← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذلك إلى قبل الغروب بخمس ركعات مشترك بين الظهر والعصر ووقت لهما جميعًا، فإذا صار قبل المغيب بأربع ركعات للحاضر وركعتين للمسافر اختصت العصر بالوقت ولا يشاركها الظهر فيه بوجه. وبيان ذلك: أن الحائض إذا طهرت وقد بقي من النهار قدر ثمان ركعات صلت الظهر والعصر لأنها قد أدركت وقتهما، وكذلك إن بقي عليها سبع ركعات أو ست أو خمس، فإن بقي أقل من خمس: صلت العصر ولم تصل الظهر لأن وقتها قد فات، لأنا قد بيَّنا أن قبل المغيب بقدر أربع ركعات وقت للعصر لا يُشركها الظهر فيه بوجه، فإذا لم تدرك من وقت الظهر شيئًا لم يلزمها أن تصليها سواء أدركت أربع ركعات قبل المغيب فقط أو أربعًا وبعض الخامسة من الوقت المشترك، فإنه لا يلزمها إلا العصر، لأن ذلك القدر من وقت الظهر لا معتبر بإدراكه لأن الاعتبار بإدراك ركعة، فما زاد عليها على ما بينا، وكذلك حكم المغرب والعشاء الآخرة لأن ما بعد المغرب بقدر ثلاث ركعات للمغرب خاصة لا يشركها العشاء فيه بوجه، وما بعد ذلك إلى ما قبل الفجر بأربع ركعات مشترك بينها وبين العشاء الآخرة، فإذا صار قبل الفجر بأربع ركعات اختص الوقت بالعشاء الآخرة، واختلف في الحائض إذا طهرت قبل الفجر بأربع ركعات. قال مالك: تصلي المغرب والعشاء لأنها إذا فرغت من المغرب بقيت لها ركعة للعشاء (١)، وقال عبد الملك ومحمد بن مسلمة (٢): تصلي العشاء ولا تصلي المغرب (٣) لأن وقتها قد فات لأن ما قبل الفجر بأربع ركعات يختص العشاء الآخرة، ولا اعتبار بإدراك ركعة منها بعد المغرب، لأن المغرب حينئذ

стр. 247

تصلي في وقت غيرها، وبهذا فارقت إدراك خمس ركعات، لأن الظهر تصلي في وقتها ووقت العصر والمغرب، ها هنا تصلي بعد فوات وقتها. وهذا الحكم مستمر في الحائض تطهر، والطاهر تحيض والمغمى عليه يفيق، والكافر يسلم، والصبي يبلغ، والناسي يذكر. يبين ذلك أن المرأة إذا أخرت الظهر والعصر إلى أن بقي عليها من النهار قدر خمس ركعات ثم حاضت فلا قضاء عليها إذا طهرت لأنها حاضت في وقتها، فإن حاضت وقد بقي عليها قدر أربع ركعات قضت الظهر لأنها حاضت بعد فوات وقتها وتعلقها بذمتها. وكذلك حكم الليل (١)، وكذلك الناسي إذا نسي صلاتي الظهر والعصر وهو حاضر فذكرهما في السفر، وقد بقي عليه وقت سافر من النهار قدر ثلاث ركعات، فإنه يصليها صلاة سفر لإدراكه وقتها [وهو مسافر] (٢)، وإن ذكرهما وقد بقي عليه حين سافر دون ذلك قضى الظهر حضرية لتعلقها بذمته والعصر سفرية لبقاء وقتها، ولو نسيها في سفر فذكرهما في حضر وقد بقي من وقتها حين قدومه خمس ركعات صلاهما حضريتين لبقاء وقتهما، فإن ذكرهما وقدومه لدون ذلك صلى الظهر سفرية لفوات وقتها والعصر حضرية لبقاء وقتها، أما المريض إذا خاف أن يغلب على عقله فله أن يقرب العصر إلى الظهر في أول وقت الظهر، وكذلك المغرب والعشاء، وكذلك المسافر إذا جدَّ به السير فله أن يقرب كالمريض لأنهما من أهل الضرورات. فصل [٢ - إدراك الصلاة ودليله]: وأما قولنا: إنه لا يكون مدركًا للصلاة إلا بأن يدرك من وقتها قدر ركعة فأكثر (٣) خلافًا لأبي حنيفة (٤)، والشافعي (٥) في قولهما أنه يكون مدركًا لها

стр. 248

بإدراك جزء من الوقت ولو بقدر تكبيرة الإحرام، فدليله قوله ﷺ : "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" (١)، فعلق كونه مدركًا للصلاة بإدراك ركعة، فدل أنه لا يكون مدركًا لها بأقل من ذلك، ولأنه مدرك لمقدار أقل من ركعة دليله الجمعة. فصل [٣ - من أدرك ركعة قبل الغروب أدرك العصر وفاته الظهر]: فأما قولنا: إنه إذا أدرك ركعة قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر وفاتته الظهر (٢)، خلافًا للشافعي في قوله: إنه يكون مدركًا للصلاتين (٣)، ودليلنا قوله: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٤) فأخبر عما يدرك بإدراكه ركعة من تلك الصلاة، فدل على أنه لا يكون مدركًا لغيرها، وسئل معاذ عن الحائض تطهر قبل غروب الشمس فقال: تصلي العصر هكذا، كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نعلم نساءنا" (٥)، ولأن ما قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات يختص العصر لا يشاركها فيه الظهر بوجه للحاضر، فإن سلموا ذلك ثبت أن الظهر يفوت لمن لم يدرك إلا وقت العصر لقوله ﷺ : "لا يفوت وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٦)، ولقوله: "وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر" (٧)، وإن لم يسلموه دللنا

стр. 249

عليه بالاتفاق على أن لها وقتًا يخصها وأقله ما يستغرق فعلها، ولأنه لو كان بكونه مدركًا لركعة من الوقت الآخر من العصر مدركًا للظهر والعصر، لكان إذا أغمي عليه بعد الزوال بقدر ركعة يلزمه قضاء الظهر والعصر لكونه مدركًا لوقتها وذلك خلاف قولهم. إذا ثبت ما ذكرناه، فالاعتبار فيمن ذكرناه بالوقت الذي يعتبر منه إدراكهما قدر خمس ركعات تختلف، فمنهم من يعتبر بأن يدرك ذلك بعد فراغه من غسله أو وضوئه وما يصلحه من الأمر اللازم له، وهذا في الحائض تطهر والصبي يبلغ فلو طهرت الحائض وبلغ الصبي لقدر خمس ركعات، فإلى أن تطهر وتلبس وبقي عليه قدر ركعة كان عليه العصر دون الظهر، ولو لم يبق من الوقت شيء لم يكن عليه شيء ولا ينظر إلى ما يبقى عليها من وقت انقطاع الدم أو البلوغ، فأما النصراني يسلم فقال ابن القاسم: يعتبر له الإدراك من وقت إسلامه لا من فراغه من أمره (١)، وقال غيره: يعتبر بفراغه من طهارته وستر عورته كما يعتبر ذلك في المريض، لأن بإسلامه قد سقطت المؤاخذة عنه بما كان منه حال كفره. وحكم المغمى عليه عند مالك حكم الحائض والصبي (٢)، وأجراه أبو حنيفة مجرى النصراني يسلم (٣)، في أن الاعتبار بالباقي من الوقت حين الإفاقة والإِسلام، وقول مالك أصح وأرجح، لأنا إن سوينا بين النصراني وبين الحائض كان المغمى عليه معتبرًا بهما، وإن فرقنا بينهما كان المغمى عليه أشبه بالحائض منه بالنصراني لأنه لا صنع له في إغمائه في ترك الصلاة فيه، والله أعلم.

