← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الزهو وهو في النخل أن يصفر أو يحمر (١) وفي العنب حتى يسود (٢)، وروي: "أنه ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم" (٣). فصل [٦ - إذا بدى الصلاح في نخلة من بستان]: إذا بدا الصلاح في نخله من بستان جاز بيع جميع نخل ذلك البستان، وكذلك إذا بدا في نوع من الثمار كان ذلك كبدوه في جميع ذلك النوع، وهذا إذا كان طيبًا متتابعًا ولم يكن مبكرًا والمراعى (٤) فيه بلوغ الزمان الذي تؤمن فيه العاهة على الثمرة غالبًا، لأن لو لم يُجَوَّز ذلك إلا بأن يعم الصلاح الحائط لحق فيه ضررًا عظيمًا (٥) ومشقة شديدة، ولا يكاد يلحق الآخر إلا بفساد الأول، فأما الطيب المبكر فلا اعتبار به (٦) لأنه لا يحصل معه الأمن من الآفة لسبقه الزمان الذي يؤمن ذلك فيه، ولأنه ﷺ قال: "حتى يبدو صلاحها" (٧) أراد الصلاح المأمون المعتاد.

стр. 982

فصل [٧ - جواز بيع ما يجاور المراح بطيبه وصلاحه]: يجوز أن يباع ما يجاور المراح بطيبه وصلاحه (١) خلافًا للشافعي (٢)؛ لأنه إذا جاز بيع ما في المراح بطيب بعضه جاز بيع ما حوله بطيبه لأنه لا فضل في ذلك إلا قيام الجدران بدليل أنها لو قلعت لارتفع المنع وذلك لا يؤثر، ولأن الزمان الذي تؤمن فيه الآفة غالبًا حاصل. فصل [٨ - في عدم جواز بيع صنف من الثمار بطيب غيره]: لا يجوز بيع صنف من الثمار بطيب غيره كالرطب والعنب (٣) لأنها متفاوتة في الإدراك والتلاحق تفاوتًا (٤) شديدًا، فلم يكن طيب بعضها دالًا على تلاحق (٥) غيره وتخلصه (٦) من الآفة. فصل [٩ - في بيع المقاثي والمباطخ]: يجوز بيع المقاثي والمباطخ (٧) إذا بدا صلاح أولها وإن لم يظهر ما بعده، وكذلك الأصول المغيَّبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك (٨)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٩)، لقوله : ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١٠)، ولأن الغرر إذا دعت الحاجة إليه وكان قليلًا جاز البيع معه ولو

стр. 983

لم يجز في مسألتنا البيع لجملة المقثات والمبطخة حتى يظهر (١) إلى أحد أمرين: إما أن تفرد (٢) الموجود بالبيع (٣)، وهو إنما يؤخذ أولًا فأول، وذلك يؤدي إلى اختلاط ما ظهر بما لم يظهر، لأن خروجه متتابع فليس يؤخذ (٤) الأول إلا وقد خرج بدله ويشق التميز بين الثمرين أو أن لا يباع إلا بعد ظهور جميعه، وفي ذلك إضاعته وإفساده، فدعت الحاجة إليه مع قلة الغرر فيه، ولأن قد اتفقنا على جواز بيع ما لم يبد صلاحه (٥) من الثمار تبعًا لما قد بدا صلاحه، وكذلك يجوز بيع ما لم يخلق تابعًا لما قد خلق. فصل [١٠ - في بيع الورد والياسمين والموز والقرظ والقصب والكتان]: والورد والياسمين جائز بيعه إذا حان قطافه والانتفاع به ويكون ما بعد ذلك للمشتري إلى آخر إبَّانه كما ذكرنا في المقاثي والمباطخ، وأما الموز فلا بد فيه من ضرب أجل لأنه يبقى سنين عدة فيحتاج إلى ضرب أجل ليعلم مقدار المبيع منه وكذلك القرظ (٦) والقصب لا يجوز بيعه حتى يفنى، لأن مدة بقائه مجهولة، ويجوز بيعه عدة جزات، ولا يجوز أن يشترى الكتان ويستثنى حبته ولا القرظ ويستثنى برسيمه إذا كان ذلك قبل جفاف الحب واستغنائه عن الماء، لأن ذلك بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط التبقية، ويجوز ذلك إذا كان قد استغنى عن الماء ويبس (٧)، ولأنه موجود مشاهدة (٨).

стр. 984

فصل [١١ - في بيع الحنطة في سنبلها]: بيع الحنطة في سنبلها مفردة (١) عن السنبل غير جائز بالإجماع، وأما بيع السنبل (٢) إذا يبس واستغنى عن الماء فجائز (٣) خلافًا للشافعي (٤) لما روي أنه ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض (٥)، (وروي: "عن بيع الزرع حتى تبيض" (٦)) (٧)، ولأنه مأكول دونه حائل من أصل الخلقة هي كالباقلاء في قشرته السفلى. فصل [١٢ - في بيع الجوز والجلوز واللوز والباقلاء في قشره]: يجوز بيع الجوز والجلوز واللوز والباقلاء في قشره الأعلى وبه (٨)، قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يجوز (٩)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١٠)، ولأنه مأكول في أكمام من أصل الخلقة فجاز بيعه كالرمان والموز، ولأن الضرورة تؤدي إلى ذلك لأن بالناس حاجة إلى بيعه رطبًا لأنه ليس كل أحد يمكنه أن يجفف ثمرته وفي نزع قشرته إفساد له فلم يبق إلا جواز البيع. فصل [١٣ - بيع الأصول مع ثمرها مؤبرة وغير مؤبرة]: وإذا ابتاع أصل نخل وفيها ثمر، فإن كان قد أبر (١١) فهو للبائع إلا أن

стр. 985

يشترطه المبتاع، وإن كان لم يؤبر فهو للمبتاع من غير شرط وإن استثناه البائع لم يجز (١)، وقال الشافعي: يجوز (٢)، وقال أبو حنيفة: والثمرة في الحالين للبائع قبل الإبار وبعده ولا يكون للمبتاع إلا بشرط، ودليلنا قوله ﷺ : "ومن ابتاع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" (٣) فشرط في كونه للبائع أن يؤبر، فدل على أنها قبل التأبير ليست له، ولأنه كامن في أصل الخلقة فوجب أن يتبعه (٤) في البيع (بمقتضى العقد كالحمل في البطن واللبن في الضرع) (٥)، وإنما قلنا: أن البائع إن استثناها لم يجز لأنها قبل الأبار كامنة غير ظاهرة، فهي كالجنين في بطن أمِّه واستثناء الجنين إذا بيعت الأم غير جائز. فصل [١٤ - إذا أبر بعض الأرض وبعضها لم يؤبر]: إذا أبر بعضها ولم يؤبر البعض، فإن كانا متساويين كان ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر ففيهما روايتان (٦): إحداهما: أن الأقل تبع للأكثر، والأخرى: أن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري. فوجه الأولى: أن الأصول موضوعة على الغالب على أن القليل تابع للكثير فوجب حمل هذا الموضع عليها (٧)، ووجه الثانية عموم الخبر واعتبارًا بالعراجين.

