← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

مسألة [١ - جواز الرهن في الحضر والسفر]: الرهن جائز في الحضر والسفر (١) خلافًا لمن قصره على السفر (٢)، لما روي أنه ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي على شعير أخذه لأهله (٣)، وهذا رهن في الحضر واعتبارًا بالسفر لأن الحاجة تدعو إليه في الموضعين، ولأن كل وثيقة جاز أن يستوثق بها في السفر جاز أن يستوثق بها في الحضر كالضمين (٤). مسألة [٢ - الدين الذي يجوز أخذ الرهن به]: كل دين لازم أمكن استيفاؤه من ثمن الرهن فإن أخذ الرهن به جائز خلافًا لمن حكي عنه أنه لا يجوز إلا في السلم (٥)، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ (٦)، وروي أنه ﷺ رهن درعه عند يهودي على شعير اقترضه (٧)، ولأنه دين لازم تمكن أخذه ثمن الرهن كالسلم. فصل [٣ - وجوب بيان ما يصح أخذ الرهن عليه]: إذا ثبت فيجب بيان ما يصح أخذ الرهن عليه من ذلك الأثمان في البياعات إلا الصرف والسلم المتعلق بالذمة، فإن الصرف من شرطه التقابض عقيب العقد ورأس المال في السلم لا يجوز أن يكون دينًا لأنه يكون دينا بدين، فأما

стр. 1122

المسلم فيه (١) المتعلق بالذمة إلى الأمل فيجوز أخذ الرهن به، وكذلك القرض والغصب وقيم السلع المتلفات وأروش الجنايات في الأموال (٢)، وفي جراح العمد الذي لا قود فيه كالمأمومة والجائفة، فأما قبل العمد والجراح التي لا يقاد منها فعلى قول مالك أنه ليس فيها إلا القود لا يجوز أخذ الرهن بها لأن الحق لا يمكن استيفاؤه منه، وعلى قوله: أن الواجب به التخيير بين القود والدية، فإذا لزمت الدية جاز أخذ الرهن بها، ويجوز في قتل الخطأ أخذ الرهن ممن تتعين الدية (٣) عليه من العاقلة وذلك بعد الحول ويجوز في العارية التي يضمن أخذ الرهن فيها (٤) ويجوز فيما لا يضمن منها، ويجوز أخذ الرهن في الأجرة على الإجارة كالثمن في البياعات وفي المنافع المستأجرة عليها المضمونة في الذمة دون الأعيان، وكذلك الجعل بعد العمل لأنه قد لزم ولا يجوز قبله، ويجوز الرهن في المهر، ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة. مسألة [٤ - في صحة عقد الرهن من غير قبض]: يصح عقد الرهن من غير قبض لكن القبض شرط في صحته، فإذا عقد الرهن صح ولزم الإقباض، فإن امتنع الراهن منه أجبر على ذلك، ولا يبطل العقد بتأخير القبض ما لم يكن من المرتهن تراخ في المطالبة به ورضا بتركه في يد الراهن (٥)، وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا عقداه من غير قبض فهو جائز وليس بلازم، فإن شاء الراهن قبضه ولزم وإلا فله ألا يقبضه ولا يلزم (٦)، ودليلنا قوله: ﴿فرهانٌ مقبوضة﴾ (٧) وليس يخلو أن يكون شرطًا أو أمرًا وأيًّا

стр. 1123

كان ذلك فالعقد حاصل وإن لم يوجد وكذلك الاسم، ولأنه عقد من العقود فلم يكن من شرط انعقاده قبض المعقود عليه أصله سائر العقود، ولأنه عقد لازم فوجب أن يلزم بنفس انعقاده كالبيع. فصل [٥ - إذا تعلق بمال الغريم حقوق الغرماء وثبت أنه رهن شيئًا لبعضهم]: وإذا تعلق بمال الغريم حقوق الغرماء وثبت أنه كان رهن شيئًا من ماله لبعضهم وأقر أنه أقبضه إياه فلا يقبل إلا ببينة تشهد بمعاينة القبض (١) خلافًا للشافعي في قوله: أنه يكفي التقارر في ذلك (٢)، لأن إقرار المقرر على نفسه إنما يقبل فيما لا يسقط حق غيره ويمكن أن يكونا قد تراضيا على الإقرار بذلك ليسقط حق باقي الغرماء فلم يقبل إلا بشهادة البينة عليه. فصل [٦ - اشتراط استدامة القبض في صحة الرهن]: استدامة القبض شرط في صحة الرهن فمتى حصل مقبوضًا ثم عاد إلى يد الراهن برضا من المرتهن باستخدام أو بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من الرهن (٣) خلافًا للشافعي (٤)، لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (٥)، فعم سائر أحوالها، ولأنها حال من أحوال الرهن فكانت (٦) تبقيته في يد الراهن باختيار المرتهن مخرجه له عن الرهن أصله الابتداء. فصل [٧ - في عقد الرهن قبل وجوب الحق]: يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، فإذا وجب الحق كان رهنًا به بذلك العقد ولا يحتاج إلى استئناف عقد ثان، وكذلك يصح تقدم الضمان على الحق

стр. 1124

المضمون (١)، وقال الشافعي: لا يصح (٢)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (٣) فعم، ولأنه أذن له في قبضه على وجه الأمانة والضمان فصح كالوديعة والقضاء إذا قال له اقبض ما يجيئك به فلان من متاعي وديعة لي عندك أو خذ هذا الكيس فاقبض منه حقك. فصل [٨ - وضع الرهن عند أمين]: يجوز أن يتفقا على أن يكون الرهن عند أمين يتراضيان به وإن لم يقبضه (٤) المرتهن (٥)، خلافًا لمن قال: لا يصح إلا إذا قبضه المرتهن بنفسه (٦)، لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (٧) معناه من الراهن وهذا موجود، ولأنه مقبوض من الراهن بحق (٨) برضا المرتهن فأشبه أن يقبضه بنفسه. فصل [٩ - في جواز رهن المشاع]: يصح رهن المشاع (٩) خلافًا لأبي حنيفة (١٠)؛ لأنهم إن سلموا أن قبضه يصح فالظاهر يتناوله لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ (١١)، وإن منعوه دللنا عليه بأن صفة القبض متساوية لا تختلف باختلاف ما يوجبه من كونه بيعًا أو رهنًا،

стр. 1125

وقد ثبت أن بيع المشاع جائز وأن بيع ما لا يمكن قبضه لا يصح وصح إن كان (١) قبضه (٢) ممكن، ولأنه (٣) مما يصح قبضه بالبيع فصح ارتهانه كالمقسوم، ولأن الإشاعة (٤) لا تمنع صحة الرهن كما لو رهن دارًا من رجلين في عقد واحد. فصل [١٠ - في باقي المشاع المرهون]: إذا ثبت أن رهن المشاع جائز ولا يخلو باقيه أن يكون له أو لغيره، فإن كان للراهن لم يصح الرهن إلا أن يقبضه الكل لأنه ما لم يقبضه فيد الراهن باقيه عليه، وإن كان للمرتهن أو لأجنبي صح إذا خرجت يد الراهن عنه. فصل [١١ - إذا تأخر الإقباض إلى أن مات الراهن]: إذا تأخر الإقباض إلى أن مات الراهن أو أفلس بطل الرهن (٥) لأن حق جميع الغرماء يتعلق بالتركة فلا يجوز أن يختص بها بعضهم دون بعض، وإنما يكون المرتهن أحق بتقدم (٦) الحيازة قبل موت الراهن وتعلق حقوق الغرماء كلهم بالمال، وهذا متي أمكن الإقبال فلم يفعل، فأما إذا لم يمكنه بأن لم يزل يطالبه بالإقباض والراهن ويوافقه إلى أن مات أو أفلس، فإن حق الراهن ثابت للمرتهن. مسألة [١٢ - ضمان الأشياء المرهونة]: الأشياء المرهونة: منها ما يظهر هلاكه ولا يخفى كالعقار والحيوان، فهذا الضرب لا يكون مضمونًا على المرتهن ويكون تلفه من المالك ما لم يكن من المرتهن تعد فيه، ومنها ما يخفى هلاكه وهو مما يغاب عليه ويبطن كالذهب