стр. 250

باب [- في صلاة المسافر] وللسفر تأثير في جواز قصر الصلاة فيه لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (٢)، ولا خلاف في ذلك (٣). فصل [١ - الصلوات التي تقصر]: والصلوات المقصورة هي الرباعية، وقصرها إلى نصفين، وما كان منها يسر القراءة فيه أسرت في الباقي منه، وما كان يجهر في نصفه الأول دون الآخر، فإنه يجهر فيما يصليه، والذي يقصر هو ما يسر فيه، مثل العشاء الآخرة فيصليها مقصورة ركعتين يجهر بالقراءة في كليهما، والمغرب والصبح لا يدخلان في القصر ولا خلاف في هذا (٤). فصل [٢ - حكم القصر]: اختلف أصحابنا في القصر، هل هو فرض للمسافر أو سُنَّة (٥): فذهب أكثرهم إلى أن فرضه التخيير بين القصر والإتمام إلا أن القصر أفضل وهو سنته، وهذا نص مالك -في رواية ابن وهب-: أن القصر سُنَّة المسافر (٦)، وذهب آخرون إلى أن القصر فرضه، وهو قول جماعة من البغداديين (٧)، ووجه القصر أنه ﷺ كان

стр. 251

يقصر في السفر ولم يتم (١)، ولأن كل صلاة فرض ردت إلى ركعتين، فذلك هو الواجب فيها، أصله الجمعة، والدليل للقول: أنه سُنَّة قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢)، وهذا عبارة المباح دون الفرض، وقال أنس: كنا نسافر مع النبي ﵊ فمنا المقصر ومنا المتمم، فلا يعيب بعضنا على بعض (٣)، ولأن أصحابنا هؤلاء قد أجازوا للمسافر أن يصلي خلف المقيم ويتم الصلاة، فلو كان فرضه القصر ما جاز له الإتمام، كما أن الحاضر لما كان فرضه الإتمام لم يكن له أن يقصر خلف مسافر. فصل [٣ - هل للسفر الذي يقصر فيه حد معلوم؟]: والسفر الذي يقصر فيه محدود (٤)، خلافًا لداود (٥) في قوله: إن القصر في السفر الطويل والقصير، لان الأصل الإتمام والقصر رخصة لأجل المشقة، وسفر الفرسخين والثلاثة لا مشقة فيه، فكان كالطواف في سكك (٦) المدينة، ولأنه إجماع الصحابة لأنهم اختلفوا في حد السفر الذي يقصر الصلاة فيه ولم يختلفوا في وجوب أصل التحديد (٧).

стр. 252

فصل [٤ - حد السفر الذي يقصر فيه]: والظاهر من المذهب أنه ثمانية وأربعون ميلًا (١)، وقال أبو حنيفة: ثلاثة أيام (٢)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ فعم (٣)، ولم يخص، ولأنها مسافة تلحق المشقة في قطعها غالبًا فجاز القصر فيها، أصله مسافة الثلاثة أيام. فصل [٥ - شروط القصر]: ولا يجوز القصر إلا إذا فارق بلده ولم يقابله شيء منه (٤)، خلافًا لبعض المتقدمين (٥) في قوله: أنه يقصر إذا نوى السفر وإن كان ببلده، لقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٦)، والضرب في الأرض لا يكون بالنية، وإنما يكون بالفعل، ولأنه إذا كان مسافرًا لم يصر مقيمًا، كذلك إذا كان مقيمًا لا يكون مسافرًا بمجرد النية. فصل [٦ - متى يبدأ القصر]: وفي المسافة التي يقصر ببلوغه إليها روايتان (٧): إحداهما أن يفارق بيوت بلده ولا يحاذيه ولا عن يمينه وشماله شيء منها، والآخر أن يكون من المصر على

стр. 253

ثلاثة أميال، فوجه الأولى أنه مفارق لبيوت بلده فأشبه إذا بلغ مسافة ثلاثة أميال، ووجه الثانية: أن ما دون الثلاثة أميال في حكم البلد، بدليل وجوب النزول منه إلى المصر للجمعة فكان في الحكم كمن لم يفارق البلد. فصل [٧ - انتهاء القصر]: ويقصر حتى يدنوا راجعًا وينتهي إلى حيث جاز له القصر في ابتداء سفره (١)، لأنه ما لم يبلغ ذلك فهو مسافر، فإذا بلغ صار حاضرًا فلم يجز له القصر. فصل [٨ - الاستمرار في القصر]: وله أن يستمر في القصر وإن أقام ببعض البلاد يومًا أو يومين أو ثلاثة أيام بعزم الإقامة أو بغير عزم، فأما إن أقام أربعة أيام فأكثر، فإن كان بعزيمة لم يجز له القصر، وإن كان بغير عزيمة ونيته أن يقيم ما دام حاجته كافية يومًا أو يومين أو أكثر فله أن يقصر (٢)، وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة خمسة عشر يومًا صار مقيمًا وإن نوى إقامة دونها لم يكن مقيمًا (٣)، ودليلنا قوله ﷺ : "يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا" (٤)، وقد علم أن المقام بمكة إذ ذاك كانت تحرم على المهاجر، فلما استثنى الثلاثة دل على أنها ليست بإقامة وإن ما زاد عليها إقامة. فصل [٩ - القصر أفضل من الإتمام]: والقصر أفضل من الإتمام (٥)، خلافًا للشافعي (٦)، لأن أكثر الروايات عنه

