← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96278

علو الهمة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (416 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

جماعة التبليغ والدعوة؛ في أحد ركائز أسلوبهم التربوي والتعليمي ألا وهو ضرورة نزع المدعوِّ من بيئته، وغمسه -لفترة كافية- في بيئة أخرى، فيسهل تطبيع هذا التائب بغرس قيم ومفاهيم جديدة، مع تطهيره من القيم المراد نزعها من قلبه، وبصورة سلسة وتلقائية وفعالة، وتفسر الجماعة ذلك بمثال، فتقول: "إذا سقطت الجوهرة في مكان نجس فيحتاج ذلك إلى كثير من الماء حتى تُنَظَّف إذا صببناه عليها وهي في مكانها، ولكن إذا أخرجناها من مكانها سهل تنظيفها بالقليل من الماء" (١). * ومن أهم أسباب الارتقاء بالهمة: صحبة أولي الهمم العالية ، ومطالعة أخبارهم. فالطيور على أشكالها تقع، وكل قرين بالمقارن يقتدي، وإن العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، لأن رؤيتهم تذكره بالله ، وعن أنس ﵁ قال ﷺ : "إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر" (٢). وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ قال: "هم الذين يُذكَرُ الله لرؤيتهم" (٣).

стр. 352

ورُوي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: (كان الربيع بن خُثَيمِ إذا دخل على ابن مسعود لم يكن له إذن لأحد حتى يفرغ كُلُّ واحدٍ من صاحبه، فقال له ابن مسعود: "يا أبا يزيد، لو رآك رسولُ الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرتُ المخبتين"). وقالت العرب: "لولا الوئام لهلك الأنام" (١). وقال زين العابدين على بن الحسين بن علي ﵃: "إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه". أنت في الناس تقاس ... بالذي اخترتَ خليلا فاصحب الأخيار تعلو ... وتنل ذكرًا جميلا عن جعفر قال: (كنت إذا وجدت من قلبي قسوة، نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبتُ أن وجهه وجه ثكلى). وقال ابن المبارك: (إذا نظرتُ إلى "فضيل" جُدِّد في الحزن، ومقتُّ نفسي). وكان الإمام أحمد (إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق، أو اتباع للأمر: سأل عنه، وأحب أن يجرى بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله). ولأن التجريب قبل التقريب، كان الإمام أحمد ﵀ يدقق في اختيار من يقربه منه ويدنيه، وعُرف عنه ذلك، حتى قال فيه الشاعر:

стр. 353

ويُحْسِنُ في ذات الإله إذا رأى ... مصيمًا لأهل الحق لا يسأم البلا وإخوانه الأدنون: كل موفق ... بصيرٍ بأمر الله يسمو إلى العلا وحكى ابن القيم ﵀ بعض ما استفاده من ملاحظة شيخ الِإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: (وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، وما كان فيه من الحبس والتهديد والِإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة) (١) اهـ. وإذا أردت أن تلمس أثر الصحبة العالية الهمة في التسابق إلى الخيرات، فتأمل ما قاله محمد بن على السلمي ﵀: "قمت ليلة سحرًا لآخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا، ولم تدركني النوبة إلى العصر". وقال عليُّ بن الحسين بن شقيق: "قمت لأخرج مع ابن المبارك فِي ليلة باردة من السجد، فذاكرني عند الباب بحديث، أو ذاكرته، فمازلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح". وهذا الشاعر "محمد إقبال" يدعو الله أن يمنَّ عليه بصاحب عالي الهمة: هب نَجيًّا يا ولي النعمةِ ... محرمًا يدرك ما في فطرتي

стр. 354

هب نجيًّا لقنًا ذا جنة ... ليس بالدنيا له من صلة وقال أمير المؤمنين عمر ﵁: "ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرًا من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم وُدًّا من أخيه فليتمسك به". وقال الحسن البصري: "إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة". يقول الأستاذ الدكتور "خلدون الأحدب" حفظه الله: (وإذا نظرنا إلى أولئك الذين استفادوا من لحظات أعمارهم، وكان من نتاجهم وأثرهم ما يعجب أو يدهش، نجدهم لا يصاحبون إلا المجدِّين العاملين، والنابهين الأذكياء، الذين يحرصون على أوقاتهم حرصهم على حياتهم، لأن الزمن هو الحياة. وصحبة هؤلاء الأمجاد المجدِّين المتيقظين للدقائق والثواني، كان له عظيم الأثر في همَّة مثل الإمام ابن جرير الطبري وابن عقيل الحنبلي وابن عساكر الدمشقي وابن تيمية وابن القيم وابن النفيس والِمزِّيُّ والذهبي وابن حجر وأضرابهم في غزارة إنتاجهم وجدِّته. يقول الإمام ابن عقيل الحنبلي صاحب كتاب "الفنون" -الذي مَرَّ خيره من قبل (١) -: "وعصمني الله من عنفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطتُ لعَّابًا قط، ولا عاشرت إلَّا أمثالي من طلبة العلم". فالحريص الموفق الذي يروم المعالي، لا تراه إلا مع أهل العلم العاملين، وأولي الفضل والمجاهدة والحِكْمة والبصيرة، ليرشح عليه ما هم فيه أو بعضه، فيكون مثلهم أو قريبًا منهم.

стр. 355

إن صحبة هؤلاء تعلِّم منافسة الزمان. وصحبة البطَّالين تعلم تضييع الزمان. قال سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁: "اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله". فنعوذ بالله من صحبة البطَّالين) اهـ (١). وذكر الغزالي ﵀ أن من آداب المتأدب أن: (يحترز عن مجالسة صاحب السوء، ليُقصي ولاية شياطين الجن والإنس من صحن قلبه، فيصفى عن لوثة الشيطنة) (٢). إن من أقوى البواعث على ارتفاع الهمة أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة والعلم، فتلاحظ أقواله وتقتدي به، وكان بعضهم يقول: "كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع وإلى اجتهاده، فعملت على ذلك أسبوعًا". إلا أن هذا العلاج قد تعذر، إذ قد فُقِد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الأولين فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم ومطالعة أخبارهم (٣) وما كانوا فيه من الجهد الجهيد، وقد انقضى تعبهم، وبقى ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع.

стр. 356

ماتوا وغُيِّبَ في التراب شُخوصُهم ... والنَّشْرُ مِسْكٌ والِعظامُ رميمُ وينصح الإمام ابن الجوزي طالب العلم قائلًا: (فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم وعلوِّ هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة. وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية، فيقتدي بها المبتدي، ولا صاحبَ ورع فيستفيد منه الزاهد. فاللهَ اللهَ وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال: فاتني أن أرى الديارَ بطَرْفي ... فلعلي أرى الديار بسَمْعي). ثم بيَّن ﵀ ثمرة مطالعة كتب الأقدمين قائلًا: (فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم، وعباداتهم، وغرائب علومهم، ما لا يعرفه من لم يطالع) (١) اهـ. * ومنها: نصيحة المخلصين: فقد قال ﷺ : " (إن الدينَ النصيحةُ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (٢) - وقد يكون هذا الناصح الأمين أبًا شفيقًا: قال سفيان بن عيينة: (قال لي أبي -وقد بلغت خمس عشرة سنة-: "إنه قد انقضت عنك شرائع الصبا، فاتبع الخير تكن من أهله"، فجعلت وصية أبي قِبْلَة أميل إليها، ولا أميل عنها). - وقد يكون أمًّا رحيمة:

