← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

باب [ستر العورة] اختلف أصحابنا في ستر العورة: هل هو شرط في صحة الصلاة أم لا؟ (١) فإذا قلنا: إنه شرط فوجهه قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٢)، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣)، ولأن كل ما كان واجبًا في غير الصلاة تأكد وجوبه في الصلاة، وإذا قلنا بالوجه الآخر فلأن [هيأة] (٤) الصلاة من حقها بأن يتعلق [وجوبها] (٥) بالصلاة، فيجب بوجوبها ويسقط بسقوطها كالطهارة وغيرها، فلما اتفقنا على أن وجوب ستر العورة لا يقف على الصلاة، بل يجب في كل حال أن يستر عن أعين الناس دل على أنها ليست من شرط صحة الصلاة. فصل [١ - عورة الحرة]: الحرة جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين، فيجب عليها ستر جميعه إلا قدر ما ذكرناه (٦)، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر

стр. 212

منها﴾ (١) قيل: الوجه والكفان، وروي أن أم سلمة سألت النبي ﵊: أتصلي المرأة في درع وخمار (٢) ليس عليها إزار قال: "إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها"، وهو في الموطأ موقوف على أُم سلمة (٣)، وروي نحوه عن عائشة ﵂ (٤). فصل [٢ - عورة الرجل]: وأما عورة الرجل فمن سرته إلى ركبته (٥)، ومن أصحابنا من يقول: هو من فوق العانة إلى الركبة (٦)، والفخذان من العورة (٧)، خلافًا لمن قال: أن العورة السؤتان فقط (٨)، لقوله ﷺ : "إذا زوج أحدكم عبده فلا ينظر ما بين سرته إلى ركبتيه"، وفي بعض الطرق: "فإن ما بين السرة إلى

стр. 213

الركبة عورة" (١)، وقوله لعليّ ﵁: "لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" (٢)، وفي حديث عبد الله بن جرهد عن أبيه أن النبي ﷺ قال له: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" (٣). فصل [٣ - عورة الأَمة]: فأما الأَمة فعورتها مثل عورة الرجل (٤)، بدليل جواز تقليبها عند الشراء ورؤية شعرها وذراعيها، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يضرب الإماء، إذا لبسن الإزار، ويقول: "لا تتشبهن بالحرائر"، وقال: لابنه ألم أخبر أن جاريتك خرجت في الإزار تشبهت بالحرائر ولو لقيتها لأوجعتها ضربًا (٥). فصل [٤ - الصلاة في ثوب واحد]: الصلاة في الثوب الواحد إذا ستر العورة جائز (٦)، لأنه ﷺ

стр. 214

كان يصلي في الثوب الواحد" (١)، وقال لما سُئل عنه: "أَوَ لِكُلكُّم ثوبان" (٢) إذا ثبت هذا فيكره أن يصلي عاري الكتفين من رداء أو ما يقوم مقامه في الجماعة (٣)؛ لأن النبي ﷺ كان لا يصلي إلا برداء (٤)، ويكره السراويل (٥) وحده لأنَّه من زي الأعاجم، والأفضل في الثوب الواحد في القميص لا يعري به الكتف، فإن لم يكن فالمئزر أفضل من السراويل. فصل [٥ - تغطية الأنف في الصلاة]: ولا يغطى في الصلاة أنفه (٦)، لنهيه ﷺ عن ذلك، وقوله: "خط كخط الشيطان" (٧)، ولأنه ضرب من سوء الأدب وترك التوقير للصلاة. فصل [٦ - اتقاء الحر والبرد بثوب المصلي]: ويجوز أن يتقي بثوبه الحر والبرد وأذى الأرض (٨) لما روي: "أنه صلى الله

стр. 215

عليه وسلم كان يصلي في كم له يتقي بفضوله حر الأرض وبردها" (١) ولأن شدة الحر والبرد متى كلف المصلي مباشرته بيده يمنع الخشوع وأداء الصلاة على ما يجب لها. فصل [٧ - كفت الشعر والثوب في الصلاة]: كفت الشعر (٢) والثوب له حالان (٣): حال يكره فيها، وحال يباح، فأما حال الإباحة فأن يكون فعل ذلك لغير الصلاة لعمل كان يعمله، فشمر كمه أو ذيله أو كفت شعره لعمله الذي يربأه ثم أدركته الصلاة، فهذا يجوز له أن يصلي على هذه الحال لأنه لم يقصد بذلك الصلاة فينسب إلى التكبر وترك الخشوع، وحال الكراهة أنه يكون قاصدًا بذلك الصلاة، وأن يصون ثوبه وشعره أن يصيب بهما الأرض، وذلك لقوله ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا يكفت شعرًا ولا ثوبًا" (٤)، فأخبر أن النهي عن ذلك [هو] (٥) إذا قصد به الصلاة، ولأن فيه ضربًا من التجبر وترك الخشوع. …

стр. 216

باب [السهو في الصلاة] السهو (١) في الصلاة ضربان: سهو نقصان وله سجدتان أكثر أم قل تؤخران على حاله إلى آخر الصلاة مع النقصان يؤتي بها قبل السلام وفي الزيادة بعده (٢)، فإن اجتمعا -ولا يخلوا أن يكونا من أحد الضربين أو من كليهما- فإن كان من أحدهما مثل أن يزيد في الصلاة زيادتين أو ينقص منها سجد للكثير مثل سجوده للقليل، وإن كان زيادة ونقصًا، لم يزد على سجدتين لكن يغلب النقصان فيسجد له قبل السلام. وإنما فرقنا بين النقصان والزيادة لتفريق رسول الله ﵊ بينهما، ففي حديث ابن بحينه: "أنه ﷺ قام من اثنتين فقام الناس معه، فما بلغ آخر الصلاة وانتظر تسليمه سجد سجدتين قبل السلام ثم سلم" (٣)، وفي حديث أبي هريرة: "أنه ﷺ قام من اثنتين فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فقال: "أحقًّا ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فأتم ما بقى من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم (٤). ومن جهة المعنى: فلأن سجود النقصان جبران للنقص الواقع في الصلاة

