← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فصل [١٦ - في عدم قبول توبة من سب رسول الله ﷺ -]: وإنما قلنا إن توبته لا تقبل إعظامًا لحرمته ﷺ ولأن التوبة قذف غيره لا تقبل في سقوط الحد ففي قذفه أولى. فصل [١٧ - هل يرفع القتل عن الكافر بإسلامه بعد سب الرسول ﷺ -]: ووجه قوله في الكافر إذا قال: أنا مسلم أنه يقتل ولا يقبل منه اعتبارًا بالمسلم، ووجه قوله يقبل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١)، وقوله ﷺ "الإِسلام يجب ما قبله" (٢)، ولأن ذلك ليس بأعظم من كفره، والفرق بينه وبين المسلم أن الكافر يعلم منه اعتقاد ذلك وإنما يقتل على إظهاره والمسلم يعلم منه اعتقاد تعظيمه ﷺ فسبه دلالة على ردته. فصل [١٨ - فيمن أقر بالزنا وقال بفلانة]: إذا أقر بالزنا فإن عين وقال بفلانة وكان ممن يحد يقذفها: فإن صدقته حد للزنا دون القذف، وإن أكذبته حد للزنا والقذف لأنه حصل قاذفا زانيًا، وسواء كان بكرًا أو ثبيا فإنه يجتمع عليه الحدان ولا يتداخلان (٣) لأن أحدهما يجب لحق الله على التجريد وهو الزنا والآخر يتعلق بحق الآدميين فلذلك لم يتداخلان، وقال أشهب يحد للزنا دون القذف، قال: لأنه لا يخلو أن يكون صادقًا أو كاذبًا، فإن كان صادقًا لم يحد للقذف، وإن كان كاذبا حد للقذف دون الزنا فعلى أي الوجهين كان فلا يجتمع عليه الحدان، وقال شيخنا أبو بكر قد يزل (٤) إلى قسم ثالث وهو أن يكون مكرها لها على الزنا فيكن صادقا في إقراره على نفسه بالزنا كاذبا في قذفه إياها فيجتمع عليه الحدان.

стр. 1367

فصل [١٩ - إذا لم يعين المقر بالزنا]: وإذا لم يعين حد للزنا ولم يحد بالقذف للجهالة بصفة المقذوفة لجواز أن يكون ممن لا يحد على قاذفها. فصل [٢٠ - إذا مات المقذوف قبل أن يحد قاذفه]: وإذا مات المقذوف قبل أن يحد قاذفه فلورثته أن يحدوه لأنه حق من حقوقه يجوز له التوكيل فيه فكان للورثة القيام له اعتبارا بسائر حقوقه، ولأن القذف تنتشر معرته على أولياء المقذوف فكان لهم القيام به. فصل [٢١ - إذا قال لابن أمة أو كتابية يا بن الزانية أو يا بن زنية]: إذا قال لابن أمة أو كتابية يا بن الزانية فلا حد عليه، فإن قال يا بن زنية (١) فعليه الحد (٢)، والفصل بينهما أن قوله يا بن زنية نفي له من نسبه وإضافته إلى فعل لا يلحق الولد فيه، وقوله يا بن الزانية قذف لأمه لا نفي لنسبه. فصل [٢٢ - إذا قال يا منبوذ]: إذا قال له يا منبوذ فعليه الحد لأنه عرض له بنفي نسبه (٣) لأن المنبوذ منقطع النسب غير لاحق بأحد. فصل [٢٣ - في الاختلاف في كون حد القذف حق لله أو حق للآدميين]: اختلف عنه في حد القذف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين (٤) وفائدة ذلك أنه إذا كان من حقوق الله فلا يجوز العفو عنه بعد بلوغه إلى الإمام،

стр. 1368

وإذا كان من حقوق الآدميين جاز العفو عنه، والصحيح أنه من حقوق الآدميين بدليل أنه يورث عن المقذوف وحقوق الله لا تورث، ولأنه لا يستحق إلا بمطالبة الآدمي، والله أعلم (١). …

стр. 1369

(بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد) (١) كتاب القطع (٢) مسألة [١ - وجوب حد السرقة]: قال القاضي أبو محمد (٣): ويجب القطع على من يسرق من العقلاء البالغين ربع دينار من الذهب على اختلاف صفاته وأنواعه من جودة أو رداءة أو معمل أو مهمل (٤)، أو ثلاثة دراهم من الورق على اختلاف أنواعها لا يقوم أحد الصنفين بالآخر، أو عرض يساوي أحدهما بحيث يكون الغالب من نقده إذا أخرجه من حرزه الذي هو حرز مثله على ما نبينه من بعد، حرا كان السارق أو عبد، مسلما كان أو كافرا، ذكرا كان أو أنثى، منفردًا أو مشاركًا بربع دينار فما زاد عليه، إذا كان المسروق مما يحتاج إلى التعاون في سرقته مثل الجذع أو العدل (٥) الذي لا يمكن الانفراد بسرقته، فإن كان مما يمكن الواحد كالكيس (٦)

стр. 1370

وشبه فأخرجه الجماعة من حرز فالقطع على واحد منهم عند مالك، ومن متأخري أصحابنا من سوى بين الأمرين فأوجب في الموضعين القطع واعتبره بما يحتاج إلى التعاون (١). فصل [٢ - في أدلة وجوب القطع بالسرقة]: وإنما أوجبنا القطع بالسرقة في الجملة لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) الآية، ولأنه ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (٣)، وقطع سارق رداء صفوان وقال لما قال له لم أرد هذا هو عليه صدقة (هلا قبل أن تأتيني به) (٤)، ولأن ذلك إجماع (٥). فصل [٣ - اشتراط البلوغ والعقل في وجوب القطع]: وإنما شرطنا البلوغ والعقل في وجوب القطع لقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٦) وذلك لا يكون إلا بمكلف، ومن شرط التكليف البلوغ والعقل، ولقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون

стр. 1371

حتى يفيق" (١)، ولأن ذلك حد من الحدود فلم يتوجه إلا على بالغ عاقل كحد الشرب والقذف. فصل [٤ - في اشتراط النصاب في وجوب القطع]: وإنما شرطنا النصاب خلافًا لمن أوجب القطع في سرقة القليل (٢) والكثير (٣) لما روي أنه ﷺ كان لا يقطع في التافه (٤) وروي (القطع في ربع دينار فصاعدا) (٥). فصل [٥ - في نصاب السرقة]: وإنما قلنا إن النصاب من الذهب ربع دنيار، ومن الورق ثلاثة دراهم خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنه لا يقطع في أقل من عشرة دراهم (٦)، لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٧) فعم، ولأنه ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (٨)، وقالت عائشة كان النبي ﷺ يقطع في ربع دينار فصاعدا (٩)، (وروي القطع في ربع دينار (١٠)) (١١) وهذا نص.

стр. 1372

فصل [٦ - في نصاب السرقة من الورق]: وإنما قلنا إن النصاب من الورق ثلاثة دراهم كانت قيمتها ربع دينار أو أقل لأنه لا يقوم الذهب بالفضة ولا الفضة بالذهب، خلافًا للشافعي في قوله إنه لا نصاب للفضة وأن الاعتبار بربع دينار أو قيمته من الفضة أو العروض (١)، لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)، فالظاهر يعم من سرق ثلاثة دراهم قيمتها دون الربع، ويرى أنه ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (٣)، وهذا يفيد الاعتبار بالدراهم إذا بلغت هذا القدر، ولأنه أصل مال يعتبر في الأثمان وقيم المتلفات فوجب أن تكون سرقته معتبرة بمقداره في نفسه دون الاعتبار بغيره أصله الذهب، ولأن كل حكم تعلق على الذهب والورق اعتبر فيه نصاب من الذهب وجب أن يعتبر فيه نصاب من الورق أصله الزكاة (٤). فصل [٧ - في نصاب السرقة من العروض]: فأما العروض فإنها مقومة بالدراهم دون الذهب فإن ساوى ما سرق منها (٥) ثلاثة دراهم قطع سارقه، وكان شيخنا أبو بكر يقول هذا إذا كان الغالب من نقد ذلك الموضع الفضه (٦) فإذا كان غالب نقدهم الذهب قومت بالذهب. فصل [٨ - في التسوية بين أنواع الجنس في نصاب السرقة]: وإنما سوينا بين أنواع الجنس لعموم الظواهر، ولأن كل حكم تعلق بالذهب والفضة اعتبر فيه نصاب يتساوى فيه سائر أنواعه كالزكاة.

