← Фикх малики

Фикх малики · id 9627

المعونة على مذهب عالم المدينة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أن يزكي المال الأول ثم يزكيه للعام الثاني مع ربحه سواء ما أخرج عنه الزكاة للعام الأول، لأن الحول قد حال عليهما فصادفهما الوجوب. فصل [١٨ - زكاة الدين]: الدين مسقط للزكاة عن مقدار ما قابله من العين دون الحرث والماشية، ثم ينظر فيما زاد على ذلك، فإن كان نصابًا زكاة، فإن قصر عن النصاب فلا زكاة فيه، مثاله: أن يكون معه ثلثمائة درهم ولا دين عليه فيكون عليها زكاتها سبعة دراهم ونصف، فإذا كان عليه دين مائة درهم أقام بإزائه من الثلثمائة مائة ثم زكى عن مائتين، وإن كان أصل ما معه مائتين أقام منها بإزاء الدين مائة ثم لا زكاة عليه في الباقي، وكذلك لو كان عليه خمسة دراهم لم يترك الباقي لأنه يقصر عن النصاب، وسواء كان الدين من جنس العين أو من غير جنسها (١)، وكل هذا خلافًا للشافعي في قوله: أن الدين لا تأثير له في إسقاط الزكاة عن العين (٢)، لما روى أصحابنا عن عمير بن عمران (٣) عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه" (٤) ولأن الدين قد أخذ عوضه والزكاة لم يؤخذ عوضها فكان الدين مقدمًا على الزكاة كما قدم على الميراث. فصل [١٩ - الفرق بين العين والماشية والحرث في تأثير الدين في إسقاط الزكاة]: والفرق بين العين والماشية والحرث من وجهين: أحدهما أن زكاة الحرث

стр. 352

والماشية إلى الإمام، فلو قبل قول أربابها أن عليهم ديونًا لأدى ذلك إلى ترك إخراج الزكاة فحُسم الباب بمنعه، وليس كذلك الذهب والفضة لأن زكاتها موكولة إلى أربابها، والثاني: أن الحرث والماشية، أموال ظاهرة وليس كذلك الذهب والفضة لأنها تخفى وتبطن. فصل [٢٠ - الجمع بين أداء الزكاة والدين]: وإن كان عنده من العروض ما فيه وفاء بدينه جعل الدين في العروض وزكى ما في يديه من العين إن كان نصابًا، وإن كان دينه أكثر من عروضه أقام من العروض بإزاء قيمتها من الدين ثم ضم إلى ذلك مما في يديه من العين ما يقوم بتمام دينه ثم زكى الباقي إن كان نصابًا (١)، وكل هذا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن الدين يجعل في العين ولا يجعل في العروض ويسقط الزكاة (٢)، ودليلنا إذا جعلنا الدين بإزاء العروض أمكن الجمع بين أداء الزكاة والدين فكان أولى من إسقاط أحدهما بالآخر أصله إذا كان معه من العين ما يفي بدينه ويفضل معه نصاب، ولأن العروض نوع من المال مأمون، فجاز أن يفعل في الدين أصله العين (٣). فصل [٢١ - العروض المقومة بإزاء الدين]: والعروض التي يقيمها بإزاء الدين هي ما يستغنى عنه غالبًا ويباع عليه في دينه دون ما لا مندوحة له عنه من ثيابه التي تستر عورته وما لا بد له (٤) منه من لباس وحصير وغطاء (٥) وما جرى مجرى ذلك، وكذلك كسوة جمعته التي لا يبلغ

стр. 353

ثمنها ذلك المبلغ، وكذلك منزله إذا كان قريبًا للثمن وكان ذا عيال (١) ولم يكن له خطر وبال، فهذا لا يحسب في دينه ويحسب ما عداه (٢). فصل [٢٢ - جعل الدين في كتابة المكاتب]: وإذا كان عليه دين وله مكاتب جعل الدين في كتابته وأدى الزكاة عن عينه (٣) لأن الكتابة في معنى المال لأنه يبيعها إذا أراد ويؤدي الدين منها، وإن كان له مدبر فاختلف أصحابنا فمنهم من قال: يجعل الدين في قيمة رقبته (٤) لأنه لو قتل لوجبت قيمته قيمة (٥) عبد، ومنهم من قال: في قيمة خدمته لأن السيد لا يملك منه إلا الخدمة، وإن كان له دين على ثقة مليء غير منكر جعل دينه فيه وأخرج الزكاة من عينه. فصل [٢٣ - زكاة مال الدائن]: الدين لا تجب فيه الزكاة وإن أقام سنين حتى يقبض (٦) خلافًا للشافعي (٧) لأن الله أوجب زكاة المال منه لا من غيره عنه ولا سبيل إلى ذلك إلا بقبضه، ولأن الدية ومال الكتابة لا زكاة فيهما، وإن أقاما سنين وكذلك الدين على معسر لأن ذلك في الذمة، فكذلك سائر الديون. فصل [٢٤ - أقسام الديون]: الديون على ثلاثة أضرب (٨):

