← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الوجه المحظور كالوطء في الحيض أو في الإحرام أو الصوم والإعتكاف أو ما أشبه ذلك لا يحصن وإن كان العقد صحيحا، ونكاح الشرك لا يحصن وإن وطيء فيهه إلا أن يطأها بعد الإِسلام، وكذلك باقي فروع هذا الباب التي تضمنها عقده على ما وصفناه، وأما أم الولد إذا زنت بعد عتقها بوفاة سيدها لم ترجم. فإذا اختلف الزوجان في الوطء فأقر أحدهما وأنكره الآخر فالمنكر غير محصن، وروى ابن عبد الحكم أن المنكر لا يكون محصنا حتى يقرا جميعا، وقال القاسم المقر محصن والمنكر غير محصن، ويقع الإحصان بالإيلاج وإن لم ينزل (١). فصل [١ - دليل حد المحصن]: وإنما قلنا إن حد المحصن الرجم لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢) فقال ﷺ : "خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٣)، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٤)، وقوله ﷺ : "واغدوا يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت (٥) فارجمها" (٦) وما روي

стр. 1332

من رجمه ﷺ ماعزًا (١) والغامدية (٢)، وفي حديث عمر ﵁: لولا أن يقال عمر زاد في كتاب الله لكتبت (الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة) (٣)، وروى الرجم عن عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم قولا وفعلا (٤)، ولا خلاف فيه (٥)، ولا يتلفت إلى ما يحكى عن الخوارج من نفيه. فصل [٢ - في عدم الجمع بين الجلد والرجم]: وإنما قلنا لا يجلد مع الرجم خلافًا لداود (٦)، لما روي أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقال أحدهما إن ابني كان عسيفا على هذا فزنا بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فاقتديته بمائة شاة وبجارية ثم سألت فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وإنما الرجم على امرأته فقال ﷺ "أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة وغربه عاما، وأمر أنيسا أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت (٧) رجمها فاعترفت فرجمها (٨)، وفي طريق آخر "فاغدوا يا أنيس

стр. 1333

هذا فإن اعترفت فارجمها" (١) ففيه دليلان: أحدهما أنه أمره أن يرجمها ولم يأمره بالجلد، وقد علم أنه إنما أنفذه ليقيم الحد لا لغير ذلك. والثاني أنه فرق بينه وبينها فقال: (وعلى ابنك جلد مائة واغدوا يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) فدل أن الجلد في خبره دونها (٢)، وروي أنه ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده وكذلك الغامدية (٣)، ولأنه معنى يوجب القتل لحق الله تعالى ولم يوجب الجلد مع القتل كالردة. فصل [٣ - اشتراط العقل في الإحصان]: وإنما قلنا إن العقل من شروط الإحصان لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة فذكر المجنون حتى يفيق" (٤)، ولأن الحد عقوبة على معصية وكل ذلك تكليف والعقل شرط في ثبوته، ولا خلاف فيه (٥). فصل [٤ - اشتراط البلوغ في الإحصان]: وإنما شرطنا البلوغ للخبر (٦)، ولأن من دون البلوغ (٧) لا يكلف بدليل أنه لا حد في قذفه ولا يلزمه قصاص بقتله. فصل [٥ - اشتراط الإِسلام في الإحصان]: وإنما شرطنا الإسلام خلافًا للشافعي (٨)، لأن الإحصان حكم شرعي جعل

стр. 1334

للفضيلة في الإِسلام منتف مع الكفر، ولأن هذه (١) الحدود يعتبر فيها الفضيلة فحد المحصن الرجم بفضيلته على البكر، وحد الحر مائة لفضيلته على العبد، ونقص الكفر يمنع أن يثبت له حكم فضيلته، ولأن من شرط الإحصان صحة النكاح الذي يطأ فيه أنكحة الكفار الفاسدة. فصل [٦ - اشتراط الحرية في الإحصان]: وإنما شرطنا الحرية لأن العبد حده على النصف من حد الحر والرجم (٢) لا يتنصف جميعه عنه، ولأنه لما نقص عن الحر في الجلد الذي هو (٣) أخف لنقصه بالرق كان بأن يسقط عنه الرجم أولى. فصل [٧ - اشتراط الزواج في الإحصان]: وإنما شرطنا أن يكون متزوجًا للإجماع على ذلك (٤)، ولأن النكاح يقع عليه اسم الإحصان لقوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٥) وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦). فصل [٨ - اشتراط كون العقد صحيحًا في الإحصان]: وإنما شرطنا أن يكون العقد صحيحًا لأن النكاح الفاسد لا يتناوله اسم الإحصان لأنه وطء غير مباح بعقد فلم يتناوله اسم الإحصان كالوطء بشبهة

стр. 1335

وإنما شرطنا الوطء لأن العفاف لا يحصل بمجرد العقد دونه والإجماع على ذلك (١). فصل [٩ - اشتراط كون الوطء جائزا]: وإنما شرطنا جواز الوطء لأنه أحد شروط الإحصان فكان من شرطه الإباحة كالعقد، ولأنه وطء محرم بالشرع كالزنا. فصل [١٠ - الاشتراط في إحصان أحدهما إحصان الآخر]: وإنما شرط في إحصان أحدهما إحصان الآخر خلافًا لأبي حنيفة (٢)، لأنه حر مكلف وطئ بنكاح صحيح وطئًا مباحًا فكان محصنا به أصله إذا كانا كاملين (٣). فصل [١١ - في التفريق بين الصبي المطيق للوطء وبين الصبية المطيقة للوطء في إحصان الكبير]: وإنما فرقنا بين الصبي المطيق للوطء وبين الصبية المطيقة للوطء فقلنا إنها تحصن الكبير وأنه لا يحصن الكبيرة لأن وطء الصبي (٤) ناقص غير تام بدليل أنه لا يجب به حد ولا يحلها للزوج الأول ولا يكمل لها به (٥) لذة كوطء البالغ، وليس كذلك الصبية المطيقة للوطء لأن كل هذه الأحكام الحاصلة بوطء البالغة (٦) تحصل للكبير بوطء المراهقة، وإذا كان كذلك أحصنت ولم يحصن الصبي من وطئها، وقد أتي ما ذكرناه على شرح الفروع التي قدمناها.