стр. 986

وإنما قلنا: إنهما إذا كانا متساويين لم يتبع أحدهما (١) الآخر لأنه ليس لأحدهما مزية على الآخر بكثرة فيتبعه. فصل [١٥ - علامة التأبير في الأشجار غير النخل]: ما عدا النخل من سائر الأشجار فعلامة التأبير فيها أن تورد الشجر ثم ينعقد الورد ثمرًا، فيثبت البعض ويسقط البعض مما لم ينعقد فيها (٢)، فيكون ذلك كالإبار في النخل. فصل [١٦ - إذا اشترى أرضًا وفيها زرع صغير ولم يبد صلاحه]: إذا اشترى أرضًا وفيها زرع صغير لم يظهر ولم يبد صلاحه ولم يذكره في عقده ففيها روايتان: إحداهما أنه للبائع، والأخرى أنه للمبتاع، فإذا قيل: للمبتاع (٣) فاعتبارًا بالثمرة، وإذا قيل: إنه للبائع فلأنه عين وضعت في الأرض على غير التأبيد بل على النقل والاسترجاع كالمال المدفون (٤) في الأرض. مسألة [١٧ - بيع الثمار على رؤوس النخل والشجر جزافًا]: يجوز بيع الثمار على رؤوس النخل والشجر جزافًا (٥) لأنها مشاهدة وتسرى وتحرز ولا يجوز بيعها (٦) بالخرص لأنه غرر لا حاجة تدعو إليه واعتبارًا ببيع الصبرة، ويجوز بيع جزء منها مثل نصفها أو ثلثها وربعها للضرورة إلى بيعها في رؤوس النخل على ما هي عليه، ولأن البيع معلوم والمستثنى المبقى على الملك معلوم، ويجوز أن يستثنى منها جزءًا معلومًا، كما يجوز أن يبتدأ في بيع ذلك

стр. 987

الجزء المبقى باسمه من غير استثناء إذا لعوض معلوم، ولو (١) قال: بعتك هذه الثمرة إلا ربعها فهو كقولك (٢): بعتك ثلاث أرباع الثمرة (٣) فيصح (٤)، ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير إلا قبح اللفظ، وذلك غير مؤثر، وأما استثناء الكيل فيجوز عندنا مما بينه وبين الثلث فقط، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥) في منعهما ذلك في الكيل (٦) في القليل والكثير، فإن ذلك عمل متصل بالمدينة (٧) مستفيض بين الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلونه إذا باعوا حوائطهم، ولأنه استثناء قدر معلوم، فصح البيع معه أصله استثناء الجزء ولا تدخل عليه الزيادة على الثلث لأن التعليل لإلحاق أحد النوعين بالآخر. فصل [١٨ - في تعليل الفصل بين ما زاد على ثلث الكيل وبين ما قصر عنه]: وإنما فصلنا بين ما زاد على الثلث، وبين ما قصر منه لأن ما قصر عنه في حيز القليل فلا يُبطل غرض المشتري، ولأنه لا يؤدي إلى الجهل بالمبيع ومقداره. فصل [١٩ - إذا باع ثمرة حائط واستثنى نخلات منه]: إذا باع ثمرة حائط واستثنى نخلات منه، فذلك على وجهين: أحدهما أن يعين ما استثناه، والآخر أن لا يعينه: فإن عيَّن ما استثنى فذلك جائز لا يختلف المذهب فيه لأن البيع يتناول ما عدى تلك بالأعيان المستثناة، وإن لم يعين وكان ذلك معلقًا على الاختيار، فلا يخلو أن يشترط الخيار للبائع أو للمشترى، فإن كان للبائع جاز إن كان (٨) بقدر ثلث الثمرة، مما يجوز له أن يستثنيه كيلًا،

стр. 988

وإن كان للمشتري فلا يجوز لأن غرض المشتري لا يحصل له ويصير المبيع مجهولًا (١). فصل [٢٠ - في استثناء الجلد والسواقط في الشاة المبيعة]: اختلفت الروايات عن مالك في استثناء الجلد والسواقط في الشاة المبيعة (٢): فروي عنه منعه على الإطلاق، وروي عنه: إجازته في السفر دون الحضر، وقال المحققون من أصحابنا: إن هذا كله اختلاف أحوال وليس باختلاف قول، والمذهب أن الأسقاط إذا كانت لها قيمة وبال يأخذ قسطًا كبيرًا من الثمن فإن استثناها فهو غير جائز (٣) في سفر ولا حضر لأن استثناء الكثير تعرض الصفقة للغرر واستثناء اليسير لا يوجب ذلك، وإذا كانت يسيرة القيمة لا خطب لها فإن استثناءها جائز لقلة الغرر، والمنع والإباحة يتبع هذا المعنى، وإما نص على الحصر بالمنع، وعلى السفر بالإباحة ليجري العادة بكثرة القيمة في الحضر وقلتها ودناءتها (٤) في السفر. فصل [٢١ - دليل جواز الاستثناء]: وإنما قلنا: إن استثناءها جائز في الجملة لأنه (٥) ﷺ لما هاجر ومعه أبو بكر رضى الله عنهما مروا براع فاشتروا منه شاة وشرطوا له رأسها وإسقاطها (٦)، وروي ذلك عن زيد بن ثابت (٧) وجماعة من

стр. 989

الصحابة (١) رضى الله عنهم، ويجوز استثناء اليسير من لحمها كالأرطال اليسيرة ولا يجوز زيادة على ذلك لأنه يؤدي إلى الجهل بالمبيع كالثمرة ولا يستثنى منها فخذًا ولا يدًا، لأن ذلك يكثر الغرر فيه بخلاف السواقط. فصل [٢٢ - في شراء ثمر مكيل من حائط بعينه]: يجوز أن يشترى الرجل ثمرًا مكيلًا من حائط بعينه، وقد بدا صلاحه بثمن معجل أو مؤجل معلوم (٢)، فإن فنى استيفائه ما ابتاعه منه أخذ بقيمة رأس ماله أو غيره مما يتراضيان عليه في الحال ولا يؤخراه (٣). وإنما قلنا ذلك لأنه بيع عين وليس بسلم لأنه يتعلق بالذمة فجاز في الحائط المعين بالثمن المعجل والمؤجل. وإنما قلنا: يأخذ بقيمة (٤) رأس ماله، لأن العين إذا تعذرت التوفية بها (٥) بطل العقد فيها ولا يلزم (٦) أن يدفع إليه بقيته لأن العقد لم يتناول شيئًا في الذمة. وإنما قلنا: إن لهما أن يتراضيا على شيء يفسخه فيه؛ لأن ذلك ليس ببيع الطعام قبل قبضه لأنه إذا لم يبق له ما يأخذه تبيَّنا أنه لم يملك ما لم يبق له فانفسخ العقد فيما بقي، وقلنا: لا يؤخره لئلا يكون دينًا بدين. …

стр. 990

باب: [في العرية] العرية (١) جائزة (٢) وهي: أن يهب الرجل ثمرة نخله أو نخلات أو شجرة له من رجل، ولا يجوز لمن أعريها أن يبيعها حتى يبدو صلاحها، فإذا بدا صلاحها جاز له بيعها من كل أحد بالذهب والفضة والعروض، ومن مُعريها خاصة بخرصها ثمرًا يدفعه إليه عند الجِذاذ في خمسة أوسق فدونها ولا يجوز ذلك في زيادة عليها في حق كل واحد مما عري، بأن كان الجميع يزيد على خمس (٣) وسق بعد أن لا تزيد عرية كل واحد على ذلك. وإنما قلنا: إن العرية هبة ثمر النخل أو الشجر لأن العرية في اللغة: الهبة، قال أهل اللغة: العرية والمنحة والعطية بمعنى واحد، تقول: عروّ الرجل أَعْرُوه إذا أتيته تلتمس ثمرة، وقيل أيضًا (٤): أنها مأخوذة من تخل الإنسان عن ملكه وعُرُوُه منه كأنه عري منه، ومنه قوله : ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (٥) بالموضع الخال المنكشف (٦)، وعند أبي حنيفة أنها الهبة على ما قلناه إلا أنه قال: يجوز أن يعطيه بها ثمرًا (٧) لأنها لم تجب لعدم القبض، فله أن يأخذها منه ويعطيه