стр. 1373

فصل [٩ - في اعتبار الحرز في حد القطع]: وإنما اعتبرنا أن يسرق من الحرز خلافًا، لمن حكي عنه أن الحرز غير معتبر (١)، لقوله ﷺ : "لا قطع في تمر معلق ولا في حريسة جبل (٢)، فإذا أواه المراح والجرين (٣) فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) (٤) ففرق بين أن تكون محرزة بإيوائها (٥) إلى المراح وبين أن تبقى على أصلها في باب القطع فدل على اعتبار الحرز، وقوله "ليس على المنتهب قطع ولا على مختلس ولا على خائن ولا على من أخذ وديعة عنده أو مال قراض فلا قطع عليه) (٦) لأنه لم يمنع منه بحرز (٧) فكذلك من أخذ في دار غير مقفلة (٨) ولا ممنوعة عنه ولا عن غيره. فصل [١٠ - في مراعاة إخراج المال من الحرز في اعتبار الحد]: وإنما راعينا إخراجه من الحرز لأنه ما دام في الحرز فلم (تتم السرقة لأن هتك الحرز لا يتم إلا) (٩) بإخراج المسروق منه.

стр. 1374

فصل [١١ - في التسوية بين الرجل والمرأة، والحر والعبد، والمسلم والكافر في حد القطع]: وإنما سوينا بين الرجل والمرأة، والحر والعبد، والمسلم والكافر لعموم الظواهر (١)، ولأن القطع شرع لحفظ الأموال وصيانتها ولم يعتبر فيه تكافؤ الدماء بين السارق والمسروق منه فوجب اعتبار عمومه لأنه ضرب من حد الحرابة بدليل أن المسلم إذا سرق من الكافر وإن كان لا يقاد به إذا قتله في الحرابة وإن كان لا يقاد به وإنه لا عفو فيه كما لا عفو للولي في قتل الحرابة قبل التوبة. فصل [١٢ - في كون الاشتراك في سرقة نصاب لا يسقط القطع]: وإنما قلنا إن الاشتراك في سرقة النصاب لا يسقط القطع خلافًا لأبي حنيقة والشافعي (٢)، لعموم الظواهر والخبر، ولأن القطع شرع لصيانة الأموال لئلا تهتك ويجترأ عليها كالقصاص المشروع لحفظ النفوس ثم كان الاشتراك في القتل لا يمنع القود لأن في منعه إبطال الغرض الذي وضع له كذلك الاشتراك، ولأن الجناية (٣) التي تستحق بها تناول الأعضاء يجب (٤) على الجماعة إذا اشتركوا فيها ما يجب على المنفرد أصله الجماعة إذا قطعت يد رجل أو عضوا من غير اليد، ولأن اشتراكهم في إخراج المسروق من الحرز يقتضي قطع الجميع بدليل أنهم لو سرقوا متاعًا فجعلوه على دابة إلى خارج الحرز لقطعوا.

стр. 1375

فصل [١٣ - في التفريق بين ما لا يمكن إخراجه إلا بمعاونة وبين الثوب وغيره]: وإنما فرقنا بين ما لا يمكن إخراجه إلا بمعاونة وبين الثوب وغيره مما لا يحتاج إلى معاونة لأن نسبته السرقة إلى الجميع فيقتضي أن يكون لكل واحد منهم قسط فيها وذلك لا يحصل إلا بالتعاون الذي لولاه لم يخرج المسروق من الحرز، ووجه التسوية في إخراجه من الحرز حاصل منهم كالذي يحتاج إلى معاونة. فصل [١٤ - في الاعتبار بقيمة العرض المسروق وقت إخراجه]: والاعتبار بقيمة العرض المسروق وقت إخراجه من الحرز لا وقت القطع (١) خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن الاعتبار بكمال النصاب وقت القطع (٢) لعموم الظاهر (٣)، ولأن النقص الحادث بعد انفصال المسررق من الحرز لا يؤثر في سقوط الحرز أصله نقصان العين مثل أن يسرق ثوبا فيتلف بعضه (٤) في القطع فرجع إلى ما دون النصاب، ولأنه سارق لنصاب من حرز مثله لا شبهة فيه أصله إذا لم ينقص القيمة، والاعتبار في الحدرد حال الوجوب دون حال الاستيفاء، كالعبد إذا زنى فلم يحد حتى أعتق والبكر إذا زنى فلم يحد حتى أحصن. فصل [١٥ - في عدم قطع من سرق عبدا كبيرًا فصيحا]: إذا سرق عبدا كبيرًا فصيحا لم يقطع (٥) لأن سرقة هذا لا تصح فإن كان

стр. 1376

كبيرًا أعجميًّا أو كان صغيرا قطع لأن هذا في حكم البهيمة وأدون حالا من الصغير الذي لا اختيار له ولا تمييز. فصل [١٦ - في قطع من سرق حرا صغيرا]: إذا سرق حرا صغيرا قطع عند مالك وقالا عبد الملك لا قطع عليه (١) وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٢) ودليلنا ما روي أنه ﷺ ذكر له أن رجلًا يسرق الصبيان فأمر بقطعه (٣)، ولأنه حيوان غير مميز سرق من حرز مثله يجب بذله عند الإتلاف كالبهيمة. فصل [١٧ - في قطع من سرق طعاما رطبا ويابسًا أو مصحفًا وغيره من المتمولات]: ويقطع في سرقة الطعام الرطب واليابس من الفواكه والبطيخ وغيره كالقثاء، والتفاح واللحم (٤) مطبوخًا ونيئا (٥) خلافًا لأبي حنيفة في إسقاطه القطع بسرقة رطب الطعام (٦)، للظاهر والخبر، وقوله: (لا قطع في تمر معلق فإذا أواه الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) (٧)، ولأنه مال (٨) متملك كاليابس، ولأن القطع يراد للردع والزجر والرطب أحوج إلى هذا من اليابس. ويقطع في سرقة المصحف (٩) خلافًا لأبي حنيفة (١٠)، للظاهر والخبر،

стр. 1377

ولأن كل ما جاز بيعه (وأخذ العوض عليه جاز أن يقطع في سرقته كسائر الأموال، ويقطع في سرقة جميع المتمولات التي يجوز بيعها) (١) وأخذ العوض عليها: كان أصلها مباحًا كالماء والصيد والتراب والحشيش، أو محظورًا غير مباح كالثياب والعقار ونحوه (٢)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن كل ما أصله مباحًا فلا قطع في سرقته (٣)، للظاهر والخبر، ولأنه نوع من مال يتمول في العادة كالثياب، ولأن أصله مباحًا (٤) لا يمنع القطع في سرقته كالعبيد أصلهم الإباحة لأنهم مباح لمن شاء أن يسرقهم من دار الحرب ويسترقهم (٥). فصل [١٨ - في قطع النباش]: يقطع النباش (٦) إذا سرق من القبر كفنا يساوي نصابًا (٧) خلافًا لأبي حنيفة (٨) للظاهر والخبر، ولأنه سارق للنصاب من مال لا شبهة له فيه من حرز مثله فيلزمه (٩) القطع كسائر السراق، ولأن سقوط القطع لا يخلو أن يكون لعدم الملك أو الحرز أو لعدم الخصومة، ولا يجوز أن يكون لعدم الملك لأن الملك ثابت على الكفن إما للميت أو لورثته، ولا لعدم الحرز لأن القبر حرز للميت ولكفنه، ولأن حرز كل شيء ما جرت العادة به ومن دفن ميتًا بكفنه

