← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

البيع إلا باجتماعهما على إجازة أو رد، فإن اتفقا على إمضاء أو فسخ كان لهما وإن اختلفا فاختار أحدهما الرد والآخر الإمضاء، فالقول قول (١) المختار للرد لأن مختار الإمضاء قد أسقط حقه من الفسخ وبقي حق الآخر ولا يسقط بإسقاط غيره له. فصل [٣ - في خيار المجلس]: خيار المجلس غير ثابت والعقد بالقول لازم (٢) خلافًا للشافعي (٣) لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤)، ولأنه عقد معاوضة كالنكاح، ولأن كل خيار كان من مقتضى العقد جاز أن يبقى بعد الافتراق كخيار العيب وكل خيار لا يثبت بعد الافتراق، فليس من مقتضى العقد كالخيار في إغلاء (٥) الثمن ورخص، ولأنه لو كان ثابتًا بمقتضى العقد لم يصح وقوع العقد على وجه لا يتصور فيه، فكان لا يصح للأب أن يشتري لابنه من نفسه لأن مفارقة (٦) الإنسان من نفسه لا تصح. فصل [٤ - في وضع الخيار لتمام البيع واستقراره]: الخيار موضوع لتمام البيع واستقراره لا للفسخ، فإن اختار من له الخيار الإمضاء تَمَّ البيع وانبرم، وإن اختار الفسخ تبيّنَا أن الملك لم ينتقل إليه (٧)، وإنه لم يزل على ملك البائع، وفي الحالتين فهو في الحكم على ملك البائع وتلفه منه ما لم يتقرر من المشتري إمضاء خلافًا لمن يقول: إنه وضع للفسخ (٨)

стр. 1017

وأن الملك قد انتقل بنفس العقد لأنه إيجاب لا يلزم البائع الثبوت عليه، فلم ينتقل الملك به على التجريد أصله إذا وجب ولم يقل للمشتري: قبلت، ولأن الإيجاب مع شرط الخيار غير محقق (١) لأنه متعلق بشيء يقع في المستأنف، فالمشتري يقبل إيجابًا غير محقق فلم ينتقل به الملك. فصل [٥ - في تصرف المالك في ملكه]: كل تصرف يفعله المالك في ملكه لا يحتاج إليه في اختيار (٢) المبيع، فإنه يعد رضا ممن له الخيار ويكون من البائع فسخًا، ومن المشتري إمضاء وذلك كالوطء والتقبيل واللمس للذة وكالهبة والصدقة بالمبيع والإعتاق والتدبير والكتابة، واختلف في الإجارة والرهن والتسوم (٣) بالسلعة (٤): فعند ابن القاسم أنه اختيار لأنه تصرف من المالك لا يحتاج إليه في اختيار المبيع وليس باختيار عند أشهب لأنه قد يفعل نيابة عن الغير، وتزويج الأمة اختيار وتزويج العبد وإسلامه في صنعه اختيار عند ابن القاسم وليست باختيار عن أشهب، وجناية الخطأ ليست باختيار وجناية العمد اختيار عند ابن القاسم وليست باختيار عند أشهب، والنظر في هذا كله مع ابن القاسم والاستخدام ليس باختيار لأنه اختبار. فصل [٦ - في مدة الخيار]: مدة الخيار متعلقة بما يمكن اختيار (٥) المشتري المبيع في مثله (٦)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قصرها ذلك على ثلاثة أيام (٧) (لقوله صلى الله عليه

стр. 1018

وسلم: "لكل مسلم شرطه" (١)، وقوله ﷺ : "إلا بيع الخيار" (٢) فأطلق، ولأنها مدة ملحقة بالعقد فجاز أن يكون أكثر من ثلاثة أيام) (٣) كالآجال لأنها مدة يحتاج فيها إلى اختبار المبيع كالثلاثة، ولأن الخيار موضوع لتأمل المبيع واختياره والمبيعات مختلفة في ذلك وفي قصرها على مدة محصورة إبطال لفائدته. فصل [٧ - إذا مات مشترط الخيار]: إذا مات مشترط الخيار من المتبايعين قام ورثته مقامه (٤) خلافًا لأبي حنيفة (٥)، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٦) فعم، ولقوله ﷺ : "من ترك ملكًا وحقًّا فلورثته" (٧)، ولأنه خيار ثابت في عقد بيع كالخيار بالعيب، ولأن من ورث شيئًا ورثه بحقوقه كالدين بالرهن وخيار التعيين (٨) والرد بالعيب، ولا يلزم عليه الوطء لأن ذلك لا يتصور فيه على وجه. فصل [٨ - في اختلاف الورثة بين الإمضاء والفسخ]: إذا اختلف الورثة فأراد بعضهم الإمضاء وبعضهم الفسخ: فإما رضوا جميعًا أو فسخوا لأنهم يقومون مقام موروثهم ولم يكن له تبعيض الصفقة. فصل [٩ - في وراثة خيار الشرط أو الرؤية أو التعيين أو الرد بالعيب]: (لا فصل بين خيار الشرط أو الرؤية أو التعيين أو الرد بالعيب في أن ذلك كله موروث) (٩).

стр. 1019

فصل [١٠ - حكم التبايع على خيار رضا فلان]: يجوز أن يتبايعا ويشترطا أو أحدهما رضا فلان أو اختياره يومًا أو أيامًا (١) خلافًا لأصحاب الشافعي (٢) لقوله ﷺ : "واشترط الخيار ثلاثًا" (٣) ولم يفرق، ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع وحظ مشترطه، وقد لا يعرف ذلك فيشترطه لغيره ليُعرِّفه إياه. فصل [١١ - إذا ثبت الخيار لغير المتبايعين فهل يثبت مع ذلك لهما]: إذا ثبت (٤) الخيار ويكون لمن اشترط له فهل يثبت (مع ذلك لمشترطه من المتبايعين أم لا؟ فيه خلاف (٥) قال ابن القاسم: يثبت) (٦) الخيار للأجنبي وللبائع إن كان هو الذي اشترطه (٧)، فإن اختار الأجنبي ردًّا أو إجازة وأباه البائع فالقول للبائع، وإن كان المشتري هو الذي شرط للأجنبي الخيار لم يثبت إلا للأجنبي فقط ولم يكن للمشتري أن يخالف (٨) عليه، وروي عنه أيضًا: أن لهما المخالفة عليه وهو قول ابن حبيب. وإنما قلنا: إن شرط الخيار للأجنبي لا يلزم البائع لأنه لم يشترط له على وجه التمليك، ولكن على وجه تنبيهه (٩) وإرساله، ولأن الخيار للأجنبي فرع على ثبوته للبائع فيمتنع أن يثبت الفرع وينتفي به أصله.

