنه بينما كان قائد الفرس ينظم صفوفهم، إذا بخالدٍ ينقض عليه، ويحتضنه بشدةٍ، ويخطفه كالبرق الخاطف، ويأتي به أسيرًا بين ذراعيه إلى جيش المسلمين أمام ذهول الكفار من هذه الشجاعة النادرة.
* وفي حديث عبد الله بن حذافة ﵁ أنه أسره الروم، فحبسه طاغيتهم في بيت، فيه ماء ممزوج بخمر، ولحم خنزير مشوي، ليأكله ويشرب الخمر، وتركه ثلاثة، فلم يفعل، ثم أخرجوه حين خشوا موته، فقال: "والله لقد كان أحله لي لأني مضطر، ولكن لم أن لأشمتكم بدين الإسلام".
وعبد الله بن حذافة السهمي صحابي توفي بمصر، ودفن بمقبرتها،
стр. 307
وذلك في خلافة عثمان ﵁، وقصته مع ملك الروم حكاها أبو رافع قال:
(وجه عُمرُ جيشًا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: "إنَّ هذا من أصحاب محمد"، فقال: "هل لك أن تتنصَّر وأعْطِيَكَ نصفَ ملكي؟ "، قال: "لو أعطيتني جميع ما تملكُ، وجميع ما تملك العرب، ما رجعتُ عن دين محمد طرفة عين"، قال: "إذًا أقتلك"، قال: "أنت وذاك"، فأمر به، فصُلِبَ، وقال للرماة: "ارمُوهُ قريبًا من بدنِهِ"، وهو يعرضُ عليه، ويأبى، فأنزله، ودعا بِقدْر، فصبَّ فيهِا ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما، فأُلقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى، ثم بكى، فقيل للملك: "إنَّه بكى"، فظن أنه قد جزع، فقال: "رُدُّوه، ما أبكاك؟ "، قال: "قلت: هي نفسٌ واحدة تُلقى الساعةَ فتذهب، فكنتُ أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفسٌ تُلْقَى فِي النار في الله"، فقال له الطاغية: "هل لك أن تقبل رأسي، وأخلي عنك؟ "، فقال له عبد الله: "وعن جميع الأسارى؟ "، قال: "نعم"، فقبل رأسه، وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره، فقَال عمر: "حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابنِ حذافة، وأنا أبدأ"، فقبل رأسه) (١).
أجدر الناس بالكرامة: عبد ... تلفت نفسُه، ليسلم دينُه
стр. 308
* واستوصى "رويمًا" صاحبٌ له، فقال: "هو بذل الروح، وإلا فلا تشتغل بالترهات".
الجود بالمال جود فيه مكرمة ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
* وعن العلاء بن سفيان الحضرمي قال: (غزا بُسْر بن أرطاة الروم، فجعلت ساقته لا تزال تصاب، فيكمن لهم الكمين، فيصاب الكمين، فلما رأى ذلك، تخلف في مائة من جيشه، فانفرد يومًا في بعض أودية الروم، فإذا براذين (١) مربوطة نحو ثلاثين، والكنيسة إلى جانبهم فيها فرسان تلك البراذين الذين كانوا يعقبونه في ساقته، فنزل عن فرسه فربطه، ثم دخل الكنيسة فأغلق عليه وعليهم بابها، فجعلت الروم تعجب من إغلاقه، فما استقلوا إلى رماحهم حتى صَرَعَ منهم ثلاثة، وفقده أصحابه فطلبوه، فأتوا، فعرفوا فرسه، وسمعوا الجلبة في الكنيسة، فأتوها فإذا بابها مُغلق، فقلعوا بعض السقف، ونزلوا عليهم، وبُسْر ممسك طائفة من أمعائه بيده، والسيف بيده اليمني، فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بُسْر مغشيًّا عليه، فأقبلوا على أولئك، فأسروا وقتلوا، فأقبلت عليهم الأسارى، فقالوا: "ننشدكم الله من هذا؟ "، قالوا: "بسر بن أرطاة"، فقالوا: "والله ما ولدت النساء مثله"، فعمدوا إلى أمعائه، فردوه في جوفه، ولم ينخرق منه شيء، ثم عصبوه بعمائمهم، وحملوه، ثم خاطوه، فسلم، وعوفي) (٢).
وكبيرو الهمة من المجاهدين يهوون رفع الثقيل من الأمور، وخوض
стр. 309
المخاطر، واقتحام العقبات، كأولئك النخعيين الذين تسابقوا على الاستشهاد في معركة القادسية، قال واحد منهم:
(أتينا القادسية، فقتل منا كثير، ومن سائر الناس قليل، فسئل عمر عن ذلك، فقال: إن النخَع وَلُوا عِظَم الأمر وحدهم) (١).