стр. 354

منها ما كان أصله في يده عينًا ثم يصير دينًا، وذلك مثل أن يكون مع رجل ألف درهم فيقرضها من رجل أو يبتاع بها عرضًا ويبيعه من رجل بدين فيقيم ذلك في ذمة المقترض أو المشتري سنة أو سنين عدة، فهذا إذا قبضه زكاة ساعة قبضه لسنة واحدة. ومنها ما يكون ابتداؤه فائدة إما بميراث أو هبة أو صدقة أو أرش جناية أو دية أو مهر أو ثمن سلعة كانت لقنية (١)، فهذا إذا قبض استقبل له الحول. ودين المدين، وهذا له حكم نذكره فيما بعد. والفرق بين القسم الأول والثاني أن الأول كان قد حصل معه عينًا في طرفي الحول ولا اعتبار بكونه دينًا في تضاعيفه، وفي الثاني لم يحصل له عينًا إلا دفعة واحدة فلم يجر حكم الزكاة فيه. فصل [٢٥ - أقسام العروض وما يجب الزكاة فيها]: والعروض (٢) على ضربين (٣): منها ما لا تجب الزكاة فيه بوجه وهو ما أريد للقنية ولم يرد للتجارة، وذلك كالثياب للبس والخيل للركوب والرقيق للخدمة، وكل ما عدا الذهب والفضة والحرث والماشية، ولا خلاف في هذا (٤)، ومنها ما يراد به التجارة، فتجب الزكاة في قيمته (٥) خلافًا لداود (٦)، لما رواه

стр. 355

أبو ذر (١) أن رسول الله ﷺ قال له: "أد زكاة البر" (٢)، ولأن في إسقاط الزكاة عنه ذريعة إلى سقوط الزكاة في أكثر الأموال لأن كل من خاف أن يؤدي الزكاة ابتاع بالعين عرضًا فتسقط الزكاة عنه. فصل [٢٦ - الزكاة في العروض التي هي للتجارة]: وإذا اشترى العروض بنية التجارة ثبت الحكم فيه. فإذا باعه بعد حول أو أحوال زكاة لسنة واحدة إن كان أصله عينًا، وإن كان ملكها عروضًا بميراث أو هبة أو غير ذلك، فمكثت عنده حولًا أو أحوالًا، ثم باعها، فإنه يستأنف الحول من يوم باعها، وحكمها حكم الدين، وهذا الذي ذكرناه، هو لمن يعرف حول ما يبيعه. فأما المدير فإنه يزكي في كل سنة، وصفة المدير مثل سائر التجارة الذين يديرون البيع والشراء والتجارة، فلا ينضبط لهم حول ما يبيعونه أو يشترونه. فالوجه فيمن هذه صفته أن يجعل لنفسه شهرًا معلومًا من السنة لزكاته، فينظر ما معه من العين وما عنده من العروض فيقومه ويضمه إلى عينه، وكذلك ما له من دين، فإذا عرف جميع ذلك، نظر فإن كان عليه دين أسقط بمقداره من الجملة وزكى الباقي إن كان نصابًا، وإن لم يكن عليه دين زكى ما معه. والدليل على هذه الجملة أنا لو لم نفعل ذلك لكان لا بد من أحد أمرين: إما

стр. 356

أن لا يؤدي أصلًا زكاة أو أن يكلف ضبط حول لكل عرض عنده، ففي الأول ذريعة لإسقاط الزكاة، وفي الثاني تكليف ما لا يقدر عليه ولا يجد سبيلًا إليه فلم يبق إلا ما قلناه (١). فصل [٢٧ - قبض الدين دون النصاب]: إذا قبض من دينه دون النصاب فلا زكاة عليه (٢)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن قبض أربعين درهمًا أخرج درهمًا (٣)، ولغيره في قوله: يزكى القليل والكثير، لأن ملكه قاصر عن نصاب فأشبه من ملك في الابتداء أقل من نصاب ولأنا قد بينا أن الدين لا تلزم فيه الزكاة حتى يقبض، ودليلنا عليه أنه لا يجب أن يخرج عن المال من غيره، فلو أوجبنا عليه إذا قبض عشرة دنانير أن يزكي عنها لجاز أن لا يقبض غيرها فيؤدي ذلك إلى أن الزكاة تجب عليه فيما دون النصاب. فصل [٢٨ - في تكلمة النصاب من الدين أو غيره]: فإن (٤) كان عنده مال، فدخل عليه الحول يتم (٥) معه ما قبضه من دينه إذا ضم إليه نصابًا ضمه إليه وزكى الجميع (٦)، لأنه مالك لنصاب قد حال عليه الحول، حصل عينًا في يده طرفي الحول فأشبه ما يحول عليه الحول وهو في يده (٧)، وكذلك يضم إليه ما خرج له من معدن. فإذا ثبت هذا فلا يخلو ما يقبضه من دينه أن يكون نصابًا أو دونه، فإن كان