стр. 1020

ووجه التفريق بين البائع والمشتري أن حال المشتري (١) أضعف، لأن الإيجاب لا يتعلق بصفة والقبول يتعلق بها، فجعل أمره على التمليك والنظر التسوية بينهما لأنهما متساويان في العقد وحقوقه، لا يختلف أصحابنا أن شرط مشاورة الأجنبي جائزة ولا يلزم المتبايعين لأنه اشترطها لنفسه لا لغيره. فصل [١٢ - عدم اشتراط حضور العاقد الآخر عند الإمضاء أو الفسخ]: إذا اختار مشترط الخيار أن يختار (٢) أو يفسخ فله حضر الآخر أم غاب (٣) خلافًا لأبي حنيفة في اشتراطه حضور صاحبه (٤)، لقوله ﷺ في المصراة (٥): "فهو بخير النظرين إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها" (٦) ولم يفرق، ولأنه مختار (٧) للفسخ مع بقاء مدة الخيار كما لو حضر صاحبه، ولأنه معنى ينقطع به خياره فلم يفتقر إلى رضا الآخر كالإجارة. فصل [١٣ - الخيار المطلق]: إذا اشترط الخيار ولم يضربا له مدة صح العقد وضرب للسلعة مدة تختبر (٨)

стр. 1021

في مثلها (١) خلافًا لمن قال: إن البيع فاسد (٢)؛ لأن الإطلاق محمول على العرف فيصير كالمشترط في البيع كالحمولة والنقد. فصل [١٤ - عدم جواز اشتراط النقد في بيع الخيار]: لا يجوز اشتراط النقد في بيع الخيار لا إلى أجل قريب ولا بعيد (٣) لأن ذلك يضارع البيع والسلف، فيكون مرة ثمنًا إن اختار المشتري الإمضاء ومرة سلفًا إن اختار الرد، فإذا ثبت منعه فاشتراطه يفسد البيع لأنه شرط ينافي موجب العقد كما لو شرط ألا يملكه وإن لم يشترط وتبرع المشتري بالنقد جاز (٤). فصل [١٥ - تلف المبيع في أيام الخيار]: تلف المبيع في أيام الخيار من البائع إن كان في يده أو في يد غيرهما (٥) لأنه على ملكه لم يدخل في ضمان المشتري، فإن تلف في يد المشتري فتلفه منه، وإن كان مما يغاب عليه لأنه قبضه لمنفعة نفسه وعلى وجه المبايعة دون مجرد الأمانة، ولا يضمنه إن كان مما لا يغاب عليه لأن الظاهر أن هلاكه بغير صنعه، وأنه غير متعد بقبضه كالرهن (٦). فصل [١٦ - اختلاط الثوبين الذين اشتراهما بالخيار]: إذا ابتاع من رجلين ثوبين بشرط الخيار فاختلطا ولم يتميز ألزمه البيع ولا خيار له (٧) لأنه لا يصل إلى رد ملك أحدهما عليه، فكان كالتالف (٨).

стр. 1022

فصل [١٧ - خيار الغبن]: اختلف أصحابنا في بيع السلعة بما لا يتغابن الناس بمثله مثل أن يشتري أو يبيع مما يساوي ألف بمائة، فمنهم من نفى أن يثبت الخيار لمغبون (١) منهما، ومنهم من قال: لا خيار إذا كانا من أهل الرشاد والبصر بتلك السلع، وإن كان أو أحدهما بخلاف ذلك فللمغبون الخيار (٢). فإذا قلنا: لا خيار له فلأنه نقص في عين المعقود عليه كالقليل، ولأن المغبون مفرط لأنه كان يجب أن يوكل من يشتري له أو يبيع. وإذا قلنا: له الخيار فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣) وقوله ﷺ : "إذا بعت فقل لا خلابة" (٤)، ونهيه عن إضاعة المال (٥)، وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (٦)، ولأنه نوع من الغبن في الأثمان فجاز أن يتعلق به الخيار أصله تلقي الركبان، ولأنه نقص بثمن المبيع (٧) والغبن فكان مؤثرًا في الخيار كالعيب. …

стр. 1023

باب: [في الغش والتدليس في البيوع] ومن أراد بيع سلعة له معيبة فعليه أن يبين ذلك ويُعلم المشتري به (١) لأنه إن كتمه ذلك فقد غشه والغش ممنوع في الدين. وإنما قلنا: أنه غش لأن المشتري يدخل على مبيع سليم والبائع يعلم أنه لا يعلم بالعيب، وإنه لا يدري إذا علم به هل يرضى أم لا، فإذا كتمه فقد غشه (ولقوله ﷺ : "ولا تصروا الإبل والغنم" (٢)، فنهى عن التصرية لأنها غش وتدليس لأن المشتري يظن أن ذلك قدر حلابها، وروي أن رسول الله) (٣) ﷺ مر برجل يبيع طعامًا فسأله كيف يبيع فأخبره فأومأ إليه أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده، فإذا هو مبلول فقال ﷺ : "ليس منا من غش" (٤). فصل [١ - صحة البيع الذي فيه غش]: إذا ثبت أن ذلك ممنوع فلا يمنع صحة البيع (٥) خلافًا لمن ذهب إلى ذلك (٦) لحديث المصراة، وقوله: "من ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين إن رضيها

стр. 1024

أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (١)، فأثبت له الخيار فدل أن العقد صحيح، ولأن العيب ليس فيه إلا أنه نقص من المبيع، وذلك لا يوجب الفساد كما لو اشترى رزمة على أن فيها عشرة أثواب فكانت تسعة. فصل [٢ - في أن العيب يثبت الخيار للمشتري]: إذا ثبت أن العيب لا يفسد العقد وإنه يوجب الخيار للمشتري في أن يردّ ويرجع بالثمن أو يمسك ولا شيء له ما دام (٢) المبيع قائمًا بحاله لم يفت ولم يتغير لقوله في حديث المصراة: "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين" (٣) فأثبت له الخيار، ولأن المشتري إنما بذل الثمن ليحصل له المبيع سليمًا، فإذا أصابه معيبًا فلم يرض ببذل الثمن في معيب، فكان له رده، وإن اختار رد البيع والرجوع بالثمن، فذلك له إن اختار إمساكه والرجوع بأرش العيب حتى يحصل السلعة المعيبة (٤) ببعض الثمن فليس ذلك له إلا برضى البائع. وإنما قلنا ذلك لأن البائع دخل على أن يحصل له الثمن كله وتحصل السلعة للمشتري فلم يجبر على أن يحصل له بعض الثمن، ولأن المشتري لا يستحق الأرش على ألا يرد فلا يلزم المشتري إلا برضاه، (وفي حديث المصراة "إن رضيها أمسكها (٥) وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (٦) ولم يجعل له إمساكها مع أخذ الأرش. فصل [٣ - إذا بذل البائع الأرش على ألا يرد]: وإذا بذل البائع الأرش على ألا يرد فلا يلزم المشتري إلا برضاه لقوله ﷺ : "فهو بخير النظرين" (٧)، فأثبت له الخيار وذلك ينفي الإجبار

стр. 1025

على أحدهما، ولأنه يقول: إنما بذلت الثمن لتحصل لي سلعة سليمة كما أن البائع دخل علي أن له كل الثمن. فصل [٤ - سقوط الخيار إلى مال]: وإنما قلنا: إن ذلك جائز مع تراضيهما خلافًا لمن منعه (١) لأن هذا الخيار (٢) قد سقط إلى مال لأن المبيع لو فات لكان للمبتاع الأرش فجاز إسقاطه الآن إلى مال كخيار القصاص، ولأن الجزء الفائت لما لم يعاوض عليه وجب له الرجوع بما قابله، فإذا تراضيا بذلك جاز، وكيفية الرجوع بالأرش أن ينظر إلى قيمة السلعة سليمة من العيب، فيقال: عشرون دينارًا فيقال: وكم تساوي مع العيب فيقال: ستة عشرة فيعلم أن العيب قد نقصها خمس قيمتها فيرجع على البائع بخمس الثمن، لأن ذلك في مقابلة الجزاء الفائت ولا يرجع بمقدار ما نقص من القيمة لأن المعاوضة إنما (٣) كانت بالثمن لا بالقيمة، وهذا كله إذا كان المبيع قائمًا بعينه لم يفت ببعض وجوه الفوت، فأما إن فات فليس له إلا أخذ الأرش لأن رده مع الفوت غير ممكن لأنه يوجب ألا يستبد المشتري بأخذ الثمن وألا يرجع المبيع إلى البائع وذلك غير جائز ونحن نذكر وجوه الفوت. فصل [٥ - إذا تصرف في المعيب بعد العلم بعيبه]: وهذا كله إذا لم يتصرف فيه بعد علمه بعيبه ولم يظهر منه بتركه، فإن تصرف فيه بعد العلم بالعيب مختارًا، فذلك رضا منه بعيبه فليس له رد ولا أرش. فصل [٦ - في التصرف المضطر إليه في المعيب]: وإن تصرف مضطرًا مثل أن يشتري دابة معيبة ولم يظهر على عيبها إلا بعد أن

