← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96278

علو الهمة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (416 стр.). Показаны 386–416 · переход к 391.

стр. 386

نشأة مترفة، ولكنه انصرف عن مطامح الدنيا ومطامعها في سبيل طلب العلم، فقد جرت مناظرة بين الإمامين ابن حزم وأبي الوليد الباجي رحمهما الله، فلما انقضت قال الباجي لابن حزم: "تَعذُرُني فإن أكثر مطالعاتي كانت على سُرُج الحُرَّاس"، فأجابه ابن حزم: "وتعذرني أيضًا فإن أكثر مطالعاتي كانت على منائر -أي: مصابيح- الذهب والفضة" (١)، قال ياقوت الحموي: "أراد أن الغنى أضيعُ لطلب العلم من الفقر! " (٢). * وربما نشأ كبير الهمة في بيئة معدِمةٍ قاسية تكون كفيلة بإطفاء همته، والقضاء على نبوغه، فييسر الله له من الأسباب ما يأخذ بيده، أو يقيض له من ينمي مواهبه، ويتكفل بأمره: نشأ المتنبي شاعر العرب الفحل في أسرة فقيرة غير متعلمة، لكن الله قيَّض له فرصة التعليم المجاني في كُتَّاب خاص بأبناء أشراف الكوفة،

стр. 387

وشجعه أصحاب المكتبات على قراءة الكتب دون مقابل. ويُروى أن وراقًا كان يلازمه قال: (كان اليوم عندي -أي المتنبي- وقد أحضر رجل كتابًا في نحو ثلاثين ورقة لبيعه، فأخذه أبو الطيب، ونظر فيه طويلًا، فقلت له: "ما هذا؟ أريد بيعه، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون في شهر إن شاء الله"، فقال المتنبي: "إن كنت حفظته هذه المدة؟ " قلت: "أهب لك الكتاب"، قال: "اسمها مني"، فأخذت الدفتر من يده، وأقبل يتلوه حتى انتهى إلى آخره). ومِن أشهر مَن كان يُعنَى بالتفتيش عن النابغين، ويستنقذهم من ظروفهم القاسية، ويأخذ بأيديهم في طلب العلم الِإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، فقد حرص الإمام أبو حنيفة -عندما تولى حلقة الدرس بعد شيخه حماد- على رعاية تلاميذه النابغين، فقد كان يواسيهم من ماله الخاص، ويعينهم على نوائب الدهر، حتى أنه كان يزوج من كان في حاجة إلى الزواج وليست عنده مئونته، ويرسل لكل تلميذ حاجته، قال شريك أحد تلامذته: (كان يُغني من يعلمه، وينفق عليه وعلى عياله، فإذا تعلَّم قاله له: "لقد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال من الحرام"، وكان ينظر إلى نفوس تلاميذه، ويتعهدها بالرعاية والنصيحة، فإذا وجد من أحدهم إحساسًا بالعلم يمازجه الغرور، أزال عنه درن الغرور ببعض الاختبارات، التى تثبت له أنه ما زال في حاجة إلى مزيد من العلم). * وذكر الكردري في مناقبه بسنده إلى أبي يوسف رحمه الله تعالى، قال: (كنت أطلب الحديث وأنا مقل المال، فجاء إلي أبي وأنا عند الِإمام، فقال لي: "يا بني لا تمدنَّ رجلك معه، فإن خبزه مشوي

стр. 388

وأنت محتاج"، فقعدت عن كثير من الطلب، واخترت طاعة والدي، فسأل عني الإمام، وتفقدني، وقال حين رآني: "ما خلَّفَك عنا؟ " قلت: "طلب المعاش"، فلما رجع الناس، وأردت الانصراف دفع إليَّ صرة فيها مائة درهم، فقال: "أنفق هذا، فإذا تمَّ أعلمني، والزم الحلقة"، فلما مضت مدة دفع إليَّ مائة أخرى، وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يُخْبَرُ بنفادها، حتى بلغت حاجتي من العلم، أحسن الله مكافأته، وغفر له). * وذكر الكردري أيضًا أن الحسن بن زياد كان فقيرًا، وكان يلازمه -أي الِإمام- وكان أبوه يقول له: "لنا بنات، وليس لنا ابن غيرك، فاشتغل بهن"، فلما بلغ الخير الإمام أجرى عليه رزقًا، وقال: "الزم الفقه، فإني ما رأيت فقيهًا معسرًا قط". وربما لمح شخصًا عالي الهمة، تلوح من محياه أمارات النبوغ فضنَّ بموهبته أن تُنْفَقَ في طلب الدنيا، وشجعه على طلب العلم: * قال أبو حنيفة ﵀: (مررت يومًا على الشعبي وهو جالس، فدعاني، وقال: "إلامَ تختلف؟ " فقلَت: "أختلف إلى فلان"، قال: "لم أعن إلى السوق، عنيتُ الاختلاف إلى العلماء"، فقلت له: "أنا قليل الاختلاف إليهم"، فقال: "لا تفعل، وعليك بالنظر في العلم، ومجالسة العلماء؛ فإني أرى فيك يقظة وحركة"، قال: "فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف -أي إلى السوق- وأخذت في العلم، فنفعني الله تعالى بقوله"). * وعن مكي بن إبراهيم -أحد شيوخ البخاري- قال: (كنت أتجر، فقدمت على أبي حنيفة قدمة، فقال لي: "يا مكي! أراك تتجر، التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كثير، فلم لا تتعلم العلم،

