← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وما يغلب معه على الظن صدقة في دعواه دفعت إليه بغير بينة، وإن مضت السنة ولم يأت لها طالب فهو بالخيار بين أن يتركها وتكون في يده أمانة لا شيء عليه في تلفها وبين أن يتصدق بها بشرط الضمان، فإن جاء صاحبها فأجاز التصدق بها وإلا غرمها له، وبين أن يتملكها فتكون دينا في ذمته يدفعها إلى صاحبها ويكره (١) له تملكها وإذا رد اللقطة إلى موضعها بعد أخذها فإن كان أخذها بنية الالتقاط وحفظها على صاحبها ضمنها إن ردها، فإن لم يأخذها بنية الالتقاط بل ليتبينها مترويا بين أخذها وتركها فلا ضمان عليه. وضالة الإبل لا ينبغي لواجدها أن يتعرض لها وليتركها، فأما ضالة الغنم فإن وجدها في مدينة فهي كسائر اللقطة، وإن وجدها في صحراء: فإن كان بقرب موضعها قرية أو موضع يضمها إليه فعل ذلك، وإن كان مفازة ولا قرية بقربها ولا موضع يحفظ فيه ويخاف عليها إن تركت الذئب فإن شاء تركها، وإن شاء أكلها ولا ضمان عليه في ظاهر الروايتين، ومن وجد طعامًا يفسد بتركه فإن شاء تصدق به أو أكله وضمنه إن كان في العمران ولا يضرب له أجل (٢). فصل [٢ - في دليل تعريف اللقطة سنة]: وإنما قلنا إنها تعرف سنه لقوله ﷺ : للذي سأله عن اللقطة: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة" (٣)، ولأنه لما احتيج في تعريفها إلى أمد ومهلة ليعثر على مالكها وأمكن أن يكون صاحبها حاضرا لها (٤) أو غائبًا أو ممن يتعذر عليه الحضور إلا بعد مدة وجب أن يزاد في المهلة وأن يوسع في المدة ليحصل الغرض الملتمس، وإذا ثبت ذلك ولم يكن بعض المدة بأولى من بعض كانت السنة أولى ما ضربت حد لأنها قد جعلت حدا في غير موضع مما يختبر حاله مثل العنة، وعهدة الأدواء الثلاثة، ووجوب الزكاة، وغير ذلك.

стр. 1227

وإنما قلنا إنه يعرفها في المواضع التي ذكرناها لأن الغرض بالتعريف في التوصل إلى علم صاحبها بموضعها كما يجب أن يكون ذلك في المواضع التي يغلب على الظن الوصول إلى ذلك معها، وفي حديث عمر بن الخطاب (١) ﵁ أنه قال: لمن ذكر له أنه وجد بطريق الشام سورة فيها ثمانون دينارًا: عرفها على أبواب المسجد واذكرها لمن يقدم من الشام (٢). فصل [٣ - في دفع اللقطة لمن عرف عفاصها ووكاءها]: وإنما قلنا إنها تدفع لمن يعرف عفاصها ووكاءها ولا يكلف على ذلك ببينة (٣)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)، لقوله ﷺ : "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه (٥)، وروي "باغيها" (٦)، وروي "فإن جاء أحد يخبرك بعدتها" (٧)، ففي هذا دليلان: أحدهما أمره ﷺ بدفعها إلى مدعيها يدفعها إلى من عرف العفاص والوكاء من غير مطالبة ببينة، والآخر قوله: "اعلم عفاصها ووكاءها" ولا فائدة في ذلك إلا دفعها إلى من عرف ذلك منها لأن الضرورة قد (٨) تدعو إلى ذلك وإلا أدى إلى أن لا يصل أحد إلى ما يضيع من ماله لأنه لا يمكنه الإشهاد على ضياعه والبينات مترتبة في الأصول على حسب الأشياء المشهود فيها، فيجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها.

стр. 1228

فصل [٤ - في كونه مخيرا بعد مضي السنة بين تملكها والتصدق بها أو تركها]: وإنما قلنا إن السنة إذا مضت ولم يأت لها طالب: كان ملتقطها مخيرا بين تملكها والتصدق بها أو تركها لقوله ﷺ : "فإن لم يجيء (١) صاحبها فشأنك بها" (٢) وهذا لفظ إباحة وإطلاق، فإنشاء تصدق بها لأنه (٣) ليس عليه حفظها بعد السنة لما في ذلك من المشقة والكلفة ويكون عليه الضمان لأنه فعل ذلك على وجه التخفيف عن نفسه يتكلف حفظها وليس له أن يتلف مال غيره إذنه إلا بشرط الضمان للضرورة الداعية إليه، وإن (٤) شاء تركها أمانة في يده كالوديعة لا شيء عليه في تلفها لأنه قبضها لمنفعة ربها خالصًا لا نفع له فيها فكان تلفها من ربها، وإن شاء استسلفها فكانت دينا في ذمته لأن الذمة قد تكون أحرز لها من اليد، ويكره ذلك عندنا لجواز أن يعسر عند مجيء صاحبها فيتعذر عليه ردها. وإنما قلنا ردها إلى موضعها بعد أخذها إلى ما ذكرناه لأنه إذا أخذها بنية حفظها فقد تعلق حفظها عليه ولزمه ذلك، فردها بعد أخذها تعد إضاعة لما قد لزمه حفظه وذلك غير جائز، وإذا أخذها لا على هذا الوجه لم يتعلق عليه حفظها ولا لزمه إمساكها فلم يتعد بردها. وإنما قلنا إن ضالة الإبل لا يأخذها واجدها لقوله ﷺ جوابًا لمن سأله عنها "ما لك ولها معها سقاؤها وحذاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" (٥) وقال عمر ﵁ لثابت بن الضحاك (٦) ووجد بعيرا فعرفه

стр. 1229

ثم قال: قد شغلني عن ضيعتي فقال عمر: أرسله حيث وجدته (١)، وإنما قلنا إنه في ضالة الغنم أنه يأخذها لقوله ﷺ "هي لك أو لأخيك أو للذئب" (٢) والفرق بينهما وبين ضالة الإبل أن الإبل تحفظ نفسها من الوحش إن أرادها وتعيش بنفسها وتقدر على الشرب من الغدر (٣) والأكل من الشجر فيبعد خوف الهلاك عليها وربما يجيء صاحبها فيجدها وليس كذلك ضالة الغنم لأنها لا تعيش بنفسها ولا تقدر (٤) على الشرب من الغدر ولا تمتنع (٥) من الوحش والحيوان المفترس وكان الغالب هلاكها حتى لم تؤخذ، وإنما قلنا إنه إذا وجدها إلى جنب قرية أو موضع يمكن ضمها إليه لم يجز له أخذها (٦) لأنه يصل إلى حفظها على صاحبها من غير مشقة عليه فلم يجز إتلافها ولها قيمة في الموضع الذي وجدها به. وإنما قلنا إنه إن وجدها في فلاة لا قرية بقربها فله أن يأكلها ولا غرم (٧) عليه لربها خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٨)، لقوله ﷺ : "هي لك أو لأخيك أو للذئب" (٩)، وفي حديث آخر: "خذها هي لك أو لأخيك أو للذئب" (١٠) وهذا تنبيه على أنها في حكم المتلف، ولا قيمة في إتلافه، ولأنه أضافهما إلى