стр. 1026

يسافر بها، فلما علم عيبها لم يرض وأراد ردها ولم يجد بُدًّا من ركوبها أو حمل متاعه عليها فعل ذلك مضطرًا ففيها روايتان (١): إحداهما: أن ذلك مسقط لرده، والأخرى: أنه لا يسقطه، فوجه الأولى أنه تصرف مع العلم بالعيب كالتصرف مع الاختيار، ولأن ضرورته لا تمنع سقوط ردها إذا تعلق بذلك حق غيره لأنه إنما تصرف لحظ نفسه، ووجه الثانية أن المضطر في حكم المكره ولو تصرف مكرهًا لم يسقط خياره، فكذلك مع الاضطرار. فصل [٧ - إذا ابتاع رجلان عبدًا فوجدا به عيبًا]: إذا ابتاع رجلان عبدًا فوجدا به عيبًا، فإن اتفقا على رد أو إمساك فذلك لهما، وإن أراد أحدهما الرد، والآخر: الإمساك، ففيها روايتان (٢): إحداهما: أن لمن شاء منهما أن يرد وهو قول ابن القاسم، والأخرى: أنه لا يجب الرد مع اختلافهما وليس لهما تبعيض الصفقة على البائع وهو قول أشهب. ووجه ثبوت الرد أنه بيع اجتمع (٣) في أحد طرفيه عاقدان فلم يتعلق رد المعيب في حق أحدهما برده فوجب (٤) في حق الآخر أصله إذا كان البائعان رجلين والمشتري واحدًا، ولأنه مبتاع وجد بما ابتاعه عيبًا فلم يرض به ولم يفت، فكان له رده من غير اعتبار بغيره (٥) أصله إذا انفرد به، ولأن هذا العقد في حكم الصفقتين بدليل أن جملة الثمن معلومة في الجملة، وإن لم يعلم في حق كل واحد منهما ولو كان في حكم الصفقة الواحدة لم يصح.

стр. 1027

ووجه سقوط الرد أن فيه تفريق الصفقة على البائع، وذلك إضرار به وخلاف لما دخل عليه، ولأنه رد لمبيع (١) وجب لجماعة عن عقد بيع، فوجب أن لا يملك أحدهم رد ما يخصه إلا برد الباقين أصله إذا ابتاع بالخيار شيئًا، فمات فليس لورثته أن ينفرد أحدهم بالرد دون الآخرين. فصل [٨ - ادعاء أن بالمبيع عيبًا]: إذا ادعى المبتاع أن بالمبيع عيبًا فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يعلم بالمشاهدة كالقطع وغيره من النقص في البدن، أو أن لا يعلم بالمشاهدة كالسرقة والإباق والتزويج في العبد والأمَة وما أشبه ذلك، فإن كان مما يعلم بالمشاهدة لزمه إيقاف البائع عليه ثم ينظر، فإن كان مثله لا يحدث عند المشتري ولا يكون إلا متقدمًا على وقت الشراء فله الرد ولا مقال للبائع لأنه قد ثبت صدقه، فإن ادعى البائع عليه الرضا فله أن يحلفه على ذلك إن لم يقم له بينة به، إن حلف المشتري ثبت له الرد وإن نكل ردت اليمين على البائع، فإن حلف سقط عنه الرد، فإن نكل ثبت للمشتري وإن لم يدَّع البائع على المشتري الرضا لم يكن له إحلافه ولزمه رد (٢) الثمن (٣). فصل [٩ - إذا كان العيب حادثًا]: فإن كان مثله حادثًا مما يعلم أنه لم يكن في ملك البائع وأنه لم يحدث إلا بعد البيع، فالقول قول البائع لأنه قد ثبت صدقه وكذب المشتري، فإن كان مما يمكن حدوثه (٤) عند البائع وحدوثه عند المشتري فالقول قول البائع مع يمينه لأن الأصل السلامة ولزم البيع والمشتري يدعى ثبوت خيار واستحقاق فلا يقبل ذلك

стр. 1028

منه إلا ببينة (١) وإلا حلف وسقط عنه الحكم، فإن نكل حلف (٢) المشتري، ووجب له الردّ، فإن نكل فلا شيء له وإن حلف رده على البائع هذا إذا كان العيب مشاهدًا والأيمان ها هنا على البت دون العلم لأنه يوصل إلى اليقين فيه. فصل [١٠ - إذا كان العيب لا يُعلم بالمشاهدة]: وأما إن كان مما لا يُعلم بالمشاهدة كالإباق والرقيق وغيره، فلا يقبل من المشتري إلا ببينة وإلا حلف البائع ثم كان الحكم على ما قدمناه. فصل [١١ - إذا حدث عند المشتري عيب ثم ظهر عيبًا كان عند البائع]: فإن لم يظهر المشتري على العيب حتى تصرف في البيع تصرفًا ينقص منه أو حدث به عنده عيب آخر، فإن البائع لا يخلو أن يكون دلس أو لم يدلس: فإن كان دلس للمشتري أن يطالبه بالأرش ويتمسك (٣) بالسلعة أو يرد ويرجع بالثمن ولا شيء عليه فيما تصرف فيه أو حدث به عنده إلا أن يكون في حكم ذلك المتلف فيكون ذلك فوتًا وذلك مثل أن يشتري ثوبًا معيبًا (٤)، فلا يعلم به حتى يقطعه قميصًا أو سراويلًا أو غير ذلك مما يستعمل في مثله فله أن يرده ولا شيء عليه ولو مزقه أو أتلفه بتصرف الناس بمثله لم يكن له الرد وكان له الأرش، وإن كان المبيع عبدًا فتلف من ذلك العيب فللمبتاع الرجوع بالثمن ولا شيء عليه (٥) من تلفه، فأما إن كان البائع لم يدلس فالمبتاع بالخيار إن شاء أن يأخذ الأرش وإن شاء أن يرد وما نقص (٦).

стр. 1029

فصل [١٢ - دليل أن حدوث العيب عند المشتري لا يمنع الرد]: وإنما قلنا: إن حدوث العيب عند المشتري لا يمنع الرد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (١)؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجب له العقد من سلامة المبيع، فكان له الرد إذا لم يرض بالإمساك أصله إذا لم يحدث عنده عيب، ولأن الرد أحد نوعي الخيار الواجب للمشتري بالعقد فلم يمنعه حدوث العيب عنده كالإمساك وأخذ الأرش، ولأنه نقص حدث بالمبيع فلم يمنع رده مع أخذ أرشه أصله حُلْبُ المصراة. فصل [١٣ - في دليل أنه يمسك ويرجع بالأرش]: وإنما قلنا: إن له أن يمسك ويرجع بالأرش خلافًا لمن قال: ليس له إلا أن يرد (٢)؛ لأن الرد حق له والأرش حق له فلم يجبر (٣) على أحدهما. وإنما قلنا في التدليس: إن المشتري مخير إذا تصرف في المبيع تصرفًا يجوز مثله رده ولم يلزمه أرش لأن ذلك رضا من البائع لأنه لمَّا كتم العيب وهو يعلم أن المشتري يتصرف في المبيع، ولا يعد ذلك منه رضا لأنه تصرف عن غير علم بالعيب، كان راضيًا به لأنه هو الذي سلطه عليه فلم يلزم المشتري أرش. فصل [١٤ - الرد يكون مع النقص]: وإنما قلنا: إنه إذا قطعه بما لا يقطع مثله لم يكن له رده إلا مع النقص لأن البائع لم يسلطه على ذلك لأنه دخل على أن يتصرف فيه تصرف مثله المعهود، فإن تصرف فيه المشتري بمثل ما يتصرف في مثله فلا شيء عليه، لأن البائع سلطه عليه فإن خرج عن العادة لم يكن له رده إلا مع الأرش لأن البائع لم يسلطه على ذلك ولا رضي به.