стр. 217

وسبيل الجبران للنقص في العبادة أن يكون فيها لا بعدها، وسجود الزيادة ترغيم للشيطان وشكر لله تعالى على إتمام الصلاة وإكمالها (١)، فلم يكن فيه المعنى المقتضى لوقوعه قبل التسليم، ولأنه لما زاد في الصلاة ما سهى بفعله لم يجز أن [يكون] (٢) فيها السجود لأنها لا تحتمل زيادتين، وليس كذلك النقصان لأنه لما نقص منها جاز أن يكون السجود فيها جابر (٣) للمتروك. فصل [١ - أدلة تأخير السجود إلى آخر الصلاة وألا يزيد على سجدتين]: وإنما قلنا: أنه لا يسجدهما عقيب السهو، بل يؤخرها إلى آخر الصلاة لأن رسول الله ﷺ كذلك فعل (٤)، ولأنهما لجميع السهو فأخر إلى آخر الصلاة لجواز أن يتبع السهو سهو آخر فيكون السجود لجميعه، وإنما قلنا: أنه لا يزيد على سجدتين، وإن أكثر السهو لقوله ﷺ : "لكل سهو سجدتان" (٥)، واتفق على أن المراد بذلك جنس السهو، ولأن الأصل في السجود الذي يفعل بسبب السهو اقتضى أن يكون عقيب سببه كسجود التلاوة ألا أنَّه جعل سجود السهو مؤخرًا إلى آخر الصلاة، لهذا المعنى وهو أنه لجميع جنسه، إذ قد يمكن أن يسهو ثانيًا ألا ترى أن سجود التلاوة لما كان لكل سجدة تقرأ سجود يخصها أُتِيَ به عقيب سببه. فصل [٢ - اجتماع الزيادة والنقصان في الصلاة]: وإنما قلنا: أنه إذا اجتمع زيادة ونقصان سجد لهما قبل السلام (٦)، فلأنه لا

стр. 218

يخلو من ثلاثة أحوال: إما ألا يسجد أصلًا وذلك غير جائز بالاتفاق، أو أن في سجد أربع سجدات، وذلك غير جائز لأنه خلاف للأصول، أو أن يغلب أحدها فكان النقصان أولى بالتغليب لأنه جبران وسجود الزيادة شكر وإرغام للشيطان، ولا يجوز أن يؤتى بسجود الشكر على [ترك صلاة] (١) ناقصة ولا أن يرغم الشيطان بترك الصلاة ناقصة غير مكتملة، فلذلك وجب تغليب النقصان. فصل [٣ - التكبير في سجدتي السهو]: ويكبر في سجدتي السهو (٢) حال ابتدائهما والقيام منهما؛ لأن رسول الله ﷺ فعل ذلك (٣)، ولأن الشروع في كل السجود بتكبير، فكذلك الرفع منه اعتبارًا بسجود الصلاة وسجود التلاوة. فصل [٤ - التشهد لسجدتي السهو بعد السلام]: "فإذا كانت بعد التسليم تشهد لهما" (٤)؛ لأن رسول الله ﷺ فعل ذلك (٥) ولأن من سبيل السلام أن يكون عقيب تشهد ألا ترى أن سلام التحليل لا يكون إلا عقيب تشهد أو لا ترى أنه إذا فرغ من تشهده ثم قام ونسي السلام، فإنه يرجع إذا كان قريبًا فيعيد التشهد ثم يسلم، ولا يكتفي بالتشهد الأول لتراخيه عن السلام. فصل [٥ - هل يتشهد للسجدتين التي قبل السلام؟]: وأما السجدتان قبل السلام ففيهما روايتان (٦): إحداهما أنه يتشهد لهما،

стр. 219

والآخر أنه لا يتشهد لهما، فوجه قوله: إنه يتشهد لهما ما روى عمران بن حصين: "أن النبي ﷺ سهى فسجد سجدتين ثم تشهد وسلم" (١)، ولأنه سجود عن سهو فأشبه الذي بعد السلام، ولأن السلام يقتضي أن يكون عقيب تشهد اعتبارًا بالصلاة التي لا سهو فيها، والتشهد الذي أتي به قد تخلل بينه وبين السلام سجود السهو فيجب أن يستأنف غيره ليقع السلام عقيبه، ووجه كونه لا يتشهد له أنه يكتفي في ذلك بالتشهد الأول لأنه لم يفصل بينه وبين السجود بسلام، ولأن الركعة الواحدة لا يتشهد فيها تشهدين. فصل [٦]: ويسلم من اللتين بعد السلام (٢)، لأن النبي ﷺ سلم منهما" (٣)، فأما اللتان قبل السلام فإن السلام من الصلاة يغني عن تجديد سلام لهما. فصل [٧ - في كيفية التسليم من سجدتي السهو]: وفي كيفية التسليم منها روايتان (٤): إحداهما أنه يجهر به كالتسليم من الصلاة ووجهها أنه يسلم عقيب تشهد، فأشبه التسليم من الصلاة، والأخرى أنه يخفيه اعتبارًا بصلاة الجنائز، ولأنها صلاة لا ركوع فيها. فصل [٨ - من ترك سجود السهو الذي هو بعد السلام]: إذا ترك السجود بعد السلام ناسيًا سجد متى ذكر ولم يُعِد الصلاة لتركه، والذي قبل السلام يأتي به ما دام عن قرب وفي مجلسه، فإِن تباعدا وانتقض وضوءه أعاد (٥). والفرق بينهما أن الذي بعد السلام ليس من الصلاة، وما

стр. 220

يفعل بعد العبادة لا تفسد بتركه، والذي قبل السلام هو في نفس العبادة قبل التحلل منها فجاز أن يبطل بتركه، ولأن سجود الزيادة شكر لله وترغيم للشيطان على تمام الصلاة فهو يتضمن صحتها وانتفاء الفساد عنها، وسجود النقصان جبران للنقص الواقع فيها، فجاز أن يفسد بتركه. فصل [٩ - حكم إعادة الصلاة عمن ترك جميع السجود]: وقد اختلف عنه هل تعاد الصلاة عمن ترك جميع السجود للنقصان أو بعضه، فعنه في ذلك روايتان (١): إحداهما أن ذلك حكم جميع السهو (٢)، والآخر أنها تعاد من ترك السجود لنقص الأفعال دون الأقوال، فوجه الأولى هو أنه جبران للنقص الواقع في الصلاة فأشبه [النقص] (٣) عن الأفعال، ووجه الثانية هو أن حكم الأفعال آكد من حكم الأقوال بدلالة أن الإمام يحمل على المأموم من أركان الأقوال وهو القراءة، ولا يحمل عنه شيئًا من أركان الأفعال. فصل [١٠ - أنواع المتروك من الصلاة وما يسجد له منها]: المتروك من الصلاة أربعة أنواع: فرض، وسُنَّة، وفضيلة، وهيئة: فالمفروض لا يجزيه سجود السهود ولا يجزى مَن تركه إلا الإتيان به، وذلك كتكبيرة الإحرام والقراءة بأُم القرآن والركوع والسجود وغيرها من فرائض الصلاة، والهيئات كرفع اليدين وصفة الجلوس وما أشبهه، وكذلك الفضائل الداخلة على الصلاة، وليست من أصل بنيتها كالقنوت وسجود التلاوة، لا يسجد للسهو منها، والمسنون مثل سورة مع أُم القرآن في الركعتين الأوليين والإسرار والجهر في مواضعها والتكبيرات غير الافتتاح وما أشبه ذلك [من السنن] (٤) هو الذي يسجد له (٥).