стр. 389

ولم لا تكتب؟ " فلم يزل بي حتى أخذت في العلم وكتابته وتعلمه، فرزقني الله منه شيئًا كثيرًا، فلا أزال أدعو لأبي حنيفة في دبر كل صلاة وعندما ذكرته، لأن الله يركته فتح في باب العلم). وربما كان لتجربة الإمام أبي حنيفة مع شيخه الِإمام حماد أثر عظيم في مسلكه هذا، فقد اكتشف حماد نبوغ أبي حنيفة وعلو همته، فخصَّه برعايته، وقرَّبه من مجلسه مؤملًا أن يكون حسنة من حسناته يهديها إلى الأمة: * انخرط أبو حنيفة النعمان في التعليم على يد شيخه حَمَّاد بالمسجد الجامع بالكوفة، وعندما لمس فيه النجابة، وسرعة الحفظ، وسلامة التفكير، أجلسه بإزائه، واحترم رأيه، وشجعه على الاجتهاد والاستقلال بالرأي، ولم يتبرم من كثرة أسئلته واستفساراته، لما فيها من عمق ودقة. فمما يُروى أن أبا حنيفة انصرف من مجلس حماد، بعد أن سأله عدة أسئلة، وألحَّ في الجدل حتى احمرَّ وجه حماد، الذي قال لجاره واصفًا صلاح تلميذه: "هذا على ما ترى منه -أي من كثرة الأسئلة- يقوم الليل كله ويحييه"، واستمر أبو حنيفة ملازمًا أستاذه ثماني عشرة سنة، ولم يستقل بالدرس والتمحيص إلا بعد وفاة حماد. وربما كانت نصيحة عابرة من عالم مخلصٍ بدايةَ نقطة تحولٍ فِي حياة أحد النابغين إلى انتفاع عموم الأمة به، كذلك الِإمام الذي لقي نابغة كبير الهمة وقد جاور في الحرم المكي الشريف، وخلَّى مكانه في التعليم والدعوة في بلده، فأرشده إلى تصحيح مساره بقوله: "ليس هذا مكانك". * وكان سبب أخذ الشافعي فِي العلم ما حكاه مصعب بن عبد الله الزبيري قال: "كان الشافعي ﵀ في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام

стр. 390

العرب والأدب، ثم أخذ في الفقه بعدُ" قال: (وكان سبب أخذه في العلم أنه كان يومًا يسير على دابة له وخلفه كاتب لأبي، فتمثل الشافعي ببيت شعر فقرعه كاتب أبي بسوطه، ثم قال له: "مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا؟ أين أنت من الفقه؟ " فهزَّه ذلك، فقصد مجالسة الزَّنْجي مسلم بن خالد، وكان مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس). وعن الشافعي ﵀ قال: (كنت أنظر في الشعر، فارتقيت عقبة بمنى فإذا صوت من خلفي: "عليك بالفقه")، وعن الحميدي قال: (قال الشافعي: خرجت أطلب النحو والأدب فلقيني مسلم بن خالد الزنجي فقال: "يا فتى من أين أنت؟ "، قلت: "من أهل مكة"، قال: "أين منزلك؟ " قلت: "شِعب بالخيف"، قال: "من أي قبيلة أنت؟ " قلت: "من عبد مناف" قال: "بخ بخ لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة، ألا جعلتَ فهمَك في هذا الفقه فكان أحسن بك؟! "). ثم رحل الشافعي من مكة إلى المدينة قاصدًا الأخذ عن أبي عبد الله مالك بن أنس ﵀، وفي رحلته مصنف مشهور مسموع، فلما قدم عليه قرأ عليه "الموطأ" حفظًا، فأعجبته قراءته ولازمه، وقال له مالك: "اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن"، وفي رواية أخرى أنه قال له: "إن الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفه بالمعاصي"، وكان للشافعي ﵀ حين أتى مالكًا ثلاثَ عشرةَ سنة، ثم وليَ باليمن. وقد أمره بالِإفتاء شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي إمام أهل مكة ومفتيها، وقال له: "أفت يا أبا عبد الله! فقد -والله- آن لك أن تفتي"، وكان للشافعي إذ ذاك خمسَ عشرةَ سنة، وأقاويل أهل

стр. 391

عصره فِي هذا كثيرة مشهورة، وأخِذَ عن الشافعي العلمُ في سن الحداثة مع توفر العلماء في ذلك العصر، وهذا من الدلائل الصريحة لعظم جلالته وعلو مرتبته، وهذا كله من المشهور المعروف في كتب مناقبه وغيرها. * وحكى ابنُ العلامة القرآني الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى أن أمارات النبوغ، وعلو الهمة لما لاحت على والده في طفولته، قال له شيخه: "يا بني إن العلماء يقولون: إن من وجد من نفسه استعدادًا وموهبة تؤهله للإمامة تعيَّن عليه طلبها، وإن طلب الإمامة في الدين متعين عليك، فلا تضيع نفسك" اهـ بمعناه. * ومن عجيب النماذج الناجحة في زراعة الهمة العالية في الأطفال ما يقال من أن الشيخ أقشمس الدين الذي تولى تربية السلطان محمد الفاتح العثماني ﵀، كان يأخذ بيده، ويمر به على الساحل ويشير إلى أسوار القسطنطينية التي تلوح من بعد شاهقة حصينة، ثم يقول له: أترى إلى هذه المدينة التى تلوح في الأفق إنها القسطنطينية، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ أن رجلًا من أمته سيفتحها بجيشه، ويضمها إلى أمة التوحيد، فقال ﷺ فيما رُوي عنه: "لَتَفْتَحُنَّ القسطنطينية، ولَنِعْمَ الأميرُ أميرُها، ولنعم الجيشُ ذلك الجيش" (١)، وما زال يكرر هذه الِإشارة على مسمع الأمر الصبي إلى أن نمت شجرة الهمة فِي نفسه العبقرية، وترعرعت في قلبه، فعقد العزم على أن يجتهد ليكون هو ذلك الفاتح الذي بَشَّر به الصادق المصدوق ﷺ ، وقد كان، فقد كان والده السلطان مراد الثاني -منذ صغره- يستصحبه معه بين حين وآخر إلى بعض المعارك، ليعتاد مشاهدة الحرب والطعان، ومناظر الجنود في

стр. 392

تحركاتهم واستعداداتهم ونزالهم، وليتعلم قيادة الجيش وفنون القتال عمليًّا، حتى إذا ما ولي السلطنة، وخاض غمار المعارك خاضها عن دراية وخبرة. ولما جاء اليوم الموعود شرع السلطان محمد "الفاتح" في مفاوضة الإمبراطور قسطنطين ليسلمه القسطنطينية، فلما بلغه رفض الإمبراطور تسليم المدينة، قال ﵀: "حسنًا عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر". وحاصر السلطان "محمد الفاتح" -أنعم به من فاتح- القسطنطينية واحدًا وخمسين يومًا، تعددت خلالها المعارك العنيفة، وبعدها سقطت المدينة الحصينة التي استعصت على الفاتحين قبله، على يد بطل شاب، له من العمر ثلاث وعشرون سنة، وحقق هذا الفاتح البطل للمسلمين أملًا غاليًا ظل يراودهم ثمانية قرون، حاولوا تحقيقه مرارًا فلم يفلحوا، وكأنَّ القدر كان قد ادَّخر هذا الشرف لهذا البطل المغوار. ***