стр. 1378

وسد القبر لم ينسبه أحد إلى إضاعة الكفن ولا (١) إلى تفريط فيه، ولا لعدم الخصومة (لأنها واجبة للورثة أو الإمام إذا لم تبق جهة لسقوط القطع فثبت وجوبه) (٢). فصل [١٩ - في قطع من سرق من المغنم ومن بيت المال]: ويقطع من سرق عن المغنم ومن بيت المال خلافًا لعبد الملك في قوله إنه من سرق زيادة على قدر نصيبه بربع دينار قطع وإلا فلا قطع عليه (٣)، ووجه إيجاب القطع الظاهر والخبر، ولأنه سرق مالا من حرز لا شبهة له في عينه كغير المغنم، ولأن كل مال تقبل شهادته فيه جاز أن يقطع في السرقة منه كمال الأجنبي، ووجه إسقاطه حصول الشبهة له فيه كالأب يسرق من مال ابنه. فصل [٢٠ - في عدم القطع في ثمر معلق ولا نخل ولا شجر ولا حريسة جبل]: لا قطع في ثمر معلق ولا نخل ولا شجر ولا حريسة جبل إلا إذا أواه الجرين أو المراح قطع في سرقته (٤)، والأصل فيه قوله ﷺ : "لا يقطع في ثمر ولا كثر" (٥) والكثر الجمار (٦) معناه في رؤوس النخل والشجر لأنه لم يضعه فيه كمن يقصد إلى إحرازه فيه وإنما هو بوضع الله تعالى، فإذا أواه إلى الجرين ففيه القطع لأنه أحرزه في حرز مثله، والغنم في الرعي كذلك أيضًا لا قطع فيها لأنها منتشرة (٧) في غير حرز فإذا أواها المراح حصلت حينئذ محرزة.

стр. 1379

فصل [٢١ - من سرق دارًا فيها منازل متفرقة]: ومن دخل دارًا فيها منازل متفرقة لقوم منزل كل واحد مغلق عن منزل الآخر فسرق من بعضها شيئًا وأخرجه إلى ساحة الدار فعليه القطع (١) لأنه قد أخرجه من حرزه ولأن من حرزه البيت الذي هو فيه ويغلق بابه عليه (٢) دون ساحة الدار فإن كانت الدار لواحد فلا قطع عليه حتى يخرج به من جميعها لأن جملتها حرزًا لما يكون فيها، فإذا أخرجه إلى ساحتها كان (٣) كمن نقله من موضع من الحرز (٤) إلى موضع منه آخر فلا قطع عليه. فصل [٢٢ - المراعاة في القطع إخراج الشيء المسروق من الحرز]: المراعاة (٥) في القطع إخراج الشيء المسروق من الحرز فمن باشر ذلك قطع كان هو خارج الحرز أو داخله، فلو اجتمع سارقان أحدهما خارج الحرز والآخر داخله فقرب الداخل المتاع إلى موضع النقب داخل الحرز فإن أدخل الخارج يده فأخرجه فعلى الخارج القطع لأنه هو المخرج له دون الداخل، وقد قيل (٦) لا قطع عليه لأنه لم يكن منه إخراج في الحقيقة لأنه كان في حكم المخرج بتقريبه إلى باب النقب (٧) فصار كالمخرج من غير حرز، فإذا لم يجب عليه (٨) لم يجب على الداخل لأنه في الحقيقة لم يخرجه (٩) من الحرز وإنما عرضه

стр. 1380

للإتلاف والإخراج، والقياس أن القطع على الخارج لأنه باشر إخراج المسروق من الحرز. وإن أخرج الداخل المتاع بيده أو برميه إلى خارج الحرز فعليه القطع لأن الخارج لم يكن له صنع في إخراجه من الحرز، وقال شيخنا أبو القاسم ﵀ والداخل إذا قرب المتاع إلى النقب (١) ولم يخرجه يحتمل أن لا يقطع لأنه نقل المتاع من موضع الحرز إلى موضع آخر ولم يباشر إخراجه من جملة الحرز (٢)، ويحتمل أن يقطع لأن الخارج لم يتمكن بإخراج السرقة إلا بتقريب الداخل لها إليه فوجب أن يقطعا جميعا لأنهما اشتركا في إخراج السرقة من حرزها (٣). فصل [٢٣ - اليد التي تقطع في أول السرقة]: ويقطع في أول السرقة اليد اليمنى من الكوع ويحسم بالنار فتكوى، ثم في الثانية الرجل اليسرى من الكعب، ثم في الثالثة اليد اليسرى من الكوع، ثم في الرابعة الرجل اليمنى ثم فيما بعد ذلك الضرب والحبس، واختلف فيه إذا لم يكن له يمين أو كانت شلاء: قيل يقطع رجله اليسرى وقيل بل يده اليسرى، وإذا ذهبت أصابع من اليد فإن كان الباقي أكثر قطعت، وإن لم يبق إلا أصبع أو أصبعان عدل إلى الرجل (٤). فصل [٢٤ - في كون القطع من الكوع]: وإنما أوجبنا القطع من الكوع خلافًا لمن يقول من الأصابع أو الإبط (٥) لقوله تعالى: ﴿اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦) والأخذ بأوائل الأسماء واجب، ومن

стр. 1381

قطع من الكوع سمى مقطوع اليد ولا يسمى بذلك من قطعت أصابعه، ولأن النبي ﷺ فعل ذلك هو والسلف بعده. فصل [٢٥ - في كون القطع في الثانية يسرى]: وإنما قلنا يقطع في الثانية يسرى رجليه لقوله ﷺ : "إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله" (١) وهذ نص وروي أنه ﷺ : "أوتي بسارق فقطع يده ثم أوتي به ثانية فقطع رجله (٢)، ولأن ذلك مروي عن أبي بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم (٣). فصل [٢٦ - ويقطع الثالثة والرابعة]: وإنما يقطع الثالثة والرابعة خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يقطع (٤) لقول الله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥) ولم يخص يمنى من شمال، وقد قال ﷺ : "إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله" (٦) ولأن كل يد تؤخذ قصاصها فلها مدخل في قطع السرقة كاليمنى، ولأنه سرقة مع وجود بعض (٧) الأطراف جاز أن يجب القطع فيها كالأولى والثانية، وفعله أبو بكر ﵁ (٨) ولا مخالف له.