стр. 991

الثمر (١) ابتداء، وعند الشافعي: أن العرية بيع الرطب في رؤوس النخل بثمن يتعجله (٢). فصل [١ - تعليل أحكام العرية]: وإنما قلنا: إنها ليست ببيع لما قدمناه من الأدلة على أن معناها الهبة في اللغة، وإنما قلنا: أنه لا يجوز بيعها قبل بدو صلاحها لنهيه ﷺ عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها (٣)، فعم الثمرة الموهوبة (٤) وغيرها، وإنما قلنا: إنه يبيعها بما شاء من الثمن سوى الطعام بسائر الثمار المملوكة بالشراء أو بأصل الملك أو بميراث أو غير ذلك، وإنما قلنا: أنه يجوز بيعها من معريها خاصة بالثمر لأن النبي ﷺ أرخص في العرايا بأن تباع بخرصها تمرًا (٥)، وإنما جاز ذلك في المعري خاصة لأنه يريد قطع تطرق المعري (٦) عليه في دخوله إلى حائطه، فيجوز ذلك للرفق به، وهذا لا يوجد في غيره، وإنما قلنا: لا يجوز أن يقال: وإنما ابتداء بيع الرطب (في رؤوس النخل بالتمر لنهيه ﷺ عن بيع الرطب) (٧) بالتمر، ولأن العرية اسم للهبة على ما بيناه دون البيع. وإنما قلنا: يأخذه عند الجذاذ لأن الحديث بذلك ورد، ولأن القصد منها الرفق دون المغابنة والمتاجرة، ولا يجوز تعجله لأن ذلك يبطل فائدة الرخصة فيها واستثناءها من بابها، وإنما يكون على وجه كفاية المعري القيام بسقيها وتعهدها (٨)

стр. 992

ومؤونتها، فإذا كان وقت الجذاذ يدفعها (١) إليه، فيكون قد زاد في إحسانه إليه بذلك. وإنما قصرناها على الخمسة الأوسق فدونها اتباعًا للحديث، ولأنها لما كانت مخصوصة ومستثناة من بابها وجب أن يحد بقدر لا يكون ذريعة إلى اختلاطها بالأصل الممنوع لأن هذا حكم كل بعض مستثنى من جملة. وإنما قلنا: أنه لا بأس بالزيادة على ذلك في حق الجماعة المُعْرِينَ؛ لأن عرية كل واحد قائمة بنفسها لا تتعلق بعرية غيره، فجاز في كل واحد ما جاز في الآخر. مسألة [٢ - الجوائح في الثمار]: إذا ابتاع (٢) ثمرًا فأجيحت (٣) بآفة من السماء من برد أو ريح أو ثلج أو جراد أو عفن أو غير ذلك فأصيبت ثلث مكيلتها فصاعدًا وضع عنه من ثمنها بقدر المحتاج منها فمصيبتها فيما دون الثلث من المشتري، وذلك ما دامت مجتاحة إلى تبقيتها في رؤوس النخل (٤)، والأصل في وجوب وضع الجوائح -خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥) - ما روي أنه ﷺ أمر بوضع الجوائح (٦)، وقال ﷺ : "من ابتاع من أخيه ثمرة فأصابتها جائحة فلا يأخذ من ثمنها شيئًا فبم يأخذ مال أخيه بغير حق" (٧)، وهذا نص، ولأن بيع الثمار على رؤوس النخل في معنى الإجارة لأنها تؤخذ أولًا فأولًا كالمنافع التي تستوفي أولًا فأول، فقد ثبت أن المنافع إذا تلفت قبل مضي المدة كانت من ضمان المكري

стр. 993

كذلك الثمار، ولأن التخلية بمجردها لا يكون قبضًا في الثمار بدليل أن تلف الثمرة بعطش يكون من البائع، ولأن البائع ليس له المطالبة بنقلها إلى الجذاذ، فعلم أنها غير مقبوضة وإن وجدت التخلية، ولأنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل، فإذا تلفت بآفة سماوية كانت من بائعها كالتلف العطش. فصل [٣ - مراعاة الجائحة في ثلث الثمرة]: وإنما راعينا ثلث الثمرة دون ما قصر عنه لأن المشتري دخل على أنه لا بد من تلف يسير بأكل العافي والمجتاز وسقوط اليسير وأكل الطير (١)، وغير ذلك مما يعلم بضرورة العادة أن المشتري لم يدخل على سلامتها منه، ولأنه ﷺ لما أمر بوضع الجوائح، وكانت الجائحة اسمًا لما أتلف جل الشيء أو ماله خطر وبال منه دون اليسير الذي لا يطلق على (٢) المال التالف منه أنه جائحة فيه صح ما قلناه، فإذا ثبت ذلك احتيج في الفصل بين القليل والكثير إلى (٣) حد يفصل به بينهما، فكان الثلث أولى لأمرين: أحدهما أنه إذا ثبت وجوب الفصل فلا حد سواه يصير إليه قائل، والآخر أنه قد اعتبر في الفصل بين القلة والكثرة في غير موضع من الشرع منها: الوصية والمحاقلة وحمل (٤) العاقلة والحجر على المرأة في مالها لحق زوجها وغير ذلك، فكذلك (٥) ها هنا. فصل [٤ - مراعاة تلف الثلث من المكيلة]: وإنما راعينا تلف الثلث من المكيلة -خلافًا لأشهب- في مراعاة تلف ثلث القيمة لأن كل مصيبة في مبيع وجب بها (٦) الرجوع على البائع في الثمن فالاعتبار بقدرها من المبيع أصله تلف المبيع المشاع قبل القبض، ووجه قول أشهب

стр. 994

أن وضع الجائحة لئلا يستبد البائع بالثمن من غير عوض يحصل للمشتري، فإذا أصيب ما قيمته أكثر من ثلث الثمن، فذلك أخذ مال المشتري بغير عوض. فصل [٥ - اشتراط حاجتها إلى بقائها على النخل]: وإنما اشترطنا حاجتها إلى بقائها على النخل لأن وضع الجائحة في الحال (١) التي تبقى للمبتاع فيها حق توفية على البائع، وذلك حال حاجتها إلى بقائها على النخل، فإذا استغنت سقط حق التوفية فلم تبق على المبتاع (٢) عهده يجب بها الرجوع. فصل [٦ - وضع الجوائح في البقول]: وفي البقول ثلاث روايات (٣): إحداها أنها كالثمر ووجهها اعتبارها بالثمار، والثانية أن يوضع قليلها وكثيرها ووجهها عموم الخبر وافتراقها عن الثمار للعادة وجريها بذهاب يسير الثمرة وانتفاعها في البقول، والثالثة أنه لا يوضع لها شيء لأنها تخرج غير محتاجة إلى تبقية في موضعها، والأول هو القياس والله أعلم. …