стр. 1030

فصل [١٥ - إذا مات العبد من ذلك العيب]: (وإنما قلنا: إن العبد إذا مات من ذلك العيب فلا شيء على المشتري، فلأن البائع قصد أخذ مال المشتري بغير حق لأنه لم يوفه المبيع سليمًا بل دفع إليه ما لم يعاوض عليه، فإذا لم يرضه لم يلزمه تلفه لأنه على ملك البائع حتى يعلم رضا المشتري. فصل [١٦ - ليس للمبتاع رد المبيع إذا لم يدلس البائع]: وإنما قلنا: إن البائع إذا لم يدلس فليس للمبتاع رد المبيع إذا تصرف فيه إلا مع الأرش لأن البائع لم يسلطه على التصرف) (١) ولا رضي به فلم يلزمه قبوله إلا مع الأرش، وسواء في ذلك إذا كان لم يعلم بالعيب أو كان علم به وأنسيه. فصل [١٧ - إذا وجد بالمبيع عيبان]: وإذا وجد بالمبيع عيبان: أحدهما يعلم أنه قبل البيع، والآخر يمكن (٢) فيه الأمرين، فالرد للمشتري بالأول واليمين عليه لأن الآخر لم يحدث عنده لأنه لم يكن (٣) مدعى عليه استحقاق الأرش. فصل [١٨ - الفوت الذي يصيب العبد من موت وزمانه وهرم غيره]: موت العبد وزمانته وهرمه الذي لا يبقى معه انتفاع به وعتقه وتدبيره وكتابته واستيلاد الأمة على ذلك فوت والأصل فيه أن كل ما يتعذر معه الرد فوت وكل هذا إتلاف منه مشاهدة ومنه من طريق الحكم، فأما البيع (٤)، ففيه ثلاث (٥) روايات:

стр. 1031

إحداها (١) أنه فوت ويرجع بالأرش على البائع وإن كان المشتري لم ينقص في الثمن كان له الأرش، فإن كان قد نقص فالبائع الأول بالخيار إذا اختار أن يعطيه الأرش أو يكمل له رأس ماله. والثانية: أنه لا شيء له إلا أن يرده (٢)، والثاني: أو يرجع إليه بشراء أو هبة أو غير ذلك وما لم يرجع إليه أو يرده الثاني فلا شيء له على الأول. والثالثة: أنه إن كان نقص لأجل العيب رجع بقدر ما (٣) نقص على البائع، وإن لم ينقص فلا شيء له إلا أن يرجع إليه. فوجه الأولى: أن المبيع إخراج له عن الملك، فكان فوتًا كالعتق والصدقة، وإما قلنا: أنه إن كان قد نقص فالبائع الأول مخير بين إعطائه الأرش وتكميل رأس المال؛ لأن ردَّه غير ممكن، والذي يلزم البائع تخليصه من العيب بأي الأمرين شاء ورجحنا في التخيير لأن جنبته أقوى بتعذر الرد. ووجه الثانية: وهي أنه لا شيء له إلا أن يرد عليه أو يرجع إليه أن الرد غير ميئوس منه، فلم يكن فوتًا كالرهن والعارية، فإن عاد إليه كان له ردُّه لإمكان الرد بعد عوده. ووجه الثالثة أنه إذا لم ينقص فلإطلاقه بينه وبين البائع ولا سيما (٤) مع تعذر الرد، والأقيس (٥) من هذا كله أن يكون له الأرش لأن البائع لم يوفه ما أوجب له العقد بالجزء (٦) الفائت عنده.

стр. 1032

فصل [١٩ - في حكم الإباق]: الإباق فوت (١) خلافًا للشافعي (٢)؛ لأن رده يتعذر معه ويجعله في حكم الميئوس منه، ولأن الإباق يوجب له القيمة في العيب وكذلك يجب أن يكون له الأرش في العيب. فصل [٢٠ - في وطء المشتري للثيب]: وطء المشتري للثيب لا يمنع الرد ولا يوجب عوضًا (٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه يمنع الرد (٤) لأن الفوت هو تلف المبيع أو تغير بدنه أو عينه (٥) أو أن يعقد عليه عقدًا يخرجه عن الملك لا سبيل إلى رده وكل هذا معدوم لأنه استمتاع كالقُبْلة والوطء فيما دون الفرج، ولأنها وطئت في ملك المبتاع كوطء الزوج والإكراه، وخلافًا لابن أبي ليلى في قوله: إنه يردها ومعها مهر المثل (٦)؛ لأنه وطء ملك فلم يستحق عليه عوض به أصله إذا فاتت، ولأنه لم ينقص شيئًا منها كالاستخدام. فصل [٢١ - في وطء المشتري للبكر]: وطء البكر لا يمنع الرد خلافًا للشافعي (٧)، لما بيناه أن حدوث العيب لا يمنع الرد وليس الافتضاض بأكثر من قطع بعض الأعضاء، وإذا ثبت أن له أن يرد، فإنه يردها وما نقصها كسائر العيوب.

стр. 1033

فصل [٢٢ - وجوب الرد للمشتري إذا كان المبيع على حاله]: قد بينا أن الرد واجب (١) للمشتري إذا كان المبيع على حاله (٢) لم ينم في يد المشتري ولا نقص ولا تغير عن (٣) صفته، وسواء دلس به البائع أو نسيه، وبينا أنه إذا حدث به عيب عنده، فإن ذلك لا يمنع الرد ويرد معه ما نقصه العيب، فأما إذا نمى فإنه لا يخلو النماء أن يكون منفعة أو عيبًا، فإن كان المنفعة مثل استخدام العبد وسكنى الدار أو إجارتها أو ركوب الدابة وما أشبه ذلك، فإن هذا لا يمنع الرد بالعيب ولا شيء على المشتري فيما استعمل أو استعان ولا يلزمه رد شيء لأجله لأن هذا خراج والخراج به الضمان. والأصل فيه ما روى ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف (٤) أنه ابتاع غلامًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا فقضى له عمر بن عبد العزيز برده وغلته، فأخبره عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان (٥)، فرد (٦) عمر قضاه وقضى لمخلد بردِّه الخراج إليه ولا خلاف في ذلك أعلمه. فصل [٢٣ - الرد إذا كان النماء عينًا]: فأما إن كان النماء عينًا فإنه يختلف، أما ولادة الأَمَة ونتاج الماشية، فإنما ترد مع الأمهات وثمرة النخل بخلاف ذلك يرد أصل النخل ولا يرد الثمرة، (وقال أبو حنيفة: الولادة والنتاج والثمرة يبطل الرد ويوجب الأرش (٧)؛ لأن هذه

стр. 1034

الأشياء عنده عيوب وحدوث العيب يمنع على أصله الرد) (١)، وقال الشافعي: يرد الأصل وحده في ذلك كله ولا يرد الفرع (٢). فدليلنا على أبي حنيفة: أنه نماء يحدث في يد المشتري بعد العقد، فلم يمنع الرد بالعيب أصله الغلة والكسب، ولأن أكثر ما فيه أن يكون عيبًا وقد بينا أن العيب (٣) لا يمنع الرد، ولأنهم قد وافقونا أن العبد إذا أفاد عند المشتري مالًا (٤) بهبة أو التقاط أو ركاز، فإن ذلك لا يمنع الرد بعيب إذا وجد به، وكذلك ولادة الأمَة لأنه لو كان منفعة لم يمنع الرد، فكذلك إذا كان عيبًا كنماء العبد. ودليلنا على الشافعي في قوله: إن الولد لا يرد أن الأصول موضوعة على كل حكم لزم في رقبة الأم، فإن الولد يتبعها فيه كولد أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتقة إلى أجل وقد ثبت أن حكم الرد لازم في رقبة هذه الأم المبيعة من وقت البيع، فيجب أن يكون ما يحدث من ولد وحكمه حكمها فيه لأنه حدث بعد استقرار وجوب الرد، ولا يشبه الثمرة إذا حدثت عنده لأنها خراج وغلة لأنها ليست كخلق الأصل، والولد ليس بخراج فإن كانت الثمرة في النخل وقت الشراء ردها مع الأصل. فصل [٢٤ - في بيع الأصول وفيها الثمر، وبيع العبد له مال]: إذا ابتاع أصل النخل وفيها ثمر، فإن كان لم تؤبر فهو للمبتاع، وإذا أراد رد الأصل كان حكمه حكم ما حدث عنده، فإن كان قد أبر لزمه أن يرده مع الأصل عند ابن القاسم لأنه إذا أبر فليس بيع (٥) بل كان واجبًا للبائع إلا أنه جعل للمبتاع اشتراطه رفقًا به فسقط حق الثمر (٦).