* ورفع الله الحرج عن المعذروين فقال عز من قائل: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾، فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار، وما صبرت القلوب: (فخرج ابن أم مكتوم إلى أحُد وطلب أن يعطى اللواء فأخذه مصعب بن عمير، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها، فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره، وقرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّد إلَّا رَسولٌ قَدْ خلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾. هذه عزائم القوم، والحق يقول: ﴿ليس عَلَى الْأعْمَى حَرَج﴾ وهو في الأول، ﴿وَلَا عَلَى الْأعْرَج حرجٌ﴾ وعمرو بن الجَمُوح من قباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش، قال له الرسول ﵇: "إن الله قد عذرك"، فقال: "والله لأحفرنَّ بعرجتى هذه فِي الجنة"، وقال عبد الله بن مسعود: "ولقد كان الرجل يؤتى به يُهِادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف") (٢).
* كر الفرس كرة على غرة، فرجع المسلمين متحرفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة، فلحقوا بأضعفهم، فاختطفوه أسيرًا، وعادوا به ...
стр. 310
فماذا قال هذا "الأضعف" الذي لم يستطع الجري؟
رستم: ما جاء بكم، وما تطلبون؟
المسلم: جئنا نطلب موعود الله؟
رستم: وما موعود الله؟
المسلم: أرضكم ودياركم وأبناؤكم إن أبيتم أن تُسلموا.
رستم: فإن قُتِلتم قبل ذلك؟
المسلم: في موعود الله أن من قُتل منا أدخله الله الجنة، وأنجز لمن بقي منا وعده، فنحن على يقين.
رستم: قد وَضَعَنا إذن في أيديكم.
المسلم: "ويحك يا رستم، إن أعمالكم وضعتكم، فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى من حولك، فإنك لست تحارب الإنس، وإنما تحارب قضاء الله وقدره، ونحن قضاء الله وقدره" (١).
وقد أوجز خالد بن الوليد وأبلغ حين وصف جنود الإسلام مخاطبًا الفرس: "قد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة".
* التابعي الجليل أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي ﵀ والذي كان نتاج تربية الأربعة الراشدين، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، عاف التجارات والبيوت، وبنى له في الكوفة حصنًا صغيرًا يسعه هو وفرسه وسلاحه فقط، وبقى طول عمره متحفزًا للجهاد، حتى لم يعد يعرف موازين السوق التي يتعامل بها الناس (٢).
و (كان إذا خلا ينشج -يبكي بصوت وتوجع- ولو جُعل له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل، وكان له خُصٌّ يكون فيه هو وفرسُه، فإذا غزا نقضه، وإذا رجع بناه).
هكذا المجاهد يمضي إلى الأمام صوب غايته الكبرى، لا يلتفت إلى
стр. 311
الوراء، ولا يعبأ بالدنيا، ويقول غير وَجِل ولا آسف:
وأراني أسمو بسعيي ووعيي ... عن جزاءٍ من معدن الأرض بخسِ
حسب نفسي من الجزاء شعوري ... أنني في الإله أبذل نفسي
وقال ابن المبارك:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني ... وبيع نفس بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ما ليس ييقى فلا والله ما اتزنا
* وعن موسى بن أبي إسحاق الأنصاري: (أن علي بن أسد كان قد قتل، وصنع أمورًا عظامًا، فمر ليلة بالكوفة، فإذا برجل يقرأ من جوف الليل: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ﵀﴾ الآية، فقال علي: "أعِد"، فأعاد، ثم قال: "أعد"، فأعاد، ثم قال: "أعد"، فأعاد، فعمد فاغتسل، ثم غسل ثيابه، فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء، وصارت ركبتاه كركبتي البعر، فغزا البحر، فلقي الروم، فقرنوا مراكبهم بمراكب العدو، قال علي: "لا أطلب الجنة بعد اليوم أبدًا"، فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فما زال يضربهم، وينحازوا، ويضربهم، وينحازوا حتى مالوا في شقٍّ واحد، فانكفأت عليهم السفينة، فغرق وعليه درع الحديد) (١).
* ويُروى أن العلاء بن الحضرمي وقف على شاطئ المحيط الأطلسي، وخاض في مياهه بفرسه قائلًا: "والله أيها البحر لو أعلم أن وراءك أرضًا لخضتك، وفتحتها بإذن الله" (٢).