стр. 357

فهذه أسماء ذات النطاقين توصي ابنها عبد الله بن الزبير لما استنصحها: (الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه فامض عليه، ولا تُمَكِّنْ من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت: "إني كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي"، فليس هذا فعل الأحرار ولا مَن فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير، والله لضربة بالسيف في عِزٍّ أحبُّ إليَّ من ضربة بالسوط في ذل)، فقال: "يا أماه! أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني"، قالت: "يا بني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله". - وقد يكون الناصح الأمين زوجة تحضه على الخير، وترقِّي همته، كامرأة حبيب أبي محمد التي انتبهت ليلة، وهو نائم، فأنبهته في السحر، وقالت: "قم يا رجل فقد ذهب الليل، وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد، وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قُدَّامنا، ونحن قد بقينا"، أو كالزوجة الصالحة العاقلة الذكية الدَّيِّنة "مَوْضِي بنت أبي وهطان" زوجة الأمر محمد بن سعود ﵀، والتي كان لنصيحتها أكبر الأثر في نصرة أعظم حركة تجديدية شهدتها الأمة منذ أوائل القرن الثاني عشر الهجري حتى يومنا هذا، فإنها هي التي حثت زوجها على مناصرة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وشَدِّ أزره، وإشهارِ سيفه من غمده نصرةً لدعوة التوحيد. - وقد يكون الناصح الأمين رجلًا من عوام المسلمين: قال الإمام أحمد في وصف محنته: (صرنا إلى الرحبة، ورحلنا منها

стр. 358

في جوف الليل، فعرض لنا رجل، فقال: "أيكم أحمد بن حنبل؟ "، فقيل له: "هذا"، فقال للجمال: "على رِسْلِك"، ثم قال: "يا هذا، ما عليك أنْ تُقتل ها هنا، وتدخل الجنة؟ "، ثم قال: "أستودعك الله"، ومضى، فسألت عنه، فقيل لي: (هذا رجل من العرب، من ربيعة، يعمل الصوف في البادية، يُقال له: "جابر بن عامر" يُذكَر بخير) (١). وقال الإمام أحمد ﵀: (ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلَّمني بها في "رحبة طوق" (٢)، قال: "يا أحمد! إن يقتلك الحق مُتَّ شهيدًا، وإن عِشْتَ عِشْتَ حميدًا"، فقوي قلبي) (٣). وحكى الحافظ ابن كثير ﵀ (أن أعرابيًّا نصح الإمام أحمد في المحنة، فقال: (يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، وأنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه، فيجيبوا؛ فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله، فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تُقْتَلَ"، قال الإمام أحمد: "وكان كلامه مما قوَّى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عن ذلك الذي يدعونني إليه") (٣). وما أحسن ما كتب رجل أسره الصليبيون في بيت المقدس من أبيات على لسان المسجد الأقصى يخاطب صلاح الدين الأيوبيَّ رحمه الله تعالى:

стр. 359

يا أيها الملك الذي ... لمعالم الصُّلبانِ نكَّسْ جاءت إليك ظُلامةٌ (١) ... تسعى من البيت المقدَّسْ كُلُّ المساجد طُهِّرَتْ ... وأنا -على شرفي- مُنَجَّسْ - أما نصائح العلماء فلا تسل عن حسنها وعميق أثرها في انبعاث الهمة: (سيق الإمام أحمد إلى المأمون مقيدًا بالأغلال، وقد توعده وعيدًا شديدًا قبل أن يصل إليه، حتى قال الخادم للإمام أحمد: "يَعُزُّ عَليَّ يا أبا عبد الله، أن المأمون قد سَلَّ سيفًا لم يسلَّه قبل ذلك، وأنه يُقسم بقرابته من رسول الله ﷺ ؛ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف" (٢)، فانبري أبو جعفر الأنباري يشد أزر الإمام، قال ﵀: (لما حُمِل أحمد إلى المأمون أخبرتُ، فعبرتُ الفرات، فإذا هو جالسٌ في الخان، فسلمت عليه، فقال: "يا أبا جعفر! تعنَّيْتَ"، فقلت: "يا هذا، أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبتَ إلى خلق القرآن ليُجيبنَّ خَلْقٌ، وإن لم تُجِب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك، فإنك تموت، لابد من الموت، فاتق الله ولا تجب"، فجعل أحمد يبكي، ويقول: "ما شاء الله! "، ثم قال: "يا أبا جعفر، أعِدْ"، فأعدتُ عليه وهو يقول: "ما شاء الله! ") (٣). وقال الإمام أحمد ﵀ واصفًا حال رفيقه في المحنة: (ما رأيت أحدًا -على حداثة سنه، وقَدر علمه- أقومَ بأمر الله من محمد بن

стр. 360

نوح، إني لأرجو أن يكون قد خُتِم له بخير، قال لي ذات يوم: "يا أبا عبد الله! اللهَ اللهَ، إنك لست مثلي؛ أنت رجل يُقتدى بك، قد مَدَّ الخلق أعناقهم إليك؛ لما يكون منك، فاتق الله، واثبت لأمر الله"، فمات، وصليت عليه، ودفنته) (١). بل إن من لم يتصل مباشرة بالِإمام كان معه بوجدانه، يتحسر لعدم مشاركته إياه العذاب والآلام: (قيل لبشر بن الحارث الحافي يوم عُذِّب الِإمام أحمد: "قد ضُرِب أحمد بن حنبل إلى الساعة سبعة عشر سوطًا،، فمدَّ بشر رجله، وجعل ينظر إلى ساقيه، ويقول: "ما أقبح هذا الساق أن لا يكون القيد فيه نصرة لهذا الرجل! ") (٢). وقال الذهبي: إن الحافظ القاسم بن محمد البِرْزالي ﵀ (هو الذي حبَّب إليَّ طلب الحديث، فإنه رأى خَطِّي، فقال: "خطك يُشبه خَطَّ المحدثين"، فأثر قوله فيَّ، وسمعت منه، وتخرَّجْت به في أشياء). * ومن أسباب الارتقاء بالهمة: المبادرة والمداومة والمثابرة في كل الظروف ، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾، وقال : ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾، وقال سبحانه: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. فكبير الهمة لا يستنيم للأمر الواقع، بل يبادر ويبادئ في أقسى الظروف حماية لهمته من أن تهمد، ووقاية لها من أن تضمر، واستثمارًا

стр. 361

لأول فرصة متاحة: ليس في كل حال وأوانِ ... تتهيا صنائع الإحسانِ فإذا أمكنت فبادِرْ إليها ... حَذَرًا من تعذر الإمكانِ ومن أخَّرَ الفرصة عن وقتها، فليكن على ثقة من فوتها: إذا هبَّت رياحك فاغتنمها ... فعقبى كل خافقة سكون ولنا في رسول الله ﷺ أحسن الأسوة، فإنه لما خرج مهاجرًا إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁ لقيا في طريق الهجرة بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا (١)، فلم يشغله مطاردة قريش إياه عن واجب الدعوة إلي الله. وهذا يوسف الصديق ﵇ يبادر إلى استثمار الفرصة فيغتنم سؤال السجينين عن رؤياهما ليبث إليهما دعوة التوحيد من وراء الأسوار: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار﴾ الآيات. وأملى شمس الأئمة السَّرَخْسِي كتابه "المبسوط" نحو خمسة عشر مجلدًا، وهو في السجن بـ "أوزجند"، كان محبوسًا فِي الجُبِّ بسبب كلمة نصح بها الخاقان، وكان يملي من خاطره من غير مطالعة كتاب وهو في الجبِّ، وأصحابه في أعلى الجب، وقال عند فراغه من شرح العبادات: "هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني وأوجز العبارات، إملاء المحبوس عن الجمع والجماعات". وقال في آخر شرح الإقرار: "انتهى شرح الإقرار المشتمل من المعاني

стр. 362

على ما هو من الأسرار، إملاء المحبوس في محبس الأشرار". وله كتاب في "أصول الفقه"، وشرح "السير الكبير" أملاه وهو فِي الجبِّ، ولما وصل إلى باب الشروط حصل له الفرج فأُطلق، فخرج في آخر عمره إلى "فرْغانة" فأنزله الأمير "حسن" بمنزله، ووصل إليه الطلبة، فأكمل الِإملاء (١). وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يكتب فتاواه وهو سجين ويرسلها إلى تلاميذه، ولما أصدر السلطان أمرًا بإخراج ما عنده من الكتب والأقلام والأوراق، ظل يكتب فتاواه ورسائله بالفحم، وعلى جدار السجن. ...