стр. 393

التَّشجِيِعُ وَأَثَره في النّهُوضِ بِالِهمَّةِ رفع الإسلام شأن التشجيع إلى حَدِّ أنه جعله فريضة على غير القادر علي إقامة فروض الكفايات مثل الأمر بالعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم، والولاية والِإمامة، وعبارة الفقهاء في مثل هذه الفروض: "أنها واجب على الكفاية، فإن قام بها البعض سقط الوجوب عن الآخرين، وإن لم يقم بها أحد أثموا جميعًا، القادرُ: لأنه قصَّر، وغيرُ القادر: لأنه قصَّر فيما يستطيعه، وهو التفتيش عن القادر وحَمْله على العمل، وحثه وتشجيعه، وإعانته على القيام به، بل إجباره على ذلك" (١). ولقد تسابق المسلمون في شتى العصور على تشجيع الموهوبين وكبيري الهمة، بكافة صور التشجيع، فكانوا ينفقون الأموال الجزيلة لنفقة النابغين من طلاب العلم، الذين حبسوا أنفسهم على طلبه، كي يغنوهم عن سؤال الناس، أو الاشتغال عن العلم بطلب المعاش. وهذا الإمام أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي، قال فيه الصفدي: (لم أره قط إلا يسمع أو يكتب أو ينظر في كتاب، ولم أره على غير ذلك، وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم ويُنَوَّه بقدرهم) (٢).

стр. 394

وكان المعلمون في الكتاتيب والمساجد والأزهر الشريف إذا لمسوا في طفل النجابة وسرعة التعلم، احتضنوه، وساعدوه على طلب العلم، وزودوه بالمال من مالهم الخاص، أو من الأوقاف. وكان في طليعة المشجعين لطلبة العلم الخلفاء والأمراء، روى البخاري في "صحيحه" أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان يدُخل ابن عباس ﵄ -وهو غلام حدث- مع أشياخ بدر، قاله أبن عباس: (فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: "لِم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ " فقال عمر: "إنه من حيث علمتم"، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رُؤيت أنه دعاني يومئذ إلا ليرِيهم، قال: ما تقولون في قوله الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾؟ فقال بعضهم: "أمِرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نُصِرنا، وفتِح علينا"، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا: فقال لي: "أكذاك تقول يا أبن عباس؟ " فقلت: "لا"، قال: "فما تقول؟ "، قلت: "هو أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وذلك علامهّ أجلك، ﴿فسبح بحمد ربِّك واستغفره إنه كان توابًا﴾ "، فقال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تقول"). وهكذا كان أمير المؤمنين يقَوِّي ثقته بنفسه، ويغذي همته، ويربأ به عن احتقار الذات أو الشعور بالدونية والنقص، وقد روى البخاري في "صحيحه" أيضًا أنه ﵁ سأل بعض الصحابة عن آية في القرآن الكريم فلم يعرفوا الإجابة، وكان بينهم عبد الله بن عباس، وهو صغير السن، فقال: "فِي نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين"، قال عمر: "يا ابن أخي قل، ولا تحقر نفسك"، فأجابه.

стр. 395

على هذا السنن سار ابن عباس منذ طفولته، غير مبالٍ بتثبيط من هو أقصر منه همة، قال ﵁: (لما قُبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: "هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اليوم كثير"، فقال: "واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك، وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ مَنْ فيهم؟ "، قال: "فتركت ذاك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، يسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: "يا ابن عم رسول الله ﷺ ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليَّ فآتيك؟ "، فأقول: "لا، أنا أحق أن آتيك" فأسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصارى حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فيقول: "هذا الفتى كان أعقل مني"). فحيهلا إن كنت ذا همةٍ فقد ... حدا بك حادي الشوق فاطوِ المراحلا ولا تنتظر بالسير رُفْقَةَ قاعدٍ ... ودعه، فإن العزم يكفيك حاملا * وقد كان ابن شهاب ﵀ يشجع الأولاد الصغار، ويقول لهم: "لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإنْ عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا نزل به الأمر المعضل، دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم" (١). [وكان الخليفة "هارون الرشيد" ﵀ يغدق العطايا والصلات لطلبة العلم والعلماء، حتى قال ابن المبارك: (فما رأيت عالمًا ولا قارئًا

стр. 396

للقرآن ولا سابقًا للخيرات ولا حافظًا للمحرمات في أيام بعد أيام رسول الله ﷺ وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين، ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم ويروي الحديث ويجمع الدواوين ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عَشَرةَ سنة. وقد بلغ حب بعض الأمراء للعلم والعلماء إلى الحد الذىٍ جعله يعتبر العلماء في رعايته الخاصة، من هؤلاء الأمراء "المعز بن باديس" -أحد أمراء دولة الصهاجين في المغرب الِإسلامي- كان لا يسمع بعالم جليل إلا أحضره إلى حضرته، وجعله من خاصته، وبالغ في إكرامه، وعوَّل على آرائه، ومنحه أسمى الرواتب .... وكذلك فعل الخليفة الموحدي الثالث "المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن" الذي أنشأ "بيت الطلبة"، وأشرف عليه بنفسه، وعندما بلغه حَسَدُ بعضِ حاشيته على موضع الطلبة النابغين عنده، فزع منهم، وخاطبهم قائلًا: "يا معشر الموحدين أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته .. وهؤلاء الطلبة لا قبيلة لهم إلا أنا، فمهما نابهم من أمر فأنا ملجأهم، إليَّ فزعهم، وإليَّ يُنْسَبون". وقد بلغت عناية المنصور بالطبيب "أبي بكر بن زهر" حدًّا عجيبًا؛ فقد كان أبو بكر يقيم عند الخليفة مددًا طويلة، ولا يرخص له بالسفر إلى أهله، حتى قال شعرًا في شوقه إلى ولده الصغير، فلما سمع المنصور هذا الشعر، أرسل المهندسين إلى "أشبيلية"، وأمرهم بدراسة بيت أبي بكر وحارته، وتشييد مثله في "مراكش"، ففعلوا ما أمرهم، ونقلوا عيال أبي بكر إليه، فلما رآها ابن زهر اندهش، وحصل عنده من