стр. 1336

فصل [١٢ - في عدم رجم أم الولد إذا زنت بعد وفاة سيدها]: وإنما قلنا إن أم الولد إذا زنت بعد وفاة سيدها لم ترجم لأنها غير محصنة، ولأنها لم يحصل لها من شروط الإحصان بعد البلوغ والعقل والإِسلام إلا الحرية وذلك غير موجب لها الإحصان. فصل [١٣ - إذا أنكر أحدهما يمنع كون الآخر محصنا]: ووجه قوله إن إنكار أحدهما يمنع كون الآخر محصنا أن ذلك شبهة لأنه لا يجوز أن يكون أقر بالوطء لغرض له لا أنه كان وطيء حقيقة، ووجه قوله إنه يكون محصنا اعتبارًا بإقرارهما، ولأن تكذيبها له لا يخرجه (١) عما يلزمه مما يقر به على نفسه من حقوق الله تعالى أصله إذا أقر أنه زنى بها وهي تنكر أن ذلك لا تسقط الحد عنه. فصل [١٤ - في كون الإيلاج من غير الإنزال يكفي في الإحصان]: وإنما قلنا إن الإيلاج يكفي فلأن اسم الوطء يقع عليه، ولأنه ﷺ لما قرر (٢) ما عزا لم يزده على أن أقر عنده بالإيلاج ولم يطلب منه زيادة على ذلك، ولأن سائر الأحكام المتعلقة بالوطء يتعلق بالإيلاج فقط من وجوب الغسل والمهر والحد والإحلال للزوج الأول وغير ذلك فكذلك الإحصان الواجب عنه. …

стр. 1337

باب [في حد الزاني البكر] فأما حد الزاني البكر فإنه يختلف لاختلاف أقسام الأبكار، ولا يخلو الزاني البكر من ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون رجلًا حرا، والثاني أن تكون امرأة حرة، والثالث أن يكون مملوكا ولا يختلف حال المملوك بالذكورة والأنوثة، فأما الرجل الحر فحده مائة جلدة (١) وتغريب عام وهو نفيه إلى غير بلده وحبسه فيه سنة، وأما المرأة الحرة فحدها جلد مائة من غير تغريب، وأما العبد ومن فيه بقية رق فحده خمسون جلدة من غير تغريب (٢). فصل [١ - في جلد الحرَّيْن مائة جلدة]: وإنما قلنا إن الرجل والمرأة يجلدان مائة جلدة لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣)، وللأخبار التي رويناها. فصل [٢ - في تغريب الرجل مع الجلد]: وإنما قلنا إنه يغرب الرجل مع الجلد عاما خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يجب التغريب إلا على طريق التعزير إن رآه الإمام (٤)، لقوله ﷺ : "والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٥)، وقوله ﷺ "لأقضين بينكما بكتاب الله

стр. 1338

وجلد ابن الرجل الذي سأله مائة وغربه عاما" (١) وليس فيه (٢) قياس يتحرر (٣) على التحقيق. فصل [٣ - في عدم تغريب المرأة]: وإنما قلنا إن المرأة لا تغرب خلافًا للشافعي (٤)، لقوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥)، ولأن التغريب في الرجل عقوبة له ينقطع عن ولده (٦) وأهله وعن بلده (٧) ومعاشه وتلحقه الذلة بنفيه (٨) إلى غير بلده وليس فيه ما في المرأة من الحاجة إلى المراعاة في الحفظ ومنع السفر، والمرأة محتاجة إلى الصيانة والحفظ والمراعاة إلى أكثر من حاجة الرجل ففي تغريبها تعريض للهتك الذي هو ضد الصيانة ومواقعة مثل ما غربت لأجل مواقعتها له وذلك إغراء، لا ردع وزجر فامتنع لهذا التناقض إيجاب التغريب على المرأة. فصل [٤ - في كون حد الأمة على النصف من حد الحرة]: وإنما قلنا إن حد الأمة على النصف من حد الحرة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٩)، وإنما قلنا إن العبد في ذلك كالأمة لاجتماعهم في نقص الرق.

стр. 1339

فصل [٥ - في عدم تغريب العبد والأمة]: وإنما قلنا لا تغريب على عبد ولا أمة خلافًا للشافعي (١)، للظاهر ولقوله ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فليحدها ثم إن زنت فليحدها ثم قال في الرابعة فليبعها ولو بضفير (٢) " (٣) فيه دليلان: أحدهما أنه سئل عن حدهما فذكر الجلد ولم يذكر التغريب، والثاني أنه كرر ذكر الجلد فلو كان التغريب واجبًا في الحد لكان الأولى أن يذكر، ولأن التغريب على الحر لينقطع عن وطنه ومعاشه ويلحقه ذلة بذلك فيرتدع والعبد لا وطن له ولا معيشة فينقطع (٤) عنها بتغريبه، ولأنه لو كان التغريب واجبًا عليه لكان على النصف من تغريب الحر كالجلد. …

стр. 1340

باب [في طريق ثبوت الزنا]: الزنا يثبت بثلاثة أشياء (١): أحدها الإقرار، والثاني البينة، والثالث ظهور العمل من غير ملك ولا شبهة ولا ظهور أمارة دالة على استكراه (٢). فصل [١ - في دليل الإقرار]: فأما الإقرار فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه حد الله" (٤)، وقوله ﷺ "واغدو يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (٥)، ولأنه ﷺ رجم ماعزًا والغامدية بإقرارهما (٦)، ولأنه مكلف أقر على نفسه بحق فوجب إقراره كسائر الحقوق. فصل [٢ - في عدد الإقرار الكافي في وجوب الحد]: وإقراره مرة كاف في وجوب الحد عليه خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه يحتاج إلى تكرار (٧) الإقرار أربع مرات (٨)، للظواهر التي ذكرناها وعمومها يقتضي

стр. 1341

المرة الواحدة، ولأن الإقرار في سائر الحقوق لا يفتقر إلى التكرار فكذلك الزنا، ولأنه إقرار من مكلف بالزنا على نفسه فوجب أن يلزمه به الحد أصله إذا كرره، واعتبارا بالخامسة والسادسة. فصل [٣ - في شروط الإقرار]: ومن شرط (١) الإقرار أن يقيم عليه فإن رجع فذلك على وجهين: فإن ادعى شبهة أو أمرا يعذر به مثل: أن يقول وطئت في نكاح فاسد أو دخلت على امرأتي فوطئتها (وأنا لا أعلم، أو رأيت، امرأة على فراشي فظننتها امرأتي فوطئتها) (٢)، أو وطئت جارية بيني وبين غيري وما أشبه ذلك مما يجوز أن يذهب على العامة ومن لا علم عنده فإن هذا يعذر به ويقبل رجوعه عنه لإمكان أن يكون الأمر على ما قاله والحد يدرأ بالشبهة، وأما إن أكذب نفسه لا إلى شبهة يعذر بها ففيها روايتان: أحداهما أنه يقبل والأخرى لا يقبل منه، فوجه قوله إنه يقبل (٣) منه وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٤)، قوله ﷺ لماعز: (لعلك لمست: لعلك قبلت) (٥)، وفائدة ذلك قبول رجوعه إن رجع وقوله لما هرب: (هلا تركتموه) (٦)، ولأنه معنى يوجب القتل لا يتعلق به حق آدمي فإذا رجع عنه سقط عنه أصله الردة، ولأنه قول إذا تم لزم به حد الزنا فوجب أن يكون

стр. 1342

الرجوع عنه مسقطا للحد أصله رجوع الشاهد، ووجه قوله لا يقبل منه قوله: "من أصاب من هذه القاذورات فيستتر (١) بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله" (٢)، وقوله ﷺ "فإن اعترفت فارجمها" (٣)، ولأنه أقر على نفسه بحق لزمه بإقراره فلم يسقط بإكذابه نفسه أصله حقوق الآدميين. فصل [٤ - في دليل ثبوت الزنا بالشهادة]: فأما الشهادة فالأصل فيها قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٥)، وقول سعد (٦) يا رسول الله أرَأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهود قال: نعم (٧). فصل [٥ - في عدد الشهود الذين يثبت بهم الزنا]: وعدد الشهود أربعة لما ذكرناه، ولأنه إجماع الصحابة لأن عمر بن الخطاب ﵁ جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا لما توقف الرابع (٨)، ولا يقبل فيه النساء لأنه حكم يثبت (٩) في البدن لا يختص النساء بالاطلاع عليه فلم يقبل إلا الرجال كالطلاق والعتاق والقتل.

