← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

مسألة [٢ - من أحيا مواتًا أو ابتاع خرابًا فعمرها ثم جاء مستحق لها]: من أحيا مواتًا أو ابتاع خرابًا فعمرها ثم جاء مستحق: فإنه يأخذ ملكه إن أحب بعد دفع قيمة العمارة قائمة، ويرجع المشتري بالثمن على بائعه فإن لم يختر المستحق ذلك قيل للثاني ادفع إليه قيمة أرضه براحًا وتكون لك فإن أبي كانا شريكين بقدر قيمة البراح من غير عمارة وقيمة العمارة قائمة (١). وإنما قلنا إن المستحق يبدأ بالخيار لأنه أقوى سببًا لكون الأرض له والمشترى أو المحيي عمر في شبهة ملك فكان صاحب الملك مقدما عليه، وإنما قلنا يعطيه قيمة البناء قائما لأنه لم يتعد في البناء فيه فيطالب بالقلع، وإنما دخل على أنه يبني في ملكه فلم يكن ظالمًا بل كان لبنائه حرمه. وإنما قلنا إنه إذا بذل القيمة لزم الثاني أخذها لأن الضرر قد زال عنه بالاستحقاق بحصول القيمة، وإنما قلنا إن القيمة تكون وقت الحكم لأن ما قبل ذلك لم يجب أخذها للمستحق. وإنما قلنا إن الخيار ينتقل إلى الثاني إذا أبى (٢) المستحق ليزول الضرر عنهما فيقال للباني (٣) ادفع إليه قيمة براحه فإن أجاب إلى ذلك وأبى المالك أُجبر على أخذه لأن الباني (٤) يقول لست أختار أن يكون لي بناء في ملك غيري فيكون له ذلك. وإنما قلنا إنهما يكونان شريكين إذا أبى كل واحد أن يدفع إلى الآخر قيمة ماله لأن كل واحد منهما له حق لا يجوز إبطال الآخر له، وليس إلا الإجبار أو البقاء على الشركة.

стр. 1192

فصل [٣ - في الاستحقاق من يد غاصب]: وأما الاستحقاق من يد غاصب قد بنى وغرس فإن المالك مخير: إن شاء قلع بناءه وغرسه، وإن شاء أعطاه قيمته مقلوعًا بعد طرح أجرة القلع (١). وإنما وجب ذلك لأن عرق الغاصب لا حرمة له لأنه (٢) عرق ظالم فكان لرب الأرض قلعه إذا اختاره وله دفع قيمته مقلوعًا إن اختار، ولا مقال للغاصب إن قال أريد عين مالي ولا أريد قيمته لأن المالك يقول لا أدعك تعور أرضي بقلع غراسها أو بنائها أو بإخرابها وإحواجي (٣) إلى عمارتها فيكون ذلك له، وإنما قلنا إنه يدفع إليه قيمته مقلوعًا لأن تبقيته غير مستحقة عليه؛ لأن القيمة في هذا الموضع بدل عن العين للغراس والبناء فلما كان للغاصب أخذه نقضًا وخشبًا كان على المالك أن يعطيه قيمته بما كان يأخذه لو أخذه، وإنما قلنا يحط عنه أجرة القلع لأن قلعه مستحق على الغاصب لأن (٤) عليه تسليم الأرض إلى المالك فارغة فيجب أن يحط عن المالك قدر الأجرة وليس للغاصب قيمة ما لا له إن قلع (٥) ولا قلعه مثل الجص الذي لا مرجوع له وإزالة النقوش والتزاويق وما أشبه ذلك لأن قلع ذلك إضرار برب الأرض ويعور أرضه من غير نفع يحصل للغاصب فلم يكن منه، ولا معتبر لقوله إن هذا غير شيئي فلي أخذه لأنه ذلك يكون له فيما ينتفع به، فأما فيما يقصد به إضرار غيره فلا يمكَّن منه والله أعلم وأحكم (٦). …

стр. 1193

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد (١) كتاب الحوالة (٢) لا خلاف في جواز (٣) الحوالة (٤)، والأصل فيه قوله ﷺ : "إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٥)، وهي في الحقيقة بيع الدين بالدين لأن المحيل باع الدين الذي له على المحال عليه من غريمه بدينه الذي كان عليه، واستثنيت من الكاليء بالكاليء وهو الدين بالدين لأن المقصود بيع الرطب بالتمر في نظائر لذلك. مسألة [١ - شروط الحوالة]: إذا أحالك غريمك بدينك الذي لك عليه على من له عليه دين لم يلزمك ذلك إلا برضاك: فإن رضيت باتباعه تحول حقك وبرئت ذمة غريمك المحيل، ولا اعتبار برضا من أحيل عليه ولا رجوع لك على من أحالك إن فات من أحلت عليه أو غاب أو أفلس إلا أن يكون غريمك علم منه حين أحالك عليه إفلاسًا فقد غرك ولم يعلمك فيكون لك الرجوع على غريمك (٦).

стр. 1194

وإنما شرطنا رضا صاحب الدين بالحوالة، خلافًا لدواد في قوله أنه يلزمه قبول الحوالة شاء أم أبى (١)؛ لأن صاحب الدين رضي بذمة غريمه دون غيرها فلا يلزمه الانتقال إلى ذمة لم يرض بها مع بقاء الذمة الأولى، ولأنه حق تعلق بذمته فلم يجبر على نقله إلى شيء آخر كما لا يجبر على نقله إلى شيء آخر (٢). وإنما شرطنا أن يكون للمحيل على المحال عليه دين لأنه إن لم يكن له عليه دين كانت حمالة لا حوالة لأن حقيقة الحوالة: بيع الدين الذي على المحال بالدين الذي للمحيل، وتحول الحق من ذمة (٣) إلى ذمة وذلك يقتضى أن يكون هناك دين تحصل الحوالة به. وإنما قلنا إن ذمة المحيل تبرأ إذا رضي صاحب الدين بالحوالة، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن له الرجوع إن مات المحال عليه مفلسا أو جحد الحق (٤)، لقوله ﷺ : "إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٥) فأطلق، ولأنها حوالة برأت ذمة المحيل بها فلم يكن له الرجوع على المحيل بها أصله إذا لم تتغير حاله، ولأن عقد الحوالة إذا انبرم منع رجوع المحال على المحيل أصله ما ذكرناه، ولأن الحوالة بمنزلة الأبراء، والقبض لأن المطالبة بالدين تسقط معها والاعتبار حادث بعد القبض فلا رجوع للمحال به. وإنما قلنا إذا غره كان له الرجوع، خلافًا للشافعي في قوله لا رجوع له (٦)، لقوله ﷺ : "وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٧) وهذا غير مليء، ولأن

стр. 1195

المحال إنما أبرأ المحيل على شرط وهو علمه بسلامة ذمة من يحمله (١) عليه، وإذا غره كان له الرجوع لأنه قصد إتلاف ماله. وإنما قلنا إن رضا من يحال عليه غير معتبر، خلافًا لداود في قوله لا تلزمه حوالة صاحب الدين لغيره إلا برضاه (٢)، لقوله ﷺ : "وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٣) ولم يشرط رضاه، ولأن الحق هو للمالك (٤) له أن يملكه من شاء وينقله إلى ملك من يختاره وكسائر الحقوق. …

стр. 1196

باب: الحمالة (١) الأصل في جواز الحمالة (٢) قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٣)، وقوله ﷺ "الزعيم غارم" (٤)، ولأنها وثيقة بالحق كالرهن، ولا خلاف في جوازها (٥)، ولها عبارات هي الحمالة والكفالة والضمان والزعامة كل ذلك بمعنى واحد. فصل [١ - فيما تجوز فيه الحمالة]: وهي جائرة بكل حق يكمن استيفاؤه من الضامن (٦) لأن فائدتها قيام الضامن مقام الغريم في شغل ذمته بالحق للذي عليه، ولا يجوز في الحدود لتعذر هذا المعنى فيها وإن استيفاءها من الضامن غير جائز. فصل [٢ - الكفالة بالوجه]: الكفالة بالوجه (٧) جائزة (٨) خلافًا للشافعي (٩)؛ لأنها وثيقة بالحق كالرهن، ولأنه سبب يتوصل به إلى ماله على طريق الوثيقة كالوثيقة بالمال، ولأن على من عليه المال أن يحضر أو يوكل من يحضر، وإذا ثبت أن ذلك عليه

