← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96278

علو الهمة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (416 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

نعيمٌ قَط؟ "، فيقول: "لا والله يا ربِّ"، ويُؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيُصبَغ في الجنة صَبغة، فيقّال له: "يا ابنَ آدم! هل رأيت بؤسا قط؟ هل مَر بك شدةٌ قط؟ " فيقول: "لا والله يا رب! ما مَر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط") رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما. فكيف يكون عالَي الهمة مَن أمكنه أن يكون ملِكًا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فتقوم الملائكة في خدمته، وتدخل عليه من كل باب: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾، فإذا به يتنكب طريق الإيمان، ويتمرغ في وحل الكفر والفسوق والعصيان، ويزهد في جنة الرضوان، ويأبى إلا أن يكون حطبًا للنيران؟! ويبذل نفسه وماله وولده في سبيل صد الناس عن سبيل الله، قال تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالًا بعيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾. وكيف يكون عالَي الهمة من فطره الله على التوحيد، فأفسد فطرته، وآتاه نعمة العقل، فعطَّلَها، وبثَّ له آيات توحيده، ودلائلَ صدقِ رسوله ﷺ في الآفاق وفي نفسه، وأنزل كتابه المعجز، فأعرض عن ذلك كله، ولم يرفع به رأسًا، وجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، قال تعالى: ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجًا ممن يكذِّبُ بآياتنا فهم يُوزَعُون * حتى إذا جاءوا قال: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علمًا أمَّاذا كنتم تعملون * ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون﴾.

стр. 72

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يُبغضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ (١) جَوَّاظٍ (٢)، سَخَّابٍ (٣) في الأسواقِ، جِيفةٍ (٤) بالليلِ، حِمارٍ بالنهارِ، عالمٍ بأمرِ الدنيا، جاهلٍ بأمرِ الآخرةِ" رواه ابن حبان في "صحيحه". فما أشد انطباق هذا الحديث على هؤلاء الكفار الذين لا يهتمون لآخرتهم، مع علمهم بأمور دنياهم، وفرحهم بما عندهم منه، كما قال تعالى فيهم: ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾، وقال سبحانه: ﴿فأعرِض عمَّن تولَّى عن ذِكرنا ولم يُرِدْ إلا الحياةَ الدنيا ذلك مبلغهُم من العلم﴾، فهم يجتهدون في العلم بأمور دنياهم، ويُمعِنون في تحصيلها، مع جهلهم التام بأشرف العلوم، وهي علوم الآخرة التي هي شرف لازم لا يزول، دائم لا يُمَل، فجدير بمن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير أن يبغضه الله، ويمقته لشقاوته وإدباره، فالله كرمهم بنعمة العقل، وميزهم بها على العجماوات، فسخروها أعظم تسخير في كل شيء من أغراض الدنيا الخسيسة؛ كالتأنق في الشهوات والمأكل والملبس والترفه، إلا الشيء الذى خُلقوا من أجله، وهو عبادة الله وحده، لا شريك له، واتباع

стр. 73

رسله عليهم الصلاة والسلام، ولهذا قال تعالى في حقهم: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً، صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾، وقال سبحانه: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا﴾، وقال -جل وعلا-: ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾. وقال -عز مِن قائل- في سورة الروم: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس﴾ يعني الكفار ﴿لا يعلمون﴾ بحكمته تعالى، في كونه، وأفعاله المحكمة، الجارية علي وفق العدل، لجهلهم وعدم تفكرهم ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا﴾ وهو ما يوافق شهواتهم وأهواءهم ﴿وهم عن الآخرة﴾ التي هي المطلب الأعلى ﴿هم غافلون﴾ أي: لا يخطرونها ببالهم، فهم جاهلون بها، تاركون لعملها. وقوله سبحانه: ﴿يعلمون﴾ بدل من قوله: ﴿لا يعلمون﴾ وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه، ويَسُدُّ مَسَدَّه، ليُعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا. ﴿ظاهرًا﴾ يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنُها، وحقيقتُها: أنها مجاز إلى الآخرة، يُتَزَوَّدُ منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة، وقيل: ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا﴾ يعني أمر معايشهم ودنياهم: متى يزرعون؟ ومتى يحصدون؟ وكيف يغرسون؟ وكيف يبنون؟ وحدِّث ولا حرج عن مظاهر استغراق كفار زماننا وبخاصة الغربيون منهم في علوم الدنيا ودقائقها؛ مع إعراضهم التام عن علوم الآخرة.

стр. 74

ومن الكفار من يريد الجنة، ويكدح لنيلها، لكنه يخطىء الطريق إليها، إذ يريد دخولها بعد أن سُدَّت كل الطرق المؤدية إليها إلا طريقًا على رأسه خاتم النبين محمد ﷺ ، وهو يأبى الإيمان برسالته، والانقياد لشريعته، ويكابر في الحق بعد ما تبين، وظهرت أدلته، أو يكتفي بتقليد الآباء والأجداد، والرؤساء والسادات، فيكون جوابه إذا سئل عن رسول الله ﷺ في قبره: "سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته": عاشوا كما عاش آباء لهم سَلَفُوا ... وأُورِثُوا الدِّينَ تقليدًا كما وَجَدُوا لم تنبعث همته للبحث عن الحق، والنظر في الأدلة، في حين أنها كانت تنبعث في الدنيا في طلب سفاسف الأمور وأحقرها، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿وجوه يومئذ خاشعة (١) عاملة ناصبة (٢) تصلى نارًا حامية﴾ الآيات، وقال سبحانه فيهم: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا﴾، وقال أيضًا: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾. وكيف يعجب مسلم بكافر، ويمدحه بعلو الهمة بسبب أعمالٍ غايتها تعمير الدنيا وإصلاحها. ثم إن كان قد فعلها تعبدًا دون أن يُسْلِمَ لله فإنها

стр. 75

لا تنفعه قطعًا في الآخرة، بل يجعلها الله هباء منثورا: ﴿وقدِمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثْورً﴾. وقال : ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالُهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾، وقال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾. استِخفَافُ السَّلَف الصاِلح بِأَعَراض الدنيَا كبير الهمة على الإطلاق (١): هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه، فلا يصير عبد عارية ببطنه وفرجه، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة، فيصير من أولياء الله وخلفائه في الدنيا، ومن مجاوريه في الآخرة، وصغير الهمة من كان على الضد من ذلك. وكبير الهمة يُعَظِّمُه صِغَرُ الدنيا في عينيه، فيكون خارجًا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثر إذا وجد. ويكون خارجًا من سلطان فرجه، فلا يستحق له رأيًا ولا بدنًا. ولما فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا حقيقة الدنيا، ومصيرهم إلى الآخرة، استوحشوا من زخرفها، وتناءت قلوبهم عن زينتها، وارتفعت هممهم فوق سفاسفها، وجعلوا الهموم همُّا واحدًا هو إرضاء الله ، ومجاورته في دار كرامته:

стр. 76

إن لله عبادًا فُطَنا ... طلَّقوا الدنيا وخافوا الفِتَنَا نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليسِت لحَيٍّ وطنا جعلوها لُجَّة واتخذوا ... صالحَ الأعمالِ فيها سُفُنا وحرصوا على إزاحة كل ما قد يعوقهم عن المضِّي قدمًا نحو غايتهم، بما في ذلك فضول المباحات. قال عبد القادر الجيلاني لغلامه: "يا غلام! لايكن همك ما تأكل، وما تشرب، وما تلبس، وما تنكح، وما تسكن، وما تجمع، كل هذا: همُّ النفس والطبع، فأين هم القلب؟! هَمُّك ما أهمك، فليكن همك ربك وما عنده". ولما هَمَّ الإمام الجليل الليث بن سعد بفعلٍ مفضول ينافي العزيمة، قال له إمام المدينة يحيى بن سعيد الأنصاري: "لا تفعل، فإنك إمام يُنظر إليك". وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: (وقال في يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس الله روحه- في شىء من المباح: "هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطًا في النجاة"، أو نحو هذا من الكلام) (١) اهـ. وقال الحافظ أبو الحسن على بن أحمد الزيدي: (اجعلوا النوافل كالفرائض، والمعاصي كالكفر، والشهوات كالسم، ومخالطة الناس كالنار، والغذاء كالدواء). ورحل "يحيى بن يحيى" إلى الإمام مالك وهو صغير، وسمع منه وتفقه، (وكان مالك يعجبه سمته وعقله، روي أنه كان يومًا عند مالك في جملة أصحابه؛ إذ قال قائل: "قد حضر الفيل"، فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه غيره، (أي: وبقي يحيى مكانه) فقال له مالك: "لم

стр. 77

خرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس"، فقال له يحيى: "إنما جئت من بلدي لأنظر إليك، وأتعلمَ من هديك، وعلمك، ولم أجىء لأنظر إلى الفيل"، فأعجب به مالك، وسماه "عاقل أهل الأندلس"). إنه من المباح مشاهدة حيوان غريب .. ولكن وقت الداعية القدوة أضيق من أن يشغل شيئًا منه لي مباح، لا يجني من ورائه شيئًا لقضيته التي تشغله ليل نهار. ولما فرَّ "عبد الرحمن الداخل" من العباسيين، وتوجه تلقاء الأندلس، أهديت إليه جارية جميلة، فنظر إليها، وقال: "إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا اشتغلت عنها بهمتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن اشتغلت بها عما أطلبه ظلمت همتي، ولا حاجة لي بها الآن، وردَّها على صاحبها" (١). لقد حفل تراثنا الاسلامي بمواقف رائعة تشي بعلو همة سلفنا الصالح، وتعلن عن نظرتهم العميقة إلى حقائق الأشياء، وتساميهم على المظهرية الجوفاء، وترفعهم عن سفاسف "التطوس" الكاذب، واعتزازهم بانتمائهم إلى الدين الحنيف، دين العزة والكرامة، فمن ذلك ما صح عن ابن شهاب قال: "خرج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع نعليك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوَّه لو يقل ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتهُ

стр. 78

نكالًا لأمة محمد ﷺ ، إنا كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالاسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله"، وفي رواية: (يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالِإسلام، فلن نبتغي العز بغيره"). ودخل أعرابي رث الهيئة بالي العباءة على أمير المؤمنين معاوية -رضى الله عنه-، فاقتحمته عينه، فعرف الأعرابي ذلك في وجه معاوية ﵁، فقال: "يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك، ولكن يكلمك مَن فيها"، فأدناه فإذا به مِدْرَهُ (١) فصاحة في القول وبلاغة، فجعله من خاصته. والأمثلة على ما ذكرنا كثيرة حفلت بها تراجم العلماء العاملين، فمن أمثلة ذلك أن الِإمام شيخ الِإسلام النووي ﵀ كان إذا رآه الرائي ظنه شيخًا من فقراء سكان القرى، فلا يأبه له، ولا يخيل إليه أنه شيء يذكر، فإذا سمعه يُدَرِّس أو يقرر أو يحدِّث فغر فاه، وحملق بعينيه عجبًا من هذه الأسمال أن تنكشف عن جوهر نفيس، وعبقرية نادرة في العلم والزهد والتقوى، ولا عجب فالتراب مكمن الذهب، ولكن الناس في كل زمان ومكان يغرهم حسن الهيئة، وجمال الهندام، فإذا رَأوْا مَن هذه صفته وَقَّروه وعظموه قبل أن يعرفوا ما وراء هذه البزة، وقد يكون فيها نخاع ضامر، وفكر بائر، وقلب حائر: ترون بلوغ المجد أن ثيابكم ... يلوح عليها حسنها وبَصيصُها وليس العلى درَّاعةً ورداءها ... ولا جُبَّة موشية وقميصها وقال المتنبي: لا يُعجبنَّ مُضيمًا حُسْنُ بَزَّتِهِ ... وهل تروقُ دفينًا جَوْدَةُ الكَفَنِ؟

стр. 79

آخر: ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رُدِّيتَ بُرْدا إن الجمال معادن ... ومحاسنٌ أورثن مجدا ورأينا العجب من صبرهم على شظف العيش، ومعاناة الفقر، إذ كانوا قد أحْصِروا في سبيل حفظ الدين، ووقفوا حياتهم على حراسة السنة، فهذا الإمام العَلَم إبراهيم بن إسحاق الحربي ﵀ يقول: "أفنيت عمري ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلا بقيتُ جائعًا عطشان إلى الليلة الثانية، وأفنيتُ ثلاثين سنة من عمري برغيف في اليوم والليلة، إنْ جاءتني امرأتي أو إحدى بناتي به أكلتُه، وإلا بقيتُ جائعًا عطشانَ إلى الليلة الأخرى". والآن آكلُ نِصفَ رغيف وأربعَ عشرةَ تَمْرَة إن كان بُرنيًّا، أو نيِّفًا وعشرين إن كان دَقَلاً، ومَرِضَتْ ابنتي، فمضَتْ امرأتي، فأقامت عندها شهرًا، فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانِقَين ونصف! ودخلتُ الحمَّامَ، واشتريتُ لهم صابونًا بدانِقَين، فقامَتْ نفقةُ شهر رمضان كله بدرهم وأربعة دوانق ونصف". وقال أبو القاسم بن بُكَير: (سمعت إبراهيم الحربي يقول: "ما كنا نَعرفُ من هذه الأطبخة شيئًا، كنت أجيءُ من عَشٍّي إلى عَشِي وقد هيَّأتْ لي أمِّي باذنجانة مشويِة، أو لَعْقَةَ بِنٍّ -البِن بكسر الباء: الشَّحْم-، أو باقةَ فِجْل". وقال أبو علي الخياط المعروف بالميت: (كنتُ يومًا جالسًا مع إبراهيم الحربي على باب داره، فلما أن أصبحنا قال لي: "يا أبا على قم إلى