стр. 221

فصل [١١ - إذا لم يدر كم صلى]: إذا لم يدر كم صلى، له حالاتان (١): حال يستنكحه الشكوك ويغلب عليه ولا يصح له معها يقين، فهذا ضرب من ضروب الوسواس فينبغي أن يلهى عنه ولا يلتفت إليه، ويستحب له أن يسجد بعد السلام لأنه إلى الزيادة أقرب، وحال يقل شكه أو يكثر إلى حد يمكن معه معرفة اليقين ولا ينتهي إلى أن يحصل يقين، فهذا إذا شك بني على يقينه وسجد بعد السلام ولا يرجع إلى غالب الظن ولا تخمين، خلافًا لأبي حنيفة (٢)، لقوله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليس على اليقين، فهذا استيقن التمام سجد سجدتين" (٣)، ولأن أمر الصلاة مبني على الاحتياط، والاحتياط هو البناء على اليقين دون غالب الظن والتخمين. فصل [١٢ - من نسي تكبيرة الإحرام]: إذا نسي تكبيرة الإحرام في صلاته أعاد سواء أكان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا (٤) فإن ذكر وهو في الصلاة: فإن كان لم يكبر للركوع ابتدأ الصلاة، وإن كان إمامًا [أعلم] (٥) من خلفه بالذي لأجله فعل ذلك لئلا يخلط عليهم، فإن كبر للركوع فإن كان إمامًا أو منفردًا فحاله في ذلك كحاله قبل أن يكبر للركوع، وإن كان مأمومًا نظر: فإن أمكنه أن يرفع رأسه فيكبر للإحرام ويلحق الركعة مع الإمام فعل، وإن غلب على ظنه أنه إن فعل ذلك فاتته الركعة استحببنا له أن يمضي مع الإمام ثم يعيد الصلاة، وإن اختار أن يقطع ويبتديء فذلك له.

стр. 222

ووجه استحبابنا له ذلك أن من أهل العلم من يذهب إلى أن تكبيرة الركوع تنوب عن تكبيرة الإحرام فلم نأمره بالخروج من صلاة يختلف أهل العلم في انعقادها، وكان ذلك مخالفًا لحاله قبل أن يكبر للركوع، ولأن أحد لا يقول: أن الصلاة منعقدة به بغير تكبيرة، وهذا للمأموم لأنه قد عقد صلاته بصلاة إمامه، فأما إن كان إمامًا أو منفردًا فلا يوجد هذا المعنى فيهما. فصل [١٣ - سهو المأموم]: إذا سهى المأموم لم يسجد وحمله الإمام عنه (١)، لقوله ﷺ : "الإمام ضامن" (٢)، والضامن يقتضي مضمونًا وذلك هو القراءة وسجود السهو، ولأنه لما ألزمه أن يسجد في سهو الإمام، وإن لم يكن منه سهو جاز أن لا يسجد في سهو بأن يتحمله عنه الإمام. فصل [١٤ - المسبوق يسهو إمامه]: إذا فاته بعض الصلاة مع الإِمام، وكان الإمام قد سها فينظر: فإن كان سجوده قبل السلام سجد معه لوجوب اتباعه، وإن كان بعده انتظر إلى أن يفرغ من قضاء ما عليه، ثم يسجد لأن عليه أن يتبع الإمام على حد ما يفعل الإمام، والإمام أتى بهذا السجود بعد فراغه من الصلاة، فكذلك يفعل المأموم. فصل [١٥ - الكلام في الصلاة]: الكلام عامدًا لا لإصلاح الصلاة يبطلها من غير خلاف (٣)، فأما الكلام

стр. 223

سهوًا فلا يبطلها (١) خلافًا لأبي حنيفة (٢)، لقوله: "رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان" (٣)، ولأنه كلام أتى به سهوًا [أشبه] (٤) أن يقول السلام عليكم. فصل [١٦ - الكلام لمصلحة الصلاة]: وإذا لم ينتبه إمامه إلا بالكلام فتكلم لم تبطل صلاته (٥)، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة (٦)، لقوله: "أحقًّا ما يقول ذو اليدين" (٧)، وكذلك كلام ذي اليدين، ولأن الحاجة داعية إليه لمصلحة الصلاة فأشبه قوله سبحان الله. …

стр. 224

باب [القنوت في صلاة الصبح، والصلاة النافلة] والقنوت فضيلة (١) في صلاة الصبح (٢)، خلافًا لأبي حنيفة (٣)، "لأن رسول الله ﵊ كان يقنت في صلاة الفجر" (٤)، وقال أنس: ما زال رسول الله ﷺ يقنت فيها حتى فارق الدنيا (٥)، ولأن أكابر الصحابة فعلوه بعده مثل: أبي بكر، وعمر، وعليّ، وأبي موسى (٦)، وابن عباس (٧) والبراء بن عازب (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 225

فصل [١ - موضع القنوت]: وموضعه الركعة الثانية (١)، وكذلك فعل رسول الله ﵊ (٢) وهو مخير إن شاء قبل الركوع، وإن شاء بعده؛ لأن كل ذلك قد روي عن الصدر الأول، وروي عن عمر (٣) وعثمان، وعليّ (٤)، وقيل: إنما فعله عمر ليدرك الصلاة من يتأخر مجيئه إليها. فصل [٢ - تحية المسجد]: ومن دخل المسجد ركع قبل أن يجلس لقوله ﵊: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" (٥). فصل [٣ - الصلاة في أوقات النهي]: لا تصلي نافلة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد الفجر حتى تطلع (٦)، لقوله ﵇: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" (٧)، ولأنه "نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الفجر حتى تطلع" (٨)، وقيل: إنها تطلع وتغرب بين قرني الشيطان.