стр. 1197

صح أن يضمن عنه، ولا يلزم عليه الحدود ولا (١) يقال إن عليه أن يحضر ويقتل أو يحد (٢). فصل [٣ - متى يبرأ في الكفالة بالوجه]: إذا ثبت جواز الكفالة بالوجه: فإن جاء الكفيل بالمتكفل به فقد بريء، وإن لم يأت به غرم ما عليه، لقوله ﷺ (٣): "الزعيم غارم (٤) " لأن الفائدة في الحمالة بالوجه استيفاء الحق من الحميل إن لم يمكنه إحضار الغريم بدليل امتناع الكفالة (٥) في الحدود لتعذر هذا المعنى فيها، وسواء شرط ذلك عليه (٦) أم لا في أنه يكون ضامنًا للمال (٧) إلا أن يشترط أني متكفل بوجهه، فإن هرب لم يكن على من المال الذي عليه شيء فلم يلزمه حينئذ بشرطه إلا أن يمكنه إحضاره فيفرط فيلزمه بتفريطه لأنه كمن تعمد إتلاف مال غيره، ولو مات المتحمل بوجهه لم يلزم الحميل شيء بشرط أنه غير متحمل بالمال أو أطلق لأنه لا صنع له في موته فينسب إلى تفريط. فصل [٤ - الضمان لا يبريء ذمة المضمون عنه]: الضمان لا يبريء ذمة المضمون عنه (٨)، خلافًا لابن أبي ليلي (٩) لقوله

стр. 1198

- ﷺ : "نفس المؤمن مرتهنة بدينه متى يقضى عنه" (١)، ولأن الضمان مأخوذ من الضمن وهو شغل ذمة أخرى بالحق بخلاف الحوالة التي هي مأخوذة من تحول الحق، ولأنها وثيقة فلم يبرأ بها من عليه الحق كالرهن. فصل [٥ - فيما تصح فيه الحمالة]: يصح (٢) في المعلوم والمجهول (٣) خلافًا للشافعي (٤)، لقوله ﷺ : "الزعيم غارم" (٥) ولم يفرق، ولأنه تطوع بإلزام نفسه ما لم (٦) يكن يلزمه على وجة المعروف فجاز كالنذر (٧). فصل [٦ - جواز الضمان عن الميت]: الضمان عن الميت جائز إذا خلَّف (٨) وفاء من غير خلافًا، ويجوز عندنا أن يضمن عنه وإن لم يخلف وفاء (٩)، خلافًا لأبي حنيفة (١٠)، لحديث أبي قتادة (١١) في الرجل الذي مات وعليه ديناران فامتنع النبي ﷺ من الصلاة عليه

стр. 1199

فلما ضمنها أبو قتادة صلى عليه (١)؛ لأن كل دين لو كان به وفاء صح ضمانه فإنه يصح وإن لم يكن به وفاء أصله الضمان عن الحي. فصل [٧ - براءة ضمين المال ومطالبة الكفالة]: لا يبرأ ضمين المال إلا أن يحضر وجه المتكفل به لأن التكمل يغير وجهه (٢) والبراءة إنما تكون بخروجه مما تكفل به، واختلف عنه في مطالبة الكفيل مع القدرة على أخذ الحق من الغريم فعنه في ذلك ثلاث روايات (٣): إحداها أن له ذلك وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٤)، والأخرى أن ليس له مطالبة الكفيل إلا أن يتعذر أخذ الحق من الغريم وهو قول عبد الملك، والثالثة أنه ابتدأ بمال الغريم فإن وفى لم تكن له مطالبة الكفيل، فإن عجز أخذ باقي الحق من مال (٥) الكفيل، وهذا على التحقيق ليس برواية ثالثة وإنما رجوع إلى الثانية. فوجه الأولى قوله ﷺ : "الزعيم غارم" (٦) ولم يفرق، ولأنها حال ضمان كحال إفلاس الغريم، ولأن الضامن أقام نفسه مقام الغريم في شغل ذمته بالحق على الوجه الذي كانت ذمة الغريم مشغولة به فإذا كان له مطالبة الغريم فكذلك له مطالبة الكفيل. ووجه الثانية ما احتج به أحمد بن المعذل وهو الضمان في العادة إنما هو لحفظ الحق من التوى (٧) والهلاك، ولم يوضع لأن يكون الضامن كالغريم في أصل المطالبة فإذا صح ذلك لم تكن له المطالبة إلا على الوجه الذي عليه دخل الضامن.

стр. 1200

فأما الثالثة فمرتبة على ذلك وذلك أنه يبدأ بمال الغريم لأنه أحق بالمطالبة فإن وفى به سقط عن الضمين، وإن عجز تمم من مال الضمين لأن استيفاءه متعذر من الغريم وهذه فائدة الضمان. فصل [٨ - في موت الضمين دون حلول الحق]: وإذا مات الضمين دون حلول الحق (١) ففيها روايتان (٢): إحداهما أن المال يؤخذ من تركة الضمين فيدفع إلى صاحب الدين ويرجع به ورثة الضمين على المضمون عنه فيأخذونه منه عند أجله، والثانية أنه يؤخذ قدر الحق من تركته فيعزل إلى أن يحل الأجل فإن (٣) أمكنه أخذه من الغريم رد على ورثته الضمين، وإن تعذر ذلك أخذ حينئذ من مال الضمين، والأولى مخرجة على أن له أن يطالب في حلول الحق أيهما شاء لأن موت الضمين يحل الحق عليه، والثانية مبنية على أنه ليس له مطالبة الضمين إلا أن يتعذر أخذه من الغريم، وإنما يعزل لئلا يتلفه الورثة. فصل [٩ - بطلان الحمالة بالكتابة]: الحمالة بالكتابة لا تصح (٤) لأنها ليست بدين ثابت مستقر، ولأن العبد إن عجز رق وانفسخت الكتابة. فصل [١٠ - إذا قال: له داين فلانًا وأنا ضامن]: وإن قال: لرجل داين فلانًا وأنا ضامن لما تعطيه جاز ذلك ولزمه ضمان ما يداين به مثله (٥) وذلك مبني على ثلاثة أصول: أحدها أن ضمان الحق قبل وجوبه جائز كقوله ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه وقد ذكرناه في الرهن،

стр. 1201

والثاني أن ضمان المجهول جائز وقد قدمناه، والثالث أن الإطلاق في مثل ذلك (١) محمول على العادة دون ما يخرج عنها. …

стр. 1202

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﷺ (١) كتاب الوكالة (٢) تصح الوكالة من الحاضر والغائب والرجل والمرأة (٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنها لا تصح إلا من غائب أو مريض أو امرأة غير برزة (٤)، لأن عليا ﵁ وكل عقيلا (٥) وقال: هذا عقيل ما قضي عليه فعلي وما قضي له فلي (٦) ولم ينكر ذلك أحد، ولأن كل وكيل صح مع الغيبة صح مع الحضور أصله توكيل المريض، ولأن كل وكالة صحت برضا الموكل عليه (٧) صحت وإن لم يرض كوكالة الغائب والمرأة غير البرزة. فصل [١ - عدم افتقار التوكيل إلى حضور الخصم]: لا يفتقر التوكيل إلى حضور الخصم، وكذلك إثبات الوكالة عند الحاكم (٨) خلافًا لأبي حنيفة في منعه ذلك إلا أن تتعلق الخصومة بحاضر مثل أن يدعي