стр. 80

شُغلك، فإنَّ عندي فِجلةً قد أكلتُ البارحةَ خَضِرَها، أقومُ أتغدَّى بجزَرَتِها"). ... وقد دهش المؤرخون للسرعة التي أقام بها المسلمون دولتهم، وللسرعة التي انهارت بها أمامهم الإمبراطوريتان العظيمتان في ذلك الوقت، ولم يدرك الكثير منهم سر عظمة هذه الأمة الناشئة، الذي يكمن في المدد الرباني لهؤلاء المجاهدين، ليس فقط بالإمداد بالملائكة تُثَبِّتُ الذين آمنوا، لكن أيضًا بإمداد الله إياهم بمفاهيمَ وقيمٍ ومقوماتٍ أهَّلتهم لقيادة البشرية، وانتزاع عجلة القيادة من قيم هابطة، ومفاهيم متخلفة، وعقائد فاسدة، ومُثُلٍ مهترئة، فقد كانت المواجهة صراعًا بين حضارتين مختلفتين كل الاختلاف في القيم والمفاهيم والمنطلقات، وكان الطبيعي أن تسري سنة الله في خلقه، ويمضي قانونه المحكم: أن البقاء للأصلح ﴿فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾، فلنطالع صورًا من هذه المواجهة بين الحضارتين، والتي حسمت نتيجة الصراع قبل المواجهة المسلحة لصالح حزب الله المفلحين: لما بلغ عمرو بن العاص ﵁ بجيشه حاكم مصر "المقوقس" وجيشه، بعث عمرو إليه عشرة رجال أحدهم عبادة بن الصامت ﵁ وكان "عبادة" شديد السواد، وأمره أن يكون متكلم القوم، ولا يجيب الروم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الخصال الثلاث، فلما دخلت رسل المسلمين إلى المقوقس، وعلى رأسهم عبادة، هابه المقوقس لسواده وفرط طوله، وقال: "نَحُوا عني

стр. 81

ذلك الأسود، وقدِّموا غيره يكلمني"، فقال الوفد جميعًا: "إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرُنا والمقدَّم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمَّره الأمير دوننا لما أمره، وأمرنا ألا نخالفَ رأيه وقوله"، ثم قالوا -وكان قولهم عجيبًا عند المقوقس-: "إن الأسود والأبيض سواء عندنا، لا يفضل أحدٌ أحدًا إلَّا بفضله، وعقله، وليس بلونه" (١). ولا مراء في أن "المقوقس" كان مستاء من وجود عبادة بن الصامت، ذلك العبد الأسود، وحَسِبَ أن اختيار عمرو له ليكون متكلم القوم إنما كان تصغيرًا. لمقام المقوقس وتحقيرًا لشأنه، فلما أجمع رسل المسلمين على أنه المتحدث باسمهم جميعًا، لم ير المقوقس بُدًّا من محادثة عُبادة ومفاوضته، فأومأ إليه أن يتكلم برفق حتى لا يزعجه، فقال عبادة: "إن فيمن خلَّفتُ من أصحابي ألفَ رجل أسود، كلهم أشد سوادًا مني .. وإني ما أهاب مائة رجل من عدوي، لو استقبلوني جميعًا، وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا في الجهاد في الله، واتباع رضوانه، وليس غزوُنا عَدُوَّنا ممن حارب الله لرغبة في دنيا، ولا طلبٍ للاستكثار منها؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعه لليله ونهاره، وشملة يلتحفها؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا الله، وأمرنا به نبينا، وعهد إِلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضوانه وجهاد عدوه" (٢)،

стр. 82

فوقع هذا القول في نفس المقوقس وقعًا شديدًا، وقال لأصحابه: "هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل .. إنَّ هذا وأصحابه قد أخرجهم الله لخرابِ الأرض" ثم أقبل على عبادة، وأراد أن يسلك معه طريق الإرهاب المغلَّف في قالبٍ من النصح، فقال له: "أيها الرجل الصالح! قد سمعت مقالتك وما ذكرتَ عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم وما ظهرتم على مَن ظهرتم عليه، إلَّا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم مِن جمع الروم ما لا يُحصى عدده، قوم معرفون بالنجدة والشدة، ما يبالي أحدهم مَن لقي ولا من قاتل، وإننا لنعلم أنكم لن تقدروا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضوها، وتنصرفوا إلى بلادكم، قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به" (١). فنظر إليه "عبادة بن الصامت" شامخًا، وخاطبه بصوت كله ثقة وإيمان قائلًا: "يا هذا لا يغرنَّ نفسَك ولا أصحابك ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما كان هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه ... إن قُتِلنا عن آخرنا كان أمكنَ لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء أقرّ لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإن الله قال في كتابه: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾، وما من رجل إلَّا وهو يدعو ربه صباح مساء أن يرزقه الشهادة، وألا يردَّه إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس

стр. 83

بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث خصال، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله ﷺ من قبل إلينا" (١). وقد أراد المقوقس أن يستنزله عن شيء، أو أن يجعله يقبل شيئًا مما عرض عليه، فلم يقدر على شيء، بل وقع قوله على آذان صماء لما يقول، وقال عبادة يرد عليه بعد أن نفد صبره، ورفع يديه إلى السماء: "لا ورب هذه السماء، وَرب هذه الأرض، وربِّ كل شيء، ما لكم عندنا من خصلة غيرها فاختاروا لأنفسكم" (٢)، عند ذلك اجتمع المقوقس بأصحابه فقالوا: "أما الأمر الأول فلا نجيب إليه أبدًا، فلا نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه"، وبذلك رفضوا شرط الإسلام، فلم يبق أمامهم إلَّا شرط الجزية أو الحرب، فقالوا: "إنا إذا أذعنَّا للمسلمين، ودفعنا الجزية، لم نَعْدُ أن نكون عبيدًا، ولَلْموت خير من هذا، فردَّ عليهم عبادة قائلًا: "إنهم إن دفعوا الجزية كانوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، مسلطين في بلادهم على ما في أيديهم وما يتوارثونه فيما بينهم، وحُفظت لهم كنائسهم، لا يتعرض لهم أحد في أمور دينهم"، فقال المقوقس لمن حوله: "أجيبوني وأطيعوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث فوالله ما لكم بهم طاقة، وإن لم تجيبوا إليهم طائعين لتُجيبنهم إلى ما هو أعظم منها كارهين" (٣).