стр. 357

نصابًا زكاة ثم يزكى ما يقبضه من بعد من قليل أو كثير، وإن كان دون النصاب فلا يخلو أن يكون عنده ما يتم به نصاب، أو لا يكون عنده فإن لم يكن عنده لم تكن عليه زكاة فيما قبضه للعِلَّة التي ذكرناها، وإن قبض بعد تمام النصاب زكى جميع النصاب أنفق الأول أو بقى عنده (١)، على اختلاف بين أصحابنا (٢) في إنفاقه وضياعه أو بقائه (٣). ثم زكى ما يقبضه من بعد من قليل أو كثير، فإن كان عنده ما يتم به ما قبضه نصابًا قد حال عليه الحول زكى الجميع، ثم زكى ما يقبضه من بعد من قليل أو كثير. وحكم ما يقبض من ثمن العروض للتجارة حكم ما يقبض من الدين في اعتبار النصاب وما يتم به إن كان المقبوض دونه. فصل [٢٩ - لا زكاة على العروض إذا بيع بعضها ببعض]: وإذا كان يبيع العرض بالعرض ولا ينض له (٤) من ثمن ذلك عين فلا زكاة عليه ولا تقويم (٥) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٦)، لأن زكاة القيمة متابعة لزكاة العين، فلو أوجبنا الزكاة لكان لا يخلو أن يخرج من جنس العروض وهذا خلاف الأصول، أو أن يخرج عنها عينًا فيجب أن ينض لها ثمن فيخرج منه، وكذلك فلا قيمة على المدير إذا كان لا يبيع ولا يشتري إلا بالعروض (٧)، لأنه يقوم ما عنده من العروض فتجعل القيمة كالثمن فتكون متابعة له.

стр. 358

فصل [٣٠ - اللؤلؤ والجوهر والطيب: زكاته في قيمته إذا كان مدارًا]: اللؤلؤ والجوهر وأنواع الطيب من المسك والعنبر والكافور كل هذا عروض، وحكمه حكم سائر العروض (١)، لا زكاة في عينه وإنما الزكاة في قيمته، ويختلف حكمه في الإدارة وغير الإدارة على ما ذكرناه في العروض، ولا خمس فيه، لأن الخمس لا يكون إلا فيما أخذ عن الكفار، أو من معدن على صفة تذكر فيما بعد (٢). فصل [٣١ - اشتراط الحرية لوجوب الزكاة]: ولا تجب الزكاة إلا على مالك تام الملك وهم الأحرار، ولا زكاة على عبد ولا مدبر (٣)، ولا أم ولد (٤)، لأن العبد وإن كنا نقول: أنه يملك فإن ملكه ناقص غير مستقر، بدليل أن لسيده انتزاع ماله ولا مانع يمنعه من ذلك، وأنه ليس له أن يتصرف فيه لحق السيد، وحكم المكاتب في ذلك حكم العبد لأنه على حكم الرق ألا ترى أنه لا تجوز له الهبة ولا التصرف ولا يعاقل. فصل [٣٢ - الإسلام شرط لوجوب الزكاة]: ولا يؤخذ النصراني بزكاة شيء من ماله لا من عينه ولا ماشيته ولا حرثه لأنا عاهدناهم على ألا نأخذهم بفروع الدين ما داموا مقيمين على كفرهم كما لا نأخذهم بالصلاة والصوم والحج، فإذا أسلم النصراني وأعتق العبد، فالزكاة عليهما إذا حال الحول على المال الذي في أيديهما من يوم الإسلام والعتق، لأن من ذلك الوقت حصل شرط الوجوب (٥).

стр. 359

فصل [٣٣ - زكاة الفوائد]: الفوائد كلها لا زكاة فيها إلا أن يحول عليها الحول من يوم أفيدت (١) أو قبضت بعد تقدم الملك على ما ذكرناه من التفصيل (٢)، وذلك مثل ما يملكه الإنسان بميراث أو هبة أو صدقة أو استغلال أرض أو مسكن أو إجارة عبد أو نجوم مكاتب (٣)، أو أرش جناية أو دية وما أشبه ذلك، فأما ربح المال فحكمه حكم أصله على ما بيناه. فصل [٣٤ - زكاة الحلي والحلية]: تجب الزكاة في أواني الذهب والفضة، لأن اقتنائها محرم، وكذلك في حلية اللجم والسروج والدوي والمداوي والسكاكين، لأنه غير مأذون فيه، فأما الحلي المباح للرجال فهو في ثلاثة أشياء وهي حلية المصحف (٤) والسيف والخاتم. وحلي النساء المتخذ للبس والاستعمال فما كان من هذا اللبس والتجمل فلا زكاة فيه (٥) خلافًا لأبي حنيفة (٦) لأنه مال قصد به الاقتناء وترك التنمي على وجه مباح، فلم تجب فيه الزكاة اعتبارًا بعروض القنية، ولأن المعتبر في وجوب الزكاة هو النماء لأنها تجب بوجوده (٧) وتسقط بعدمه، ألا ترى أن ما لا تجب في عينه زكاة إذا قصد به التنمي وطلب الفضل وجبت الزكاة لطلب النماء، فيجب أن يكون ما تجب في عينة الزكاة إذا عدل به عن طلب النماء على وجه مباح أن تسقط الزكاة فيه.