стр. 1203

على جماعة فيحضروا واحدًا منهم ويغيب الباقون (١)، لأنه توكيل في استيفاء حق فلم يكن من شرطه حضور الموكل عليه أصله إذا وكله على جماعة فحضر واحد وغاب الباقون، ولأنها استنابة فيما تصح فيه النيابة لم يفتقر إلى حضور الغير كالتوكيل في البيع. فصل [٢ - فيما تجوز فيه الوكالة]: الوكالة جائزة في كل الحقوق التي تصح فيها النيابة من البيع والشراء، والإجارة، وعقد النكاح، والطلاق، واقتضاء الدين (٢) وقضائه، وخصومة الخصم؛ وتزويج الولي (٣) وغير ذلك مما يجري مجراه (٤). فصل [٣ - إذا استوفى الوكيل ما أمر بابتياعه]: إذا استوفى الوكيل ما أمر بابتياعه (٥): فإن كان بثمن مثله جاز (٦) وقال الشافعي لا يجوز (٧)، وكذلك عندنا للوصي والأب أما الدلالة على جواز ذلك للوصي وللأب فلقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٨)، ولأنه إنما أقيم للنظر في مال من يلي عليه فإن كان الذي يشتريه بزيادة فذلك أحظ لليتيم وأسوأ أحواله أن يكون كالأجنبي، وأما الوكيل فلأن غرض الموكل توفير الثمن دون أعيان المشترين ولأن ذلك هو المقصود فيجب بحصوله أن يصح.

стр. 1204

فصل [٤ - فيما يجوز للوكيل وكالة مطلقة من بيعه]: إذا وكله في البيع وكالة مطلقة لم يجز له أن يبيع إلا بثمن مثله نقدًا بنقد ذلك البلد، فإن باع بما لا يتغابن الناس بمثل أو بتأخير أو بنقد يخالف نقد البلد لم يلزم ذلك الموكل إلا برضاه، وكذلك لو وكله في شراء شيء وكالة مطلقة لم يكن له أن يشتريه إلا بثمن مثله (١)، وقال أبو حنيفة: يجوز في البيع أن يبيع إلى أجل ويغير نقد البلد وبنقصان من ثمن المثل أو بما لا يتغابن الناس بمثله (٢)، ووافقنا فيه إذا وكله بشراء عبد أنه ليس له أن يشتريه بأكثر من ثمن مثله ولا إلى أجل. فدلينا على أنه لا يجوز بيعه بما لا (٣) يتغابن الناس بمثله أنه توكيل في مساومة (٤) فلم يجز فيه التغابن المتفاوت كالتوكيل في الشراء، ولأن المحاباة في حكم الهبة بدليل اعتبارها من الثلث حال المريض ومنعها للوارث، وقد ثبت أن الوكيل ليس له هبة الشيء الذي وكل فيه وكذلك لا يملك المحاباة فيه، ودليلنا على أنه لا يجوز أن يبيع نساء ولا بغير نقد البلد أن التوكيل (٥) إنما كان في بيع مطلق والبيع في الشرع يقتضي النقد بنقد البلد: كما لو قال رجل بعني هذا الثوب بمائة درهم فقال بعتكه لكان هذا الإطلاق يقتضي التعجيل بنقد البلد، إنما قلنا إنه يكون بالخيار لأن من باع ملك (٦) غيره أو وهبه وقف على إجازته وقد ذكرناه في البيوع.

стр. 1205

فصل [٥ - إذا وكله في قبض دين له على رجل]: إذا وكله في قبض دين له على رجل أو وديعة عنده فصدَّق الغريم الوكيل وليس للوكيل بينة لا يجبر الغريم على دفع الشيء إلى الوكيل (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه يجبر إذا كان الحق في الذمة ولا يجبر إذا كان في غير ذمته (٢)، ولأنه لا يلزم الغريم أن يدفع إلا ما يبرأ به بدليل أنه لو كان عليه حق فطالبه صاحبه به كان له أن يمنعه حتى يحضر الوثيقة وتسقط شهادة الشهود، والدفع بالإقرار لا يبرأ به بدليل أن صاحب الدين (٣) لو جحد الوكالة لزمه دفعه إليه ثانية، وإذا كان كذلك لم يلزمه الدفع، وتحريره أن يقال: كل من لم يبرأ بالدفع إليه لم يجبر على دفعه إليه كالأجنبي، ولأنه أقر على غيره بالتوكيل فلم يلزم بحكم ذلك الإقرار تسليم ما في يده إلى الوكيل اعتبارًا بما في يده من العين. فصل [٦ - إذا دفع الدين إلى من يعترف بأنه وكيل]: إذا ثبت أنه لا يجبر على الدفع إلى من يعترف بأنه وكيل بغير بينة على الوكالة، فلو (٤) اعترف له صاحب الحق فقد بريء وإن أنكر الوكالة وأقر قبض الحق بريء الغريم (٥) أيضًا لأن ثبوت الوكالة ليس بشرط في الإبراء، كما لو بعث به الغريم على يد رسول ابتداء واعترف صاحب الحق بقبضه لبريء الغريم فإن أقر صاحب الحق (٦) بالوكالة وأنكر أن يكون الغريم دفع الدين (٧) إلى

стр. 1206

الوكيل لم يلتفت إلى أقوال الوكيل بالقبض وإنكاره ولزم الغريم إقامة البينة بالدفع إلى الوكيل، فإن لم يقم بينة غرم في ذلك لصاحب الحق لأن الغريم هو الذي أتلف ماله لأنه حين دفعه إلى من يُبْرَأ بالدفع إليه وكذلك لو كانت الوكالة ببينة فدفع الغريم إلى الوكيل بغير بينة وأنكر صاحب الحق فإن الغريم يغرم المال لأن إقرار الوكيل بالقبض غير مقبول على الموكل لأن الوكيل أمين فيما بينه وبين موكله لا فيما بينه وبين غيره، وإذا كان كذلك فإن الغريم يغرم المال ثانية وله إحلاف صاحب الحق أنه لم يقبضه ولم يعلم بدفع الحق إلى وكيله فإن ادعى الوكيل (١) أنه دفع المال إليه ببينة وأقامها فإن الغريم يبرأ بذلك، ولا يحتاج إلى إقامة بينة على الدفع إلى الوكيل لأن البينة قد شهدت بقبض صاحب الحق (بحقه فإن ادعى الدفع إلى صاحب الحق) (٢) بغير بينة فلا يلزم ذلك صاحب الحق على ما بيناه. فصل [٧ - في كون الوكيل مؤتمن فيما بينه وبين موكله]: الوكيل مؤتمن فيما بينه وبين موكله: فإن ادعى رد ما (٣) أودعه أو أسلمه إليه ليشتري به أو ليدفعه إلى غيره أو على أي وجه كان صدق مع يمينه، فإن وكله بقبض دين وادعى أنه قبضه وسلمه إلى موكله أو أنه ضاع منه قبل تسليمه إلى الموكل: فإن ثبت قبضه إياه ببينة من الغريم (٤) صدق في الضياع وفي إقباض الموكل، وإن لم يثبت ذلك إلا بإقراره أو بإقرار الغريم فالذين باق (٥) على الغريم لا يبرأ إلا ببينة على دفعه إلى الوكيل على ما بيناه، ولو وكله على أن يقبض (٦) عنه دينا لم يكن له أن يدفعه إلا ببينة فإن دفعه بغير بينة لم يبرأ الوكيل