стр. 995

باب: [في منع التفاضل في بيع الذهب بالذهب] الصرف والتفاضل ممنوع في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة على أي صفة كانا أو أحدهما (١) من نقار (٢) أو مضروب أو مصوغ (٣) أو مكسور أو جيِّد أو رديء، فلا يجوز إلا مثلًا بمثل ووزنًا بوزن، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم. فصل [١ - في بيع الحلي المكسور جزافًا]: يجوز بيع الحلي المكسور جزافًا ولا يجوز بيع الدنانير والدراهم جزافًا (٤)، لأن أصل الجزاف غرر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (٥)، إلا أنه في الحلي تدعو الضرورة إليه ويخف أمره ويكثر في المضروب للتشاح فيه، ولأن السكة الخفيفة أنقق عن الناس عن الثقيلة، فكان القصد فيه إلى الغرر. فصل [٢ - في عدم تأخر القبض عن عقد الصرف]: ولا يجوز في الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا في أحد الجنسين بالآخر أن يتأخر القبض عن العقد بحال ولا يقبل في ذلك حوالة ولا حمالة ولا نظرة لقوله ﷺ : "إلا ها وها يدًا بيد" (٦)، (وإن طال بينهما

стр. 996

المجلس من غير تقابض بطل العقد (١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن العقد لا يبطل بترك التقابض ما لم يفترقا (٢) بقوله: "ها وها يدًا بيد" (٣)) (٤) وهذا لم يوجد، ولأن القبض قد تراخا عن العقد فأشبه إذا افترقا. فصل [٣ - في اقتضاء الذهب والورق أحدهما من الآخر]: يجوز في الذهب والورق اقتضاء أحدهما من الآخر إذا حلا لحديث ابن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع فنأخذ مكان الذهب الفضة ومكان الفضة الذهب، فسألنا رسول الله ﷺ : "لا بأس إذا كان بسعر يومه" (٥)، ولأن الحالَّ الذي حكم الحاضر، فجاز ذلك فيه ولا يجوز قبل حلوله لأنه يكون ذهبًا متأخرًا. فصل [٤ - في تطارح ما للرجل إذا كان لكل منهما ذهب حالَّة]: ولو كان لرجل على رجل ذهب حالَّة وللآخر عليه مثلها جاز، أن يتطارحاها (٦) صرفًا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٧)، لقوله ﷺ : "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" (٨)، ولأن الحال كالمقبوض فكان كالعين بالعين سواء.

стр. 997

فصل [٥ - إذا وجد في أحد الثمنين في الصرف نقصانًا]: وإذا وجد في أحد الثمنين نقصانًا، لأن رضي به جاز لأن الثمن يكون بقدر ما حصل معه، وإن طلب التمام انتقض الصرف لأن القبض يكون متأخرًا عن العقد، وكذلك إن وجد زائفًا أو رديئًا، فإن رضي به وإلا بطل الصرف ثم ينظر فإن كان (سمَّيا لكل دينار سعرًا معلومًا انتقض صرف دينار واحد لأن كل دينار معقود عليه بنفسه عقدًا يستغنى به عن ضم غيره إليه وإن كان) (١) سمَّى للجملة ثمنًا لم تسقط التسمية على حساب كل دينار انتقض جميع الصرف لأن العقد واحد للجميع (٢). فصل [٦ - في تبديل السكة]: إذا اقترض دراهم أو دنانير أو فلوسًا أو باع بها بيعًا ثم غيرت سكتها (٣) وصار النقد غيرها فله مثل ما اقترض أو باع وليس له النقد الجديد لأن النقد إذا تقرر (٤) وانبرم لم يبطل بالتعامل بغيره، ولأن أكثر ما في ذلك أن يرخص ذلك النقد أو يغلى، وذلك غير مؤثر كما لو رخص أو غلا والنقد باق في التعامل به (٥). فصل [٧ - من اقترض ذهبًا ونسبها إلى قيمتها من الدراهم أو دراهم نسبها إلى قيمتها من الذهب]: ومن اقترض من صيرفي أو غيره ذهبًا ونسبها إلى قيمتها من الدراهم أو دراهم ونسبها إلى قيمتها من الذهب (٦)، فليس له عليه إلا ما قبض (لأن ذلك

стр. 998

هو الذي يستحق عليه) (١) دون القيمة، ولأنا لو طالباه بالقيمة لصار صرفًا بنسيئة. فصل [٨ - جواز التسامح للرفق]: بدل الدينار الناقص بالوازن أو الدرهم الناقص بالوازن (٢) على وجه الرفق والمعروف جائز يدًا بيد لأن كسر السكة غير جائز، والمعروف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره، وهذا إذا لم يعرض ما يمنع منه من اختلاف الفضتين والغرض بهما وأن يخاف كون غرضهما التبايع لا المعروف. فصل [٩ - في عدم جواز بيع ذهب وفضة بذهب ولا بيع تمر وبر ببر]: لا يجوز بيع ذهب وفضة بذهب ولا بيع تمر وبر ببر، وعقد هذا الباب: أن كل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يكون مع أحد الجنسين (٣) غيره ولا معهما جميعًا وسواء كان الغير مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه (٤). وقال أبو حنيفة: يجوز بيع صاع تمر وثوب بصاعي تمر، فيكون أحد الصاعين في مقابلة الصاع والثوب في مقابلة الصاع الآخر، وكذلك دينار وثوب (٥) بدينارين (٦). وإنما منعنا ذلك لحديث فضالة بن عبيد (٧) قال: أُتِيَ النبي ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير، فقال ﷺ :

стр. 999

"لا حتى تميز بينهما"، قال: إنما أردت الحجارة، فقال: "لا حتى تميز بينهما" (١) وهذا نص، ولأن مقابلة (٢) جنس آخر لأحدهما أو لهما يمنع المماثلة لأن الذهب المنفردة ليس في مقابلتها ذهب مثلها وإنما في مقابلتها ذهب وعرض، وهذا ضد المماثلة، ولأن الصفقة إذا تناولت أشياء كانت جملة (الثمن في مقابلة الجميع) (٣) منقسطة على المبلغ والقيمة، فإذا تبايعا دينار أو ثوبًا بدينارين حصلت جملة الدينار والثوب في مقابلة الدينارين، ولا نأمن أن تكون قيمة الثوب دينارًا (٤) أو أكثر من دينار فيؤدي ذلك إلى أن يكون دينار في مقابلة أقل من دينار وذلك ربا لأن الجهل بالتماثل بمعنى تحقق التفاضل .. فصل [١٠ - في صرف الذهب الجيد بالرديء]: لا يجوز دينار ذهب جيِّد ودينارين من ذهب رديء بدينارين دون الجيِّد وفوق الرديء (٥)، وكذلك في التمر لا يجوز صاع معقلي (٦) وصاع دقلى (٧) بصاعين من برني (٨) خلافًا لأبي حنيفة (٩)؛ لأن التفاضل في القيمة في المماثلة يمنعها ويصير كالتفاضل في الوزن، لأن هذا إنما رضي أن يزن الدينار المتوسط ويأخذ الدون لمكان الجيِّد الذي معه ولولا ذلك لم يفعل، وكذلك إنما رضي بأخذ الدقلي بدلًا من البرني (١٠) لأجل ما معه من المعقلي، والآخر إنما رضي