стр. 1382

فصل [٢٧ - في ضرب وحبس من سرق في الخامسة]: وإنما قلنا في الخامسة إنه يضرب ويحبس لأن الشرع لم يرد بقطع شيء في السرقة سوى الأطراف الأربعة فلم يبق إلا تأديبه بالضرب والحبس ولا يجوز قتله خلافًا لمن حكي عنه ذلك (١)، لأن السارق لا يجب قتله كسارق الأولى والثانية. فصل [٢٨ - في حسم اليد المقطوعة]: وإنما قلنا تحسم بالنار وتكوى لأنها إن تركت تعدى ضررها إلى المرفق وربما أتت على النفس وليس الغرض إلا إبانتها فقط فوجب أن يقتصر على ذلك. فصل [٢٩ - في وجه أنه يقطع اليسرى إن عدم اليمنى .. ]: ووجه القول بأنه إذا لم يكن له يمنى أنه يقطع الرجل اليسرى إن عدم اليمنى من اليدين يوجب قطع اليسرى من الرجلين أصله إذا قطعت في السرقة، ووجه الأخرى أن اليد باليد أشبه بها من (٢) الرجل وأولى أن تقوم مقامها ويؤخذ بها والأول أقيس. فصل [٣٠ - في عدم قطع اليد الشلاء]: وإنما قلنا إن الشلاء لا تقطع لأن الغرض بالقطع إبانة منفعتها والشلاء معدومة المنفعة، ولأنه قطع واجب في طرف يراد به تفويت (٣) منفعته فلا يؤخذ إذا لم يكن فيه منفعة كالقصاص. فصل [٣١ - في ذهاب الأصبع من اليد]: وإنما قلنا في ذهاب الأصبع ما قلناه لأن بقاء أكثر يبقى معه أكثر المنافع فكان كذهاب الجميع.

стр. 1383

فصل [٣٢ - في عدم قطع الأب إذا سرق الأبوان من مال الولد]: إذا سرق الأبوان من مال الولد لم يقطعا لأن لهما شبهة في ماله (١) بدليل قوله ﷺ "أنت ومالك لأبيك" (٢)، ولأنه لا يحد إذا زنى بأمته ولا يجوز له نكاحها، ولوجوب النفقة عليه في إعساره، وحكم الأجداد والجدات حكم الأبوين دنيا (٣) لقوة أمر الولادة. فصل [٣٣ - في قطع الولد إذا سرق من مال الأبوين]: وإذا سرق الولد من مالهم قطع خلافًا للشافعي (٤) للظاهر والخبر ولأنه لا شبهة له في مال أبيه وأمه كالأجنبي بدليل عكس ما ذكرناه. فصل [٣٤ - في قطع من سرق من الأخوة والعمومة والأخوال وغيرهم]: ومن عدى عمود النسب الأعلى من الولادة يقطع في سرقته من مال نسبه (٥) كالأخوة والعمومة والأخوال وغيرهم (٦)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يقطع في السرقة من ذي رحم محرم (٧)، للظاهر والخبر، ولأنها قرابة لا يقتضي شبهة للسارق في مال المسروق منه كبني العمومة. فصل [٣٥ - في كون الزوجية لا تمنع القطع في السرقة]: الزوجية لا تمنع القطع في سرقة أحدهما من الآخر خلافًا لأبي حنيفة وأحد

стр. 1384

قولي الشافعي (١) للظاهر والخبر، ولأن الزوجية لا تقتضي شبهة في مال ولا شركة فيه لأنه عقد على المنافع كالأجير. فصل [٣٦ - إذا سرق متاعا كان قد قطع في سرقته أولا]: إذا سرق متاعا فقطع فيه ثم سرقه ثانية قطع أيضًا خلافًا لأبي حنيفة (٢) لأنه حد يجب بإيقاع فعل في عين فجاز أن يتكرر بتكرار الفعل بها أصله إذا زنى حد ثم زنى بها ثانية. فصل [٣٧ - إذا أقر بسرقة ثم رجع إلى شبهة]: إذا أقر السرقة ثم رجع إلى شبهة سقط عنه القطع ولزمه الغرم (٣) لأن القطع حق لله يلزم (٤) بالثبوت على الإقرار به ويسقط بالرجوع عنه، والغرم حق لآدمي لا يسقط بالرجوع عنه، وإن أكذب نفسه فعلى روايتان وقد ذكرناه في الزنا، وهذا في القطع وأما الغرم فلا يسقط على أي وجه رجع. فصل [٣٨ - إذا قطع السارق ثم وجد الشيء المسروق عنده]: إذا قطع السارق ثم وجد الشيء المسروق عنده لزمه رده إلى مالكه (٥) لأنه باق على ملكه لم يخرج عنه بقطع سارقه، ولأن القطع ليس ببدل من العين المسروقة ولا بعوض منها وإنما هو لانتهاك حرمة الحرز. فصل [٣٩ - إذا تلف المسروق وله مال غرمه]: وإن تلفت عنده وله مال غرمها، وإن لم يكن له مال لم يتبع بها (٦)، وقال

стр. 1385

الشافعي يتبع بها دينا في ذمته كالغصب (١)، وقال أبو حنيفة المالك بالخيار إن شاء قطع ولم يتبعه بالغرم وإن شاء غرمه (٢) ولم يقطعه، ولا يستحق على السارق الجمع بين القطع والغرم (٣) فدليلنا على الشافعي في أنه لا يتبع في اعتباره (٤) قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥) ولم يوجب سوى ذلك، وروى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : "وإذا أقيم على السارق الحد لا غرم عليه" (٦)، ولأن إتلاف المال لا يجب به عقوبتان، والقطع عقوبة فلا تجب عليه عقوبة أخرى. فصل [٤٠ - في الدليل على أبي حنيفة في وجوب القطع مع اليسار]: ودليلنا على أبي حنيفة في وجوب القطع مع اليسار أن السبب الموجب للقطع غير السبب الموجب للغرم لأن القيمة تجب لأجل الإتلاف والقطع لحق الله تعالى وهو إخراج المال المسروق، وإذا كان كذلك لم يتنافيا وكان كالمحرم يتلف صيدا مملوكا فيلزمه الجزاء والقيمة، وقال بعض شيوخنا إن أخذ القيمة مع القطع استحسان والقياس ألا يلزم شيئًا لأنه لو لزمه غرمها مع اليسار لزمه ذلك في ذمته مع الإعسار، وإنما استحسنوا ذلك لجواز أن يكون قد أخذ لها بدلا وثمنا فاختلط بماله.

стр. 1386

(قال القاضي أبو محمد ﵁ (١) والفرق بين هذا وبين قول (٢) أبي حنيفة أن عند أبي حنيفة يسقط القطع إذا اختار المالك إغرامه وعندنا لا يسقط بوجه، وهذا كله إذا كان المسروق نصابا يقطع فيه فأما إن كان دونه فالغرم واجب مع العسر واليسر لأنه ليس فيه قطع ولا اجتماع عقوبتين (٣). فصل [٤١ - فيمن سرق من حلي الكعبة ومن قناديل المسجد]: ومن سرق من حلي الكعبة فلا قطع عليه وكذلك من قناديل المسجد وآلته لأن ذلك غير محرز فيه (٤) لأن دخوله مباح مأذون فيه، ومن أصحابنا من يقول إن كان ذلك (٥) نهارًا فلا قطع وإن كان ليلًا وقد أغلقت أبواب (٦) المسجد قطع لأن بإغلاق المسجد يصير ما فيه محرزًا فسارقه سارق من حرز فيلزمه القطع. فصل [٤٢ - إذا سرق حليا من صبي]: إذا سرق حليا من صبي: فإن كان معه من يحفظه قطع لأن حفظ الحافظ له حرز للحلي ولما عليه، وإن كان مخلى فلا قطع عليه (٧) لأن الصبي ليس بحرز لما معه، وإن كابره فلا قطع عليه كان معه حافظ أولا لأن ذلك غصب وليس بسرقة.