стр. 226

فصل [٤ - الصلاة التي لها سبب في أوقات النهي]: لا خلاف في منع ذلك فيما لا سبب له، فأما فيما له سبب مثل أن يدخل المسجد فيريد تحيته أو ما أشبه ذلك فسبيله في المنع عندنا سبيل ما لا سبب له، واختلف في صلاة الكسوف وسجود القرآن (١)، وقال الشافعي: كل نافلة لها سبب مثل تحية المسجد وقضاء فائته جائز فعلها في الأوقات المنهي عنها (٢)، ودليلنا قوله: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" (٣) فعم، ولأنها صلاة نفل فأشبهت ما لا سبب له. فصل [٥ - قضاء الفوائت في الأوقات المنهي عنها]: وتقضي الفوائت من الفرائض في الأوقات المنهي عنها (٤)، خلافًا لأبي حنيفة (٥)، لقوله: "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (٦)، ولأنها صلاة فرض فأشبهت عصر يومه أو فجره. فصل [٦ - من صلى ركعتي الفجر في بيته ثم دخل المسجد]: إذا صلى ركعتي الفجر فى بيته ثم دخل المسجد فقيل: يركع تحية المسجد، وقيل: يجلس ولا يركع (٧)، فوجه الأول: قوله: "إذا دخل أحدكم المسجد

стр. 227

فلا يجلس حتى يركع ركعتين" (١)، ولأنه داخل إلى المسجد [لأداء] (٢) صلاة الفجر وأشبه إذا لم [يصل] (٣)، ووجه الثاني في قوله ﷺ : "إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر" (٤). فصل [٧ - صلاة الوتر]: الوتر (٥) سُنَّة مؤكدة (٦)، خلافًا لأبي حنيفة (٧) في قوله: إنها واجبة وليست بفرض ولا سُنَّة، لقوله ﷺ للأعرابي لما سأله عن الإسلام: "خمس صلوات في اليوم والليلة" (٨)، ولو كانت الوتر واجبة لكان يقول ستًّا، وقال: هل عليَّ غيرهن، قال: "إلا أن تتطوع" (٩)، وذلك ينفي وجوب ما عدا الخمس، وقوله: "أمرت بالوتر وهو لكم سُنَّة" (١٠) ولأنه ﷺ صلاها على الراحلة" (١١)، ولو كانت

стр. 228

واجبة لم يفعل ذلك، ولأنها صلاة ليست من سُنَّتها الأذان بوجه فلم تكن واجبة على الأعيان ابتداء أصله سائر النوافل، ولأن كل صلاة لم تكن فرضًا لم تكن واجبة بأصل الشرع كركعتي الفجر. فصل [٨ - في صفة صلاة الوتر]: صفة الوتر: أن يأتي بركعة قبلها شفع منفصل منها، وليس لما قبلها من الفعل حد، وأقله ركعتان، ولا يوتر بركعة منفردة عن شفع قبلها (١)، وإنما قلنا: أن ركعة منفصلة (٢) خلافًا لأبي حنيفة (٣) في قوله: ثلاث ركعات، لقوله صلي الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" (٤)، فنص على أن الوتر ركعة وروت عائشة ﵂: "أنه ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة" (٥)، ومتى قلنا أنه يوتر بثلاث ركعات لا يفصل بينهما بواحدة، ولا نفل قبلها لم يكن ذلك وترًا، وهذا هو الدليل على الشافعي في أن له يوتر بركعة لا نفل قبلها (٦)، ويدل عليه قوله: "فإذا خفت الصبح فواحدة توتر لك ما قد صليت" (٧)، فجعل من شرط استحقاقها اسم الوتر تقدم صلاة قبلها تكون وترًا لها.

стр. 229

فصل [٩ - ما يقرأ في الشفع والوتر]: المستحب في قراءة الشفع: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فى الأولى، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ في الثانية، وفي الوتر الإخلاص والمعوذتان (١)، لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﵇: "كان يقرأ بذلك فيها" (٢). فصل [١٠ - صفة القراءة في الوتر]: القراءة في الوتر جهرًا (٣)، لأنه ﷺ كان يجهر فيه بالقراءة (٤)، ولأنه لو لم يكن يجهر لما تعلموا ما كان يقرأ به، لأن إخبارهم بذلك كان عن سماع ومشاهدة. فصل [١١ - حكم دعاء القنوت]: دعاء القنوت غير مسنون في الوتر إلا في النصف الآخر من رمضان، ففيه روايتان (٥)، وإنما قلنا: أنه ليس بمسنون لأن عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس على أبي (٦)، فصلى بهم عشرين ليلة ولم يقنت في النصف الأول،

стр. 230

وتخلف في منزله العشرة الأخيرة، فقوموا مكانه معاذًا (١)، فصلي بهم بقية الشهر (٢)، فدل ذلك على أن ترك القنوت في النصف الأول إجماع، وإلا كانوا ينكرون على أبي تركه، ووجه قوله: إنه مسنون في النصف الآخر: ما رويناه من حديث معاذ، ووجه قوله: إنه ليس بمسنون اعتباره بالنصف الأول، ولأن زمان رمضان لا يؤثر في زيادة الأدعية المسنونة في الصلاة. فصل [١٢ - من طلع عليه الفجر ولم يوتر]: من طلع الفجر عليه ولم يوتر فليوتر ما لم يصل الفجر، فإن صلاها فلا يوتر (٣)، لأنَّه ما لم يصل الفجر يكون [وقته] (٤) متصلًا بما هو وتر له، فإذا صلى الفجر فقد حال بينه وبين صلاة من غير جنسه ففات وقته. فصل [١٣ - فضيلة ركعتي الفجر]: لا خلاف في فضيلة ركعتي الفجر (٥)، لقوله ﷺ : "ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها" (٦)، وندبه ﷺ إليها ومداومته عليها [وترغيبه] (٧) فيهما.

