← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

باب: [في الجعالة] الأصل في جواز الجعل (١) قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (٢)، وقوله ﷺ للذي رقى فأخذ عليه جعلًا من أكل يرقيه باطل: "فلقد أكلنا (٣) برقية حق" (٤)، وكأن الجعالة كانت قبل الإسلام وأقرها النبي ﷺ ولم ينكرها ولا نهى عنها. فصل [١ - صفة الجعل]: وصفة الجعل: أن تكون الأجرة مقدرة والعمل غير مقدر، فمتى قدر العمل لم يكن جعلًا وصار إجارة، ولم يجز إلا فيما لا يتقدر من الأعمال، وصفته فيما لا يتقدر أن يجعل جعلًا في المجيء بعبده الآبق وبعيره الشارد: فإن جاء به استحق الجعل المقدر له وإن لم يأت به فلا شيء له، ولا يجوز ضرب أجل في ذلك لأنه يخرجه (٥) عن بابه (لأن وقت إصابته غير معلوم ولا يدري هل يكون أم لا) (٦).

стр. 1087

فصل [٢ - في حكم عقد الجعالة من حيث اللزوم والجواز]: الجعل جائز وليس بلازم إلا أن يشرع المجعول له في العمل فيلزم (١)، وذلك لأن العمل جار فالجواز فيه دون اللزوم فلم يجز إخراجه عن بابه، وإذا شرع في العمل فقد حصل أحد الطرفين فلا يجوز إبطاله (٢)، وإنما يجوز عندنا في الشيء الخفيف الذي لا خطر له أو ما لا ينحصر بأجرة، فأما ما يمكن أن يعقد عليه إجارة فيه أولى لأنها أبعد عن الغرر، ولأن العقد ينحصر من الطرفين فكان أولى. فصل [٣ - عدم جواز كون الأجرة في الجعل مجهولة]: لا يجوز أن تكون الأجرة في الجعل مجهولة (٣) لأنه غرر، ولأن الجهل يدخل العقد من الطرفين، ولأن الجهل في العمل إنما يجوز للضرورة إليه لأنَّه لا يمكن حصره ولا ضرورة إلى ذلك في الجعل، فمن ذلك أن يجعل لمن جاء بعبده الآبق أو جمله الشارد نصفه لا يجوز لأنه لا يعرف صفته وقت المجيء به. يجوز حصاد الزرع وجذاذ الثمر بنصفه لأنه معلوم، وإن قال: احصده فما حصدت من شيء ذلك نصفه أو ثلثه (٤)، فجائز أيضًا لأنه معلوم، ولأن كل جزئين من الزرع مستحق بإزائها جزء منه، فإن قيَّد ذلك بزمان بعينه مثل: أن يقول احصد زرعي هذا اليوم، فما حصد منه ذلك نصفه: فقيل: لا يجوز لأن قدر ما يحصد في اليوم غير معلوم، وقيل: يجوز لأن الأجرة في الجملة مقدرة. فأما نفض الزيتون بنصف ما يسقط منه: فإن أراد تحريك الشجرة وله نصف ما يسقط فذلك مجهول، وإن أراد الجميع جاز.

стр. 1088

فصل [٤ - فيمن جاء بآبق أو شارد ابتداء ثم طلب الأجر]: من جاء بآبق أو شارد ابتداء ثم طلب الأجر: فإن كان ذلك شأنه وعادته ويعلم أنه يتكسب به فله أجرة مثله بقدر تعبه وسفره وتكلف طلبه (١)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أنه متطوع لا شيء له (٢)، لأن منافعه فيما لو أضاعه ربه لعُدَّ سفها منه يوجب له الأجر عليها أصله لو سقط من موضع عال أو وقع في بئر فأخرجه، فأثبت ذلك فله أجر مثله لأنه ليس هناك مسمى، فإن أبى صاحب العبد أن يدفع إليه خلا بينه وبين العبد لأن امتناعه من ذلك رضا بإسلام (٣) العبد، وإن علم أن ذلك ليس من شأنه وعادته أنه يرتفع عن مثله وإنما فعله على وجه الحسبة واكتساب المودة فليس له أجرة إن طلبها لأن دعواه لذلك ينافي ظاهر حاله، فكأنه ندم فاستدرك ندمه فلا يستحق شيئًا. فصل [٥ - مشارطة المعلم على تعليم الصبي القرآن، ومشارطة الطبيب على برء العليل]: تجوز مشارطة المعلم على تعليم الصبي القرآن على الحذاق، ومشارطة الطبيب على برؤ العليل (٤) لأن الضرورة تدعو إلى ذلك فجُوِّز لأجلها إذا كان مقامه في التعليم غير معلوم وبرء العليل غير معروف المدة. فصل [٦ - الجعالة على حفر الآبار]: يجوز (٥) الجعل على استخراج المياه في الآبار والعين على صفة معلومة

стр. 1089

ومعرفة بعد الأرض وقربها وشدتها ولينها، فإن لم يعرف ذلك لم يجز (١) لأنها معاوضة على عمل مجهول لا تدعو ضرورة إليه، وإن لم يأت الماء فلا شيء له إلا أن يكون رب الدار (٢) قد انتفع بشيء من عمله فتكون له الأجرة بقدره. (تم البيع والحمد لله رب العالمين) (٣) …

стр. 1090

كتاب القراض (١) لا خلاف بين الأمة في جواز القراض في الجملة (٢)، وإن اختلفوا في كثير من أحكامه، وروي عن عمر ﵁ وعثمان وعليّ (٣)، وكثير من الصدر الأول، ولأن الضرورة داعية إليه لأن بالناس حاجة إلى التصرف في أموالهم وتنميتها والتجارة فيها وليس كل أحد يقدر على ذلك بنفسه فدعت الضرورة إلى استنابة غيره. وإنما لم (٤) يدخل في ذلك من يدخل فيه بأجرة (٥) معلومة ولأن العادة جارية من عهد الجاهلية إلى هذا الوقت بأن يعمل العامل في القراض بجزء من الربح فلما كان الأمر كذلك وجبت الرخصة فيه على نحو ما رخص في المساقات والأصل في البابين متقارب. مسألة [١ - صفة القراض]: وصفة القراض: أن يدفع الرجل مالًا إلى غيره ليتجر فيه ويشتري ويبيع ويبتغي من فضل الله تعالى ويكون الربح بينهما على جزء يتفقان عليه من قليل أو كثير على ما نبينه.

стр. 1091

فصل [٢ - فيما يجوز القراض به]: ولا يجوز القراض إلا بالدراهم والدنانير (١) لأنهما أصول الأثمان التي تتمول ويفزع إليها في التعامل والبيع والشراء وقيم المتلفات، وعنه (٢) في جوازه بالتبر والنقار روايتان (٣): وابن القاسم يحمل المنع على الكراهية ويقول: إن نزل أمضيته. فوجه الجواز أنه عين مال ذهب أو فضة لم يخرج عن حكم التعامل به كالمضروب، ولأنه ليس في كونه نقارًا أكثر من عدم الضرب، والسكة لا تأثير لها في الجواز ولا في المنع بدليل أن كل حكم تعلق بالذهب والفضة إذا كانا مسكوكين تعلق بهما إذا كانا تبرين من منع التفاضل ومنع الافتراق في الصرف قبل القبض وغير ذلك، ولا يلزم عليه جواز بيع النقار جزافًا ومنعه في المضروب لأن ذلك لمعنى يرجع إلى الغرر وكثرته في المسكوك. ووجه المنع أنها ليست بأثمان على ما هي عليه وإنما يصير أثمانًا متعاملًا بها بعلاج وصنعة، فإذا لم تصر أثمانًا فهي في حكم العروض، ولأن العامل يحتاج إلى بيعها لتصير أثمانًا، ولولا عقد القراض لم يفعل (٤) ذلك ولا يخلو أن يكون بأجرة أو بغير أجرة، فإن كان بغير أجرة كان ذلك زيادة أرادها رب المال عليه وذلك غير جائز لأن موضوعه على التساوي، وإن كان بأجرة حصل منه قراض وعقد إجارة، والقراض وما جرى مجراه من العقود الخارجة عن أصولها لا ينضم إليها غيرها.