стр. 1207

إن جحد صاحب الحق (١) ويغرم الوكيل لأنه أتلف على الموكل ماله بترك التوثق، وعليه أنه لا يبرأ (٢) بذلك وليس له أن يتلف ماله، وكذلك الوصي يقضي غرم الميت (٣) بغير بينة فهو ضامن لأنه أتلف ذلك على الأصاغر (٤). فصل [٨ - في حكم عقد الوكالة]: الوكالة عقد جائز وليس من العقود اللازمة، وفائدة ذلك أن لكل واحد من المتعاقدين الخروج من العقد أي وقت شاء من غير اعتبار برضا الآخر ولا خلاف أن الموكل له عزل الوكيل حضر الوكيل أم غاب، وكذلك للوكيل عندنا عزل نفسه عن الوكالة مع حضور الموكل وغيبته، خلافًا لأبي حنيفة في قوله ليس ذلك للوكيل إلا مع حضور الموكل (٥)؛ لأنه عقد (٦) لا يفتقر إلى شخص فلم يفتقر إلى حضوره كالطلاق والعتاق (٧) بعكسه البيع، ولأنه أحد متعاقدي الوكالة فلم يقف فسخه على حضور الآخر كالموكل. فصل [٩ - إذا تصرف الوكيل بعد علمه بعزل الموكل له]: إذا تصرف الوكيل بعد علمه بعزل الموكل له فتصرفه باطل ويضمن ما أتلفه (٨) له لتعديه، وإن علم ذلك غريم أو معامل للموكل لم يجز تسليمه لشيء مما كان

стр. 1208

يجوز له أن يسلمة بحق الوكالة إلى الوكيل: فإن فعل ذلك لم يبرأه وضمن من نغير اعتبارًا بعلم الوكيل، فأما إذا تصرف الوكيل بعد ثبوت عزل الموكل له ببينة أو بموته والوكيل لا يعلم فاختلف فيه: فقال ابن القاسم تصرفه مردود، وقال غيره من أصحابنا تصرفه صحيح (١)، فدليلنا على البطلان أن العزل معنى يسقط الوكالة فلم يختلف بعلم الوكيل بموجبه (٢) وجهله أصله الموت. فصل [١٠ - إذا وكله في شراء جارية أو ثوب أو عبد ولم يصفه له]: إذا وكله في شراء جارية للوطء أو الخدمة أو تزويج أو شراء ثوب أو عبد لم يصفه له جاز، ويلزمه (٣) من ذلك ما يشبه دون ما لم يشبه (٤) لأن إطلاق الوكالة يقتضي ما يشبه، فإذا ادعى غيره لم يقبل منه لأنه خلاف العرف كما لو ادعى في بيع سلعة أنه وكله في بيعها بما لا (٥) يتغابن الناس بمثله لم يصدق لأنه خلاف العرف. …

стр. 1209

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد (١) كتاب الإقرار (٢) إذا أقر بمال ولم يذكر مبلغه اختلف أصحابنا (٣) فيه: فمنهم من قال يرجع في تفسيره إليه فيلزمه قدر ما يقربه من قليل أو كثير ولو قيراط أو حبَّة وهو قول الشافعي (٤)، ومنهم من قال يجيء على أصول مالك أن يلزمه ربع دينار إن كان من أهل الذهب وثلاثة دارهم إن كان من أهل الورق، وذكر عن ابن المواز أنه يلزمه عشرون دينارا إن كان من أهل الذهب أو مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وقال: بعض أصحابنا ويجيء على هذا أن يلزمه إن كان من أهل الإبل والبقر والغنم أول نصاب منهما. فوجه القول بنفي التقدير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٦) ولا خلاف أن هذا ينتظم القليل والكثير، ولأن هذا الاسم لجنس ليس له تقدير في شرع ولا لغة فوجب أن يلزم الاسم لقليله وكثيره. ووجه القول بمراعاة نصاب القطع إنه لما عدم المقدار من جهة المقر وكان لنا سبيل إلى تقديره وجب تقديره ولا يجب نفيه لنفي المقر ووجدنا المقادير تعلم من

стр. 1210

ثلاثة أوجه: إما لغة، أو شرعًا، أو عادة وقد انتفت من طريق اللغة والعادة وثبتت من طريق الشرع في مواضع منها نصاب الزكاة، ومنها تقدير المهور، والقطع فأخذنا بأقل المقادير لأنه المتيقن وأول ما يتناوله الاسم، ووجه اعتبار نصاب الزكاة أن اسم المال لما كان لا يكفي فيه الجنس ووجدنا العادة تمنع إطلاق الإِسلام على ثلاثة دراهم أو ربع دينار وهي أن تكن (١) فيها تقدير فإنها لا تثبت الإسم إلا في حد من الكثرة فكان أولى المقادير ما اتفق عليه العادة من طريق الجملة والشرع من طريق التفضيل وهو مائتا درهم أو عشرون دينارًا. فصل [١ - إذا أقر بمال عظيم أو كثير]: إذا أقر بمال عظيم أو كثير: فمن أصحابنا من قال: هو بمنزلة مال على التحديد ويرجع في تفسيره إليه (٢) وهو قول الشافعي (٣)، ومنهم من قال: ثلاثة دراهم أو ربع دينار، ومنهم من اعتبر نصاب الزكاة، ويحتمل عندي قولين زائدين على هذا أحدهما: ألف دينار وهو قدر الدية، والآخر ما زاد على نصاب الزكاة. فوجه القول بأنه لا حد في ذلك أن وصف الشيء بالعظم لا يفيد حدا لأنه يختلف بإضافته إلى ما دونه وإلى ما فوقه وإذا كان كذلك لم يكن ها هنا طريق بتقديره فوجب الرجوع إلى تفسيره. ووجه اعتبار نصاب القطع أنه قد ثبت أن وصفه بالعظيم يقتضي صفة زائدة على الاسم وإن قوله (٤) عظيم يفيد ثبوت زيادة (٥) على ما دونه، ومتى رجعنا في تفسيره إليه ففسره بأقل ما يقع عليه اسم المال مثل حبَّة وقيراط لم يستحق

стр. 1211

الاسم لأنه ليس دون لكون هو أعظم منه، فإذا ثبت ذلك وجب تقديره بزيادة عليه وقد ثبت اسم العظم لما يقطع فيه اليد ويستباح به البضع في مواضع منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) يريد المهر (٢)، وقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ لا يقطع في التافه وكان يقطع في ربع الدينار (٣)، فثبت أن هذا ليس بتافه، والتافه هو اليسير الحقير الذي لا قدر له وإذا انتفى هذا الاسم عنه دخل في أول اسم العظم. ووجه اعتبار نصاب الزكاة أن ذلك إنما ضرب لأنه أقل لما (٤) يحتمل المواساة، وما دونه لا يحتمل ذلك لضعفه عنه وإذا كان كذلك فإن تقديره بهذا أولى، والذي ذكرته أقوى في الاحتمال وأولى في التقدير من كل هذا لأنه إذا ثبت أن العظيم يتضمن أن هناك دونه امتنع قول من يعتبره بأنه يرجع إلى ما يقربه، وإن كان (٥) حبَّة أو فلسا لأنه لا شيء في الحقر والدناءة أقل من هذا وذلك ينافي في وصفه بالعظم وهذا واضح الفساد وإذا بطل ذلك وجب التحديد، ثم رجعنا إلى قول (٦) من حده بربع دينار وبعشرين دينارًا فوجدنا من يذهب إلى ذلك إقراره بأن له مالًا مجردًا عن ذكر العظم والكثرة فلم يجز أن يكون الموصوف بالعظم والذي لم يوصف به بقدر (واحد فلم يكن بد من زيادة عليه، فإذا ثبت ذلك وجب أمرين: إما (٧) تقدير يوصف بأنه عظيم وكثير وهو الدية لأنا لا نختلف

стр. 1212

أنها لا يتقدر بها اسم المال على الإطلاق فوجب أن يكون مقدارًا لما يسمى مالًا عظيما أو أن يلزمه زيادة على المقدار الذي يلزمه بمجرد قوله له: عليَّ مال وتكون الزيادة مؤثرة بحسب (١) العرف في وصف ذلك المقدار بالعظم (٢) ويرجع في تقديره إليه. فصل [٢ - إذا أقر بأن عليه دراهم أو دنانير]: إذا قال له: عليَّ دراهم أو دنانير لزمه له ثلاثة دراهم أو ثلاثة دنانير وهذا مبني على أصل مالك ﵀ أن أقل الجمع ثلاثة، ودليلنا عليه أن أهل العربية قسموا الأسماء إلى آحاد وتثنية وجمع وجعلوا لكل قسم من ذلك صيغة وعادة موضوعة (٣) له تفيد معناه دون غيره: فقالوا: رجل ورجلان ورجال، وإن جاز اتفاق التثنية والجمع في كتابات (٤) أخر فغير منكر أن يتجوَّز بذلك كما يجوز كناية الجمع على الواحد، ويجب على قول من يقول من أصحابنا أن أقل الجمع اثنان يلزمه درهمان وهو قول عبد الملك وابن الماجشون (٥). فصل [٣ - إذا أقر له بدراهم كثيرة]: ولو قال له دراهم كثيرة: فذكر ابن عبد الحكم لأصحابنا فيها قولين: أحدهما ما زاد على ثلاثة دراهم، والآخر أنه يلزمه تسعة دراهم، وبعض شيوخنا الذين درسنا عليهم يقول: يلزمه مائتا درهم (٦)، وقال أبو حنيفة تلزمه عشرة دراهم (٧)، وقال الشافعي تلزمه ثلاثة دراهم (٨).