стр. 397

السرور ما لا مزيد عليه، ولا يستطاع التعبير عنه، فهل سُمع بمثل هذا في إكرام العلم والعلماء؟! وفي القرن السادس عشر قامت محاولة ناجحة في عهد الخلافة العثمانية لتجميع النابغين من جميع الأمصار والقرى، وتوفر الرعاية التي جعلت كل نابغة يعطي ما عنده من فن وعلم، مما ساعد على ازدهار الدولة العثمانية حضاريًّا وعسكريًّا حتى باتت تهدد بغزو أوربا] (١).

стр. 398

* يقول الأستاذ علي الطنطاوي أحسن الله عاقبته: (قرأت مرة أن مجلة إنكليزية كبيرة سألت الأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نموُّ العلوم وازدهار الآداب، وجعلت لمن يحسن الجواب جائزة قيِّمة، فكانت الجائزة لكاتبة مشهورة قالت: "إنه التشجيع! "، وقالت: "إنها في تلك السنِّ، بعد تلك الشهرة والمكانة، تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الإمام، وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير") اهـ. * ثم ذكر الشيخ أثر التثبيط في خنق المواهب، وحرمان الأمة من عبقرية أصحابها وإبداعهم، وضرب مثالًا لذلك فقال: [إن الشيخ محمد أمين "ابن عابدين" لما نشأ، وأنس المثبطون (١) منه الميل إلى العلم، وعرفوا فيه الذكاء المتوقِّد، والعقل الراجح، خافوا منه فذهبوا يقنعون أباه -وكان أبوه امرأ تاجرًا- ليسلك به سبيل التجارة، ويتنكَّب به طريق العلم، وجعلوا يكلِّمونه، ويرسلون إليه الرسل، ويكتبون إليه الكتب، ويستعينون عليه بأصحابه وخلصائه، ولكن الله أراد بالمسلمين خيرًا، فثبت الوالد فكان من هذا الولد المبارك، ابن عابدين صاحب "الحاشية"، أوسِع كتاب في فروع الفقه الحنفي.

стр. 399

بل أرادوا أن يصرفوا أستاذنا العلَّامة "محمد بن كرد علي" عن العلم، فبعثوا إليه بشقيقين من آل ... بشقيقين قد ماتا فلستُ أسميهما، على رغم أنهما قطعا عن العلم أكثر من أربعين طالبًا -فما زالا بأبيه- ولم يكن أبوه من أهل العلم -ينصحانه أن يقطعه عن العلم، ويعلمه مهنة يتكسب منها، فما في العلم نفع، ولا منه فائدة ... ويُلِحَّان عليه ويلازمانه، حتى ضجر فصرفهما فكان من ولده هذا، الأستاذ "كرد علي" أبو النهضة الفكرية في الشام وقائدها، ووزير معارف سورية الأسبق، ومفخرتها، والذى من مصنَّفاته: خطط الشام، وغرائب الغرب، والقديم والحديث، والمحاضرات، وغابر الأندلس وحاضرها، والإدارة الإسلامية، والإسلام والحضارة العربية ... والمقتبس ... ومن مصنفاته: "المجمع العلمي العربي بدمشق"، ومن مصنفاته هؤلاء "الشعراء والكتَّاب من الشباب"! ولعل في الناس كثيرين كانوا لولا الاحتكار والتثبيط كابن عابدين وككرد علي، وها هو ذا العلامة الشيخ "سليم البخاري" ﵀ مات وما له مصنَّف رسالة فما فوقها، على جلالة قدره، وكثرة علمه، وقوة قلمه، وشدة بيانه؛ وسبب ذلك أنه صنَّف لأول عهده بالطلب رسالة صغيرة في المنطق، كتبها بلغة سهلةٍ عذبة، تنفي عن هذا العلم تعقيد العبارة، وصعوبة الفهم، وعرضها على شيخه، فسخر منه وأنَّبه، وقال له: "أيها المغرور! أبلغَ مِن قدرك أن تصنف، وأنت ... وأنت ... " ثم أخذ الرسالة فسجَّر بها المدفأة .. فكانت هي أول مصنفات العلامة البخاري وآخرها.

стр. 400

وأول من سَنَّ سنةَ التشجيع في بلدنا هو العلامة مربي الجيل الشيخ طاهر الجزائري ﵀ الفيلسوف المؤرخ الجدلي، الذي من آثاره المدارس الابتدائية النظامية في الشام، والمكتبة الظاهرية، والأستاذ "محمد كرد على بك"، وخالي الأستاذ "محب الدين الخطيب" ... ومما كتب في ذم التثبيط: " ... وقد عجبت من أولئك الذين يسعون في تثبيط الهمم، في هذا الوقت الذي يتنبَّه فيه الغافل ... وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم، ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع، ولم يُرَ أحد من المثبطين قديمًا أو حديثًا أتى بأمرٍ مهم، فينبغي للجرائد الكبيرة، أن تكثر من التنبيه على ضرر هذه العادة والتحذير منها، ليخلص منها من لم تستحكم فيه، وينتبه الناس لأربابها ليخلصوا من ضررهم". وكان الشيخ في حياته يشجِّع كل عامل، ولا يَثني أحدًا عن غاية صالحة، حتى لقد أخبرني أحد المقربين منه أنه قال له: (إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام، فلا تقل له: "إن هذا غير ممكن"، فتفلَّ عزيمته، وتكسر همته، ولكن أقرئه وحبِّب إليه النحو، فلعله إذا أنس به واظب على قراءته). * ثم إن التشجيع يفتح الطريق للعبقريات المخبوءة حتى تظهر وتثمر ثمرها، وتؤتي أكلها؛ ورُبَّ ولدٍ من أولاد الصُنَّاع أو التجار يكون إذا شُجِّع وأُخذ بيده عالمًا من أكابر العلماء، أو أديبًا من أعاظم الأدباء! وفي علماء القرن الماضي في الشام من ارتقى بالجد والدأب والتشجيع من منوال الحياكة، إلى منصب الإفتاء، وكرسي التدريس تحت القبَّة.