стр. 1092

فصل [٣ - في عدم جواز القراض بشيء من العروض والحيوان]: ولا يجوز القراض بشيء من العروض والحيوان وما على الذهب والفضة (١) خلافًا لابن أبي ليلى (٢)، لأن القراض عقد خارج عن الأصول لأن الغرر يدخله من وجوه كثيرة منها: أنه إجارة مجهولة وأن العامل لا يدري هل يكون في المال ربح أو خسران إلا أنه (٣) جوز للضرورة، فوجب أن يجوز منه قدر ما جوزه الشرع فقط، ولأن رأس المال لا بد من معرفته فلا يخلو أن يكون هو نفسي العرض أو قيمته: فإن كان نفس العرض فالغرر يعظم والمقصود من الربح لا يحصل لأن العامل يأخذ السلعة وقيمتها ألف فيردها وهي تساوي خمسة آلاف وفي ذلك تلف أجرته وإلحاق الضرر به وقد يأخذها تساوي ألفًا فيردها تساوي مائة وفي ذلك تلف رأس المال، وإن جعلا رأس المال قيمة السلعة بطل لأمرين: أحدهما أن رب السلعة شرط على العامل العمل بها إلى أن يبيعها، وهذه زيادة منه عليه، وذلك غير جائز، والآخر أنه لا يخلو الاعتبار أن يكون بقيمتها وقت العقد أو وقت المعاملة (٤)، وأي ذلك كان ففيه ما يؤدي إلى إتلاف (٥) المال وذهاب عمل العامل وكل ذلك إضرار وغرر، فإن نزل فسخ ما لم يعمل، فإن لم يفسخ حتى عمل فللعامل أجرة المثل في بيع العرض (٦)، وقد اختلف قوله (٧) فيما يجب له في القراض الفاسد ونحن نذكره فيما بعد إن شاء الله (٨).

стр. 1093

فصل [٤ - في كون القراض عقد أمانه]: القراض عقد أمانة: فإن كان هناك ربح اقتسماه على شرطهما، فإن لم يكن ربح ولا وضيعة ونض (١) رس المال وأراد العامل أو رب المال فسخ العقد، فذلك له، وكذلك لو أراده قبل العمل لأنه عقد جائز وليس بلازم إلا أن يشرع (٢) العامل في العمل، فلا يكون لأحدهما فسخه إلا برضاء الآخر لتعلق حق كل واحد منهما به، وإن كان فيه وضيعة فمن مال (٣) رب المال إلا أن يكون بتعد من العامل فيلزمه بتعديه، فإن شرط رب المال على العامل ضمان الخسران كان العقد فاسدًا (٤) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن القراض صحيح والشرط باطل (٥)؛ لأن أصل القراض موضوع على الأمانة، فإذا شرط فيه الضمان فذلك خلاف موجب أصله، والعقد إذا ضامه (٦) شرط يخالف موجب أصله وجب بطلانه أصله إذا تزوج امرأة وشرط عليها ألا يطأها. فصل [٥ - في معنى جواز القراض بما أنفقا عليه من الأجزاء]: وإنما قلنا: يجوز القراض بما اتفقا عليه من الإجزاء قل أو كثر لأنه في معنى الإجارة، والعوض في الإجارة موكول في مقداره إلى تراضيهما، فكذلك القراض.

стр. 1094

فصل [٦ - اشتراط جميع الربح لأحدهما]: يجوز القراض بشرط أن يكون جميع الربح لأحدهما (١) خلافًا لأبي حنيفة (والشافعي (٢) في قولهما: إن العقد فاسد، ولأبي حنيفة) (٣) في قوله: أنه إذا كان بشرط جميع الربح للعامل كان قرضًا لا قراضًا، لأن تقدير الربح موكول إلى تراضيهما، فجاز لأحدهما تركه للآخر، ولا يجوز أن يصير (٤) قرضًا لأن رب المال قصد أن يكون قراضًا فلا يجوز أن يضمن العامل لأجل أن رب المال أسقط حقه من الربح. فصل [٧ - في عدم جواز القراض إلى أجل يلزمه العمل به]: ولا يجوز قراض إلى أجل يلزمه العمل به إلى ذلك الأجل (٥) لأن القراض عقد جائز فإذا شرط فيه اللزوم كان ذلك (٦) خلاف مقتضاه ووجب فساده، ولأن ذلك زيادة من أحدهما على الآخر وذلك غير جائز. فصل [٨ - في نفقة العامل في القراض]: لا نفقة للعامل إذا كان حاضرًا (٧) لأنه لم يتعلق عليه لأجل المال ما يحتاج معه إلى زيادة نفقة لأنه لو لم يكن بيعه قراض لكان لا بد أن ينفق على نفسه وعياله، ولأن ذلك زيادة منه على رب المال فلم يجز، وله النفقة إذا سافر والكسوة التي لولا الخروج بالمال لما احتيج إليها في الحضر خلافًا للشافعي.

стр. 1095

وغيره (١)، لأنه لم يدخل على وجه التبرع وإنما سافر طلبًا للفضل فلو ألزمناه مؤنة السفر من ماله لأحاطت نفقة سفره بربحه المشترط له وزادت عليه، ولأن سفره لما كان لأجل المال صار كبعض كُلَف المال ومؤنته، وكذلك البهائم تحمل متاعه، ولأن ذلك يكون زيادة من رب المال عليه وذلك غير جائز، وكذلك إذا كان أعرابيًّا أقام في الحر لأجل المال فله النفقة في إقامته كنفقة الحاضر إذا سافر. فصل [٩ - في كون النفقة ملغاة من الفضل]: إذا ثبت ما ذكرناه، فهذه النفقة ملغاة من الفضل كبعض المؤن ثم يقتسمان الفضل الباقي بعدها اعتبارًا بأجرة الأجراء وكراء البهائم لنقل المتاع، فإن لم يكن في المال ربح وقد خرجت منه (٢) نفقة العامل لم يلزمه غرمها لرب المال لأنا لو ضمناه ذلك كان زيادة من رب المال عليه واعتبارًا بسائر المؤن. فصل [١٠ - في عدم جواز انضمام عقد آخر إلى عقد القراض]: لا يجوز أن ينضم إلى عقد القراض عقد غيره من بيع أو إجارة أو غير ذلك، ولا برفق يشترط أحدهما ليستبد بمنفعته على الآخر (٣)؛ لأن القراض عقد ضيق لا يحتمل الشروط لانفراده عن الأصول، وتجويزه للضرورة فلا يجوز منه إلا قدر ما ورد الشرع به فقط، فمتى زيد عليه ما يخرجه عن باب رخصته بطل. فصل [١١ - في سفر العامل بالمال]: للعامل أن يسافر بالمال إن أطلق العقد إلا أن يشترط عليه ترك السفر، وليس له أن يبيع بدين إلا أن يأذن له رب المال، فإن فعل ضمن والفصل بينهما (٤) لأن