стр. 1126

والفضة والحلي والعروض، فهذا عندنا مضمون على المرتهن إذا قبضه فادعى تلفه يقاص به من حقه، إلا أن تقوم بينة أو يعلم الراهن أنه تلف بغير صنعة ففيها روايتان: إحداهما سقوط الضمان، والأخرى ثبوته عليه وإن شرط فيما يضمن ألا ضمان عليه لم ينفعه، وإن شرط فيما لا يضمن أن عليه ضمانه لم يلزمه، وإذا كان الرهن على يد أمين لم يضمن المرتهن هلاكه وكان هلاكه من ربه (١). فصل [١٣ - وجه التفريق بين ما يخفى هلاكه وبين ما يظهر]: وإنما فرقنا بين ما يخفى هلاكه وبين ما يظهر خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان في الجميع (٢)، (وخلافًا للشافعي في إسقاط الضمان في الجميع (٣)) (٤) وقوله: إنه أمانة كالوديعة؛ لأن الرهن ليس بجارٍ مجرى الأمانات المحضة ولا مجرى المضمون المحض لأنه قد أخذ شبهًا من الأمرين فلم يكن له حكم أحدهما على التحديد، وذلك أن الأمانة المحضة هي ما لا نفع فيه لقابضه بل النفع كله للمالك كالوديعة، والمضمون المحض هو ما يكون نفعه كله لقابضه كالمشتري أو بتعد أو جناية (٥)، وما خرج عن هذا وأخذ شبهًا من الأمرين ترجح الأمر فيه ولم يكن له حكم المحض منهما، وفي مسألتنا فلم (٦) يكن تعد ولا جنابة (٧) فيضمن، ولا مما ينفرد المالك بالمنفعة به فيسقط الضمان عن المرتهن بل المنفعة لهما: للمالك بأن حصل له ما ابتاعه أو ملك وبقي (٨) الدين في ذمة لأجل الرهن

стр. 1127

ولولاه لم يملكه فقد انتفع له وللمرتهن بحصول التوثق به فلم بقبضه لمالكه، كالوديعة وإنما قبضه ليكون على وثيقة بحقه، وإذا أخذ شبهًا من الأمرين لم يجز أن ينفرد بحكم أحدهما على التحديد (١) فيجب الفصل بينه وبينها وفي ذلك ثبوت ما قلناه (٢) لأن أحدًا لم يفصل بينهما بما سواه. ووجه قوله: إنه إذا قامت بينة بهلاكه أو علم بأنه من غير صنعة (٣) فلا ضمان عليه إذ سبب الضمان معدوم لأنه إنما يضمن لئلا يكون قد أتلفه وادعى أنه تلف بغير صنعة (٤)، فإذا علم صدقه فلا ضمان ألا ترى أن العرف لما كان يشهد له فيما يظهر تلفه قبل قوله ولم يضمنه، ووجه إيجاب الضمان أن أصله مقبوض على ذلك فلا ينتفي عنه حسمًا للباب، والأول أصح. فصل [١٤ - الضمان بقيمة الرهن والمقاصة به]: وإنما قلنا: يضمن بقيمته ويقاص به من دينه لأن الضمان يتعلق بما حصل في قبضه، فإن جاء به وإلا فعليه بدله وهو القيمة، وإذا قلنا: يقاص به من دينه لأن رب الرهن قد استحق في ذمة المرتهن حقًّا فلم يكن لأحدهما مطالبة الآخر بما يستحقه إلا ويتوجه للآخر عليه مثل ذلك، فوجب القصاص وترادا الفضل بينهما، فإن كان فيه فضل عن الحق غرمه المرتهن، وإن كان أقل منه لزم (٥) الراهن بقية الحق، وإن كان بقدره كان قِصاصًا. فصل [١٥ - إذا شرط في الرهن خلاف موجبه]: وإنما قلنا: إذا شرط (في نوع منه خلاف موجبه لم ينفعه لأنّه شرط) (٦)

стр. 1128

ينافي حكم أصل العقد فلم يثبت، أصله إذا شرط في الوديعة أنه ضامن أو شرط (في القرض أنه غير ضامن، ولأن ما يلزم العقد ويكون هو أصل في) (١) قبضه إذا شرط فيه انتفاؤه لم يصح كما لو شرط في النكاح أنه لا يطأ وفي البيع أنه لا يتصرف في المبيع. فصل [١٦ - تلف الرهن على يد أمين]: وإنما قلنا: أن الرهن إذا كان على يد أمين: فإن تلفه من ربه لأن المرتهن إنما يضمنه بالقبض والحوز وهذا معدوم، والأمين هو في يده أمانة لأنه قبضه لمنفعة غيره لا لمنفعة نفسه فلم يضمنه، ولأن ربه لم يرض بأمانة المرتهن فلم يكن له عليه سبيل. فصل [١٧ - في تلف الرهن المضمون في يد المرتهن]: إذا ثبت ما ذكرناه فتلف الرهن المضمون في يد المرتهن: فإن اتفقا على قيمته وقدر الدين فلا كلام، وإن اختلفا لم يخلو اختلافهما أن يكون في قدر الحق أو في قيمة الرهن أو فيهما: فإن كان في قيمة الرهن وصفة المرتهن وقوّم على صفته فإن وافقه الراهن على صفته قوّم على تلك الصفة، فإن خالفه فالقول قول المرتهن مع يمينه في ذلك لأنه غارم، والأصول موضوعة على أن القول قول الغارم مع يمينه، فإذا قومه أهل الخبرة على الصفة التي حلف عليها المرتهن حط مقدار دينه من القيمة وأخذ فضلًا إن بقي له أو رجع عليه بفضل إن بقي عليه، فإن امتنع المرتهن أن يحلف على الصفة التي ادعاها ثم ردت اليمين على الراهن فحلف على ما يدعيه من الصفة ثم قُوِّم الرهن على صفته، وإن جهلت صفته حلف المرتهن على قيمته فقط لأنه لا يوصل إلى أكثر من ذلك، ومن ادعى منهما في الصفة ما يكذبه العرف لم يتلفت إلى دعواه، فأما إن اتفقا على صفته واختلفا في قدر الحق الذي رهن به: فإن المرتهن يحلف على ما يدعيه ثم يثبت