стр. 1387

فصل [٤٣ - في قطع الآبق بسرقته]: ويقطع الآبق إذا سرق من غير سيده (١) خلافًا لبعضهم (٢)، للظاهر والخبر، ولأنه مكلف سرق نصابًا من حرز مثله لا شبهة له فيه كغير الآبق. فصل [٤٤ - في عدم قطع العبد إذا سرق من مال سيده]: ولا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده، وكذلك المدبر والمكاتب وأم الولد (٣) لأن عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه عبد سرق من مال سيده فقال عبدكم سرق متاعكم لا قطع عليه (٤)، ولأن القطع معلق بالضمان فلما لم يضمن العبد ما استهلك من مال سيده لم يقطع في سرقته، ولأن القطع شرع صيانة للأموال وحفظًا لها فلو قطعنا العبد في سرقته من مال سيده كنا قد أتلفنا ماله وذلك ضد حفظه. فصل [٤٥ - إذا سرق عبد رجل من مال زوجة سيده أو عبد امرأة من مال زوجها]: وإن سرق عبد رجل من مال زوجة سيده أو عبد امرأة من مال زوجها من موضع قد أحرز عنه ولم يؤذن له في دخوله فعليه القطع (٥) لأن حكم عبيدهم حكم ساداتهم فلما كان أحد الزوجين يقطع فيما سرقه من مال (٦) الآخر من موضع قد أحرز عنه وأغلق دونه فكذلك يجب قطع عبده إذا سرق منه، ولأن كل ما يقطع فيه الإنسان يقطع يد عبده فيه وكل ما لا قطع للإنسان فيه فلا يقطع عبده فيه.

стр. 1388

فصل [٤٦ - إذا أتلف السارق المال في الحرز]: وإذا أتلف السارق المال في الحرز قبل أن يخرج به أو خرج به بعد إتلافه وهو لا يساوي نصابا فعليه الغرم ولا قطع عليه (١) لأن الإتلاف إذا لم يتم السرقة فلا قطع فيه ويصير كالغصب والاعتداء من غير سرقة، والمراعى إخراجه بحاله من الحرز أو بلوغ قيمته نصابًا بعد الإتلاف (٢) حال إخراجه من الحرز. …

стр. 1389

كتاب العتق إذا أعتق شركًا له في عبد عتق (١) عليه نصيبه، وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرا غائبا كان الشريك أو حاضرا أذن في ذلك أو لم يأذن فدفعت القيمة وعتق عليه وكان له الولاء، وليس لشريكه أن يأبى ويتمسك بحصته إلا أن يقول: إما أعتق بحصتي ولا (٢) أقومها فيكون ذلك له، ويكون الولاء بينهما إذا أعتقه منجزًا لا مؤجلًا، فإن أعتق إلى أجل كان كمن لا يعتق ودفعت إليه وينجز العتق. وقال عبد الملك يقع العتق منجزًا ولا يعتق بالسراية في أظهر الروايتين بل بالتقدم ودفع القيمة إلى الشريك، ولا يلتفت إلى قول العبد: لا اختار تكميل عتقي به، وإن كان المعتق معسرا لم يقوم عليه وكانت حصة الشريك وفاء بحالها إلا إن اختار الشريك إعتاق نصيبه (٣) ابتداء فيكون ذلك له، ولا يلزم العبد السعي في قيمة نصيب الشريك منه ويبقى رقا بحاله، وإن لم يكن له من المال من يفي بقيمة نصيب الشريك قوم عليه بقدر ما معه وعتق عليه وكان الباقي وفاء سواء كان العبد نصرانيًّا أو مسلمًا كان لمسلمين أو لمسلم واحد (٤) ونصراني أعتقه المسلم أو النصراني فالحكم فيه على ما ذكرناه إلا أن يكون بين نصرانيين فلا يعرض لهما إذا كان العبد نصرانيًّا وإن كان مسلمًا لزم فيه ما يلزم بين المسلمين.

стр. 1390

وقال في المختصر الكبير (١): لا قيمة على المعتق فإن مات العبد قبل تقويمه فلا شيء على المعتق، وإن كان معسرًا فرفع إلى الحاكم فحكم بسقوط التقويم عليه (ثم أيسر بعد ذلك فلا قيمة عليه، وإن لم يرفع حتى أيسر ففيها روايتان: إحداهما وجوب التقويم عليه) (٢)، والأخرى سقوطه عنه، ومن أعتق من بقية الشركاء حصته بعد إعتاق المعسر حصته فلا قيمة عليه لشركائه، والعبد بين الشركاء مختلفة أنصابهم منه: إذا أعتق اثنان حصتهما قوم نصيب شريكهما الباقي عليهما بقدر أنصبائهما، وقيل على عدد رؤوسهما بخلاف الشفعة، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرا قوم على الموسر وسقط عن المعسر، وكل (٣) من بعض العتق باختياره لزم تكميله عليه مثل أن يشتري بعض عبد ممن يعتق عليه كاتبه ابنه (٤) أو أن يهب له (٥) أو يتصدق به عليه أو أن يوصي له به فيقبله أو يأخذه صلحًا على أرش الجناية أو عن دعوى على إقرار أو إنكار أو يشتريه وكيل له وهو لا يعلم أو تصدقه امرأة في نكاح عالمة به أو ما أشبه ذلك، فأما إن ورثه فلا يلزمه تكميله ولو كان ببعض ما تقدم ذكره بعد عتق ما ملكه بالميراث لم يقوم عليه باقيه، ولو تأخر تقويم أمه (٦) عتق بعضها حتى ولدت كان ولدها بمنزلتها يقوم (٧) معها، والاعتبار في القيمة يوم الحكم دون يوم العتق، هذا الحكم فيه إذا كان بينه وبين غيره، فأما إن كان العبد كله له فأعتق بعضه فإن الباقي يكمل عليه: وقد اختلف عنه في تكميله هل يكون بالسراية أو بالحكم فعنه في ذلك روايتان:

стр. 1391

إحداهما بالسراية، والأخرى بالحكم، ومن أعتق بعض عبده وهو مريض كمل عليه الباقي في ثلثه، ولو وصى بإعتاق بعض عبده أو بحصته من عبد ففي تكميله روايتان: إحداهما وجوبه، والأخرى سقوطه (١). فصل [١ - في عتق حصته من العبد]: وإنما قلنا إنه يعتق عليه حصته من العبد لقوله ﷺ "لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم" (٢) وهذا يملكه كله (٣)، وقوله ﷺ : "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه حصه شركائه" (٤)، ولأنه أعتق ملكا له ليس لأحد حق فيه فوجب نفوذه كالمنفرد به. فصل [٢ - في تكميل نصيب الشريك]: (وإنما قلنا إنه يكمل عليه نصيب الشريك إذا كان موسرًا لقوله ﷺ "من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن المعتق قوم عليه قيمة العدل وأعطى شركاء حصصهم" (٥)، ولأن تبعيض العتق جناية فيلزمه غرم ما أذهبه بجنايته، ولأن العتق مغلب ومبني على السراية فوجود نقصه يؤدي إلى تكميله. فصل [٣ - في اشتراط كون المعتق موسرًا]: وإنما شرطنا أن يكون موسرًا لقوله ﷺ : " … وكان له مال يبلغ ثمن

стр. 1392

العبد قوم عليه وإلا فقد عتق منه ما أعتق" (١) وهذا نص ولأن في تقويم حصة الشريك عليه وهو معسر إضرارا به وبالشريك، وإنما لم نفرق بين الغائب والحاضر لعموم الخبر، ولأن الغائب يحكم عليه عندنا في الحقوق كلها ويستحب التوقف عليه إن كان قريب الغيبة لجواز أن يختار إعتاق نصيبه. فصل [٤ - في عدم التفريق بين إذنه وعدم إذنه]: وإنما لم نفرق بين إذنه وبين عدم إذنه لعموم الخبر، ولأن تكميل العتق يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله تعالى، وحق للعبد، وحق للشريك، فليس له إسقاط حق غيره ولا يصح أيضًا إسقاط حق نفسه قبل وجوبه. فصل [٥ - اعتبار حصة الشريك بعد أخذ القيمة]: وإنما شرطنا في اعتبار حصة الشريك أن يكون بعد أخذ القيمة خلافًا للشافعي في قوله إنه يعتق بالسراية (٢) لقوله ﷺ "من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل وأعطى شركاؤه حصصهم وأعتق عليه" (٣) فشرط في عتقه أن يقوم عليه العبد وأن يدفع إلى الشريك، ولأن تصرف الإنسان في ملكه لا يسرى إلى ملك غيره كالبيع، ولأنه تقويم لإزالة الضرر عن الشريك كالشفعة وقد ثبت أن ملك المشتري لا يزول عن الشقص إلا بعد قبض الثمن فكذلك في [العتق] (٤). فصل [٦ - في كون الولاء لمن أكمل عليه العتق]: وإنما قلنا إن الولاء كله لمن أكمل عليه العتق لأن عتق جميع العبد من جهته فكان الولاء له لقوله ﷺ "الولاء لمن أعتق" (٥).