стр. 1096

العقد إذا أطلق حمل على مقتضاه وما جرى العرف به وقد عرف أن من عادة التجار التقلب بالمال حضرًا وسفرًا وطلب النماء فيه بسائر الوجوه، كما أنهم يتقلبون (١) به في سائر السلع بل قد علم من عادتهم أن من السلع ما يبتاع للسفر بها كما أن منها ما يبتاع للتربص به وقت تغير سوقه فالإطلاق محمول على العرف والنسيئة (٢) بخلاف ذلك لأن إطلاق العقد لا يقتضي إخراج المال عن يده وتعليقه بذمة غيره وحبسه عليه، فإذا ثبت ذلك ضمن متى أنسأ المال أو شيئًا منه ولم يضمن في السفر إلا أن يشترط عليه تركه، وله ذلك إذا كان مندوحة في الحضر تغنيه عن السفر وكذلك له أن ينهاه عن بعض السلع، ولأن له في غيرها سعة، ولأن نهيه عنها لا يمنعه التقلب في المال وطلب الربح، وليس له أن يقصره على بعض السلع لأن منعه عن سلعة معينة بخلاف قصره على سلعة معينة لأن قصره يمنعه مقتضى العقد والمطلوب به من التقلب في المال ورجاء (٣) النماء فيه لأن ذلك إنما يكون في الاضطرار المتسع فيه دون المضيق إلا أن يكون النوع الذي قصره عليه متسعًا في الوجود يعتمد على مثله ولا يمنع القصر عليه من الربح في المال مأمون العلم في وقت من الأوقات فيجوز. فصل [١٢ - منع مشاركة العامل غيره في المال]: لا يجوز للعامل أن يشارك غيره في المال (٤) لأن رب المال إنما (٥) رضي بأمانته في المال (٦) وكون المال في يده ولم يأذن له في تسليمه إلى غيره، فإن

стр. 1097

فعل وسلم فهما (١) على شرطهما، وإن تلف المال أو وضع ضمن العامل بتعديه. فصل [١٣ - إذا مات أحد المتقارضين]: إذا مات أحد المتقارضين: فإن كان العامل نُظر: فإن كان مات والمال عين بحاله ما ابتاع به شيئًا فلربه أخذه ولا مقال لورثة العامل سواء كانوا أمناء أو غير أمناء، وليس لرب المال أيضًا إلزامهم العمل بالمال (٢) لأن موروثهم لو كان حيًّا فأراد رد المال وهو عين لكان ذلك له فكذلك الورثة، وإنما لم يكن لهم مقال لأن الميت لم يتعلق له في المال حق فيجب لهم ما وجب له، وإن كان موته بعد أن اشترى السلع وتصرف في المال، فقد تعلق لكل واحد من الفريقين حق بالمال: أما الورثة فإنهم مخيرون بين أن يعملوا بالمال إن كانوا أمناء قادرين على العمل لا يخاف على المال منهم إتلاف أو إضاعة، فإن لم يكونوا أمناء أو كانوا أمناء (٣) إلا أنهم لا يحسنون التصرف بنفوسهم، فإن آتوا بأمين ثقة يبصر العمل ويعرفه لزم تسليم المال إليه، وقام مقامهم في البيع وتصحيح الثمن لرب المال، فإن عجزوا عن ذلك كله سلموا المال ولم يكن لربه مطالبتهم بشيء. وإنما قلنا: إن لهم المطالبة به لأنه قد تعلق فيه حق الربح الذي يرجونه فيما ابتاعه موروثهم فليس لرب المال إبطاله عليهم والاستبداد به دونهم، ولأنه حق أوجبه عقد معاوضة، فجاز أن ينتقل إلى الورثة كخيار العيب. وإن قال (٤) الورثة لرب المال: نحن نبيع ونوفيك رأس مالك وتخلي بيننا وبين السلع فليس ذلك لهم إلا أن يرضاه (٥) لأنّه قد تعلق له حق في المبتاع لأنه

стр. 1098

مشتري بماله، فله من حق الربح مثل ما لهم، وأما إن مات رب المال فإن العامل على حاله فإن مات قبل العمل، فإن كل واحد من الفريقين بالخيار على صاحبه في فسخ العقد والمضي عليه، وإن كان بعد الشراء فليس (١) لأحدهما فسخه إلا أن يرضى (٢) الآخر: أما الورثة فإنهم يقولون لما كان لأبينا المطالبة برد ماله عينًا فكذلك لنا مثل ما كان له، وأما العامل فقد تعلق له في المال حق ما يرجوه من الربح ببيعه فليس لهم فسخه عليه. فصل [١٤ - لكل من المتفاوضين فسغ العقد قبل الشروع]: قد بيَّنا أن لكل واحد من المتقارضين فسخ العقد قبل الشروع في العمل: فإذا عمل العامل فليس لأحدهما المطالبة برده رأس المال إلا أن يرضى الآخر ويلزم العامل التقاضي في البيع حتى يرده عينًا لأن الجزء المشترط من الربح إنما يستحقه بعمله الذي هو البيع والشراء والتقلب بالمال حتى ينمي، وفي رده إياه عروضًا إسقاط أكثر العمل لأن العروض يحتاج إلى كلفة ومؤنة لمن يبيعها إلى أن يحصل عينًا. فصل [١٥ - إذا خسر في مال القراض ثم عمل به من بعد فربح]: إذا خسر في مال القراض ثم عمل به من بعد فربح نظر: فإن كان تفاصلًا بعد الخسران لم يجبر الخسران بالربح الثاني وكان رأس المال ما بقي بعد الخسران يجبر من هذا الربح، فإن فضل شيء تقاسماه وإلا لم يكن للعامل شيء ولا يرجع عليه بخسران (٣)، وإنما وجب ذلك لأن الحق للعامل في الربح لا في رأس المال ولا يكون ربح إلا بعد حصول رأس المال، فهذا حصل في المال خسران لم يستحق العامل شيئًا لأنه لا يصل إلى شيء من الربح إلا إذا وصل رب المال إلى جزئه ولا سبيل إلى ذلك ما لم يكن رأس المال.

стр. 1099

فصل [١٦ - في المستحق بالقراض الفاسد]: اختلف قول مالك في المستحق بالقراض الفاسد (١)، فعنه في ذلك روايتان (٢): إحداهما: أن للعامل قراض المثل، والأخرى: أجرة المثل. وفصل ابن القاسم فقال: إن كان الفساد من جهة العقد رد إلى قراض المثل وإن كان من جهة الزيادة زادها أحدهما على الآخر رد إلى أجرة المثل. وذكر ابن الموّاز عن مالك في العامل يشترط عليه الضمان أن له الأقل من قراض المثل أو مما سمي له من الربح. فوجه اعتبار قراض المثل في الجملة أن الأصول موضوعة على أن شبهة كل أصل مردودة إلى صحيحه كالنكاح والبيع والإجارة، فكذلك القراض. فوجه اعتبار أجرة المثل هو: أن كل عقد صحيح يوجب عوضًا مسمى للعامل بالعمل، فإذا كان فاسدًا فللعامل أجرة المثل في عمله أصله الإجارة الفاسدة، والتفصيل الذي ذكره ابن القاسم استحسان وليس بقياس (٣). ووجه اعتبار أقل الأمرين أن قراض المثل وإن كان الأقل فقد رضي به العامل لأنه إذا رضي أن يعمل على أن يكون عوضه على العمل من الربح (٤) على الفساد بما ذكرناه، فقد رضي أن يكون له فيما يصح بحسابه، وإن كان المسمى الأقل فليس له زيادة عليه لأن رب المال يقول: أنت رضيت بالمسمى عوضًا عن عملك فليس فساد العقد موجبًا لك زيادة في العوض.