стр. 84

هكذا سار هؤلاء الربانيون بمفتاح الجنة "لا إله إلا الله" يفتحون به مشارق الأرض ومغاربها، لا يستعصي عليهم منها قطر، فالحصون تفتح، والقلوب تفتح، والقيم الصحيحة تسود، والموازين تصحح، وفيما يلي صورة أخرى (١) تجلت فيه أصالة التربية المحمدية لخير أمة أخرجت للناس، حيث تشغل الدنيا في اهتمامهم القدر الضئيل الذي تستحقه، أما الآخرة فهي الهم الأكبر، وهي الغاية العظمى، وهي الحياة الحقيقية الخالدة: جاء سعد بن أبي وقاص ﵁ حتى نزل "القادسية" ومعه الناس، ولا يزيد المسلمون على سبعة آلاف أو نحو من ذلك، والمشركون يبلغون ثلاثين ألفًا أو نحوًا من ذلك، ونبال المسلمين وعُدَّتهم موضع سخرية أهل فارس، وجعلوا يشبهونها بالمغازل، فيقولون "دوك، دوك"، ويقولون للمسلمين مزدرين إياهم: "لا يدي لكم ولا قوة ولا سلاح! ما جاء بكم؟ ارجعوا! " ... ولما أُدخِل وفد المسلمين على كسرى يزدجرد جعل أهل فارس يسوؤهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس، وكان سيىء الأدب، فكان أول شىء دار بينه وبينهم أن أمر الترجمان بينه وبينهم، فقال: "سلهم ما يسمون هذه الأردية؟ "، فكان يلقى منهم أجوبة يتطير منها ... ولما عرض النعمان بن المقرن دعوة الإسلام على كسرى، قال الأخير: "إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى، ولا أقل عددًا،

стр. 85

ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكِّل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم، لا تغزوا فارس، ولا تطعموا أن تقوموا لهم، فإن كان عددٌ لَحِقَ فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قُوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملَّكنا عليكم ملكًا يرفق بكم"، فأسكت القوم، فقام المغيرة بن زرارة الأسيدي، فقال: (أيها الملك! إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، فنرى ذلك طعامنا. وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا: أن يقتل بعضنا بعضًا، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية، كراهية أن تأكل من طعامنا، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك، فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا، نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضُه خير أرضنا، وحَسَبُه خيرُ أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أولَ من تِرْبٍ (١) كان له، وكان الخليفة بعده، فقال، وقلنا، وصدَّق، وكذَّبنا، وزاد، ونقصنا، فلم يقل شيئًا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديقَ له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمير الله، فقال لنا:

стр. 86

"إن ربكم يقول: إنني أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل، لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلَّكم داري، دارَ السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال. من تابعكم على هذا، فله ما لكم، وعليه ما عليكم، ومن أبي فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبي فقاتلوه، فأنا الحكَمُ بينكم، فمن قُتِلَ منكم أدخلتُه جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على مَنْ ناوأه، فاختر إن شئت الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، وإن شئتَ فالسيف، أو تُسْلِم فتنجي نفسك"، فقال: "أتستقبلني بمثل هذا؟ "، فقال: "ما استقبلتُ إلا مَن كلَّمني، ولو كلمني غيرك، لم أستقبلك به"، فقال: "لولا أن الرسلَ لا تُقتل لقتلتكم، لا شىء لكم"، وقال: "ائتوني بوِقْرٍ من تراب"، فقال: "احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليكم رستم، حتى يدفيكم (١)، ويدفيه في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعدُ، ثم أوردُه بلادَكم، حتى أشغلكم في أنفسكم بأشدَّ مما نالكم من سابور"، إلى آخر القصة. وفيها: "أن عاصم بن عمرو احتمل وقر التراب، واعتره فألا على الظفر بأرضهم، كما تطير منه رستم على أنه علامة أن الله سلبهم أرضهم وأبناءهم للمسلمين. ثم إن كسرى بعث أهل فارس بعددهم وعُدَدِهم وعلى رأسهم رستم، حتى إذا نزل رستم "بالعقيق" على منقطع معسكر المسلمين، راسل

стр. 87

"زهرة" فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جُعْلًا (١) على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول: "أنتم جيراننا، وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا ... " إلخ. فقاك له زهرة: "صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمير أولئك ولا طِلْبتنا، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طلبتنا وهمتنا: الآخرة، كنا كما ذكرت، يدين لكم مَن ورد عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم، ثم بعث الله ﵎ إلينا رسولًا، فدعانا إلى ربه، فأجبناه، فقال لنبيه ﷺ : إني قد سلطتُ هذه الطائفة على من لم يَدِنْ بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذَلَّ، ولا يعتصم به أحد إلا عَزَّ". فقال له رستمَ: "وما هو؟ ". قال: "أما عموده الذى لا يصلح منه شيء إلا به، فشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى، قال: "ما أحسن هذا! وأي شيء أيضًا؟ "، قال: "وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى". قال: "حسن، وأي شيء أيضًا؟ ". قال: "والناس بنو آدم وحواء، إخوة لأب وأم"، قال: "ما أحسن هذا! ". ثم قال رستم: "أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر، وأجبتكم إليه،

стр. 88

ومعي قومي، كيف يكون أمركم؟ أيرجعون؟ ". قال: "إى والله، ثم لا نقرب بلادكم أبدًا إلا في تجارة أو حاجة"، قال: "صدقتني والله، أما إن أهل فارس منذ ولي "أردشير" لم يَدَعُوا أحدًا يخرج من عمله من السِّفْلَة (١) كانوا يقولون: "إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم، وعادوا أشرافهم". فقال له زهرة: "نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أنْ نكون كما تقولون، نطع الله في السِّفْلَة، ولا يضرنا من عصى الله فينا"، فانصرف عنه، وطلب "رستم" آخر، ثم إن سعدا أرسل "رِبعي بن عامر" ﵁ إلى رستم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلي الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة، وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبَها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: "ضع سلاحك"، فقال: "إني لم آتكم وإنما جئتكم حي دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت"، فقال رستم: "ائذنوا له"، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامَّتَها، فقالوا له: "ما جاء بكم؟ "، فقال: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك، قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبي ذلك،

стр. 89

قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله". قال: "وما موعود الله؟ " قال: "الجنة لمن مات على قتال من أبي، والظفر لمن بقى" .. فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: "ما ترون؟ هل رأيتم كلامًا قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟ "، قالوا: "معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا، وتدع دينك لهذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟ "، فقال: "ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأي، والكلام، والسيرة"، وأقبلوا يتناولون سلاحه، ويزهدونه فيه .. ثم كان أن أبي الفرس دعوة الحق، واختاروا المناجزة، فنصر الله المسلمين، وهزموا فارس وسبوهم. وكان "يزدجرد" ملك الفرس قد أرسل يستنجد بملك الصين، ووصف له المسلمين، فأجابه ملك الصين: "إنه يمكنني أن أبعث لك جيشًا أوله في منابت الزيتون -أي: الشام- وآخره في الصين، ولكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول؛ فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم، وتعيش في ظلهم، وظل عدلهم" (١). ...