стр. 254

صلى الله عليه أنه كان يقصر (١)، ولقوله: "خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا" (٢)، ولأن القصر متفق على جوازه والإتمام مختلف فيه، فكان ما اتفق عليه أولى بالفضيلة. فصل [١٠ - ابتداء القصر من حين العزم على السفر]: ومن عزم على سفر بريدين (٣)، فلما [بلغ] (٤) إليهما عزم على تمام الأربعة البرد لم يقصر لأنه لم يحصل منه عزم على الحد الذي تقصر فيه الصلاة لأن [ .......... ] (٥) منفرد بعزمه، ولكن يقصر في رجوعه لأنه عازم على سفر المسافة التي تقصر فيها (٦). فصل [١١ - من صلى صلاة سفر ثم عزم على الإقامة]: إذا صلى المسافر في سفره صلاة سفر، ثم عزم على الإقامة فلا إعادة عليه (٧) لأنها أديت على ما لزم من فعلها فلم يجب إعادتها بتغير حال المصلي بعد قضائها، كالمريض يصلي جالسًا ثم يصح بعد الفراغ، والعادم للماء يصلي بالتيمم ثم يصيبه بعد الفراغ. فصل [١٢ - من غير نيته من قصر إلى إقامة في الصلاة]: وإن افتتحها بنية القصر ثم عزم على الإقامة قبل الفراغ منها جعلها نافلة إن كان قد صلى منها ركعة ثم استأنف صلاة مقيم، لأنه إن لم يفعل ذلك حصل منه أن المقيم يصلي صلاة مقصورة، أو يبني على صلاة سفر ونقل النية مكروه، فإن أتمها أجزاه (٨).

стр. 255

باب [في قضاء الفوائت] الترتيب في قضاء الفوائت (١) واجب بالذكر ساقط بالنسيان في الخمس فدونهن، ولا يُستحق فيما زاد عليهن، فإذا كان المتروك صلاة واحدة أو اثنتين إلى خمس فذكرها وقد حضر وقت صلاة أتى بالفوائت، وإن فات وقت الحاضرة (٢)، خلافًا للشافعي في قوله: إن الترتيب في القضاء (٣) غير واجب، لقوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٤)، وقوله: "لا صلاة لمن عليه صلاة" (٥)، ولأنه ﷺ حبس يوم الخندق حتى فاتته الظهر والعصر والمغرب، فلما نزل صلاها على الترتيب (٦). فصل [١ - البدء بالفائتة وإن خيف فوت الحاضرة]: وإنما قلنا: أنه يبدأ بالفائتة وإن خاف فوات الحاضرة خلافًا لأبي حنيفة (٧)،

стр. 256

وابن وهب (١)، ومحمد بن عبد الحكم (٢)، لقوله: " ﷺ : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٣)، ولأن كل ترتيب وجب مع سعة الوقت وجب مع ضيقه، أصله الأركان. فصل [٢ - من دخل في الحاضرة ثم ذكر الفائتة]: إن دخل في الحاضرة ثم ذكر الفائتة بطلت عليه وعلى من خلفه، وقيل: تبطل عليه ولا تبطل على من خلفه كالحدث (٤)، فوجه الأول: أن الترتيب هو نفس [الصلاة] (٥) أو شرط لا يتصور انقطاعه عنها، فكان متعديًا إلى فساد صلاة المأموم اعتبارًا بنسيان تكبيرة الإحرام والقراءة، ويفارق نسيان الطهارة لأنها ذكر منفصل عن الصلاة غير مرتبط بفعلها، ووجه الثاني: اعتباره بالحدث بعلة أنه معنى يفسد الصلاة، أو ذكرها قبل الدخول فيها لم يجز ابتداؤها معه فلم تتعد إلى صلاة المأموم. فصل [٣ - من نسي الصبح ثم ذكرها عند الغروب بعد أن صلى الظهر والعصر]: ومن نسي الصبح ثم صلى بعدها الظهر والعصر ثم ذكرها عند الغروب أتى بالصبح (٦)، لأنها قد تعلقت بذمته واستحببنا له إعادة الظهر والعصر لأجل الترتيب، فإن لم يفعل فلا شيء عليه لأن الترتيب مشترط بالذكر ساقط بالنسيان

стр. 257

وإن ذكرها بعد فوات وقت ما صلى بعد نسيانها أتى بالمنسية وحدها ولم يعد ما فات وقته بعدها لأنه أداها وقت وجوبها من غير أن يكون على علم بأن عليه صلاة قبلها. فصل [٤ - صفة قضاء المنسيات]: ويقضي المنسيات على الصفة التي يؤديها من فروضها وسننها من أركان الأفعال والأقوال (١)، كقوله ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها" (٢)، وهذا إشارة إلى الصلاة المتروكة، ولأن القضاء في معنى الأداء لا فرق بينهما إلا أن أحدهما يفعل مع بقاء الوقت والآخر بعد فواته، ولأنه لو كان يأتي بها على خلاف تلك الصفة لكان مستأنفًا لصلاة أخرى ولم يكن قاضيًا، ولأنه فعل لصلاة يسقطه فرضها، فوجب أن تكون على ما تلزمه في الأصل دليله الأداء. فصل [٥ - من نسي صلاة ولم يدر أي صلاة هي]: إذا نسي صلاة واحدة ولم يدر أي الصلاة هي، صلى خمس صلوات ليكون مسقطًا للفرض عن ذمته بيقين، لأنه إن صلى دون الخمس جاز أن يكون المتروك هي المنسية، فإن عرفها ولم يذكر من أي يوم هي لم يضر ذلك وأتى بها ناويًا بها أنها التي عليه، فإن نسي صلاتين متواليتين من يوم وليلة لا يدري الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل صلى ست صلوات يبدأ بأي الصلوات شاء، ثم يسدس بالتي بدأها، ويختار له البداية بالظهر استحبابًا، وذلك أنه إن كان نسي الظهر والعصر فقد أتى بها مرتين وما بعدها لغو، وكذلك إن كان الذي نسي العصر والمغرب أو المغرب والعشاء أو العشاء والفجر أو الفجر والظهر (٣)،

стр. 258

وإنما قلنا: يعيد التي بدأ بها [حتى] (١) تكون المنتهية هي التي صلاها آخرًا مع التي بدأ بها فيكون قدم الآخرة على الأولى، فإن نسي ثلاثًا مرتبات على الشرط الذي ذكرناه قضي سبعًا يسدس بالأولى ويسبع بالثانية، وإن كان المنسيات أربعًا قضى ثمان صلوات يسدس بالأولى ويسبع بالثانية ويثمن بالثالثة، وإن كن المنسيات خمسًا صلى تسعًا على هذا الترتيب، وإنما قلنا: أنه يختار له البداية بالظهر لأنها أول الصلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ في حديث بيان المواقيت (٢). …