стр. 1129

له منه قدر قيمة الرهن (١)، ويقال للراهن: إما أن تحلف على ما يدعيه ويسقط عنك قدر ما زاد على قيمة الرهن، وإلا لزمك ما حلف عليه المرتهن، وكذلك لو كان الرهن قائمًا بحاله. وإنما قلنا ذلك لأن المرتهن إذا قبض الرهن وحازه صار شاهدًا له بقدر ما يدعيه لأن العادة جارية بأن الناس إنما يرتهنون ما يساوي ديونهم أو يقاربها لا ما لا يفي (٢) بها، فإذا ادعى أحدهما ما يصدقه العرف وادعى الآخر ما يكذبه العرف كانت اليمين في جنبة (٣) ما يصدقه العرف، ولأن أحدًا لا يرتهن على ألف درهم ما يساوي عشرين درهمًا ولا على عشرين درهمًا (٤) ما يساوي مائتين (٥). وإنما شرطنا أن يكون في يد المرتهن لأنه إذا كان في يد أمين سواه، فإذا الراهن لم يرد ائتمانه عليه ولا أن يكون الرهن شاهدًا له بدعواه، فكان القول قول المدعي عليه منهما (٦) مع يمينه، فأما إذا كان الخلاف في أصل هلاك الرهن فادعى المرتهن هلاكه وكذبه الراهن فزعم أنه غيبه وأنه باق بحاله: فإن المرتهن يحلف على أنه قد هلك ثم يكون الحكم في الصفة والتقويم على ما وصفناه. فصل [١٨ - إذا اختلفا على عين رهن]: إذا اختلفا على عين رهن (٧): فقال الراهن: ليس هذا رهن، وقال المرتهن هذا الذي رهنته عندي، فالقول قول المرتهن لأن المرتهن مؤتمن على عين الرهن، فالراهن يريد تضمينه وإثبات دعوى (٨) عليه لا يعترف بها، ولأنه لما

стр. 1130

رضي بأمانته وأن يكون الرهن في قبضته ولم يتوثق منه بالإشهاد على عينه وجب أن يكون القول قوله في ذلك (١). فصل [١٩ - من أقر لرجل بسلعة في يده وادعى أنه رهنها]: ومن أقر (٢) لرجل بسلعة في يده وادعى أنه رهنها منه على حق له عليه وأنكر ربها أن يكون رهنها منه وأنكر الدين (٣)، فالقول قول رب السلعة مع يمينه (٤) لأن الذي هي في يده معترفًا له بها ويدعى تعلق من له بعينها فلا يقبل منه إلا ببينة، ولا يكفي في ذلك كونها بيده لأن ذلك لا يوجب تعلق حقه بها. مسألة [٢٠ - في نماء الرهن]: نماء الرهن على ضربين: أعيان وغير أعيان، فغير الأعيان لا يدخل مع الرهن في كونه رهنًا مع أصله، وذلك مثل الأجرة والغلة وما أشبه ذلك. والأعيان ضربان: منها ما ينفصل ويتميز عن الأصل، ومنها ما لا يتميز، فالذي لا يتميز هو مثل كبر الصغير وسمن المهزول هذا لا خلاف أن حكمه حكم العين المرهونة، والمتميز نوعان: نوع منه نسل أو ما يجري مجرى النسل في الحكم فهذا يكون رهنًا مع الأصل كولد الأَمَة والدابة وفسيل النخل (٥) وفراخ الشجر، والنوع الآخر لا يوصف بذلك فلا يكون رهنًا مع أصله كثمار النخل والشجر وألبان الماشية وأصوافها وما أشبه ذلك (٦). وإنما قلنا: إن الأجرة والغلة لا يكونان رهنًا لأنهما أعيان منفصلة عن الرهن لا

стр. 1131

يكون حكمها حكم الأصل فيما يعقد عليه من عقود المنافع والإجارات فلم يدخل معه في الرهن لأن ذلك غلة وخراج والرهن تناول العين دون المنافع، ولقوله ﷺ : "الرهن ممن رهنه له غنمه" (١)، وذلك يفيد أنه منفرد به لا يتعلق لغيره حق فيه. فصل [٢١ - في حكم النماء الذي لا يتميز]: وإنما قلنا: أن ما لا يتميز مثل السمن والكبر حكمه حكم الأصل لأنه نفس العين ليس بعين زائدة عليها، ولأنه لو نقص من العين لم يكن له حكم فكذلك إذا طرأ دون منافعها، فإنه يسري إلى ولدها أصله ولد أم ولد (وولد المدبرة، ولأن الأصول موضوعة على أن كل حكم يثبت في الأمهات فإن الولد يتبع أمه فيه من ذلك الزكاة وولد أم الولد) (٢)، والمعتق نصفه وإلى أجل والمدبرة والمكاتبة، فكذلك حكم الرهن، ولأنه نماء من جنس الرهن ومن خلقته وصورته كنماء المتصل به، وإنما قلنا: إن الثمن وغيره من خراجه ليس برهن معه خلافًا لأبي حنفية (٣) لقوله ﷺ : "الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه" (٤) وهذه الإضافة تفيد إفراده ونفي الشركة عنه، ولقوله: "الرهن محلوب وركوب" (٥)، وفائده ذلك استحقاق الراهن لما يحلب (٦) منه ولأجرة ركوبه، ولأنه نماء مميز (٧) عن الأصل مخالف له بالخلق والصورة كالكسب أو لأنه نماء من غير جنسه كالأجرة.

стр. 1132

فصل [٢٢ - نفقة الرهن]: نفقة الرهن على راهنه (١) لأن الذي للمرتهن فيه حق التوثيق وذلك لا يستحق به نفقة عليه كالكفارة، ومنافعته وخراجه له دون مرتهنه لأنه على ملكه وإنما للمرتهن منه حق التوثق وهو أخذ دينه ثمنه عند تعذر أدائه. فصل [٢٣ - إذا غصب عينًا ثم رهنها مالكها منه]: إذا غصب عينًا فهي مضمونة عليه بالغصب، ويصح أن يرهنها مالكها منه وهي في يده قبل أن يقبضها من الغاصب، فإذا رهنها منه صارت مضمونة عليه بالرهن إن كانت مما يضمن بالرهن وزال (٢) ضمان الغصب (٣) خلافًا للشافعي في قوله: أنه لا يزول ضمان (٤) الغصب (٥) وإن كان رهنًا؛ لأنه عقد يقتضي إمساك العين بإذن المالك فوجب أن ينتفي حكم الغصب حال حصوله كالوديعة، ولأن ابتداء إمساك العين بإذن مالكها يمنع أن تكون مضمونة ضمان الغصب أصله إذا ابتدأ إرهان شيء عنده ابتداء، وإذا أقبضه منه ثم أعاده إليه، ولأن الرهن عقد يتعلق به الضمان، فإذا طرأ على الغصب سقط به ضمان الغصب أصله البيع. فصل [٢٤ - في تعلق الرهن بجملة الحق وأبعاضه]: الرهن يتعلق بجملة الحق وأبعاضه، وفائدة ذلك أن يرهنه عبدين على ألف درهم فيقبض منها تسعمائة: فإن العبدين يبقيان رهنًا بالمائة الباقية ولا يستحق على المرتهن (٦) بتسليمهما ولا تسليم واحد منهما، وكذلك لو أقبضه العبدين فتلف أحدهما كان الباقي رهنًا بجميع الدين، وكذلك لو كان الرهن مما ينقسم

стр. 1133

مثل أن يرهنه كرين من حنطة على مائة درهم فيقبض خمسين درهمًا فلا يستحق عليه أن يرد من الرهن بقدر ما في مقابلة الحق (١) خلافًا لمن ذهب إلى أنه يستحق رد ما أدى بقدره (٢)، ولأن الرهن مال محبوس بحق فوجب أن يكون محبوسا بكل حق منه أصله لو مات وعليه دين وخلف تركة، فإن بيعها محبوس بحق فوجب أن يكون محبوسًا بكل حق منه أصله لو مات وعليه دين وخلف تركة، فإن بيعها محبوس على الدين، (ولا يستحق الورثة منها شيئًا إلا بأداء جميع الدين) (٣)، ولأنه وثيقة بحق فوجب أن يكون وثيقة به وكل جزء منه أصله الضمان. فصل [٢٥ - فيمن أراد أخذ زيادة على حقه ويكون على حقه ويكون الرهن بها]: إذا رهنه رهنًا بحق له (٤) ثم أراد أن يأخذ زيادة على ذلك الحق ويكون الرهن رهنًا بها جميعًا جاز (٥) خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (٦) أنه يكون رهنًا بالحق الأول دون الثاني؛ لأنه وثيقة بالحق، فإذا اشتغلت بحق جاز أن يشتغل بحق آخر مع بقاء شغلها بالحق الأول كالضمين (٧)، ولأنها زيادة في التراهن (٨) في حق المتراضين كالزيادة في الرهن لأنه حق تعلق بعين (٩) يستوفي