стр. 90

عالي الهمة عصامي، لَا عِظَامي العصامي: من ساد بشرف نفسه. ويقابله "العظامي"، وهو من ساد بشرف آبائه، و "العصامي" منسوب إلى "عصام بن شهير" حاجب "النعمان بن المنذر" الذي قال له "النابغة الذبياني" حين حجبه عن عيادة "النعمان" من قصيدة له: فإني لا ألومُك في دُخُول ... ولكن ما وراءَكَ يا عصامُ؟ وهو الذي قال فيه النابغة: نفس "عصام" سَوُّدَتْ عصامَا وعلَّمته الكًرُّ والِإقداما فصيَّرَته ملِكًا هُمَامَا وقوله: "نفس عصام سوَّدت عصامًا" صار مثلًا يُضرب في نباهة الرجل من غير قديم. و"العصامي" هو الذي تسميه العرب: "الخارجَّي"، وهو من خرج بنفسه من غير أولية كانت له، قال كثير: أبا مَرْوانَ لستَ بخارجيٍّ ... وليسَ قديمُ مَجْدِكَ بانتحالِ فكبير الهمة عصامي يبني مجده بشرف نفسه، لا اتكالاً على حسبه ونسبه، ولا يضيره ألا يكون ذا نسب، فحسبه همته شرفًا ونسبًا،

стр. 91

قال عامر بن الطفيل العامري (١): وإني وإن كنتُ ابنَ سَيِّد عامِرٍ ... وفارسِها المشهورِ في كل موكبِ فما سوَّدتني عامِرٌ عن وارثة ... أبى الله أن أسمو بجدٍّ ولا أب ولكنني أحمي حِماها وأتَقِي ... أذاها وأرمي مَنْ رماها بمنكِبيَ وقال "الأبيوردي" مبينًا أنه لم يقنع بنسب آبائه وأجداده، وإنما حمع إلى مجدهم الموروث مجدًا اكتسبه بعلو همته (٢): فشيدتُ مجدًا رَسَا أصلُه ... أمُتُّ إليه بأمٍّ وأب وقال المتنبي: ولست أبالي بعد إدراكي العُلا ... أكان تُراثًا ما تناولتُ أم كَسْبا وقال معن بن أوس: ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا

стр. 92

إذا المجد القديم توارثته ... بناةُ السوء أوشك أن يضيعا وقال عبد الله بن معاوية: لسنا وإن كرُمت أوائلنا ... يومًا على الأحساب نتكلُ نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثلَ ما فعلوا وكبير الهمة لا يضيره ألا يكون ذا نسب، بل لا يضيره أن يمت بآصرة اللحم والدم إلى قوم لئام غير كرام، إذا كان بعلو همته ينتسب إلى الكرام: قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: "كل كرم دونه لؤم، فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه كرم، فالكرم أولى به". تريد: أن أولى الأمور بالِإنسان خصالُ نَفسه، وإن كان كريمًا وآباؤه لئام، لم يضره ذلك، وإن كان لئيمًا وآباؤه كرام، لم ينفعه ذلك. واهًا لحُرٍّ واسعٍ صدرُه ... وهمُّهُ: ما سرَّ أهلَ الصلاحْ سَوَدَهُ إصلاحُه سِرَّه ... وردعُه أهواءَه، والطِّماحْ (١) وتكلم رجلٌ عند "عبد الملك بن مروان" بكلام ذهب فيه كُلَّ مذهب، فأعجب عبدَ الملك ما سمع من كلامه، فقال له: "ابنُ مَنْ أنت؟ " قال: "أنا ابنُ نفسى يا أمير المؤمنين، التي بها توصلتُ إليك"، قال: "صدقت"، فأخذ الشاعر هذا المعنى، فقال: مالَي عقلي، وهِمتي حَسَبي ... ما أنا مَوْلى ولا أنا عربى إذا انتمى مُنتمٍ إلى أحد ... فإنني منتم إلى أدبي وكبير الهمة لا يُلْفَى "عظاميًّا" مفتخرًا بالآباء والأجداد الذين صاروا عظامًا ورفاتًا:

стр. 93

ما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار من يبغي الفخار بنفسه آخر: وَدَعُوا التفاخر بالتراث وإن علا ... فالمجُد كسبٌ والزمانُ عصامُ المتنبي: لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجُدودي آخر: كم سِّيدٍ بطل آباؤه نُجبٌ ... كانوا الرءوس فأمسى بعدهم ذَنَبا ومُقْرفٍ خامِل الآباء ذي أدبٍ ... نال المعاليَ بالآداب والرُّتَبا المتنبي: وآنف من أخي لأبي وأمي ... إذا ما لم أجدْه من الكرام ولستُ بقانعٍ من كل فضل ... بأن أُعزَى إلى جَدٍّ همام آخر: كن ابنَ من شئتَ واكتسِبْ أدَبًا ... يغنيكَ محمودُهُ عن النسبِ إن الفتى من يقول: ها أنذا ... ليس الفتى من يقول: كان أبي وقد تواردت نصوص الشريعة المطهرة على التنفير من التفاخر بالأحساب، إذا كان على وجه الاستكبار أو الاحتقار، وبذلك نطقت الأخبار، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾. [وفي الآية إشارة إلى وجه رد التفاخر بالنسب، حيث أفادت أن شرف النسب غير مكتسب ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، وأنه لا فرق بين النسيب وغيره من جهة المادة؛ لاتحاد ما خُلِقا منه، ولا من جهة الفاعل؛ لأنه هو الله تعالى الواحد، فليس للنسب شرف يُعَوَّل عليه، ويكون مدارا للتراب عند الله ، ولا أحد أكرم من أحد عنده سبحانه إلا بالتقوى، وبها تكمل النفس، وتتفاضل الأشخاص.

стр. 94

وقد رتَّب تعالى الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، كما قال : ﴿فإذا نفِخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾، وقال ﷺ :" .. ومن بطَّأ به عمله؛ لم يُسرع به نسبه" (١)، معناه: أن العمل هو الذي يبلُغ بالعبد درجات الآخرة، قال ابن مسعود ﵁: "يأمر الله بالصراط، فَيُضرب على جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرًا زمرًا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمرِّ الريح، ثم كمر الطير، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعيًا، وحتى يمر الرجل مشيًا، حتى يمرآخرهم يتلبَّط على بطنه، فيقول: "يا رب لم بطَّأت بي؟ " فيقول: "إني لم أبطىء بك، إنما بطَّأ بك عملك" (٢) [حسن]، وها هو ﷺ يحرض أهل بيته وعشيرته الأقربين على لزوم التقوى، ويحذرهم من الاتكال على نسبهم إلى رسول الله ﷺ الذي هو أشرف أنساب العالمين- فتقصر خطاهم عن اللحوق بالسابقين من المتقين، كي يجتمع لهم الشرفان: شرف التقوى، وشرف النسب: عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباسُ بنَ عبد المطلب! لا أغني عنكَ من الله شيئًا، يا صفيةُ عمةَ رسول الله! لا أغني عنكِ من الله شيئًا، يا فاطمةُ بنت محمد! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنكِ من الله شيئًا" متفق عليه،

стр. 95

وفي رواية خارج "الصحيحين": (إن أوليائي منكم المتقون، لا يأتي الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم، فتقولون: "يا محمد"، فأقول: "قد بلَّغت")، وفي "الصحيحين" عن عمرو بن العاص ﵁، أنه سمع النبى ﷺ يقول: "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله وصالح المؤمنين" يشير إلى أن وَلايته لا تُنال بالنسب، وإن قرُب، وإنما تُنال بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكمل إيمانًا وعملًا، فهو أعظم وَلاية له، سواءكان له منه نسبٌ قريب، أو لم يكن. فالتقوى التقوى، فالاتكال على النسب، وترك النفس وهواها من ضعف الرأي وقلة العقل، ويكفي في هذا قوله تعالى لنوح ﵇ في شأن ابنه: ﴿يا نوحُ إنه ليس من أهلك إنه عمل غيرُ صالح﴾: كانت مودةُ سلمان له نسبًا ... ولم يكن بين نوحٍ وابنهِ رحِمُ وقال بعضهم: عليك بتقوى الله في كل حالة ... ولا تترك التقوى اتكالًا على النسب فقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ ... وقد وضع الكفرُ النسِيبَ أبا لهب قيل لشريح: "ممن أنت؟ ". قال: "ممن أنعم الله عليه بالإسلام، وعِدادي في كِندة". وقال ثابت البُناني: قال أبو عبيدة: "يا أيها الناس! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمرَ، ولا أسودَ يَفْضُلني بتقوى، إلا وددت أني في مِسْلاخه". وروي أنه قيل لسلمان الفارسي: "انتسب يا سلمان"، قال -رضي الله