стр. 401

نشأ الشيخ "محمد إسماعيل" الحائك عاميًّا، ولكنه محبٌّ للعلم، محب للعلماء، فكان يحضر مجالسهم، ويجلس في حلقهم للتبرك والسماع، وكان يواظب على الدرس لا يفوته الجلوس في الصف الأول، فجعل الشيخ يؤنسه، ويلطف به لما يرى من دوامه وتبكيره، ويسأل عنه إذا غاب، فشدَّ ذلك من عزمه، فاشترى الكتبَ يُحيي ليلَه في مطالعة الدرس، ويستعين على ذلك بالنابهين من الطلبة، وأستمر على ذلك دهرًا حتى أتقن علوم الآلة، وصار واحدَ زمانه في الفقه والأصول، وهو عاكف على مهنته لم يتركها؛ وصار الناس يأتونه في محلِّه يسألونه عن مشكلات المسائل، وعويصات الوقائع، فيجيبهم بما يعجز عنه فحولة العلماء، وانقطع الناس عن المفتي من آل العمادي، فساء ذلك العمادين وآلمهم، فترَّبصوا بالشيخ وأضمروا له الشرِّ، ولكنهم لم يجدوا إليه سبيلًا، فقد كان يحيا من عمله، ويحيا الناس بعلمه، وكان يمر كل يوم بدار العماديين في "القيمرية" وهو على أتانٍ (١) له بيضاء، فيسلِّم فيردون ﵇، فمر يومًا كما كان يمر، فوجد على الباب أخًا للمفتي، فردَّ ﵇، وقال له ساخرًا: - "إلى أين يا شيخ، أذاهبٌ أنت إلى اسطنبول لتأتي بوِلاية الإفتاء؟ " وضحك وضحك من حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال: - "إن شاء الله! " وسار في طريقه حتى إذا أبتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله، وأعطاهم نفقتهم، وسافر! وما زال يفارق بلدًا، ويستقبل بلدًا، حتى دخل القسطنطينية فنزل في خان قريب من دار المشيخة، وكان يجلس على الباب يطالع في

стр. 402

كتاب، أو يكتب في صحيفة، فيعرف الناس من زيِّه أنه عربي فيحترمونه ويُجِلُّونه، ولم يكن الترك قد جُنُّوا الجِنَة الكبرى بعدُ ... فكانوا يعظمون العربي، لأنه من أمة الرسول الأعظم الذي اهتدوا به، وصاروا به وبقومه ناسًا ... واتصلت أسباب الشيخ بأسباب طائفة منهم فكانوا يجلسون إليه يحدثونه، فقال له يومًا رجل منهم: - "إن السلطان سأل دار المشيخة عن قضية حيَّرت علماءها، ولم يجدوا لها جوابًا، والسلطان يستحثهم وهم حائرون، فهل لك في أن تراها لعلَّ الله يفتح عليك بالجواب؟ " قال: "نعم". قال: "سر معي إلى المشيخة". قال: "باسم الله". ودخلوا على ناموس المشيخة (سكرتيرها)، فسأله الشيخ إسماعيل عن المسألة فرفع رأسه فقلَّب بصره فيه بازدراء، ولم تكن هيئة الشيخ بالتي تُرضِي، ثم ألقاها إليه وانصرف إلى عمله، فأخرج الشيخ نظارته فوضعها على عينه فقرأ المسألة ثم أخرج من مِنطقته هذه الدواة النحاسية الطويلة التي كان يستعملها العلماء وطلبة العلم للكتابة وللدفاع عن النفس، فاستخرج منها قصبة فبراها، وأحذ المقطع فقطعها، وجلس يكتب الجواب بخط نسخي جميل حتى سوَّد عشر صفحات ما رجع في كلمة منها إلى كتاب، ودفعها إلى الناموس، ودفع إليه عنوان منزله وذهب، فلما حملها الناموس إلى شيخ الِإسلام وقرأها، كاد يقضي دهشة وسرورًا.

стр. 403

- وقال له: "ويحك! من كتب، هذا الجواب؟ ". - قال: "شيخ شامي من صفته كَيْتَ وكَيْتَ ... ". - قال: "عليَّ به". فدعوه وجعلوا يعلمونه كيف يسلِّم على شيخ الِإسلام، وأن عليه أن يشير بالتحية واضعًا يده على صدره، منحنيًّا، ثم يمشي متباطئًا حتى يقوم بين يديه ... إلى غير ذلك من هذه الأعمال الطويلة التي نسيها الشيخ، ولم يحفظ منها شيئًا. ودخل على شيخ الإسلام، فقال له: - "السلام عليكم ورحمة الله"، وذهب فجلس في أقرب المجالس إليه، وعجب الحاضرون من عمله، ولكن شيخ الِإسلام سُرَّ بهذه التحية الإسلامية، وأقبل عليه يسأله حتى قال له: - "سلني حاجتك؟ ". - قال: "إفتاء الشام وتدريس القبَّة". - قال: "هما لك، فاغْدُ علَيَّ غدًا! ". فلما كان من الغد ذهب إليه، فأعطاه فرمان التولية، وكيسًا فيه ألف دينار. وعاد الشيخ إلى دمشق فركب أتانه، ودار حتى مَرَّ بدار العماديين فإذا صاحبنا على الباب، فسخر منه كما سخِر، وقال: - "من أين يا شيخ؟ ". - فقال الشيخ: "من هنا، من اسطنبول، أتيت بتولية الإفتاء كما أمرتني". ثم ذهب إلى القصر فقابل الوالي بالفرمان، وسلَّم الشيخَ عمله في