стр. 363

الفَصْل الرابع أطفَالنَا ... وَعلُوّ الهِمَّةِ الأطفال هم المستقبل: وهذا الشعار حقيقة لا مجاز، واقعٌ لا خيال، فمِن ثَمَّ ينبغي أن يُصرف الهمُّ الأكبر إلى تهيئتهم ليكونوا مؤتمنين على مستقبل أمة الإسلام، وينبغي أن نتخلى عن نظرتنا إلى هؤلاء البراعم على أنهم لُعبة ملهية نتسلَّى بها، وننسى أن تربية الأطفال تبدأ مبكرًا جدًّا: قال الأستاذ محمد الصباغ حفظه الله: (سمعت من الأستاذ مالك بن نبي ﵀ أن رجلًا جاء يسترشده لتربية ابن له، أو بنت وُلِدت حديثًا، فسأله: "كم عمرها؟ "، قال: "شهر"، قال: "فاتك القطار"، وقال: "كنت أظن في بادئ الأمر أني مبالغ، ثم عندما نظرت، وجدت أن ما قلته الحق، وذلك أن الولد يبكي فتعطيه أمُّه الثدي، فينطبع في نفسه أن الصراخ هو الوسيلة إلى الوصول إلى ما يريد، ويكبر على هذا، فإذا ضربه اليهود بكى في مجلس الأمن. ... يظن أن البكاء والصراخ يوصِّله إلى حقه") (١) اهـ. فينبغي على المصلحين أن يصرفوا قدرًا عظيمًا من الجهد في توجيه الآباء إلى الأساليب العلمية الصحيحة لتربية أولادهم في شتى مراحل نموهم،

стр. 364

كي يشبوا أصحاء نفسيًّا، وإلا فما أفدح الخسائر التي تتكبدها الأمة إذا هي أهملت تربية أبنائها! وأول قلعة يتحصن بها الطفل هي الأسرة، أقوى مؤسسة تربوية على الِإطلاق، والوالدان بصفة خاصة، قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: "والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمَه نشأ عليه، وسَعِدَ في الدنيا والآخرة، وإن عُوِّد الشر، وأُهمِلَ إهمالَ البهائم شقي وهلك. ... وصيانته بأن يؤدِّبَه، ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق ... "، وقال الِإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى: "وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد، رأيت عامته من قبل الآباء". وفي هذا أنزل الله تعالى آية من كتابه تتلى في المحاريب إلى آخر الزمن، قال : ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾، قال أمير المؤمنين على ﵁: "علِّموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدِّبوهم". وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيَّعه؟ حتى يَسأل الرجل عن أهل بيته" (١). وعن معمَل بن يسار ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ما

стр. 365

من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يَحُطْها بنصحه، إلا لم يجد رائحة الجنة" (١). وما أحسن ما قال بعضهم: وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى حِجّى، ولكن ... يعوِّده التديُّن أقربوه ورحم الله من قال: قد ينفع الأدبُ الأولاد في صغر ... وليس ينفعهم من بعده أدب إن الغصون إذا عدَّلتها اعتدلت ... ولا يلين ولو ليَّنْتَه الخشب وقال ابن خلدون: "التعليم في الصغر أشد رسوخًا، وهو أصل لما بعده" (٢). ويتأكد الاهتمام بهذه التربية في زماننا الذي تتناوش فيها أطفالنا وأبناءنا فتن من كل صوب، يذكي لهيبها دعاة على أبواب جهنم، من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، همهم كل همهم أن يخرجوا من أصلابنا أجيالًا من الملاحدة الذين يرضون بالعالمانية ربًّا، ودينًا، ومنهاج حياة، فإن لم يتدارك الآباء أبناءهم بالتربية الإسلامية القويمة؛ افترستهم العالمانية

стр. 366

الملحدة، وضمتهم إلى صفوفها ليحاربوا الله ورسوله والمؤمنين كما هو مشاهد في البلدان التي سبقت إلى اعتناق هذا الدين "اللاديني" المخرِّب. ومن رعى غنمًا في أرض مَسْبَعة (١) ... ونام عنها؛ تولى رعيها الأسَدُ لقد اشتد حرص السلف على مباشرة هذه المهمة الجسيمة، حتى أن المنصور بعث إلى مَن في الحبس من بني أمية، يقول لهم: "ما أشدُّ ما مَرَّ بكم في هذا المحبس؟ "، فقالوا: "ما فقدنا من تربية أولادنا". واشتد نكيرهم على مَن يصرف همه إلى الكبار فقط، ويهمل الصغار، وما ذاك إلا لأن الأمة محتاجة إليهم، وهم الأعمدة التي تبنى لتحمل ثقل البناء فيما بعد: قال عمرو بن العاص لحلقة قد جلسوا إلى جانب الكعبة، فلما قضى طوافه جلس إليهم وقد نحوا الفتيان عن مجلسهم، فقال: "لا تفعلوا! أوسعوا لهم، وأدنوهم، وألهموهم، فإنهم اليوم صغار قوم يوشك أن يكونوا كبار قوم آخرين، قد كنا صغار قومٍ أصبحنا كبار آخرين". وقد علق الإمام ابن مُفلح ﵀ على هذه العبارة قائلًا: "وهذا صحيح لا شك فيه، والعلم في الصغر أثبت، فينبغي الاعتناء بصغار الطلبة لا سيما الأذكياء المتيقظين الحريصين على أخذ العلم، فلا ينبغي أن يجعل على ذلك صغرهم أو فقرهم وضعفهم مانعًا من مراعاتهم والاعتناء بهم" (٢). وكان الإمام الشاشي محمد بن الحسين الفقيه الشافعي ﵀ ينشد: تعلم يا فتى والعود رطب ... وطينك لَيْنٌ والطبع قابل

стр. 367

ذُو الهِمَّة العَالِية لَا يخْفَى مِنْ زمَانِ الصِّبَا تظهر علامات النجابة ومخايل العبقرية في الصغر، حتى لا يكاد يشك ذو فراسة إيمانية صادقة في صيرورة صاحبها إلى تسنم ذرا العلا، والتربع على قمة المجد، والإرتقاء إلى منصب الإمامة. ولقد اهتم المسلمون بالاجتهاد في الاكتشاف المبكر للنابغين، ووضعوا لذلك معايير دقيقة، وأوْلَوُا الصغار الذين توسَّموا فيهم النجابة رعاية خاصة ترقبًا لما تفرسوه فيهم من الصدارة. قال الإمام ابن الجوزي ﵀: (تأملت الذين يختارهم الحق لوَلايته والقرب منه، فقد سمعنا أوصافهم ومن نظنه منهم، ممن رأيناه. فوجدته سبحانه لا يختار إلا شخصًا كامل الصورة، لا عيب في صورته، ولا نقص في خلقته، فتراه حسن الوجه، معتدل القامة، سليمًا من آفة في بدنه، ثم يكون كاملًا في باطنه، سخيًّا جوادًا، عاقلًا، غير خِبٌّ ولا خادع، ولا حقود ولا حسود، ولا فيه عيب من عيوب الباطن. فذاك الذي يربيه من صغره، فتراه في الطفولة معتزلًا عن الصبيان، كأنه في الصبا شيخ، ينبو عن الرذائل، ويفزع من النقائص، ثم لا تزال شجرة همته تنمو حتى يرى ثمرها متهدِّلًا على أغصان الشباب، فهو