стр. 1230

واجدها كإضافتها إلى أنها للذئب فدل على أن إتلافها لا يستحق (١) به غرم، ولأن ما هذا سبيله لا قيمة له في موضعه ولا يمكن تعريفه فلا يخلو أن يمنع أخذها وذلك خلاف الاجتماع، وأن يلزم حفظها وسوقها إلى العمران وفي ذلك مشقة وكلفة مسقطتان عنه، أو أن يباح أكلها بشرط الضمان فما هذا سبيله إنما يكون بعد التعريف إذا كان مما يبقى فلم يبق إلا ما نقوله من إباحة الأكل بغير ضمان له. وإنما قلنا في الطعام الذي لا يبطل إنه لا يعرف بأجل لأن تبقيته إلى الأجل إتلاف له على مالكه وواجده، وقلنا إن له أن يأكله لأنه إن لم يفعل ذلك تلف ويضمنه لأنه منتفع بملك غيره إلا أن يكون مما لا قيمة له والله أعلم (٢). …

стр. 1231

(بسم الله الرحمن الرحيم) (١) كتاب الشفعة (٢) لا خلاف في وجوب الشفعة للشريك المخالط (٣)، والأصل فيها قوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم" (٤)، وروي "الشفعة في كل شرك (٥) " (٦). فصل [١ - في عدم الشفعة للجار]: ولا شفعة لجار (٧) خلافًا لأبي حنيفة (٨)، لقوله الله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" (٩) ففيه أدلة: أحدهما أنه أخبر عن جملة محلها وهو غير المقسوم فلم يبق شفعة في غيره، والثاني دليل الخطاب، والثالثة نصه على أن القسمة إذا وقعت انتهت الشفعة، ولأنه ملك محوز (١٠) كالجار المقابل.

стр. 1232

فصل [٢ - فيما تستحق فيه الشفعة]: والشفعة مستحقة في العقار من الدور والحوانيت والبساتين دون العروض والحيوان والرقيق (١)، خلافًا لمن يحكي عنه وجوبها في كل ذلك إن صح (٢). والأصل فيه قوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم" (٣)، وروي "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (٤)، وهذا إخبار عن محل الشفعة وهو مستغرق له، ولأنه مما ينقل ويحول كالذهب والفضة، والفرق بين العروض والحيوان وبين الأرضين وجود الضرر (٥) في الشركة في الأرض على وجه الدوام، ولأن التخلص منه لا يمكن إلا بضرر يلحق الشريك وسائر العروض بخلاف ذلك. فصل [٣ - الشفعة في الثمار]: وعنه في وجوب الشفعة في الثمار إذا كان الأصل بأيديهم ملكا أو حبسًا أو مساقاة أو مبتدأ (٦) الشراء روايتان: (٧) إحداهما ثبوتها، والأخرى نفيها وهو قول المغيرة وعبد الملك، فوجه إثباتها أنها معلقة من غير صنع آدمي بأصل تجب فيه الشفعة يخاف منه سوء المشاركة فأشبه الفحل والبئر، ووجه نفيها قوله ﷺ : "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" (٨) فعلقها بما يقسم من الأراضي، ولأن الشفعة فيما يدوم فيه الضرر وذلك معدوم في الثمار فكانت كالعروض.

стр. 1233

فصل [٤ - لا شفعة فيما لا يمكن قسمته أو فيما قسمته ضرر]: لا شفعة في طريق ولا عرصة قسمت بيوتها وبقيت مرتفقا لأهلها (١)، لأن ذلك تبع لأصل لا شفعة فيه وهو البيوت المقسومة. ولا شفعة في البئر والفحل، وإن كانت الأرض التي فيها مشاعة ففيهما الشفعة لأن في أصلها الشفعة فهما تبع لها، وإن كانت الأرض مقسومة فلا شفعة في البئر والفحل لأن أعيانها لا شفعة فيها إذ لا يصح قسمهما ولا هي متصله بأصل تجب الشفعة فيه فتكون ثابتة له. فصل [٥ - في عدم الشفعة في ممر أرض أو مسيل ماء أو طريق إلى علو]: من له ممر في أرض قوم أو مسيل ماء أو طريق إلى علو له فلا شفعة له فيما بيع من الدار والأرض (٢) لأنه ليس بشريك فيها، وإنما له حق متعلق على الملك دون أن يكون له حتى في نفس الملك، وكذلك الدار علوها لرجل وأسفلها (٣) لآخر فلا شفعة لأحدهما فيما باع الآخر لأن أملاكهما متميزة والشركة منتفية (٤). مسألة [٦ - في كون الشفعة بين الشركاء على قدر الحصص]: والشفعة بين الشركاء على قدر الحصص (٥)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه على عدد الرؤوس (٦)، لأن الشفعة معنى مستفاد بالملك فوجب أن يكون معتبرًا بعدد الأملاك لا بعدد الملاك (٧)، أصله غلة الدار وكسب العبد، ولأن مرافق الأموال تتوزع على حسب مقادير أملاك الشركاء في القلة والكثرة كالربح في التجارة، ولأن الشفعة مستحقة لإزالة الضرر المتأبد لولاها ولا يمكن

стр. 1234

إزالته بحق واجب وهو أن يطالب المشتري الشريك بالقسمة فيلزمه ذلك فيدخل عليه الضرر من عدة وجوه: من نقصان قيمة نصيبه إذا قسم، ولزوم أجرة القسام، واستحداث مرافق أخر، وزيادة مؤنة، ووجدنا هذا الضرر يدخل عليه على حسب ملك الملاك لا على عدد رؤوسهم، فإذا كانت الشفعة مستحقة لهذا وجب أن يستحق بقدر الملك لأن هذا الضرر إذا وجد يسقط حسب الملك وكذلك إذا رفع. مسألة [٧ - الشفعة بين أهل الميراث]: الشفعة بين أهل الميراث على قدر رؤوسهم، ومن باع أصل سهم منهم فشركاؤه في ذلك السهم أحق بالشفعة (١) من باقي الورثة، فإن باع جميع أصل سهم سهمهم الذي ورثوه فالشفعة لبقية أهل الميراث دون الشركاء الأجانب، ولو كان أهل السهام عصبة فباع بعض العصبة حق فالشفعة لبقية العصبة ولأهل السهام جميعًا، ولو باع بعض أهل سهم حقه كانت الشفعة لأهل السهم دون العصبة (٢). مثال جملة المسألة: أن يترك الميت جدتين وأختين لأم وإخوة لأب، وله ستة أسهم من اثنى عشر سهما من دار أو دكان، فأرادت إحدى الجدتين بيع حقها من السدس فالجدة الأخرى أحق بالشفعة من الشركاء، فإن باعت الجدتان جميعًا فالشفعة لباقي الورثة، وإن باعت إحدى الأختين للأم حصتها فالأخت أحق بالشفعة من الأخوة لأب، فإن باع بعض الأخوة لأب حصتهم فالشفعة بين بقية الإخوة للأب وبين باقي أهل الميراث، فإن كان جميع من ورث الميت عصبة شافعوا بينهم دون الشركاء الأجانب.