стр. 259

باب [المشي إلى الفرج في الصلاة] لا بأس بالمشي إلى الفرج في الصلاة، ومن افتتح الصلاة ثم رأى فرجة بين يديه أو إلى جنبه مشى إليها إن كانت قريبة، وكذلك بعد ركعة أو ركعتين (١)، وأقل ما فيه أن تسوية الصفوف وسد الخلل مأمور به مندوب إليه لقوله ﷺ : "راموا الصفوف .. ، اعدلوا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري" (٢)، وكذلك ينبغي أن تضم الصفوف، فإن كان بعضها ناقصًا جعل الصف [الذي به نقصان] (٣) في المؤخر (٤). فصل [١ - القهقهة في الصلاة]: ومن قهقه في الصلاة أعادها (٥) لأن الضحك مفسد للصلاة لأنه من جنس الكلام وهو أغلظ منه إذا لم يجز في الصلاة شيء منه على وجه، ولا وضوء على الضاحك في صلاته (٦) اعتبارًا بالضحك في غير صلاته، ولأن ما ينقض الطهارة لا يختلف حكمه إذا وجد في الصلاة أو خارجها كسائر الأحداث،

стр. 260

والتبسم غير مفسد للصلاة (١)، لأنه يسير لا يمكن الاحتراز منه، ولأنه ﷺ قال: "من قهقه في الصلاة أعادها" (٢)، فدل أن ما دون ذلك لا تعاد منه، وقيل: يسجد له لأنه سير من جنس الكلام لا يمكن التحرز منه، وقال ابن عبد الحكم: يسجد له بعد السلام لأنه زيادة، وقال أشهب (٣): قبله (٤) لأنه نقص للخشوع، وقول ابن عبد الحكم أصح لأن الاعتبار بنقص الأفعال والأقوال دون الاعتدال. فصل [٢ - متى يقوم المسبوق لقضاء ما فاته]: ومن أدرك بعض صلاة الإِمام لم يقم للقضاء إلا بعد فراغ الإِمام من الصلاة (٥) لأن وقت القضاء هو بعد الفراغ من الإدراك ولوجوب اتباع الإِمام. فصل [٣ - ما يدرك من الصلاة]: وما أدرك من الصلاة فهو آخرها وما فاته فهو أولها، هذا هو المشهور (٦)، وروي ابن نافع (٧): أن ما أدرك أولهما وما يقضيه آخرها، وفائدة (٨) ذلك أن

стр. 261

على الرواية الأولى يأتي بالقضاء كما أتى به الإِمام: إن فاتته ركعة واحدة قضاها بأم القرآن وسورة وجهر فيها إن كانت مما يجهر فيه، وإن فاتته ركعتان قضى كل واحدة بأُم القرآن وسورة وإن فاتته ثلاث ركعات قضى الثالثة بأم القرآن وحدها سرًّا، وعلى رواية ابن نافع يأتي بالقضاء، كما أتى الإِمام بآخر الصلاة، فوجه الرواية المشهورة قوله ﷺ : "ما فاتكم فاقضوا" (١)، والذي فاته أول الصلاة والقضاء هو أن يأتي بمثل المقضي، ولأنه لو أدرك أول صلاة الإِمام لكانت أول صلاته، فإذا أدرك آخرها وجب أن يكون آخر صلاته، ولأنه فعل مع الإِمام آخر صلاة الإِمام، فكان ذلك آخر صلاة لنفسه، أصله إذا أدرك جميع الصلاة، ووجه الآخر قوله: "وما فاتكم فأتموا" (٢)، والإتمام هو أن يأتي ببقية الشيء اعتبارًا بالمفرد، ولأنه لو كان ما يقضيه أول صلاته لوجب إذا أدرك الإِمام في الركعة الآخرة من المغرب ألا يقعد للتشهد في الركعتين التي يقضيها مرتين. فصل [٤ - النافلة في السفينة]: ولا يتنفل في السفينة إلا إلى القِبْلة إذا أمكنه بخلاف الراكب (٣)، فإن لم يتمكن جاز (٤). …

стр. 262

باب [كيفية صلاة العاجز] والمريض إذا عجز عن القيام صلى جالسًا متربعًا يركع ويسجد إن قدر وإلا أومأ (١)، ويثني رجله إن قدر وإن لم يقدر أومأ متربعًا (٢)، وإن عجز اضطجع (٣) على جنبه الأيمن واستقبل القِبْلة، فإن لم يقدر فعلى ظهره ولا يسقط عنه ما يقدر عليه لعجزه عن غيره (٤). وإذا قلنا: إنه إذا عجز عن القيام صلى جالسًا لقوله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (٥)، وقال ابن مسعود وغيره: نزلت في المريض لا يقدر على القيام، رخص له أن يصلي قاعدًا أو قائمًا (٦)، "ولأنه ﷺ صلى جالسًا وصلى على شقه الأيمن" (٧)، وكذلك في مرضه الذي مات فيه، وروي عن عمران بن حصين قال: كان بي الناصور (٨) فسألت النبي ﷺ فقال: "صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع

стр. 263

فعلى جنبك" (١)، وإنما اخترنا له أن يثني رجليه للسجود لأنه إذا قدر على شيء من بنية الصلاة حال الصحة لم تسقط عنه للعجز عما لا يقدر عليه، وإنما قلنا متربعًا ليفصل بين قعوده الذي هو بدل من القيام وبين قعوده الأصلي للتشهد، وإذا احتاج إلى الفصل فليس في هيئة الجلوس أشد تمكنًا ووقارًا من التربع، وإنما قلنا: يكون سجوده أخفض من ركوعه لأنه ﷺ عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فرمى بها وقال: "صلِّ بالأرض إن استطعت وإلا فأوميء إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك" (٢)، ولأن السجود لما كان في الفعل أخفض من الركوع، فكذلك في بدله الذي هو الإيماء، وإنما قلنا: إنه إذا عجز عن القعود اضطجع على جنبه الأيمن لقوله ﷺ : "صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنبك (٣) "، ولأن التيامن من مندوب الله في الشرع وسائر وجوه القرب، فإن لم يقدر فعلى ظهره مستقبل القِبْلة لأنه لا يمكن غيره، وقاله ابن المواز (٤): على جنبه الأيسر، ووجهه أن التوجيه على الجنب أقرب إلى الاستقبال من أن يكون على الظهر. …