стр. 1343

فصل [٦ - اشتراط كون الشهادة بالزنا في مجلس واحد]: ومن شرط الشهادة بالزنا أن تكون في مجلس واحد فإن افترقت في مجالس فالشهود قذفة عند مالك، وقال عبد الملك وهو قول الشافعي تقبل شهادتهم مجتمعين ومفرقين (١)، فوجه قول مالك إنه معنى لو لم ينضم إلى شهادة الشاهد كانت شهادته قذفا فوجب أن يؤخذ معها عند إقامتها لا متراخيا عنها أصله لفظ الشهادة، وصفة الرؤية، فيقيس كمال العدد في المجلس على لفظ الشهادة، ووجه قول عبد الملك أنه حق يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين فوجب أن يثبت بهم وإن جاءوا مفترقين كالشهادة على القتل والسرقة. فصل [٧ - اشتراط كون الشهادة في الزنا على المعاينة]: ومن شرطها أن يشهد الشهود على المعاينة أنهم رأوا فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، وإنما قلنا ذلك لجواز أن يظهر من تفصيلهم ما يسقط به الحد فإن لم يفصلوا وشهدوا مجملا (٢) أنهم رأوه يزني بها الزنا الموجب للحد قال (ابن القاسم لا يحد المشهود عليه ويحد الشهود ويكونون قذفة) (٣)، ومن أصحابنا من يقول إذا كان الشهود فقهاء، والقاضي فقيها وكانوا على مذهب واحد وشهد الشهود أنهم رأوه يزني الزنا الموجب للحد فيجوز للحاكم أن يقتصر على هذا القدر منهم ولا يكلفهم التفصيل. فصل [٨ - إذا شهد الثلاثة وشك الرابع فلم يشهد]: إذا شهد الثلاثة وشك الرابع فلم يشهد حد (الثلاثة ولا حد على الرابع ولا على المشهود عليه، وإنما قلنا يحد) (٤) الثلاثة (٥) خلافًا لأحد قولي

стр. 1344

الشافعي (١)، لإجماع الصحابة لأن عمر ﵁ جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة لما توقف الرابع وهو زياد (٢) ولم يقطع، وقال لأبي بكرة (٣) تب وأقبل شهادتك، وروي عن علي ﵁ (٤) مثله، ولأنهم أدخلوا المعرة عليه (٥) بإضافة الزنا إليه بسبب لم تسقط حصانته وكانوا قذفة أصله إذا قذفوه ابتداء، وإنما قلنا لا يحد الرابع لأنه لم يكن منه رمي لأنه لم يفصح (٦) شيئًا يلزمه به حكم، وإنما قلنا إنه لا يحد المشهود عليه لأن البينة لم تقم عليه لأن العدد شرط في كون الشهادة كاملة (٧)، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ لم يحد المغيرة لما لم يتم عدد الشهود. فصل [٩ - إذا شك أحد الشهود بعد تمام الشهادة وقبل إقامة الحد]: وأما إن شهد الأربعة وتمت الشهادة ثم شك أحدهم أو رجع: فإن كان قبل إقامة الحد جلد الجميع ولم يحد المشهود عليه، (٨) وإن كان بعد إقامة الحد جلد

стр. 1345

الشاك أو الراجع وحده، وإنما فرقنا بين الموضعين لأن الشك والرجوع إذا كان بعد تمام الشهادة يجعل الراجع قاذفًا لأن الذي حصل منه علما (كان مقيمًا مع بقية الشهود كان شهادةً) (١) فلما رجع عنه أو شك فيه بعد حصوله منه كان ذلك قذفا لأنه غير محكوم بكونه شهادة فلم يبق إلا القذف، فإن كان ذلك قبل مضي الحد جلد الكل لأن الجميع (٢) قذفة لأن الشهادة لم تحصل منهم برجوع الواحد، فإن كان رجوعه بعد مضي الحد جلد الراجع وحده لأنه مقر على نفسه بالقذف ولم يحد الباقون لأن الشهادة قد تمت وحكم بها فلا سبيل إلى نقضها، ورجوع هذا قذف مستأنف وتكذيب منه لنفسه ولهم فقبل فيها عليه ولم يقبل فيما يلزم غيره به حكم لنفود الحكم، ثم القول فيما يلزم الرابع من قصاص أو غرم فيما تلف بشهادته يذكر فيما بعد. فصل [١٠ - في عدم مطالبة المقر بالزنا بحكاية الفعل وصفته إياه خلافًا للشهود]: المقر بالزنا لا تلزم مطالبته بحكاية الفعل وصفته إياه خلافًا للشهود إلا أن يتهم بغفلة أو جهل فيتكشف (٣)، كما فعل ﷺ لماعز (٤)، والفرق بين الإقرار والشهادة أن ما يلزم الإنسان بإقراره أبلغ وأقوى مما يلزمه بالشهادة ألا ترى أنه يقبل إقراره على نفسه عدلا كان أو فاسقًا حرا كان أو عبدًا رجلًا كان أو امرأة، ولا يقبل في الشهادة الفاسق ولا العبد ولا المرأة، ولأن الشهود قد غلظ عليهم في ذلك ما لم يغلظ في ذلك (٥) على المقر لأنه لا ضرورة بهم إلى الشهادة على غيرهم، والمقر ليس بشاهد على غيره وإنما هو غير عن نفسه.