стр. 231

فصل [١٤ - حكم ركعتي الفجر]: اختلف أصحابنا هل هما سُنَّة أم لا (١)؟ فقال أصبغ وابن عبد الحكم: ليستا بسُنَّة فهما من الرغائب (٢)، وقال أشهب: أنها سُنَّة، فوجه الأول: أن السُّنَّة ما صلاه النبي ﵊ في جماعة وما قصر عن ذلك ولم يداوم عليه فهو من الرغائب وركعتي الفجر لم يصلهما في جماعة، ألا ترى أنه لما صلى العيدين كانت من السُّنَّة، ووجه قول أشهب (٣): إن السُّنَّة عبارة عما تأكد من النوافل وترتب وتقدر، وألا يكن موكولًا إلى اختيار المصلي، وهذه صفة ركعتي الفجر لأنّها مقدرة من النوافل بركعتين لا زيادة عليهما ومرتبة قبل الفرض، فإن أخرهما عنه لم يكونا ركعتي الفجر، وسائر النوافل بخلاف ذلك. فصل [١٥ - إذا لم يصل ركعتي الفجر وأقيمت الصلاة]: إذا دخل المسجد ولم يركع ركعتي الفجر فأقيمت الصلاة، فإنه يخرج من المسجد فيصليها ثم يعود فيصلي معهم إن طمع أن يدرك الصلاة (٤)، وإنما قلنا: أنه لا يصليها في المسجد لقوله: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٥)، ولأن في ذلك خلافًا على الإِمام، وإنما قلنا: أنه يخرج فيصليهما لتأكدهما، ولأنه يمكن أن يجمع بين السُّنَّة والفرض.

стр. 232

فصل [١٦ - إذا دخل الصبح ولم يوتر]: إذا [دخل] (١) الصبح ولم يوتر فإنه يوتر ثم يصلي ركعتي الفجر، فإن ضاق الوقت عن الجمع بينهما صلى الوتر ثم صلى الفجر وترك الركعتين (٢)، لأن الوتر أقوى منهما وآكد، فإذا تزاحما قدم الآكد على الأضعف. فصل [١٧ - تأخير الوتر]: الأفضل تأخير الوتر لفضيلة قيام الليل وكثرة الصلاة إلا لمن يكون الغالب عليه ألا ينتبه، فالأفضل له أن يوتر ثم ينام (٣)، [لأن النوم] (٤) قبل الوتر تغرير بالوتر، وفي الحديث أنه ﷺ سأل أبا بكر فقال: كيف توتر؟ فقال: أصلي ثم أوتر قبل أن أنام، وسأل عمر، فقال: متى توتر؟ فقال: قبل أن أنام أصلي ثم أنام ثم أقوم فأصلي وأوتر، فقال لأبي بكر: أخذت بالحزم، وقال لعمر: أخذت بالقوة (٥). فصل [١٨ - جواز التنفل على الراحلة]: ويجوز التنفل على الراحلة في مسافة سفر القصر حيث ما توجهت به (٦)، لأنه ﷺ كان يفعله، وكان يوتر على البعير (٧)، فجاز ذلك

стр. 233

إلى القِبْلة وغيرها للضرورة والحاجة إلى التنفل، ولا يقدر على استقبال القِبْلة مع السير على الدابة، ولا يباح ذلك فيما قصر عن سفر القصر، خلافًا للشافعي، لأنه معنى تعلق [بالسفر] (١)، فلم يكن لما دون سفر القصر تأثير فيه اعتبارًا بالقصر والفطر. …

стр. 234

باب: [في الإمامة] ويقدم في الإمامة كل من كان أفضل (١)، لأنه ﷺ [اعتبر] (٢) ذلك، فقال: "أئمتكم شفعاؤكم" (٣)، وقال: "يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًّا" (٤). فصل [١ - تزاحم الفقيه والقاريء على الإمامة]: والفقيه أولى من القارئ (٥)، وهذا إذا كان كل واحد منهما يصلح أن يكون إمامًا، وذلك لأن الفقيه أعرف بحكم ما ينوبه من الحوادث في الصلاة والحاجة إلى ذلك آكد وأمس منها إلى معرفة القراءة، فذلك كان أولى. فصل [٢ - إمامة المرأة]: لا تكون المرأة إمامًا في فرض ولا نافلة لا لرجل ولا لنساء (٦)، لقوله ﷺ : "أخروهن حيث أخرهن الله" (٧)، وقوله: "إنكن ناقصات عقل ودين" (٨)، ولأن كل من لم يصح أن يكون حاكمًا لنقصه لم يكن إمامًا

стр. 235

في الصلاة كالمجنون، ولأنها ناقصة بالأنوثية فلم تجز إمامتها بالنساء، كما لم تجز بالرجال. فصل [٣ - إمامة الأُمي للقاريء]: والأُمي (١) لا يجوز أن يكون إمامًا للقاريء (٢)، لقوله ﷺ : "يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله (٣)، وهذا يمتنع في الأُمي، ولأن القراءة ركن من أركان الصلاة وتسقط عن المأموم بتحمل الإِمام إياها عنه، فلو قلنا: إن الأُمي يصح أن يكون إمامًا للقاريء لأدى ذلك إلى أحد أمرين ممنوعين: إما أن نقول: أن القراءة قد سقطت عنه فيجب من هذا جواز صلاته بغير قراءة مع قدرته عليها وذلك باطل، أو أن نقول: أنها تلزمه فيجيء منه نقص أصلٍ آخر وهو أن الائتمام لا يسقط القراءة، وإذا كان كذلك وجب منع ما أدى إليه، ولأن الأُمي إذا وجد قارئًا منع أن يصلي منفردًا، فكان بالمنع من أن يكون إمامًا أولى. فصل [٤ - اختلاف نية الإِمام والمأموم]: اختلاف نية الإِمام والمأموم تؤثر في منع الائتمام به (٤)، فإن كان الإِمام متنفلًا لم يجز أن يصلي خلفه مفترض، ويجوز أن يأتم المتنفل بالمفترض، وإذا كانا [في صلاة فرض] (٥)، والفرضان مختلفان لم يجز أن يأتم به، وقال الشافعي في كل ذلك: أن الائتمام به جائز (٦)، ودليلنا قوله صلى الله عليه