стр. 368

حريص على العلم، منكمش على العمل، حافظ للزمان، مراعٍ للأوقات، ساعٍ في طلب الفضائل، خائف من النقائص. ولو رأيت التوفيق والإلهام الرباني يحوطه، لرأيت كيف يأخذ بيده إن عثر، ويمنعه من الخطإ إن همَّ، ويستخدمه في الفضائل، ويستر عمله عنه حتى لا يراه منه) (١) اهـ. * عن محمد بن الضحاك أن عبد الملك بن مروان قال لرأس جالوت أو لابن رأس جالوت: "ما عندكم من الفِراسة في الصبيان؟ "، قال: "ما عندنا فيهم شيء، لأنهم يُخلَقون خلقًا بعد خلق، غير أنا نرمُقهم، فإن سمعنا منهم من يقول في لعبه: "من يكون معي؟ " رأيناه ذا همة وحُنُوٍّ صَدَقَ فيه، وإن سمعناه يقول: "مع من أكون؟ " كرهناها منه، فكان أولُ ما عُلِم من ابن الزبير أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان، وهو صبيٌّ، فمرَّ رجل فصاح عليهم، ففروا، ومشى ابن الزبير القهقرى، وقال: "يا صبيان اجعلوني أميركَم، وشُدُّوا بنا عليه". وَمرَّ به عمر بن الخطاب ﵁ وهو صبي يلعب مع الصبيان فَفَرُّوا ووقف، فقال له: "ما لك لم تَفرَّ مع أصحابك؟ "، قال: "يا أمير المؤمنين! لم أجْرِم فأخاف، ولم تكن الطريق ضيقة، فأوسِّع لك". فمثل هذه الشخصية "الواعدة" أحق بقول القائل: رُفِعَتْ إليكَ وما ثُغِرْ ... تَ (٢) عيونُ مستمعٍ وناظرْ

стр. 369

ورأوا عليك ومنك فى الـ ... ـمهد النُّهى ذات البصائر * ونظر الحطيئة إلى ابن عباس يتكلم في مجلس عمر، فقال: "من هذا الذي نزل عن الناس في سنه، وعَلَاهم في قوله؟ "، فقال ابن مسعود: "لو بلغ أسناننا ما عَشَّره (١) منا رجل". * ورأى بُكَير بن الأخنس المُهَلَّبَ (٢)، وهو غلام، فقال: خذوني به إن لم يَسُدْ سَرَواتِهم ... ويبرع حتى لا يكون له مِثْلُ * وقال حمزة بن بيض لخلَّد بن يزيد بن المهلَّب: بلغت لعشر مضت من سِنيـ ... ـك ما يبلغ السيد الأشيبُ فهمُّك فيها جِسام الأمور ... وهَمُّ لِدَاتِك (٣) أن يلعبوا * ونظر رجل إلى أبي دُلَف في مجلس المأمون، فقال: "إن همته ترمي به وراء سِنِّه". * قال يحيى بن أيِوب العابد: حدثنا أبو المثنى قال: (سمعتُهم بمَرْو يقولون: "قد جاء الثوريُّ، قد جاء الثوريُّ"، فخرجت أنظر إليه، فإذا هو غلام قد بَقَلَ (٤) وجهُه). قال الذهبي: "كان يُنَوَّهُ بذِكره في صغره من أجل فرط ذكائه

стр. 370

وحفظه، وحدَّث وهو شاب". وقال ابن مهدي: رأى أبو إسحاق السَّبيعُّي سفيان الثوريَّ مُقبلًا، فقال: ﴿وآتيناه الحكم صبيًّا﴾. * وكان البخاري ذكيًّا سريع الحفظ، فقد حفظ سبعين ألف حديث وهو صغير، وكان ينظر إلى الكتاب، فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة، قال محمد بن حاتم: (كنت أختلف أنا والبخاري -وهو غلام- إلى الكُتَّاب، فيسمع، ولا يكتب، حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له يكتب مثلنا، فلما بلغ ما كتبناه خمسة عشر ألف حديث طلب منا أن نسمعها منه، وقرأها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نحكم كتبنا على حفظه). * وروى الذهبي عن محمد بن أبي حاتم قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول: (وكنت أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي، فإذا جئت أستحيي أن أُسلم عليهم، فقال لي مؤدب من أهلها: "كم كتبتَ اليوم؟ "، فقلت: "اثنين" -وأردت بذلك: حديثين- فضحك من حضر المجلس، فقال شيخ منهم: "لا تضحكوا! فلعله يضحك منكم يومًا"). وقال بكر بن منير: سمعت البخاري يقول: (كنت عند أبي حفص أحمد بن حفص، أسمع كتاب "الجامع" لسفيان الثوري، من كتاب والدي، فمرَّ أبو حفص على حرف ولم يكن عندي ما ذكر، فراجعته، فقال الثانية والثالثة، فراجعته فسكت، ثم قال: "من هذا؟ " قالوا: "ابن إسماعيل"، فقال: "هو كما قال، واحفظوا أن هذا يصير يومًا رجلًا").

стр. 371

* وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله تعالى: (كنت يتيمًا في حجر أمي، فدفعتني إلى الكُتَّاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما جمعتُ القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث والمسألة فأحفظها، فلم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به القراطيس، فكنت أنظر إلى العظم فآخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جَرَّة، فاجتمع عندي حُبَّان) (١). وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: (كنت وأنا في الكتاب أسمع المعلم يلقِّن الصبي الآية، فأحفظها أنا، ولقد كان الصبيان يكتبون إملاءهم، فإلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم كنت قد حفظت جميع ما أملي، فقال لي ذات يوم: "ما يحل لي أن آخذ منك شيئًا"). قال: (ثم لما أن خرجت من الكتاب كنت ألتقط الخزف، والرقوق (٢)، وكَرَبَ (٣) النخل، وأكتاف الجمال، أكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين، وأستوهب منها الظهور، فأكتب فيها، حتى كان لأمي حُبان، فملأتهما أكتافًا) اهـ. * وحفظ الإمام أحمد بن حنبل القرآن في صباه وتعلم القراءة والكتابة، ثم اتجه إلى الديوان يمرن على التحرير، ويقول عن نفسه: "كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتَّاب، ثم اختلفت إلى الديوان وأنا ابن أربعَ عشرةَ سنة"، وكانت نشأته فيها آثار النبوغ والرشد حتى قال

стр. 372

بعض الآباء: "وأنا أنفق على ولدي وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحوق، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، انظروا كيف!! " وجعل يعجب من أدبه وحسن طريقته. وكان عمه يرسل إلى بعض الولاة بأحوال بغداد ليعلم بها الخليفة، وقد أرسلها مرة مع ابن أخيه أحمد بن حنبل فتورع عن ذلك ورمى بها في الماء تأثمًا من الوشاية والتسبب لما عسى أن يكون فيه ضرر بالمسلمين، وقد لفت هذا الورع وهذه النجابة كثيرًا من أهل العلم والفراسات حتى قال الهيثم بن جميل: "إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه". * وقال الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة ﵀: (بلغني أن بعض مشايخ حلب قدم إلى دمشق، وقال: "سمعت أن في هذه البلاد صبيًّا يقال له: أحمد بن تيمية سريع الحفظ، وقد جئت قاصدًا لعلي أراه"، فقال له خياط: "هذه طريق كُتَّابه، وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا الساعة يمر ذاهبًا إلى الكُتَّاب"، فلما مر قيل: "ها هو الذي معه اللوح الكبير"، فناداه الشيخ، وأخذ منه اللوح، وكتب له من متون الحديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثًا، وقال له: "اقرأ هذا"، فلم يزد على أن نظر فيه مرة بعد كتابته إياه، ثم قال: "اسمعه عليَّ"، فقرأه عليه عرضًا كأحسن ما يكون، ثم كتب عدة أسانيد انتخبها، فنظر فيه كما فعل أول مرة فحفظها، فقام الشيخ، وهو يقول: "إن عاش هذا الصبي ليكوننَّ له شأن عظيم، فإن هذا لم يُرَ مثله"، فكان كما قال) (١) اهـ.