стр. 1346

مسألة [١١ - في عدم سقوط حد الزنا والسرقة والشرب بالتوبة]: التوبة لا تسقط الحد في الزنا والسرقة والشرب خلافًا للشافعي (١)، لقوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) وقال ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) ولم يفرق، وقوله ﷺ "فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد (٤) " (٥) ولم يفرق، وقوله في ماعز: "لقد تاب توبة لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم" (٦)، وفي حديث آخر (٧) "لو تابها صاحب مكس لغفر له" (٨)، ولأنه أمر مستتر به فلم تقبل التوبة فيه كالزنديق، ولأن الحد تحصين للإنسان ففي إسقاطه زوال ذلك (٩) المعنى، ولأن التوبة فيما لم يفترق له الحكم فيما بين القدرة عليه أو عدمها لم يسقط الحد كالقذف والقتل، وبهذا فارق الحرابة. فصل [١٢ - إذا ظهر حمل بحرة أو أمة ولا يعلم لها زوج ولا سيد]: إذا ظهر حمل بحرة أو أمة ولا يعلم لها زوج، ولا سيد الأمة مقر بوطئها: بل منكر والحرة مقيمة ليست بغريبة بأنها تحد ولا يقبل قولها إن قالت: غصبت أو استكرهت إلا أن يظهر أمارة على ذلك بأن يرى بها أثر دم أو شاهد منها

стр. 1347

استغاثة أو صياح أو ما أشبه ذلك مما يعلم معه في الظاهر صدقها (١)، وقال أبو حنيفة والشافعي لا حد عليها على كل وجه إلا أن تقر بأنها زنت أو تقوم بينة (٢)، ودليلنا حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء إذا قامت بينة أو كان الحمل أو الاعتراف (٣)، ولا مخالف له، ولأن إسقاط الحد ذريعة إلى أن لا يقام (٤) حد في زناة، ولأن كل من وجد بها حمل أو شوهد معها من يطؤها ادعيا الزوجية فيصير ذلك طريقا إلى إبطاله فلا يمكن إقامته، ولأن الاتفاق حاصل على أن الحد يلزم بشهادة الشهود، وأن ادعاء الزوجية غير مقبول مع الشهود، وقد علمنا أن الشهود إنما يشهدون على الظاهر لا على الحقيقة والقطع، والظاهر في مسألتنا الزنا لأن الوطء ثابت بظهور الحمل ولا أمارة على ما يدعونه ولا علامة فلا يجب ترك الظاهر بقولهما ولهذا قلنا إنهما لا يحدان إذا كانا غريبين لإمكان أن يكون الأمر على ما قالاه، وليس في (٥) تصديقهما نفي الظاهر ولا ذريعة إلى إسقاط الحد. فصل [١٣ - في الشهادة على الشهادة في حد الزنا]: الشهادة على الشهادة في حد الزنا جائز (٦) لما يذكر في باب الشهادة (٧)، وقد بينا أن شهود الأصل لا بد أن يكونوا أربعة، وأما شهود الفرع فمختلف فيه على روايتين: إحداهما أنه لا بد أن يشهد على شهادة كل واحد أربعة فإن كان

стр. 1348

على كل واحد أربعة غير الأربعة الذين شهدوا على واحد جاز، والأخرى أنه إن شهد إثنان على كل واحد من شهود الأصل جاز والأولى هي الصحيح (١) لأن الزنا لا يحد فيه إلا بأربعة ومتى قبلنا (٢) شهادة شاهدين على الأربعة أدى ذلك إلى أن يقام الحد بشهادة اثنين وذلك غير جائز (٣)، ولأن شهود الفرع أضعف من شهود الأصل لأن النقل فرع عن الأصل فإذا كان الأصل لا بد فيه من أربعة فكذلك النقل. فصل [١٤ - في الشهود في الزنا يختلفون في الفعل]: لا يقبل في الشهادة على الزنا إلا أربعة يشهدون على فعل واحد: فإن اختلف الفعل الذي يشهدون عليه مثل أن يشهد اثنان أنهما رأياه يزني بها في هذه الزاوية ويشهد اثنان في الزاوية الأخرى فلا تقبل هذه الشهادة ويحد الشهود (٤) وقال أبو حنيفة عليه الحد (٥) فدليلنا أن الاختلاف في المكان جار مجرى الاختلاف في الزمان من باب أن الفعل في مكان غير الفعل في غيره من الأماكن كما أن الفعل (٦) في زمان غير الفعل في زمان غيره، وقد ثبت أنهم لو شهدوا عليه فقال أحدهما أشهد أنه زنى يوم السبت وقال الآخر يوم الأحد لم يجب عليه حد كذلك في المكان.

стр. 1349

مسألة [١٥ - حكم ما إذا وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته فوطئها]: إذا وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته فوطئها فلا حد عليه (١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله أنه يحد ولا يقبل منه ذلك إلا أن يكون ليلة الزفاف (٢)، لأنه وطء من يعتقد أنها زوجته فلم يلزمه حد أصله إذا زفت إليه امرأة وقيل: إنها زوجتك وكانت غيرها. فصل [١٦ - العوارض التي تؤخر لها إقامة الحدود]: العوارض التي تؤخر لها إقامة الحدود ثلاثة (٣): أحدها معنى في المحدود لا يتعلق بغيره، والثاني معنى موجود به يتعلق بغيره، والثالث معنى منفصل منه، فأما الموجود به الذي (٤) لا يتعلق بغيره كالمرض وذلك كالحمى الشديدة، ووجع الجوف أو الكبد أو غير ذلك من أنواع الأمراض التي يخاف معها (٥) تلفه فهذا يوجب تأخير الحد عنه إلى برئه، والدليل عليه أن المقصود من الحد الردع والزجر دون الإتلاف يبين ذلك أن الله تعالى فرق بين الحدود فجعل في بعضها الرجم وفي بعضها الجلد، ولأن الإمام يجلد بسوط بين السوطين خيفة القتل، فإذا ثبت ذلك ثم خيف على المريض القتل وجب تأخيره. وأما الموجود به المتعلق بغيره فهو الحمل وذلك يقتضي التأخير لأنها لو جلدت لأدى إلى إتلافه، وأما المنفصل منه فالزمان يخاف منه تلف المحدود وذلك أن الجراح في شدة البرد يعظم الخطر فيه فيؤدي إلى التلف غالبًا هذا كله في الجلد والقطع، وأما في الرجم فلا يؤخر لمرض ولا لشدة برد، ويؤخر في الجلد

стр. 1350

والرجم في الحمل حتى تضع لئلا يتلف الحمل، ولذلك قال رسول الله ﷺ للغامدية، (اذهبي حتى تضعي) (١)، وتؤخر بعد الوضع في الجلد لتغتسل من نفاسها لأن النفاس مرض لا يؤمن معه إذا (٢) جلدت التلف، وفي الرجم تؤخر حتى يوجد من يرضع الصبي: فإن وجد من يرضعه رجمت حتى تفطمه وبنحو ذلك روى مالك في الموطأ (٣). فصل [١٧ - فيمن وطيء جارية له فيها شرك]: ومن وطيء جارية له فيها شرك فلا حد عليه لوجود الشبهة في وطئه باختلاط ملكه بملك شريكه (٤)، ويلحق به الولد لشبهة الملك، وإن حملت قوم على الواطئ نصيب شريكه لا يختلف قوله فيه لأنه لما لحق الولد به وثبتت حريته (٥)، اكتسبت الأمة الحرية، فإن لم تحمل فقد اختلف قوله في تقويم نصيب الشريك عليه (٦): فوجه قوله أنه تقوم عليه فلتتكامل الشبهة له في سقوط الحد عنه بتمليكه نصيب شريكه، ووجه قوله لا تحب التقويم عليه (٧) أنه بمنزلة من وطيء أمة على فراشه لأن وطاه إياها شبة لا توجب التقويم عليه. فصل [١٨ - فيمن زنى بجارية أبيه أو ابنه]: ومن زنى بجارية أبيه فعليه الحد وإن زنى بجارية ولده فلا حد عليه (٨)،