стр. 312
* وفي عام ٤٦٣ هـ سار ملك الروم "أرمانوس" إلى بلاد المسلمين بمائتي ألف مقاتل على أقل تقدير للمؤرخين، ويضم هذا الجيش الكثيف أخلاطًا من الروم، والفرنجة، والروس، والصرب، والأرمن، والبوشناق، واتَّخذ طريقه إلى العراق، وقد أقطع بطارقته الأرضَ حتى بغداد، وعيَّن له نائبًا على بغداد قبل أن يسير، واستوصى نائبه بالخليفة خيرًا، فقال له: "ارفق بهذا الشيخ فإنَّه صاحبنا"، وقد عزم "أرمانوس" أن يُبيد الإسلام وأهله، وإذا انتهى من العراق وخراسان مال على الشام وأهله ميلةً واحدةً، فأباد المسلمين فيها أيضًا.
خرج "أرمانوس" من "القسطنطينية" مُتَّجهًا نحو الشرق فوصل إلى "ملازكرد" في شرقي تركيا اليوم، على مقربةٍ من بُحيرة "وان"، وأتى الخبر إلى "ألب أرسلان" السلطان السلجوقي، وهو في "أذربيجان" وقد عاد من "حلب"، فلم يتمكَّن من جمع الجند لُبعده عن مقر حكمه، ولقرب العدو منه، فسار بمن معه، وهم خمسة عشر ألفًا، للقاء العدو مُتوكِّلًا على الله، وقال: "إنني أقاتل مُحتسبًا صابرًا، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإنَّ ابني ملكشاه ولي عهدي"، وجَدَّ في السير، وأرسل مقدمته أمامه، فالتقت عند مدينة "خلاط" بمقدمة الروس، وكان عددهم عشرة آلاف فهُزم الروس، بإذن الله، وأُسِر قائدهم.
واقترب الجمعان بعضهما من بعض، وأرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه الهدنة فقد خافه لكثرة من معه، إذ يُعادل جند ملك الروم خمسة عشر مِثلًا من المسلمين، غير أنَّ ملك الروم قد أخذته العزَّةُ بالإثم، فقال: "لا هدنة إلَّا في الريِّ" -طهران اليوم- ولم يدر أنه يَقْدُمُ
стр. 313
قومه إلى الهاوية، فتأثر السلطان من هذا الردِّ المتغطرس، فاستشار إمام جنده "أبا نصر محمد بن عبد الملك البخاريِّ"، فأجابه: "إنَّك تُقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال، في الساعة التي تكون الخطباء على المنابر، فإنَّهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة"، وكان يومها يوم الأربعاء لخمسٍ بقين من ذي القعدة.
جاء يوم الجمعة، وحان وقت الزوال فصلَّى "أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاريُّ" بالناس، فبكى السلطان، وبكى الناس لبُكائه، ودعا ودَعَوْا معه بعد الصلاة، وقال لهم: "من أراد الانصراف فلينصرف فما ها هنا سلطان يأمر وينهى، وإنما جهاد ورغبة في لقاء الله"، ثم ألقى القوس والنشَّاب (١)، وأخذ السيف، ولبس البياض، وتحنَّط، وقال: "إن قُتِلت فهذا كفني"، وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما اقترب منهم ترجَّل، ومرغ وجهه في التراب، وبكى، وأكثر من الدعاء، وطلب النصر من الله، ثمَّ ركب، وحمل على الروم، وحمل المسلمون حتى وصلوا إلى وسط الروم وحجز الغبار بينهم، وما هي إلا جولة حتى أنزل الله نصره، وهزم الروم، ومنحوا المسلمين أكتافهم، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا حتى امتلأت الأرض بالجُثث، وقُدِّرَ عدد القتَلى بمائةٍ وخمسين ألفًا، أي أنَّ كلَّ مسلم قد قتل عشرةً من الروم، ووقع ملك الروم "أرمانوس" وبطارقته جميعًا أسرى بأيدي المسلمين، وحُمل أرمانوس إلى السلطان "ألب أرسلان"،
стр. 314
فلمَّا وقف بين يديه ضربه بيده ثلاث مقارِع وقال: "لو كنتُ أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟ " قال: "كلَّ قبيح"، قال: "فما ظنُّك بي؟ " قال: إمَّا أن تقتل بعد أن تُشَهِّر بي في بلادك، وإمَّا أن تعفوَ، وتأخذَ الفداء، وتُعيدَني"، قال: "مما عزمتُ على غير العفو والفداء"، فافتدى نفسه بميلون ونصف من الدنانير، فقام بين يدي السلطان وسقاه شربةً من ماء، وقبَّل الأرض بين يديه، وقد ترك له السلطان عشرة آلاف دينارٍ ليتجهَّزَ بها، وأطلق معه جماعةً من البطارقة الأسرى (١).