стр. 236

وسلم: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" (١) فعم، ولأن الائتمام يوجب للمصلي أحكامًا لم تكن له في الانفراد من سقوط القراءة وسجود السهو ولزومه في سهو الإِمام وغير ذلك، فيجب أن يتفقا في النية في تلك الصلاة ليصح تحمل الإِمام عنه، ولا يلزم عليه المتنفل خلف المفترض لأن النفل متسامح فيه. فصل [٥ - انتظار الإِمام لمن يريد الدخول معه في الصلاة]: إذا سمع الإِمام خطى إنسان يريد أن يدخل معه في الصلاة يكره له انتظاره لأن في ذلك إضرارًا بمن خلفه بالإطالة عليهم، ومراعاة من معه أولى من مراعاة من يتوقع أن يدخل معه، ولأن في ذلك زيادة عمل في الصلاة لأجل آدمي، ولا يلزم عليه صلاة الخوف لأنها مبنية في الابتداء على مراعاة الجماعة وانتظارهم. فصل [٦ - مقامات المأمومين مع الإِمام]: مقامات المأمومين مع الإِمام سبعة: أحدها: أن يكون المأموم رجلًا واحد، فهذا يستحب له أن يقف على يمين الإِمام (٢)، لحديث ابن عباس قال: "بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ ليصلي فتوضأ وقمت عن يساره فأدارني عن يمينه" (٣). والثاني: أن يكون رجلًا فأكثر، فهذا يستحب أن يكون خلفه (٤)، لأن ذلك هو الذي مضي عليه العمل منه ﷺ ومن أصحابه بعده، وحكي عن ابن مسعود في الاثنين إن صح: يستحب لهما أن يقف أحدهما عن يمين

стр. 237

الإِمام، والآخر عن شماله والإمام في الوسط (١)، ودليلنا حديث أنس: "أن أُم مليكة دعت رسوله الله ﷺ لطعام صنعته فأكل" ثم قال: "قوموا فلأصلي بكم"، فقام وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز خلفنا" (٢)، ولأنه جمع فأشبه الثلاث. والثالث: أن يكون رجل وصبي فينظر، فإن كان الصبي عاقلًا قد بلغ إلى حيث يؤمن أن يتركه ويمضي، فهذا حكمه حكم الرجل، فيقف هو والرجل خلف الإِمام (٣)، والدليل عليه حديث أنس الذي رويناه، وإن كان صغيرًا لا يؤمن منه ذهابه وبقاء الرجل خلف الإِمام وحده، فإن مقام الرجل عن يمين الإِمام كالواحد. والرابع: أن تكون وحدها، فهذه تقف خلف الإِمام (٤)، لقوله: "أخروهن حيث أخرهن الله" (٥)، وقوله: "خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (٦)، فإن صلت إلى جنبه لم تبطل صلاته ولا صلاتها (٧)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: تبطل صلاة الإمام إلا في صلاة مختلفة (٨)، وذلك لأنه موقف للمأموم [] (٩)، فلم تبطل به صلاة الإِمام كوقوفه في وسط الصف واعتبارًا بصلاة الجنازة.

стр. 238

والخامس: أن يكون رجلًا وامرأة فيقف الرجل على يمين الإِمام والمرأة خلفهما (١)، وذلك لما روى أنس: "أن النبي ﵇ أمَّهُ وامرأة معهم فجعله عن يمينه، والمرأة من خلف" (٢)، ولأنه رجل واحد وكان مقامه عن يمين الإِمام، كما لو لم تكن امرأة. والسادس: أن يكون رجلان فأكثر وامرأة واحدة أو جماع نساء فيقف الرجال خلف الإِمام والنساء خلف صف الرجال (٣)، وذلكم لقوله: "ليلني منكم ذووا الأحلام والنهي" (٤)، وقوله: "أخروهن حيث أخرهن الله" (٥)، وفي حديث أنس أنه قال: صففت أنا واليتيم وراءه وقامت أم مليكة والعجوز من ورائنا (٦)، ولأنه لما وجب أن تقف خلفه مع الرجل الواحد إذا كان إلى جنبه، وكذلك يجب أن تقوم خلف صف الرجال. والسابع: أن تكون نساء وحدهن فمقامهن خلف الإِمام صفًا واحدًا، وفي هذا القدر كفاية في الشبه على ما [بيناه] (٧). فصل [٧ - صلاة المنفرد خلف الصف]: ومن لم يجد مدخلًا في الصف صلى منفردًا خلف الصف (٨)، خلافًا لأحمد (٩) في قوله: أن صلاته باطلة، لأن كل من صحت صلاته خلف الصف إذا كان معه غيره صحت صلاته إذا انفرد أصله المرأة.

стр. 239

فصل [٨ - جذب المنفرد إليه رجلًا]: ولا يجبذ إليه رجلًا (١)، خلافًا للشافعي (٢)، لأن ذلك يوقع خللًا في الصف وذلك ممنوع. …

стр. 240

باب [في صلاة الجماعة] صلاة الجماعة في غير الجمعة مندوب إليها متأكدة الفضيلة (١)، لقوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (٢)، وقوله: "لقد هممت أن آمر بنار تضرم فأحرق بيوت قوم يتخلفون عن الجماعة" (٣)، وذلك يدل على شدة تأكيدها، وإذا ثبت ذلك فليست بشرط في صحة الأداء، خلافًا لمن ذهب إلى وجوبها (٤) على الأعيان أو الكفايات، لأنه ﷺ لما فاضل بينهما وبين الانفراد جعل حظها الفضيلة دون الآخر، ولأنها صلاة تفعل جماعة وفرادى فلم تكن الجماعة من شرط صحتها كالنوافل. فصل [١ - إعادة الصلاة جماعة لمن صلى وحده]: ويستحب للمصلي وحده أن يعيدها في الجماعة (٥)، لقوله ﷺ : "إذا جئت فصلِّ مع الناس وإن كنت قد صليت" (٦)، وليحوز فضيلة الجماعة.

стр. 241

فصل [٢ - عدم إعادة صلاة المغرب جماعة لمن صلاها منفردًا]: ولا يعيد المغرب وحدها (١)، خلافًا للمغيرة (٢)، والشافعي (٣)، لأنها وتر فلا تعاد، ولأنه يكون متنفلًا بثلاث ركعات وذلك خارج عن جنس أعداد النفل. فصل [٣ - من صلى جماعة لم يعد في جماعة أخرى]: ومن صلى في جماعة لم يعد في أكثر منها (٤)، خلافًا للشافعي (٥)، لأنه لا فضل لجماعة على جماعة، وتُكره إعادة الجماعة في المساجد التي لها أئمة مرتبون (٦)، لما روي أبو هلال (٧) عن الحسن (٨) قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا دخلوا المسجد قد صُلِّيَ فيه صلوا أفرادًا (٩)، ولأن ذلك يؤدي إلى تشتيت الكلمة، ووقوع العداوة، ولأن فيه تطرقًا لأهل البدع إلى مخالفة الأئمة وانفرادهم بالصلاة، ويجوز ذلك في مساجد الصحاري والمواضع التي ليست لها أئمة راتبة للأمن مما ذكرنا. …