стр. 1235

فصل [٨ - في كون أهل السهم الواحد أحق بالشفعة من بقية الشركاء]: وإنما قلنا إن أهل (١) السهم الواحد أحق بالشفعة من بقية الشركاء (٢)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٣)، لقوله ﷺ "الشفعة في كل شرك" (٤)، والسهم نوع من الشرك" (٥) والسهم نوع من الشرك (٥) فوجبت الشفعة فيه، لأنه نوع من الشركة فوجب أن يثبت الشافع فيه اعتبارًا بالشركة في نفس العقار، وإنما قلنا إن بقية أهل السهم أولى من العصبة، لأنهم أخص منهم بالشركة وأكدا أمرا، لأن سهمهم معلوم مقدر، (وإنما قلنا إن أهل السهام يشاركون في العصبة لما ذكرناه من قوتهم عليهم) (٦)، وإنما قلنا إن جميع ورثة الميت إذا كانوا عصبة تشافعوا بينهم لأنهم أهل ميراث واحد كأهل السهام. مسألة [٩ - ثبوت الشفعة في كل شقص ملك بعوض]: كل شقص ملك بعوض ففيه الشفعة إلا أن يعرض ما يقطعها بأي نوع كان من التمليكات من بيع، أو إجارة، أو خلع، أو مهر، أو صلح من أرش جناية، أو قيمة متلف، أو دم عمد، أو خطأ أو غير ذلك من أنواع المعاوضات، فأما ما ملك بغير عوض مثل الهبة بغير الثواب والصدقة ففيها روايتان: إحداهما وجوب الشفعة، والأخرى سقوطها. ولا شفعة في الميراث (٧). فصل [١٠ - وجوب الشفعة في أنواع المعاوضات]: إنما قلنا إن الشفعة واجبة في أنواع المعاوضات لاتفاقهم على ذلك في البيع

стр. 1236

فكان كل عوض بمثابته، (وقلنا إن الشفعة في النكاح والخلع خلافًا لأبي حنيفة (١)، لأن النكاح نوع معاوضة فإذا ملك به ما يجب فيه الشفعة جاز أن يستحق كالبيع) (٢). فصل [١١ - أخذ الشفعة في المهر بقيمة الشقص]: إذا وجبت الشفعة في المهر فإنها تؤخذ بقيمة الشقص (٣)، خلافًا للشافعي في قوله: إنها تؤخذ بمهر المثل (٤)، لأن ذلك أعدل بين الشفيع والمرأة، وذلك أن النكاح طريقه المواصلة والمكارمة دون محض المعاوضة، فقد يكون مهر المثل ألف دينار وقيمة الشقص مائة فتسامحه فتأخذ الشقص بمهرها، فمتى ألزمنا الشفيع أخذ الشقص بمهر المثل وهو ألف دينار كنا قد حفنا عليه وألزمناه أن يدفع إلى المرأة أكثر مما عاوضت عليه، وكذلك قيمة الشقص ألفا مثلها مائة، فلو جعلنا للشفيع أخذ الشقص بمائة وهو يساوي ألفا كنا قد حفنا على المرأة لأن الزوج يقول أنا أصدقها هذا الشقص (على أنه يقدر مهر المثل فكان الأعدل في ذلك قيمة الشقص (٥). فصل [١٢ - في أخذ الشقص في الصلح عن دم العمد بقيمته وعن دم الخطأ بالدية]: ويؤخذ الشقص في الصلح عن دم العمد بقيمته وعن دم الخطأ بالدية، لأن الواجب بالعمد القود وإنما تجب الدية بالتراضي أو بتعذر القود، وليس كذلك

стр. 1237

الخطأ لأن الواجب به الدية والشقص بدل منها (١)، ووجه قوله: في الهبة والصدقة إنه لا منفعة فيها، اعتبارًا بالميراث لأنه انتقال ملك بغير عوض، ووجه إيجاب الشفعة فيها، اعتبارها بالبيع بعلة أنه انتقال ملك باختيار. مسألة [١٣ - إذا بيع مع الشقص عرض بثمن واحد]: ومن باع صفقة واحدة شقصًا تجب فيه الشفعة ومعه عروض وحيوان فللشفيع أخذ شفعته بحصتها من الثمن، وليس للمشتري أن يقول لا أدعك تفرق الصفقة (٢)؛ لأن الشفيع لا يلزمه أن يأخذ ما لا شفعة فيه والمشتري دخل على تفريق الصفقة. فصل [١٤ - لو اشترى أشقاصًا شفيعها واحد]: لو اشترى أشقاصًا شفيعها واحد فأراد الشفيع أن يأخذ شفعته من واحد منها ويترك بقيتها لم يكن له ذلك إلا برضى المشتري، بخلاف الأولى (٣) لأن الحق له في الجميع فهو المختار لتبعيض الصفقة على المشتري فلا يترك وذلك. فصل [١٥ - من باع شقصًا وله عدة شفعاء]: ومن باع شقصًا من رجل (٤) وله عدة شفعاء فأراد بعضهم الأخذ بحصته من الشفعة وسلَّم سائرهم: فليس لمريد الشفعة إلا أن يأخذ الكل أو يترك (٥)، لأن الباقي إذا تركوا حصل الشقص كأنه ليس له إلا (٦) شفيع واحد فلم يكن له إلا أخذ الكل أو الترك، ولو كان بعض الشفعاء حاضرا وباقيهم غائب فأراد الحاضر أن يأخذ نصيبه بحصته لم يكن له ذلك لأن تبعيض الصفقة غير جائز ما لم يرض

стр. 1238

المشتري، وهو ممن له في الشفعة حق، فإن أخذ الكل ثم قَدِمَ الغائبون أخذوا بقدر حقوقهم إن أحبوا لأن أخذ هذا الشفيع للجميع إنما كان لحق المشتري في منع تفريق الصفقة عليه، ولأنه مشتر من المشتري، وليس لمن يأخذ الشفعة تفريق الصفقة عليه. مسألة [١٦ - الشفعة على التراخي أو على الفور، وحكم شفعة الغائب]: الأخذ بالشفعة ثابت للشفيع، ما لم يترك، أو يظهر منه ما يدل على الترك، أو يأت في طول المدة ما يعلم معه أنه تارك للشفعة، فإن كان غائبًا فلا تنقطع شفعته ولو طالت غيبة ما طالت (١)، وإن كان حاضرا فعنه روايتان (٢): إحداهما أنه لا حد في بطلان الشفعة من المدة، والأخرى أنه ينتظر عليه سنة ثم لا شفعة له بعدها، وعند أبي حنيفة أنها على الفور (٣) كالرد بالعيب فإن أمسك عن المطالبة بها مع علمه وتمكينه (٤) منها بطلت، وقول الشافعي الصحيح عن أصحابه مثل ذلك (٥)، فدليلنا أن المطالبة بالشفعة حق للشفيع، ومن له حق المطالبة في أي وقت شاء إلا أن يعلم منه ترك له، هذا أصل بني عليه هذا الباب ولا ينتقض بأعيان المسائل، ولأنه حتى في استيفاء مال لم يكن فيه تفريط أو تدليس فلم يجب المطالبة به على الفور، وأصله الديون، وفيه احتراز من الرد بالعيب، ولأن في إيجابه المطالبة فورا ضرر على الشفيع، لأنه قد يعلم ولم يحصل الثمن ولا باع ما يحصل من جهته، فيؤدي ذلك إلى تفويته إياه متى لم يمهل مدة يتمكن فيها من ذلك، وكذلك قد يكون المشتري قد عمَّر وغرس

стр. 1239

فيلزم الشفيع دفع القيمة (١) إليه، فلا يجوز أن يثبت له حق ويؤخذ باستيفائه على وجه يقتضي تغريمه إياه، وإنما قلنا إن الغائب لا تنقطع شفعته لقوله ﷺ : "فينتظر بها وإن كان غائبًا" (٢)، ولأنه معذور، ولأن تركه المطالبة لغيبته (٣)، ولا يمكنه غالبًا المطالبة مع الغيبة. فصل [١٧ - في توجيه القول في مدة الشفعة]: فأما الحاضر فوجه القول بأن مدته سنة: فلأنه إذا ثبت أن المطالبة ليست على الفور، وكان الأجل القريب في معنى الفور، لأنه قد يكون له عذر في إمساكه عن المطالبة ليُحصّل الثمن وقيمة (٤) عمارة إن كانت للمشتري فيخاف أن يؤخذ بوزن ما يلزمه في الحال وربما في الحال وربما لا يحضره، فوجب ضرب مدة (له ليتسع لما يمكنه معه الأخذ، وكانت السنة أولى الآجال بأن تحد لأنها تجمع ما تجتمع معه العلل في الصبر والإمهال، وقد جعلت في الشرع حدا لأحكام عدة فكذلك في مسألتنا، ووجه رواية التأبيد قوله: "الشريك أحق به" (٥) ولم يعلقه بمدة، ولأنه استيفاء مال فلم يبطل بترك المطالبة كأروش الجنايات. فصل [١٨ - هبة الشفيع شفعته]: إذا وهب الشفيع شفعته قبل وجوبها له) (٦) لم يلزمه (٧) لأنه لم يملك شيئًا يهبه، ومن وهب ما لا يملك لم تصح هبته.