стр. 96

عنه-: "ما أعرف لي أبًا في الِإسلام، ولكني سلمان ابن الِإسلام" (١). ولله دَرُّ القائل: دَعِيُّ القوم ينصر مدَّعيه ... لِيُلْحِقَهُ بذي الحسبِ الصميمِ أبي الِإسلامُ لا أبَ لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم وبينما يقول خسيس الهمة المفتون بعشق امرأة: فلا تَدْعُني إلا بيا عبدَها ... فإنه أشرف أسمائي رأينا كبير الهمة يتشرف بنسبته إلى الله : فلا تدعني إلا بيا عبده ... فإنه أشرف أسمائي بل قال، وما أحسن ما قال! ومما زادني تيهًا وشرفًا ... وكدت بأخمصي أطأُ الثريَّا دخولي تحت قولك: "يا عبادي" ... وأن صيَّرت "أحمدَ" لي نبيَّا آخر: كفى بك عِزًّا أنك له عبدٌ ... وكفى بك فخرًا أنه لك رَبُّ آخر: إذا عَزَّ بغير الله ... يومًا معشرٌ هانوا عن أبي هريرة: ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية (٢) وفخرَها (٣) بالآباء، الناسُ بنو آدم، وآدم من تراب: مؤمن تقي، وفاجرٌ شقي، لينتهينَّ أقوام يفتخرون

стр. 97

برجال (١) إنما هم فَحْمٌ مِن فحم جهنمَ، أو لَيكُوننَّ أهونَ على الله من الجُعْلانِ (٢) التي تدفع النتن (٣) بأنفها" (٤). وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له، وقد التفت نحو المدينة: "إن أهل بيتي هؤلاء يَرَوْنَ أنهم أوْلى الناس بي، وإن أولى الناس بي المتقون، مَن كانوا، وحيث كانوا" الحديث (٥). فالحزم اللائق بالنسيب: أن يتقي الله تعالى، ويكتسب من الخصال الحميدة ما لو كانت في غير نسيب لكفته، ليكون قد زاد على الزُّبْدِ شَهدًا، وعلَّق على جِيْدِ الحسناء عِقْدًا، ولا يكتفي: لمجرد الانتساب إلى جدودٍ سَلَفُوا، ليقال له: "نِعْمَ الجدودُ، ولكن: بئس ما خلفوا" وقد ابتلي كثير من الناس بذلك، فترى أحدهم يفتخر بعظم بالٍ وهو عري -كالإبرة- من كل كمال، ويقول: "كان أبي كذا وكذا"، وذاك وصف أبيه، فافتخاره به نحو افتخار الكوسج (٦) بلحية أخيه، ومن هنا قيل:

стр. 98

وأعجب شيء إلى عاقل ... أناسٌ عن الفضل مستأخِرهْ إذا سئلوا: "من علا؟ " ... أشاروا إلى عظامٍ ناخِره وقال بعضهم: أقول لمن غدا في كل وقت ... يباهينا بأسلافٍ عظام أتقنع بالعظام وأنت تدري ... بأن الكلب يقنع بالعظام وما ألطفَ قول الشاعر: لم يُجْدِك الحسبُ العالي بغير تقى ... مولاك شيئًا فحاذِرْ واتق الله وابغ الكرامة في نيل الفخار به ... فأكْرَمُ الناس عند الله أتقاها وما أكثر هذا الافتخار البارد بين خسيسي الهمة الذين ارتكبوا كل رذيلة، وتعروا عن كل فضيلة، ومع ذلك استطالوا بآبائهم على فضلاء البريهّ، واحتقروا أناسًا فاقوهم حسبًا ونسبًا، وشرفوهم أمًّا وأبًا، وهذا هو الضلال البعيد، والحمق الذي ليس عليه مزيد. ومع شرف الانتساب إليه ﷺ ؛ فإنه ينبغي لمن رزقه ألا يجعله عاطلًا عن التقوى، ويدنسه بمتابعة الهوى، فالحسنة في نفسها حسنة، وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة، وهي من أهل بيت النبوة أسوأ، وقد يبلغ اتباعُ الهوى بذلك النسيب الشريف إلى حيث يستحيى أن يُنْسَبَ إلى رسول الله ﷺ ، وربما ينكر نسبه، وعليه قيل لشريفٍ سيىء الأفعال: قال النبي مقال صدق ... يحلو لدى الأسماع والأفواهِ إن فاتكم أصل امرىٍء ففعاله ... تنبيكمُ عن أصله المتناهي (١)

стр. 99

وأراك تُسْفِرُ عن فعال لم تزل ... بين الأنام عديمةَ الأشباهِ وتقول: "إني من سلالة أحمد" ... أفأنت تَصدُقُ أم رسولُ اللهِ؟ ولا يلومَنَّ الشريفُ إلا نفسَه إذا عومل حينئذٍ بما يكره، وقُدِّمَ عليه من هو دُونه في النسب بمراحل. كما يُحكى أن بعض الشرفاء في بلاد "خراسان" كان أقربَ الناس إلى رسول الله ﷺ ، غير أنه كان فاسقًا ظاهر الفسق، وكان هناك مولًى أسود تقدم في العلم والعمل، فأكبَّ الناسُ على تعظيمه. فاتفق أن خرج يومًا من بيته يقصد المسجد، فاتبعه خلق كثير يتبركون به (١)، فلقيه الشريف سكران، فكان الناس يطردونه عن طريقه، فغلبهم، وتعلَّق بأطراف الشيخ، وقال: "يا أسودَ الحوافرِ والمشافر، يا كافر ابن كافر، أنا ابنُ رسولِ الله ﷺ أُذَلُّ، وأنت تُجَلُّ، وأهانُ، وأنت تُعان؟! فهمَ الناس بضربه، فقال الشيخ: "لا تفعلوا، هذا محتمل منه لجِدِّه، ومعفوُّ عنه، وإن خرج عن حَدِّه، ولكن أيها الشريف: بَيَّضْتُ باطني، وسوَّدتَ باطنك، فَرُؤي بياضُ قلبي فوقَ سوادِ وجهي، فَحَسُنْتُ، وسوادُ قلبِكَ فوقَ بياضِ وجهك، فَقَبُحتَ،

стр. 100

وأخذتُ سيرةَ أبيك، وأخذتَ سيرةَ أبي، فرآني الخلقُ في سيرةِ أبيك، ورَأوْكَ في سيرةِ أبي، فظنوني ابنَ أبيك، وظنوكَ ابنَ أبي، فعملوا معك ما يُعمَلُ مع أبى، وعملوا معي ما يُعمل مع أبيك". ولهذا ونحوه قيل: ولا ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهله (١) أي: لا ينفع في الامتياز على ذوي الخصال السنية، إذا كانت النفس في حَدِّ ذاتها باهلية ردية، ومن الكمالات عرية] (٢). البحتري: ولست أعتدُّ للفتى حسبًا ... حتى يُرَى في فِعالِه حَسَبُهْ ...