стр. 373

سِيمَاهُم في كَلاَمِهِم كَمَا هِيَ في وجُوهِهِمُ وربما أنطق الله سبحانه الغلامَ الحدثَ بما يعجز عنه فطاحلُ الأدباء، فيصير ذلك علامةً كاشفة لما أودع الله بين جنبيه من الحكمة، وما متَّعه به من الذكاء: * وقد رُوي عن معمر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتيناه الحكم صبيًّا﴾ أن الصبيان قالوا ليحيى: "اذهب بنا نلعب"؛ فقال: "ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ" (١). * وقال الشيخ يسين بن يوسف المُرَّاكشي: (رأيت الشيخ (٢) -وهو ابن عشر سنين- بنوى، والصبيان يُكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكى لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، قال: فوقع في قلبي محبته، وجعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت الذى يقرئه القرآن توصية به، وقلت له: "هذا الصبي يُرجَى أن يكون أعلم أهل زمانه، وأزهدهم، وينتفع الناس به"، فقال لي: "أمنجم أنت؟ "، فقلت: "لا، وإنما أنطقني الله بذلك"، فذكر ذلك لوالده، فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام) (٣).

стр. 374

* تقدم إياس بن معاوية (١) وهو صبي إلى قاضي دمشق، ومعه شيخ، فقال: "أصلح الله القاضي، هذا الشيخ ظلمني، واعتدى عليَّ، وأخذ مالي"، فقال القاضي: "ارفِق به، ولا تستقبل الشيخ بهذا الكلام"، فقال إياس: "أصلح الله القاضي، إن الحقَّ أكبر مني ومنه ومنك"، قال: "اسكت"، قال: "إن سَكَتُّ فمن يقوم بحجتي؟ "، قال: "تكلم فوالله ما تتكلم بخير"، فقال: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له"، فرفع صاحبُ الخبر هذا الخبر إلى الخليفة، فعزل القاضي، وولَّى إياس مكانه. وأُدخل على الرشيد صبي له أربع سنين، فقال له: "ما تحب أن أهب لك؟ " قال: "حُسْنَ رأيك". * وحكى ابن الجوزي أن المعتصم ركب إلى خاقان يعوده، والفتحُ صبي يومئذ، فقال له المعتصم: "أيُّما أحسنُ: دارُ أمير المؤمنين أو دار أبيك؟ " قال: "إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي، فدارُ أبي أحسن"، فأراه فصًّا في يده، فقال: "هل رأيت يا فتحُ أحسنَ من هذا الفصِّ؟ " قال: "نعم، اليدُ التي هو فيها". * ومر "الحارث المحاسبي" وهو صبي بصبيان يلعبون على باب رجل تَمَّار، فوقف الحارث ينظر إلى لعبهم، وخرج صاحب الدار ومعه تمرات، فقال للحارث: "كل هذه التمرات"، قال الحارث: "ما خبرك فيها؟ "، قال: "إني بعتُ الساعة تمرًا من رجل فسقطت من

стр. 375

تمره"، فقال: "أتعرفه؟ "، قال: "نعم"، فالتفت الحارث إلى الصبيان يلعبون، وقال: "أهذا الشيخ مسلم؟ " قالوا: "نعم"، فمرَّ وتركه، فتبعه التمار حتى قبض عليه، وقال له: "والله ما تنفلت من يدي حتى تقول لي ما في نفسك مني"، فقال: "يا شيخ! إن كنت مسلمًا. فاطلب صاحب التمرات حتى تتخلص من تبعته كما تطلب الماء إذا كنت عطشانَ شديد العطش، يا شيخ! تطعم أولاد المسلمين السخت وأنت مسلم؟ "، فقال الشيخ: "والله لا اتجرت للدنيا أبدًا". * وقال عبد الرحمن بن محمد صاحب كتاب "صفة الأولياء": حدثني محمد بن إبراهيم النيسابوري بإسناده أن فتحًا الموْصِلي ﵀ قال: (خرجت أريد الحج، فلما توسطتُ البادية إذا غلام صغير لم تجر عليه الأحكام، فقلت له: "إلى أين؟ "، فقال: "إلى بيت ربى"، قلت: "إنك صغير لم تجر عليك الأحكام"، فقال: "لقد رأيتُ أصغر مني مات"، فقلتُ: "إن خَطْوَكَ قصير"، قال: "عليَّ الخَطْوُ، وعليه التبليغُ إن شاء، ألم تسمع قولَهُ تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنَا﴾؟ " قلتُ: "لا أرى معك زادًا"، قال: "زادي في قلبي اليقين، حيثما كنتُ أيقنت أن الله يرزقُني"، قلت: "إنما أردتُ أنك تتزود الخبز والماء"، قال: "ما اسمُك؟ "، قلتُ: "فتحٌ"، قال: "يا فتح، أسألك"، قلت: "سَلْ"، قال: "أرأيت لو أن أخًا لك من أهل الدنيا دعاك إلى منزله، أما كنت تستحي أن تحمل معك طعامًا لتأكله في منزله؟ "، قلت: "بلى"، قال: "فإن مولاي دعاني إلى بيته، فهو يطيعمني ويسقيني"، قال فتح:

стр. 376

"فجعلتُ أعجبُ من أمرِه، وبيانِهِ، وزهدِه، مع صِغَرِ سِنِّه"). * وروى أيضًا صاحب: "صفة الأولياء، ومراتب الأصفياء" بإسناده قال: ذَكر "سَهْلٌ" اللهَ، وهو ابنُ ثلاث سنين، وصام وهو ابن خمس سنين حتى مات، وساح في طلب العلم وهو ابن تسع سنين، وكانت تُلقى مشكلاتُ المسائل على العلماء، ثم لا يوجَدُ جوابُها إلَّا عنده، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وحينئذ ظهرت عليه الكرامات". وقال حجة الدين محمد بن ظفر (ت ٥٦٧) في "أنباء نجباء الأبناء": (وبلغني أن أبا محمدٍ سهلًا حفظ القرآن وهو ابن ست سنين، وكان يُفتي في مسائل الزهد والورع، ومقاماتِ الإرادات وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ولما بلغ ثلاث عشرة سنة عَرَضَتْ له مسألةٌ فلم يجدْ بتُسْتَرَ من يجيبه عنها فقال لأهله: "جهزوني إلى البصرة"، فلم يجدْ بالبصرِة من يستفتيه، فذُكِر له حمزة بنُ عبد الله بعبْدَانَ فقصدها، ولقي حمزةَ فوجد عنده ما يريد وصحبه). * وقال صاحب "أنباء نجباء الأبناء": (بلغني أن أبا الحسين أحمد بن محمد المدعوَّ بالنوريِّ لما قرأ القرآن الكريم ألزمه أبوه أن يكون معه في حانوته، فكان إذا أصبح أخذ روزمانجاً ودواة، وذهب يسأل عما جهل من كتاب الله تعالى، ويكتب ما يقال له، ثم يأتي أباه، وإذا بعثه في حاجة أخذ ألواحه ودواةً، فيسأل من مرَّ به من أهل العلم، فإذا غاب يزجره أبوه لغيبته، ويتهدده، وربما ضرب على ذلك أحيانًا، وتكرر ذلك، فقال له أبوه: "ليت شعرى يا بني ما تريد بعلمك هذا؟ "، قال: "أريد أن أعرف الله تعالى، وأتعرف إليه"، فقال:

стр. 377

"كيف تعرفه؟ "، قال: "أعرفه بتفهم أمرِه ونهيه"، قال: "وكيف تتعرف إليه؟ " قال: "أتعرَّف إليه بالعمل بما علَّمني"، قال أبوه: "يا بني! لا أعرضُ لك في أمرك هذا ما بقيت". * وقال على بن الجعد: أخبرني أبو يوسف قال: (تُوُفِّي أبي: إبراهيمُ بن حبيب، وخلَّفني صغيرًا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قَصَّارٍ (١) أخدمه، فكنت أدَعُ القصَّار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أستمع، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة، فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصَّار، وكان أبو حنيفة يُعنَى بي لما يَرَى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثَرُ ذلك على أمي، وطال عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: "ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبيٌّ يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مِغزلي! وآمُلُ أن يكسب دانقًا يعودُ به على نفسه"، فقال لها أبو حنيفة: "مُرِّى يا رَعْنَاء، هو ذا يتعلَّم أكلَ الفالُوذَج بُدهْن الفُسْتَق"، فانصرفت عنه وقالت له: "أنت شيخٌ قد خَرِفْتَ وذهبَ عقلُك"). قال أبو يوسف: (ثم لَزِمتُ أبا حنيفة، وكان يتعاهدني بماله، فما ترك لي خَلَّة، فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلَّدتُ القضاء، وكنت أجالس هارون الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قُدم إلى هارون الرشيد فالوذج، فقال لي هارون: "يا يعقوب كُلْ منه فليس يُعمل لنا مثلُه كل يوم"، فقلت: "وما هذا يا أمير المؤمنين؟ "، فقال: "هذا فالوذج بُدهْن الفستق"، فضحكت، فقال لي: "مِمَّ ضحكتَ؟ "، فقلت: "خيرًا أبقى الله أمير المؤمنين"، قال: "لتخبرني" -وألحَّ عليَّ- فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها،

стр. 378

فعجب من ذلك، وقال: "لعمري: إن العلم ليرفع وينفع دينًا ودنيا"، وترحَّم على أبي حنيفة، وقال: "كان ينظر بعين عقله ما لا يَراه بعين رأسه"). * وقال صاحب "أنباء نجباء الأبناء": (بلغني أن أبا سليمان داود بن نصير الطائي ﵀ لما بلغ من العمر خمس سنين أسلمه أبوه إلى المؤدب، فابتدأه بتلقين القرآن، وكان لَقِنًا فلما تعلَّمَ سورة ﴿هل أتى على الِإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ وحفظها؛ رأته أمه يوم جمعة مقبلًا على حائط، وهو يفكر ويشر بيده، فخافت عليه، وقالت له: "قم يا داود فاخرج والعب مع الصبيان"، فلم يجبها، فضمته إلى صدرها، ودعت بالويل، فقال: "ما لك يا أمَّاه؟ " فقالت: "أبِكَ بَأسٌ؟ " قال: "لا"، قالت: "أين ذهنك؟ كلمتُك فلم تسمع"، قال: "مع عباد الله"، قالت: "فأين هم؟ "، قال: "في الجنة" قالت: "ما يصنعون؟ "، قال: ﴿متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا * ودانية عليهم ظلالها، وذُلِّلَت قطوفها تذليلًا﴾ ومرَّ في السورة، وهو شاخص ببصره كأنه ينظر إليهم حتى بلغ قوله تعالى: ﴿وكان سعيكم مشكورًا﴾، ثم قال: "يا أماه! ما كان سعيهم؟ "، فلم تَدْرِ ما تجيبُهُ به، فقال: "قومي عني حتى أتنزه عندهم ساعة"، فقامت، وأرسلت إلى والده، فجاء فأخبرته الخير، فقال له: "يا داود كان سعيهم مشكورًا أنهم قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فكان داود بعد ذلك لا يَدَع أن يقول: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"). * وحكى الشيخ ابن ظفر المكي: [أن أبا يزيد طيفور بن عيسى

стр. 379

البسطامي ﵀ لما تَحَفَّظَ: ﴿يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً﴾ قال لأبيه: "يا أبت من الذي يقول الله تعالى له هذا؟ "، قال: "يا بني ذلك النبي"، قال: "يا أبت مالك لا تصنع كما صنع ﷺ ؟ "، قال: "يا بني! إن قيام الليل خُصص به ﷺ وبافتراضه دون أمته"، فسكت عنه. فلما تحفظ قوله سبحانه: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك﴾ قال: "يا أبت إني أسمع أن طائفة كانوا يقومون الليل، فمن هذه الطائفة؟ "، قال: "يا بني! أولئك الصحابة ﵃"، قال: "يا أبت: فأي خير في ترك ما عمله النبي ﷺ وأصحابه؟ "، قال: "صدقت يا بني". فكان أبوه بعد ذلك يقوم من الليل ويصلي، فاستيقظ أبو يزيد ليلة فإذا أبوه يصلي، فقال: "يا أبت: علِّمني كيف أتطهر وأصلي معك"، فقال أبوه: "يا بني ارقد فإنك صغير بعدُ"، قال: (يا أبت: إذا كان يومُ يصدر الناس أشتاتًا لِيُرَوْا أعمالهم أقول لربي: إني قلت لأبى: كيفي أتطهر لأصلي معك؟ فأبى، وقال لي: "ارقد، فإنك صغير بعد"، أتحب هذا؟)، فقال له أبوه: "لا والله يا بني ما أحب هذا"، وعَلَّمه فكان يصلي معه]. ***

стр. 380

كِبارُ الهِمَّةَ النَّاِبغُونَ .. مُختَصَرُ الطَّرِيقِ إِلَى المَجْدِ النابغون الفائقون من أبناء الأمة يختصهم الله بمواهب واستعدادت فطرية، وخصائص ذاتية متميزة، فهم (ليسوا مجرد أشخاص ماهرين في أداء الاختبارات، ولا مجرد أشخاص ممتازين في أداء بعض المهارات فحسب، بل لديهم خصائص شخصية واجتماعية وبدنية طيبة تفوق ما عند أقرانهم العادين. ومن أهم الخصائص: سلامة البدن، وقوة الذاكرة، وسرعة التعلم، والتفوق في التحصيل الدراسي (١)، وحب الاستطلاع، والدافعية للإنجاز، والثقة بالنفس، والاستقلالية، والمثابرة، والتفوق في القيمة النظرية، وفي الميول العلمية، والنضوج الاجتماعي، والنشأة في ظروف اجتماعية طيبة) (٢). إن المرء لا يولد عالمًا، وإنما تربيه جماعة، وتصنعه بيئة، وتتعهده بالرعاية والتعليم، حتى يمتلك ناصية العلم الذي يطلبه.

стр. 381

والأمة التي تهتم بالنابغين، تصنع بهم مستقبلها المشرق، لأنهم يصلحون أمرها، ويسهمون في ازدهارها، والأمة التي تهمل رعاية نابغيها سوف تشقى حين يتولى أمورها جهلة قاصرون يوردونها المهالك، أو مرضى نفسيون معقدون يسومونها سوء العذاب، أو سفلة أصحاب نفوس دنيئة وهمم خسيسة يبيعونها لأعدائها بثمن بخس. ومع كون المواهب استعدادات فطرية فإنها لا تؤدي إلى النبوغ إلا إذا توفرت لأصحابها الظروف البيئية المناسبة والتربة الصالحة اللازمة لتنميتها وصقلها. وتعد الأسرة -وبخاصة الوالدان أو من يقوم مقامهما- أهم عناصر البيئة تأثيرًا في إظهار النبوغ، وزراعة الهمة العالية في قلوب الأطفال منذ نعومة أظفارهم، وهذا ما قد يفسر لنا سر أتصال سلسلة النابغين من أبناء أسر معينة، كآل تيميةَ مثلًا- حيث اجتمعت الاستعدادات الفطرية الموروثة، والقدرات الإبداعية، مع البيئة المساعدة التي تكشف هذه المواهب مبكرًا، وتنميها، وتوجهها إلى الطريق الأمثل. فرب أم ذكية محبة للعلم (١)، أو أب عالم مشهود بعلمه، كان سببًا فِي تيسير السبيل إلى العلم، ومجالسة العلماء، مما كان له أثر بليغ في تنمية نبوغ أبنائهم. فهذا "الزبير بن العوام" فارس رسول الله على ﷺ الذي عدل به عمر ﵁ ألفًا من الرجال، يشب في كنف أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وأخت أسد الله حمزة، وهؤلاء