стр. 1240

فصل [١٩ - فيما إذا بيع الشقص بعرض أو حيوان أو طعام]: إذا بيع الشقص بعرض أو حيوان أخذه الشفيع بقيمة ذلك العرض، وإن كان بطعام أو غيره مما يكال أو يوزن أخذه: بمثله (١)، ولأن الشفيع إنما يستحق الشقص بالقدر الذي عاوض المشتري به، فإن كان مما له مثل لزم الشفيع مثله، وإلا فقيمته لأن القيمة تقوم مقام المثل عند تعذره. فصل [٢٠ - في عهدة الشفيع]: عهدة (٢) الشفيع على المشتري (٣) دون البائع، ودركه (٤) في الاستحقاق لازم للمشتري، وعليه يرجع بالثمن ويرجع المشتري على البائع، وسواء أخذ الشقص قبل قبض المشتري إياه أو بعده في حياة المشتري أو بعد موته (٥)، وقال ابن أبي ليلى: العهدة على البائع في كل وجه، وقال أبو حنيفة: هي على من يؤخذ الشقص منه كان البائع أو المشتري (٦). فدليلنا أن الشفعة تؤخذ من ملك المشتري دون البائع وذلك أن المبيع حصل في ملك المشتري بنفس العقد المطلق، ومنه يتلف قبل القبض وبعده، وإن حصل الإيجاب من البائع والقبول من المشتري فقد صح أن يأخذ من المشتري بعد تقرر ملكه عليه فيجب أن تكون العهدة عليه.

стр. 1241

فصل [٢١ - في كون الإقالة لا تسقط الشفعة]: الإقالة لا تسقط الشفعة (١)، لأنها بيع حادث بعد تقرر الملك للمشتري ووجوب الشفعة للشفيع، فأشبهت بيعها (٢) من غير البائع. وقد اختلف قوله على من تكون العهدة بعد الإقالة، فقال: تكون على المشتري وتبطل الإقالة، ووجه ذلك ما ذكرناه من اعتباره ببيعه من غير البائع أن للشفيع الأخذ بأول البيعتين ويبطل ما بعده، وقال هو بالخيار إن شاء كتبها على البائع وإن شاء على المشتري، وهذا لأن الشفعة تجب له بالصفقتين بأي ذلك شاء أخذ، والعهدة على من يأخذها منه. فصل [٢٢ - إذا بيع سهم فيه الشفعة مرارًا]: إذا بيع سهم فيه الشفعة مرارًا والشفيع غائب أو حاضر لم يعلم ثم أراد الأخذ بالشفعة فله أخذها بأي الصفقات: فإن أخذها بآخر صفقة صح ما تقدم من الصفقات، وإن أخذها بالأولى بطل ما بعدها (وترادوا بأصل الأثمان وسواء اتفقت الأثمان أو اختلفت، وإن أخذها) (٣) بوسطها صح ما قبلها وبطل ما بعدها (٤). مسألة [٢٣ - إذا أراد المشتري التصرف وخاف مطالبة الشريك بالشفعة]: وإذا أراد المشتري التصرف وخاف مطالبة الشريك بالشفعة فله إيقافه عند الحاكم، فإما أخذ أو ترك ليتمكن المشتري مما يريده من البناء والهدم والغرس وغير ذلك مما يتصرف المُلاك في أملاكهم (٥).

стр. 1242

فصل [٢٤ - في منع هبة الشفعة أو بيعها]: ولا تجوز هبة الشفعة ولا بيعها (١)؛ لأن الشريك إنما جُعلت له الشفعة ليزول الضرر عنه بدخول من لم يعهد (٢) شركته ولا عرف معاملته، وربما طلب (٣) بالقسمة فاحتاج إلى استئناف مرافق، فيلحقه في ذلك ضرر وهذا معنى يختص الشريك به لا يوجد في غيره، ولأنه إذا رضي بقطع حقه من تملك الشقص كان المشتري أولى بثبوت ملكه عليه. فصل [٢٥ - إذا بنى المشتري وغرس وعمر ثم جاء الشفيع]: إذا بنى المشتري وغرس وعمر ثم جاء الشفيع: فإن شاء أخذ بالثمن وقيمة البنيان والغراس قائمًا يوم يأخذه، وإن شاء ترك (٤)، وقال أبو حنيفة يأخذها بالثمن ويجبر المشتري على قلع البناء والغراس إلا أن يكون زرعًا يترك إلى أن يحصد (٥)، فدليلنا قوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" (٦) وهذا ليس عرق ظالم، ولأنه غرس أو بناء في ملك صحيح يملك نفعه فلم يستحق عليه إتلافه أصله ما لا (٧) يستحق عليه فيه شفعة، وإنما قلنا إن القيمة يوم الأخذ لأنه في ذلك الوقت يحصل منه مشتريًا له فاستحق العرض عليه حينئذ. فصل [٢٦]: ويتصور ذلك بوجوه منها أن يكون الشريك لم يعلم بالبيع فطالبه شريكه بالبناء

стр. 1243

والغرس وكتمه البيع ثم ظهر على ذلك، ومنها أن يكون طالبه بالقسمة فبنى (١) وغرس ثم علم بذلك، ومنها أن يكون الشفيع غائبًا فأذن الحاكم للمشتري في البناء والغرس ثم جاء الشفيع. فصل [٢٧ - في أخذ الشفيع النخل بثمرها]: ولو بيعت نخلة بثمرها فإن الشفيع يأخذها مع ثمرتها قائمة كانت أو مجذوذة وللمشتري ما سقى وأنفق (٢)، وقال أبو حنيفة: إن كانت قائمة في رؤوس النخل أخذها مع الأصل فإن كانت قد جذت الأصل بقسطه من الثمن (٣)، وقال الشافعي: لا يأخذ الثمرة على وجه (٤)، فدليلنا أن الثمرة ثابتة في أصل المبيع غير مزايلة (٥) له قد ضمنه الصفقة من غير فعل آدمي فكانت الشفعة ثابتة فيها كالشجر. مسألة [٢٨ - إرث خيار الشفعة]: خيار الشفعة موروث (٦)، خلافًا لأبي حنيفة (٧)، لقوله ﷺ : "من ترك مالًا أو حقًّا فلورثته" (٨)، ولأنه خيار لدفع الضرر عن ماله فجاز أن يقوم فيه