стр. 360

فصل [٣٥ - زكاة الحلي المعد لغير الاستعمال واللبس]: فأما الحلي المباح اتخاذه واستعماله إذا أريد لغير الاستعمال واللبس ففيه الزكاة (١) مثل أن يتخذ للتجارة أو للدخر (٢)، والإعداد للحاجة إلى بيعه لأن المؤثر في سقوط الزكاة إعداده للبُّس فقط، وأما المتخذ للكراء فعند مالك لا زكاة فيه، وعند محمد بن مسلمة أن فيه الزكاة (٣)، ووجه قول مالك: إنه حبس عينه عن طلب النماء والزيادة، فأشبه حلي اللبس (٤)، ووجه وجوب الزكاة فيه أن النماء موجود منه وهو مرصد له كحلي التجارة. فصل [٣٦ - الزكاة في مال الصغير]: والزكاة واجبة في مال الصغير كوجوبها في مال الكبير (٥) خلافًا لأبي حنيفة حين أسقطها في ناضه (٦) وماشيته (٧)، لقوله ﷺ (٨): "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" (٩) فعم، ولأن كل زكاة لزمت الكبير لزمت الصغير كزكاة الحرث والفطر، ولأنه مسلم حر تام الملك فأشبه الكبير. …

стр. 361

باب: زكاة معادن الذهب والفضة وفي معادن الذهب والفضة الزكاة إذا خرج منها نصاب (١)، فإن كان دون النصاب، لا شيء فيه إلا أن يخرج بعد ذلك تمام النصاب من نيله (٢) فتكون فيه الزكاة، أو يكون عنده مال قد حال عليه الحول إذا ضمه إلى ما خرج من المعدن كان نصابًا، ثم يزكي ما خرج بعد ذلك من قليل أو كثير ما دام ذلك النيل قائمًا فإن انقطع وظهر نيل لم يُبْنَ ما خرج منه على ما خرج من الأول، وكان للثاني حكم نفسه. ولا حول في زكاة المعدن بل يزكي لوقته كالزرع، ولا يرده دين بخلاف العين من غير المعدن، وفي الندرة (٣) الخارجة بغير مؤنة ولا كلفة الخمس، وقيل: الزكاة كغيرها. والركاز: دفن الجاهلية، وفيه الخمس في قليله وكثيره، وذلك في ذهبه وورقه، فأما عروضه وجواهره ففيه روايتان: إحداهما أنه يخمس والأخرى أنه لا يخمس (٤). فصل [١ - دليل الفرق بين المعدن والركاز]: وإنما فرقنا بين المعدن والركاز في الصفة والحكم خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن

стр. 362

المعدن هو الركاز (١)، وأن فيه الخمس لقوله ﷺ : "العجماء جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس" (٢)، ففرق بين اسميهما، فثبت أن أحدهما غير الآخر، ولأن الركاز مأخوذ من أركاز الشيء وهو دفنه (٣) ومنه: "أنه ﷺ كانت تركز له العنزة فيصلي إليها" (٤) والمعدن عروق أنبتها الله في الأرض فلم تكن ركازًا لأنها بغير وضع آدمي. فصل [٢ - الدليل على أن في المعدن الزكاة]: وإنما قلنا: أن فيها الزكاة لما روي أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث (٥) المعادن القبلية من ناحية الفرع (٦) فلا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم، ولأنه مستفاد من الأرض بكلفة ومؤونة لم يتقدم عليه ملك، فكان الواجب فيه الزكاة دون الخمس كالزرع. فصل [٣ - دليل اعتبار النصاب في المعدن]: وإنما اعتبرنا فيه النصاب، لأن كل ما وجبت فيه الزكاة، فلا بد من اعتبار النصاب فيه كسائر الأموال، وإنما قلنا: أن يبنى النيل بعضه على بعض، لأن

стр. 363

حكمه حكم واحد، كالنوع الواحد، وكالدين الواحد إذا قبض أولًا، ولم يجب ذلك في (١) بناء نيل على نيل، لأنه كمعدن آخر فله حكم نفسه، وإنما قلنا: إنه إذا كان عنده مال قد حال عليه الحول زكاة معه، فلأن شرط وجوب الزكاة قد وجد فيهما، فوجب ضم أحدهما إلى الآخر. فصل [٤ - دليل عدم مراعاة الحول في المعدن]: إنما لم يراع (٢) الحول فيه خلافًا لأحد قولي الشافعي (٣) لأنه مال مستفاد من الأرض، تجب فيه الزكاة فلم يعتبر فيه حول كالزرع، ولهذه العلة قلنا: إنه لا يرده دين بخلاف العين. فصل [٥ - وجه إيجاب الزكاة في الندرة]: ووجه إيجاب الزكاة في الندرة فلأنه نوع مال تجب فيه الزكاة، فلم يجب فيه الخمس لقلة المؤونة كغير المعدن، ووجه قوله: إن فيها الخمس: لما لم يكن في أحدهما كلفة ولا مشقة ولا كبير مؤونة كانت كالوضع ابتداء، فوجب فيها الخمس كالركاز، والزكاة أقيس، وإنما قلنا: إن في الركاز الخمس لما رويناه من قوله ﷺ : "وفي الركاز الخمس" (٤)، ولأنه من أموال الكفار فكان فيه الخمس دون الزكاة كالغنائم. فصل [٦]: وإنما قلنا: إن الخمس في قليله وكثيره من غير مراعاة نصاب، لأن النصاب يعتبر في الزكاة دون الخمس، ولقوله ﷺ : "وفي الركاز الخمس" (٥) ولم يخص، واعتبارًا بالغنائم.