стр. 382

الكملة العظماء عبد الله، والمنذر، وعروة أبناء الزبير، كلهم ثمرات أمهم ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر ﵄. وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يتربى على أمه فاطمة بنت أسد، وخديجة بنت خويلد ﵄، وهذا عبد الله بن جعفر سيد أجواد العرب تعاهدته أمه أسماء بنت عميس ﵂، وهذا أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄ أريب العرب وألمعيها، ورث عن أمه هند بنت عتبة همة تجاوز الثريا، وهي القائلة -وقد قيل لها ومعاوية وليد بين يديها-: "إني أظن أن هذا الغلام سيسود قومه "-: "ثكِلتُه إذًا إن لم يَسُد إلا قومه". ولما نُعي إليها ولدها يزيد بن أبي سفيان قال لها بعض المعزين: "إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه"، فقالت: "أوَ مثل معاوية يكون خَلَفًا من أحد؟ والله لو جمعت العرب من أقطارها، ثم رُمي به فيها، لخرج من أيها شاء". وقد كان معاوية ﵁ إذا نوزغ بالفحر بالمقدرة، وجوذب بالباهاة بالرأي، انتسب إلى أمه، فصدع أسماع خصمه بقوله: "أنا ابن هند". وهذا سفيان الثوري الإمام الجليل، والعلم الشامخ كان ثمرة أم صالحة غذته بلبانها، وحاطته بكنفها، حتى صار إمام المسلمين، وأمير المؤمنين في الحديث، قالت له أمه وهو صغير: "يا بني! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي". وهذ الِإمام الثقة الثبت أبو عمرو الآوزاعي نشأ يتيمًا في حجر أمه،

стр. 383

التي تنقلت به من بلد إلى بلد، وربته تربية عجزت الملوك وأبناؤها عنها، حتى استُفتي في الفقه وله ثلاث عشرة سنة. وكذا فعلت أم الإمام "ربيعة بن أبي عبد الرحمن" شيخ الإمام مالك، فقد كان ثمرة تربية أم فاضلة أنفقت عليه أمه ثلاثين ألف دينار خلَّفها زوجها عندها، وهي حامل به، وخرج إلى الغزو، ولم يعد لها إلا بعد أن استكمل ولده الرجولة والمشيخة. وها هي أم الإمام مالك إمام دار الهجرة تؤزه على طلب العلم، وتلبسه ثياب العلم، وتقول له: "اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه". ومات والد الإمام الشافعي وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وأشرقت عليه بحكمتها، وتنقلت به من "غزة" إلى "مكة" مستقر أخواله، فربته بينهم هنالك. ونشأ الإمام الشافعي يتيمًا فقيرًا، ولم تستطع أمه دفع أجر معلِّمه، إلا أن المعلم قبل أن يعلمه بدون أجر، وتعهده بالرعاية، وجعل له منزلة خاصة بين التلاميذ، لما لمسه فيه من نباهة، وسرعة في الحفظ. قال الشافعي ﵀: "كنت يتيمًا في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي أن يعلمني بدون أجر، وأن أخلفه في الدرس إذا قام". وهذا إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ مات أبوه إسماعيل، وهو صغير، فنشأ يتيمًا في حجر أمه، وكان امرأة عابدة صاحبة كرامات.

стр. 384

وهل يمكن أن نغفل تأثير البيئة المحيطة ونركز فقط على ثمرة هذه البيئة في رجل مثل عمر بن عبد العزيز ﵀، وهل كان يمكن لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أن يمارس دوره في تجديد الدين، ويتهيأ له لولا البيئة الصالحة التي وجَّهته إلى المعالي (١)، وبذرت بذور "الهمة العالية" في قلبه منذ طفولته. عن سعيد بن عُفير قال: (حدَّثنا يعقوب، عن أبيه أن عبد العزيز ابن مروان بعث ابنه عمر إلى المدينة يتأدَّبُ بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهدُه، وكان يُلزمُه الصلواتِ، فأبطأ يومًا عن الصلاة، فقال: "ما حَبَسَكَ؟ " قال: "كانت مُرَجِّلَتي تُسَكِّن شعري"، فقال: "بلغ من تسكين شعرك أن تُؤثِرَه على الصلاة"، وكتب بذلك إلى والده، فبعث عبدُ العزيز رسولًا إليه فما كلَّمه حتى حَلَق شعره). وعن أبي قَبيل: (أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير، فأرسلت إليه أمه، وقالت: "ما يُبكيك؟ " قال: "ذكرتُ الموت"، قال: وكان يومئذ قد سمع القرآن، فبكت أمُّه حين بلغها ذلك). ونقل الزبير بن بكار عن العتبي قال: (إن أولَ ما استُبين من عمر

стр. 385

ابن عبد العزيز أن أباه ولي مصر، وهو حديث السن، يُشَكُّ في بلوغه، فأراد إخراجه، فقال: "يا أبت! أوَ غيرَ ذلك؟ لعله أن يكون أنفعَ لي ولك: تُرَحِّلني إلى المدينة، فأقعد إلى فقهاء أهلها، وأتأدب بآدابهم، فوجَّهه إلى المدينة، فاشتهر بها بالعلم والعقل مع حداثة سنه". * وتأمل كيف اكتشف والدُ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله نضوجه الاجتماعي المبكر، فراح ينمي ثقته بنفسه، ويصقل مواهبه، ويُعِده لتحمل المسئوليات، فقد كتب في ذلك إلى صاحبٍ له فقال ﵀: (تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال سن اثنتي عشرة سنة على التمام، ورأيته أهلًا للصلاة بالجماعة والائتمام، فقدمته لمعرفته بالأحكام، وزوَّجته بعد البلوغ مباشرة، ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالاسعاف إلى ذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام) (١) اهـ. وبغير هذا "النضوج الاجتماعي المبكر" والتربية الواعية -التي تنمي الملكات، وتغرس الثقة في النفس، وتحررها من التواكل والتبعية والطفولية- لا نستطع أن نفسر ظاهرة ارتحال العلماء في سن الصبا والشباب المبكر في أقطار الدنيا طلبًا للعلم، وقد فارقوا الأهل والأوطان، وكابدوا المخاطر والمشاق دون كلل ولا ملل ولا تبرم. * وقد تكون البيئة المترفة عائقًا بليغ الِإعاقة عن المضي في طريق المجد، ومع ذلك يترفع عليها صاحب الهمة العالية، ويسخرها لإنجاز المطالب الجسيمة، كحال الِإمام أبي محمد علي بن حزم ﵀، الذي نشأ

стр. 386

نشأة مترفة، ولكنه انصرف عن مطامح الدنيا ومطامعها في سبيل طلب العلم، فقد جرت مناظرة بين الإمامين ابن حزم وأبي الوليد الباجي رحمهما الله، فلما انقضت قال الباجي لابن حزم: "تَعذُرُني فإن أكثر مطالعاتي كانت على سُرُج الحُرَّاس"، فأجابه ابن حزم: "وتعذرني أيضًا فإن أكثر مطالعاتي كانت على منائر -أي: مصابيح- الذهب والفضة" (١)، قال ياقوت الحموي: "أراد أن الغنى أضيعُ لطلب العلم من الفقر! " (٢). * وربما نشأ كبير الهمة في بيئة معدِمةٍ قاسية تكون كفيلة بإطفاء همته، والقضاء على نبوغه، فييسر الله له من الأسباب ما يأخذ بيده، أو يقيض له من ينمي مواهبه، ويتكفل بأمره: نشأ المتنبي شاعر العرب الفحل في أسرة فقيرة غير متعلمة، لكن الله قيَّض له فرصة التعليم المجاني في كُتَّاب خاص بأبناء أشراف الكوفة،