стр. 1100

فصل [١٧ - فائدة الفرق بين أجرة المثل وقراض المثل]: وفائدة الفرق بين أجرة المثل وقراض المثل: أن أجرة المثل تتعلق بذمة رب المال كان في المال ربح أم لا، وقراض المثل يتعلق بربح إن كان في المال، فإن لم يكن فيه ربح فلا شيء للعامل، ومن أصحابنا من يجعل قراض المثل مع الربح وعدمه يفرق بينهما بأن يجعل حظ العامل بقدر ما يساوي عمله مما رضيه عوضًا لو صح العقد فيكون له بقيمة ذلك (١). فصل [١٨ - عدم المفاضلة في الربح إلا بحضور رأس المال]: لا يتفاضل المتقارضان على الربح إلا بحضرة (٢) المال (٣) لما بينا أن الربح لا يستحق إلا بعد حصول رأس المال، ومتى كان عروضًا وتقاسما الربح لم يأمن أن ينقص السعر فيخسر رأس المال، أو ينظر (٤) إن كان دينًا فيؤدي ذلك إلى ما منعناه. فصل [١٩ - زكاة القراض]: زكاة رأس مال القراض على رب المال، وزكاة الربح متابعة لأصله فلزم العامل في حصته إذا كان الحول قد حال على رأس المال سواء كان في حصته نصاب أو أقل لأن الربح تابع للأصل، وإن كان العامل عبدًا أو ذميًّا فلا زكاة عليه في حصته من الربح عند ابن القاسم لأنه ليس من أهل الزكاة، وقال عبد الملك: تلزمه الزكاة لأن الجملة على ملك رب المال (٥)، ولأن الربح تابع للأصل. فصل [٢٠ - إذا اشترط رب المال الزكاة على العامل]: إذا اشترط رب المال الزكاة على العامل نُظر: فإن شرط عليه زكاة

стр. 1101

رأس المال (١) والربح لم يصح لأن ذلك يؤدي إلى الجهل بجزء (٢) العامل، ولأنه قد يأتي على أجرته ويزيد عليها وإن شرط عليه زكاة رأس الربح وحده (٣) جاز أيهما شرطه على الآخر (٤) جاز لأن ذلك جزء معلوم مستثنى من جزئه كأنه إن قارضه على النصف وشرط زكاة الربح في حصته، قال: قارضتك على النصف إلا ربع العشر، وذلك معلوم فيجوز، وما ابتيع من ماشية تجب فيها الزكاة فزكاتها ملغاة من أصل المال لأنها مؤنة من المؤن والله أعلم (٥). …

стр. 1102

كتاب (١) المساقاة وكراء الأرض والمزارعة المساقاة (٢) جائزة (٣) خلافًا لأبي حنيفة (٤)، لما روي: أنه ﷺ عامل أهل خيبر على الشرط من ثمر وزرع (٥)، وروي أنه ساقى أهل خيبر (٦) وكان يبعث عبد الله بن رواحة (٧) فيخرص عليهم (٨)، ولأن ذلك فعل الأئمة أبي بكر وعمر (٩) وغيرهما ولا مخالف من السلف فيه، ولأنه مال لا ينمي بنفسه ولا تجوز إجارته، وإنما ينمى بالعمل عليه فجاز العمل عليه ببعض ما يخرج منه أصله مال القراض، ولأن الغرر والخطر فيها أقل منه في القراض فكان بالجواز أولى.

стр. 1103

فصل [١ - فيما تجوز فيه المساقاة]: تجوز المساقاة في الأصول كلها والشجر (١) خلافًا للشافعي في قوله: أنها لا تجوز إلا في النخل والكرم (٢)، لما روي: "أن رسول الله ﷺ ساقى أهل خيبر على ما فيها من زرع وشجر" (٣) فعم، وكأنه أصل له ثمر (٤) فجازت المساقاة عليه أصله النخل والكرم. (فصل [٢ - جواز مساقاة الزرع إذا ظهر وعجز عنه زارعه]: الزرع إذا ظهر وعجز عنه زارعه تجوز المساقاة عليه لأنه يصير حينئذ كالأصل المرتجى ثمرته، ولا يجوز وهو مغيب لم يظهر، ولأنه ليس باطل ولا يدري هل ينبت حبه أم لا ينبت، وكذلك المقاثي والمطابخ إذا ظهرت كالزرع) (٥). فصل [٣ - صفة المساقاة]: صفة المساقاة: أن يدفع الرجل حائطه وفيه النخل والشجر (٦) إلى من يعمل فيه على جزء من الثمر يتفقان عليه قل أو كثر من نصف أو ثلث أو ربع أو أقل أو أكثر من الأجزاء المقدرة المعلومة على أن يكون العمل والكلف والنفقة فيما يحتاج إليه الثمرة المساقى عليها، وجميع المؤن على العامل مثل السقي والآبار والجذاذ وعلوفة الدواب ونفقة الغلمان وما يتعلق بمصلحة الثمر ومما لا يبقى بعد انصراف العامل. وإنما قلنا ذلك لأن الجزء إنما يستحقه العامل بعمله الذي يصلح به الثمرة، ولا

стр. 1104

يجوز أن يكون بعضه على رب الحائط (١) لأن ذلك زيادة يزدادها العامل، ولأن النبي ﷺ لما ساقى أهل خيبر لم يلزم لهم مؤنة بل أنفقوا من أموالهم، وأما ما عدى ذلك مما يبقى بعد انصرافه فلا يجوز ولا يلزمه اشتراطه عليه وذلك كحفر بئر ابتداء أو إنشاء غراس أو بناء بيت يجبى فيه الثمر أو ما أشبه ذلك لأن كل هذا زيادة مشترطة على العامل ينفرد بها رب المال، وذلك غير جائز لأنه يخرج المساقاة عن بابها ويلحقها بالإجارة المجهولة، وبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، والمساقاة عقد خارج عن الأصول فلا يجوز مثله إلا ما قد (٢) جوَّزه الشرع، ومن ذلك اشتراطه ضفيرة بينها (٣)، فاختلفت عبارات أصحابنا في ذلك فمنهم من قال: الحائط حول المراح، ومنهم من قال: موضع مجتمع الماء، ومنهم من قال: هي الشجرة يغرسها وجعل موضع دنيتها بينهما ويشبه أن يكون تصحيفًا، وكل ذلك يصح حمل الكلام عليه وإن كنا نعلم أن المراد واحد منها (٤)، وما شعث من آلة الحائط، فعلى رب المال صلاحه كالدولاب ينكسر أو يموت بعض البقرة (٥) أو يذهب بعض الآلة أو يغور العين أو تنهار البئر وما أشبه ذلك، وإنما قلنا ذلك ليصل العامل إلى العمل ويتمكن منه ولا يبطل حقه. فصل [٤ - جواز تراضيهما على ما شاء من الأجزاء في المساقاة]: وإنما قلنا: إن لهما أن يتراضيا على ما شاءا من الأجزاء لأنه عوض على منافع يجوز بغير بدل، فلم يتعذر البدل فيها كالإجارات والقراض، وإذا (٦) ساقاه

стр. 1105

على عدة أحدقة (١) متفقة الثمار أو مختلفة فلا يخلو أن يكون في عقد واحد أو عقود مفترقة: فإن كان في عقد واحد جاز على أجزاء متفقة ولم يجز على أجزاء مختلفة، وإن كان في عقود مفترقة (٢) جاز على أجزاء متفقة ومختلفة، وحكم كل صفقة منفردة بنفسها، وإنما منعنا اختلاف الأجزاء في العقد الواحد لأنها كالقراض (٣) الواحد إذا ضمها عقد واحد فلا يجور أن يساقى بعضه على جزء وبعض على خلافه، ولأنه ﷺ ساقى أهل خيبر على اختلاف حوائطها سقيًا (٤) واحدًا، فلا يجور خلاف ذلك لأن المساقاة عقد خارج على الأصول ولا يجوز أن يتعدى قدر ما ورد الشرع به، وعلله أصحابنا بأن فيه يرد فضل في أحد الحائطين لفضل أو نقص في الحائط الآخر. فصل [٥ - في حكم المساقاة من حيث الجواز واللزوم]: عقد المساقاة لازم ليس لأحدهما تركه بعد عقده إلا برضا الآخر (٥) لأنه إجارة في خدمة عين قائمة كسائر الإجارات، وإن مات العامل قام ورثته مقامه، فإن كان فيهم من يتولى ذلك وإلا أكروا له من ماله، وإن مات رب الحائط، فالعامل على حاله. فصل [٦ - مساقاة الحائط وفيه بياض ونخل وشجر]: إذا ساقى حائطًا فيه نخل وشجر وأرض بياض (٦) وسكتا عن ذكر البياض فلا شيء للعامل فيه، ولرب الحائط زرعه أو إجارته، فإن شرطه العالم لنفسه