стр. 1351

والفرق بينهما أن للأب شبهة في قتل ولده فإن وطء أمته كان كالواطئ أمة له فيها شرك ولا يحد لشبهة الملك، والولد لا شبهة له في مال أبيه ألا ترى أنه يتزوج أمة أبيه والأب لا يتزوج أمة أبنه فيكون زانيا بمن لا شبهة له في ملكها فعليه الحد. فصل [١٩ - وجوب الحد على من اغتصب حرة فزنى بها كان حرًّا أم عبدًا]: ومن اغتصب حرة فزنى بها فعليه الحد حرًّا كان أو عبدًا (١) لعموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) ولم يفرق بين الغصب والطوع، ولا حد عليها لأنها ليست بزانية لأن الإكراه ينفي الزنا، ولأنه لم يكن منها فعل ينسب إليها به الزنا. فصل [٢٠ - وجوب الصداق على من زنى بحرة]: وعليه صداق مثلها بكرا كانت أو ثيبا (٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا صداق عليه (٤)، لأنها حرة موطوءة لا حد عليها في وطئها فوجب أن يلزم واطئها صداقها أصله إذا وطئت بشبهة، وإن كان عبدا فإن افتداه سيده بصداق المثل وإلا أسلمه لأن ذلك أرش الجناية. فصل [٢١ - فيمن استكره أمة فوطئها]: والحر إذا استكره أمة فوطئها فعليه الحد وما نقص من قيمتها ولا صداق عليه (٥) لأنها جناية على مال فروعي فيها نقصه دون الصداق وغلب عليها حكم

стр. 1352

الجناية (١) على الأموال اعتبارًا به لو جرحها أو قطع (٢) عضوا من أعضائها، وإن كان عبدا فذلك في رقبته إلا أن يفتديه (٣) سيده، وإن لم يؤثر الوطء نقصًا فلا شيء على الواطئ حرا كان أو عبدا سوى الحد فقط. فصل [٢٢ - إذا استكره الذمي حرة مسلمة أو أمة]: إذا استكره الذمي (٤) حرة مسلمة قتل (٥) لأنه بذلك ناقض العهد فقد أضاع دم نفسه وقد صار له حكم أهل الحرب، وإن استكره أمة فعليه ما نقص من ثمنها بكرا كانت أو ثيبا لأنها جناية على مال فلا يقتل بالجناية على الأموال والفضل بين استكراهه للحرة والأمة أن الأمة قد يصح له ملكها وهو إذا أسلمت أمته أو ابتاع مسلمة عن إحدى الروايتين، والحرة لا يصح له وطؤها بحال لأنها لا توطأ إلا بعقد نكاح وذلك لا يصح فيه. فصل [٢٣ - وجوب الحد على المسلم إذا زنى بنصرانية]: إذا زنى المسلم بنصرانية فعليه الحد لعموم (٦) الظواهر، والأخبار واعتبارًا بالمسلمة، فإن اغتصبها فالحكم فيها كالحكم في المسلمة، فإن طاوعته (٧) فلا حد عليها خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٨)، لأنه فعل يجب فيه الحد لحق الله تعالى على التجريد ولا يؤخذ به أهل الذمة كالشرب، ولا يلزم عليه القتل والسرقة والقذف لأنها حق الله أو للآدميين على التجريد ألا ترى أنه لو سرق أو قذف أو قتل ثم أسلم لأقيم ذلك عليه بعد إسلامه.

стр. 1353

فصل [٢٤ - إقامة السيد الحد على عبده وأمته]: للسيد أن يقيم على عبده وأمته حد الزنا والشرب (١) في الجملة (٢) خلافًا لأبي حنيفة (٣)، لقوله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" (٤)، وقوله: "إذا زنت أمة أحدكم فليحدها" (٥)، ولأن له أن يجلدها بحق الملك كالإمام. فصل [٢٥ - إن كان للأمة زوج حرا أو عبدا]: وهذا إذا كانت لا زوج لها وكان زوجها عبدا للسيد، فأما إن كان لها زوج حر أو عبد لغير السيد فلا يقيم سيدها عليه الحد لأن في ذلك تصرفا في حق الغير وإبطال فراشه ولا يد للسيد على ملك غيره. فصل [٢٦ - إقامة الحد برؤية السيد وعلمه؟]: وهذ إذا ظهر حمل أو قامت بينة أو إقرار، فأما برؤية السيد وعلمه (٦) ففيه روايتان (٧): (إحداهما سقوطه، والأخرى ثبوته) (٨) فوجه سقوط ذلك

стр. 1354

اعتبارًا (١) بالإمام، ووجه إثباته أن السيد لا يتهم في عبده وأمته، والإمام على رعيته لا يتهم. فصل [٢٧ - عدم إقامة حد السرقة على العبد والأَمَة من السيد]: ولا يقيم عليها حد السرقة إلا الإمام، والفصل بينه وبين سائر الحدود أنه قطع عضوه وذلك مثلة يعتق عليها بها فلو مكناه من ذلك لكان كل من مثل بعبده يدعى أنه قطعهُ في سرقة فيصير ذريعة إلى انتفاء العتق بالمثلة (٢) وسائر الحدود بخلاف ذلك. فصل [٢٨ - إحضار الإمام طائفة من المؤمنين ليشهدوا وإقامة الحد]: وينبغي للإمام أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين الأحرار العدول (٣) لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، (وكذلك السيد في إقامة الحد على عبده وأمته) (٥) والطائفة أربعة فصاعدا، والفائدة في ذلك إنه إن قذفه قاذف فطالب بحد قاذفه أمكن قاذفه التخلص من ذلك بإحضار من شهد حده. فصل [٢٩ - في هيئة المرجوم]: لا يربط المرجوم (٦) لأن النبي ﷺ لم يربط ماعزا ولا غيره ممن أمر برجمه،