стр. 1244

وارثه مقامه كخيار الرد بالعيب، ولأنه حق مستفاد بالملك فجاز أن يكون موروثا كثمر الشجر ونماء الماشية. فصل [٢٩ - متى تتم شفعة الخيار]: إذا بيع شقص بالخيار فلا شفعة حتى يتم البيع ويحصل الاختيار (١)، وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للبائع فلا شفعة وإن كان للمشتري وجبت الشفعة (٢)، وإنما قلنا لا شفعة قبل انبرام الخيار اعتبارًا به لو كان الخيار للبائع، ولأن الشفعة تستحق بتمام العقد، وما لم يقع الخيار فالعقد غير تام، بدليل أن المشتري ربما لم يشتر فردَّ الشقص. فصل [٣٠ - إذا بيع الشقص بثمن إلى أجل]: إذا بيع الشقص بثمن إلى أجل: فإن شاء (٣) الشفيع أخذه بمثل ذلك الثمن إلى أجل إن كان ثقة مليا أو أتى بثقة مليء يضمن الثمن عنه عند (٤) الأجل (٥)، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس له أخذه إلا بالثمن حالًا أو الانتظار إلى أن يحل فيأخذه بالنقد (٦)، ودليلنا أن الشفعة تستحق بمثل الثمن الذي بيع الشقص به حتى يدخل الشفيع مدخل المشتري من غير زيادة ولا مرفق بدليل أنه لو اشترى بغلة لم يأخذ صحاحًا، ولو ابتاع بصحاح لم يعط غلة، ولو ألزمنا الشفيع النقد وقد ابتاع نساء لكان ذلك زيادة على الشفيع للمشتري، لأن العرف جارٍ بأن الثمن بالنقد أقل منه بالنسيئة، ولأن المشتري لا يلزمه أن ينقد،

стр. 1245

فلا يلزم الشفيع إلا ما يلزم المشتري، وإن منعناه الأخذ إلى المدة أضررنا به طول تلك المدة فلم يبق إلا ما قلناه. فصل [٣١ - الشفعة في الحمام]: واختلف عنه في الحمام: ففيه روايتان (١): إحداهما وجوب الشفعة، والأخرى سقوطها وذلك مبني على وجوب قسمته، فالشفعة تتبع القسمة في الإثبات والنفي (٢). فصل [٣٢ - الشفعة في العقار الذي لا ينقسم]: وقد اختلف قوله: في العقار الذي لا يقسم (٣) إذا طلب الشريك الشفعة: فقال: فيه الشفعة، وقال لا شفعة إلا فيما ينقسم (٤)، فوجه إثباتها قوله ﷺ : "الشفعة في كل شرك" (٥)، ولأنه عقار كالذي ينقسم، ووجه نفيها قوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" (٦) فنبَّه على اعتبار المقسوم، ولأن كل مبيع لا ينقسم فلا تدخله الشفعة كالثوب والعبد. فصل [٣٣ - في شفعة أهل الذمة]: للذمي الشفعة فيما باع شريكه المسلم (٧)، خلافًا لأحمد وداود (٨) لقوله ﷺ : "الشفعة في كل شرك رَبْعَةٍ أو حائط لا يحل له أن يبيعه حتى يعرضه على

стр. 1246

شريكه فإن باعه فالشريك أحق به بالثمن" (١) فعم، ولأنه حق موضوع لإزالة الضرر عن الملك فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب. مسألة [٣٤ - إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن]: إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن: فالقول قول المبتاع لأنه مدعي عليه والشفيع مدع لاستحقاق الشقص وإزالة ملكه بدون ما يذكره، فكان على المشتري اليمين (٢) فإن حلف فإما أخذ الشفيع ما حلفه عليه وإلا ترك، وإن نكل حلف الشفيع وأخذ ما يدعيه، وكل ذلك إذا كان التداعي فيما يشبه (٣) فإن أتى أحدهما بما لا يشبه فالقول قول مدعي المشبه مع يمينه لأن العرف يصدقه ويكذب خصمه، إلا أن يكون المبتاع ممن يعلم أنه يبذل مثل ذلك الثمن لكونه ملكا لا يبالي فيما يبذل، أو جارًا يزيد في الثمن لحاجته إلى الشقص، وما أشبه ذلك، فإن العرف يُجوَّز فيه ذلك، فإن أقام أحدهما بينة ثبت له ما يدعيه مما تشهد به فإن أقام الآخر (٤) بينة حكم بأعدلهما على ما يبينه، فإن تكافئا سقطتا وعاد الأمر إلى أن القول قول المبتاع مع يمينه (٥). فصل [٣٥ - إذا حط البائع عن المبتاع شيئًا من ثمن الشفعة]: إذا حط البائع عن المبتاع شيئًا من ثمن الشفعة (٦) نظر: فإن كان مثلها مما حط في البيوع والباقي يشبه أن يكون ثمنا للشقص وجب حطه عن الشفيع، وإن كان شيئًا متفاوتا لا يصلح أن يكون الباقي (٧) ثمنا للشقص فذلك هبة لا (٨) توضع

стр. 1247

عن الشفيع، وسواء كان ذلك قبل الأخذ بالشفعة أو بعده (١)، وقال الشافعي: لا يحط عن الشفيع شيئًا أصلًا (٢)، فدليلنا أن الذي يلزم الشفيع أن يؤدي إلى المشتري ما عاوض على الشقص، والذي عاوض عليه هو ما دونه دون ما يحط عنه، ولأنه إذا حط عنه بعضه علمنا أن الذي أظهره لم يكن الثمن فإن الثمن هو ما بقي بعد الحطيطة، فإذا وضع مالًا يشبه في الباقي أن يكون ثمنًا فإنا نعلم أن ذلك هبة لا تتعلق باستغلاء الشقص واستصلاح ثمنه فلا يحط عن الشفيع. …

стр. 1248

(بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد) (١) كتاب القسمة (٢) الأصل في القسمة (٣) قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين﴾ (٤) الآية، وقوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (٥) وما روي عن قسمته ﷺ الغنائم وإسهامه بين العبيد المعتقين في المرض (٦) وقوله ﷺ : "كل مال أدركه قسم الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وما أدركه قسم (٧) الإسلام فهو على، قسم الإسلام" (٨) ولأن أحدا لا يجبر على مشاركة غيره إذا لم يخترها. فصل [١ - فيما يصح قسمه]: الأعيان المملوكات ضربان: ضرب يصح قسمه وضرب لا يصح قسمه،

стр. 1249

فالذي لا يصح قسمه هو: الثياب، والحيوان، والرقيق، والعروض وغيرها فهذا يصح قسمة النوع منه دون الأعيان، ولا يصح قسمة أعيان هذه الأشياء كالثوب والعبد والدابة والسفينة وما في حكم العين الواحدة كالخفين والنعلين والبابين وكل ما في قسمه إتلاف عينه أو إتلاف النفع به، فهذا النوع لا يصح قسم العين منه (١) لأن القسمة هي في إقرار الحقوق وأن يميز الإنسان حقه وينفرد به فينتفع به (٢) على ما يريده، وقسم هذه الأعيان يفيتها هذا المعنى فيجب منعه، ولأن طالب قسمة العبد والدابة والثوب والسطل وما أشبهه كأنه يقول أريد أن أتلفه على شريك ملكه وأبطل عليه الانتفاع به ولا أبالي إن أدى ذلك إتلاف ملكي فلا يُمكَّن من ذلك. فصل [٢ - إذا تشاح الشريكان فيما لا يصح قسمته]: إذا ثبت أن قسمة كل واحد من هذه الأعيان لا يصح بانفرادها فإذا تشاح الشريكان فيه ولم يتراضيا بالانتفاع به على الشياع وأراد أحدهما البيع فله ذلك فإن أجابه الآخر أن يبيع حصته معه جاز، وإن أبى أجبر على البيع معه (٣)، لأن في بيع (٤) هذا حصته عنه وحده (٥) ضررا عليه لنقص قيمتها إذا أفردت بالبيع عنها إذا بيعت بالجملة فلا يجوز أن يقال أن الشريك غير مختار لإخراج ملكه، ولا يجبر عليه لأنه إذ تعلق بذلك حق لغيره أجبر عليه ولم يلتفت إلى اختياره كالشفعة، ولأن الشركة لما لم يلزم البقاء عليها كان لمن أراد الانفراد منهما بحقه أن ينفرد به، فإن أمكن بالقسمة (٦) وإلا بالبيع لأنه لا طريق له إلا ذلك، فإذا ثبت أن الشريك يجبر على البيع بما دفع به كان له ذلك لإزالة الضرر عنه إلا إن