стр. 264

باب [الحدث في الصلاة] ومن أحدث (١) في صلاته بطلت ولزمه استئنافها، ولم يجز له البناء عليها كان عمدًا أو سهوًا أو غلبة (٢)، فأما العمد فلا خلاف، ذاكرًا للصلاة أو ناسيًا، وأما الغلبة فخلافًا لأبي حنيفة (٣) في قوله: إنه يبني، لقوله ﷺ : "إن الشيطان ينفخ بين فخذي أحدكم في الصلاة حتى يخيل إليه أنه قد أحدث فلا تنصرفوا" (٤)، وروي: "فلا يخرج من صلاته حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٥)، ولأنه حدث وجد في خلال الصلاة فأشبه العمد. فصل [١ - الرعاف في الصلاة]: ومن رعف (٦) في الصلاة خرج فغسل في أقرب المواضع إليه ثم [بنى] (٧) إن كان قد عقد ركعة بسجدتيها، وهذا إذا كان الدم كثيرًا، فإن كان يسيرًا يمكنه قتله بأصابعه مضى في الصلاة (٨)، وقال الشافعي: إذا خرج فغسل الدم ابتدأ الصلاة (٩)، ودليلنا أن ذلك مروي عن عليّ وابن عباس وابن عمر (١٠) ولا

стр. 265

مخالف لهم، ولأن الضرورة تدعو إليه بدليل جواز الصلاة مع يسير الدم يجده [في ثوبه ....... ] (١)، وإنما شرطنا أن يكون في أقرب المواضع إليه لأن ما زاد عليه عمل متعمد في الصلاة مستغنى عنه، وذلك مفسد لها، ولأن البناء على الرعاف وليس بقياس، ولا يجوز منه إلا قدر ما اتفق عليه ودعت الضرورة إليه، وإنما شرطنا أن يكون قد صلى ركعة بسجدتيها لأن ما دون ذلك لا حكم له في البناء والإدراك. فصل [٢ - حكم ما إذا كان الراعف منفردًا]: واختلف في الراعف وحده فقيل: يبني، وقيل: يبتديء (٢)، فإذا قلنا: يبني فاعتبارًا بالمأموم، وإذا قلنا: يبتديء فلأن المأموم مضطر إلى ذلك لاتباع الإِمام ولحوق الفرض في الجماعة، والمنفرد بخلافه. فصل [٣ - رجوع الراعف طمعًا في إدراك الصلاة]: وإنما يرجع إذا طمع أنه يدرك مع الإِمام بقية الصلاة ليتم الصلاة على الوجه الذي ابتدأها من الجماعة، وإن لم يطمع في إدراكها أتمها في موضع غسل الدم أو في أقرب المواضع إليه، ليسلم من أن يزيد في الصلاة عملًا من غير حاجة، هذا في غير الجمعة، فأما في الجمعة فلا بد من عوده إلى الجامع أدرك الإِمام أو لم يدركه، ولأنها لا تكون إلا في المسجد أو ما هو في حكمه، فلذلك رجع إليه لأجل موافقة الإِمام (٣). فصل [٤ - من دام به الرعاف]: ومن دام به الرعاف فلم ينقطع أومأ إلى السجود وأتى بالقيام والركوع (٤)، لأن هذا عذر سوغ معه الإيماء كعذر المريض.

стр. 266

باب [مواضع سجود القرآن] عزائم (١) سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل (٢) منها شيء وتفصيلها: الأولى: خاتمة الأعراف: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٣)، وهذه لا اختلاف فيها (٤)، والثانية: في الرعد قوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٥)، والثالثة: في النحل عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦)، والرابعة: في بني إسرائيل عند قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٧)، والخامسة في مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٨)، والسادسة: أول الحج عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٩)، فأما آخرها عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١٠)، فليست بعزيمة (١١)، خلافًا للشافعي (١٢)، لأن هذا هو السجود الذي من يقين الصلاة، وذلك لا يقتضي أن يسجد له سجود تلاوة كقوله: ﴿اسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١٣)، والسابعة في

стр. 267

الفرقان عند قوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (١)، والثامنة في النمل وأصحابنا سموها الهدهد عند قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٢)، وقال الشافعي (٣) عند قوله ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (٤)، وما قلناه أولى لأنه عند تمام الكلام من غير قطع له، والتاسعة في سجدة لقمان عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٥) والعاشرة في (سورة ص) عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٦)، وبعض أصحابنا (٧)، يقول عند قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٨)، وقال الشافعي (٩): هي سجدة شكر وليست بعزيمة، ودليلنا ما روي أبو سعيد (١٠): "أن النبي ﷺ قرأ ص وهو على المنبر فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه" (١١) والحادية عشرة في حم السجدة عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١٢)، وعند الشافعي (١٣): ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (١٤)، والذي قلناه أحسن عند تمام

стр. 268

الكلام، وقد ورد ذلك مرفوعًا (١)، هذه جملة العزائم وقد ذكرنا أنه ليس في المفصل شيء من العزائم (٢)، وروي ابن وهب عن مالك أنه يسجد فيها (٣)، وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٤)، وهي في: والنجم، والقمر، والقلم، ودليلنا: "أن النبي ﷺ سجد في "والنجم" بمكة فلما هاجر إلى المدينة تركها" (٥). فصل [١ - قراءة آية السجود في أوقات النهي]: واختلف عنه إذا قرأها في الأوقات المنهي عن التنفل فيها: فعنه فيها روايتان (٦): إحداهما أنه يسجد لأنها متأكدة على سائر النفل، والآخر أنه لا يسجد، لأنها نفل فأشبه سائر النوافل. فصل [٢ - شرط سجود التلاوة]: ومن شرطها الطهارة (٧)، لأنها من جملة الصلوات الشرعية، ويكبر لها (٨) لما رواه ابن عمر أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد (٩)

стр. 269

ولأنه سجود شرعي فكان في أوله وفي الرفع منه كسجود الصلاة، ولا يحتاج إلى سلام منها، السلام تحليل ولا إحرام لها ألا ترى أن الطواف لما لم يحتج إلى إحرام لم يحتج إلى تحليل. فصل [٣ - سجود التلاوة في النفل والفرض]: ويسجدها من قرأها في صلاة نفل أو فرض (١)، لأن النبي ﷺ سجدها في الصلاة المكتوبة والنافلة، وليس بواجب لا في صلاة ولا غيرها خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن السجود فيها واجب (٢) على القارئ والمستمع في الصلاة وغيرها لإجماع الصحابة وهو: "أن عمر ﵁ قرأ سجدة على المنبر فنزل وسجد وسجد الناس معه ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء" (٣)، وذلك بحضرة الصحابة من المهاجرين والأنصار فلم ينكر عليه أحد، ولأن السجود ركن في الصلاة فلم يجب منفردًا، أصله القعود للتشهد الآخر. فصل [٤ - مواضع الصلاة]: ولا يصلي في معاطن (٤) الإبل، ويصلي في مراح الغنم (٥) والبقر (٦)، لنهي النبي ﷺ [عن الصلاة] (٧) في معاطن الإبل، وإباحته إياها في