стр. 1134

من ثمنها فجاز أن يزاحمه في التعلق بها حق آخر أصله أرش الجناية إذا طرأت عليه جناية أخرى. فصل [٢٦ - في الرهن يرهن فضله من دائن ثان]: إذا رهن رهنًا على مقدار قيمته أو أقل، فأراد أن يرهن فضله من آخر فليس له ذلك إلا بإذن مرتهنه: فإن رضي جاز وإن لم يرض نظر، فإن كان الحق بقدر الرهن (١) أو قيمته أقل من قدر الحق لم يجز له ذلك، وإن كانت قيمة الرهن زيادة على قدر الحق، فأراد أن يرهن فضله فاختلف فيه: فقيل: أنه يجوز وإن لم يرض، وقيل: لا يجوز إلا بإذنه (٢). وإنما قلنا: أنه لا يجوز إذا كان بقيمة الحق إلا بإذن مرتهنه لأن في ذلك رجوعًا عن الرهن، كما لو رهن عبدين ثم أراد انتزاع أحدهما وذلك لأن المرتهن الثاني يزاحم الأول في الرهن بعد تعلق حق الأول به وانفراده باستحقاقه فلم يجز إلا برضاه، وإنما قلنا: أنه يجوز بإذن المرتهن الأول على كل وجه لأن المنع من ذلك لحقه، فإذا رضي بإسقاطه لم يبق ما يمنع لأجله، ولأنه إن كان بقدر الحق فقد رضي بأن يزاحمه غيره كالمرتهن عنده عبدين، فأراد أن يرجع في أحدهما أو يرهنه من آخر: فإن المرتهن إذا رضي بذلك جاز، فإن كان بأكثر من قدر الحق كان أولى بالجواز لأن الضرر مأمون فيه ووجه القول بأنه إن رضي جاز ولا يجوز بغير إذنه لأن في ذلك إضراره ومشاركة لغيره في حقه، وذلك رجوع في الرهن، ولأنه رضي بحق، فإذا زوحم فيه لم يجز إلا بإذن من تعلق حقه به أصله إذا كان بقدر الحق، ووجه القول بأنه جائز وإن لم يأذن فلأنه لا ضرر عليه في ذلك لأن حقه تقدم على حق الآخر إنما يستحق ما فضل عن قدر حقه وليس له حق فيما زاد على قدر حقه. فصل [٢٧ - إذا رهن عبدًا ثم أعتقه]: إذا رهن عبدًا ثم أعتقه فلا يخلو أن يكون موسرًا، فإن كان

стр. 1135

موسرًا نفذ (١) عتقه وعجل (٢) المرتهن حقه، وإنما قلنا ذلك لأن العتق مبني على التغليب (وفي إيقاع الراهن له رضا بتعجيل الحق لأن الرجوع في الرهن غير جائز، ولا يجوز الرجوع في العتق لقوته وإنه مبني على التغليب) (٣)، فلو لم نقل أن الحق يتعجل لكان فيه رجوع الراهن عن الرهن وذلك غير جائز، فإن أراد أن يعطيه رهنًا غيره، فقيل: يجوز إلى أجل الدين قاله شيخنا أبو بكر ويشبه أن يكون برضاه، وقال ابن القاسم: ليس له ذلك وهو الصحيح لأنّه ليس له أن يتلف حقه من الوثيقة إلا بأداء الدين وإن ذلك إن جُوِّز له جاز أن يبذل الرهن بغير رضاه وذلك غير جائز، فأما إن كان الراهن معسرًا، فإن العتق لا ينفذ ويبقى دهنًا، فإن أفاد ما لا قبل الأجل نفذ العتق وعجل حق المرتهن على ما ذكرناه، وإن بقي على إعساره بيع العبد عند حلول الأجل، وقال أبو حنيفة: نفد عتقه موسرًا كان أو معسرًا (٤). فدليلنا على أنه لا ينفذ مع (٥) الإعسار قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (٦)، ولأنه معنى يبطل حق الوثيقة من الرهن فلم ينفذ مع الإعسار كالبيع، ودليلنا على نفوذه مع اليسار (٧) لأنّه لا يبطل حق المرتهن من التوثق لأنه إما أن يعجل له حقه فذلك مقدم على التوثق أو أن يوضع له رهن مكانه، فحق التوثق باق لهذا فارق الإعسار. (٨). وإنما قلنا في الإعسار أنه إذا أفاد مالًا قبل الأجل نفذ العتق وعجل المرتهن حقه

стр. 1136

لأن المنع (١) من نفوذه إنما كان لحق المرتهن، فإذا زال هذا المعنى لم يبق ما يمنع العتق لأجله كاليسار، وإنما قلنا: يعجل له حقه لما بيناه من أن إعتاقه رضا بتعجيل (٢) الحق، وإنما قلنا: إن بقي على إعساره بيع عند الأجل (٣) لأنه باق على الرق لأن العتق لم ينفذ فحق التوثق متعلق به. فصل [٢٨ - عدم جواز وطء الأمة بعد رهنها]: إذا رهن أمته لم يجز له وطؤها (٤) لأن في ذلك إعادتها إلى قبضه (٥) وتعريضًا لبطلان حق المرتهن منها لأنها قد تحمل فتكون أم ولده فلا يجوز رهنها، فإن فعل نُظر، فإن كان بإذن المرتهن بطل الرهن لأن إذنه له في التصرف رضا منه بإعادته إلى قبض الراهن، فقد بينا أن استدامة القبض من شرط صحة الرهن، وإن كان بغير إذنه فإن لم تحمل فهي رهن بحالها، وإن حملت وله مال كانت أم ولده وعجل للمرتهن حقه اعتبارًا بالعتق، وإن لم يكن له مال بيعت وقضى الحق من ثمنها اعتبارًا بالعتق المنجز، فإن كان ثمنها أقل من الحق ابتعه بالباقي في ذمته، وإن كان ثمنها أكثر بيع منها بمقدار (٦) الحق وكان ما بقي بحساب أم الولد لأن الزيادة لا حق للمرتهن فيها، ولا يباع الولد بحال لأنه واطيء لأمته داخل على حرية ولده، وإن كان فيه شبهة على ما ذكرناه، فإن وطئها المرتهن فهو زان والحد لازم له والولد لا يلحق هو يكون معها رهنًا يباع ببيعها، وإنما قلنا: إنه زان لأن الوطء لا يستباح إلا بنكاح أو ملك وكل ذلك معدوم وليس بواطيء شبهة، فلذلك يلزمه ما يلزم الزاني، وقلنا: إن الولد