стр. 387

وشجعه أصحاب المكتبات على قراءة الكتب دون مقابل. ويُروى أن وراقًا كان يلازمه قال: (كان اليوم عندي -أي المتنبي- وقد أحضر رجل كتابًا في نحو ثلاثين ورقة لبيعه، فأخذه أبو الطيب، ونظر فيه طويلًا، فقلت له: "ما هذا؟ أريد بيعه، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون في شهر إن شاء الله"، فقال المتنبي: "إن كنت حفظته هذه المدة؟ " قلت: "أهب لك الكتاب"، قال: "اسمها مني"، فأخذت الدفتر من يده، وأقبل يتلوه حتى انتهى إلى آخره). ومِن أشهر مَن كان يُعنَى بالتفتيش عن النابغين، ويستنقذهم من ظروفهم القاسية، ويأخذ بأيديهم في طلب العلم الِإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، فقد حرص الإمام أبو حنيفة -عندما تولى حلقة الدرس بعد شيخه حماد- على رعاية تلاميذه النابغين، فقد كان يواسيهم من ماله الخاص، ويعينهم على نوائب الدهر، حتى أنه كان يزوج من كان في حاجة إلى الزواج وليست عنده مئونته، ويرسل لكل تلميذ حاجته، قال شريك أحد تلامذته: (كان يُغني من يعلمه، وينفق عليه وعلى عياله، فإذا تعلَّم قاله له: "لقد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال من الحرام"، وكان ينظر إلى نفوس تلاميذه، ويتعهدها بالرعاية والنصيحة، فإذا وجد من أحدهم إحساسًا بالعلم يمازجه الغرور، أزال عنه درن الغرور ببعض الاختبارات، التى تثبت له أنه ما زال في حاجة إلى مزيد من العلم). * وذكر الكردري في مناقبه بسنده إلى أبي يوسف رحمه الله تعالى، قال: (كنت أطلب الحديث وأنا مقل المال، فجاء إلي أبي وأنا عند الِإمام، فقال لي: "يا بني لا تمدنَّ رجلك معه، فإن خبزه مشوي

стр. 388

وأنت محتاج"، فقعدت عن كثير من الطلب، واخترت طاعة والدي، فسأل عني الإمام، وتفقدني، وقال حين رآني: "ما خلَّفَك عنا؟ " قلت: "طلب المعاش"، فلما رجع الناس، وأردت الانصراف دفع إليَّ صرة فيها مائة درهم، فقال: "أنفق هذا، فإذا تمَّ أعلمني، والزم الحلقة"، فلما مضت مدة دفع إليَّ مائة أخرى، وكلما تنفد كان يعطيني بلا إعلام كأنه كان يُخْبَرُ بنفادها، حتى بلغت حاجتي من العلم، أحسن الله مكافأته، وغفر له). * وذكر الكردري أيضًا أن الحسن بن زياد كان فقيرًا، وكان يلازمه -أي الِإمام- وكان أبوه يقول له: "لنا بنات، وليس لنا ابن غيرك، فاشتغل بهن"، فلما بلغ الخير الإمام أجرى عليه رزقًا، وقال: "الزم الفقه، فإني ما رأيت فقيهًا معسرًا قط". وربما لمح شخصًا عالي الهمة، تلوح من محياه أمارات النبوغ فضنَّ بموهبته أن تُنْفَقَ في طلب الدنيا، وشجعه على طلب العلم: * قال أبو حنيفة ﵀: (مررت يومًا على الشعبي وهو جالس، فدعاني، وقال: "إلامَ تختلف؟ " فقلَت: "أختلف إلى فلان"، قال: "لم أعن إلى السوق، عنيتُ الاختلاف إلى العلماء"، فقلت له: "أنا قليل الاختلاف إليهم"، فقال: "لا تفعل، وعليك بالنظر في العلم، ومجالسة العلماء؛ فإني أرى فيك يقظة وحركة"، قال: "فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف -أي إلى السوق- وأخذت في العلم، فنفعني الله تعالى بقوله"). * وعن مكي بن إبراهيم -أحد شيوخ البخاري- قال: (كنت أتجر، فقدمت على أبي حنيفة قدمة، فقال لي: "يا مكي! أراك تتجر، التجارة إذا كانت بغير علم دخل فيها فساد كثير، فلم لا تتعلم العلم،

стр. 389

ولم لا تكتب؟ " فلم يزل بي حتى أخذت في العلم وكتابته وتعلمه، فرزقني الله منه شيئًا كثيرًا، فلا أزال أدعو لأبي حنيفة في دبر كل صلاة وعندما ذكرته، لأن الله يركته فتح في باب العلم). وربما كان لتجربة الإمام أبي حنيفة مع شيخه الِإمام حماد أثر عظيم في مسلكه هذا، فقد اكتشف حماد نبوغ أبي حنيفة وعلو همته، فخصَّه برعايته، وقرَّبه من مجلسه مؤملًا أن يكون حسنة من حسناته يهديها إلى الأمة: * انخرط أبو حنيفة النعمان في التعليم على يد شيخه حَمَّاد بالمسجد الجامع بالكوفة، وعندما لمس فيه النجابة، وسرعة الحفظ، وسلامة التفكير، أجلسه بإزائه، واحترم رأيه، وشجعه على الاجتهاد والاستقلال بالرأي، ولم يتبرم من كثرة أسئلته واستفساراته، لما فيها من عمق ودقة. فمما يُروى أن أبا حنيفة انصرف من مجلس حماد، بعد أن سأله عدة أسئلة، وألحَّ في الجدل حتى احمرَّ وجه حماد، الذي قال لجاره واصفًا صلاح تلميذه: "هذا على ما ترى منه -أي من كثرة الأسئلة- يقوم الليل كله ويحييه"، واستمر أبو حنيفة ملازمًا أستاذه ثماني عشرة سنة، ولم يستقل بالدرس والتمحيص إلا بعد وفاة حماد. وربما كانت نصيحة عابرة من عالم مخلصٍ بدايةَ نقطة تحولٍ فِي حياة أحد النابغين إلى انتفاع عموم الأمة به، كذلك الِإمام الذي لقي نابغة كبير الهمة وقد جاور في الحرم المكي الشريف، وخلَّى مكانه في التعليم والدعوة في بلده، فأرشده إلى تصحيح مساره بقوله: "ليس هذا مكانك". * وكان سبب أخذ الشافعي فِي العلم ما حكاه مصعب بن عبد الله الزبيري قال: "كان الشافعي ﵀ في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام

стр. 390

العرب والأدب، ثم أخذ في الفقه بعدُ" قال: (وكان سبب أخذه في العلم أنه كان يومًا يسير على دابة له وخلفه كاتب لأبي، فتمثل الشافعي ببيت شعر فقرعه كاتب أبي بسوطه، ثم قال له: "مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا؟ أين أنت من الفقه؟ " فهزَّه ذلك، فقصد مجالسة الزَّنْجي مسلم بن خالد، وكان مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس). وعن الشافعي ﵀ قال: (كنت أنظر في الشعر، فارتقيت عقبة بمنى فإذا صوت من خلفي: "عليك بالفقه")، وعن الحميدي قال: (قال الشافعي: خرجت أطلب النحو والأدب فلقيني مسلم بن خالد الزنجي فقال: "يا فتى من أين أنت؟ "، قلت: "من أهل مكة"، قال: "أين منزلك؟ " قلت: "شِعب بالخيف"، قال: "من أي قبيلة أنت؟ " قلت: "من عبد مناف" قال: "بخ بخ لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة، ألا جعلتَ فهمَك في هذا الفقه فكان أحسن بك؟! "). ثم رحل الشافعي من مكة إلى المدينة قاصدًا الأخذ عن أبي عبد الله مالك بن أنس ﵀، وفي رحلته مصنف مشهور مسموع، فلما قدم عليه قرأ عليه "الموطأ" حفظًا، فأعجبته قراءته ولازمه، وقال له مالك: "اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن"، وفي رواية أخرى أنه قال له: "إن الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفه بالمعاصي"، وكان للشافعي ﵀ حين أتى مالكًا ثلاثَ عشرةَ سنة، ثم وليَ باليمن. وقد أمره بالِإفتاء شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي إمام أهل مكة ومفتيها، وقال له: "أفت يا أبا عبد الله! فقد -والله- آن لك أن تفتي"، وكان للشافعي إذ ذاك خمسَ عشرةَ سنة، وأقاويل أهل
следующие страницы →