стр. 1035

وعند أشهب لا ترد الثمرة مع الأصل أبرت أو لم تؤبر لأنّه بيع (١) وغلة، فإن كان المشتري قد سقاها وأنفق عليها لزم البائع أن يعطيه ذلك كما لو سقاها أجنبي هذا إذا كانت الثمرة (٢) قائمة، فأما إن كانت الثمرة (٣) قد فاتت نظر، فإن كان بغير فعل منه فله أن يرد الأصل ولا شيء عليه كولد الأَمة الحادث بعد العقد إذا مات، ومال العبد مشترط معه إذا تلف أن له أن يرد الأَمة والعبد ولا شيء عليه، وإن أتلفها هو بأكل أو بيع فإنه يرد مثل مكيلتها عند مالك لأنها قد أخذت قسطها (٤) من الثمن، وله أجر السقي والعلاج لأنها كملت بسقيه، وعند أشهب أنها غلة لا ترجع (٥) مع الأصل اعتبارًا بما لم يؤبر، فأما إذا ابتاع غنمًا فجزَّ أصوافها فينظر: فإن كان حين ابتاعها كان (٦) عليها صوف تام فجزَّه فإنه يرده معها لأنه قد دخل في البيع، وإن كان حدث عنده فليس عليه أن يرده معها سواء كان بيده أو قد فات هذا كله على قول ابن القاسم. فأما أشهب فإنه يقول: لا يرد ذلك سواء كان موجودًا يوم الصفقة أو حدث بعدها لأنه تبع (٧) ولغو، فأما الألبان والسمون فإنها للمبتاع لأنها غلة فإن كان موجودًا يوم العقد لم يلزم شيء إذا رد عند ابن القاسم وأشهب لأنه بيع غير مقصود (٨) بالبيع، وإذا ابتاع عبدًا وشرط ماله رده معه في العيب وليس له انتزاعه لأنه ليس بغلة ولا خراج، وإن تلف عنده فلا شيء عليه وحكم ما أفاد من مال عند المشتري ما كان معه يوم العقد (٩).

стр. 1036

فصل [٢٥ - العيوب التي توجب الرد]: الذي يوجب الرد من العيوب: كل عيب ينقص الثمن ويؤثر نقصًا في المبيع أو يخاف عاقبته، وذلك كالجنون والجذام والبرص والعنين والخصاء والإفضاء (١) والدفر (٢) وبياض الشعر والبخر (٣) والإباق والزنا والسرقة وما أشبه ذلك (٤)، ومنه ما يختص بالرائعة والمرادة للوطء كالحمل وغيره مما ذكرناه، ومنه ما يعم كالجنون وغيره بحسب ما يعلم من العادة فيما تراد له الجارية أنه يؤثر فيه وينقص الثمن لأجله أم لا، فأما عدم الخفاض فعيب في رقيق العرب لأن العادة أنهم يخفضون وليس بعيب في رقيق العجم لأنه يعلم أنهم لا يفعلونه وهذا مما يخص (٥). فصل [٢٦ - إذا زال العيب بعد العقد وقبل علم المشتري]: إذا زال العيب بعد العقد وقبل علم المشتري نظر: فإن كان مما تتقي عاقبته فله رد العبد به، وذلك كالزوجة في العبد والزوج في الأمَة، فإن الطلاق لا يسقط الرد فيهما، وكذلك ما أشبهه مما لا يؤمن عوده أو ضرره، وأما ما يؤمن ذلك فيه، فإذا زال فلا رد له كالدين إذا قضاه ولم يكن في [سفه] (٦). …

стр. 1037

باب: [في عهدة الرقيق (١)] إذا اشترى عبدًا أو أمة فعهدته ثلاثة أيام بلياليها، فما أصابه فيها من حدث فمن البائع وإن شاء المشتري أخذه (٢) بعيبه بجميع الثمن له ذلك ثم له عهدة السنة بعد عهدة الثلاث من ثلاثة أدواء وهي: الجنون والجذام والبرص، فما حدث به من ذلك في السنة فالخيار للمشتري (٣) في إمساكه أو رده فإن تلف منها كان من البائع (٤)، وهذا لما كان أهل المدينة يجرون أمرهم عليه واشترطوها في إبلهم ثم يبيتوا عليه (٥)، ولذلك قال مالك: لا يحمل عليها أهل الأمصار إلا أن يشترطوها (٦)، والكلام فيها إنما هو على تقدير بقاء ذلك اليوم بالمدينة ولو كان العرف جاريًا به في بلادنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: كل عيب حدث بعد قبض المشتري، أي عيب كان فهو منه (٧)، ودليلنا ما روى الحسن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "عهدة الرقيق ثلاثة أيام" (٨)، وروي قتادة عن الحسن عن

стр. 1038

النبي ﷺ : "لا عهدة بعد أربع" (١)، ولأن ذلك إجماع أهل المدينة نقلًا لأن عمر بن الخطاب ﵁ حكم في العهدة فقال: ما أجد لكم شيئًا أوسع مما جعل النبي (٢) ﷺ لحبان بن منقذ، فإنه جعل له عهدة ثلاثة أيام فيما اشترى إن رضي أخذه وإن سخط ترك (٣). وقال محمَّد بن يحيى بن حبان (٤): ما جعل ابن الزبير عهدة الرقيق ثلاثة أيام إلا لقول رسول الله ﷺ لمنقذ بن عمر (٥): "وأنت بالخيار ثلاثًا" (٦)، وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر (٧): أن إبان بن عثمان (٨)، وهشام بن إسماعيل (٩) كان يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الثلاثة الأيام من حين

стр. 1039

يشتري العبد أو الوليدة (١)، وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي الزناد (٢)، والزهري ورووه عن المشيخة السبعة (٣)، فأما عهدة السنة من الأدواء الثلاثة، وإنها تكمن في البدن فتظهر في السنة، فإذا ظهرت قبل كمال السنة علم أن أصلها كان عند البائع، وإذا حدثت بعده علم أنها حدثت في ملك المشتري. فصل [١ - البيع بشرط البراءة]: اختلف قول مالك في البيع بشرط البراءة (٤) فعنه فيه ثلاث روايات (٥). إحداها: أنه جائز ويبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ مما عليه وكتمه واشترط البراءة منه، وهذا في الرقيق دون غيره من الحيوان والعروض، وهذه الرواية هي المعتبرة وعليها النظر. والثانية: أن ذلك جائز في الرقيق وسائر الحيوان. والثالثة: أن بيع البراءة غير نافع ولا يبرأ إلا مما (٦) يقف المشتري عليه ويريه إياه.