стр. 1106

يزرعه جاز إن كانت (١) قيمة أجرته بقدر ثلث (٢) ثمن الثمرة بعد حط قيمة ما يلزم العامل عليها أو أقل منه، فإن زاد عليه لم يجز. وإن شرط رب الأرض على العامل جزءًا مما يخرج من البياض جاز (٣). وإنما أجزنا ذلك في اليسير لأن رسول الله ﷺ لما ساقى أهل خيبر (٤) ألغى البياض الذي كان فيها، ولم ينقل أنه منع اليهود منه ولا أنه استثناه ولا طلب منهم أجرته. وإنما شرطنا الثلث لأنه معتبر في الأصول في البيع، والمقصود إذا أريد الفرق بينهما كمعاقلة المرأة الرجل واكتراء الدار فيها نخلة أو شجرة إذا استثنيت فكذلك ها هنا، ومنعناه فيما زاد عليه لأنه يصير مقصودًا بالشرط وزيادة ينفرد بها العامل ويخرج على التبع، وإنما جاز لرب الأرض أن (٥) يشترط بعض ما يخرج منها لأنه لما جاز له إلغاء الجميع للعامل وجُعِل تبعًا معفوا عنه جاز له اشتراط بعضه تبعًا للسقاء، ويجب أن يكون الجزء الذي يشترطه (٦) موافقًا لجزء عقد السقاء لا مخالفًا له. فصل [٧ - استثناء المكتري الجزء اليسير من البياض لنفسه]: يجور أن يكتري الرجل الدار يكسنها أو الأرض البياض يزرعها وفيها نخلة أو شجرة قيمة ثمرتها الثلث فدون فيستثنيها المكتري، وإن زادت على ذلك لم يجز

стр. 1107

له استثناؤها (١)، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز ذلك في القليل والكثير (٢)، وإنما أجزنا ذلك في اليسير لأن الضرورة تدعو إليه لتطرق صاحب الدار عليه كل وقت إذا أراد أخذ ثمرته فربما كره المكتري مروره عليه ونظره إلى منزله واحتاج إلى تكلف ستر ما (٣) يكون في الدار عنه وغير ذلك مما يشق إذا تكرر، فجعل له إزالة الضرر عنه باستثناء ذلك ليقطع تطرق المالك (٤) عليه، كما أجزنا للمعرى شراء القرية، فحرمها لقطع تطرق المعري عليه. فصل [٨ - تعليل الفصل بين الثلث وما زاد عليه]: وإنما فصلنا بين الثلث وما زاد عليه (٥) للإجماع على منع (٦) ذلك فيما زاد على الثلث لأن ما دون الثلث يسير بيع لا يتهم أن يقصد به شراء الثمرة قبل بدو صلاحها (٧)، كما لا يتهم بذلك في العرية، وإذا كان زاد على ذلك صار (٨) مقصودًا أو خرج أن يكون تبعًا (٩) كزيادة العرية على خمسة أوسق. فصل [٩ - جواز مساقاة البعل]: تجوز مساقاة البعل وهو الذي يشرب من أصله من غير سقي، وكذلك كل ما يسقى على اختلاف أنواع السقي (١٠)؛ لأن ذلك محتاج إلى خدمة وتعهد وآبار ومراعاة وقطع جريد وغير ذلك، فجاز السقاء عليها.

стр. 1108

فصل [١٠ - انتهاء المساقاة]: انتهاء المساقاة إلى الجذاذ إذا كان السقاء لسنة واحدة لأن الحقوق تنقطع عنه ويقع الاستيفاء فلا يبقى شيء من خدمة الثمرة فيما بعد ذلك يستحق لثمرة العام المقبل (١) فلا يلزم إلا بعقد مستأنف، فأما إذا كان عقد السقاء لعدة أعوام، فإن العامل لازم له إلى انقضاء المدة التي عقدا عليها. فصل [١١ - المساقاة على ثمرة بعد ظهورها]: تجوز المساقاة على ثمرة بعد ظهورها (٢) خلافًا للشافعي (٣)؛ لأن المساقاة إنما تجوز لحاجة الثمرة إلى السقي والخدمة والضرورة من الملك إلى استيعابه (٤) غيره وهذا يستوي فيه المعدوم والموجود، ولأن ذلك إذا جاز قبل وجودها مع كثرة الخطر كان جوازه بعد الوجود مع قلة الخطر أولى. فصل [١٢ - المساقاة على ثمرة بعد طيبها]: واختلف في جواز المساقاة يليها بعد طيبها (٥): قال ابن القاسم: لا تجوز، وقال سحنون: تجوز، فلابن القاسم أنه لا ضرورة إلى المساقاة لجواز بيعها والإجارة عليها، ولسحنون أن الضرورة إلى سقيها وتعهدها باقية لحاجتها إلى قيامها في النخل فكانت كالتي لم يبد صلاحها. فصل [١٣ - الزكاة هي المساقاة]: إذا أخرج الحائط خمسة أوسق ففيه الزكاة، بخلاف الشركة في الثمرة لأن العامل لا يستحق إلا بعد الصلاح، وببدو الصلاح قد وجبت الزكاة، فكان

стр. 1109

الوجوب يتناولها على ملك صاحب الأصل، ويجوز أن يشترط أحدهما الزكاة على الآخر (١) في حصته بخلاف القراض (٢) لأن ذلك جزء معلوم. فصل [١٤ - مساقاة النصراني]: مساقاة النصراني جائزة إذا كان هو العامل، فإن كان المسلم هو فيكره (٣) لأن فيه إذلالًا للمسلم باستخدام النصراني له وتواضعه لشيء يناله (٤) من الدنيا (٥). فصل [١٥ - عدم جواز اشتراط زيادة في المساقاة لأحدهما على الآخر]: لا يجوز في المساقاة زيادة يشترطها أحدهما على الآخر كالقراض (٦) لأن بهما ضيق لا يحتمل الشروط لخروجها (٧) عن الأصول فيجب الاقتصار بها على ما ورد به الشرع. …

стр. 1110

باب: [كراء الأرض] يجوز كراء الأرض (١) للزرع بالذهب والفضة والعروض والحيوان، ولا يجوز بالطعام كله على اختلاف أصنافه: كان مما تنبته كالحنطة والشعير وسائر الحبوب والثمار، ومما لا تنبته كالعسل واللحم وغير ذلك، ولا ببعض ما تنبته من غير الطعام كالقطن والكتان والعصفر والزعفران، ويجوز بالخشب والقصب وما في معناهما (٢). فصل [١ - جواز كراء الأرض بالذهب والفضة وسائر العروض]: (وإنما أجزناه بالذهب والفضة وسائر العروض لعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ (٣) والإجارة بيع المنافع، وفي حديث رافع (٤) أنه ﷺ نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها (٥)، فأما الذهب والفضة فلا بأس به، ولأن كل ما جاز بيعه جازت الإجارة به. فصل [٢ - تعليل منع كراء الأرض بالطعام]: فإنما منعنا أن تكرى بالطعام، فلأن ذلك هو المحاقلة (٦) المنهي عنها (٧)