стр. 1000

بأخذ البرني بدل المعقلي لأنه يأخذ صاحبه معه دقلًا وكل ذلك تخاطر (١) وقصد للمغابنة، ولأن الثمن ينقسط على الجملة فتمتنع المماثلة، وأما إن كانت الرديئة في جهة والجيِّدة في جهة فيجوز لأن القصد من ذلك المعروف والرفق لا المتاجرة. فصل [١١ - في المراطلة]: المراطلة (٢) بالذهب جائزة (٣)، وهي أن يوضع أحد الذهبين في كفة والآخر في كفة بغير صنجة (٤)، فإذا استوى لسان الميزان بينهما أخذ كل واحد منهما ذهب صاحبه بدلًا من ذهب نفسه لأن التماثل يحصل بهما كما لو كان بصنجة ولا يراعى في ذلك إلا الوزن دون العدد، فإن كان إحدى الذهبين أكثر عددًا أو أقل وهمًا (٥) متساويان في الوزن فلا بأس. فصل [١٢ - في عدم جواز انضمام عقد البيع إلى الصرف]: ولا يجوز (٦) أن ينضم إلى الصرف عقد بيع إلا أن يكون يسيرًا على وجه التبع (٧) لأن الصرف ضيِّق بابه وغُلِّظ فيه واختص بأحكام لا يوجد في غيره، فإذا انضم إليه غيره فاحتيج إلى اعتباره به، وذلك غير جائز فإن كان يسيرًا جاز لأن الضرورة تدعو إليه مثل أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيعجز الدرهم أو النصف فيدفع إليه عرضًا بقيمته أو يزيد الدينار والدرهم وكسره غير جائز فهاهنا يجوز للضرورة لأنه يعلم أن البيع غير مقصود.

стр. 1001

فصل [١٣ - في شراء تراب الذهب والفضة]: يجوز شراء المعادن من الذهب والفضة الجنس منهما بخلافه ولا يحق بجنسه (١) خلافًا للشافعي في منعه أصل البيع (٢) لقوله : ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ﴾ (٣)، ولأنه مرئي (٤) محزور ومعلوم بالعادة مقدر في غالب الحال فجاز بيعه وإن لم يعلم حقيقة وزنه كالجزاف. فصل [١٤ - في عدم جواز شراء تراب الصاغة]: ولا يجوز شراء تراب الصاغة خلافًا لمن أجازه (٥) لأنه غرر إذ لا يعلم هل فيه شيء أم لا ولو علم أن فيها شيئًا لم يظهر ولم يعلم قدره ولا حزره، وذلك غرر مجهول (٦). …

стр. 1002

باب: [بيع الغرر] بيع الغرر (١) غير جائز (٢) لنهيه ﷺ عنه (٣)، والغرر يكون بوجوه: منها الجهل بجنس المبيع كقولك: بعتك ما في كمي أو صندوقي أو كفي (٤)، ويجوز أن يكون في كمه جوزة أو لوزة (٥) أو بيضة، ويجوز أن يكون فيه درة أو ياقوتة، ومنها الجهل بصفة المبيع وإن عرف جنسه مثل أن يسلم إليه في عبد أو ثوب ولا يذكر نوعه ولا صفته، ومن هذا الباب بيع الساج (٦) في جرابه والثوب المطوي، فإذا عرف جنسه ووصفته جاز وخرج عن الغرر، ومنه بيع الملامسة والمنابذة التي (٧) نهى رسول الله ﷺ عنه (٨) وبيع الحصاة (٩)، والملامسة أن يجب البيع بلمس الرجل الثوب وإن لم يبينه ولا عرف ما فيه، والمنابذة أن ينبذ الرجل ثوبه إلى الآخر (١٠) وينبذ الآخر ثوبه إليه، فيجب البيع

стр. 1003

بينهما بذلك من غير أن ينشر الثوبين ويقفا (١) على ذرعهما وكذلك بيع الحصاة كانوا في الجاهلية إذا أعجب الرجل الثوب ترك عليه حصاة فيجب البيع بذلك ولا يكون له رد سواء وجده (٢) صحيحًا أو معيبًا، وقيل: كان الرجل يسوم بالثوب وبيده حصاة فيقول لصاحبه: إذا سقطت هذه الحصاة من يدي فقد وجب البيع، هذه البيوع من بيوع الجاهلية. ومن بيع الغرر المزابنة: وهو بيع معلوم بمجهول من جنس أو مجهول بمجهول (٣) من جنس وقد بيناها، فإن كان ذلك مما فيه الربا حرم لأجل التفاضل وإن كان مما لا ربا فيه كان خطرًا أو قمارًا إلا أن يتبين (٤) الفضل، فيجوز لأنه يخرج حينئذ عن التخاطر (٥)، ومن الخطر أن يبيعه جزافًا يعلم كيله ولا يعلمه به فيدخل المبتاع على ذلك. ومن أنواع الغرر ما لا يقدر على تسليمه كالآبق (٦) والضالة والمغصوب والطير في الهواء والسمك في الماء وكل هذا لا يجوز بيعه لأنه لا يقدر على تسليمه ثم لا يخلو أن تكون صفة البيع معلومة لهما أو مجهولة، فإن كانت معلومة والغرر من وجه واحد وهو العجز عن التسليم إلا أن يباع الآبق والضالة ممن قد (٧) وجدهما وحصلا تحت قبضته، والمغصوب من غاصبه ولم يبعد عداهما عن مالكها أو يثبت عنده بقاؤهما (٨) على صفاتها أو عرف ما انتقلا إليه فيجوز حينئذ بيعه لهما وإن كانت صفاتهما غير معلومة للمالك دخل بيعهما الغرر من وجهين الجهل والعجز عن التسليم.

стр. 1004

ومن هذا الباب بيع الأجنة واستثناؤها وبيع حبل (١) الحبلة وهو نتاج ما تنتج الناقة والمضامين وهو ما في ظهور الفحول، فهذا يجمع الأمرين الجهل بالمبيع والعجز عن التسليم. ومنه أيضًا السلم إلى أجل لا يوجد فيه المسلم فيه فيعجز المسلم إليه عن تسليمه. ومن وجوه الغرر الجهل بالثمن، أما في جنسه أو في مقداره (٢) أو أجله، وكذلك في المثمون (٣)، فأما في الجنس فمثل أن يبيعه بما يحكم به زيد أو يسميه عمرو أو يقع في يده (٤) من رقاع يكتب فيها عدة أثمان أو يخرج به السهم في قرعة، أو ما أشبه ذلك في المقدار مثل ما يخرج به سعر اليوم وما يبيع به فلان متاعه، وفي الأجل نحو قدوم زيد وزفاف (٥) عمرو وموت فلان وما أشبه ذلك. ومن هذا الباب بيعتان في بيعة: وصفته أن يبيعه هذا الثوب إما بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل على أنه قد وجب بأحد الثمنين، فأما إن كان (٦) على أنه إن رضي أجاز (٧) وإن لم يرض رد ولم يجب (٨)، فذلك جائز لأن العقد لم يجب فلا يحصل غرر، وقد يقع على وجوه أُخَرْ، ومن الغرر بيع اللحم في جلده والحنطة في تبنها (٩)، وما أشبه ذلك ومن وجوه الغرر ما لا ترجى سلامته

стр. 1005

كالمريض في سياقه وما لا يدري هل يسلم أم يتلف ولا أمارة على ذلك تغلب على الظن معها سلامته مثل بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وأبواب الغرر كثيرة وقد نبهنا بقدر ما ذكرناه منها على ما أهملناه، ولا خلاف أن يسيره لا يمنع صحة البيع وإن ما تدعوا الحاجة إليه منه معفو عنه وأن (١) الذي يمنع ما زاد على ذلك. فصل [١ - في بيع الأعمى وشرائه]: يجوز بيع الأعمى وشراؤه (٢) خلافًا للشافعي (٣)، وذلك إذا كان يعرف ما يوصف له وسواء كان بصيرًا فعمي أو ولد أعمى لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤)، وقياسًا على البصير بعلل (٥) إما لأن كل من جاز تسليمه (٦) جاز بيعه للأعيان أو لأن كل من صح (٧) أن يؤكل في البيع صح أن يليه بنفسه. فصل [٢ - في منع بيع الإنسان على بيع أخيه]: لا يجوز بيع الإنسان على بيع أخيه، وذلك إذا أركن إليه وقرب اتفاقهما على تقدير (٨) الثمن ولم يبق إلا العقد أو قريب منه، فأما إن كان في أول الغرض وابتداء السوم قبل التقدير والركون فلا بأس والقول فيه (٩)، وفي فسخه إن وقع كالقول في النكاح وقد بيناه.