стр. 1213

ودليلنا على فساد قول أبي حنيفة والشافعي، أن الإقرار يتضمن (١) مالًا بصفة وهي الكثرة فلم يكن بد من اعتبارها، وقد ثبت أنه لو لم يصفه بذلك للزمه هذا القدر، وكذلك لو وصفه بالقلة للزمه أيضًا ثلاثة دراهم، وبقي (٢) في هذا أمران فاسدان: إما أن يفيد وصفه بالقلة والكثرة فائدة واحدة وذلك باطل، أو أن يلغي الصفة ولا يؤخذ بها وذلك أيضًا باطل، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا ما قلناه من زيادة على ما يتضمنه (٣) إقراره بدراهم مجردة عن صفة الكثرة، فإذا تقدر هذا فوجه القول بأنه يلزمه زيادة على الثلاثة دراهم (٤) اتفاقنا على أنه لو أقر بدراهم قليلة لكانت ثلاثة، فوجب أن يفيد إقراره بالكثرة زيادة على ما يفيد إقراره بالقلة وليس في الكثرة حد فيرجع في ذلك إليه. ووجه القول بأنه تسعة دراهم أن وصفها بالكثرة مبالغة (٥) في زيادة المقدار والتباعد عن القلة فوجب أن يضاعف ثلاثة أضعاف: أعني يكون مثلها ثلاث مرات لأن الكثرة اسم يجمع الكثير فلما كان اسم الدراهم يفيد في الأصل ثلاثة لكونه أقل الجمع فكذلك الكثيرة قد ما يقع عليه اسم الدراهم ثلاث مرات، ووجه قول شيخنا إنه يلزمه مائتا درهم هو أن من أصله (٦) إذا قال علي مال عظيم إنه يلزمه مائتان وعظيم وكثير واحد فكذلك إذا قال دراهم عظيمة أو كثيرة. فصل [٤ - إذا أقر له بدراهم لا قليلة ولا كثيرة]: ولو قال: له علي دراهم لا قليلة ولا كثيرة قال محمَّد بن عبد الحكم يلزمه أربعة (٧) ووجه ذلك أنه نفي عنها القلة. وجب بذلك زيادتها على الثلاثة التي لو وصفها بالقلة للزمته، وإذا وجب ذلك لزمه زيادة جزء من أحاد ما أقربه

стр. 1214

فتكون أربعة، وذلك يحتمل وجهًا آخر وهو أنه يلزمه زيادة على الثلاثة ويرجع في ذلك إلى تفسيره على القول بأنه إذا قال له علي دراهم كثيرة لزمه زيادة على الثلاثة ويرجع إلى تفسيره، وكان هذا أولى لأن الغرض خروج الدراهم المقر بها عن اسم القلة. فصل [٥ - إذا أقر له بدريهمات أو دنيرات]: إذا قال: له علي دريهمات أو دنيرات فهو بمنزلة دنانير ودراهم لأن التصغير لا يؤثر في المعنى عن أصله. فصل [٦ - إذا أقر له بقوله: عليَّ ألف ودرهم]: إذا قال: له علي ألف ودرهم (١) قال شيوخنا يلزمه الدرهم (٢) الذي عليه ويرجع في تفسير الألف إليه، ولم يكن قوله ودرهم تفسيرا للألف، ويقال له سمّ ألف شئت فأي نوع فسره به لزم بقوله وآخذ به جملة من غير تفصيل، وكذلك لو قال ألف ودينار أو وثوب أو وعبد ودابة وغير ذلك (٣). وقال أبو حنيفة: (٤) إن كان المفسر المعطوف به على الألف مما يكال أو يوزن أو يباع عددا كالدراهم والدنانير والطعام وغير ذلك كان تفسيرًا للألف فإن كان مما يباع بعينه لا بمقدار من وزن أو كيل أو عدد كالثياب والعبيد لم يكن تفسيرًا (لها، ودليلنا أن كل ما لزم به حق بنفسه لم يكن تفسيرًا) (٥) لما تقدمه أصله إذا قال: له علي ألف وثوب، ولأن العطف قد يكون عطفًا على الجنس وعلى غير الجنس فلا يقضى بالمحتمل ووجب الرجوع في تفسيره إلى المقر.

стр. 1215

فصل [٧ - إذا أقر بأنه غصب له شيئًا]: إذا قال غصبت له شيئًا أو له عندي شيء: رُجع في تفسيره إليه وقبل منه ما يقع عليه اسم الشيء، وكذلك إذا أقر بثوب أو عبد حلف على ما يقربه إن أنكره .. المدعى عليه، وفروع هذا الباب كثيرة (١). فصل [٨ - إذا أقر بكذا درهمًا]: إذا قال له علي كذا درهما (٢): قال محمد بن عبد الحكم: تلزمه عشرون درهما، وإن قال كذا وكذا درهمًا لزمه أحد عشر درهمًا، (فإن قال: كذا وكذا درهمًا لزمه أحد وعشرون درهمًا) (٣)، وقال الشافعي: في قوله كذا وكذا أنه يلزمه درهما واحدًا (٤)، وفي قوله: كذا وكذا تلزمه درهمان (٥)، ودليلنا أن قوله: كذا وكذا (٦) لا يطلق إلا على عدد ولا يراد به درهم واحد هذا ظاهر الاستعمال في عادة اللغة فبطل حمله على درهم واحد (٧)، وإذا بطل ذلك فقد علمنا أن الكناية تفسرها بما لو صرح به لصح (٨) ولم يمتنع وأول عدد يصح أن يقال (٩) فيه درهمًا أحد عشر فحملناه عليه، وإنما حملنا كذا درهما على عشرين لأنه أول عدد مستقل بنفسه (١٠) يقال فيه درهمًا، وحملنا كذا وكذا على أحد وعشرين لأن ذلك متيقن لكونه أقل ما في باله وما زاد عليه مشكوك فيه.