* ومن علو همة السلطان المنصور أبي يوسف يعقوب ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبد المؤمن بن على المغربي، المراكشي، الظاهري: أنه كتب إليه "الأدفنش" يهدده، ويُعنفه، ويطلب منه بعض البلاد، ويقول: "وأنت تماطل نفسك، وتُقَدِّم رِجْلًا، وتؤخر أخرى، فما أدري الجبنُ بطَّأ بك، أو التكذيب بما وعدك نبيك؟ "، فلما قرأ الكتاب، تنمَّر، وغضب، ومزَّقه، وكتب على رقعة منه: ﴿ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون﴾ الجواب ما ترى، لا ما تسمع:
ولا كُتْبَ إلا المشرفية عندنا ... ولا رُسْل إلا للخميس العَرَمْرَمِ
ثم استنفر سائر الناس، وحشد، وجمع، حتى احتوى ديوان جيشه على مئة ألف، ومن المُطَّوِّعة مثلهم، وعَدَّى إلى الأندلس، فتمَّت
стр. 315
الملحمة الكبرى، ونزل النصر والظفر، فقيل: غنموا ستين ألف زرديَّة.
قال ابن الأثير: قُتِل من العدو مئة ألف وستة وأربعون ألفًا، ومن المسلمين عشرون ألفًا (١).
* وعن علو همة صلاح الدين الأيوبي ﵀ قال القاضي ابن شداد:
(كان ﵀ عنده من أمر القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال ... وهو كالوالدة الثكلى، يجول بنفسه من طلب إلى طلب، ويحث الناس على الجهاد، ويطوف بين الأطلاب بنفسه، وينادي: "يا لَلإِسلام" وعيناه تذرفان بالدموع) (٢).
ونظر صلاح الدين الأيوبي ﵀ إلى أمواج البحر الهادرة، ثم التفت إلى القاضي ابن شداد وقال:
(أما أحكي لك شيئًا في نفسي؟
إنه متى يسَّر الله تعالى فتح بقية الساحل، قسَّمت البلاد، ووصيت وودَّعت، وركبتُ هذا البحر إلى جزائره، وأتبعتهم -أي الصليبيين- فيها، حتى لا أبقَي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت) (٣).
وبعد وقعة حطين باع بعض الفقراء أسيرًا بنعل، فقيل له في ذلك، فقال: "أردت هوانهم"، وحكى بعضهم أنه لقي بحوران شخصًا
стр. 316
واحدًا ومعه طُنُب (١) خيمة، وفيه نيف وثلاثون أسيرًا، يجرهم وحده للخذلان الذي وقع عليهم.
وقال العماد الكاتب: (فمن شاهد القتلى يومئذ قال: ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل) (٢).
...
стр. 317
عُلُوّ هِمَّةِ فَارسِ الإسلَامِ السُّرمَارِي
الذي قال في وصفه الإمام الذهبي ﵀:
(الإمام، الزاهد، العابد، المجاهد، فارس الإسلام، أبو إسحاق). (وكان أحد الثقات، وبشجاعته يضرب المثل) (أخبار هذا الغازي تَسُرُّ قلب المسلم)، (قال إبراهيم بن عفان البَزَّاز: كنت عند أبي عبد الله البخاري، فجرى ذكر أبي إسحاق السُّرْماري، فقال: "ما نعلم في الإسلام مثله"، فخرجتُ، فإذا أحيد رئيسُ المُطَّوِّعة، فأخبرتُه، فغضبَ ودخل على البخاري، وسأله، فقال: "ما كذا قلتُ: بل: ما بلغنا أنه كان في الإسلام ولا في الجاهلية مثلُه".
وعن أحمد بن إسحاق قال: "ينبغي لقائد الغزاة أن يكون فيه عشرُ خصال: أن يكون في قلب الأسد: لا يَجْبُنُ، وفي كِبَر النَّمِرِ: لا يتواضع، وفي شجاعة الدب: يقتل بجوارحه كلِّها، وفي حَمْلة الخنزير: لا يُوَلِّي دُبُرَه، وفي غارة الذئب: إذا أيِس من وجهٍ أغار من وجه، وفي حمل السلاح كالنَّمْلة: تحمل أكثر من وزنها، وفي الثبات كالصخر، وفي الصبر كالحمار، وفي الوَقاحة كالكلب: لو دخل صيدُه النارَ لدخل خلفه، وفي التماس الفرصة كالدَّيك".