стр. 1393

فصل [٧ - ليس للشريك أن يأتي تكميل العتق]: وإنما قلنا إنه ليس لشريكه أن يأتي ذلك إذا لم يعتق من حصته لعموم الخبر، ولأن في ذلك إسقاط حق الله تعالى وحق العبد من تكميل العتق فلا يترك ومراده. فصل [٨ - إذا اختار إعتاق نصيبه]: وإنما قلنا إنه إذا اختار إعتاق نصيبه فذلك له لأن الغرض تكميل العتق بينهما فمن أي الشريكين حصل جاز. فصل [٩ - الولاء يكون بينهما]: وإنما قلنا إن الولاء يكون بينهما حينئذ لأن العتق حاصل منهما فلهما الولاء بقدر أنصبائهما. فصل [١٠ - في عدم صحته إعتاقه مؤجلًا]: ووجه قول مالك إنه لا يصح إعتاقه مؤجلًا لأنه باق على الرق إلى أن يحل الأجل، وإن مات قبل الأجل فعلى الرق ويبطل الغرض بتعجيل التكميل، ووجه قول عبد الملك أنه خدمة استثناء من لا يجوز له استخدامه فوجب بتخيير عتقه وسقوط استثنائه. فصل [١١ - في عدم الالتفات إلى قول العبد لا أختار تكميل العتق]: وإنما قلنا لا يلتف إلى قول العبد لا أختار تكميل عتقي لعموم الخبر، ولأن في ذلك إسقاط حق الله تعالى وحق الشريك فلم يجز) (١). فصل [١٢ - إذا كان المعتق معسرًا لم يلزم العبد السعي في قيمة نصيبه]: وإنما قلنا إن المعتق إن كان معسرًا لم يلزم العبد السعي في قيمة نصيبه منه خلافًا لأبي حنيفة (٢)، لقوله ﷺ "من أعتق شركًا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن

стр. 1394

العبد قوم عليه وأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق" (١) ولأنه عتق من غير جهة من كانت من الجناية فلم يكن واجبًا كالمكاتب (٢)، ولأن العبد لم تكن منه جناية ولا إتلاف وكذلك الشريك الذي لم يعتق وسبب الإتلاف هو من المعتق فإذا لم يلزمه تقويمه فالعبد أولى. فصل [١٣ - إذا كانت مع الشريك قيمة بعض النصيب]: وإنما قلنا إنه إذا كان معه قيمة بعض النصيب أخذت منه وعتق بقدرها من العبد لأن وجود المال لما كان شرطا في وجوب التقويم على الشريك وجب أن يكون كل جزء من العبد مقابلًا لجزء من المال، فإذا وجد من المال ما يعتق به بعضه عتق منه بقدره. فصل [١٤ - في التسوية بين العبد المعتق بعضهم مسلمًا أو نصرانيًّا]: وإنما سوينا بين العبد المعتق بعضه مسلمًا أو نصرانيًّا لعموم الخبر، ولأن ذلك حكم بين مسلمين فوجب أن يحكم فيه بحكم الإِسلام. فصل [١٥ - في التسوية بين كون السيد المعتق مسلمًا أو نصرانيًّا]: وإنما سوينا بين كون السيد المعتق مسلمًا أو نصرانيًّا لما قدمناه، ولأنه حكم بين مسلم ونصراني فوجب أن يعتبر فيه حكم الإِسلام اعتبارًا بسائر الأحكام. فصل [١٦ - في العبد المسلم بين نصرانيين يعتق أحدهما]: ووجه قوله في العبد المسلم بين نصرانيين يعتق أحدهما نصيبه منه إنه لا يقوم عليه حصة شريكه (٣) أن تكميل العتق من حقوق الله تعالى (٤) وليس من

стр. 1395

حقوق الآدميين والكفار لا يؤخذون بحقوق الله تعالى ووجه إيجاب التقويم أن في تكميل العتق ثلاثة حقوق، أحدها لله تعالى، والآخر للشريك والآخر للعبد فيجب على هذا أن يكمل على النصراني المعتق نصيبه من العبد المسلم لأنه حكم بين نصراني ومسلم قاله شيخنا أبو القاسم ﵀. فصل [١٧ - إذا مات العبد قبل التقويم]: وإنما قلنا إن العبد إذا مات قبل التقويم فلا قيمة على من أعتق حصته منه لأن القيمة تجب بالحكم فإذا مات تعذر التقويم فلم يلزم الشريك شيء لأنه لم يتلف على شريكه شيئًا. فصل [١٨ - إذا أيسر الشريك بعد الحكم بسقوط القيمة عنه]: وإنما قلنا إنه إذا أيسر بعد الحكم بسقوط القيمة عنه لم يقوم عليه لأن الحكم بذلك قد نفذ فلا ينتقض بتغير الحال من بعد، فأما إذا لم يحكم بذلك حتى أيسر فوجه قوله بوجوب (١) التقويم عموم الخبر، واعتبارًا بيساره وقت الإعتاق، ووجه سقوطه أن العتق ضرب من الجناية والإتلاف فكان من شرط الغرم (٢) فيه اعتبار اليسر وقت الفعل دون وقت الحكم اعتبارا بغيره من الجنايات. فصل [١٩ - عدم غرم الشريك الثاني القيمة إذا أعتق نصيبه لشريكه الثالث]: وإنما قلنا إن الشريك الآخر إذا أعتق فلا قيمة عليه لشريكه الباقي لأن الجناية بتبعيض العتق سابقة لإعتاقه، والقيمة إنما تلزم بالجناية.

стр. 1396

فصل [فصل ٢٠ - هل توزع القيمة بين الشركاء على قدر أنصبائهم أم على عدد رؤوسهم]: ووجه قوله إن القيمة بين الشركاء (المعتقين على قدر أنصبائهم أنه حق لله تعالى تتعلق بالمال لإزالة الضرر عن الشركاء) (١) فكان على قدر الأنصباء اعتبارًا بالشفعة، ووجه قوله إنها على عدد (٢) الرؤوس تساويهم في الجناية بالتبعيض والضرر لا يختلف لكثرة التبعيض وقلته، وإنما قلنا يقوم على الموسر ويسقط عن المعسر لأن الموسر إذا انفرد بإعتاق نصيبه يلزمه قيمة نصيب شريكه والقيمة لا تلزم المعسر فكان انضمامه إلى الموسر غير مؤثر في القيمة عنه إذا كان وجوده كعدمه، وقال عبد الملك يقوم على الموسر بقدر ما كان نصيبه إن كان شريكه المعسر موسرًا، ووجه ذلك أنه لم ينفرد تبعيض العتق وإدخال الضرر بل شاركه غيره في ذلك فإذا سقط حق الذي لم يعتق على المعسر لم ينتقل إلى الموسر. فصل [٢١ - فيمن ملك جزءًا ممن يعتق عليه بالنسب]: وإنما قلنا إن من ملك جزءًا ممن يعتق عليه بالنسب بشراء أو غير ذلك من اختيار التمليك فإن الباقي يقوم عليه فلأن تملكه (٣) باختياره قصد منه إلى إعتاق ما يملك منه فكان كمبتديء العتق في حصته من عبد مشترك بينه وبين غيره فلزمه تمليكه، وفرقنا بين ذلك وبين أن يرثه لأنه لا صنع له في الميراث فلا ينسب تبعيض العتق إليه. فصل [٢٢ - فيمن ورث بعضه ثم عتق عليه]: وإنما قلنا إنه إن ورث بعضه فعتق عليه ثم اشترى منه جزءا آخر أو قبل هبته منه