стр. 1216

فصل [٩ - إذا أقر له ببضعة عشر درهمًا]: إذا قال: له عليَّ بضعة عشر درهمًا كان له ثلاثة عشر درهمًا (١) لأن البضع من الثلاثة إلى التسعة، وقيل في قوله تعالى: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾ (٢) أنه سبع (٣). فصل [١٠ - إذا قال: له عليَّ ثوب في منديل أو في صندوق]: إذا قال: له عليَّ ثوب في منديل أو في صندوق كان مقرًا بالثوب دون الوعاء، ولو قال: له عندي عسل في زق (٤) لكان مقرًا بالعسل والزق، وفرق أصحابنا بينهما بأن العسل يفتقر إلى الوعاء لأنه لا يمكن أخذه إلا في وعاء والثوب يمكن أخذه بغير منديل فلم يتضمن الإقرار به إقرارا بظرفه (٥). فصل [١١ - في صحة الاستثناء من غير الجنس]: يصح الاستثناء من غير الجنس وصورته: أن يقول له عليَّ ألف درهم إلا ثوبا أو عبدا أو دابة فيقال له أذكر قيمة العبد أو الثوب الذي استثناه، ويكون مقرًا بما فضل من الألف عن قدر قيمته (٦)، وقال أبو حنيفة يجوز ذلك فيما يكال أو يوزن ولا يجوز فيما لا يكال ولا يوزن (٧)، مثلا (٨): أن يقول له عليَّ ألف درهم إلا كر حنطة فيلزمه، ولو قال ألف إلا دابة لم يصح، وقال

стр. 1217

زفر لا يصح استثناء من غير الجنس، ودليلنا على جوازه ورود اللغة به قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (١)، وقال الشاعر (٢): وبلدة ليس بها أنيس .. إلا اليعافير وإلا العيس ولا يقال لشيء من هذا أنيس؛ وقال آخر (٣): وما بالربع من أحد إلا الأواري، ودليلنا على أنه لا فرق بين ما يكال ويوزن وبين غيره أن أهل اللغة لم يفرقوا بين ذلك ولا اعتبروا هذا الفرق، واعتبارا بما يكال ويوزن. فصل [١٢ - في استثناء الأكثر من الأقل]: استثناء الأكثر من الأقل (٤) يجوز خلافًا لعبد الملك وغيره (٥)، ولأن معنى الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب تناوله له وهذا يصح في الكثير إذا أخرج (٦) عن القليل كصحته في القليل إذا أخرج (٧) من الكثير، وليس فيه إلا أن استعمالهم له يقل أو يستقبح وذلك لا يمنع تعلق الأحكام به، ولأنه لو قال بعتك هذه الدار إلا خمسة أسداسها لصح ولكان بيعا للسدس، وكل استثناء صح في البيع صح في الإقرار كالقليل (٨).

стр. 1218

فصل [١٣ - إذا قال: لزيد علي مائة درهم ثم قال بعد ذلك لزيد على مائة درهم]: إذا قال: لزيد علي مائة درهم ثم قال: بعد ذلك لزيد علي مائة درهم فإنهما مائة واحدة كان في ذلك المجلس أو في مجلس آخر (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه إن كان في مجلس آخر لزمه مائتان (٢)، لأنه أعاد الإقرار على لفظه ومعناه فلم يلزمه بمجرد الثاني حق أصله إذا كان ذلك في المجلس. فصل [١٤ - إذا قال: لفلان علي ألف درهم وفلان أو فلان]: إذا قال: لفلان علي ألف درهم وفلان (٣) أو فلان: فنصف ألف للمقر له أولا والنصف الباقي بين المشكوك فيهما (٤)، وذلك أن الأول غير مشكوك فيه وإنما الشك فيمن يحصل شريكًا له في الإقرار، والشك لا يقدح في الإقرار الأول وإنما يقدح في الاثنين الآخرين فيكون بينهما. فصل [١٥ - إذا قال: لفلان علي ألف درهم وإلا فعبدي حر]: إذا قال: لفلان علي (٥) ألف درهم وإلا فعبدي حر لزمه الألف لأن قوله وإلا فعبدي حر حلف على تقرير الإقرار. فصل [١٦ - إذا قال: له علي دينار ولم يبين]: إذا قال: له علي دينار ولم يقل جيدا ولا رديا ولا وازنا ولا ناقصًا ومات حكم عليه بدينار جيد وازن بنقد ذلك البلد (٦) لأن إطلاق الكلام محمول على

стр. 1219

التعارف كالبيع والشراء والإجارة، وإن كان نقد البلد مختلفًا فاختلف أصحابنا: قال محمد بن عبد الحكم: يلزمه دينار من أي نقد البلد مختلفًا ويحلف إن طلب ذلك المقر له، وقال شيخنا أبو بكر الأبهري (١): يحتمل هذا والأجود أن يلزم الورثة أوسط النقود. فصل [١٧ - الإقرار للأجانب الذي لا يتهم لهم]: الإقرار للأجانب الذين لا يتهم لهم في الصحة والمرض سواء يتحاصون بينهم على قدر حقوقهم لا يقدم من أقر له في الصحة على من أقر له في المرض (٢)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: يبدأ غرماء الصحة على غرماء المرض فيوفون ديونهم فإن فضل كان للغرماء المقر لهم في المرض (٣)، لأن المقر ممن لا يتهم المقر في إقراره فأشبه إذا أقر له في الصحة، واعتبارًا أنه إذا قامت له البينة. فصل [١٨ - إذا أقر في مرضه المخوف لوارث]: إذا أقر في مرضه المخوف لوارث نظر: فإن كان ممن يتهم في إقراره له لم يقبل إقراره، وإن كان ممن لا يتهم في إقراره له قبل (٤) مثل أن يترك ابنا وابنة وزوجة ومولى أو بعض العصبة الأباعد فيقر له بدين (٥) فهذا يبعد أن يتهم له في العادة فيقبل (إقراره، وقال: أبو حنيفة لا يقبل إقراره لوارث جملة (٦) وقال: الشافعي يقبل) (٧) على كل وجه (٨).

стр. 1220

فدليلنا على أبي حنيفة أن منع إقراره للوارث للتهمة بالأزواء (١) ولمحبة صرف ماله إلى الأقرب إليه ومن يعلم محبته له من ورثته فإن انتفى هذا المعنى وجب قبوله، ودليلنا على الشافعي أنه لما كان متهمًا في إقراره له بالدين ليزوي عنه من الورثة وجب رد إقراره له وإلا كان في ذلك ذريعة إلى تمكينه في الأزواء، ومن الوصية للوارث وإذا كان كذلك وجب منعه. فصل [١٩ - إقراره للصديق الملاطف]: وفي إقراره للصديق (٢) الملاطف روايتان (٣): إحداهما رده، والأخرى قبوله ويكون في الثلث، فوجه الرد أنه متهم في إقراره له أن يكون أراد إزواء المسلمين أو الأباعد من عصبته والوصية له بزيادة على الثلث فجعله إقرار له فيجب رده، ووجه القبول أن أكثر ما في ذلك أن يكون هبة ووصية فالذي يخشى منه أن يكون من رأس المال، فإذا أحسمنا هذا الباب فجعلناه من الثلث جاز. فصل [٢٠ - فيمن ترك ابنين فأقر أحدهما بثالث]: إذا ترك ابنين فأقر أحدهما بثالث: فإن النسب لا يثبت لأنه مقر على غيره ويعطيه عندنا ثلث ما في يديه (٤) وهو قدر ما يخصه من الميراث على هذا المقر لو أقربه الأخ الآخر، وعلى هذا الحساب يثبت (٥) الإقرار من بعض الورثة لوارث. فصل [٢١ - في الرد على قول الشافعي أنه لا يعطى شيئًا]: وقال: (الشافعي لا يعطى شيئًا (٦)، وقال أبو حنيفة يعطيه نصف ما في

стр. 1221

يدية (١) فدليلنا على) (٢) الشافعي أن إقراره يتضمن شيئين: أحدهما على نفسه، والآخر على غيره فالذي على نفسه استحقاق المقر له ما في يده من المال زيادة على قدر ميراثه، والذي على غيره كون المقر به ابنًا لأبيه فقُبل إقراره على نفسه ولم يقبل على غيره، ولأن الميراث يستحق بنسب وبسبب ثم أنه لو قال هذه المرأة زوجة أبي ومات عنها وهي زوجته لا أعلمها ماتت منه فأنكر ذلك الابن الآخر فإنه يؤخذ منه قدر نصيبها (٣) من الميراث مما في يده ولا تثبت الزوجية (٤)، وكذلك في اعترافه بالنسب (٥). فصل [٢٢ - في الرد على قول أبي حنيفة أن يعطيه قدر ما تضمنه إقراره]: ودليلنا على أبي حنيفة أن الواجب أن يعطيه قدر ما تضمنه إقراره وذلك هو قدر ما حصل في يده من الزيادة على ميراثه لأن تمام الميراث في يد الابن الآخر فلم يلزم المقر دفع ما ظلم الجاحد للمقر له (٦). فصل [٢٣ - لو ترك ابنا واحدا ثم أقر لرجل بأنه أخوه ابن أبيه]: ولو ترك ابنا واحدا لا وارث له غيره فأقر لرجل بأنه أخوه ابن أبيه لأعطاه (٧) نصف ما في يده ولم يثبت نسب (٨) (المقر له، خلافًا للشافعي في قوله إنه يثبت نسبه (٩) (١٠)، لأنه إقرار في حق غيره فلم يقبل كما لو كانا اثنين فأقر