стр. 1006

فصل [٣ - في بيع النجش]: بيع النجش غير جائز (١) وصفته: أن يزيد التاجر في الثمن لا لنفسه بك ليغر غيره فينزل (٢) على مزايدته، فهذا لا يجوز لنهيه ﷺ عنه (٣)، وإن وقع فسخ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)، لأن النهي يقتضي على الفساد، ولأن فيه مضرة على الناس وإفساد لمعايشهم لأن من عادة الناس أن يركنوا إلى زيادة التاجر ويعتقدوا أنها تساوي ما يبذلونه فيها وذلك فساد وضرر فوجب فسخه. فصل [٤ - في تلقي السلع وبيع الحاضر للبادي]: ولا يجوز تلقي السلع قبل أن تورد الأسواق (٥) لنهي النبي ﷺ عن ذلك (٦)، وفائدته ألا يستبد الأقوياء بها دون الضعفاء ومن لا قدرة له على مشاركتهم، وإذا ثبت المنع منه فمن فعل ذلك خُيِّر بقية أهل الأسواق في أن يشاركوه فيما اشتراه أو يتركوه له، ولا يبيع حاضر لباد (٧) لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك وقال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (٨)، وفائدة ذلك أن فيه إضرارًا بالناس

стр. 1007

لأن أهل (١) البادية لا يعرفون الأسعار ويضر بهم بيع ما يجلبونه بالرخص كما يضر بأهل الحضر شراؤه بالغلاء لأن أهل الحضر لا يصلون إليه إلا بعوض وأموال أهل البدو (٢) جلها من المباح الذي يؤخذ بغير عوض فيجب أن يقدم النظر لأهل الحضر عليهم، فإذا باع لهم السماسرة والتجار باعوا بالأسعار الغالية والأثمان المستوفاة فأضر ذلك بالحاضرة (٣). وإذا ثبت منع ذلك فقيل: يفسخ إن وقع، وقيل: لا يفسخ، فوجه الفسخ عقوبة لفاعله للنظر العام، ولأن قصده قطع أرزاق الناس، ووجه الإمضاء فلأن الفساد منتف عنه من جهة العقد أو المعقود عليه، وإنما هو لحق الآدميين على وجه الرفق والإعانة، فأما أن يكون قطع حق آدمي متعين فلا، وإما الشراء لهم فقال: مالك لا بأس به اعتبارًا بالشراء لغيرهم لأن الحاضر يعرف ثمن ما يبيعه فلا يستضر بمن يشتري منه الحاضر للبادي بخلاف البيع لهم، وقال بعض أصحابه: لا يشتري لهم وهو والبيع سواء، ووجه هذا أنهم لا يعرفون الأسعار فيبذلون فيما يشترونه أكثر مما يبذلونه إذا تولى لهم التجار فيضر بالحاضرة كالبيع لهم. فصل [٥ - في التسعير]: التسعير (٤) على أهل الأسواق غير جائز (٥) لأن الناس مالكون لأموالهم والتصرف فيها فلا يجبرون على بيعها إلا بما يخترونه، ولأن النبي ﷺ امتنع من التسعير لما سئل فيه فقيل له: لو سعرت لنا، فقال: "إن الله هو القابض

стр. 1008

والباسط والمغلي والمرخص وإني لأرجو أن ألقي الله وليس لأحد منكم عندي مظلمة ظلمته إياها في عرض ولا مال" (١). فإذا ثبت ذلك فالذي يخاف ضرره بعقد التسعير هو الزيادة فيه وهذا يمكن حسمه بأن يقال لمن يحط السعر: إما أن تلحق بالناس، وإما أن تنصرف ومثاله أن يكون بيع الناس مثلًا للخبز عشرة أرطال بدرهم فيبتديء هو البيع على ثمانية فيقال له: إنا لا نسعر عليك ولا يلزمك البيع بما لا تختار، ولكن نأمرك بأن لا تضر بالناس تغلى (٢) الأثمان زيادة على بيع غيرك لئلا يقتدى الباقون بك فيضر ذلك بالناس، فأما بعه على بيعهم وإلا أزلنا الأضرار عن الناس (٣) بصرفك عنهم، وقد روي: أن عمر ﵁ قال لحاطب بن أبي بلتعة مثل ذلك (٤). فصل [٦ - في الحكرة]: الحكرة (٥) إذا أشرف بأهل البلد ممنوعة في كل ما بهم حاجة إليه وضرورة إلى شرائه وكثرته، سواء كان طعامًا أو ثيابًا أو أي شيء كان من أنواع الأموال (٦)، والأصل في منعها قوله ﷺ : "لا يحتكر إلا خاطيء" (٧)، وروي: "المتربصون بالطعام هم الآثمون" (٨)، وروي: أن

стр. 1009

عمر رضى الله عنه خرج إلى المسجد فرأى طعامًا منشورًا فقال: ما هذا؟ قالوا: طعام جلب إلينا، قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه، قالوا: إنه قد احتكره فلان وفلان فدعاهما فقالا له: نشتري بأموالنا ونبيع، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بإفلاس أو جذام" (١)، وهذا هو في البلدان الصغار الذين يَضُرُّ بهم الاحتكار، فأما البلدان (٢) الكبار والأمصار الواسعة التي يكثر إليها الجلب ويتسع الحمل والتجهيز فلا بأس، لأن ذلك غير مضر بهم غالبًا إلا أن يتفق (٣) في بعض الأوقات غلاء أو شدة ويؤدي ذلك إلى الإضرار بالناس فيمنع حينئذ. فصل [٧ - في عدم التعرض لمن جلب طعامًا وعدم جبره على بيعه … ]: لا يعرض لمن جلب طعامًا أو غيره إلى بلد ولا يجبر على بيعه ولا يمنع من اختزانه (٤) وحكرته لأنه لم يضر بالناس ولا على عليهم سعرًا ولا استبد بشيء كان يجب أن يساويهم فيه، بل في منعه من ذلك إضرار به وافتيات عليه لأنه إنما تكلف جلبه وسافر في تخليصه (٥) ليبقيه لنفسه، فليس لأحد اعتراض عليه فيه، وقد روى عن عمر (٦) أنه قال: من جلب طعامًا على عمود ظهره، فذلك ضيف عمر يبيعه كيف شاء ويذهب به حيث شاء (٧).