стр. 1397

عتق عليه ولم يقوم باقيه لأن ابتداء تبعيض العتق لم يكن من جهته، فما يتجرد منه بعد ذلك ليس بجناية توجب عليه التقويم كالشريك الثاني يعتق بعد إعتاق الأول فلا يقوم عليه نصيب الثالث. فصل [٢٣ - في تقويم الأمة بولدها]: وإنما قلنا إن الأمة تقوم بولدها إذا تأخر تقويمها لأن العتق قد تعذر فيها وقد ثبت لها وكان حكم ولدها حكمها، وسواء كانت حاملًا يوم العتق للجزء منها أو حملت بعد ذلك لأنه داخل في حكمها ومقوم على معتق سهمه منها. فصل [٢٤ - الاعتبار بالقيمة في العبد يوم الحكم دون يوم العتق]: وإنما قلنا إن الاعتبار في القيمة يوم الحكم دون يوم (١) العتق لأن القيمة يتقدر وجوبها (٢) بالحكم لا بنفس الإعتاق، ألا ترى أن الشريك لو اختار إعتاق حصته لكان له ذلك، فما لم يحكم بها لا يجب، وإذا كان كذلك كان الاعتبار بها يوم الحكم دون يوم العتق. فصل [٢٥ - إذا أعتق جزءًا من عبد يملك جميعه]: وإنما قلنا إنه إذا أعتق جزءًا من عبد يملك جميعه عتق عليه الباقي لأنه مبتدئ تبعيض العتق فوجب أن يكمل عليه (٣) باقيه أصله العبد المشترك، ولأن الحكم عليه في حصته أقوى من الحكم في حصة غيره فلما كان التكميل (٤) واجبًا عليه في حصة غيره كان في حصة نفسه أولى.

стр. 1398

فصل [٢٦ - في وجه الرواية أنه يعتق الباقي بالحكم]: ووجه الرواية الظاهرة أنه يعتق الباقي بالحكم اعتباره (١) بالعبد بين الشريكين، ووجه السراية أنه مبني على التغليب فهذا بعض في حق نفسه لم يبعض وسرى إلى الجميع، كان لو قال يدك حرة أو رجلك، ويفارق ذلك العبد المشترك لأن تكميل العتق هناك جهة غير جهته (٢) يمكن فيهما، بخلاف المنفرد به. فصل [٢٧ - في ابتداء العتق في المرض]: وإنما قلنا إنه إذا ابتدأ ذلك في مرضه قوم عليه الباقي في ثلثه لأن التصرف على غير وجه المعارضة لا يجوز في المرض إلا في الثلث كالهبة والصدقة. فصل [٢٨ - في وصيته بإعتاق بعض عبده أو بشرك له]: ووجه قوله في الوصية بإعتاق بعض عبده أو بشرك له فيه (٣) فإنه يكمل عليه بقيته عموم الخبر، والمعتق في وصيته معتق، ولأنه مختار للتبعيض (٤) فأشبه مباشرة الإعتاق في الحياة (وإذا وجب التكميل فهو في الثلث لأن حكم الثلث بعد الوفاة حكم جميع المال في الحياة) (٥)، ولأنه لا يملك بعد موته إلا الثلث، ووجه نفي التكميل أن ملكه قد انتقل إلى ورثته وليس له إلا ما تصرف فيه من ثلثه وما لم يتصرف فيه في وصيته فهو للورثة ولم يكن من الورثة جناية توجب تكميل العتق عليهم فلا يجب التكميل (٦) في حقوقهم. …

стр. 1399

باب [- حكم المعتقين عند موت سيدهم] ومن أعتق في مرضه سته أعبد لا مال له غيرهم وما من ذلك المرض أقرع بينهم فأعتق الثلث ممن خرج عليه السهم منهم ورق الباقي ولا يعتق من كل واحد ثلثه (١) وقال أبو حنيفة لا مدخل للقرعه في العتق أصلًا ولكن يعتق من كل واحد ثلثه (٢) ويستسعى في قيمة بقيته فإذا أداها إلى الورثة عتق (٣). ودليلنا حديث عمران بن الحصين أن رجلًا أعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم فبلغ ذلك النبي ﷺ فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة (٤) ففيه أدلة: (أحدها أنه ﷺ أقرع، وعند المخالف أنه لا يقرع) (٥)، والثاني أنه أعتق اثنين كاملين وعندهم لا يعتق رأس كامل، والثالث أنه نقل الحكم والسبب فلم ينقل الاستسعاء فدل على أنه غير واجب ولأن المريض ممنوع من جميع ماله فلم يكن له أن يعتق كل عبيده إذا كان لا يملك غيرهم فهذا فعل ذلك عتق منه الثلث الذي كان يملك التصرف فيه ورق الباقي ولم يكن بعضهم أولى من بعض إذن لا مزية لبعضهم واحتيج إلى تمييز من يعتق من نصيب الورثة فلم يكن إلى ذلك طريق إلا الإقراع. فصل [١ - فيمن قال ثلث رقيقي أحرار]: ولو قال ثلث رقيقي أحرار أسهم بينهم لأنه لم يعين فوجب الإقراع لتمييز

стр. 1400

نصيب العتق (١) من نصيب الرق اعتبارًا بعتق جميعهم ولو قال ثلث كل واحد منهم حر لم يقرع بينهم لأنه قد يتميز نصيب العتق (٢) من نصيب الرق وقصد إلى إعتاق ثلث كل واحد منهم فنفذ العتق فيه ولم ينقل إلى غيره، وإذا أعتق الثلث شائعًا فلم يقصد عتق عبد بعينه ولا ميزه من غيره ولذلك وجب الإقراع (٣). فصل [٢ - في المعتق بعضه]: والمعتق بعضه يكون له من نفسه بقدر ما فيه من العتق يقاسم سيده الخدمه كالعبد بين شريكين (٤) وماله موقوف بيده ليس للسيد (٥) انتزاعه كالمشترك أنه ليس لأحد الشريكين أخذ ماله بغير إذن الآخر، وحاله في جراحه وحدوده حال عبد في أنه لا يقتص له من حر ولا يحد الأحرار (٦) ولا يكون محصنًا ولا تقبل شهادته (٧) لأن أحكام الرق أغلب عليه (٨) من أحكام الحرية، كذلك إن مات ورثه من يملك بعضه كالعبد لأن الرق مقدم على الحرية، ولأن المواريث (٩) طريقها الفضيلة ولم يبلغ منزلة الفضيلة فيرث أو يورث ولا شيء لمن أعتق نصيبه منه لأنه لا حكم لبعض الولاء مع الرق.