стр. 1222

أحدهما وجحد الآخر، ولأن إقراره ليس بأكثر من شهادته وشهادة الواحد غير مقبولة فإقراره على الغير أولى، ويفارق الجماعة لأن شهادتهم تقبل في حق الغير. فصل [٢٤ - إذا قال لك وأنا غير بالغ]: إذا قال: أقررت لي بمائة دينار وأنت بالغ، فقال بل أقررت بها لك وأنا غير بالغ: قال محمد بن عبد الحكم القول قول المقر مع يمينه، وأظن غيره من أصحابنا من يقول القول قول المدعي (١)، فوجه الأول أن المدعي [يدعي] (٢) إلحاق دين بذمة المقر والمقر ينفي ذلك فلا يقبل منه إلا ببينة، ووجه الثاني أن الإقرار متفق على حصوله إلا أن المقر يزعم أنه لا حكم له فلا يقبل منه إلا أن تقوم له بينة بما يدعيه، وكذلك لو كان مجنونًا فبريء فاختلفا في الإقرار (٣)، فأما لو ادعي أنه كان مجنونًا وقال أقررت لك في حال الجنون ولم يعلم أنه كان (٤) مجنونًا والمدعي يزعم أن الإقرار وقع في الصحة فلأصحابنا فيها مذهبان: أحدهما أن القول قول المقر مع يمينه (٥) ووجه هذا اعتباره به إذا قال: أقررت لك وأنا صبي لأنه أضاف الإقرار إلى حال لا يتعلق بها حكم، والآخران القول قول المدعي، والفرق على هذا بينه وبين الصبي أن الصبي معلوم حصوله والمدعي زعم بعد زواله فيحتاج إلى بينة، وليس كذلك الجنون لأنه لم يثبت ما يدعيه المقر منه فلم تقبل إضافته الإقرار إلى حال لا يعلم أنه كان عليها، ومثل ذلك لو قال: قذفتني وأنت بالغ، فقال: قذفتك وأنا صبي الحكم فيه واحد، ولو أقر وهو بالغ عاقل أنه كان استهلك له مائة دينار حال صغره أو جنونه غرم له لأن هذه أحوال يثبت معها حكم لزوم المال بالاستهلاك بدليل أن البينة لو قامت بذلك للزمه فكذلك إقراره يلزمه به ما يلزمه بالبينة.

стр. 1223

فصل [٢٥ - إذا قال له أقررت لك في حال لست أدري حال صغر أو بلوغ أو عقل أو جنون]: ولو ادعي عليه (١) أنه أقر له بمائة دينار وهو بالغ عاقل: فقال أقررت لك في حال لست أدري هل كانت حال صغر أو بلوغ أو عقل أو جنون (٢): فقال محمد بن عبد الحكم لا يلزمه بذلك بشيء لأنه لم يقر على نفسه بما يلزمه بشيء، وفيها نظر، ويشبه أن يلزمه على قول من ذكرناه من أصحابنا لأن هذا ليس بجواب فيلزم أبدا إلى أن يقر وهو كمن قيل له: أقررت لي بألف وأنت بالغ، فقال: لا أدري هل تستحق عليَّ هذه الألف أم لا (٣) أنه لا يترك وما يدعيه. فصل [٢٦ - إذا أتى بالإقرار على وجه الشكر والتحدث به لا على وجه الإقرار]: إذا أتى بالإقرار على غير وجه الإقرار بل على وجه الشكر والتحدث به، مثل أن يجري ذكر إنسان قد مات فوصف بأنه كان يسعف من يسأله ويقرضه فيقول رحم الله فلانًا لقد سألته مرة أن يقرضني شيئًا وأنا مضيق أو مفلس فأجاب مسألتي فيقوم ورثة ذلك الإنسان فيطالبون هذا المقر ففيها روايتان (٤): إحداهما أن ذلك إقرار، والأخرى أنه ليس بإقرار ولا يلزم به شيء. فوجه الأولى أنه معترف بأن الرجل دفع إليه المال على وجه القرض ومدع للبراءة منه فلا يقبل منه إلا ببينة أصله الإقرار المبتدأ عند دعوى الخصم، ووجه الثانية أنه لم يورده على وجه الإقرار وإنما أورده على وجه الشكر أو لغير ذلك، ولفظ الإقرار مفتقر في كونه (٥) إقرارا إلى القصد لذلك، وهذه الرواية أحسن وأوقع في مقتضى العادة والأول أقيس.

стр. 1224

فصل [٢٧ - التفريق بين الإقرار بأن هذا سرج دابة فلان وبين أن هذا باب داره]: فرق محمد بن عبد الحكم بين أن يقر بأن هذا سرج دابة فلان أو لجام دابته وبين أن يقر بأن هذا باب داره فزعم في السرج واللجام أنه لا يكون إقرار بأنه يكون لفلان، وفي هذا الباب يكون إقرار به لصاحب الدار (١) قال: لأن الباب من الدار فإذا ثبت أن الدار لفلان فما كان منها فقد تضمنه هذا الإقرار، وليس كذلك السرج واللجام لأنه ليس بجزء من الدابة بل هو غيرها فكأنه قال: هذا السرج به دابة فلان وهذا اللجام يلجم به دابته، وفي موضع آخر سوى بينهما إما قولًا له آخر حكاه عن غيره، ووجه ذلك أنه أضاف ما أقر به إلى ملك المقر له فيضمن الإقرار له كباب الدار. …

стр. 1225

(بسم الله الرحمن الرحيم) (١) كتاب اللقطة (٢) الأصل في اللقطة (٣) قوله ﷺ لمن سأله عنها: "اعرف عفاصها ووكاءها (٤) ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها" (٥)، والشيء الملتقط على ضربين: منها ما له خطر وبال يمكن تعريفه فينبغي لملتقطه أن يأخذه ويعتقد بأخذه حفظه على صاحبه، وإنما استحببنا له ذلك لأن الإنسان مندوب إلى فعل الخير والبر وهذا منه، ولأنها قد تحصل مع من ربما لا يؤدي الأمانة فيها فيتلف على صاحبها ويأثم آخذها، فإذا علم ملتقطها من نفسه حفظها كان مندوبا إلى ذلك، والضرب الآخر ما لا خطر له ولا بال ولا يمكن تعريفه كالكسر من الدرهم والشيء من المأكول وما أشبه ذلك فهذا لا فائدة في أخذه فإن أخذه جاز. فصل [١ - في جملة أحكام اللقطة]: تعرف اللقطة سنة عند الموضع الذي أصابها فيه وفي أقرب المواضع إليه وعند مجتمع الناس بالقرب من ذلك الموضع، فإن جاء من يدعيها بعلامتها من العفاص والوكاء أو بزيادة على ذلك من ذكر ما فيها من ورق أو ذهب أو وزنه