стр. 1355

ولأن رجوعه يقبل ولا معنى لربطه، وكذلك في الجلد ولا يحفر له لأنه ﷺ لم يأمر بالحفر، والحدود كلها سواء في الإيجاع (١) والصفة يجرد فيها الرجل ولا تجرد فيها المرأة ولكن يترك عليها من الثياب ما لا يقيها ألم الضرب لأنها عورة بخلاف الرجل، ويضربان قاعدين خلافًا لمن قال أنه يقام الرجل (٢) لأن القيام زيادة في الألم لم يرد به شرع، واعتبارا بالمرأة ويجتنب في ضربهما المقاتل. مسألة [٣٠ - في تداخل الحدود]: الحدود ما كانت من جنس واحد وكان سببها واحد تداخلت وأجزأ واحدها عن سائرها، وذلك مثل أن يزني مرارًا أو يشرب مرارًا أو يسرق مرارًا أو يقذف مرارًا واحدًا أو جماعة فيجزى حد واحد من ذلك كله (٣)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٤) ولم يفرق، ولأن ذلك كتكرار الإيلاج والإجتراع جرعة بعد جرعة، ولأن ذلك كالأحداث إذا تواترت قبل الطهارة أن ما يجب بها عن الطهارة ما يتداخل، فأما إن كانت من جنس واحد (٥) وأسبابها مختلفة كالزنا والشرب (والقذف فإنها لا تتداخل ويستوفي جميعها إلا أن يكون أحدها فرعا للآخر فيتداخلان وذلك كحد القذف) (٦) والشرب لأن الشرب مأخوذ من القذف فشبه به لما روي عن الصحابة ﵃ (٧)

стр. 1356

أنهم لما اختلفوا في تقدير حد الشرب قالوا نرى أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فيجلد حد الفرية (١)، (٢) وإذا قذف جماعة بكلمة واحدة كفى حد واحد خلافًا لمن قال لكل واحد حد (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٤)، ولأنه قذف واحد فلم يجب به إلا حد واحد أصله إذا كان المقذوف واحدًا، وإذا كانت الحدود من أجناس كالجلد والقطع استوفيت ولم تتداخل إلا أن يكون فيها قتل فإن ما دونه يدخل فيه إذا كان جهة استحقاقه واحدة، فأما إذا كان الغرض مختلفًا فإن القتل لا يجزى منه كحد القذف يجلد (٥) القاذف ثم يقتل لأن الغرض بالحدود دفع (٦) المعرة عن المقذوف ولا يكون ذلك إلا بحد قاذفه. مسألة [٣١ - في الرجم باللواط]: ويجب باللواط إذا حصل الإيلاج الرجم عليهما أحصنا أو لم يحصنا ولا يثبت إلا بما ثبت به الزنا من الإقرار والبينة، وأما وجوب الحد منه (٧) خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا حد فيه (٨) وإنما فيها التعزير، فإنه إيلاج في فرج آدمي مقصود به اللذة فوجب أن يتعلق به الحد كالقتل.

стр. 1357

فصل [٣٢ - في كون حد اللواط الرجم]: وإنما قلنا إن الحد هو الرجم خلافًا للشافعي في قوله وإن كان غير محصن فعليه الجلد (١)، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من وجدتموه على عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول) (٢) ولم يشترط في ذلك الإحصان، ولأنه أغلظ من الزنا، ولأن المزني بها جنس مباح وطئها وإنما أتيت على خلاف الوجه المأذون فيه، والذكر ليس بمباح وطؤه فكان فيه أغلظ من حد الزنا، وإنما قلنا إنه لا يثبت إلا بما يثبت به الزنا لأن حده يتعلق به الرجم فأشبه الزنا. فصل [٣٣ - فيمن أتى بهيمة]: من أتى بهيمة فلا حد عليه (٣) خلافًا لمن قال أنه يقتل أو يحد (٤) لقوله ﷺ : "لا يحل امريء مسلم إلا بأحد ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل بغير نفس" (٥) وكل هذا معدوم في مسألتنا، ولأنه لم ينتهك حرمة فرج له حرمة (٦) والحد يجب لهذا المعنى.

стр. 1358

فصل [٣٤ - في عدم قتل البهيمة الموطؤة]: ولا تقتل البهيمة (١) خلافًا لمن قال تقتل (٢)، لأن نكاح البهيمة لا يوجب قتلها اعتبارًا به إذا نكحها ما هو من جنسها، ولأن قتلها لما لم يجز أن يكون حدًّا لاستحالة تكليفها لم يجز أن يقتل لأن القتل الواجب بالوطء لا يكون إلا على وجه الحد. فصل [٣٥ - في عقاب من أتى بهيمة]: إذا ثبت أنه لا حد عليه فيعاقب لركوبه أمرًا ممنوعًا منه محرمًا عليه فوجب زجره عليه (٣) لئلا يعود لمثله. …

стр. 1359

باب [في حد القذف] القذف (١) موجب للحد في الجملة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢) الآية، وقوله ﷺ لهلال بن أمية: (٣) (البينة وإلا حد في ظهرك) (٤)، ولا خلاف في وجوب الحد به في الجملة (٥). مسألة [١ - في شروط إيجاب الحد على القاذف]: ويجب الحد على القاذف بتسع خصال: خصلتان فيه وخمس في المقذوف وخصلتان في الشيء المقذوف به: فأما الخصلتان المشترط وجودهما في القاذف فالعقل والبلوغ، وأما الخمس المشترط وجودها في المقذوف فالعقل والبلوغ والإِسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها كان عفيفا عن غيرها أو لا، والبلوغ الذي نريده يختلف في الغلام والأنثى، فأما الغلام فبلوغ التكليف

стр. 1360

وهو الاحتلام أو غيره مما قدمناه دون إطاقة الوطء، وفي الأنثى إطاقة الوطء وإن لم تبلغ بلوغ التكليف، وقد تضمن اشتراط العقد كونه ممن يتأتى منه الوطء بخلاف العنين والمجبوب غير المعترض ولذلك لم نجعله شرطًا زائدًا ومن أوجبه زاده في الأقسام، وأما الخصلتان في الشيء المقذوف: بأن يقذفه بوطء يلزمه الحد وهو الزنا واللواط لا غير (١) أو أن ينفي نسبه من أبيه، فأما إن قذفه بسرقة أو شرب خمر أو قتل أو كفر فعليه العقوبة ولا يحد (٢). فصل [٢ - اشتراط العقل والبلوغ في وجوب حد القاذف]: وإنما قلنا إن العقل والبلوغ شرطان في وجوب حد القاذف لأنهما شرطان في التكليف والحد لا يجري إلا على مكلف، ولقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق" (٣). فصل [٣ - اشتراط العقل والبلوغ في المقذوف]: وإنما شرطناهما في المقذوف لأن الحد إنما يراد لزوال المعرفة عن المقذوف بأن يحد قاذفه والمجنون والصبي لا يصح الزنا منهما وهما على حال الصغر (٤) والجنون فلا عار يدخل عليهما بالقذف، وهذا إذا قذفهما بزنا منهما فأما إن قذف المجنون بزنا منه قبل جنونه فإنه يجلد لأن المعرفة تدخل بذلك. فصل [٤ - في وجوب حد من قذف مطيقة للوطء]: وإنما قلنا إن من قذف مطيقة للوطء حد وإن لم تبلغ بلوغ التكليف خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٥)، لأن المعرة تدخل عليها بالقذف كالبالغ، ولأن حكم