стр. 364

فصل [٧ - التعليل لعدم إيجاب الزكاة في الركاز إذا كانت عروضًا وإيجاب الخمس فيها]: وجه قوله: إنه لا شيء عليه في عروضه وجوهره (١)، هو أنه لما شبه بالغنائم، وكان في الأصل أن حكم العرض في الغنائم أخف من حال العين بدليل أنه يجوز أخذ اليسير منه بغير إذن الإمام، وأنه قد يتركه الجيش لكثرته ولا يتركون الذهب والفضة كان بما (٢) هو مشبه به أولى بالتخفيف، ووجه إيجاب الخمس فيه عموم قوله: "وفي الركاز الخمس" (٣)، ولأنه ركاز فأشبه الذهب والفضة وهذا هو الصحيح. فصل [٨ - المدفون من أموال المسلمين]: ما وجد مدفونًا من أموال المسلمين فهي لقطة تعرف كما تعرف اللقطة عامًا، ثم يتصرف فيه واجده إن اختار شرط الضمان لصاحبه والله أعلم، ويعتبر الحول في جميع الزكاة إلا الحرث والمعدن فلا يعتبر فيه الحول ويعتبر النصاب في جميع الزكاة. …

стр. 365

باب: [زكاة الإبل] والحول معتبر في زكاة المواشي وكذلك النصاب، ولا زكاة فيما دون الخمس من الإبل (١): فإذا كانت خمسًا ففيها شاة، ثم لا شيء فيها إلى تسع، فإذا كانت عشرًا فيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا كانت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، فإذا كانت عشرين ففيها أربع شياه. ثم يؤول قبض الغنم منها ويؤخذ عنها من جنسها، ولا شيء فيما زاد على العشرين إلى أربع وعشرين، فإذا كانت خمسًا وعشرين ففيه بنت مخاض (٢): وهي التي لها سنتان، فإن لم توجد في المال فابن لبون (٣) ذكر: وهو الذي له ثلاث سنين، إلى خمس وثلاثين فهذا كانت ستًّا وثلاثين ففيها بنت لبون، إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستًّا وأربعون ففيها حقة، إلى ستين وهي التي لها أربع سنين قد استحقت أن يركبها الفحل وأن يحمل عليها الحمل. فإذا كانت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمسة (٤) وسبعين، والجذعة (٥): التي لها خمس سنين وليس في صدقة الإبل سن زائدة على الجذعة، فإذا (٦) كانت ستًّا وسبعين، ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين،

стр. 366

ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون. ففي الثلاثين ومائة: حقة وابنتا لبون، وفيما زاد على المائة وعشرين (١) مما دون العشر خلاف، فعن مالك ﵀ (٢) روايتان (٣): إحداهما: أن الفرض يتغير بزيادة الواحد إلى تخير الساعي بين الحقتين وبين الثلاث بنات لبون، وهذه رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم. والأخرى: أن الفرض لا يتغير إلى ثلاثين ومائة، وهذه رواية أشهب وعبد الملك بن الماجشون. وعند ابن القاسم من رأيه (٤) أن الفرض يتغير بزيادة الواحد (٥) إلى ثلاث بنات لبون قطعًا من غير تخيير. والشاة المأخوذة في أول صدقة الإبل من غالب أغنام البلد من الضأن والمعز. وإذا وجب في المال أحد سِنَّين فوُجدا (٦) جميعًا أخذ الساعي أيهما شاء، وإن عدما أخذ رب المال بأيهما شاء إلا أن لا يقدر إلا على أحدهما، فلا يأخذه إلا بما يقدر عليه، وإن وجد أحدهما أخذه ولم يطالبه بغيره، وهذا فيما يستويان فيه كالمائتين من الإبل فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، والحكم فيها على ما ذكرناه، فأما السنَّان إذا كان أحدهما مرتبًا على صاحبه مثل ابنة مخاض أو ابن لبون ذكر، فإنهما (٧) إن كانا في المال أخذ ابنة مخاض، إن عدمت منه ووجد ابن لبون ذكر (٨) أخذه فإن عدما جميعًا (٩) كان له أخذه بابنة مخاض دون ابن لبون.

стр. 367

فصل [١ - وجه اعتبار الحل في صدقة الماشية]: وإنما اعتبرنا الحول في صدقة الماشية لقوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (١)، ولأن الحول إنما وضع في المال الذي لا يتكامل نماؤه دفعة واحدة، ترفيهًا لأرباب الأموال ليؤدوا الزكاة بعد إمهالهم مدة يتكامل فيها نماؤها، وهذا يستوي فيه العين والماشية وبذلك فارقا (٢) الحرث. فصل [٢]: وإنما أوجبنا الزكاة فيها على الترتيب الذي ذكرناه من النصب والأسنان لتواتر الأخبار من طريق عمرو بن حزم (٣)، وابن عمر (٤)، وأنس (٥)، على المعنى الذي رويناه (٦).