قال إبراهيم بن شماس: كنت أكاتب أحمد بن إسحق السُّرْماري،
стр. 318
فكتب إليَّ: إذا أردت الخروج إلى بلاد الغُزَيَّة في شراء الأسرى، فاكتب إليَّ، فكتبتُ إليه، فقدم سمرقند، فخرجنا، فلما علم جَيْغَوَيْه، استقبلنا في عِدَّة من جيوشه، فأقمنا عنده، فعرض يومًا جيشه، فَمَرَّ رجل، فعظَّمه، وخلع عليه، فسألني عن السُّرماري، فقلت: "هذا رجل مبارز، يُعَدُّ بألف فارس"، قال: "أنا أبارزه"، فسكت، فقال جيغويه: "ما يقول هذا؟ " قلت: "يقول كذا وكذا"، قال: "لعله سكران لا يشعر، ولكن غدًا نركب"، فلما كان الغد ركبوا، فركب السُّرماري معه عمود في كُمِّه، فقام بإزاء المُبارِز، فقصده، فهرب أحمدُ حتى باعده من الجيش، ثم كَرَّ، وضربه بالعمود فقتله، وتبع إبراهيم بن شِماس، لأنه كان سبقه، فَلَحِقه، وعلم جيغويه، فجهَّز في طلبه خمسين فارسًا نقاوةً، فأدركوه، فثبت تحت تَلٍّ مختفيًا، حتى مَرُّوا كلّهم، واحدًا بعد واحد، وجعل يضرب بعموده من ورائهم، إلى أن قتل تسعةً وأربعين، وأمسك واحدًا، قطع أنفه وأذنيه، وأطلقه ليخبِر، ثم بعد عامين تُوفي أحمد، وذهب ابنُ شِماس في الفداء، فقال له جَيغويه: "من ذاك الذي قتل فرساننا؟ " قال: "ذاك أحمد السرماري"، قال: "فلم لم تحمله معك؟ " قلت: "توفي"، فصَكَّ في وجهي، وقال: "لو أعلمتني أنه هو لكنت أعطيته خمس مائة برذون -ضرب من الدواب-، وعشرة آلاف شاة".
وعن عبيد الله بن واصل قال: سمعت أحمد السرماري يقول، وأخرج سيفَه، فقال: "أعلم يقينًا أني قتلت به ألفَ تركي، وإن عشت قتلتُ به ألفًا أخرى، ولولا خوفي أن يكون بدعةً لأمرت أن يُدْفَنَ معي".
стр. 319
وعن محمود بن سهل الكاتب قال: (كانوا في بعض الحروب يحاصرون مكانًا، ورئيس العدو قاعد على صُفَّة -ظلة، والبهو الواسع العالي السقف- فرمى السرماري سهمًا، فغرزه في الصفة، فأومأ الرئيس لينزِعَه، فرماه بسهم آخرَ، خاطَ يَده، فتطاول الكافر لينزِعه من يده، فرماه بسهم ثالث في نحره، فانهزم العدو، وكان الفتح) (١).
وعن عمران بن محمد المطوعي، قال: سمعت أبي يقول: (كان عمود السرماري ثمانية عشر مَنًّا (٢)، فلما شاخ جعله اثني عشر مَنًّا، وكان يقاتل بالعمود) (٣).
...
стр. 320
عُلُوّ هِمَّة "اللؤلؤ العَادِلي "
قال الإمام الذهبي ﵀ في "السير":
(الحاجبُ: من أبطال الإسلام، وهو كان الندوبَ لحرب فرنج الكَرَك الذين ساروا لأخذ طَيبة، أو فرنج سواهم ساروا في البحر المالح، فلم يَسِرْ لؤلؤ إلا ومعه قُيودٌ بعددهم، فأدركهم عند الفحلتين فأحاط بهم، فسلَّموا نفوسهم، فقيَّدهم، وكانوا أكثر من ثلاث مئة مقاتل، وأقبل بهم إلى القاهرة، فكان يومًا مشهودًا) (١).
* وهذا مجاهد ينتدب نفسه للمهمة الجسيمة، ويمضي نحو همته، ويلح سائلًا مولاه:
فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن ... على شَرْجَعٍ (٢) يُعْلَى بخُضْرِ المطارفِ (٣)
ولكنَّ قبري بطنُ نَسْرٍ مقيلهُ ... بجو السماء، في نسورٍ عواكفِ (٤)