стр. 1361

وطئها حكم البالغ في وجوب الغسل والمهر والنفقة والإحصان والإحلال وكذلك في وجوب الحد بالقذف به. فصل [٥ - اشتراط الإِسلام في المقذوف]: وإنما اشترطنا الإِسلام لأن عرض الكافر لا حرمة له تهتك بالقذف، و … الفاسق الملِّي لا حد على قاذفه وهو أعظم حرمة من الكافر والكافر أولى. فصل [٦ - اشتراط الحرية في المقذوف]: وإنما شرطنا الحرية خلافًا لمن يقول إن العبد يحد قاذفه (١)، لأن حرمته ناقصة نقصًا أوجبه الرق (٢) كالكافر ولأن كل نقص منع أن يقتل به الحر المسلم منع أن يحد في القذف أصله الكفر. فصل [٧ - في اشتراط كون المقذوف متمكنًا من الوطء]: وإنما شرطنا كونه متمكنًا من الوطء لأن المجبوب ومن جرى مجراه لا يتأتى منه الزنا فلم تلحقه معرة بالقذف كالصبي (٣). فصل [٨ - في اشتراط كون الرمي بالزنا واللواط لإقامة الحد]: وإنما شرطنا أن الحد في الرمي بالزنا واللواط دون غيرهما بالجماع عليه (٤)، ولأن الله (٥) شرط في تخليصه (٦) من القذف على أن يأتي بأربعة شهود وليس ذلك إلا في الزنا واللواط.

стр. 1362

فصل [٩ - فيما إذا رماه بالوطء فيما دون الفرج]: وأما إن رماه بالوطء فيما دون الفرج: فقال ابن القاسم يحد لأن ذلك من التعريض، وقال أشهب لا يحد لأنه صرح أنه فعل ما ليس بزنا ولا لواط كما لو قال قبلتها (١). فصل [١٠ - فيمن نفى رجلا عن أبيه]: وإنما قلنا إذا نفى رجلًا عن أبيه فعليه الحد لأنه قد عره بذلك وقذف أباه وأمه فعليه الحد، ومن نفاه عن أمه فلا حد عليه لأنه كاذب قطعًا، والكذب لا يعر المقول (٢) له، والفصل بين قوله لست لأبيك وقوله لست لأمك أن نسب الولد لاحق بأبيه حكمًا ويلحق بأمه مشاهدة وحكمًا (٣) ويقينا بمشاهدة الولادة وإمكان البينة عليها، ونفي النسب عن الأب لا يعلم صدقه من كذبه فتلحقه المعرفة في نفيه. فصل [١١ - فيمن نفى رجلًا من ولائه]: ومن نفى رجلا من ولائه فهو كنفيه إياه من نسبه لقوله ﷺ : "الولاء لحمه كلحمة النسب" (٤)، وقوله ﷺ : "مولى القوم منهم" (٥) وإذا وجب الحد في نفي النسب وجب في نفي الولاء، وقال بعض شيوخنا فيها نظر ويجب أن لا يلزم الحد في نفي النسب وجوبه في نفي الولاء لأن نافيه كاذب لأن الولاء يثبت بالعتاقة وهي معلومة مشاهدة فنافيها كاذب، وهو كنافي ولد الأم.

стр. 1363

قال القاضي أبو محمد (١): وفي هذا الذي قاله شيخنا نظر لأن العتاقة معلومة حكمًا لا مشاهدة لأن العتاقة التي يثبت بها الولاء بإعتاقه الملك (٢) وكون الإنسان مالكا (٣) لمعتقه لا يعلم إلا حكمًا لا مشاهدة وإذا شاهدناه قد أعتقه فإنما شاهدنا إعتاق من يحكم لكونه مملوكًا كالمعتقة وحكما لا قطعا، وهذا كله إذا نفى المولى عن مولاه الذي باشر عتقه فأما إذا نفى ابن المولى فيجب أن يحكم لنفيه إياه من نسبه (٤) لا لنفي الولاء، وإنما قلنا إنه إذا رماه بالسرقة والقتل وغير ذلك فإنه يعزر لأنه لقد آذاه بذلك وألحق به المعرة بذلك الفعل فيجب ردعه وزجره. فصل [١٢ - في التعزير]: وليس في التعزير (٥) حد مضروب إلا اجتهاد الإمام فيما يغلب على ظنه أنه ردع للمعزر خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما (٦) لا يزاد على أربعين (٧) وقول غيرهما ما (ينقص من الحد خمسة أسواط (٨)، لأنه إجماع الصحابة لأن عمر ﵁ جلد معن بن زائدة (٩)) (١٠) لا نقش على خاتم بيت المال

стр. 1364

وأخذ به من صاحبه مالا فضربه مائة وحبسه ثم كلم به فضربه مائة ثم كلم به ثالثة فقال ذكرتني الطعن وكنت ناسيًا فضربه مائة (١)، وروي عن علي (٢) ﵁ أنه ضرب في التعزير خمسًا وتسعين سوطًا (٣)، ولأن الفرض بالحد لما كان الردع والزجر عن ارتكاب ما فعل وجب أن يباح منه قدر ما يحصل به الغرض، ولأنه ضربٌ رآه الإمام محتاجًا إليه في ردع المعزر فجاز أن يبلغه أصله ما دون الحد. فصل [١٣ - في التعريض بالقذف]: إذا عرض بالقذف تعريضًا يفهم منه أنه أراده فعليه الحد وحكمه حكم الصريح، وذلك معلوم بشاهد الحال ومخارج الكلام والأسباب (٤)، وقال أبو حنيفة والشافعي لا حد فيه (٥)، ودليلنا أنه لفظ يفهم منه القذف كالصريح، إن كابروا وقالوا لا يفهم منه القذف فقد أحالوا المسألة لأن الخلاف فيه إذا فهم منه ما يفهم من الصريح فإذا أحالوا ذلك ارتفع الخلاف. فصل [١٤ - في عدد حد القذف]: حد القذف على الحر ثمانون، وعلى العبد أربعون، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٦)، ولأن ذلك فعل النبي ﷺ والصحابة بعده، وعلى العبد أربعون لأن حده على النصف من حد الحر.