стр. 1137

رهن (١) معها اعتبارًا بزناها بغيره، وإن وطئها بإذن الراهن وإحلالها (فذاك شبهة إن كان يظن أن مثل هذا يحيى الوطء وتلزمه قيمتها للراهن) (٢) لتكامل أم ولد، وتكون أم ولده (٣) إن حملت ولا تلزمه قيمة الولد لأن السيد لما أباحه وطأها صار منتفعًا بها بإذنه ودخل على أن ولده حر. فصل [٢٩ - في غلق الرهن]: نهى النبي ﷺ عن غلق الرهن (٤)، ووصفه أن يرهن منه رهنًا على أنه إن جاءه بحقه عند أجله وإلا فالرهن له، ومتى شرط ذلك لم يصح والرهن على ملك راهنه (٥)، وإنما قلنا ذلك لنهيه ﷺ عن غلق الرهن والنهي يقتضي الفساد، ولأنه بيع غرر ومجهول لأنه لا يعلم كيف يكون الرهن وقت أخذه ولا صفته، ولأنه تعليق بيع بصفة وعقود المعاوضة لا تقف على الصفات كقوله إذا قدم زيد بعتك سلعتي هذه. فصل [٣٠ - منع بيع الرهن بغير إذن المرتهن]: إذا باع الراهن بغير إذن المرتهن لم يجز بيعه (٦) لأن في ذلك إبطال حق الوثيقة، وإن باعه بإذنه جاز ولم يلزمه تعجيل الحق إلا بعد يمين المرتهن له أنه ما أذن له في ذلك إلا ليتعجل (٧) حقه. فصل [٣١ - جواز توكيل الراهن المرتهن في بيع الرهن]: يصح توكيل الراهن للمرتهن في بيع الرهن وأخذ ثمنه عند حلول الأجل

стр. 1138

وتعذر أداء الحق ويكون له بيعه (١) خلافاًّ للشافعي (٢) اعتبارًا بتوكيل الأجنبي فإذا ثبت جوازها فإنها تكره عند مالك فيما له خطر وبال، ويجوز عند أشهب وإنما كرهت لأن بيعه عند الحاكم أحوط لهما وأحسم لدعوى الراهن محاباة المرتهن نفسه بترك الاستقصاء، وليكون أسلم للمرتهن. فصل [٣٢ - عدم جواز فسخ وكالة الوكيل في الرهن]: فإن أراد الراهن فسخ وكالة الوكيل لم يكن له ذلك، وقال إسماعيل بن إسحاق له ذلك (٣)، وهو قول الشافعي (٤)، ودليلنا أن هذه الوكالة قد تعلق بها حق المرتهن وهو تولي بيع الرهن ليصل المرتهن إلى أخذ (٥) حقه، وفي فسخها إبطال هذا المعنى، واعتبرها إسماعيل بسائر الوكالات وبأنها من العقود الجائزة. فصل [٣٣ - في مال العبد المرهون]: مال العبد ليس برهن معه (٦) لأنه ملك له دون السيد ما لم ينزعه السيد منه، ورهن العبد ليس بانتزاع لما له بخلاف البيع. …

стр. 1139

(بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد) (١) كتاب الحجر (٢) ويحجر على الأصاغر حتى يبلغوا (٣) ويؤنس منهم الرشد (٤)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ (٥)، وقوله: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ (٦)، وقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ (٧) الآية، ولأن الصغير لا يعرف حظه ولا يحسن التصرف في مال نفسه (٨) فكان كالمجنون فوجب الحجر عليه، وأن ينظر وليه في ماله (فجعل فيه بالصلاح فإذا بلغ لم يدفع) (٩) إليه دون أن يختبره ويعرف رشده (١٠) من فساده وإمساكه على نفسه (١١) من تبذيره وإضاعته لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا

стр. 1140

إليهم أموالهم﴾ (١) فعلق انفكاك (٢) الحجر بالبلوغ وإيناس الرشد، وكان الحجر عليه في الصغر إنما كان لهذا المعنى فهذا بلغ فهو على تلك الحال فالحجر عليه مستحب، واعتبارًا ببلوغه مجنونًا. فصل [١ - إيناس الرشد]: إيناس الرشد الذي ينفك معه الحجر هو: إصلاح المال (٣) وضبطه وترك تبذيره وإنفاقه في وجوهه، فإذا بلغ الصبي وهو بهذه الصفة انفك حجره سواء كان فاسقًا في دينه أو عدلًا (٤)، خلافًا للشافعي في قوله أنه يحجر على الفاسق وإن كان مصلحًا لماله (٥)، لأن الحجر في المال لمعنى يرجع إلى إضاعته وتبذيره لا إلى قلة الدين، ألا ترى أنه يبتدى الحجر على البالغ متى وجد فيه هذا المعنى كما يستدام في الصغير، وقد ثبت أن الفسق لو طرأ على الكبير لم يحجر عليه فكذلك إذا بلغ وهو موجود به، ولأنه معنى لا يؤثر في تبذير ماله ولا إضاعته فلم يوجب الحجر كسائر أفعاله وتنقله (٦) في المذاهب. فصل [٢ - جواز بدأ الحجر على الأكابر]: ويبتدأ الحجر على الأكابر المبذرين لأموالهم (٧) خلافًا لأبي حنيفة (٨)؛ لأنه إجماع الصحابة روي عن عثمان وعلي والزبير (٩) وابنه وعائشة ﵃،

стр. 1141

وذلك أن عبد الله بن جعفر (١) اشترى أرضًا (سبخة بمال عظيم غبن فيه) (٢) فقال علي رضوان الله عليه: قم لأحجر عليك، فشكى (عبد الله إلى الزبير فقال: أنا شريكه) (٣) فحمله علي إلى عثمان فطلب منه أن يحجر عليه فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير (٤)، وهذا يدل على استحقاق الحجر لولا أن شريكه ضابط لا يخاف منه الدخول فيما يتلف ماله ولم يظهر لهم مخالف، ولأن كل من في منعه من ماله صلاح له وفي تركه معه إتلافه وإضاعة له (٥) وخوف الفقر عليه فإن الحجر عليه مستحق أصله الصغير، ولأن البلوغ لا يمنع الحجر مع تبذير المال وإضاعته أصله إذا بلغ مبذرًا. فصل [٣ - انفكاك الحجر عن الصغيرة]: لا ينفك الحجر عن الصغيرة حتى تبلغ وتتزوج ويدخل بها زوجها وتكون مصلحة لمالها (٦)، خلافًا لأبي حنيفة (٧) والشافعي (٨) في قولهما إن الحجر يفك عنها بمجرد البلوغ وإيناس الرشد من غير حاجة إلى الزواج (٩)، لأنها بالبلوغ لم تخبر الرجال ولا عرفت المعاملات ولا تقف (١٠) على إصلاح المال ووجوه الغبن فكان الحجر عليها مستصحبًا حتى إذا دخل بها الزوج وعرفت الرجال وما يراد منها وبرز وجهها وعرفت المعاملات وعلم منها ضبطها لمالها فك حجرها وهذا هو الفرق بينها وبين الغلام.

стр. 1142

فصل [٤ - في حد البلوغ]: حد البلوغ في الذكور: الاحتلام أو الأنبات أو أن يبلغ من السنن ما يعلم أن من بلغه فقد بلغ في العادة، ولم يحد مالك ﵀ فيها حدًّا، وقال أصحابنا: مثل سبعة عشر سنة أو ثمان عشرة سنة، وهذا الأوصاف هي علامات في النساء ويزدن على المذكور بالحيض والحمل (١)، وقال أبو حنيفة: لا معتبر بالإنبات في البلوغ (٢)، وقال الشافعي: يحكم به (٣) في المشركين، وله قولان في أنه بلوغ أو دلالة على البلوغ وفي أنه يكون بلوغًا في المسلمين أو لا (٤)، فدليلنا على اعتباره ما وري عطية عن سعد قال حكمني رسول الله ﷺ في بني قريظة فحكمت (٥) بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم فكنا نكشف عن مؤتزرهم فمن (٦) أنبت منهم قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري فقال رسول لله ﷺ : "حكمت (٧) بحكم الله" (٨)، وقوله "الجزية على من جرت عليه المواسى" (٩)، وكذلك كتب عمر ﵁ في أخذ الجزية (١٠)، وما روي عن عثمان ﵁ في الغلام الذي سرق: إن كان أخضر مؤتزره فاقطعوه (١١)، ولأنا لو قصرنا البلوغ علي السنن لم يكن لنا دلالة عليه فأمكن حجرها فيؤدي إلى إسقاط الأحكام فوجب اعتبار معنى زائد عليها وليس إلا ما قلناه.