стр. 242

باب [الجمع بين الصلاتين] الجمع بين الصلاتين جائز في السفر يجمع بينهما في وقت أيهما شاء إذا جدَّ به السير (١)، والاستحباب في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية، هذا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء (٢)، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الجمع إلا بعرفة والمزدلفة (٣)، دليلنا حديث معاذ: "أن رسول الله ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء" (٤)، وحديث ابن عمر: "كان رسول الله ﵊ إذا عجل به أمر جمع بين هاتين الصلاتين" (٥)، واعتبارًا بسفر الحج. فصل [١ - الجمع في طويل السفر وقصيره]: ويجوز ذلك في طويل السفر وقصيره (٦)، خلافًا للشافعي (٧)، حين يقول: لا يجوز في السفر القصير؛ لأنه سفر مباح فأشبه ما تقصر في مثله الصلاة،

стр. 243

لأن كل رخصة تعلقت بالصلاة جازت في الحضر لعذر، جازت في قصر السفر وطويله كسائر الرخص. فصل [٢ - الجمع في الحضر]: ويجوز الجمع في الحضر لعذر المطر (١)، خلافًا لأبي حنيفة (٢)، لحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء لغير خوف ولا سفر (٣)، قال مالك: أرى ذلك في المطر (٤). فصل [٣]: وذلك في المغرب والعشاء دون الظهر والعصر (٥)، خلافًا للشافعي (٦)، لأن الجمع رخصة لتعجيل الناس في انقلابهم إلى بيوتهم، وهذا في الليل لأن النهار لا بد لهم من الانتشار والتشاغل بمعايشهم والأُمور التي لا يقطعهم المطر عنها، فلم يكن للجمع فائدة فيما له أريد، والخبر محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر في أول وقتها، لأن آخر وقت الظهر هو عندنا أول وقت العصر بغير فصل على ما ذكرناه (٧).

стр. 244

فصل [٤ - الجمع لغير المطر]: والجمع جائز مع انقطاع المطر وبقاء الطين والظلمة (١)، خلافًا للشافعي (٢) لأن المشقة التي لأجلها جمع بينهما حال المطر باقية مع انقطاعه وبقاء الوحل فجاز الجمع. …

стр. 245

باب [قضاء فوائت المغمى عليه] ولا يقضي مغمى عليه ما فاته من الصلاة حال إغمائه (١)، وقال أبو حنيفة: يقضي الخمس فما دون (٢)، ودليلنا قوله: "رفع القلم عن ثلاث .. فذكر المغلوب حتى يفيق" (٣)، ولأنها صلوات فاتت بالإغماء فلم يلزم قضاؤها كما لو زاد على الخمس، ولأنه عذر يسقط قضاء الصلاة فيما زاد على اليوم والليلة، فكذلك فيما دونها أصله الحيض. فصل [١ - أوقات الضرورة والتضييق]: قد ذكرنا في أول الكتاب أوقات التوسعة والاختيار (٤)، ونحن نذكر الآن أوقات الضرورة والتضيق: فهي للحائض تطهر، والمغمى عليه يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يسلم، والناسي يذكر، والمريض يخاف أن يغلب على عقله، والمسافر يجد به السير، فمن أدرك من هؤلاء وقت جميع الصلاة أو ما يصلي فيه ركعة منها لزمه أن يصليها، ومن أدرك مقدار أقل من ركعة، لم يدركها وكانت فائتة (٥)، وشرح هذه الأوقات هو: أن عقيب الزوال بمقدار أربع ركعات للحاضر وركعتين للمسافر يختص الطهر لا يشاركها العصر فيه بوجه، ثم ما بعد

стр. 246

ذلك إلى قبل الغروب بخمس ركعات مشترك بين الظهر والعصر ووقت لهما جميعًا، فإذا صار قبل المغيب بأربع ركعات للحاضر وركعتين للمسافر اختصت العصر بالوقت ولا يشاركها الظهر فيه بوجه. وبيان ذلك: أن الحائض إذا طهرت وقد بقي من النهار قدر ثمان ركعات صلت الظهر والعصر لأنها قد أدركت وقتهما، وكذلك إن بقي عليها سبع ركعات أو ست أو خمس، فإن بقي أقل من خمس: صلت العصر ولم تصل الظهر لأن وقتها قد فات، لأنا قد بيَّنا أن قبل المغيب بقدر أربع ركعات وقت للعصر لا يُشركها الظهر فيه بوجه، فإذا لم تدرك من وقت الظهر شيئًا لم يلزمها أن تصليها سواء أدركت أربع ركعات قبل المغيب فقط أو أربعًا وبعض الخامسة من الوقت المشترك، فإنه لا يلزمها إلا العصر، لأن ذلك القدر من وقت الظهر لا معتبر بإدراكه لأن الاعتبار بإدراك ركعة، فما زاد عليها على ما بينا، وكذلك حكم المغرب والعشاء الآخرة لأن ما بعد المغرب بقدر ثلاث ركعات للمغرب خاصة لا يشركها العشاء فيه بوجه، وما بعد ذلك إلى ما قبل الفجر بأربع ركعات مشترك بينها وبين العشاء الآخرة، فإذا صار قبل الفجر بأربع ركعات اختص الوقت بالعشاء الآخرة، واختلف في الحائض إذا طهرت قبل الفجر بأربع ركعات. قال مالك: تصلي المغرب والعشاء لأنها إذا فرغت من المغرب بقيت لها ركعة للعشاء (١)، وقال عبد الملك ومحمد بن مسلمة (٢): تصلي العشاء ولا تصلي المغرب (٣) لأن وقتها قد فات لأن ما قبل الفجر بأربع ركعات يختص العشاء الآخرة، ولا اعتبار بإدراك ركعة منها بعد المغرب، لأن المغرب حينئذ