стр. 1401

فصل [٣ - حكم المثلة بالرق]: ومن مثل بعبده فقطع بعض أطرافه أو أعضائه أو سجل أسنانه أو فقأ عينه قاصدًا لذلك لزمه إعتاقه (١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله ﷺ "من مثل بعبده عتق عليه" وروي "فهو حر عليه" (٢) ولأن ذلك عقوبته لئلا يعود إلى مثله فعوقب بعتقه كعقوبة القاتل عمدا بمنع الميراث، وإذا أراد أدبه فأصابه من ذلك ما لم يرده فلا يعتق عليه لأن الخطأ لا يستحق عليه به عقوبة لأنه غير مقصود ولا إثم فيه. وإذا أعتق عليه فولاؤه له لأنه هو المعتق له وإن كان معتقه مستحقًا عليه كالعتق في الكفارة ومن يعتق عليه من نفسه، وعنه في كيفية عتقه روايتان: إحداهما أنه يعتق عليه (٣) بنفس المثلة (٤) دون الحكم، والأخرى دون نفس المثلة، فوجه الأولى قوله ﷺ : "من مثل بعبده عتق عليه"، وروى "فهو حر عليه" (٥) وظاهره يفيد بنفس الفعل، ووجه الثانية أنه فعل من جهته في العبد استحق به إعتاقه بالشرع فوجب أن يفتقر إلى الحكم (٦) كتبعيض العتق. فصل [٤ - في مال العبد المعتق]: ومن أعتق عبدًا (٧) تبعه ماله إلا أن يشترطه السيد، وكذلك إذا أوصى بعتقه (٨)، لقوله ﷺ "من عتق عبدًا وله مال فماله له إلا أن يستثنيه سيده" (٩)،

стр. 1402

وكذلك حكم إعتاقه المباشر في الوصية واحد، ولهذه المسألة فروع مبنية على أصلين يختلف قول مالك فيهما وهما: بيع العبد وعتقه لم يختلف قوله في أن البيع يكون المال للبائع إلا أن يشترطه المشتري وفي العتق يكون تابعًا للعبد إلا أن يستثنيه السيد. واختلف عنه في الوصية به وهبته بغير عوض والتصدق به وإسلامه في الجناية فعنه فيها روايتان: إحداهما أن ماله يتبعه، والأخرى أن ماله لسيده الأول، وإنما يختلف في ذلك لاختلاف تعليل الأصلين فالبيع والعتق معللان بإحدى علتين: إحداهما أن البيع خروج ملك بعوض فلذلك لم يتبع العبد ماله، والعتق خروج ملك بغير عوض (فلذلك تبعه ماله فعلى هذا الإعتلال يكون ماله في الوصية والصدقة والهبة تابعًا له لأن كل ذلك خروج ملك بلا عوض) (١)، وفي أرش الجناية لا يتبعه لأنه خروج ملك بعوض والأخرى أن علة البيع أنه خروج ملك إلى (٢) ملك فلذلك لم يكن تابعا له، والعلة في العتق أنه خروج ملك إلى غير (٣) مالك لذلك يتبعه ماله وعلى هذا يكون في الوصية والهبة والصدقة ماله لسيده الأول لا يتبعه لأنه خروج ملك إلى مالك كالبيع. فصل [٥ - في ولد العبد المعتق]: ولا يتبعه ولده لأن ولده ملك لسيده فلا يتبعه كسائر أملاك (٤) سيده. فصل [٦ - في عتق الجنين مع الحامل إذا اعتقت]: ومن أعتق حاملًا عتق جنينها معها لأن كل ولد حدث من تزويج أو زنا

стр. 1403

فهو تابع لأمه في الحرية والرق (١)، وكل عقد في الرقبه لا سبيل إلى حله اعتبارًا بالأمة تزوج، ولأنه لا يوجد في الأصول حرة حامل (٢) بعبد. فصل [٧ - في عتاقة المديان]: عتاقة المديان الذي أحاط الدين بماله لا تجوز إلا بإجازة الغرماء (٣) لأن حقوق الغرماء متعلقة بماله وذمته ولهم التسلط على انتزاع ماله من يده في حقوقهم ففي إعتاقه إتلاف أموالهم فلا ينفد إلا بإجازتهم. فصل [٨ - في عتاقة المولى عليه]: عتاقة المولى عليه غير جائزة (٤) لأن الحجر عليه يمنعه من التصرف في ماله فيما (ليس بحظ له وجواز ذلك إتلاف) (٥) ماله وزوال فائدة الحجر. فصل [٩ - في عتاقة الغلام والجارية قبل بلوغهما]: عتاقة الغلام والجارية قبل بلوغهما غير جائز (٦) لأنه قبل البلوغ لا حكم لقوله ولا لعقوده ولأنه ممنوع من التصرف في ماله بالحجر الثابت عليه، ولأن البالغ المولى عليه لا ينفذ (٧) عتقه فالصغير أولى. فصل [١٠ - إذا وطيء المديان أمة لا يملك غيرها]: إذا وطء المديان أمة لا يملك غيرها وحملت فإنها تكون أم ولد ويتعلق حقوق الغرماء بذمته ولا تباع في الدين (٨)، والفرق بين ذلك وبين أن يعتقها بالقول

стр. 1404

فلا ينفذ إلا بإذن الغرماء: أن الفعل إذا وقع لا يمكن إزالته وقد استقر عقد العتق فتعذر إبطاله ألا ترى أن المريض لا ينفذ عتقه بالقول فلو وطء أمة فحملت لكانت أم ولد. فصل [١١ - الذين يعتقون على ملاكهم بالقرابة]: الذين يعتقون على مُلاكهم بالقرابة عمودي النسب الأعلى والأسفل كالوالدين والأجداد والجدات من قبل الأب والأم قربوا أو بعدوا والوارثين وغير الوارثين وأولادهم الذكور والإناث منهم والإخوة والأخوات من أي قبيل كانوا هم أنفسهم لا يتعدى ذلك إلى أولادهم ولا يعتق من سواهم من عم أو عمة أو خال أو خالة لا من يحرم منهم ولا من لا يحرم (١). والكلام في هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها وجوب العتق في عمودي النسب خلافًا لداود في قوله لا يعتق أب ولا ابن إلا أن يبتدئ المشتري بإعتاقه (٢)، والثاني في الأخوة خلافًا للشافعي في قوله إنهم لا يعتقون (٣) والثالث مع أبي حنيفة في قوله أن كل ذي رحم يعتق بالملك (٤). فدليلنا على داود قوله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) ..... إلى قوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (٥) فنفى عن نفسه اتخاذ الولد وعلل ذلك بأن الكل عبيد له وذلك ينفي كون الولد عبدا، وقوله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" (٦) ولأن المخالف لا يخلو أن يقول إن الإنسان

стр. 1405

إذا ملك أباه وابنه فإنه يعتق عليه بنفس الملك فذلك قولنا أو يقول لا يعتق (١) عليه بل يؤمر بإعتاقه ويلزم ذلك، وكل هذا خلاف الأصول لأن الإنسان لا يستحق عليه إيقاع حرية في ملكه بغير سبب كان من جهته كالنذر والكفارة. فصل [١٢ - في الدليل على الشافعي في قوله إنهم لا يعتقون]: ودليلنا على الشافعي عموم الخبر، ولأن الأخوة نسب يحجب الأم عن الثلث إلى السدس كالولادة، ولأن التعصيب تكون من ذكورهم لإناثهم (٢) كالولد. فصل [١٣ - في الدليل على أبي حنيفة في قوله أن كل ذي رحم رحم يعتق بالملك]: ودليلنا على أبي حنيفة في العم والخال لأن كل من حلَّت لإنسان (٣) بنته بعقد نكاح أو بملك يمين لم يعتق عليه بالملك كذلك (٤) العم لأن ابنته تحل لابن عمها، ولأن كل جنس يرث ذكورهم دون أبنائهم فلا يعتقون بالملك كبني العم. فصل [١٤ - في عدم الحاجة إلى حكم الحاكم في الذين يعتقون على ملاكهم بالقرابة]: ولا يحتاج في ذلك إلى حكم حاكم بل يعتقون به بنفس الملك (٥) لقوله ﷺ "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" (٦)، ولأن الحاكم إنما يراد فيما يجوز تبقيته بوجه فأما سوى ذلك فلا حاجه بالحاكم إليه (٧).
следующие страницы →