стр. 368

فصل (١) [٣]: وإنما قلنا: إن أول النصاب خمس لقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود (٢) من الإبل صدقة" (٣)، ولا خلاف في ذلك (٤). فصل [٤ - دليل انقطاع فريضة الغنم في زكاة الإبل حين تبلغ أربعًا وعشرون]: وإنما قلنا: أن فريضة الغنم تنقطع في أربع وعشرين لقوله ﷺ : "في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة" (٥)، فقصر وجوب الغنم على هذا القدر، وإنما قلنا: إن في خمس وعشرين بنت مخاض، خلافًا لما حكي عن عليّ بن أبي طالب (٦) ﵁: أن فيها خمس شياه (٧)، للأخبار المروية من طريق عمرو بن حزم وابن عمر وأنس وفيها أن في خمس وعشرين بنت مخاض، وهذا نص ولأنه ليس في أصول زكاة الماشية اتصال فرضين من غير تخلل وقص (٨) بينهما على أن الرواية بذلك عن عليّ بن أبي طالب (٩) ﵁ ضعيفه غير ثابتة، وإنما قلنا: إنه يأخذ منها

стр. 369

ابن لبون ذكر إذا لم يكن فيه بنت مخاض لأن ذلك في الأحاديث التي رويناها، ففي حديث عمرو بن حزم: "فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيه بنت مخاض فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر" (١)، وكذلك في حديث أبي بكر الذي كتبه (٢) لأنس (٣). فصل [٥ - الالتزام بما ورد من تحديد الأسنان]: ولا يجوز أن يأخذ سوى هذه الأسنان (٤) خلافًا لأبي حنيفة (٥)، لأن النص على ابن لبون قصر الأخذ عليه وبقى ما عداه، ولأن ذلك يكون على طريقة القيمة وذلك غير جائز عندنا. فصل [٦ - الدليل في عدم أخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض]: وإنما قلنا: أنه لا يجوز أخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض في المال خلافًا لأبي حنيفة (٦)، لحديث عمرو بن حزم وحديث أنس وفيهما: "فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر" وفي بعضها: "فإن لم يكن فيه بنت مخاض فابن لبون ذكر" (٧)، فشرط في جواز أخذه عدم ابنة مخاض، فدل على منعه مع وجودها، ولأن كل حق تعلق بما نقل منه إلى غيره بشرط عدم المنقول عنه فلا يجوز الانتقال إليه مع وجود أصله (٨) اعتبارًا بالكفارات. فصل [٧]: وإنما قلنا: أنه إذا عدما من المال لم يكن للساعي أن يأخذه إلا بابنة مخاض

стр. 370

لأن عدمهما بمنزلة وجودهما، أنه ليس لأحدهما مزية عن على الآخر، فلما لم يكن له أن يأخذ ابن لبون مع وجودهما في المال، فكذلك مع عدمهما، ولأن الخبر شرط فيه عدم ابنة مخاض وحدها فدل أن عدمهما بخلاف ذلك. فصل [٨ - توجيه الأقوال الواردة في زكاة المواشي]: وما زاد على خمس وعشرين إلى مائة وعشرين لا خلاف فيه (١) أنه على الترتيب الذي ذكرناه، وبذلك وردت الأخبار. ووجه قوله: إن الفرض يتغير بالزيادة على مائة وعشرين في الواحدة وما دون العشرة (٢) إلى تخير الساعي قوله ﷺ : "فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" (٣)، فأطلق الزيادة ولم يفصلها، فوجب الأخذ بأول زيادة، ولأن الوقص لا يلي وقصًا، فلو اعتبرنا بعد المائة وعشرين عشرًا أخرى (٤)، لكنا قد اعتبرنا وقصًا يعد وقص متصلًا به، وذلك خلاف الأصول ووجه رواية عبد الملك قوله: "فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" (٥) وظاهر هذا يوجب أن يكون في جميع المال، ولا يمكن ذلك إلا بزيادة العشرة (٦). وقوله في حديث ابن عمر: "فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" (٧)، والكثرة لا تكون بزيادة الواحدة، ولأن أصول الزكاة: أن كل زيادة غيرت فرضًا كانت داخلة فيه (٨)، فلو قلنا: إن الفرض يتغير بواحدة أو اثنين لكان في ذلك

стр. 371

مخالفة للخبر وإيجاب لبنت لبون في كل أربعين وثلث، وإن قلنا: إن الفرض يتغير بها ألا يدخل فيه كان في ذلك مخالفة الأصول. فصل [٩]: ووجه قول ابن القاسم: إن الفرض يتغير بالواحدة إلى ثلاث بنات لبون من غير تخيير، وهو قول الشافعي (١) قوله ﷺ في حديث ابن شهاب (٢): "فهذا (٣) كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون" (٤) وهذا نص، ووجه التخير: قوله ﷺ في سائر الأخبار: "فما زاد ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" (٥)، فإن اعتبرنا تغير الحكم بزيادة الواحدة ورجعنا إلى الحساب كان فيه إما ثلاث بنات لبون لثلاث أربعينات أو حقتان لخمسين، فلذلك كان الساعي مخيرًا. فصل [١٠ - فما زاد على العشرين ومائة]: وإنما قلنا: إنَّ ما زاد على العشرين ومائة ففيه بحساب كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون، وأن فريضة الغنم لا تعاد، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن الفريضة تعاد (٦) كأولها فتكون (٧) في كل خمس (٨) شاة إلى أربع وعشرين