стр. 1040

فوجه القول بأن شرط البراءة جائز قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، ولأن ابن عمر باع غلامًا له بثمان مائة درهم بالبراءة فقال المبتاع: به عيب لم تسمه، فقال ابن عمر: "بعت بالبراءة فاختصما إلى عثمان فقضى عليه أن يحلف لقد باعه العبد وما به داء يعلمه (٢) " موضع الدليل (٣) أن ابن عمر باع بالبراءة ولم ينكر عليه عثمان، وإنما رأى البراءة مع العلم بالعيب لا ينفع (٤) ولم يخالف عليه أحد، ولأنه شرط البراءة من عيب لم يدلس به ولا كتمه فأشبه إذا أراه إياه، ولا يدخل عليه العروض لأنا اعتللنا للجواز في الجملة. فصل [٢ - في عدم البراءة مما علم من العيوب]: ودليلنا على أنه لا يبرأ مما علم خلافًا لأبي حنيفة (٥)، لقوله ﷺ : "إذا بعت فقل لا خلابة" (٦) وهذا موجود في مسألتنا، وما رويناه من حديث عثمان وابن عمر، ولأنه عيب وجد بالمبيع لم يوجد رضا به ولا إبراء لبائعه على أنه عالم به، فلم يلزم المشتري أصله إذا لم يشترط البراءة منه. فصل [٣ - وجه التفرقة بين الرقيق وغيره]: ووجه التفرقة بين الرقيق وغيره من الحيوان: أن الرقيق يقدرون على إخفاء ما بهم من العيوب وكتمانه، فلا يصل المالك إلى علم ذلك فجُوِّز له البيع بالبراءة للأمارة الدالة على صدقه في عدم علمه بعيب إن كان به وسائر الحيوان بخلافهم لأنه لا قدرة فيها (٧) على كتم عيوبها، فالبائع والمشتري يتساويان في ذلك، فلم يجز له البيع بالبراءة إلا ما يسميه له.

стр. 1041

ووجه التسوية بينهما: أن العيب قد يخفي ويستتر في الحيوان، فلا يكاد يقف عليه إلا أهل الطب والبياطرة، فجاز للمالك بيع البهيمة بشرط البراءة كجوازه في الرقيق. ووجه قوله: أن شرط البراءة لا يبرأ مما يوجد فيها بعد نهيه ﷺ عن بيع الغرر (١) وهذا منه، ولأنه شرط البراءة معنى يرتفق به أحد المتعاقدين فلا يصح مع الجهالة وإمكان التحرز في الغالب أصله الأجل، ولأن منع ذلك حسم للباب، ولأنه إذا وجد بالمبيع عيب أمكن أن يكون عالِمًا به فيجحد فيصير ذلك طريقًا إلى نفوذ حكم التدليس على المشتري وإلزامه إياه والأول أصح. فصل [٤ - في اشتراط البراءة من الحمل]: شرط البراءة من الحمل جائز عندنا في الوخش (٢) والتي لا تراد للوطء وغير جائز في المرتفعات (٣) إلا في الحمل الظاهر (٤)، والفرق أن ذلك في المرتفعات غرر، لأن الأمة المرتفعة المتخذة للتسري المرغوب فيها للحسن والجمال ينقص الحمل ثمنها ويضعها وضعًا بينًا وربما أتى على معظم قيمتها، فإذا لم يكن ظاهرًا فإن البائع والمشتري يدخلان على غرر ظاهر (٥) لأنها إن لم تكن حاملًا فقد وضع البائع حقه خيفة (٦) أن تكون حاملًا، وإن كانت حاملًا فالمشتري قد دفع الثمن رجاء أن لا تكون حاملًا وكل ذلك غرر، ولأن السنة مع الجواز (٧) على المواضعة، وعليه مضى السلف: إذا ظهر الحمل زال الغرر ودخل كل

стр. 1042

واحد على بصيرة وعلم ما يزيده في الثمن وينقصه، ولأنه لا موضع حينئذ للمواضعة، فأما الوخش فإن الحمل لا يضع منهن ولا يبطل شيئًا من أثمانهن بل لعله يزيد فيها، فجاز شرطه البراءة منه لقلة الغرر فيه. فصل [٥ - في كون العبد يملك]: العبد يملك عندنا (١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣)، والفقر والغنى من صفات المالكين لأن من لا يصح عليه الملك لا يصح وصفه بالغنى ولا بالفقر (٤)، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (٥)، فالمقصد من هذا التنبيه على الصانع تعالى وعمومه الحر والعبد كما أن التنبيه عام فيهما، وقوله ﷺ : "من باع عبدًا وله مال" (٦)، وهذه لام التمليك، فهي محمولة على حقيقتها، ولأنه آدمي حي كالحر، ولأن الرق حال من أحوال الآدمي الحي فصح أن يملك معها كالحرية، ولأن المملوكات ضربان: أعيان، ومنافع، وقد ثبت أن العبد يملك المنافع كوطء زوجته وغير ذلك، فكذلك الأعيان، ولأن من صح أن يملك في حال صح أن يملك في كل حال اعتبارًا بالحر عكسه البهائم لما لم يصح أن تملك في حال لم يصح أن تملك في كل حال. فصل [٦ - في أن ملك العبد ناقص غير تام]: إذا ثبت أنه يملك فإن ملكه ناقص غير تام ولا مستقر ليس له أن يتصرف فيه إلا

стр. 1043

بإذن سيده، ولسيده انتزاعه منه ما لم يتعلق به حق للغير على ما نذكره في باب المأذون، فإن باعه السيد وله مال: فإن شرطه المبتاع لكان للعبد بالشرط، وإن سكت عن ذكره فهو للبائع (١) لقوله ﷺ : "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" (٢)، وسواء كان عينًا أو عرضًا، ثم يكون المشتري فيها كالبائع إن شاء أقره في يده وإن شاء انتزعه، وله أن يطأ بملك اليمين إذا وهبه السيد أمة أو أذن له في ابتياعها. فصل [٧ - مال العبد المعتق]: ومال العبد تابع له في العتق (٣) إلا أن يشترطه المالك لقوله ﷺ : "من أعتق عبدًا فماله له إلا أن يستثنيه سيده" (٤)، فاختلف عنه في الوصية والهبة فعنه فيه روايتان (٥): إحداهما: أنه للواهب، والأخرى: أنه تابع للعبد، وإنما اختلف ذلك لاختلاف التعليل في البيع والعتق: فمن أصحابنا من علل البيع بأنه عقد معاوضة، فلذلك كان مالك العبد لمن خرج عن ملكه وعلل العتق بأنه إخراج الملك عن غير عوض، فلذلك كان مال العبد تابعًا له، فعلى هذا يجب أن يكون في الوصية والهبة المال للعبد دون الموصي والواهب؛ لأنه خروج مالك من غير عوض كالعتق، ومنهم من علل البيع بأنه خروج ملك إلى مالك (والعتق بأنه خروج ملك إلى غير مالك) (٦)، فعلى هذا لا يكون في الهبة والوصية تابعًا للعبد لأنه خروج ملك إلى مالك.

стр. 1044

باب: [التفرقة في البيع بين الأَمَة وولدها] لا يجوز التفرقة بين الأَمَة (١) وولدها في البيع، ويفسخ ذلك إن وقع (٢) خلافًا لأبي حنيفة (٣)، لقوله ﷺ : "لا توله والدة عن ولدها" (٤)، وقوله ﷺ : "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته (٥) يوم القيامة" (٦)، ولأنه بيع منع منه لحق الله تعالى في أحكام المبيع، فكان باطلًا أصله بيع الخمر. فصل [١ - في وقت جواز التفرقة بين الأمَة وولدها]: فإن أجاب المشتري إلى الجمع بينهما فلا يجوز البيع أيضًا لأن المنع من ذلك لحق الله تعالى فلا يسقط بإسقاط الآدمي، وفي حد التفرقة روايتان: الإثغار (٧) لأنه يستقل عن ذلك بنفسه ولا يستضر بفراق أمه كالاحتلام، والأخرى البلوغ لأنها حال صغر اعتبارًا بما قبل الإثغار.