стр. 270

مراح الغنم (١)، وتكره الصلاة في معاطن الإبل لمعان: منها، ما روي أنها خلقت من جن، ولا ينبغي أن يصلي بحيث يكون الشيطان، ومنها أنه كان يستتر بها عند البراز (٢)، ومنها: أن نفورها بخلاف نفور الغنم والبقر، ومنها: أن الأغلب عليها الوسخ والزفورة (٣)، والبقر والغنم بخلافها، وتكره الصلاة في المجزرة (٤) للنهي عنه، ولأن النجاسة ظاهرة فيها، وتكره الصلاة على قارعة الطريق، للتبذل، ولأنها لا تخلو من الأبوال وما يجب تنزيه الصلاة عنه، والحمَّام، وإن كان فيه موضع طاهر جازت الصلاة فيه، ويكره تعمدها داخله، وتكره الصلاة في البِيَع (٥) والكنائس (٦) لأنها مأوى للشياطين ومحل للكفر، والحضور فيها مكروه في الجملة فضلًا عن الصلاة، ولأنها لا تخلوا من نجاسة لعلمنا بأنهم يدينون بشرب الخمر وأكل الخنزير، وتكره الصلاة في المقبرة الجديدة في الجملة للنهي، ويجوز إن عفت، وإن كانت عتيقة وفيها نبش فلا يجوز إلا أن يجعل فوقها حصير يحول بينه وبينها، وهذا في مقابر المسلمين، وأما في مقبرة المشركين فتكره الصلاة فيها جملة بغير تفصيل، وتكره الصلاة داخل الكعبة عند مالك (٧) لأنه يستدبر بعض البيت، والأولى أن يصلي بحيث يكون جملة البيت تجاهه لا يستدبر شيء منه، ويجوز فيه النفل، لاختلاف

стр. 271

الناس في صلاة النبي ﵊ فيه، ولأن التنفل قد سمح فيه ما لم يسامح في الفرض، ولا تجوز عند أصبغ وقوم من أصحابنا البغداديين (١)، وهو النظر (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣)، فكلفنا استقباله، فيجب الامتثال وذلك لا يمكن إلا إذا كنا خارجه، لأن استقبالنا إياه ونحن فيه لا قدرة لنا عليه، لأنا لو أردنا أن نتركه ولا نستقبله لم يمكن فلم يدخل تحت التكليف، وإذا كان ذلك لم يكن هو الاستقبال المأمور به. فصل [٥ - قيام رمضان]: وقيام رمضان مرغب فيه (٤) لقوله ﷺ : "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٥)، ولأنه ﷺ قام بأصحابه ثم لم يخرج، فقال: ما منعني إلا أني خفت أن يفرض عليكم" (٦). فصل [٦ - عدد ركعات القيام]: وقدره عندنا ست وثلاثون ركعة (٧) خلافًا للشافعي في قوله: إنه عشرون (٨)

стр. 272

ولأن ذلك عمل أهل المدينة المتصل، وقد قال نافع (١): لم أدرك الناس إلا وهم يقومون بتسع وثلاثين يوترون منها بثلاث (٢). فصل [٧ - الصلاة بين الأشفاع]: ولا بأس بالصلاة بين الأشفاع (٣): وهي حال جلوس الإِمام للاستراحة، لأنه ليس في ذلك خلاف على الإِمام، فإن كان الإِمام يصلي الصلاة ولا يقطعها للاستراحة لم يجز للمأموم أن يصلي في خلالها لأن في ذلك خلافًا على الإِمام. فصل [٨ - وقت القيام]: والقيام بعد صلاة العشاء وقبل الوتر، فمن دخل المسجد وقد صليت العشاء وشرع في القيام فإنه يبدأ بالعشاء (٤)، لأنه يصلي معهم القيام من بعدها، ولا يضره أن يصلي المكتوبة والإمام يصلي التراويح لأنه ليس في ذلك خلاف عليه، لأن الفرض آكد من النفل، فإذا فرغ دخل معهم فصلى ما لحق. فصل [٩ - صلاة النافلة قائمًا أو قاعدًا]: ويجوز أن يتنفل الإنسان قائمًا وقاعدًا (٥)، لأنها غير مستحقة فيه، فلم يلزمه في أدائها ما يلزمه في المكتوبة، ويستحب إذا صلاها قاعدًا أن يتربع موضع [جلوسه] (٦)، لأنه أشد تمكنًا وأزيد في وقار الصلاة كما استحببنا ذلك

стр. 273

للمريض، وكذلك روي عن النبي ﷺ (١)، والسلف، فإذا أراد السجود تهيأ بهيئة السجود كالمريض سواء، ويستحب له إذا دنى ركوعه أن يقوم فيقرأ بنحو ثلاثين آية وشبهها ثم يركع لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ولأنه إذا فعل ذلك كان كمن صلى الصلاة من أولها قائمًا، وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. فصل [١٠ - من افتتح الصلاة جالسًا ثم قام، ومن افتتحها قائمًا ثم جلس]: إذا افتتحها جالسًا ثم أراد القيام جاز له، فإن افتتحها قائمًا ثم أراد إتمامها جالسًا، قال ابن القاسم: له ذلك، وقال غيره: ليس له ذلك (٢)، وجه قول ابن القاسم: أنها غير مستحقة عليه إلا على ما يخف عليه، فلو لم يجز له استدامتها إلا على القيام لكانت كالفرض، ولأن المعنى الذي ساغ له افتتاحها جالسًا مع القدرة على القيام كونها نفلًا غير مستحقة عليه، وهذا موجود في الاستدامة، ووجه قول غيره: إنه إذا افتتحها قائمًا صار الأداء على هذه الصفة واجبًا عليه كوجوب أصلها، فلا تسقط إلا من عذر. فإذا ثبت ذلك لم يكن له تركه وإن كان في الأصل غير واجب إلا أنه قد صار واجبًا بالتزامه له كأصلها، وليس كذلك إذا افتتحها جالسًا ثم قام لأنه قد زاد. فصل [١١ - التنفل مثنى مثنى]: والتنفل مثنى مثنى ليلًا ونهارًا (٣)، خلافًا لأبي حنيفة (٤)، في قوله: إنه في النهار مخير بين ركعتين ركعتين أو أربع أربع أو ست أو ثمان بتسليمة واحدة، ومَنَعَ الزيادة لقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" (٥)،