стр. 1111

والمخابرة كراؤها ببعض ما يخرج منها، وقال أبو حنيفة: كل ما جاز أن يكون ثمنًا في البياعات جاز أن تكرى به الأرض (١)، وقال الشافعي: يجوز بالحنطة في الذِّمَّة ولا يجوز إذا شرط أنه مما تنبته تلك الأرض، ويجوز بالطعام الذي لا يخرج منها كالعسل والسمن (٢). فدليلنا على منع ذلك حديث رافع قال: كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ حتى روي لنا عنه أنه قال: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكريها بثلث أو بربع أو بطعام مسمى" (٣) وهذا نص، ولأنه طعام فأشبه ما تنبته، ولأن ذلك بيع طعام بطعام متأخر ومجهول لأن المالك كأنه باعه بهذا الطعام أو ما تنبته أرضه أو كراء من طعام بمثله إلى أجل وابتاع منه عسلًا أو لبنًا بما تخرجه أرضة إلى أجل، فدليلنا على منع إجارتها ببعض ما يخرج منها من غير الطعام أنه ﷺ نهى أن تستأجر الأرض ببعض ما يخرج منها (٤) ولأن الكتان والقطن وغيرهم مما تنبته الأرض فأشبه إذا اشترطا الثلث أو الربع، وأما القصب والخشب فإنه ليس مما يزرع أو يقصد كراؤها لزرعه فجاز) (٥). فصل [٣ - اشتراط النقد في كراء الأرض]: لا يجوز شرط النقد إلا في المأمون منها دون ما لا يؤمن إخلافه وتلف الزرع فيها، والاعتبار في ذلك بحال الأرض وعادتها في الشرب (٦)، وإنما منعناه

стр. 1112

ذلك بمثل ما منعناه في البيع: وهو أن يكون بيعًا وسلفًا، وقرضًا جر نفعًا وقد فسرناه في الإجارة. فصل [٤ - الشركة في الزرع]: الشركة في الزرع جائزة وصفتها: أن يتكافيا في العمل والمؤنة والأرض والبذر، فإن كان البذر من عند أحدهما والأرض من عند الآخر فلا يجوز: كان العمل عليهما أو على أحدهما (١) لأن الذي له البذر قد باع حصته من شريكه بما تخرجه أرضه وذلك طعام بطعام متأخر إن زرعا طعامًا، ومخابرة وكراء الأرض ببعض ما يخرج منها وصاحب الأرض قد أكرى حصته ببعض ما يخرج منها، وذلك غير جائز، فإن زرعها على ذلك وتكافيا فيما سواه من العمل والبقر فالزرع لمن وليه منهما: فإن وليه صاحب الأرض فالزرع له وتغرم لصاحب البذر مثل (٢) مكيلة بذرة، وإن وليه صاحب البذر (فالزرع له ويغرم لصاحب الأرض نصف كراء أرضه، فإن ولياه جميعًا اقتسماه نصفين فكان على صاحب الأرض نصف مكيلة البذر) (٣)، وعلى صاحب البذر نصف كراء الأرض، ويجوز أن يكون الأرض بينهما أو لأحدهما ومن الآخر البقر والمؤنة ويكون البذر من عندهما والذي يحترز منه في هذا الباب أن يؤدي إلى كراء الأرض بالطعام أو ببعض ما يخرج منها أو بانتفاء التساوي، فإذا سلم من ذلك جاز. …

стр. 1113

(بِسْم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم، وصلى الله على محمَّد) (١) كتاب الشركة الشركة (٢) على ضربين بمال وبدن، فأما شركة الأموال فعلى ضربين: شركة عنان (٣)، وشركة مفاوضة، والعنان هي أن يخرج كل واحد منهما رأس مال مثل ما يخرج صاحبه أو أكثر أو أقل ويخلطاه ويكون في حكم المختلط وإن لم تكن عينه مخالطة للآخر مثل أن يكونا في صندوق واحد وأيديهما عليه ويكون العمل عليهما بحسب رؤوس أموالهما والربح بينهما على مثل ذلك، فهذا نوع (٤) جائز من الشركة، ولا يجور أن يشترط العمل أو الردح بخلاف رؤوس الأموال، فإن عقدا لشركة على ذلك وعملًا فالشركة فاسدة ويكون الربح والخسران بينهما على قدر المالين ويرجع من قل رأس ماله على صاحبه بأجرة المثل في نصف الزيادة، والمفاوضة أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف والبيع والشراء حضر الآخر أو غاب وتكون يده كيده، ولا يكونان شريكين إلا بقدر ما يعقدان الشركة عليه دون ما ينفرد أحدهما بملكه مما لم يدخله في رأس

стр. 1114

مال الشركة ويجوز فيها تساوي رؤوس الأموال وتفاضلها إذا كان العمل والربح بقدرة الله. وشركة الوجوه (١) باطلة، فأما شركة الأبدان (٢) فتجوز بشرطين: أحدهما (٣) اتفاق الصناعتين كالاشتراك في الخياطة والقصارة والنجارة وغير ذلك من الصناعات، وتجوز عندنا في الاصطياد والاحتطاب، ولا تجوز مع اختلاف الصناعتين كقصار وحداد وصبّاغ وصواغ، والثاني أن يكونا في موضع واحد، فإن افترقت الأمكنة لم تجز الشركة اتفقت الصناعات (٤) أو اختلفت، وإن افترقت الصناعتان لم يجز افترقت الأمكنة أو اتفقت، وتجوز الشركة بالعروض على القيمة (٥). فصل [١ - وجه جواز شركة العنان]: وجواز الشركة في المال (٦) على الشرط الذي قدمناه مجمع عليه، وإنما الخلاف في انخرام بعض أوصافها على ما سنذكره، وذكر بعض أصحاب مالك عنه أنه سئل عن شركة العنان فقال: لا أعرفها (٧)، ومن سمّاها بذلك فسرها على وجوه من الاشتقاق: قيل: معناها تساوي الشريكين (٨) في التصرف والمال

стр. 1115

في الكثير والقليل كتساوي الفارسين في السير، وقيل: لأنها شركة ظاهرة مأخوذة من عناني الشيء إذا أخطر ببالك فأظهرته، وقيل: إنها معروفة في اللغة كقول الشاعر (١): وشركنا قريشًا في علاها … وفي أحسابها شرك العنان وفي الجملة فمن أي شيء ثبت أنّها أخذت إذا كانت على الصفة التي ذكرناها فإنها (٢) جائزة، وإنما شرطنا أن تكون أيديهما على المالين بخلط أو جعله في صندوق أو غيره خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن الشركة تصح وإن كان مال كل واحد منهما في يده إذا عيناه واحصراه (٣)؛ لأن الشركة تقتضي تساويهما في الاشتراك بالمال، فإذا انفرد أحدهما بثبوت يده عليه لم توجد حقيقة الشركة (لأنهما على ما كانا عليه من انفراد المالين فلم يحصل منهما إلا القول، ومجرد القول لا يأتي له بدليل: أنهما لو تعاقدا إلى الشركة) (٤) على مال ولم يعيناه فإنها لا تنعقد لأن الشركة لا تحصل على مال لم تثبت أيديهما عليه، ولأن كل واحد من المالين يثبت على ملك صاحبه فلم تثبت به شركة أصله سائر أمواله عكسه إذا خلطاه أو كانت أيديهما عليه. وإنما شرطنا (٥) خلطهما حتى لا يتميزا إذا كانا بحيث ينالهما أيديهما بالتصرف (٦) خلافًا للشافعي في قوله: إن الشركة لا تنعقد إلا بخلط المالين (٧) لأن أيديهما ثابتة على المالين كما لو خلطاهما (٨).