стр. 372

فيكون فيها بنت مخاض ثم في كل خمسين ومائة ثلاث حقاق لقوله ﷺ : "فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة" (١)، فلا يخلوا أن يكون أراد في كل أربعين وفي كل خمسين زائدًا على المائة والعشرين دون المائة والعشرين، فهذا يوجب أن يكون في مائة وستين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق، وهذا خرق الإجماع، أو أن يكون أراد في الجمع في الزيادة والزائد (٢) على معنى، فبحساب أن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فهذا قولنا، وخلاف قول أبي حنيفة لأنه يقول في مائة وثلاثين حقتان وشاتان، لأن أصل الزكاة أن يؤخذ من جنس المال إلا للضرورة، والغنم المأخوذة في أول زكاة الإبل للضرورة وهي قلة المال وضعفه عن (٣) احتمال المواساة، فهذا زاد على مائة وعشرين فقد كثر وصار محتملًا للمواساة فلم يكن لعودة الغنم موضع. فصل [١١ - في نوع الغنم المأخوذ في صدقة الإبل]: وإنما قلنا: إن الغنم المأخوذة في صدقة الإبل من غالب أغنام البلد لأنه ﷺ قال: "في خمس من الإبل شاة" (٤)، فأطلق ولم يعين فوجب الرجوع إلى العرف، ولأنه لا بد من أن يكلف الأعلى أو الأدنى، وفي تكليفة الأعلى إضرار به، وفي تكليفه الأدنى إضرار بالفقراء، فكان العدل ما قلناه. وإنما قلنا: إنه إذا وجد السنَّين في المال كان مخيرًا لأن كل واحد منهما محل للوجوب، وإنما هو غير في الأخذ لا في إلزام رب المال وإجباره على أحدهما. …

стр. 373

باب: في زكاة البقر (١) ولا زكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع (٢) -جذع أو جذعة وسنّهُ سنتان- إلى أربعين ثم فيها مسنة (٣) -ولا يؤخذ إلا أنثى وسنها أربع سنين- ثم ما زاد على ذلك، ففي كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة (٤). فصل [١ - ]: وإنما قلنا ذلك لما روي في حديث عمرو بن حزم أنه ﷺ قال: "وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين باقورة بقرة" (٥) وفي حديث معاذ: "أنه ﷺ أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة" (٦).

стр. 374

فصل [٢ - فيما زاد على الأربعين في زكاة البقر]: ولا شيء في الزيادة على الأربعين حتى يبلغ ستين، فيكون فيها تبيعان، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن في الخمسين مسنة وربع مسنة (١)، لقول معاذ: "أمرني رسول الله ﷺ أن لا آخذ شيئًا من الأوقاص" (٢)، ولأنها زيادة على نصاب في ماشية يجب في عينها الزكاة فلم يتغير الفرض إلى كسر، أصله الإبل والغنم، ولأنه زيادة على نصاب في صدقة البقر، فوجب أن لا ينتقل منه إلى كسر، كالعشرة الزائدة على الثلاثين، ولسان أصول الزكوات مبنية على أخذ الجنس من جنسه، وقد ثبت أن النبي ﷺ إنما جعل الغنم في أول صدقة الإبل لضعف المال عن احتمال المواساة فيه ولو كان للأجزاء والكسور مدخل في زكاة الماشية لأوجبه، ولم يعدل إلى إيجاب شيء من غير الجنس. فصل [٣ - ]: وإنما قلنا: إن التبيع يجوز أن يكون ذكرًا أو أُنثى لقوله ﷺ في حديث عمرو بن حزم: "وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة" (٣) وكذلك في حديث معاذ (٤)، وإنما قلنا: [إن الواجب في الإبل الإناث] (٥) فكذلك المسنة لا تكون إلا أنثى لقوله: "وفي كل أربعين مسنة" (٦)، ولأن الأصل أخذ الإناث.

стр. 375

باب: زكاة الغنم (١) ولا زكاة في الغنم فيما دون أربعين، فإذا كانت أربعين ففيها شاة، إلى مائة وعشرين، فإذا كانت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، إلى مائتي وشاة، فإذا كان مائتي شاة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلثمائة، ثم ما زاد على ذلك، ففي كل مائة شاة، ففي ثلثمائة وتسع وتسمعين ثلاث شياه، وفي الأربع مائة أربع شياه (٢). فصل [١ - دليل زكاة الغنم]: وإنما قلنا ذلك لتواتر الأخبار على الصفة التي ذكرناها في حديث عمرو بن حزم، وأنس، وابن عمر (٣) وغيرهم، ولا خلاف في جملة ذلك (٤). فصل [٢ - في ضم أنواع الجنس الواحد]: ويضم الضأن (٥) إلى المعز (٦) في الزكاة، والجواميس (٧) إلى البقر والبخت (٨)

стр. 376

إلى العراب (١)، لأن الجنس والاسم يجمع ذلك كله فقد دخل في عموم قوله: "في كل خمس من الإبل شاة" (٢)، وقوله: "في كل ثلاثين باقورة تبيع وفي كل أربعين شاة شاة" (٣). فصل [٣ - في ضم الصغار إلى الكبار في الزكاة]: وتضم سخال (٤) الغنم إلى أمهاتها في الزكاة، وكذلك عجاجيل (٥) البقر وفصلان (٦) الإبل (٧)، خلافًا لداود في قوله: لا زكاة في الصغار (٨) لقوله صلى الله عليه سلم: "في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم" (٩) فعم، وكذلك قوله: "في أربعين من الغنم شاة" (١٠)، والاسم يقع على الكبار والصغار، وروي: "وتعد صغارها وكبارها" (١١)، وروي ذلك عن عمر