стр. 1250

شاء الشريك بيع حصة مشاعة فلا (١) يلزم بيع حصته معه، فإن اختار أن يتقاوما رقبة المبيع، فإن زاد على صاحبه سلمه الآخر له، هذا الحكم فيما لا ينقسم آحاده. فصل [٣ - قسمة الذي تنقسم أعيانه]: فأما الذي ينقسم أعيانه كالعقار والرباع فما أمكن قسمه منها ولم يعد بالضرر وإتلاف حصة أحد الشركاء قسم بينهم، وما لا يمكن قسمه إلا بلحوق الضرر لجماعتهم وأن يصير لكل واحد ما لا ينتفع له فلا يجوز قسمه لأن ذلك إضرار بنفسه وشركائه، وإن كان تصير لأحد الشركاء ما ينتفع به فطالب بالقسمة وفي القسم إبطال انتفاع الباقي بحصصهم، وقد قيل إن العقار إذا كان مما ينقسم قسم على كل حال إذا دعي بعض الشركاء إلى القسمة (٢). فوجه القول بأنه يقسم وإن كان يصير لكل واحد منهما ما لا ينتفع به أن القسمة هي تمييز الحقوق فمن دعي إليها كان له ذلك اعتبارًا به إذا حصل للآخر ما ينتفع به، ولأنه يقول أريد أن أنفرد بملكي وليس عليَّ شيء من غيري فيكون له ذلك، ووجه القول إنه لا يقسم قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٣) وهذا من الإضرار، ولأن قسم رقاب العروض والحيوان إنما امتنع لهذا المعنى. فصل [٤ - في أوجه القسمة]: والقسمة في الأصل على ثلاثة أوجه: قسمة مهاياة: وهي أن يتهايأ الشريكان فيأخذ هذا دارا يسكنها وهذا أرضا يزرعها فيجوز ذلك بالتراضي وليست بواجبة يجبر عليها من أباها، لأن قسمة المنافع ليست بقسمة للرقاب، وقسمة بيع: وصفتها أن يأخذ أحد الشريكين دارا على أن يأخذ أحد الشريكين دارا

стр. 1251

أخرى أو بستانًا أو دكانًا فهذه قسمة جائزة (١)، لأنها بيع ومحصولها أن أحدهما باع حصته من الدار بحصة الآخر من الدار الأخرى، والثالث قسمة قيمة وتعديل: وذلك إذا كانت الدار مختلفة البناء، والبستان مختلف الغراس يختلف قيمة كل شيء منه من نخل وشجر وبسط فإنها تعدل بالقيمة ويضرب عليها بالسهم، وصفة ذلك تقسم الفريضة وتحقق وتضرب إن كان في سهامها كسر إلى أن تصح السهام ثم يقوم كل موضع منها وكل نوع من غراسها ثم تعدل على أقل السهام بالقيمة فربما كانت جريب من موضع بإزاء ثلاثة أجربة من موضع آخر (٢) على حسب اختلاف قيم الأرض في مواضعها، فمن حصل له سهم من طرف فإن كان بقدر حقه فقد استوفاه، وإن كان أقل من حقه ضم إليه مما يليه تمام حقه (٣). ووجه ذلك: أن القيمة إذا عرفت وعدلت على أقل السهام نظر: فإن تراضوا على أن يجعل لأحدهم من طرف وللباقين من الطرف الآخر جاز، وإن تشاحوا ضرب بالسهم بينهم فمن حصل له بسهم من جهة كانت له، فإن اختلفوا بأي (٤) الجهات يبدأ في الأسهام عليه أسهم على الجهتين فأيتهما خرج سهمها أسهم عليها ثم كان الحكم فيه على ما بيناه، وصفة القرعة: أن يكتب أسماء الشركاء في رقاع وتجعل في طين أو شمع ثم ترمى كل بندقة في جهة فمن حصل اسمه في جهة أخذ حقه متصلا في تلك الجهة، وقيل تكتب الأسماء وتكتب الجهات (ثم يخرج أول بندقة من الأسماء ثم أول بندقة من الجهات) (٥) فيعطى من خرج اسمه نصيبه من تلك الجهة.

стр. 1252

فصل [٥ - في قسمة الدور والدكاكين والضياع]: إذا أراد الشريك قسمة دور أو دكاكين (١) أو ضياع: فطلب بعضهم القسم (٢) له بحقه في كل دار أو دكان، وطلب الباقون القسمة على العدد نظر: فإن كان المنافع متساوية أو متقاربة والمواضع متصلة أو متقاربة ورغبة الناس فيها غير متباعدة قسمت على العدد، وإن كانت المنافع مختلفة والمواضع متصلة (والمنافع متساوية والمواضع) (٣) متباعدة قسمت كل دار على حدة (٤)، وقال أبو حنيفة والشافعي: يقسم في الوجهين كل دار على حدتها (٥). ودليلنا أن القسمة بالعدد أنفع للفريقين وأبعد على الغرر (٦) وأعود بالصلاح لأن الدار الواحدة إذا قسمت ربما فسدت وقلَّ الانتفاع بما يصير لكل واحد منهما، وإذا حصل لكل واحد دار كاملة كمل انتفاعهم بها فكان عدولهم عن هذا إلى قسمة أجزاء الدار إيثارا للإضرار (٧) بنفسه وبالشريك فلا يترك وذلك (٨)، ولا يلزم عليه الدار الواحدة لأنه لا يمكن فيها إلا قسمة كل عين، فأما إذا كانت المنافع مختلفة مثل المسيح والنضح والدار للسكنى والأرض للزرع فإن كل ملك يقسم على حدة لاختلاف الأغراض فيه ولحوق الضرر بقسمتها على العدد، وكذلك اختلاف المواضع قائم مقام اختلاف الأغراض والمنافع.

стр. 1253

فصل [٦ - في قسمة الحمام والرحى .. ]: الحمام والرحى وكل ما لا يحتمل القسم إلا أنه إذا قسم بطل الانتفاع به من ذلك الوجه وإن كان ينتفع به لغيره ففي قسمه روايتان (١): فإذا قلنا يقسم فإن (٢) الانتفاع يحصل بقسمه ما أشبه سائر العقار، وإذا قلنا لا يقسم لأن في قسمه إبطال المنفعة المقصودة منه وإتلافها وذلك ضرر فلم يجز. فصل [٧ - في أجرة القسام]: أجرة القسام على الرؤوس دون الأنصباء (٣)، خلافًا للشافعي في قوله: إنها (٤) على الأنصباء (٥)، لأن اختلاف المقادير لا توجب زيادة في فعل (٦) القاسم بزيادة السهم بل التعب فيه واحد بل ربما تعب بتميز السهم القليل وإفراده أكثر مما يتعب بتميز الكثير، يبين ذلك أن الدار تكون فيها ثلثان وثمن فيحتاج إلى قسمتها أثمانًا ولو كانت نصفين لكان أسهل عليه، والأجرة تستحق على حسب العمل في الكثرة والقلة فإذا كان اختلاف مقادير الأنصباء يؤثر (٧) في زيادة العمل ونقصانه أو ربما أثر في القليل مثل تأثيره في الكثير أو أكثر وجب إطراح هذا الاعتبار وأن يكون معتبرا بعدد (٨) الرؤوس. فصل [٨ - في القول بأنه يقسم على أقل السهام]: وإنما قلنا يقسم على أقل السهام لأن صاحب السهم القليل يحتاج إلى إفراد