стр. 247

تصلي في وقت غيرها، وبهذا فارقت إدراك خمس ركعات، لأن الظهر تصلي في وقتها ووقت العصر والمغرب، ها هنا تصلي بعد فوات وقتها. وهذا الحكم مستمر في الحائض تطهر، والطاهر تحيض والمغمى عليه يفيق، والكافر يسلم، والصبي يبلغ، والناسي يذكر. يبين ذلك أن المرأة إذا أخرت الظهر والعصر إلى أن بقي عليها من النهار قدر خمس ركعات ثم حاضت فلا قضاء عليها إذا طهرت لأنها حاضت في وقتها، فإن حاضت وقد بقي عليها قدر أربع ركعات قضت الظهر لأنها حاضت بعد فوات وقتها وتعلقها بذمتها. وكذلك حكم الليل (١)، وكذلك الناسي إذا نسي صلاتي الظهر والعصر وهو حاضر فذكرهما في السفر، وقد بقي عليه وقت سافر من النهار قدر ثلاث ركعات، فإنه يصليها صلاة سفر لإدراكه وقتها [وهو مسافر] (٢)، وإن ذكرهما وقد بقي عليه حين سافر دون ذلك قضى الظهر حضرية لتعلقها بذمته والعصر سفرية لبقاء وقتها، ولو نسيها في سفر فذكرهما في حضر وقد بقي من وقتها حين قدومه خمس ركعات صلاهما حضريتين لبقاء وقتهما، فإن ذكرهما وقدومه لدون ذلك صلى الظهر سفرية لفوات وقتها والعصر حضرية لبقاء وقتها، أما المريض إذا خاف أن يغلب على عقله فله أن يقرب العصر إلى الظهر في أول وقت الظهر، وكذلك المغرب والعشاء، وكذلك المسافر إذا جدَّ به السير فله أن يقرب كالمريض لأنهما من أهل الضرورات. فصل [٢ - إدراك الصلاة ودليله]: وأما قولنا: إنه لا يكون مدركًا للصلاة إلا بأن يدرك من وقتها قدر ركعة فأكثر (٣) خلافًا لأبي حنيفة (٤)، والشافعي (٥) في قولهما أنه يكون مدركًا لها

стр. 248

بإدراك جزء من الوقت ولو بقدر تكبيرة الإحرام، فدليله قوله ﷺ : "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" (١)، فعلق كونه مدركًا للصلاة بإدراك ركعة، فدل أنه لا يكون مدركًا لها بأقل من ذلك، ولأنه مدرك لمقدار أقل من ركعة دليله الجمعة. فصل [٣ - من أدرك ركعة قبل الغروب أدرك العصر وفاته الظهر]: فأما قولنا: إنه إذا أدرك ركعة قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر وفاتته الظهر (٢)، خلافًا للشافعي في قوله: إنه يكون مدركًا للصلاتين (٣)، ودليلنا قوله: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٤) فأخبر عما يدرك بإدراكه ركعة من تلك الصلاة، فدل على أنه لا يكون مدركًا لغيرها، وسئل معاذ عن الحائض تطهر قبل غروب الشمس فقال: تصلي العصر هكذا، كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نعلم نساءنا" (٥)، ولأن ما قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات يختص العصر لا يشاركها فيه الظهر بوجه للحاضر، فإن سلموا ذلك ثبت أن الظهر يفوت لمن لم يدرك إلا وقت العصر لقوله ﷺ : "لا يفوت وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٦)، ولقوله: "وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر" (٧)، وإن لم يسلموه دللنا

стр. 249

عليه بالاتفاق على أن لها وقتًا يخصها وأقله ما يستغرق فعلها، ولأنه لو كان بكونه مدركًا لركعة من الوقت الآخر من العصر مدركًا للظهر والعصر، لكان إذا أغمي عليه بعد الزوال بقدر ركعة يلزمه قضاء الظهر والعصر لكونه مدركًا لوقتها وذلك خلاف قولهم. إذا ثبت ما ذكرناه، فالاعتبار فيمن ذكرناه بالوقت الذي يعتبر منه إدراكهما قدر خمس ركعات تختلف، فمنهم من يعتبر بأن يدرك ذلك بعد فراغه من غسله أو وضوئه وما يصلحه من الأمر اللازم له، وهذا في الحائض تطهر والصبي يبلغ فلو طهرت الحائض وبلغ الصبي لقدر خمس ركعات، فإلى أن تطهر وتلبس وبقي عليه قدر ركعة كان عليه العصر دون الظهر، ولو لم يبق من الوقت شيء لم يكن عليه شيء ولا ينظر إلى ما يبقى عليها من وقت انقطاع الدم أو البلوغ، فأما النصراني يسلم فقال ابن القاسم: يعتبر له الإدراك من وقت إسلامه لا من فراغه من أمره (١)، وقال غيره: يعتبر بفراغه من طهارته وستر عورته كما يعتبر ذلك في المريض، لأن بإسلامه قد سقطت المؤاخذة عنه بما كان منه حال كفره. وحكم المغمى عليه عند مالك حكم الحائض والصبي (٢)، وأجراه أبو حنيفة مجرى النصراني يسلم (٣)، في أن الاعتبار بالباقي من الوقت حين الإفاقة والإِسلام، وقول مالك أصح وأرجح، لأنا إن سوينا بين النصراني وبين الحائض كان المغمى عليه معتبرًا بهما، وإن فرقنا بينهما كان المغمى عليه أشبه بالحائض منه بالنصراني لأنه لا صنع له في إغمائه في ترك الصلاة فيه، والله أعلم.

стр. 250

باب [- في صلاة المسافر] وللسفر تأثير في جواز قصر الصلاة فيه لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (٢)، ولا خلاف في ذلك (٣). فصل [١ - الصلوات التي تقصر]: والصلوات المقصورة هي الرباعية، وقصرها إلى نصفين، وما كان منها يسر القراءة فيه أسرت في الباقي منه، وما كان يجهر في نصفه الأول دون الآخر، فإنه يجهر فيما يصليه، والذي يقصر هو ما يسر فيه، مثل العشاء الآخرة فيصليها مقصورة ركعتين يجهر بالقراءة في كليهما، والمغرب والصبح لا يدخلان في القصر ولا خلاف في هذا (٤). فصل [٢ - حكم القصر]: اختلف أصحابنا في القصر، هل هو فرض للمسافر أو سُنَّة (٥): فذهب أكثرهم إلى أن فرضه التخيير بين القصر والإتمام إلا أن القصر أفضل وهو سنته، وهذا نص مالك -في رواية ابن وهب-: أن القصر سُنَّة المسافر (٦)، وذهب آخرون إلى أن القصر فرضه، وهو قول جماعة من البغداديين (٧)، ووجه القصر أنه ﷺ كان
следующие страницы →