стр. 1045

فصل [٢ - في التفرقة بين الأب وولده]: ويفرق بينه وبين الأب لأنه لا يستضر الطفل بمفارقة الأب كاستضراره بمفارقة الأم، ولأن الأم أولى بذلك لأن حق الحضانة يثبت لها دون الأب. فصل [٣ - في عدم التفريق بين الأمَة المسبية وبين ولدها]: لا يفرق بين الأمَة المسبية وبين ولدها لعموم الأخبار، ولأن المعنى في المسبية وغيرها سواء، ويقبل قولها في أنه ولدها لأنه لا ضرر عليها في ذلك إلا في التوارث فلا يقبل. ***

стр. 1046

باب: [التصرية] التصرية عيب وتدليس إذا قصد به البائع التدليس، والمصراة هي: الشاة أو الناقة أو البقرة يجمع اللبن في ضرعها ليعظم (١) فيظن المشتري إذا حلبها أن ذلك قدر حلابها، والتصرية في اللغة الجمع، يقال: صريت الماء في الحوض إذا جمعته (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ في صَرَّةٍ﴾ (٣)، قيل: جمع من النساء (٤)، فمن ابتاع مصراة ثم علم بذلك بحلابها فهو بالخيار إن شاء أمسكها بعيبها وإن شاء ردها ورد صاعًا من تمر للبن الذي حلبه منها (٥)، وقال أبو حنيفة: ليست التصرية بعيب ولا يثبت بها حق رد واللبن الذي في الضرع لا قسط له من الثمن (٦). ودليلنا أنها عيب قوله ﷺ : "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو خير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (٧)، ففيه أدلة: أحدها أنه نهى عنه، فدل على أنها تدليس، والثاني: أنه أثبت للمبتاع الخيار، والثالث: أنه أوجب عليه إذا ردها صاعًا من تمر وعندهم لا يجب، وفيه دليل على أن اللبن يأخذ قسطًا من الثمن، ولأن قيمة الشاة التي تحلب عشرة أرطال أكثر من قيمة الشاة التي تحلب خمسة

стр. 1047

أرطال والرغبة في إحداهما أزيد فصارت التصرية تدليسًا (١) بالعيب، فكان للمشتري أن يرد، ولم يمنعه الحلب من الرد كما لو ابتاع ثوبًا، وقد دلس البائع فيه فلم يعلم حتى قطعه لكان له الرد. فصل [١ - في البيع الفاسد]: إذا ابتاع شيئًا بيعًا فاسدًا فسخ البيع ورد الثمن على المبتاع: فإن تلف في البائع فتلفه منه لأنه على ملكه لم ينتقل عنه، فإن قبضه المبتاع وتلف في يده فضمانه منه لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما قبضه لشبهة العقد فضمنه، فإن كان مما له مثل ضمنه بمثله، وإن كان مما لا مثل له ضمنه بقيمة يوم القبض لا يوم العقد لأنه لم يضمنه بالعقد فيعتبر يوم العقد، وإنما يضمن يوم العقد ما يكون عقده صحيحًا لا فاسدًا، وإن كان المبتاع استغله (٢) واستخدمه لم يلزمه شيء لذلك، لأن الضمان منه فكان الخراج له، والعتق فوت لأنه لا يمكن رده معه لأنه ينفذ في شبهة العقد كنفوذه في العقد الصحيح لقوته وتغليبه، وحوالة الأسواق فوت لأن فيه ضررًا على البائع أن تؤخذ السلعة منه وهي تساوي مائة وترد عليه وهي تساوي عشرين، والعيوب في البدن فوت أيضًا. وقد اختلف أيضًا (٣) عنه هل هذا حكم جميع المبيعات الفاسدة أو حكم نوع منها، فعنه في ذلك روايتان (٤): إحداهما: أنه حكم جميعها وهي رواية ابن نافع، والأخرى أنه ما اتفق على فساده وتحريمه كالربا والغرر وغير ذلك، فأما ما اختلف في تحريمه فإنه إذا مات أمضى بالثمن.

стр. 1048

فوجه الأولى: أنه مبيع فاسد كالربا، لأن الاتفاق لا مزية له على الاختلاف في الحكم بفساد العقد ما لم يفارق الاختلاف حكم الحاكم. ووجه الثانية: أن الاختلاف يقتضي شبهة للقابض، فكان الثمن أولى من القيمة لأن الثمن متفق عليه مع الشبهة التي ذكرناها، وكان الفوت مشبهًا بحكم الحاكم بصحته والأول أقيس. فصل [٢ - في تقسيم البيع الجائز إلى مساومة ومرابحة]: البيع جائز مساومة ومرابحة، فالمساومة: ألا يخبر برأس ماله بل يبيع السلعة بما يسوم بها ويوافقه المبتاع عليه من مقدار الثمن، والمرابحة: أن يخبر برأس ماله (١)، ويلتمس الربح على حساب معلوم مثل أن يقول: رأس مالها مائة ويبيعها (٢) بربح كل عشرة واحدًا أو اثنين أو غير ذلك مما يلتمسه، وكل جائز (٣) لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤)، ولأن الغرض أن يكون الثمن معلومًا، فعلى أي وجه أوقعه جاز، وإذا ثبت هذا فقد ينفرد رأس المال من شيء يتبعه وقد ينضم إليه شيء يتبعه كالقصارة والخياطة والسبغ والطي والشد والسمسرة والكراء وغير ذلك، فإن انفرد رأس المال عن شيء يتبعه (٥) لم يلزم سواء وما قدر من الربح له، وإن انضم إليه شيء من ذلك لم يخل من أحد أمرين: إما أن يخبر البائع (٦) برأس المال وما لزمه ويشترط ضمه إلى رأس المال

стр. 1049

وطلب الربح للكل، فهذا يكون له ما اشترطه، لأن المشتري قد رضي بذلك، وكأن البائع قال ابتداء: لا أبيعها إلا بكذا فرضي المبتاع فيجوز. وأما أن يطلق العقد ويسكت عن اشتراط ضم هذه التوابع إلى رأس المال وعن اشتراط ربح لها، فهذا ينظر فيه: فيضم إلى رأس المال كل ما له عين قائمة في المبتاع مثل القصارة والخياطة والصبغ والطرز، ويحسب لها بقسطها من الربح لأنها جارية مجرى أصل المبتاع، وما عدى ذلك من شدٍ وطي وسمسرة، فلا يضم إلى رأس المال فلا يحسب له ربح لأنه ليس بمؤثر في المبتاع ولا المبتاع مضطر إليه حتى يمكن حصوله إلا به لأن التاجر يفعله ترفيهًا لنفسه عن التعب، فليس له أن يلزم بذلك المبتاع مؤنة زائدة إلا أن يعلم أن شراء ذلك المتاع لا يمكن أن يتولاه من يشتريه إلا بوسيط وسمسار، والعادة جارية بذلك فيحسب في رأس المال ولا يحسب له ربح لأنه ليست له عين قائمة مؤثرة في المتاع، ويحسب نقل المتاع من بلد إلى بلد، فأما كراء المنزل (١)، فإن كان التاجر اكتراه ليسكنه ويأوى فيه إلى وقت انصرافه فالمتاع تبع (٢)، فلا يحسب النَّفقة على نفسه طول مقامه، وإن كان اكتراه ليحرز المتاع فيه ولولا ذلك لم يحتج إليه، فإنه يحسب بغير ربح يضرب له على ما ذكرناه. …