стр. 1143

فصل [٥ - في الرد على قول الشافعي في فصله بين المسلمين والمشركين]: دليلنا على الشافعي -في فصله بين المسلمين والمشركين- أن كل ما جاز أن يكون بلوغًا أو دالا على البلوغ في الكافر جاز في المسلم أصله السنن والاحتلام، ولأن دلالته على ذلك ليست بمعنى يرجع إلى الدين وإنما هو لمعنى يتعلق بالعادات وهذا يستوي فيه المسلم والكافر، [والخمسة] (*) عشرة سنة ليست ببلوغ ولا حدًّا له، وحكي عن ابن وهب اعتبارها وهو قول الشافعي لأن ذلك لا يخلو أن يكون معلقًا بأكثر منها في العادة أو بأقصاه وكلا الأمرين باطل، وحديث ابن عمر مختلف عليه فيه فروي أنه ﷺ رده في [ثلاثة] (*) عشرة سنة وأجازه في أربع عشرة سنة (١)، ولأن ذلك يرجع إلى إطاقة القتال لا إلى البلوغ. فصل [٦ - اشتراط حكم الحاكم في ابتداء الحجر]: البالغ إذا ابتديء الحجر عليه لم يحجر عليه إلا بحكم (٢) الحاكم (٣) خلافًا لمحمد بن الحسن (٤)؛ لأنه أمر مختلف فيه محتاج إلى اجتهاد ونظر في حاله واختبار لأمره فاحتيج في قطعه وكونه بصفة من يلزمه الحجر إلى حكم الحاكم. فصل [٧ - اشتراط حكم الحاكم لانفكاك الحجر عن المحجور عليه]: لا ينفك الحجر عن محجور عليه بحكم أو بغير حكم إلا بحكم الحاكم (٥) لأنه محتاج إلى اختبار حاله وزوال المعنى الذي حجر عليه لأجله، وسواء في ذلك الصبيّ والمجنون (٦) والبالغ والمفلس، والحجر ينفك عن البكر ببلوغها ودخول الزوج بها ومعها إيناس الرشد على ما بيناه.

стр. 1144

فصل [٨ - في استدانة السفيه بغير إذن وليه]: إذا استدان السفيه بغير إذن وليه لم يلزمه بعد فك حجره (١) وإذا استدان العبد بغير إذن سيده ثم أعتق اتبع (١) به إلا أن يكون سيده (٢)، والفرق أن المحجور عليه لسفهه حجر عليه لحق نفسه، فلو كان (٣) الدين يلحقه لم ينفع الحجر عليه شيئًا، والعبد حجر عليه لحق سيده فإاذا اعتق زال حق السيد فأتبع به (٤). فصل [٩ - في اختبار المحجور عليه والصغير بالإذن له في التجارة]: لولي المحجور عليه بالسفه أو الصغير أن يأذن له في التجارة في قدر من ماله يعينه ليختبره وينظر هل تغيرت حاله وهل قد صار موضعًا لتسليم ماله إليه، وما استدان من شيء وجب في المال بيده (٥) لأن إذن الولي له في التجارة به يقتضي حق من يستدينه لأنه دانيه عليه ولا يلحق ذمته لبقاء الحجر فإن زاد الدين على قدر ما في يده لم ينتفع به. فصل [١٠ - في تصديق الوصي فيما ينفقه على اليتيم]: يصدق الوصي على ما يذكره من نفقة اليتيم إذا أتى بما يشبه ذلك إذا كان في منزله وحضانته، وإن لم يكن عنده وكان عند أم أو حاضنة يدفع الوصي إليهما نفقته فعليه أن يقيم البينة بما دفع إليهما، ونفقة الأيتام تختلف بحسب اختلاف أحوالهم وأموالهم فإن كان لليتيم مال واسع وقد ألف النعمة (٦) والتوسعة والرفاهة وسع عليه على قدر ماله في إدامه وكسوته، وإن كانت أمه فقيرة فالنفقة لها في مال ابنها ولا نفقة لها إن كانت موسرة إلا أن تكون هي حاضنته، ولأنها

стр. 1145

تتشاغل به عن أمورها وتستحق عليه أجرة ولا يوجد من يقوم بحضانته بغير أجرة فإنها تُعطى بقدر ما تستحقه من القيام عليه. ولا بأس بتأديب اليتيم وبضربه (١) بالرفق والمعروف إذا احتيج إلى ذلك لأن فيه مصلحة له وتأديبًا وحسن تربية، لأن ولاية الوصي على اليتيم كولاية الإمام على رعيته تؤدي إلى (٢) الحظ والصلاح له في تأديبه، فأما خلط نفقة اليتيم بنفقة الوصي فجائز إذا عادت بالرفق والتوفير (٣) على اليتيم فإن عادت برفق الوصي فلا يجوز (٤)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ (٥). فصل [١١ - التجارة في مال اليتيم]: التجارة في مال اليتيم جائزة إذا كان في ذلك حظًّا له (٦) لقوله تعالى: ﴿قل إصلاحٌ لهم خير﴾ (٧) وروي عن عمر ﵁ أنه قال: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة" (٨) وقد ورد مرفوعًا (٩)، ولأن ذلك نظر له ومصلحة وتنمية لماله وتعريضًا للتثمير فيما أمكن من فعله به وكان فيه الحظ له جاز، وسواء كان بتجارة أو شراء ضيعة أو عقار ليستغل أو ما يراه الناظر له حظًّا وصلاحًا، ولا ضمان على الوصي في نقص إن حدث لأنه أمين.

стр. 1146

فصل [١٢ - الأكل من مال اليتيم]: إذا كان وصي اليتيم أو الأمين محتاجًا جاز أن يأكل من مال اليتيم بقدر أجر مثله (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه لا يجوز له أخذ شيء من ماله (٢)، لقوله تعالى: ﴿فمن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾ (٣)، وروي عن عائشة ﵂ قالت رخص رسول الله ﷺ لولي اليتيم أن يأكل بالمعروف" (٤)، ولأنه ناظر في مصلحة غيره وقيم عليه فجائز (٥) له أن يأخذ بقدر الحاجة أصله الإمام. فصل [١٣ - طلب الوصي بماله]: إذا بلغ اليتيم فطالب الوصي بماله فزعم أنه قد دفعه إليه لم يقبل منه إلا ببينة (٦)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن القول قوله مع يمينه (٧)، لقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ (٨) فأمر الولي بالتوثق لنفسه بالإشهاد عند تسليم الأمانة التي في يده إلى غير من ائتمنه عليها فلولا أنه يضمن متى جحد وإلا (٩) لم يكن للأمر بالتوثق فائدة، ولأنه مأمور بدفع المال

стр. 1147

المؤتمن عليه إلى غير من ائتمنه عليه (١) فوجب ألا يقبل قوله إلا ببينة مع الإنكار له أصله المودع إذا دفع الوديعة إلى أجنبي وقال: الأجنبي لم آخذ شيئًا. فصل [١٤ - في عدم جواز تصرف الزوجة فيما زاد على ثلث مالها إلا بإذن زوجها]: لا يجوز للمرأة ذات الزوج أن تأخذ شيئًا من مالها ولا تتصدق ولا تعتق ولا تخرجه في معاوضة أو مصلحة فيما زاد على الثلث إلا بإذن زوجها (٢)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إنه لا حق لزوجها في منعها (٣)، لقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها عطية في مالها إلا بإذن" (٤) وهذا نص، وقوله: "تنكح المرأة لدينها ومالها وجمالها … " (٥) وذلك يفيد أن للزوج حقًّا في تبقية مالها (٦) بيدها، ولأن العادة جارية بأن (٧) الزوج يتجمل بمال زوجته وله فيه معونة وتبقية، ويبين ذلك أن مهر المثل يقل ويكثر بحسب مالها وكثرته كما يقل ويكثر بحسب بروزها في الجمال، وإذا ثبت ذلك فليس لها إبطال غرض الزوج مما لأجله رغب في نكاحها وكمل لأجله صداقها. فصل [١٥ - إذا زادت عطية الزوجة على الثلث]: إذا ثبت منعها من ذلك فإن زادت على الثلث: فقال مالك: رد جميعه لأنه