стр. 101

عَالي الهمةِ شِريف النفسِ يَعُرِف قَدْرَ نَفسِهِ أُثِر عن العرب أخبار كثيرة فيها إعظامهم شرف النفس، فمنها: ما حكاه العُتبيُّ عن أبيه قال: أهدى ملك اليمن عشر جزائر (١) إلى مكة، وأمر أن ينحرها أعزُّ قرشي، فقدِمَتْ، وأبو سفيان عروس بهند بنت عتبة، فقالت له: "أيها الرجل، لا يَشغلنَّك النساء عن هذه المكرمة التى لعلها أن تفوتك"، فقال لها: "يا هذه، دَعي زوجَك وما يختاره لنفسه! والله ما نحرها غيرى إلا نحرتُه! "، فكانت في عُقُلِها (٢)، حتى خرج أبو سفيان في اليوم السابع، فنحرها. ومن شرف النفس وعلو الهمة ما قالته هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وأم معاوية ﵃ حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان، وقال لها بعض المُعَزِّين: "إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف من يزيد"، فقالت هند: "أو مثل معاوية يكون خَلَفًا من أحد؟ والله لو جمعت العرب من أقطارها، ثم رُمَي به فِيها، لخرج من أي أعراضها شاء".

стр. 102

وقيل لها -ومعاوية وليدٌ بين يديها-: "إن عاش معاوية، ساد قومه"، فقالت: "ثكِلْتُه إن لم يَسُدْ إلا قومه". وكان معاوية ﵁ يقول: "إني لآَنَفُ من أن يكون في الأرض جهلٌ لا يسعه حِلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يَسَعها جودي". وقال الأحوص في الفخر (١): ما من مُصيبةِ نكبةٍ أُرْمَى بها ... إلا تُشَرِّفُنِي وترفعُ شاني وإذا سألتَ عن الكرام وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان ومن أشرف الناس همة عقيل بن علفة المُرِّيُّ، وكان أعرابيًّا يسكن البادية، وكان يُصهر إليه الخلفاء، وخطب إليه "عبد الملك بن مروان" ابنته لأحد أولاده، فقال له: "جَنِّبْني هُجَناءَ (٢) ولدكِ". وعالي الهمة يعرف قدر نفسه، في غير كبر، ولا عجب، ولا غرور، وإذا عرف المرء قدر نفسه، صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تُهان، ونزَّهها عن دنايا الأمور، وسفاسفِها في السر والعلن، وجنَّبها مواطن الذل بأن يحملها ما لا تطيق، أو يضعها فيما لا يليق بقدرها، فتبقى نفسه في حصن حصين، وعز منيع لا تعطى الدنية، ولا ترضى بالنقص، ولا تقنع بالدون. ألم تر إلى شرف نفس الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم نبي الله

стр. 103

يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام- حين دعا ربه ﴿ربِّ السجن أحب إلَّي مما يدعونني إليه﴾، وحين قال لرسول المَلِك: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهنَّ إن ربي بكيدهن عليم﴾، ولا عجب فإن من يصبر فيما له ألا يصبر فيه، وهو الخروج من السجن، مع توفر الدواعي على الخروج منه، فأولى به أن يصبر فيما يجب عليه أن يصبر فيه من الهم بامرأة العزيز. قيل لرجل: "لي حُوَيْجَة"، فقال: "اطلبوا لها رُجَيلًا". وقيل لآخر: جئناك في حاجة لا ترزؤك (١)، فقال: "هلا طلبتم لها سفاسف الناس؟ " (٢). وقد قيل لبعض العلماء: لي سؤال صغير، فقال: "اطلب له رجلًا صغيرًا". ومن علو الهمة وشرف النفس ماروي عن "قطب السخاء" "عبد الله بن جعفر بن أبي طالب" فقد سألته امرأة، فأعطاها مالًا عظيمًا، فقيل له: "إنها لا تعرفك، وكان يرضيها اليسير"، فقال: "إن كان يرضيها اليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي". وسأله سائل بينا يهم بركوب ناقتِه، فنزل له عنها، وعما فوقها،

стр. 104

وكان عليها أربعة آلاف درهم، وسيف من سيوف على بن أبي طالب. وعن سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن على بن أبي طالب ﵄ سمع رجلًا إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف، فبعث بها إليه. وعن أبي سعيد عن شيخ له قال: رأيت ابن المبارك يَعَضُّ يد خادم له، فقلت له: "تعض يَدَ خادِمِكَ؟ " قال: "كم آمره أن لا يَعُدَّ الدراهم على السُّؤال (١)، أقول له: اُحث لهم حَثْوًا". ومن شرف النفس ومعرفة قدرها، قول "الأبيوردي": رأت أميمة أطماري (٢) وناظرها ... يعوم في الدمع منهلا بوادِرُه وما درت أن في أثنائها رجلًا ... ترخى على الأسد الضارى غدائره (٣) أغر في ملتقى أوداجه صيد ... حمر مناصله (٤) بيض عشائره (٥) إن رَثَّ بردي (٦) فليس السيف محتفلاً ... بالغمد (٧) وهو وميض الغرب باتره (٨)

стр. 105

وهمتي في ضمير الدهر كامنة ... وسوف يَظهر ما تُخفي ضمائرُه ومن هذا الباب قول الشافعي ﵀: عَلَيَّ ثيابٌ لو يباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهن أكثرا وفيهن نفس لو تقاس بها ... نفوس الورى كانت أعز وأكبرا وما ضَرَّ نَصْلَ السيفِ إخلاقُ غِمدِه ... إذا كان عَضْبًا (١) حيث وجَّهْتَه فَرَى (٢) وقال الشافعي ﵀ أيضًا: إذا المشكلات تصدَّين لي ... كشفت حقائقها بالنظر لسان كشِقْشِقة الأرحبي (٣) أو كالحسام اليماني الذكر ولست بإمَّعةٍ (٤) في الرجا ... لِ أسائل هذا وذا ما الخبر ولكننى مِدْره (٥) الأصغرين (٦) ... جلَّابُ خير، وفرَّاجُ شر وقال الحريري ﵀: وفضيلة الدينار يَظهر سرُّها ... من حَكِّهِ لا من مَلاحَة نقشهِ ومن الغباوة أن تُعظم جاهلًا ... لِصِقال ملبَسه ورونق رقشِه أو أن تُهين مُهَذبًا في نفسه ... لِدُروس بَزَّتهِ وَرَثَّةِ فرشِه