стр. 1050

باب: [إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن] إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن: ففيها ثلاث روايات (١): إحداها: أن التحالف والتفاسخ واجب بينهما على أي وجه كان سواء كانت السلعة في يد البائع أو المشتري باقية أو تالفة إلا أن يرضى المشتري أخذها بما يدعيه البائع وهو قول أشهب والشافعي (٢). والثانية: أنه إن كانت السلعة لم تقبض تحالفًا تفاسخًا، وإن كانت قد قبضت فالقول قول المشتري مع يمينه وهي رواية ابن وهب. والثالثة: أن السلعة إن كانت باقية لم تفت ولا تغيرت في بدن ولا سوق وإن كانت قد قبضت فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن تلفت أو تغيرت بما ذكرناه، فالقول قول المشتري مع يمينه، وهذه رواية ابن القاسم وهو قول أبي حنيفة (٣). فوجه قوله: إنهما يتحالفان ويتفاسخان على كل وجه قوله ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع ويتردان" (٤)، وروي: "يتحالفان ويتفاسخان" (٥) فعم ولم يخص، ولأن الاختلاف في ثمن المبيع

стр. 1051

يوجب التحالف أصله قبل القبض، ولأنه لما كان القول قول المالك في أصل البيع إذا قال بعتكها، وقال الآخر: وهبتنيها، كان القول قوله أيضًا في صفة ذلك الشيء ما أمكن. ووجه اعتبار القبض دون الفوات أن الأصول موضوعة على أن اليمين في جنبة أقوى المتداعيين سببًا، والمشتري بعد القبض أقوى سببًا لما دفع إليه السلعة وائتمنه عليها إذا لَمْ يُشهد عليه ويتوثق منه وجب أن يكون القول قوله كما كان للذي الشيء في يده من المتداعيين القول مع يمينه. ووجه اعتبار الفوات والتغيير قوله ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع، فإن استهلكت، فالقول قول المشتري"، وروي: "والسلعة قائمة تحلفًا وترادًا" (١)، ولأن التحالف سبب يثبت به فسخ البيع فسقط بتلف المبيع كالإقالة، ولأنا لو أوجبنا التحالف في هذا الموضع لكنا قد أوجبنا على المشتري القيمة، وربما كانت أضعاف ما يدعيه البائع من الثمن فيكون قد ألزمناه ما لم يدعه عليه خصمه. فصل [١ - صفة المسألة السابقة]: إذا ثبت هذا فصفة المسألة على الروايات (٢) الثلاث: أن الاختلاف لا يخلو أن يكون قبل القبض أو بعده: فإن كان قبله فإنه يتحالفان ويتفاسخان ويبدأ البائع باليمين فيحلف أنه لم يبع السلعة إلا بما ادعاه، فإن حلف قيل (٣) للمشتري: إما أن تحلف على ما أدعيت ويفسخ البيع بينكما وإلا ألزمناكما بما حلف البائع عليه: فإن حلف سقط عنه ما ادعاه البائع وفسخ العقد، فإن نكل لزمه البيع

стр. 1052

بيمين البائع ويكون له بما يدعيه البائع نكل البائع أولًا نقلت اليمين إلى المشتري، فإن حلف وجبت له ما يدعيه، فإن نكل فاختلف فيه: فقيل: يترادان، وقيل: يكون القول قول البائع. فوجه التراد أنهما قد استويا في الحال كما لو حلفا لأنه ليس أحدهما أرجح من الآخر. ووجه ترجيح البائع أنه أقوى سببًا من المشتري لأن المشتري قد أضعف نفسه بنكوله هذا كله إذا كانت السلعة لم تقبض، فأما إذا قبضت فعلى رواية اعتبار القبض تعرض على المشتري، فإن حلف وجبت له حلف باليمين وقوة السبب، وإن نكل ردت اليمين على البائع، فإن حلف ثبت له ما يدعيه بنكول المشتري ويمينه، وإن نكل فقد ذكر الخلاف وترتيب الرواية الأخرى على مثل هذا. فصل [٢ - إذا كان الاختلاف في البيع]: وإن كان الاختلاف في البيع فادعى البائع أنه حال وادعى المشتري التأجيل فينظر (١): فإن كان العرف جاريًا في موضعهما بأن ذلك النوع لا يباع إلا نقدًا لا نساء فاليمين على مدعي العرف لقوة سببه والقبض غير مؤثر، فإن كانا لم يفترقا: فقيل: القول قول البائع (لأن العرف لا يثبت حال التبايع لأن تقدم النقد على العقد وتأخره على وجه واحد، وقيل: القول قول المشتري) (٢)، لأن العرف في الجملة شاهد له، فأما إن لم يكن لذلك (٣) النوع المبيع عرف من تعجيل أو غيره وادعى المشتري أجلًا بشبهه، فقيل القول قول المشتري مع يمينه بعد القبض كالاختلاف في المقدار، وهذه رواية ابن وهب، وقيل: القول قول

стр. 1053

البائع كهو قبل القبض، وإن تصادقا في الأجل واختلفا في مدته فالقول في الاختلاف في مقدار الثمن سواء، فأما الاختلاف في عين الثمن وجنسه فإنهما يتحالفان ويترادان والقبض لا يؤثر لأن (١) عين الثمن لا يقع فيها ائتمان وفيه نظر، وفروع هذا الباب تطول (٢). …

стр. 1054

باب: [في الاستبراء] ومن وطيء أَمَة ثم أراد بيعها فعليه أن يستبرئها (١) قبل البيع، وعلى المشتري أن يستبرئها قبل أن يطأها (٢)، وقال أبو حنيفة والشافعي: الاستبراء على المشتري ويستحب للبائع (٣)، وحكي عن عثمان البتي (٤) أنه يلزم البائع ولا يلزم المشتري (٥)، ودليلنا على وجوبه على البائع أنه إذا وطئها جاز أن تكون حاملًا من ذلك الوطء فيكون بائعًا لولده ومدخلًا للشبهة في النسب لأن المشتري قد يبادرها فيطأها قبل الاستبراء (٦)، ولأنه أحد المتبايعين فلزمه كالمشتري، ولأن المشتري إنما لزمه الاستبراء لحفظ مائه لِئَلا يدخل ماء على ماء غيره، فالبائع يلزمه من حفظ مائه ما يلزم المشتري. فصل [١ - دليل وجوب الاستبراء]: ودليلنا على وجوبه على المشتري خلافًا للبتي قول النبي ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض" (٧)، وقوله ﷺ :

стр. 1055

"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره" (١)، ولأنه لا يأمن أن تكون حاملًا فيكون بوطئه مدخلًا للشبهة في النسب فلزمه الاستبراء، وكذلك لا يحل له توابع الوطء من اللمس للذة والقبلة لأن حالها مترددة بين أن تكون مملوكة له وهو أن لا يظهر بها حمل وبين أن تكون أم ولد لغيره. فصل [٢ - بم يكون الاستبراء؟]: والاستبراء حيضة لقوله ﷺ : "حتى تحيض" (٢) فأطلق، ولأن الغرض براءة الرحم، وذلك يحصل بالمرة، وتفارق الحرة لأن الزيادة لحرمة الحرية، فإن اتفقا على استبراء واحد جاز لأن الغرض يحصل، ويستحب أن توضع على يدي امرأة من عدول النساء لأن ذلك أصْوَن لها وأحفظ، ويكره أن تكون عند المشتري لئلا يتعجل بوطئها. فصل [٣ - إذا وطئت الأَمَة المبيعة قبل أن تستبرأ]: إذا وطيء الأَمَة سيدها ثم باعها قبل أن يستبرئها فوطئها المشتري قبل أن يستبرئها (٣) فأتت بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء الأول أو الثاني نظر إليه القافة، فبأيهما ألحقوه لحق فإن ألحقوه ببائعها انفسخ بيعها، وإن ألحقوه بمشتريها لم يبعها، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر لوطء (٤) الثاني وهو لستة أشهر من وطء الأول فهو للأول دون الثاني (٥). وأما ولد الزوجة فالظاهر من قول مالك أنه لا يحكم فيه بالقافة، وذكر الشيخ أبو بكر الأبهري عن أبي يعقوب الراوي أن ابن وهب روى عن مالك أنه
следующие страницы →