стр. 1010

فصل [٨ - بيع العربان]: بيع العربان منهي عنه إذا وقع على صفة دون صفته، وصفته الممنوعة أن يشتري الرجل السلعة بثمن معلوم أو يكتري دابة بكراء معلوم وينقد من ذلك شيئًا ليسكن البائع أو المكرى إليه على أنه إن رضي إمضاء (١) البيع أو الكراء وينقد بقيته وإن كره لم يرجع بما نقده (٢). وإنما قلنا: إنه ممنوع لنهيه ﷺ عن بيع العربان (٣) ولأنه من أكل المال بالباطل لأنه يذهب بغير عوض ولا على وجه الهبة والصدقة، وإنما هو ضرب من القمار، ووقوعه على الصفة الجائزة (٤)، فهو أن يجعل العربان على يد غير البائع وعلى يده مختوما لئلا ينتفع به ثم يرده إن كره المشتري فيكون بيعًا وسلفًا، فإذا ختم عليه زال ما يخاف (٥) من ذلك ثم ينظر: فإن اختار الإمضاء احتسب به من الثمن أو الأجرة إن كان كراء، وإن كره استرجعه، فهذا جائز لأنه ليس فيه ما يقتضي المنع. فصل [٩ - بيع الدين بالدين]: الدين بالدين (٦) ممنوع (٧) لنهيه ﷺ عن الكاليء بالكاليء (٨) وهو الدين بالدين، وذلك إذا كان من الطرفين مثل أن يحل له

стр. 1011

سلف من عروض على رجل فيجعلها ثمنًا لشيء آخر من سلم ينتقل إليه أو أن يسلم إليه في شئ بثمن معلوم يكون دينًا في ذمة المسلم للمسلم إليه، فهذا كله ممنوع، فأما فسخ الدين إذا حلَّ في عين بتأخر قبضها وتكون مضمونة على بائعها فمنعه مالك وابن القاسم وأجازه أشهب وغيره وذلك كثمرة يجتنيها أو سلعة غائبة أو دار يسكنها مدة أو ما أشبه ذلك، فوجه المنع أنه مفسوخ فيما لا يتنجز وما هو في ضمان الغريم، فأشبه أن يفسخ شيء في الذمة، ووجه الجواز أنه فسخ دين في عين كالمقبوض. فصل [١٠ - فيما لا يجوز في الدين إلى أجل وهو ما يعرف بضع وتعجل]: الوضع على التعجيل ممنوع منه (١)، وصفته أن يكون على رجل دين لم يحل (٢) فيقول لصاحبه: تأخذ بعضه معجلًا وتبرئني من الباقي، فهذا غير جائز لأمرين: أحدهما أنه يدخله الربا إن كان في ذهب أو فضة أو طعام أو ما يحرم التفاضل فيه، والآخر أنه قرض يجر نفعًا (٣)، وروي ذلك عن ابن عمر وزيد ابن ثابت (٤)، وهو إجماع الصحابة وكذلك إذا عجل له بعضه قبل الأجل على إن أخره بالباقي زيادة على الأجل الأول لأنه ترك ذلك الأجل للتعجيل (٥). فصل [١١ - في تصرف الفضولي]: إذا باع ملك غيره بغير إذنه انعقد البيع ووقف على إجازة المالك أو رده (٦)،

стр. 1012

وكذلك إذا اشترى له بغير إذنه (١)، وفرق أبو حنيفة بينهما فأجاز في البيع ومنعه في الشراء (٢)، ومنعه الشافعي (٣) في الموضعين (٤)، فدليلنا على الشافعي حديث حكيم بن حزام (٥) وعروة البارقي (٦): أن النبي ﷺ دفع إليه دينارًا ليبتاع له شاة، فابتاع شاة ثم باعها بدينارين فابتاع بأحدهما شاة وجاء بالدينار الآخر إلى النبي ﷺ فأخذه وبارك له في صفقته (٧)، ولأنه عقد تمليك يفتقر إلى الإجازة، فجاز أن يقع موقوفًا عليها كالوصية، ولأنه تمليك لملك الغير بغير إذنه (٨) كالتصدق باللقطة، ودليلنا على أبي حنيفة: أن القبول أحد طرفي العقد فجاز أن يقف العقد (٩) على إمضائه كالإيجاب.

стр. 1013

فصل [١٢ - فيمن اشترى عبدًا نصرانيًّا]: إذا اشترى عبدًا نصرانيًّا جاز أن يبيعه من نصراني لأنه مساوٍ له في الدين كبيع المسلم من المسلم. فصل [١٣ - إذا اشترى نصراني عبدًا مسلمًا]: إذا اشترى نصراني عبدًا مسلمًا ففيها روايتان (١): إحداهما أنه لا يصح ويفسخ والأخرى أن العقد يقع ويجبر على بيعه. فوجه الأولى: أن كل معنى إذا طرأ على ما يملكه النصراني قطع استدامته في حق المسلم، فإذا وجد ابتداء منع العقد أصله النكاح لأنها إذا أسلمت تحته منع ذلك استدامة نكاحه (٢)، وكذلك وجود الإِسلام يمنع ابتداء عقده (٣) عليها كذلك العقد على الرقبة. ووجه الثانية: أنه قد ثبت له عليه ملك بوجه وهو أن يسلم في ملكه فيباع عليه، وإذا كان كذلك لم يفسخ عقده عليه وبيع عليه أصله إسلامه في ملكه. فصل [١٤ - في بيع الكلاب]: اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب، فمنهم من قال: يكره، ومنهم من قال: يحرم (٤). ووجه الجواز ما روي: أنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية (٥)، ولأنه جارح يصاد به كالبازي.

стр. 1014

ووجه الحظر نهيه ﷺ عن ثمن الكلب، ولأنه حيوان منهي عن اتخاذه إلا للضرورة كالسباع، وعلى من قتله قيمته لصاحبه خلافًا (للشافعي لأنه حيوان يصح الانتفاع به والوصية به كالخيل والبغال ولأنه بهيمة يجوز الاصطياد به كالبازي) (١). فصل [١٥ - في عدم جواز بيع الزيت النجس والعذرة]: لا يجوز بيع الزيت النجس ولا العذرة (٢) للتزبيل (٣) لأنها عين نجسة كالدم. …

стр. 1015

باب: [في الخيار] البيع جائز بشرط الخيار (١) (لقوله ﷺ في حديث حبان: "واشترط الخيار ثلاثًا" (٢)) (٣)، وقوله ﷺ : "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار" (٤)، ولأن الإنسان يحتاج إلى تأمل ما يبتاعه واختياره فجاز ذلك. فصل [١ - في جواز اشتراط الخيار من البائع والمشتري]: يجوز أن يشترطه البائع والمشتري لقوله ﷺ : "واشترط (٥) الخيار ثلاثًا" (٦) ولم يفرق، ولأن الخيار وضع للتأمل والاختبار وكل واحد منهما محتاج من ذلك إلى مثل ما يحتاج إليه الآخر، فجاز اشتراط كل واحد منهما له. فصل [٢ - انفراد من اشترط الخيار بالفسخ دون الآخر]: فإن اشترطه أحدهما انفرد بالفسخ ولم يكن للآخر مقال معه، وإن اشترطاه معا، فقد تعلق الحق بهما فلا يسقط حق أحدهما إلا بإسقاطه له، ولا يثبت