стр. 106

وقال أبو هلال العسكري ﵀: جلوسي في سوق أبيع وأشتري ... دليل على أن الأنام قرود ولا خير في قوم تَذِلُّ كرامُهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود ويهجوهم عني رثاثة كسوتي ... هجاءً قبيحًا ما عليه مزيد ... وكره بعض العلماء أن يتحول عن بلده، مع إيثاره الخمول والانقباض عن الناس، خشية أن يعامله من لا يعرف قدره؛ بما لا يليق به: كان الِإمام سفيان الثوري ﵀ شديد التواضع (١) في غير ذل ولا استصغار، ومن كلامه ﵀: "أحِبُّ أن أكونَ في موضعٍ لا أُعْرَفُ، ولا أُسْتَذَلُّ"، وقال ابن مهدي: سمعت سفيان الثوري يقول: "وددتُ أني أخذتُ نعلي هذه، ثم جلست حيث شئت، لا يعرفني أحد"، ثم رفع رأسه، ثم قال: "بعد أن لا أُسْتَذَلُّ". ولشدة حذره من الذلة، كان يسكن بين معارفه من الناس الذين يعرفون قدره، وقال ﵀: "لولا أن أُسْتَذَلَّ" لسكنتُ بين قوم لا يعرفونني" (٢).

стр. 107

لما قدم المدينة الخليفةُ المهديُّ، أقبل الناسُ عليه مسَلِّمين، فلما أخذوا مجالسهم جاء مالك، فقالوا: "اليوم يجلس مالكٌ آخر الناس"، فلما دنا، ونظر ازدحام الناس، وقف، وقال: "يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟ "، فناداه المهدي: "عندي يا أبا عبد الله! "، فتْخطَّى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى، وأجلسه بحانبه. ... وبهذه العزة أجاب العالم الضرير المحدِّثَ أبو معاوية محمد بن خازم هارون الرشيد، لما صَّب الماء على يديه، وأعلمه بذلك بعد أن فرغ: "إنما أكرمتَ العِلمَ يا أمير المؤمنين". ... عزل الإمام "ابن دقيق العيد" ﵀ نفسه عن القضاء في بعض المرات، ثم طُلب ليُوَلِّى، وقام السلطان الملك المنصور "لاجين" له واقفًا لما أقبل، فصار يمشى قليلًا قليلًا، وهم يقولون له: "السلطان واقف"، فيقول: "أديني بأمشى!! "، وجلس معه على الجوخ حتى لا يجلس دونه، وقبَّل السلطان يده، فقال ابن دقيق العيد: "تنتفع بهذا"!

стр. 108

وقال ابن حزم- ﵀: (ومن أعظم ما يُحكى من المكارم التى لم نَسمع لها أختًا: أن أبا غالب تمام بن غالب التَّيَّاني (ت ٤٣٦) ألَّف كتابا في اللغة (١)، فوجَّه إليه أبو الجيش مجاهد العامريُّ صاحب الجزائر ودانية ألف دينارٍ أندلسية، ومركوبًا وأكسية، على أن يزيد في ترجة الكتاب -أي: في اسمه-: "مما ألَّفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد" فردَّ الدنانيرْ وغيرها، وقال: "كتاب ألَّفْتُه لينتفع به الناس، وأُخلِّدَ فيه همتي، أجعل في صدره اسم غيري، وأصرف الفخر له! والله لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلتُ، ولا استجزتُ الكذب، لأنني لم أجمعه له خاصة، بل لكل طالب "فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها!) (٢) اهـ. ... وعن أبي سعيد بكر بن منير قال: (بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل البخاري: "أن احمل إليَّ كتاب "الجامع"، و"التاريخ"، وغيرهما لأسمع منك"، فقال محمد بن إسماعيلَ لرسوله: "أنا لا أُذِلُّ العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كنت لك إلى شيء منه حاجة، فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا؛ فأنت سلطان، فامنعني من الجلوس، ليكون في عذر عند الله يوم القيِامة، لأني لا أكتم العلم، لقول النبي ﷺ : (من سئل عن علم فكتمه، أُلجم بلجام من نار"، قال: فكان سبب الوحشة بينهما هذا) اهـ.

стр. 109

وقال أبو بكر بن أبي عمرو: (كان سبب مفارقة أبي عبد الله البخاري البلد أن خالد بن أحمد خليفة ابن طاهر سأله أن يحضر منزله، فيقرأ "التاريخ"، و"الجامع" على أولاده، فامتنع من ذلك، وقال: "لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم آخرين"، فاستعان خالد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل بخارى، حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد، وقال: فدعا عليهم) إلخ (١). ... جاء في ترجمة الخطيب البغدادي ﵀ أنه (دخل عليه بعض العلوية، وفي كُمِّه دنانير، فقال للخطيب: "فلان يُسَلِّم عليك، ويقول لك: اصرف هذا في بعض مهماتك"، فقال الخطيب: "لا حاجة لي فيه"، وقطب وجهه، فقال العلوي: "كأنك تستقله؟ "، ونفض كُمَّه على سجادة الخطيب، وطرح الدنانير عليها، فقال: "هذه ثلاثمائة دينار"، فقام الخطيب محمرًّا وجهه، وأخذ السجادة، وصَبَّ الدنانير على الأرض، وخرج من المسجد)، قال أحد تلامذة الخطيب: (ما أنسى عِزَّ خروج الخطيب، وذُلَّ ذلك العلوي، وهو قاعد على الأرض، يلتقط الدنانير من شقوق الحصير، ويجمعها) (٢) اهـ. وفي عزة العالم وشرف نفسه، قال القاضي أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني:

стр. 110

يقولون لي: فيك انقباض، وإنما ... رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما أرى الناسَ من داناهمُ هان عندهم ... ومن أكرَمته عزة النفس أُكْرِما ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته في سُلَّمَا وما زلتُ منحازًا بعرضي جانبًا ... من الذل أعتد الصيانة مَغنما وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من في الأرض أرضاه مُنِعما إذا قيل: "هذا منهل"، قلت: قد أرى ... ولكن نفسَ الحُرِّ تحتمل الظما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدُمَ من لاقيتُ لكن لأُخْدَما أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلة ... إذًا فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظَّما ولكن أذلوه فهان، ودنَّسوا ... مُحَيَّاهُ بالأطماع حتى تجهَّما (١) ... وقال الذهبي في ترجمته للإمام على بن أبي الطيب: إنه حمل إلى السلطان محمود بن سبكتكين ليسمع وعظه، فلما دخل جلس بلا إذن، وأخذ في رواية حديث بلا أمر، فتنمر له السلطان، وأمر غلامًا، فلكمه لكمة أطرشته، فعرفه بعضُ الحاضرين منزلته في الدين والعلم، فاعتذر إليه، وأمر له بمال، فامتنع، فقال: "يا شيخ! إن للمُلْكِ صَولةً، وهو محتاج إلى السياسة، رأيتُ أنك تعدَّيتَ الواجب، فاجعلني في حِلٍّ"، قال: "الله بيننا بالمرصاد، وإنما أحضرتني للوعظ، وسماع
следующие страницы →