стр. 1148

من الضرر، وقال المغيرة: يجوز منه قدر الثلث (١) (فلظنه الرواية اعتبارًا بالمرض، وإنما أجزنا لها الثلث لأن) (٢) الحديث مقيد في المنع بما زاد عليه، ولأن كل من منع من إخراج ماله على غير معاوضة لحق الغير الذي يعاوض عليه فإن المنع يتعلق بما زاد على الثلث أصله المريض. …

стр. 1149

باب [- في الحجر على المفلس وحبس المديان] إذا طلب الغرماء الحجر على المفلس (١) فإن الحاكم يحجر عليه (٢) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: ليس له أن يحجر عليه بل يأخذه بقضاء الدين ويحبسه حتى يبيع ويقضي (٣)؛ لأنه ﷺ حجر على معاذ وقال لغرمائه: "خذوا ما معه ليس لكم غيره"، وقال الزهريّ: أدان معاذ دينا (٤) فباع رسول لله ﷺ ما له حتى قضى دينه (٥)، وروي عن عمر ﵁ أنه قال ألا أن أسيفع جهينة رضي لدينه وأمانته أن يقال سبق الحاج (٦) ثم أدان مقرضًا فمن كان له عليه شيء فليحضر فإنا نبيع ماله (٧)، ولا مخالف له فإذا ثبت استحقاق الحجر عليه فإن الحاكم يبيع ماله من عروض وعقار وحيوان وغير ذلك (٨)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يبيع عليه العقار (٩)، للأخبار التي رويناها وهي عامة، ولأن كل دين يباع فيه الذهب والفضة جاز أن يباع فيه العقار كنفقة الزوجات، واعتبارًا

стр. 1150

بموت المفلس إذا ادعى المديان الإفلاس ولا يعلم صدق مقولته (١) من كذبه فإن الحاكم يحبسه ليتبين أمره (٢)، والأصل (٣) في ذلك قوله ﷺ "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" (٤) والعقوبة ها هنا الحبس، وروي أنه ﷺ : "حبس في تهمة" (٥)، وقد حبس كثير من الصدر الأول. فصل [١ - في كون تقدير الحبس موكول إلى اجتهاد الحاكم]: والحبس موكول إلى اجتهاد الحاكم على قدر ما يغلب في ظنه من تهمة الغريم من غدره وإلطاطه (٦) وتغيب ماله وليس بمقدر بمدة محصورة خلافًا لأبي حنيفة في تقديره إلى شهرين أو ثلاثة (٧)، لأن الغرض هو اعتبار حاله وتبين إعساره من إيساره، والعلم بذلك ربما وقع في المدة اليسيرة وربما وقع بالمدة الطويلة فوجب ألا يتقدر إلا بغلبة الظن. فصل [٢ - تخلية سبيل المدين إذا ثبت عسره]: إذا ثبت عسره (٨) خلي سبيله ولم يكن للغرماء أن يعرضوا له إلى يسره (٩)

стр. 1151

خلافًا لأبي حنيفة في قوله لهم أن يلازموه لا على معنى أنهم يطلبونه ولكنهم يكونون معه يدورون حيث دار (١)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ (٢) وذلك ينفي الملازمة لأنها في معنى الحبس، وقوله ﷺ : في رجل ابتاع تمر فأصيب به فقال ﵊: "تصدقوا عليه"، فتصدق عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال: خذوا ما معه ليس لكم غيره" (٣)، ولأن المعسر ليس لغرمائه مطالبته بالدين ومن لا تلزم مطالبته بالدين لم تجب ملازمته كالذي عليه دين مؤجل؛ لأن الحبس لما زال عنه لثبوت عسرته فكذلك الملازمة. فصل [٣ - عدم جواز إجارة المفلس]: لا تجور إجارة المفلس وإن كانت له صنعة (٤) يتكسب بها (٥) خلافًا لأحمد وغيره (٦)، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ (٧)، ولأنه ابتداء تملك فلا يجبر عليه كالهبة والوصية، يحبس في الديون الثابتة كلها المعارضة وغيرها لاستحقاق جميعها ووجوب المطالبة بها. …

стр. 1152

باب [- حلول الدين المؤجل] يحل الدين المؤجل بالموت (١) خلافًا للحسن وغيره (٢) لأنه لو لم لحل لم يخل أن يكون متعلقًا بذمة الميت وذلك باطل بخرابها أو بذمم الورثة وذلك غير جائز لأنه لا شيء يوجبه، ولا يلزم صاحب الدين الرضا بذمتهم وتسليم الشركة إليهم، ولأن الدين متقدم على الميراث أو ينتقل إلى التركة ويمنع من أخذه إلى حلول الأجل فلا فائدة في ذلك ولا نفع للورثة وإنما هو تعويض المال للتلف فقط فلم يبق إلا حلوله وتسليمه إلى الغريم (٣). فصل [١ - حلول الدين المؤجل بالفلس]: ويحل بالفلس خلافًا للشافعي (٤)؛ لأن الفلس يوجب تفرقة المال (٥) بين غرمائه كالديون الحالة، ولأنه معنى يوجب تعلق الديون التي في الذمة بأعيان الأموال كالموت. فصل [٢ - في عدم حلول الديون التي للميت أو المفلس بل تبقى إلى أجلها]: والديون التي للميت أو المفلس لا تحل بل تبقى إلى أجلها (٦)؛ لأن محالها المتعلقة بها لم تبطل ولم تغب وإنما حلت الديون التي عليه لبطلان محلها وغيبته. فصل [٣ - من باع سلعة فأفلس المبتاع قبل أن يقبض البائع ثمنها]: ومن باع سلعة فأفلس المبتاع قبل أن يقبض البائع ثمنها فالبائع إن وجدها لم

стр. 1153

تفت مخير بين أن يأخذها بالثمن الذي باعها به وبين تركها ومحاصة الغرماء، وإن كان قبض بعض ثمنها فله الخيار بين رد ما أخذ والرجوع بها أو التمسك بها والحصاص بما بقي، ولو مات المشتري لم يكن للبائع أخذ السلعة (١). فصل [٤ - في أحقية البائع بعين ماله في الفلس]: وإنما قلنا إنه أحق بعين ماله في الفلس خلافًا لأبي حنيفة (٢)، لقوله ﷺ : "أيما رجل أفلس فأدرك رجل ما له بعينه فهو أحق به" (٣)، ولأن فلس المبتاع بثمن المبيع مع بقائه على صفته وعدم تعلق حق الغير به يوجب للبائع حق الفسخ أصله قبل (٤) القبض. فصل [٥]: وإنما قلنا إنه له تركها أو المحاصة لأن أخذها حق له غير مستحق (٥) عليه فإذا لم يختر لم يجبر عليه، وإنما قلنا له أخذها (٦) وإن قبض بعض الثمن إذا رد ما قبضة خلافًا للشافعي (٧)، لعموم الخبر، ولأن الرجوع بسلعته إذا لم يقبض شيئًا من الثمن إنما وجب له لقوة سببه بوجود عين ماله وذلك يستوي فيه الفلس بجميع الثمن أو ببعضه.