стр. 274

فقصرها على هذا القدر، فدل على نفي ما زاد عليه، ولأنه عدد زائد على عدد الفرائض فأشبه ما زاد على الثمان. فصل [١٢ - الجهر في النافلة ليلًا]: يجوز الجهر في النافلة ليلًا، واختلف في ذلك نهارًا، فقيل: جائز، وقيل: مكروه (١)، فوجه الجواز [التوسع] (٢) للتنفل، فجاز أن تؤدي فيه سرًّا وجهرًا كالليل، ولأنها صفة لأداء القراءة تجوز في الفرض، فجازت في النفل على الإطلاق أصله [إلا .... ] (٣). هذا في النفل المبتدأ، فأما في السنن المرتبة المؤقتة فإنها مستقرة على ما ورد به الشرع فيها من إسرار أو جهر، ووجه الكراهة أن النفل تابع للفرض والقراءة في فرائض النهار سرًّا، فكذلك في نفله، ولأن زمان الفرائض لما انقسم إلى جهر وإخفات فكذلك زمان النفل. فصل [١٣ - الإمامة في النافلة]: الإمامة جائزة في النافلة (٤)، لأن رسول الله ﷺ قد أم فيها (٥)، وكذلك السلف بعده، ولأن الإمامة جائزة في السنن الراتبة، فكذلك في النوافل. فصل [١٤ - الدعاء في الصلاة]: والدعاء جائز في جميع الصلاة إلا في الركوع (٦)، والأفضل الاجتهاد فيه في السجود، وإنما قلنا ذلك لقوله ﷺ : "أما الركوع فعظموا فيه

стр. 275

الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم" (١)، وروي "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدًا فاجتهدوا في الدعاء" (٢). فصل [١٥ - الدعاء بكل ما يحتاج إليه]: ويجوز أن يدعو لكل ما يحتاج إليه، وكل أمر يجوز أن يدعو به خارج الصلاة (٣)، خلافًا لأبي حنيفة (٤) في قوله: إنه لا يدعو إلا بألفاظ القرآن وما قاربها، لما روي: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في صلاته فيقول: "اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة" (٥)، "اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف" (٦)، ولقوله: "وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء" (٧)، فلم يفرق، ولأن كل دعاء جاز أن يدعى به خارج الصلاة جاز أن يدعى به فيها، أصله: ما ورد به القرآن (٨). فصل [١٦ - استخلاف الإِمام]: وإذا أصاب الإِمامَ حدثٌ في صلاته استخلف من يتم بهم (٩)، لأنه لم يتعمد الفساد، وإنما كان بغلبة فلم يتعمد الفساد إلى صلاة من خلفه، ولزمه

стр. 276

الاستخلاف لتعذر الائتمام من جهته، فإن فعل وإلا قدموا لأنفسهم ليتموا الصلاة على ما دخلوه عليه فيها من الجماعة، فإن لم يفعلوا وصلوا أفرادًا جاز إلا في الجمعة (١)، وإن تقدم رجل منهم ابتداء فأتم بهم جاز لأن ذلك من مصلحة الصلاة كما لو قدموه. فصل [١٧ - الإِمام يصلي من غير طهارة]: ومن أم غير متطهر فإن كان ساهيًا لم يلزم من خلفه إعادة، وإن كان عامدًا لزمتهم الإعادة إذا علموا (٢)، وقال أبو حنيفة: تلزمهم الإعادة في الموضعين (٣) وقال الشافعي: لا إعادة عليهم في الموضعين (٤)، فدليلنا على أنه لا إعادة عليهم إذا كان ساهيًا ما روي: "أنه ﷺ كبر ساهيًا في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا ثم رجع وعليه أثر ماء" (٥)، ولم يأمرهم بالإعادة، ولأن بطلان طهارة الإِمام على غير التعمد لا يوجب بطلان صلاة المأموم أصله: إذا سبقه الحدث. فصل [١٨ - دليل لزوم الإعادة على من صلى منهم غير متطهر عامدًا]: ودليلنا على لزوم الإعادة لهم في العمد: أنه فاسق بذلك الفعل فلم يجز الائتمام به، والأصل فيه أن الائتمام يسقط به ركن عن المأموم هو شرط في صحة الصلاة (٦) في حال الانفراد فيسقط عنه بفعل الإِمام، وذلك ما لا يصل إليه المأموم إلا بغالب الظن والبناء على الظاهر، والعلم بفسقه يمنع ذلك،

стр. 277

فيجب منع الائتمام به، فأما الإِمام فتلزمه الإعادة في الموضعين لأنه مصلّ على غير طهر. فصل [١٩ - قيام الإِمام بعد سلامه]: ويستحب للإمام أن يقوم بعد سلامه (١)، لما روي صهيب (٢) ﵁ أنه ﷺ كان إذا سلم لم يجلس إلا قدر ما يقول: اللَّهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (٣)، وروي نحوه عن جملة من الصحابة منهم: أبو بكر وعمر وعليّ (٤)، ومن أصحابنا من يقول: أن هذا في الصلوات التي يتبعها نافلة دون ما لا يتنفل بعده، والله أعلم. فصل [٢٠ - المرور بين يدي المصلي]: ولا يمر أحد بين يدي مصلّ (٥)، لنهيه ﷺ عن ذلك، وقوله: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له" (٦) وقوله ﷺ : "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان" (٧).

стр. 278

فصل [٢١ - دفع المار بين يدي المصلي]: ويدفع المصلي من نفسه ما يمر بين يديه من دابة أو إنسان دفعًا خفيفًا لا يشغله عن صلاته (١)، للحديث الذي رويناه، فإن أبي تركه (٢)، ولا يتناول أحد من أحد شيئًا بين يدي المصلي لأن ذلك في معنى المرور (٣). فصل [٢٢ - قطع الصلاة]: ولا يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي (٤)، خلافًا لمن قال يقطعها الحائض والحمار والكلب الأسود (٥)، لأن المرور بين يديه لا يوجب قطع الصلاة كمرور الطاهر وغيره من الحيوان. فصل [٢٣ - الصلاة إلى السترة]: ويستحب له أن يصلي في المواضع التي لا يأمن مرور الناس بين يديه فيها إلى سترة (٦)، لأنه ﷺ كان تركز له العنزة (٧) فيصلي إليها [ولأنه يحتاج إليها] (٨)، حتى يأمن ذلك، وأقل ما يجزي قدر عظم الذراع في جلة

стр. 279

الرمح ونحوه، لأن ذلك مروي عنه ﷺ (١)، وروي مؤخرة الرحل (٢)، لأن ما دون ذلك لا يقع به استتاره للطافته وصغره، ولهذا قلنا: أنه لا يخط بين يديه خطأ لأنه لا يتبين للمجتاز إذ لا شخص له يحول بين المار والمصلي. فصل [٢٤ - الصلاة إلى البيت دون سترة]: ولا يحتاج المصلي إلى البيت إلى سترة بينه وبين الطائفين (٣)، لأن الطواف صلاة فهو كمصلي بين يديه صف يصلون، ولأن البيت [مثابة للجميع] (٤)، فليس لأحد المصليين أولى بالمنع من الآخر. فصل [٢٥ - سترة الإِمام لمن خلفه]: وإذا نصب الإمام سترة كانت له ولمن خلفه (٥)، لأن المار يعلم أنهم في صلاة فيمتنع من المرور، لأنه لا يكاد يقع ذلك بين الإِمام والصف وإنما يقع بين يدي المصلي إلى الفضاء. فصل [٢٦ - الصلاة إلى الحِلق والنيام]: ويكره أن يصلي إلى الحلق والنيام (٦)، لأن الحلق يشغلون قلبه بحديثهم، والنائم ربما بدت منه عورة أو حدث، وقد روي: "ولا أصلي إلى نائم ولا محدث" (٧).