стр. 404

حفلة حافلة. همم الرجالِ إذا مضت لم يثنِها ... خِدَعُ الثناء ولا عوادي (١) الذامِ (٢) * ومن هذا الباب قصة الشيخ "على كزبر"، وقد كان خياطًا في سوق المسكية على باب الجامع الأموي، فكان إذا فرغ من عمله ذهب فجلس في الحلقة التي تحت القبة فاستمع إلى الشيخ حتى يقوم فيلحق به فيخدمه، وكان الشيخ يعطف عليه لما يرى من خدمته إياه، فيشجعه ويحثه على القراءة، فقرأ ودأب على المطالعة، حتى صار يقرأ بين يدي الشيخ في الحلقة، ولبث على ذلك أمدًا وهو لا يفارق دكَّانه، ولا يدع عمله، حتى صار مقدمًا في كافة العلوم. فلما مات الشيخ حضر في الحلقة الوالي والأعيان والكبراء ليحضروا أول درس للمدرِّس الجديد، فافتقدوا المعيد فلم يجدوه، ففتشوا عليه فإذا هو في دكانه يخيط، فجاؤوا به، فقرأ الدرس، وشرحه شرحًا أُعجب به الحاضرون وطربوا له، فعيَّن مدِّرسًا، ولبث خمسة عشر عامًا يدرس تحت قبة النسر، وبقيت الخطبة في أحفاده إلى اليوم] (٣). ...

стр. 405

اغْتَنِم شَبَابكَ قَبلَ هَرَمِكَ الشَّباب هو زمن العمل، لأنه فترة قوة بين ضعفين، ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، فمن ثم قال رسول الله ﷺ : "اغتنم خمسًا قيل خمس: شبابك قبل هَرَمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" (١)، قال الإمام أحمد: "ما شبهتُ الشباب إلا بشيء كان في كُمِّي فسقط". إن الشباب هو وقت القدرة على الطاعة، وهو ضيف سريع الرحيل فإن لم يغتنمه العاقل تقطعت نفسه بعدُ حسرات: ما قلت للشباب: "في كنف اللهِ ولا حِفْظِه" غداةَ استقلاًّ ضيف زارنا أقام عندنا قليلًا ... سوَّد الصحف بالذنوب وولَّى فمِن ثَمَّ يسألُ اللهُ كلَّ عبد من عباده عن نعمة الشباب كيف صرَّفه، وبم أبلاه، قال ﷺ : "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه، حتى يُسأَل عن خمسٍ: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنققه؟ وماذا عمل فيما علم؟ " (٢). وعدَّ ﷺ في السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:

стр. 406

"شابًّا نشأ في عبادة الله" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: (ما آتى الله عبدًا علمًا إلا شابًّا، والخير كله في الشباب، ثم تلا قوله : ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾، وقوله تعالى: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾، وقوله تعالى: ﴿وآتيناه الحكم صبيًّا﴾. قالت حفصة بنت سيرين: "يا معشر الشباب اعملوا، فإنما العمل في الشباب﴾، وقال الأحنف بن قيس: "السودد مع السواد" (٢). وهل كان صحابة رسول الله ﷺ الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه إلا شبابًا؟! وهذا أسامة بن زيد ﵄ أمَّره ﷺ على الجيش وكان عمره ثماني عشرة سنة، وهذا عتَّاب بن أَسيد استعمله النبي ﷺ على مكة لما سار إلى حُنين وعمره نيف وعشرون سنة، إلى نماذج أخرى كثيرة لشباب أبلوا أحسن البلاء في حمل رسالة الإسلام، ونشر نوره في العالمين. * وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد رآه يمشي خلف بغلة الشافعي: "يا أبا عبد الله تركت حديث سفيان بعلوِّه، وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه؟ "، فقال له أحمد: "لو عرفت لكنت تمشي من الجانب الآخر، إنَّ علم سفيان إن فاتني بعُلُوٍّ أدركتُه بنزول، وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بِعُلُوٍّ ولا نزول". * قدم وفد على عمر بن عبد العزيز من العراق، فنظر إلى شاب

стр. 407

منهم يتحوَّز يريد الكلام، فقال عمر: "كبِّروا كبروا"، فقال الفتى: "يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنُّ منك"، قال: "صدقت، فتكلم". قال الشاعر في خلاف هذا المعنى: إنما الهُلْكُ أن يُساسوا بِغِرٍّ ... لم تُعِرْه الأيام رأيًا وثيقا * وحكى المسعودي في "شرح المقامات" أن المهدي لما دخل البصرة رأى إياس بن معاوية وهو صبي، وخلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة، وإياس يقدمهم، فقال المهدي: "أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث؟ "، ثم إن المهدي التفت إليه، وقال: "كم سنك يا فتى؟ "، فقال: سني -أطال الله بقاء الأمير-: سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولَّاه رسول الله ﷺ جيشًا فيهم أبو بكر وعمر"، فقال له: "تقدم بارك الله فيك". * وذكر الخطيب في "تاريخ بغداد": أن يحيى بن أكثم ولي قضاء البصرة وسِنُّه عشرون سنة أو نحوها، فاستصغروه، فقالوا: "كم سن القاضي؟ "، فقال: "أنا أكبر من عتَّاب بن أَسِيد الذي وجه به رسول الله ﷺ قاضيًا على أهل مكة يوم الفتح (١)، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به رسول ﷺ قاضيًا على أهل اليمن وأنا أكبر من كعب بن سويد الذي وجه به عمر بن الخطاب قاضيًا على البصرة، فجعل جوابَه احتجاجًا له. * وقال أبو اليقظان: ولَّى الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن

стр. 408

الحكم الثقفي قتال الأكراد بفارس، فأباد منهم، ثم ولَّاه السِّند فافتتح السند والهند، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر: إن السماحة والمروءة والندى ... لمحمد بن قاسم بن محمدِ قاد الجيوش لسبعَ عشرةَ حِجةً ... يا قرب ذلك سُوددًا من مولدِ! ويُروى: يا قرب ذلك سُورة من مولد، والسورة: المنزلة الرفيعة. * ولما جيء بـ "حطيط الزيات" إلى الحجاج قال له الحجاج: "أنت حطيط؟ "، قال: (نعم .. سل ما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال: "إن سئلت لأصدقن، وإن ابتُليت لأصبرن، وإن عوفيت لأشكرن"، فقال الحجاج: "فما تقول فيَّ؟ "، قال حطيط: "أقول: إنك من أعداء الله في الأرض، تنتهك المحارم، وتقتل بالظنة"، قال الحجاج: "فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟ " قال: "أقول: إنه أعظم جُرمًا منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه". فأمر الحجاج بتعذيبه، حتى انتهى به العذاب إلى أن يشقق له القصب، ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال، ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه، فما سمعوه يقول شيئًا، ولا بدا عليه جزع أو ضعف. فأخبر الحجاج بأمره، وأنه في الرمق الأخير، فقال: "أخرجوه فارموا به في السوق"، ووقف عليه رجل وهو بين الحياة والموت يسأله: "ألك حاجة؟ " فما كان من "حطيط" إلا أن قال: "ما

стр. 409

لي من حاجة في دنياكم إلا شربة ماء"، فأتوه بشربة شربها، ثم مات، وكان ابن ثماني عشرة سنة. * وولي عُبيد الله بن زياد خُراسان وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وليها لمعاوية ﵁ وولي معاذ اليمن وهو ابن أقل من ثلاثين سنة. وحمل أبو مسلم أمر الدولة والدعوة وهو ابن إحدى وعشرين سنة. وحمل الناسُ عن إبراهيم النخعى وهو ابن ثماني عشرة سنة. * ومات سيبويه إمام النحو، وحجة العرب، وله من العمر اثنتان وثلاثون سنة. قال البحتري: لا تنظرن إلى العباس من صِغَرٍ ... في السن، وانظر إلى المجد الذي شادا إن النجومَ نجومَ الأفق أصغرُها ... في العين أذهبُها في الجوِّ إصعادا إن الشباب هم الشريحة الفعالة في الأمة، وهم عمودها الفِقْرِيُّ، وجهازها العضلي، وروحها الحية، وطليعتها الوثابة، ولا يتصور نجاح دعوة أو حركة لا تقوم على حماس الشباب وقوته. ***

стр. 410

الفَصْل الخامِسْ أثر عُلُوّ الِهمَّةِ في إصْلَاحَ الفَرْدِ والأُمَّةِ قد لاح فيما مضى كيف أن الهمة العالية هي سُلَّم الرقي إلى الكمال الممكن في كل أبواب البر، لا سيما العلم والجهاد اللذان هما سبب ارتفاع الدرجات، فمن تحلَّى بها لان له كل صعب، واستطاع أن يعيد هذه الأمة إلى الحياة مهما ضمرت فيها معاني الإيمان، إذ إن "همم الرجال تزيل الجبال": همم الأحرار تحيي الرِّمَما ... نفخة الأبرار تحيي الأُمُمَا إن أصحاب الهمة العالية فحسب هم الذين يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى، وهم الذين يبدلون أفكار العالم، ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم (١)، ومن ثم فهم القلة التي تنقذ

стр. 411

الموقف، وهم الصفوة التي تباشر مهمة "الانتشال السريع" من وحل الوهن، ووهدة الإحباط. - قال الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى مبينًا أثر "علو الهمة": (يسمو هذا الخُلُقُ بصاحبه، فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور؛ فهو الذي ينهض بالضعيف يُضطهد، أو يُزدرى، فإذا هو عزيز كريم، وهو الذي يرفع القوم من سقوط، ويُبْدِلُهم بالخمول نباهة، وبالاضطهاد حرية، وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية. هذا الخلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملق خصمها، ... أما صغير الهمة فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة، فيذوب أمامهم رهبة، ويطرق إليهم رأسه حِطَّة، ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم، ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم .. ) اهـ (١). وفي جُنْحِ هذا الظلام الحالك والليل الأليل تكاد تفتقد أمتنا البدر المنير، وتترقب مجيء "رجل الساعة"، والمصلح المنتظر، ويحدوها الأمل في طلوع فجر قريب يؤذن ببعث المجدِّد المرتقب الذي بشر به الصادق المصدوق في قوله: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدد لها دينها" (٢).

стр. 412

وخَلُّوا ولاة السوء منكم وغيَّهم ... فَأحْرِ بهم أن يغرقوا حيث لَجَّجوا نَظَارِ (١) لكم أن يُرجِعَ الحَقَّ راجعٌ ... إلى أهله يومًا فتشجَوْا كما شَجُوا على حين لا عذرى لمعتذريكم ... ولا لكم من حجة الله مخرجُ لعل لهم في منطوى الغيب ثائرًا ... سيسمو لكم والصبح في الليل مولج بجيش تضيق الأرض عن زفراته ... له زجل ينغي (٢) الوحوش وهَزْمَج (٣) فيدرِكُ ثأرَ الله أنصارُ دينه ... ولِلهِ أوْس آخرونَ وخَزْرج ويقضي إمام الحق فيكم قضاءه ... تمامًا وما كل الحوامل تخدج (٤) وإني على الِإسلام منكم لخائف ... بوائق شتى بابها الآن مُرْتَج لعل قلوبًا قد أطلتم غليلها ... ستظفر منكم بالشفاء فتثلج فيا شباب الِإسلام: قد فتح باب الترشيح، فهيَّا تسابقوا إلى العلا، وتنافسوا في جنة عرضها السماوات والأرض، واختطوا لأنفسكم طريق المجد، فتالله ما ارتفع صوت الحادي يومًا لرفقة أولي صَمَم، ولا ارتفع الفلك الأعلى لغير أهل الشموخ والشَّمَم. ستعلم أمتنا أننا ... ركبنا الخطوب هُيامًا بها فإن نحن فُزْنا فيا طالما ... تَذِلُّ الصِّعابُ لطُلاَّبها وإن نَلْقَ حتفًا فقد قُدِّمتْ ... كؤوسُ المنايا لشُرَّابها فمن منكم ينتدب نفسه لهذه المهمة الجسيمة التي قال فيها المجدِّدُ العَلَمُ، والجبل الأشم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀: "إني

стр. 413

أعالج أمرًا لا يُعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصُح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينًا لا يرون الحقَّ غيرَه"؟! من منكم -ممن يعرف قدر نفسه بلا وَكْسٍ ولا شطط- يراها أهْلًا لهذه الوظيفة المقدسة؟ من منكم "يوسف" هذه الأحلام الذي يضرب صدره في ثقة وشموخ قائلًا: "أنا لها .. أنا لها"؟ فإن كنت -عن جدارة واستحقاق- حُزْتَ "مُسَوِّغات" هذا الترشيح، فامض على بصيرة، "ولا تلتفت إلى الوراء حتى يفتح الله عليك"، وحذار أن تغفل ولو "لحظة": لحظةً يا صاحبي إن تغفلِ ... ألفَ ميلٍ زاد بُعْدُ المنزلِ رام نقش الشوك حينًا رجلُ ... فاختفى عن ناظريه المحْمَلُ (١) وزاحم بكتفيك وساعديك قوافل العظماء المجددين من السلف والخلف، ولا تؤجل فـ (ليس من تأجيل، فإن مرور الزمن ليس من صالحك، وإن الطغيان كلما طال أمده، كلما تأصَّلت في نفوس المتميعين معاني الاستخذاء، ولا بد من مبادرة تنتشل، ما دام في الذين جرفهم التيار بقية عرق ينبض، وبذرة فطرة كامنة) (٢).

стр. 414

قد هيَّأوك لأمرٍ لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَل ولا يظننَّ ظانٌّ أن حديثنا عن علو همة أسلافنا العظام يعني الانطواء في الماضي وقطع الصلة بالحاضر والمستقبل، وإلا صرنا كالترجُمان الذي يتوقف أمام الآثار ويشيد بالماضي فحسب، دون أن يقدم شيئًا للحاضر بَلْهَ المستقبل. ولا يظننَّ ظانٌّ أننا بهذا الحديث عن علو همة السلف الصالح نرجع إلى الوراء في زمن تتسابق فيِه الأم نحو المستقبل، فإن اقتداءنا بخير أمة أخرجت للناس هو ترقّ وصعود وارتفاع إلى مستوى ذلك الجيل الفريد الذي لم تعرف البشرية له نظيرًا، وإن إبراز هذه النماذج الحية أقرب طريق إلى إيقاظ الهمم نحو إصلاح هذه الأمة التى لا يصلح آخِرها إلا بما صلح به أولها ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾، وباب المجد والمكرمات لم يزل مفتوحًا يرحب بكل راغب: إذا أعجبتك خصالُ امرئٍ ... فكُنْهُ يَكُنْ منه ما يُعجبكْ فليس لدى المجدِ والمكرُما ... تِ إذا جِئْتَها حاجبٌ يَحْجُبُكْ فيا من يروم ولوج هذا الباب واجه الحقائق، وتبصر موقع قدمك، ولا تفزع إلى انتظار خراب العالم على أمل أن ينهض المسلمون على أنقاضه، ولا تهرب إلى افتراض حصول خوارق للسنن التي لا تحابي من لا يحترمها، قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾، وتذكر يوم بدر حين (خرج الثلاثة من كفار قريش يطلبون المبارزة، فأخرج لهم النبي ﷺ ثلاثة من الأنصار، فقالوا: "والله لا نطعن في أحسابهم ولا أنسابهم، ولكن أخرج لنا أكفاءنا من قريش"، فأخرج لهم عليًّا وحمزة وأبا سفيان بن الحارث، فقتلوهم،

стр. 415

وكذلك الناس دومًا، تحب المكافأة حتى إذْ هم يُقتلون، والقرشية اليوم تتمثل في الصروح العلمية، والمجامع الأدبية، .. والمؤسسات الصحافية، والمعاهد السياسية، والدور الوثائقية، والشركات الصناعية، والقاعات المصرفية، وعلى دعاة الإسلام اليوم أن ينطلقوا منها للمبارزة) (١). هذا زمان لا توسُّط عنده ... يبغي المغامر عاليًا وجليلا كن سابقًا فيه أو ابق بمعزل ... ليس التوسط للنبوغ سبيلا وأنت أنت أيها المصلح المرتقب، والمجدد المنتظر، ستخرج إلى الحياة بإذن الله مهما حاول الفرعون أن يتقيك، ومهما وأد من الصبية كي يبدل وعد الله الذي لا يُخْلَف، قد تكون الآن كامنًا في ضمير الغيب، أو حقيقة في عالم الشهادة، قد تكون رضيعًا في المهد، أو لعلك نشءٌ تقرأ الآن هذه السطور: أنت نشءٌ وكلامي شُعَلٌ ... عَلَّ شدوي مُضْرِمٌ فيك حريقا ليس في قلبى إلا أن أرى ... قطرةً فيك غدت بحرًا عميقا لا عَرَى الروحَ هدوءٌ، ولتكن ... بحياة الكدِّ والكدح خليقا (٢) إن أمتك المسلمة تترقب منك جذبة "عُمَرِيِّة" توقد في قلبها مصباح الهمة في ديجور هذه الغفلة المدلهمة، وتنتظر منك صيحة "أيوبية" تغرس بذرة الأمل، في بيداء اليأس، وعلى قدر المئونة؛ تأتي من الله المعونة، فاستعن بالله ولا تعجز.

стр. 416

قد نهضنا للمعالي ومضى عنا الجمود ورسمناها خطًى للعِزِّ والنصر تقود فتقدم يا أخا الإسلام قد سار الجنود ومَضَوا للمجدِ إن المجدَ بالعزمِ يعود (١) قال تعالى: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد﴾، وقال رسول الله ﷺ : "مثل أمتي مثل المطر، لا يُدْرَى آخِرُه خير أم أوَّلُه" (٢)، وقال ﷺ : "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا، يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة (٣)، وقال ﷺ : "إن الله زَوَى لي الأرضَ، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلْكُها ما زُوِيَ لي منها" (٤)، وقال ﷺ : "ليبلغن هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يبقى بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعِزٍّ عزيزٍ، أو بذلِّ ذليل، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلامَ، وذُلاًّ يذل به الكفرَ" (٥). ولتكن هذه المبشرات مسك الختام، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. الإسكندرية في السابع من ربيع الآخر ١٤١٦هـ الموافق ٣ سبتمبر ١٩٩٥م