стр. 1154

وإنما قلنا إنه يكون في موت (١) المشتري إسوة الغرماء خلافًا (٢) للشافعي (٣)، لقوله ﷺ : "فإن مات فالبائع إسوة الغرماء" (٤) ففرق بين الموت والفلس، ولأن حظ البائع تقديمه على غيره من الغرماء لا إسقاط الغرماء واستبداده، والفرق بين الفلس والموت أن في الفلس الذمة باقية يرجع الغرماء إليها ومع الموت تبطل الذمة فيكون ذلك إسقاطًا لباقي الغرماء. فصل [٦ - إذا تلف مال المفلس بعد أن جمعه الحاكم وقبل أن يبيعه]: إذا جمع الحاكم مال المفلس ليبيعه لغرمائه فتلف قبل بيعه فالتلف من المفلس وديون الغرماء ثابته لأن تلفه (٥) كان على ملك المفلس قبل انتقاله إلى ملك الغرماء، ولا شيء على الحاكم لأنه أمين فإن باعه الحاكم قابض لهم وقد بريء المفلس منه، وقال محمَّد بن عبد الحكم الضمان من المفلس حتى يقبضه الغرماء لأن الغرماء إنما يضمنونه (٦) بالقبض دون البيع، والأول أصح، وفرق عبد الملك بين أنواع المال فقال إن كان ذهبًا أو ورقا ودينه من جنسه فالتلف بعد جمعه من الغرماء لأنه لم يبق إلا تسليمه إليهم وقبض الحاكم هو قبض لهم: فضمان الذهب ممن دينه ذهب وضمان الورق ممن دينه ورق، وإن كانا عروضًا فتلفها من المفلس لأن الغرماء يستحقون أثمانها دون أعيانها. فصل [٧ - في تفليس الصناع]: الصناع إذا قبضوا السلع وأفلس أربابها فهم أحق بها في ديونهم إذا كانوا قد عملوها في الموت والفلس لقبضهم إياها وحوزهم لها كالرهن، وكذلك لو

стр. 1155

استأجر أرضًا يزرعها ثم مات أو أفلس قبل قبض الأجرة فربها أحق بالزرع، وكذلك لو استأجر دارًا للسكنى ولم ينقد أجرتها وسكنها بعض السنة ثم أفلس فربها أحق بما بقي من مدة الإجارة ويحاص الغرماء بما مضى من السكنى، وكذلك ما يرد من مسائل هذا الباب (١). …

стр. 1156

باب [- في تجارة ودين العبد بغير إذن سيده]: وإذا اتجر العبد فأدان بغير إذن سيده فللسيد فسخ الدين (١) عنه بما له كسبه وله انتزاع ماله فليس لغرمائه (٢) إتلاف ماله على سيده واستبدادهم به: فإن أعتق العبد اتبعه الغرماء لزوال حق السيد عنه بعد عتقه، وله أن يسقط الدين عنه (٣) لأن تبقيته عليه يعيبه إذا أراد بيعه والذي دانه هو الذي عرض ماله للتلف (٤) فإذا أسقطه عنه لم يتبعه الغرماء بعد العتق. فصل [١ - في إفلاس المأذون له في التجارة]: إذا أذن له في التجارة جاز: فإن أفلس (٥) فدينة في ذمته وفي ماله الذي في يديه (٦) لأن الغرماء دائنوه على ماله وذمته، ولأن السيد لما أذن له في التجارة كان ذلك رضا منه بتعلق الديون بماله وذمته، وليس لسيده انتزاع ماله لأن غرماء العبد أولى بماله من سيده لأنهم داينوه على ماله، ولأنه بمنزلة عين (٧) مالهم ولو أفلس (٨) السيد كان غرماء العبد أولى بمال العبد من غرماء السيد، وغرماء السيد أولى برقبة العبد لأن رقبة العبد ملك لسيده لا حق فيها لغرماء العبد، وإذا داين السيد عبده كان كأحد الغرماء يقاص بدينه كما يقاص سائر الغرماء (٩).

стр. 1157

فصل [٢ - ليس لغرماء المأذون سبيل على رقبته]: ليس لغرماء العبد المأذون سبيل على رقبته ولا على مال سيده (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن لهم بيعه (٢)، ولأن الدين الحاصل عن مراضاة لا يتعلق بالرقبة وإنما يتعلق بالمال أو بالذمة كالحر إذا داين ثم أفلس فإن رقبته لا تباع ولا تؤاجر (٣)، ولأن الغرماء إنما يداينون على مال العبد (٤) لا على مال غيره ورقبته ليست بمال له، وإنما قلنا إنه لا سبيل لهم على السيد لأن السيد إنما أذن له في التجارة بالمال المدفوع إليه دون غيره إلا أن يضمن السيد عنه فيلزمه الضمان. …

стр. 1158

بسم الله الرحمن الرحيم (١) كتاب الصلح الأصل في جواز الصلح (٢) قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (٤)، ولأن فيه قطعًا للخصومة وداعيًا (٥) إلى التواصل والألفة. فصل [١ - في جواز الصلح على الإنكار والإقرار]: وهو عندنا جائز على الإقرار والإنكار (٦) خلافًا للشافعي في قوله إنه لا يجوز مع الإنكار (٧)، لقوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (٨) فعم، ولأنها دعوى ما لم يحكم ببطلانها فجاز الصلح معها أصله مع الإقرار، ولأنها أحد حالي المنكر كالإقرار، ولأن كل

стр. 1159

صلح جاز (١) مع الإقرار جاز مع الإنكار أصله الإبراء، ونفرض الكلام في أن افتداء اليمين جائز وهو أن يلزم أحد المتداعيين اليمين فيبذل المدعى عليه للمدعي (٢) شيئًا على ألا يحلفه (٣). والدليل على جواز ذلك أنه مروي عن عثمان وابن مسعود (٤) ولا مخالف لهما، ولأن المدعي عليه لا يخلو أن يكون محقًا في إنكاره أو مبطلا فإن كان مبطلًا فقد أحسن إذ (٥) لم يحلف على باطل ودفع الحق، وإن كان محقًا فقد دفع عن نفسه شر المدعي وتبذيله إياه ونزَّه (٦) نفسه عن اليمين التي تثقل على أهل المروءات والدين وتستبق الظنة إلى المقدم عليها. فصل [٢ - في أضرب الصلح]: الصلح على ضربين: منه معاوضة كالبيع فهذا حكمه حكم البيع يدخله من الجواز والمنع ما يدخل البيع، ومنه إسقاط وإبراء. فأما القسم الأول: فهو أن يدعي على غيره شيئًا ثم يبيعه (٧) منه فلا يجوز إلا في معلوم ولا يجوز أن يفسخ في دين إذا كان المدعى دينا، ولا في طعام قبل قبضه، ولا عن دعوي في جنس باثنين من جنسه إلى أجل، ولا عن مجهول ولا غرر، ولا على ضع وتعجل قبل حلول الأجل، وجملته أنه يمتنع فيه ما يمتنع في البيع. فأما القسم الثاني: فهو وضع بعض الحق المدعى وإبراء منه مثل أن يكون على

стр. 1160

رجل مال حال فيصالحه على بعضه وإسقاط باقيه، وإن كان مؤجلًا فلا يجوز أن يصالحه قبل حلوله على تعجيل (١) بعضه وإسقاط باقيه ويجوز أن يصالحه عن ذهب له على ورق يأخذها منه نقدًا، وعلى ذهب عن ورق لا يجوز الرجوع بها لأن ذمة الغريم قد برئت (٢). …
следующие страницы →