стр. 280

فصل [٢٧ - استتار الرجل بالمرأة والصبي وغيرهما]: ويكره استتار الرجل بالمرأة، لأنه يتذكر منها ما يفسد صلاته أو يشغل قلبه إلا أن يكون ممن يأمن ذلك منها، ولا بأس به بالصبي إن كان يثبت ولم [يتحرك] (١)، بحيث لا يؤمن أن يتركه، وكذلك الاستتار بالبعير جائز وبالبقرة والشاة، ولا ينبغي ذلك في الخيل والبغال والحمير لأجل انعزالها (٢). …

стр. 281

باب [صلاة الجمعة] والجمعة (١) فرض على الأعيان (٢)، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "الجمعة على من سمع النداء" (٤)، وقوله: "من تركها ثلاثة متوالية طبع الله على قلبه" (٥)، للإجماع ممن يعتمد على قوله (٦). فصل [١ - وقت الجمعة]: ووقتها بعد الزوال (٧)، خلافًا لمن أجازها قبله (٨)، لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٩)، "ولأنه ﷺ : كان يصليها إذا زالت الشمس" (١٠)، وعلى ذلك مضى السلف، ولأنها ظهر فأشبهت الظهر

стр. 282

في كل يوم، ويدل على أنها هي الظهر أن كل واحدة منهما تسقط بالأخرى وتنوب منابها إذا أديت على شرائطها. فصل [٢ - المشي إلى الجمعة]: والمشي إليها أفضل من الركوب (١)، "لأنه ﷺ كان يمشي إليها" (٢)، ولقوله: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، فذكر"، "وكثرة الخطا إلى المساجد" (٣)، ولأن الفضيلة في الطاعات بكثرة المشاق (٤)، وهذا للقادر على المشي من غير ضرورة تلحقه، فأما إن منعه طين أو مطر أو بُعد مكان أو كان شيخًا كبيرًا أو مريضًا فله أن يركب. فصل [٣ - شروط وجوب الجمعة]: وشروط الجمعة خمسة (٥): إمام ومسجد وجماعة وخطبة وموضع استيطان وإقامة، وإنما قلنا أن الإمام من شرطها لأن النبي ﷺ صلى بأصحابه (٦)، ولأن النداء من سنتها والنداء لا يكون إلا للجماعة والإمام من وصف الجماعة.

стр. 283

فصل [٤ - دليل اشتراط المسجد في صلاة الجمعة]: وإنما شرطنا المسجد لأنه ﷺ صلاها في المسجد (١)، ولم يصلها إلا فيه وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). فصل [٥ - اشتراط الجماعة في الجمعة ولا حد في عددهم معتبر]: وإنما شرطنا الجماعة لأن الإِمام يتضمنها، وليس لعددهم حد إلا أن يكونوا جمعًا يمكنهم الثواء (٣) في موضع واحد وتتقرى بهم قرية. فصل [٦ - شروط وجوب الجمعة مطلق العدد وأن يكونوا بالمصر أو القرية]: وإنما شرطنا العدد ومنعنا إقامتها بالواحد والاثنين وشبهها، لأنه ﷺ صلاها في عدد"، ولأن من شرطها المصر أو القرية لأجل الجمع. فصل [٧ - ليس للجمعة عدد معين لا تصح إلا به]: وإنما لم نقل أن من شرطها الأربعين وأجزناها بما دون ذلك من العدد إذا كانوا بحيث وصفنا، خلافًا للشافعي (٤) في قوله: إنها لا تقام بأقل من أربعين، لقوله: "الجمعة على من سمع النداء" (٥)، وقوله: "الجمعة واجبة في كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة" (٦)، وروي أن أسعد بن زرارة (٧) صلاها

стр. 284

بالمدينة في بضعة عشر رجلًا حين بايع النبي ﷺ " (١)، "وصلاها أنس بالبحرين لما بعثه ﷺ باثنى عشر رجلًا" (٢)، ولأن ما دون الأربعين جماعة يمكنهم الثواء وتتقري بهم قرية فكانوا كأربعين لمن شرط الأربعين، ولا تنفصل من زيادة خمسة أو ستة أو نقصانه عنها. فصل [٨ - دليل اشتراط الخطبة في الجمعة]: وإنما شرطنا الخطبة خلافًا لعبد الملك (٣) وداود (٤)، لأنه ﷺ صلاها بخطبة (٥)، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٦)، ولأنها في الكتاب مجملة وبينها بفعله فوجب اعتبار جميعه، وقال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٧)، فذمهم على ترك الإنصات إليه، فدل ذلك على كونها شرطًا. فصل [٩ - دليل اشتراط الاستيطان في الجمعة]: وإنما شرطنا الاستيطان للاتفاق على أنها لا تجب على أهل البوادي والمسافرين والذين لا قرار لهم ولا وطن (٨).

стр. 285

فصل [١٠ - وجوب الجمعة على أهل القرى والأمصار]: وإنما سوينا بين المصر والقرى الصغار والكبار في وجوب الجمعة على أهلها إذا كانت القرية من البنيان واجتماع الناس فيها على صفة يمكن الإقامة والاستيطان فيها، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنها لا تجب على أهل القرى ولا تجب إلا في مصر (١)، لقوله ﵇: "الجمعة على كل مسلم" (٢)، وروي: "الجمعه في كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة" (٣)، والمقصود من هذا ضرب المثل أن صغرها لا يمنع إقامة الجمعة بها، وروي ابن عباس: "أن أول جمعة جمعت في الإِسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله ﷺ في قرية يقال لها جواثًا من قرى البحرين" (٤)، ولأنها إقامة صلاة فلم يكن من شرطها المصر كسائر الصلاوات، واعتبارًا بالمصر بعلة أنه موضع بني للإقامة والاستيطان، وكون أهله عددًا ينعقد بهم الجمعة. فصل [١١ - وجوب الجمعة على من كان خارجًا عن المصر على ثلاثة أميال] ويجب على كل من كان خارجًا عن المصر السعي إليها إذا كان من المصر على ثلاثة أميال أو ما قاربها (٥)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يلزم من كان خارجًا من المصر المجيء إليها، قربت مسافته أو بعدت (٦)، لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٧) فعم، وقوله صلى
следующие страницы →