стр. 1254

حقه فلو لم يقسم على أقل السهام لم يصل إلى غرضه، وليس في ذلك إضرار بصاحب السهم الكبير لأنه يستوفي حقه متصلًا ولا يحتاج معه إلى استئناف قسمة لصاحب السهم القليل. فصل [٩ - إذا اشترك جماعة في سهم]: وإذا اشترك جماعة في سهم قسم ذلك السهم مع بقية السهام قسمًا واحدا ثم استؤنف القسم بين أهل ذلك السهم إن أرادوا (١)، لأن القسم على قدر أهل السهام وحكم أهل السهم الواحد حكم المالك الواحد فإذا انفردوا بسهمهم صار لهم حكم نفسهم ألا ترى أن الشفعة بين أهل سهمهم لا يدخل عليها (٢) أهل سهم آخر. …

стр. 1255

باب اللقيط (١) لا يتبع الصبي أمه في الإسلام خلافًا لابن وهب (٢)، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي (٣)، لأنه يتبع في الذمه أباه دون أمه فكذلك في الإسلام، ولأن كل من لا يتبعها في عقد الذمة لم يتبعها في عقد الإسلام كالجد والعم. (٤) فصل [١ - في إسلام الصغير بإسلام أبيه]: والصغير مسلم بإسلام أبيه لا بنفسه خلافًا لأبي حنيفة (٥) لأنه غير مكلف كالمجنون، ولأن كل من يتبع غيره في الإسلام لم يصح إسلامه بنفسه كالذي يقصر عن التمييز. فصل [٢ - لا يتبع اللقيط بما أنفق عليه]: ومن التقط لقيطًا فأنفق عليه فهو متطوع، وإن أراد أن ينفق عليه ويتبعه (٦) به فليس ذلك له إما أنفق عليه محتسبًا وإما تركه (٧)، وإنما قلنا ذلك لأنه فقير من فقراء المسلمين تلزم الكافة إعانته فليس له أن يجعل عليه دينا، وسواء استأذن الإمام في أن ينفق عليه أم لم يستأذنه، خلافًا لمن يقول أنه يتبعه إذا استأذن الإمام لأنه ليس للحاكم أن يلزم ذمم الصغار ديونًا يتبعون بها مع الغنى عنها، لأن النفقة على أمثال هؤلاء يكون على وجه الحسبة.

стр. 1256

فصل [٣ - ميراث المنبوذ لبيت المال]: وميراث المنبود (١) لبيت المال (٢)، لأنه مسلم لا وارث له وليس لملتقطه شيء من ميراثه، لأن الميراث لا يكون إلا بنسب أو ولاء أو نكاح وكل ذلك معدوم بين المنبوذ وملتقطه، والله أعلم وأحكم. … [انتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث إن شاء الله]

стр. 1257

(بسم الله الرحمن الرحيم) (١) كتاب الجراح (٢) الأصل في القصاص (٣) قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى .. إلى قوله … ولكم في القصاص حياة﴾ (٤) وقوله ﴿والجروح قصاص﴾ (٥) وقوله ﷺ : "العمد قود كله إلا أن يعفو ولي المقتول (٦) وقوله: "من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية" (٧)، فهذا ثبت ما ذكرناه فلا يجب القصاص إلا بأحد ثلاثة أوجه: إما ببينة، أو بإقرار، أو بقسامة، وبيان ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله (٨). …

стр. 1258

باب [- اشتراط تكافؤ الدماء في القصاص] الاعتبار في وجوب القصاص تكافؤ (١) الدماء، فإذا قتل شخص شخصًا ودماؤهما متكافئة جاز أن يجري بينهما القصاص، وإن كان أحدهما ناقصًا عن الآخر كان القصاص للأعلى منهما على الأدنى ولم يكن (٢) للأولى على الأعلى، والتكافؤ معتبر بالمساواة في الدين والحرمة الراجعة (٣) إلى الحرية: فلا يقتل مسلم قصاصًا بكافر ولا ذمي ولا معاهد ولا كتابي ولا وثني كان المسلم (٤) القاتل حرًّا أو عبدًا، ولا يقتل حر بعبد لا بعبد نفسه ولا بعبد غيره ولا بمدبر ولا بمكاتب ولا أم ولد ولا من فيه بقية رق، فإن قتل الكافر مسلما أو العبد حرًّا قتل به، ويقتل اليهودي بالنصراني والنصراني باليهودي، والكفر في ذلك ملة واحدة، ودماء بعضهم مكافئة لدم بعض. وإذا قتل ذمي ذميًّا ثم أسلم القاتل لم يسقط عنه القود، وكذلك العبد إذا أعتق وقد قتل عبدًا، وإذا جرح الكافر مسلما أو قطع طرفه لم يقتص منه وكانت له الدية عليه، وقد قال (٥): يجتهد السلطان في ذلك، ويحتمل على هذه الرواية القود، وإذا جرح العبد حرا أو قطع يده لم يستقد منه، ويحتمل على ما قدمناه أن يقاد منه وهو الصحيح. ودم المرأة مكافيء لدم الرجل وإن تفاضلا في الديات، وجرحها مكافيء لجرحه فيقتص للرجل من المرأة وللمرأة من الرجل في النفس وما دونها من الأطراف

стр. 1259

والجراح، ويقتل الرجل بالمرأة وبجماعة النساء وتقتل المرأة بالرجل وبجماعة الرجال، ولا يجب أخذ شيء من الدية ولا ردها. ودماء العبيد متكافئة وتقتل منهم الجماعة بالواحد والواحد بالجماعة، والقصاص جار بين الأقارب كجريه بين الأجانب يقتص للأخ من أخيه، ولابن الأخ من عمه وللعم من ابن أخيه، وكذلك الأقرباء سوى الأب فإنه إن قتل ابنه حذفا (١) فادعى أنه أراد أدبه وأشبه أن يكون كما أدعاه فلا قود عليه وتلزمه الدية مغلظة في ماله، وأما إن أضجعه فذبحه أو شق جوفه أو فعل به فعلًا يعلم أنه عمد به قتله به فإن عليه القود له إذا تكافأت دماؤهما، ولو قال في الحرب أو ما يقبل معه ادعاؤه أراده غير العمد أني تعمدت به قتله قتل به، وحكم الأم والجد في ذلك بحكم الأب، وقال أشهب لا يقتل أب بابن وعليه الدية، ومن تعمد قتل امرأته أو جرحها اقتص لها منه (٢). فصل [١ - في كون تكافؤ الدماء معتبر في القصاص]: وإنما قلنا إن تكافأ الدماء معتبرة في القصاص لقوله ﷺ : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" (٣)، ولإجماعهم على منع قتل المسلم بالمعاهد والمستأمن، وللاتفاق على وجوب اعتبار ذلك (٤)

стр. 1260

فصل [٢ - في منع قتل المسلم بالكافر]: وإنما منعنا قتل المسلم بالكافر، خلافًا لأبي حنيفة (١)، لقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (٢) فدل على أن دماء غيرهم لا تتكافأ، وقوله: "وهم يد على من سواهم" (٣)، وقوله: "لا يقتل مسلم (٤) بكافر" (٥) وهذا نص، ولأنه ناقص بالكفر كالحربي والمستأمن، وإنما قلنا لا يقتل حر بعبد، خلافًا لأبي حنيفة في قوله أنه يقتل بعبد غيره (٦)، ولداود في قوله إنه يقتل بعبد نفسه وعبد غيره (٧)، لقوله ﷺ : "لا يقتل حر بعبد" (٨)، ولأنه ناقص بالرق، ودليله إذا كان مملوكًا لقاتله، ولأنه نوع من القصاص فلم يستحقه العبد على الحر كالأطراف. وإنما سوينا بين العبد والمدبر والمكاتب وأم الولد لبقاء أحكام الرق فيهم، وذلك يمنع تساوي الحرم، ولأن أحكام الرق أغلب عليهم بدليل نقصان طلاقهم وحدودهم ومنعت شهادتهم فكذلك في نفي القصاص، وإنما قلنا إن الكافر يقتل بالمسلم والعبد بالحر لأن دم الأعلى يكافيء دم الناقص ويزيد عليه فإذا قتل الناقص (٩) بالأعلى فلم يؤخذ منه زيادة على ما كان يلزمه به وإنما قلنا إن سائر