стр. 1116

وإنما شرطنا أن يكون العمل والربح على قدر رؤوس الأموال خلافًا لأبي حنيفة في قوله: يجوز أن يخرج أحدهما ألفًا والآخر ألفين ويعملا بالمال على أن الربح بينهما نصفين (١)، لأنَّه قد ثبت أن عقد الشركة يوجب في جهة (٢) كل واحد من الشركين قسطًا من الربح والخسران ثم اتفقا على أن أحدهما لو شرط على الآخر جزءًا من الخسران أن ينفرد به كان ذلك غير جائز كذلك إذا شرط جزءًا من الربح بعلة أنهما ثمرتا مال الشركة، فوجب تساويهما فيه بقدر المال، ولأن الربح ثمنه المال والمال أصله، فوجب أن يتقسط بين الشريكين على قدر الملك كأجرة العقار. فصل [٢ - وجوب التساوي في العمل على قدر رؤوس الأموال]: وإنما قلنا في العمل: إنه يجب التساوي فيه على قدر رؤوس الأموال كالربح لما ذكرناه في الربح، ولأن اشتراط الزيادة استئجار من مشترطها للآخر بفضل ربح ماله وذلك غرر، ولأن كل واحد ترك العمل (يستحق عليه بحق الشركة بما بذله من فضل ربح ماله كما لو شرط العمل) (٣) على صاحب الألفين والربح بينهما نصفين، أو شرط أكثر الربح للذي لا يعمل وأقله للذي يعمل. وإنما قلنا: شركة المفاوضة جائزة خلافًا للشافعي (٤)، لأن تقدير الشركة أنهما أخرجا المالين ثم وكل كل واحد منهما الآخر في التصرف فيه على الإطلاق وذلك جائز (٥)، ولأن شركة المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة وتعلق الوكالة بها كتعلقها بالعنان لكن (٦) تزيد المفاوضة بالكفالة فيما يثبت لأحدهما قبل

стр. 1117

صاحبه من الحقوق والضمان يصح في الذمة لمجهول، كمن استهلك شيئًا لمن لا يعرفه. وإنما قلنا: إنه يجوز أن ينفرد أحدهما بمال لا يدخله في الشركة وإن تفاضل رؤوس الأموال، خلافًا لأبي حنيفة في منعه كل ذلك (١)، وقوله: إن موضوع (٢) المفاوضة يقتضي التساوي؛ لأن كل شركة جازت مع تساوي رؤوس الأموال جازت مع اختلافهما كالعنان، ولأنها شركة بمال في مكسب مباح فوجب أن يستوي في الجواز استواء المالين واختلافهما كالعنان، ولأن عقد (٣) الشركة هو بيع نصيب (٤) أحدهما بقسطه من نصيب الآخر وتوكيل أحدهما الآخر في التصرف وذلك لا يفتقر إلى تساوي المالين. وإنما قلنا: إن شركة الوجوه باطلة وهو أن يشتركا بغير مال بل بالذمم (٥) مثل أن يشتريا شيئًا في ذممهما (٦) على أن يبيعان ويقتسما ربحه (٧) خلافًا لأبي حنيفة (٨)؛ لأنها شركة بغير مال ولا صناعة فلم تصح أصله إذا قال: بع عبدك وأنا شريكك في ثمنه أو ابتع ما تبتاعه ولي نصف ربحه، ولأنه كل واحد يستعير وجه صاحبه ووجهه (٩) أو مستأجر له بشرط ضمان النقصان ورجاء الربح وذلك من الغرر وأكل المال بالباطل، ولأن كل واحد يصير بائعًا لنصف ما يشتري الآخر ونصف ربحه وذلك غرر ومجهول.

стр. 1118

وإنما قلنا: إن (١) شركة الأبدان في الجملة جائزة -خلافًا للشافعي (٢) لأن العمل مما يجوز المضاربة عليه فجازت الشركة عليه من جهتهما كالمال، ولأنه أحد أصلي عقد القراض كالمال، ولأن المقصود من شركة المال هو العمل بدليل أن نماء المال واستحقاق الربح يكون على العمل وأنهما لو شرطا (٣) العمل على أحدهما لم يجز، ولو شرطا المال من عند أحدهما والعمل من الآخر لجاز ولكان مضاربة، وإذا صح هذا وجب متى اشتركا في عمل البدن أن يصح لإيقاعهما العقد على الوجه الذي له يقصد وهو الأصل فيه، ولأن العمل نوع من الشركة فصح أن يكون من جهة (٤) أحد الشريكين ويستحق به الربح بدليل المضاربة، وكل ما جاز أن يستفاد به الربح في حق أحدهما جاز أن يشتركا عليه كالمال. وإنما أجزناها -في الاصطياد والاحتطاب خلافًا لأبي حنيفة (٥)؛ لأنه عمل مباح يكسبه فجازت الشركة فيه كالخياطة، ولأن الحاجة داعية إلى التعاون على ذلك كسائر الصنائع (٦). فصل [٣ - اشتراط الاتفاق في الصنعة المشتركة]: وإنما شرطنا الاتفاق في الصنعة المشتركة خلافًا لأبي حنيفة في تجويزه شركة القصار والدباغ (٧)؛ لأن أحدهما لا وفق (٨) له في مشاركة الآخر فلا حاجة به

стр. 1119

إلى معاونته ولا تعلق لكسبه بعمله، فإنما قصد الغرر والقمار فقط فلأن كل واحد منهما يشارك الآخر فيما ينفرد بكسبه ليشاركه الآخر في مثل ذلك فلم يصح، أصله إذا قال: اعتبر في مالك لنفسك واتجر أنا في مالي لنفسي فما ربحت ذلك نصفه وما ربحت أنت فلي نصفه، وإنما شرطنا أن يكونا في موضع واحد لأن التساوي في العمل لما كان معتبرًا وكان لا يمكن الرفق والمعاونة إلا على هذا الوجه وجب اعتباره. وإنما أجزنا الشركة بالعروض وصفتها: أن يخرج أحدهما ثوبًا والآخر ثوبًا أو عرضا (١) غيره، ويعقدا الشركة بينهما على أن يكون الربح بقدر رأس المال فيصح عندنا وإن لم يذكر أثمانًا ولا قالا: أن ثمن هذا الثوب كذا وثمن هذا الآخر كذا، وإذا سكتا عن ذلك انعقدت الشركة بينهما على قيمة العروض فيكون رأس مال كل واحد قيمة عرضه وسواء كانت العروض مما يتميز أعيانها الثياب والدراهم السود مع البيض، أو مما لا يتميز كالحنطة والعسل، وقال الشافعي: إن كانت الشركة على أثمان العروض صحت (٢) مثل أتى يقول أحدهما: ثمن عرضي مائة، ويقول الآخر: ثمن عرضي مائتان فيعقدا الشركة على ذلك ويكون رأس المال ثمن العرضين، فأما إن سكتا فينظر: إن كان العرضان لا يعرفان بأعيانها ولا يتميزان بالخلطة، فإن الشركة تصح بينهما، وإن كانت مما يتميز كالثياب وغيرها فلا تصح مع سكوتهما، ودليلنا على جواز الشركة بالعروض على الوجه الذي قدرناه (٣) قوله تعالى ﴿أوفوا بالعقود﴾ (٤) ولأن العروض أعيان أموال، فجازت الشركة فيها وإن لم يسميا أثمانها اعتبارًا بما لا يتميز. …

стр. 1120

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (١) كتاب الرهون الأصل في جواز الرهن (٢) قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "لا يغلق الرهن" (٤) وقوله: "الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه" (٥)، وقوله: "الرهن محلوب ومركوب" (٦)، ولأنه ﷺ رهن درعه على شعير أخذه لأهله (٧)، ولأنه وثيقة بالحق كالكفالة، ولأن الحق يتعلق تارة بالذمة وتارة بعين المال (٨)، فوجب أن يكون التوثيق منه بمنزلته في تعلقه بالأمرين.