стр. 1226

وما يغلب معه على الظن صدقة في دعواه دفعت إليه بغير بينة، وإن مضت السنة ولم يأت لها طالب فهو بالخيار بين أن يتركها وتكون في يده أمانة لا شيء عليه في تلفها وبين أن يتصدق بها بشرط الضمان، فإن جاء صاحبها فأجاز التصدق بها وإلا غرمها له، وبين أن يتملكها فتكون دينا في ذمته يدفعها إلى صاحبها ويكره (١) له تملكها وإذا رد اللقطة إلى موضعها بعد أخذها فإن كان أخذها بنية الالتقاط وحفظها على صاحبها ضمنها إن ردها، فإن لم يأخذها بنية الالتقاط بل ليتبينها مترويا بين أخذها وتركها فلا ضمان عليه. وضالة الإبل لا ينبغي لواجدها أن يتعرض لها وليتركها، فأما ضالة الغنم فإن وجدها في مدينة فهي كسائر اللقطة، وإن وجدها في صحراء: فإن كان بقرب موضعها قرية أو موضع يضمها إليه فعل ذلك، وإن كان مفازة ولا قرية بقربها ولا موضع يحفظ فيه ويخاف عليها إن تركت الذئب فإن شاء تركها، وإن شاء أكلها ولا ضمان عليه في ظاهر الروايتين، ومن وجد طعامًا يفسد بتركه فإن شاء تصدق به أو أكله وضمنه إن كان في العمران ولا يضرب له أجل (٢). فصل [٢ - في دليل تعريف اللقطة سنة]: وإنما قلنا إنها تعرف سنه لقوله ﷺ : للذي سأله عن اللقطة: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة" (٣)، ولأنه لما احتيج في تعريفها إلى أمد ومهلة ليعثر على مالكها وأمكن أن يكون صاحبها حاضرا لها (٤) أو غائبًا أو ممن يتعذر عليه الحضور إلا بعد مدة وجب أن يزاد في المهلة وأن يوسع في المدة ليحصل الغرض الملتمس، وإذا ثبت ذلك ولم يكن بعض المدة بأولى من بعض كانت السنة أولى ما ضربت حد لأنها قد جعلت حدا في غير موضع مما يختبر حاله مثل العنة، وعهدة الأدواء الثلاثة، ووجوب الزكاة، وغير ذلك.

стр. 1227

وإنما قلنا إنه يعرفها في المواضع التي ذكرناها لأن الغرض بالتعريف في التوصل إلى علم صاحبها بموضعها كما يجب أن يكون ذلك في المواضع التي يغلب على الظن الوصول إلى ذلك معها، وفي حديث عمر بن الخطاب (١) ﵁ أنه قال: لمن ذكر له أنه وجد بطريق الشام سورة فيها ثمانون دينارًا: عرفها على أبواب المسجد واذكرها لمن يقدم من الشام (٢). فصل [٣ - في دفع اللقطة لمن عرف عفاصها ووكاءها]: وإنما قلنا إنها تدفع لمن يعرف عفاصها ووكاءها ولا يكلف على ذلك ببينة (٣)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤)، لقوله ﷺ : "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه (٥)، وروي "باغيها" (٦)، وروي "فإن جاء أحد يخبرك بعدتها" (٧)، ففي هذا دليلان: أحدهما أمره ﷺ بدفعها إلى مدعيها يدفعها إلى من عرف العفاص والوكاء من غير مطالبة ببينة، والآخر قوله: "اعلم عفاصها ووكاءها" ولا فائدة في ذلك إلا دفعها إلى من عرف ذلك منها لأن الضرورة قد (٨) تدعو إلى ذلك وإلا أدى إلى أن لا يصل أحد إلى ما يضيع من ماله لأنه لا يمكنه الإشهاد على ضياعه والبينات مترتبة في الأصول على حسب الأشياء المشهود فيها، فيجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها.

стр. 1228

فصل [٤ - في كونه مخيرا بعد مضي السنة بين تملكها والتصدق بها أو تركها]: وإنما قلنا إن السنة إذا مضت ولم يأت لها طالب: كان ملتقطها مخيرا بين تملكها والتصدق بها أو تركها لقوله ﷺ : "فإن لم يجيء (١) صاحبها فشأنك بها" (٢) وهذا لفظ إباحة وإطلاق، فإنشاء تصدق بها لأنه (٣) ليس عليه حفظها بعد السنة لما في ذلك من المشقة والكلفة ويكون عليه الضمان لأنه فعل ذلك على وجه التخفيف عن نفسه يتكلف حفظها وليس له أن يتلف مال غيره إذنه إلا بشرط الضمان للضرورة الداعية إليه، وإن (٤) شاء تركها أمانة في يده كالوديعة لا شيء عليه في تلفها لأنه قبضها لمنفعة ربها خالصًا لا نفع له فيها فكان تلفها من ربها، وإن شاء استسلفها فكانت دينا في ذمته لأن الذمة قد تكون أحرز لها من اليد، ويكره ذلك عندنا لجواز أن يعسر عند مجيء صاحبها فيتعذر عليه ردها. وإنما قلنا ردها إلى موضعها بعد أخذها إلى ما ذكرناه لأنه إذا أخذها بنية حفظها فقد تعلق حفظها عليه ولزمه ذلك، فردها بعد أخذها تعد إضاعة لما قد لزمه حفظه وذلك غير جائز، وإذا أخذها لا على هذا الوجه لم يتعلق عليه حفظها ولا لزمه إمساكها فلم يتعد بردها. وإنما قلنا إن ضالة الإبل لا يأخذها واجدها لقوله ﷺ جوابًا لمن سأله عنها "ما لك ولها معها سقاؤها وحذاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" (٥) وقال عمر ﵁ لثابت بن الضحاك (٦) ووجد بعيرا فعرفه

стр. 1229

ثم قال: قد شغلني عن ضيعتي فقال عمر: أرسله حيث وجدته (١)، وإنما قلنا إنه في ضالة الغنم أنه يأخذها لقوله ﷺ "هي لك أو لأخيك أو للذئب" (٢) والفرق بينهما وبين ضالة الإبل أن الإبل تحفظ نفسها من الوحش إن أرادها وتعيش بنفسها وتقدر على الشرب من الغدر (٣) والأكل من الشجر فيبعد خوف الهلاك عليها وربما يجيء صاحبها فيجدها وليس كذلك ضالة الغنم لأنها لا تعيش بنفسها ولا تقدر (٤) على الشرب من الغدر ولا تمتنع (٥) من الوحش والحيوان المفترس وكان الغالب هلاكها حتى لم تؤخذ، وإنما قلنا إنه إذا وجدها إلى جنب قرية أو موضع يمكن ضمها إليه لم يجز له أخذها (٦) لأنه يصل إلى حفظها على صاحبها من غير مشقة عليه فلم يجز إتلافها ولها قيمة في الموضع الذي وجدها به. وإنما قلنا إنه إن وجدها في فلاة لا قرية بقربها فله أن يأكلها ولا غرم (٧) عليه لربها خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٨)، لقوله ﷺ : "هي لك أو لأخيك أو للذئب" (٩)، وفي حديث آخر: "خذها هي لك أو لأخيك أو للذئب" (١٠) وهذا تنبيه على أنها في حكم المتلف، ولا قيمة في إتلافه، ولأنه أضافهما إلى

стр. 1230

واجدها كإضافتها إلى أنها للذئب فدل على أن إتلافها لا يستحق (١) به غرم، ولأن ما هذا سبيله لا قيمة له في موضعه ولا يمكن تعريفه فلا يخلو أن يمنع أخذها وذلك خلاف الاجتماع، وأن يلزم حفظها وسوقها إلى العمران وفي ذلك مشقة وكلفة مسقطتان عنه، أو أن يباح أكلها بشرط الضمان فما هذا سبيله إنما يكون بعد التعريف إذا كان مما يبقى فلم يبق إلا ما نقوله من إباحة الأكل بغير ضمان له. وإنما قلنا في الطعام الذي لا يبطل إنه لا يعرف بأجل لأن تبقيته إلى الأجل إتلاف له على مالكه وواجده، وقلنا إن له أن يأكله لأنه إن لم يفعل ذلك تلف ويضمنه لأنه منتفع بملك غيره إلا أن يكون مما لا قيمة له والله أعلم (٢). …
следующие страницы →