стр. 1261

أنواع الكفار يقاد لبعضهم من بعض فلتساويهم في النفس بالكفر كأنواع العبيد في تساويهم في النقص بالرق (١). فصل [٣ - في كون إسلام الذمي لا يسقط عنه القود]: وإنما قلنا إن إسلام الذمي لا يسقط عنه القود خلافًا للأوزاعي (٢)، وكذلك العبد إذا قتل عبدًا ثم أعتق القاتل لأنه حق لأدمي طريقه الحد كسائر الحقوق، ولأن الاعتبار بالحدود حال وجوبها لا حال استيفائها، ووجه القول بأن المسلم لا يقتص من الكافر والحر لا يقتص من العبد في الجراح أن العضو الذي يقطعه ليس بمكافيء لأعضاء المسلم والحر فكان كيد الأشل إنها لا تقطع بيد الصحيح، ووجه ثبوت القصاص اعتباره بالنفس. وإنما قلنا إن الرجل والمرأة يجري القصاص بينهما لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاثة أشياء (٤): فذكر أو قتل نفس بغير نفس" (٥)، ولأنهما شخصان متساويان في الحرمة والدين كالرجلين والمرأتين. فصل [٤ - وجه عدم مساواة دية المرأة للرجل وثبوت القصاص بينهما في الأطراف وقتل الجماعة بالواحد وقتل الوالد بالولد]: وإنما قلنا إنه لا يزاد بينهما في الدية (٦)، خلافًا لقول من يقول إن الرجل إذا قتل المرأة رد أولياء المرأة نصف دية الرجل (٧) لأنه شخص يجب له القصاص

стр. 1262

على شخص فالتفاضل في الديات لا معتبر به كالجماعة بالواحد، وإنما قلنا إن القصاص جار بينهما في الأطراف وما دون النفس خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن يد الرجل لا تقطع بيد المرأة ولا يد المرأة بيد الرجل (١)، لقوله تعالى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢)، ولأنه نوع من القصاص كالقتل، ولأن كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس فكذلك فيما دونه كالرجلين والمرأتين، وإنما قلنا إن الجماعة تقتل بالواحدة، خلافًا لداود في قوله لا قصاص في ذلك (٣)، لقوله ﷺ : "العمد قود كله" (٤)، وقوله: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا" (٥) فعم، ولأنه إجماع الصحابة وروي عن عمر ﵁ أنه قتل سبعة بواحد وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به (٦)، وعن علي أنه قتل ثلاثة بواحد (٧)، وعن ابن عباس أنه قال: تقتل مائة بواحد (٨)، ولا مخالف لهم، ولأن كل حد وجب للإنسان على غيره إذا انفرد بموجب فإنه يجب عليه إن شارك (٩) فيه، أصله حد (١٠) القذف. وإنما قلنا يقطع أطراف الجماعة بطرف الواحد إذا اشتركوا في قطعه خلافًا لأبي

стр. 1263

حنيفة (١)، لأنها جناية (٢) لو انفرد بها الواحد لزمه القصاص فإذا اشترك فيها الجماعة لزمهم القصاص كالقتل، وإنما قلنا إن القصاص جار (٣) بين الأقارب فلأن القربى لا تمنع تكافأ الدماء، وهو العلم على وجوب القصاص، وإنما قلنا إن الأب إذا تعمد قتل ابنه قتل به لعموم الظواهر (٤)، ولأنهما شخصان متكافئان في الحرمة والدين فكان القصاص جار بينهما كالأجانب، وإنما قلنا إنه إذا ادعى أنه أراد أدبه ولم يرد قتله فإنه يقبل (٥) منه إذا أشبه لأن العادة جارية بتبسط الآباء على الأبناء (٦) وطلب تأديبهم وربما تبسطوا عليهم بالسيف على عادة العرب في شدة الحمية مع كونهم غير متهمين عليهم، فإذا جاء من ذلك قتل علم أنه ليس من سببهم، وفي حديث عمر في الذي دفع إليه وقد قتل ابنه فهمَّ بقتله فقيل له إنه لم يرد قتله وإنه كان من أعز الناس عليه وإنما أراد أدبه فقال: لو أعلم أراد قتله لقتلته به ثم ألزمه الدية (٧)، وأجرينا الجد مجرى الأب لحرمة الأبوة وانتفاء التهمة. فصل [٥ - في تغليظ الدية على قاتل ابنه وفي أن الزوج يقتل بزوجته]: إذا ثبت أنه لا قود عليه فعليه الدية مغلظة في ماله وصفة والتغليظ مذكورة في باب الديات، وإنما قلنا إن الزوج يقتل بزوجته لعموم الظواهر، والأخبار، ووجوب التكافؤ وانتفاء الشبهة كالأجانب. …

стр. 1264

باب [- في أنواع القتل، وطلب الدية من مستحق القتل] القتل نوعان عمد وخطأ، وقد اختلف عنه في نوع ثالث وهو شبهة (١) العمد فعنه فيه روايتان: إحداهما إثباته، والأخرى نفيه (٢)، ووجه إثباته وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٣)، لقوله ﷺ : "ألا إن قتيل العمد الخطأ قتيل السوط والعصى ففيه مائة من الإبل أربعون منها خلفة" (٤) فأثبت شبه العمد، ولأن شبه العمد ما قد أخذ شبها من العمد وشبها من الخطأ فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، فشبهه بالعمد قصده إلى الضرب بما لا يقتل مثله غالبا وشبهه بالخطأ أنه لم يقصد القتل، فوجب أن يكون له حكم بين الحكمين، ووجه نفيه قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (٥)، وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٦) فذكر الخطأ والعمد المحضين (٧) ولم يذكر ثالثا، ولأن العمد معنى معقول وهو قصد الفاعل إلى الفعل والخطأ معنى معقول وهو ما يكون عن غير قصد، ووجه الفعل الواحد بالوصفين يمتنع فلم يجز إثباته.

стр. 1265

اختلف عن مالك في مستحق القتل فعنه فيه روايتان (١): إحداهما أنه القود فقط ولا تجب الدية إلا بالتراضي، والأخرى أن المستحق بالتخيير بين القود والدية، والأول مذهب أبي حنيفة (٢)، والثانية مذهب الشافعي (٣)، فوجه الأولى قوله ﷺ "العمد قود كله" (٤)، وقوله: "كتاب الله القصاص" (٥)، ولأنه معنى موجب للقتل فلم يستحق به التخيير بينه وبين المال أصله الزنا مع الإحصان. ووجه الثانية قوله ﷺ : "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية" (٦)، ولأنه قود سقط بالعفو فوجب أن تثبت الدية فيه أصله إذا عفى بعض الأولياء، ولأن للنفس بدلين القود والدية فلا يستحق على ولي الدم الاقتصار على أحدهما، كما لو قتل له عبد لكان مخيرًا إن شاء قتل له قاتله إذا كان ممن يقتل به، وإن شاء استرقه. فصل [١ - الواجب في القتل الخطأ المحض وفي شبه العمد]: فأما الخطأ المحض فالواجب به الدية لا خلاف (٧)، والأصل فيه (٨) قوله
следующие страницы →