стр. 1016

البيع إلا باجتماعهما على إجازة أو رد، فإن اتفقا على إمضاء أو فسخ كان لهما وإن اختلفا فاختار أحدهما الرد والآخر الإمضاء، فالقول قول (١) المختار للرد لأن مختار الإمضاء قد أسقط حقه من الفسخ وبقي حق الآخر ولا يسقط بإسقاط غيره له. فصل [٣ - في خيار المجلس]: خيار المجلس غير ثابت والعقد بالقول لازم (٢) خلافًا للشافعي (٣) لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤)، ولأنه عقد معاوضة كالنكاح، ولأن كل خيار كان من مقتضى العقد جاز أن يبقى بعد الافتراق كخيار العيب وكل خيار لا يثبت بعد الافتراق، فليس من مقتضى العقد كالخيار في إغلاء (٥) الثمن ورخص، ولأنه لو كان ثابتًا بمقتضى العقد لم يصح وقوع العقد على وجه لا يتصور فيه، فكان لا يصح للأب أن يشتري لابنه من نفسه لأن مفارقة (٦) الإنسان من نفسه لا تصح. فصل [٤ - في وضع الخيار لتمام البيع واستقراره]: الخيار موضوع لتمام البيع واستقراره لا للفسخ، فإن اختار من له الخيار الإمضاء تَمَّ البيع وانبرم، وإن اختار الفسخ تبيّنَا أن الملك لم ينتقل إليه (٧)، وإنه لم يزل على ملك البائع، وفي الحالتين فهو في الحكم على ملك البائع وتلفه منه ما لم يتقرر من المشتري إمضاء خلافًا لمن يقول: إنه وضع للفسخ (٨)

стр. 1017

وأن الملك قد انتقل بنفس العقد لأنه إيجاب لا يلزم البائع الثبوت عليه، فلم ينتقل الملك به على التجريد أصله إذا وجب ولم يقل للمشتري: قبلت، ولأن الإيجاب مع شرط الخيار غير محقق (١) لأنه متعلق بشيء يقع في المستأنف، فالمشتري يقبل إيجابًا غير محقق فلم ينتقل به الملك. فصل [٥ - في تصرف المالك في ملكه]: كل تصرف يفعله المالك في ملكه لا يحتاج إليه في اختيار (٢) المبيع، فإنه يعد رضا ممن له الخيار ويكون من البائع فسخًا، ومن المشتري إمضاء وذلك كالوطء والتقبيل واللمس للذة وكالهبة والصدقة بالمبيع والإعتاق والتدبير والكتابة، واختلف في الإجارة والرهن والتسوم (٣) بالسلعة (٤): فعند ابن القاسم أنه اختيار لأنه تصرف من المالك لا يحتاج إليه في اختيار المبيع وليس باختيار عند أشهب لأنه قد يفعل نيابة عن الغير، وتزويج الأمة اختيار وتزويج العبد وإسلامه في صنعه اختيار عند ابن القاسم وليست باختيار عن أشهب، وجناية الخطأ ليست باختيار وجناية العمد اختيار عند ابن القاسم وليست باختيار عند أشهب، والنظر في هذا كله مع ابن القاسم والاستخدام ليس باختيار لأنه اختبار. فصل [٦ - في مدة الخيار]: مدة الخيار متعلقة بما يمكن اختيار (٥) المشتري المبيع في مثله (٦)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قصرها ذلك على ثلاثة أيام (٧) (لقوله صلى الله عليه

стр. 1018

وسلم: "لكل مسلم شرطه" (١)، وقوله ﷺ : "إلا بيع الخيار" (٢) فأطلق، ولأنها مدة ملحقة بالعقد فجاز أن يكون أكثر من ثلاثة أيام) (٣) كالآجال لأنها مدة يحتاج فيها إلى اختبار المبيع كالثلاثة، ولأن الخيار موضوع لتأمل المبيع واختياره والمبيعات مختلفة في ذلك وفي قصرها على مدة محصورة إبطال لفائدته. فصل [٧ - إذا مات مشترط الخيار]: إذا مات مشترط الخيار من المتبايعين قام ورثته مقامه (٤) خلافًا لأبي حنيفة (٥)، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٦) فعم، ولقوله ﷺ : "من ترك ملكًا وحقًّا فلورثته" (٧)، ولأنه خيار ثابت في عقد بيع كالخيار بالعيب، ولأن من ورث شيئًا ورثه بحقوقه كالدين بالرهن وخيار التعيين (٨) والرد بالعيب، ولا يلزم عليه الوطء لأن ذلك لا يتصور فيه على وجه. فصل [٨ - في اختلاف الورثة بين الإمضاء والفسخ]: إذا اختلف الورثة فأراد بعضهم الإمضاء وبعضهم الفسخ: فإما رضوا جميعًا أو فسخوا لأنهم يقومون مقام موروثهم ولم يكن له تبعيض الصفقة. فصل [٩ - في وراثة خيار الشرط أو الرؤية أو التعيين أو الرد بالعيب]: (لا فصل بين خيار الشرط أو الرؤية أو التعيين أو الرد بالعيب في أن ذلك كله موروث) (٩).

стр. 1019

فصل [١٠ - حكم التبايع على خيار رضا فلان]: يجوز أن يتبايعا ويشترطا أو أحدهما رضا فلان أو اختياره يومًا أو أيامًا (١) خلافًا لأصحاب الشافعي (٢) لقوله ﷺ : "واشترط الخيار ثلاثًا" (٣) ولم يفرق، ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع وحظ مشترطه، وقد لا يعرف ذلك فيشترطه لغيره ليُعرِّفه إياه. فصل [١١ - إذا ثبت الخيار لغير المتبايعين فهل يثبت مع ذلك لهما]: إذا ثبت (٤) الخيار ويكون لمن اشترط له فهل يثبت (مع ذلك لمشترطه من المتبايعين أم لا؟ فيه خلاف (٥) قال ابن القاسم: يثبت) (٦) الخيار للأجنبي وللبائع إن كان هو الذي اشترطه (٧)، فإن اختار الأجنبي ردًّا أو إجازة وأباه البائع فالقول للبائع، وإن كان المشتري هو الذي شرط للأجنبي الخيار لم يثبت إلا للأجنبي فقط ولم يكن للمشتري أن يخالف (٨) عليه، وروي عنه أيضًا: أن لهما المخالفة عليه وهو قول ابن حبيب. وإنما قلنا: إن شرط الخيار للأجنبي لا يلزم البائع لأنه لم يشترط له على وجه التمليك، ولكن على وجه تنبيهه (٩) وإرساله، ولأن الخيار للأجنبي فرع على ثبوته للبائع فيمتنع أن يثبت الفرع وينتفي به أصله.

стр. 1020

ووجه التفريق بين البائع والمشتري أن حال المشتري (١) أضعف، لأن الإيجاب لا يتعلق بصفة والقبول يتعلق بها، فجعل أمره على التمليك والنظر التسوية بينهما لأنهما متساويان في العقد وحقوقه، لا يختلف أصحابنا أن شرط مشاورة الأجنبي جائزة ولا يلزم المتبايعين لأنه اشترطها لنفسه لا لغيره. فصل [١٢ - عدم اشتراط حضور العاقد الآخر عند الإمضاء أو الفسخ]: إذا اختار مشترط الخيار أن يختار (٢) أو يفسخ فله حضر الآخر أم غاب (٣) خلافًا لأبي حنيفة في اشتراطه حضور صاحبه (٤)، لقوله ﷺ في المصراة (٥): "فهو بخير النظرين إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها" (٦) ولم يفرق، ولأنه مختار (٧) للفسخ مع بقاء مدة الخيار كما لو حضر صاحبه، ولأنه معنى ينقطع به خياره فلم يفتقر إلى رضا الآخر كالإجارة. فصل [١٣ - الخيار المطلق]: إذا اشترط الخيار ولم يضربا له مدة صح العقد وضرب للسلعة مدة تختبر (٨)
следующие страницы →