стр. 1121

مسألة [١ - جواز الرهن في الحضر والسفر]: الرهن جائز في الحضر والسفر (١) خلافًا لمن قصره على السفر (٢)، لما روي أنه ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي على شعير أخذه لأهله (٣)، وهذا رهن في الحضر واعتبارًا بالسفر لأن الحاجة تدعو إليه في الموضعين، ولأن كل وثيقة جاز أن يستوثق بها في السفر جاز أن يستوثق بها في الحضر كالضمين (٤). مسألة [٢ - الدين الذي يجوز أخذ الرهن به]: كل دين لازم أمكن استيفاؤه من ثمن الرهن فإن أخذ الرهن به جائز خلافًا لمن حكي عنه أنه لا يجوز إلا في السلم (٥)، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ (٦)، وروي أنه ﷺ رهن درعه عند يهودي على شعير اقترضه (٧)، ولأنه دين لازم تمكن أخذه ثمن الرهن كالسلم. فصل [٣ - وجوب بيان ما يصح أخذ الرهن عليه]: إذا ثبت فيجب بيان ما يصح أخذ الرهن عليه من ذلك الأثمان في البياعات إلا الصرف والسلم المتعلق بالذمة، فإن الصرف من شرطه التقابض عقيب العقد ورأس المال في السلم لا يجوز أن يكون دينًا لأنه يكون دينا بدين، فأما

стр. 1122

المسلم فيه (١) المتعلق بالذمة إلى الأمل فيجوز أخذ الرهن به، وكذلك القرض والغصب وقيم السلع المتلفات وأروش الجنايات في الأموال (٢)، وفي جراح العمد الذي لا قود فيه كالمأمومة والجائفة، فأما قبل العمد والجراح التي لا يقاد منها فعلى قول مالك أنه ليس فيها إلا القود لا يجوز أخذ الرهن بها لأن الحق لا يمكن استيفاؤه منه، وعلى قوله: أن الواجب به التخيير بين القود والدية، فإذا لزمت الدية جاز أخذ الرهن بها، ويجوز في قتل الخطأ أخذ الرهن ممن تتعين الدية (٣) عليه من العاقلة وذلك بعد الحول ويجوز في العارية التي يضمن أخذ الرهن فيها (٤) ويجوز فيما لا يضمن منها، ويجوز أخذ الرهن في الأجرة على الإجارة كالثمن في البياعات وفي المنافع المستأجرة عليها المضمونة في الذمة دون الأعيان، وكذلك الجعل بعد العمل لأنه قد لزم ولا يجوز قبله، ويجوز الرهن في المهر، ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة. مسألة [٤ - في صحة عقد الرهن من غير قبض]: يصح عقد الرهن من غير قبض لكن القبض شرط في صحته، فإذا عقد الرهن صح ولزم الإقباض، فإن امتنع الراهن منه أجبر على ذلك، ولا يبطل العقد بتأخير القبض ما لم يكن من المرتهن تراخ في المطالبة به ورضا بتركه في يد الراهن (٥)، وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا عقداه من غير قبض فهو جائز وليس بلازم، فإن شاء الراهن قبضه ولزم وإلا فله ألا يقبضه ولا يلزم (٦)، ودليلنا قوله: ﴿فرهانٌ مقبوضة﴾ (٧) وليس يخلو أن يكون شرطًا أو أمرًا وأيًّا

стр. 1123

كان ذلك فالعقد حاصل وإن لم يوجد وكذلك الاسم، ولأنه عقد من العقود فلم يكن من شرط انعقاده قبض المعقود عليه أصله سائر العقود، ولأنه عقد لازم فوجب أن يلزم بنفس انعقاده كالبيع. فصل [٥ - إذا تعلق بمال الغريم حقوق الغرماء وثبت أنه رهن شيئًا لبعضهم]: وإذا تعلق بمال الغريم حقوق الغرماء وثبت أنه كان رهن شيئًا من ماله لبعضهم وأقر أنه أقبضه إياه فلا يقبل إلا ببينة تشهد بمعاينة القبض (١) خلافًا للشافعي في قوله: أنه يكفي التقارر في ذلك (٢)، لأن إقرار المقرر على نفسه إنما يقبل فيما لا يسقط حق غيره ويمكن أن يكونا قد تراضيا على الإقرار بذلك ليسقط حق باقي الغرماء فلم يقبل إلا بشهادة البينة عليه. فصل [٦ - اشتراط استدامة القبض في صحة الرهن]: استدامة القبض شرط في صحة الرهن فمتى حصل مقبوضًا ثم عاد إلى يد الراهن برضا من المرتهن باستخدام أو بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من الرهن (٣) خلافًا للشافعي (٤)، لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (٥)، فعم سائر أحوالها، ولأنها حال من أحوال الرهن فكانت (٦) تبقيته في يد الراهن باختيار المرتهن مخرجه له عن الرهن أصله الابتداء. فصل [٧ - في عقد الرهن قبل وجوب الحق]: يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، فإذا وجب الحق كان رهنًا به بذلك العقد ولا يحتاج إلى استئناف عقد ثان، وكذلك يصح تقدم الضمان على الحق

стр. 1124

المضمون (١)، وقال الشافعي: لا يصح (٢)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (٣) فعم، ولأنه أذن له في قبضه على وجه الأمانة والضمان فصح كالوديعة والقضاء إذا قال له اقبض ما يجيئك به فلان من متاعي وديعة لي عندك أو خذ هذا الكيس فاقبض منه حقك. فصل [٨ - وضع الرهن عند أمين]: يجوز أن يتفقا على أن يكون الرهن عند أمين يتراضيان به وإن لم يقبضه (٤) المرتهن (٥)، خلافًا لمن قال: لا يصح إلا إذا قبضه المرتهن بنفسه (٦)، لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (٧) معناه من الراهن وهذا موجود، ولأنه مقبوض من الراهن بحق (٨) برضا المرتهن فأشبه أن يقبضه بنفسه. فصل [٩ - في جواز رهن المشاع]: يصح رهن المشاع (٩) خلافًا لأبي حنيفة (١٠)؛ لأنهم إن سلموا أن قبضه يصح فالظاهر يتناوله لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (١١)، وإن منعوه دللنا عليه بأن صفة القبض متساوية لا تختلف باختلاف ما يوجبه من كونه بيعًا أو رهنًا،

стр. 1125

وقد ثبت أن بيع المشاع جائز وأن بيع ما لا يمكن قبضه لا يصح وصح إن كان (١) قبضه (٢) ممكن، ولأنه (٣) مما يصح قبضه بالبيع فصح ارتهانه كالمقسوم، ولأن الإشاعة (٤) لا تمنع صحة الرهن كما لو رهن دارًا من رجلين في عقد واحد. فصل [١٠ - في باقي المشاع المرهون]: إذا ثبت أن رهن المشاع جائز ولا يخلو باقيه أن يكون له أو لغيره، فإن كان للراهن لم يصح الرهن إلا أن يقبضه الكل لأنه ما لم يقبضه فيد الراهن باقيه عليه، وإن كان للمرتهن أو لأجنبي صح إذا خرجت يد الراهن عنه. فصل [١١ - إذا تأخر الإقباض إلى أن مات الراهن]: إذا تأخر الإقباض إلى أن مات الراهن أو أفلس بطل الرهن (٥) لأن حق جميع الغرماء يتعلق بالتركة فلا يجوز أن يختص بها بعضهم دون بعض، وإنما يكون المرتهن أحق بتقدم (٦) الحيازة قبل موت الراهن وتعلق حقوق الغرماء كلهم بالمال، وهذا متي أمكن الإقبال فلم يفعل، فأما إذا لم يمكنه بأن لم يزل يطالبه بالإقباض والراهن ويوافقه إلى أن مات أو أفلس، فإن حق الراهن ثابت للمرتهن. مسألة [١٢ - ضمان الأشياء المرهونة]: الأشياء المرهونة: منها ما يظهر هلاكه ولا يخفى كالعقار والحيوان، فهذا الضرب لا يكون مضمونًا على المرتهن ويكون تلفه من المالك ما لم يكن من المرتهن تعد فيه، ومنها ما يخفى هلاكه وهو مما يغاب عليه ويبطن كالذهب
следующие страницы →