стр. 1365

فصل [١٥ - في قتل من سب النبي ﷺ -]: ومن سب النبي ﷺ قتل ولم تقبل توبته، وفي الكافر روايتان: إحداهما أن توبته لا تقبل، والأخرى أنها تقبل وهذا إذا سبه بغير الوجه الذي كفر به (١) وإنما قلنا إن المسلم أو الكافر إذا سب النبي ﷺ قتل أن ذلك علم على ارتداده وقد قال ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" (٢) وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ (٣) فأخبر أن الإيمان لا يحصل منهم متى لم يحكموه بينهم ويعتقدوا أنه يحكم بالصواب، ولأن أبا بكر رضوان الله عليه سبه رجل فقام رجل فشهر سيفه ليضرب عنقه فقال أبو بكر: ما الذي أنت صانع فقال أقتله لسبه إياك فقال: ليس ذلك إلا لرسول الله ﷺ (٤). ولم يخالف عليه أحد، ويعرض الكلام في قذفه ﷺ ، فنقول إن القذف يراعى فيه الإحصان وللإحصان تأثير فيه يتعلق به الحد فيجب أن يكون منه ما يتعلق به القتل أصله الزنا. وقولنا يتعلق به الإحصان احترازًا من الشرب، وإذا ثبت أن منه ما يوجب القتل فليس ذلك إلا للنبي ﷺ ، ولأن حد القذف مبني على حسب حرمة المقذوف ألا ترى أنه لا حد على قاذف الكافر لأنه لا حرمة له وكذلك قاذف العبد لنقصان حرمته عن الحر، وحرمة النبي ﷺ أعظم من حرمة جميع أمته بمزية لا يشاركه فيها أحد منهم فوجب أن يكون لحد قذفه زيادة على غيره وليس إلا القتل.

стр. 1366

فصل [١٦ - في عدم قبول توبة من سب رسول الله ﷺ -]: وإنما قلنا إن توبته لا تقبل إعظامًا لحرمته ﷺ ولأن التوبة قذف غيره لا تقبل في سقوط الحد ففي قذفه أولى. فصل [١٧ - هل يرفع القتل عن الكافر بإسلامه بعد سب الرسول ﷺ -]: ووجه قوله في الكافر إذا قال: أنا مسلم أنه يقتل ولا يقبل منه اعتبارًا بالمسلم، ووجه قوله يقبل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١)، وقوله ﷺ "الإِسلام يجب ما قبله" (٢)، ولأن ذلك ليس بأعظم من كفره، والفرق بينه وبين المسلم أن الكافر يعلم منه اعتقاد ذلك وإنما يقتل على إظهاره والمسلم يعلم منه اعتقاد تعظيمه ﷺ فسبه دلالة على ردته. فصل [١٨ - فيمن أقر بالزنا وقال بفلانة]: إذا أقر بالزنا فإن عين وقال بفلانة وكان ممن يحد يقذفها: فإن صدقته حد للزنا دون القذف، وإن أكذبته حد للزنا والقذف لأنه حصل قاذفا زانيًا، وسواء كان بكرًا أو ثبيا فإنه يجتمع عليه الحدان ولا يتداخلان (٣) لأن أحدهما يجب لحق الله على التجريد وهو الزنا والآخر يتعلق بحق الآدميين فلذلك لم يتداخلان، وقال أشهب يحد للزنا دون القذف، قال: لأنه لا يخلو أن يكون صادقًا أو كاذبًا، فإن كان صادقًا لم يحد للقذف، وإن كان كاذبا حد للقذف دون الزنا فعلى أي الوجهين كان فلا يجتمع عليه الحدان، وقال شيخنا أبو بكر قد يزل (٤) إلى قسم ثالث وهو أن يكون مكرها لها على الزنا فيكن صادقا في إقراره على نفسه بالزنا كاذبا في قذفه إياها فيجتمع عليه الحدان.

стр. 1367

فصل [١٩ - إذا لم يعين المقر بالزنا]: وإذا لم يعين حد للزنا ولم يحد بالقذف للجهالة بصفة المقذوفة لجواز أن يكون ممن لا يحد على قاذفها. فصل [٢٠ - إذا مات المقذوف قبل أن يحد قاذفه]: وإذا مات المقذوف قبل أن يحد قاذفه فلورثته أن يحدوه لأنه حق من حقوقه يجوز له التوكيل فيه فكان للورثة القيام له اعتبارا بسائر حقوقه، ولأن القذف تنتشر معرته على أولياء المقذوف فكان لهم القيام به. فصل [٢١ - إذا قال لابن أمة أو كتابية يا بن الزانية أو يا بن زنية]: إذا قال لابن أمة أو كتابية يا بن الزانية فلا حد عليه، فإن قال يا بن زنية (١) فعليه الحد (٢)، والفصل بينهما أن قوله يا بن زنية نفي له من نسبه وإضافته إلى فعل لا يلحق الولد فيه، وقوله يا بن الزانية قذف لأمه لا نفي لنسبه. فصل [٢٢ - إذا قال يا منبوذ]: إذا قال له يا منبوذ فعليه الحد لأنه عرض له بنفي نسبه (٣) لأن المنبوذ منقطع النسب غير لاحق بأحد. فصل [٢٣ - في الاختلاف في كون حد القذف حق لله أو حق للآدميين]: اختلف عنه في حد القذف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين (٤) وفائدة ذلك أنه إذا كان من حقوق الله فلا يجوز العفو عنه بعد بلوغه إلى الإمام،

стр. 1368

وإذا كان من حقوق الآدميين جاز العفو عنه، والصحيح أنه من حقوق الآدميين بدليل أنه يورث عن المقذوف وحقوق الله لا تورث، ولأنه لا يستحق إلا بمطالبة الآدمي، والله أعلم (١). …

стр. 1369

(بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد) (١) كتاب القطع (٢) مسألة [١ - وجوب حد السرقة]: قال القاضي أبو محمد (٣): ويجب القطع على من يسرق من العقلاء البالغين ربع دينار من الذهب على اختلاف صفاته وأنواعه من جودة أو رداءة أو معمل أو مهمل (٤)، أو ثلاثة دراهم من الورق على اختلاف أنواعها لا يقوم أحد الصنفين بالآخر، أو عرض يساوي أحدهما بحيث يكون الغالب من نقده إذا أخرجه من حرزه الذي هو حرز مثله على ما نبينه من بعد، حرا كان السارق أو عبد، مسلما كان أو كافرا، ذكرا كان أو أنثى، منفردًا أو مشاركًا بربع دينار فما زاد عليه، إذا كان المسروق مما يحتاج إلى التعاون في سرقته مثل الجذع أو العدل (٥) الذي لا يمكن الانفراد بسرقته، فإن كان مما يمكن الواحد كالكيس (٦)

стр. 1370

وشبه فأخرجه الجماعة من حرز فالقطع على واحد منهم عند مالك، ومن متأخري أصحابنا من سوى بين الأمرين فأوجب في الموضعين القطع واعتبره بما يحتاج إلى التعاون (١). فصل [٢ - في أدلة وجوب القطع بالسرقة]: وإنما أوجبنا القطع بالسرقة في الجملة لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) الآية، ولأنه ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (٣)، وقطع سارق رداء صفوان وقال لما قال له لم أرد هذا هو عليه صدقة (هلا قبل أن تأتيني به) (٤)، ولأن ذلك إجماع (٥). فصل [٣ - اشتراط البلوغ والعقل في وجوب القطع]: وإنما شرطنا البلوغ والعقل في وجوب القطع لقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٦) وذلك لا يكون إلا بمكلف، ومن شرط التكليف البلوغ والعقل، ولقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون
следующие страницы →