стр. 377

وعلي (١)، ولا مخالف لهما (٢)، ولأنه نماء (٣) حادث من مال تجب في جنسه الزكاة فأشبه ربح المال. فصل [٤]: وسواء كانت الأمهات نصابًا أو دونه إذا أكملت نصابًا بالصغار خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٤) في قولهما: إن السخال لا تضم إلى ما دون النصاب من الأمهات لقوله: "في أربعين من الغنم شاة" (٥)، وهذه يقع عليها اسم غنم، وفي حديث عمرو: "تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي على كتفه ولا تأخذها (٦) " (٧)، ولم يخص، ولأنه نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة، فكان حكمه حكم ما لم يزل مع أمهاتها، أصله إذا كانت الأمهات نصابًا. فصل [٥ - وجوب الزكاة إذا ماتت الأمهات وكانت الصغار نصابًا]: إذا ماتت الأمهات وبقيت السخال وجبت الزكاة فيها إذا كانت نصابًا (٨) خلافًا لمن منعه (٩)، لأنه إذا ثبت أنه حكمها حكم الأُمهات في باب الحول صارت كثمانين من الغنم يموت منها أربعون ويحول الحول على الباقي ففيه

стр. 378

الزكاة، ولا يراعى بقاء الأُمهات، لأن السخال متساوية لها إلا (١) على وجه البيع. فصل [٦ - السنن المأخوذ في الزكاة]: والسن المأخوذ في الصدقة الجذعة والثنية (٢) لقوله ﷺ : "خذ الجذعة والثنية" (٣) ثم الماشية على ضربين: كرائم (٤) ولوائم. فالكرائم لا تؤخذ إلا عن رضا أرباب الأموال، وذلك كالمواخض (٥)، واللوابن (٦) والربى (٧) والأكولة (٨) وكرائم الفحول، والأصل في منعها قوله ﷺ : "إياكم وكرائم أموالهم" (٩)، وما روى أن عمر مر عليه بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حاملًا، ذات ضرع عظيم، فقال: ما أعطى هذه الشاة أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات (١٠) المسلمين (١١)، فإن طاع بها أهلها (١٢) أخذت لأنها أعلاها عليهم، ويدل عليه

стр. 379

قوله للذي أعطى ناقة سمينة مكان بنت مخاض: "ذلك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله وقبلناها منك" (١). اللوائم أدنى الماشية كالصغار والهرمة والمعيبة، وذات العوار (٢) فلا تؤخذ نظرًا للمساكين (٣)، والأصل في منعها قوله ﷺ : "لا يخرج في الصدقة تيس (٤) ولا هرمة ولا ذات عوار" (٥)، وروي: "ولا الدرنة ولا ذات عيب ولا المريضة ولا اللئيمة ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره" (٦). فصل [٧ - إذا كانت الماشية صغارًا أو معيبة أخذ الساعي سن الوسط]: وإذا كانت الإبل فصلانًا أو البقر عجاجيل، أو الغنم سخالًا، لم يجز للساعي أخذ واحدة منها، وكلف ربها أن يأتي بالسن الوسط الجائز أخذه في الزكاة، وكذلك إن كانت مراضًا أو معيبة (٧) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٨) في قولهما: أنه يأخذ منها شاة ولا يكلف ربها شاة كبيرة ولا صحيحة لقوله ﷺ في زكاة البقر: "في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة" (٩)

стр. 380

وقوله: "في أربعين من الغنم شاة" (١)، وفي حديث عمر أنه قال: "تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي على كتفه (٢)، ولا تأخذها" (٣)، ولأن الزكاة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال، فلما كنا لا نأخذ من إبله إذا كانت حوامل أو لوابن بل نكلفه السنن الوسط، فكذلك إذا كانت كلها صغارًا أو معيبة لأن في أخذها كذلك إضرارًا بالفقراء، كما أن في الأخذ منها إذا كانت من الكرائم (٤) إضرارًا بأرباب الأموال. فصل [٨ - وجوب الزكاة في العوامل]: وتجب الزكاة في العوامل (٥) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (٦) لقوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (٧) مفهومه وجوب الصدقة في الخمس عمومًا (٨) وقوله: "في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم ففي كل خمس شاة" (٩) فعم، ولأن اختلاف الصفات عليها كاختلاف الأسنان، وإذا كان اختلاف الأسنان لا يؤثر في الزكاة كذلك اختلاف الصفات. فصل [٩ - ما ملكه من الماشية نصابًا أو دونه حادثًا ضمه إلى جنسه وزكى الجميع لحول القديم]: إذا استفاد نصابًا أو دونه من الماشية -وعنده نصاب من جنسه-، ضم إليه ما

стр. 381

استفاده، وزكى الجميع لحول الأولى (١) سواء أفادها بشراء أو هبة أو ميراث، فإن كان الذي عنده قل من نصاب لم يضم الفائدة إليه إلا أن تكون ولادة على ما قدمناه (٢). وقال الشافعي: إذا لم تكن الفائدة نتاجًا استقبل به حولًا كاملًا (٣)، ودليلنا أن الزكاة موضوعة على النظر لأرباب الأموال والفقراء، فإذا لحق أحد الفريقين رفق أو تثقيل نظر للفريق الآخر بمثله، وقد ثبت أنه إذا كان عنده أقل من نصاب ثم أفاد إليه نصابًا أو دونه أنه لا يزكيه لحول الأصل بل الحول الذي يحول على الفائدة، وفي ذلك رفق بأرباب الأموال، لأن الأصل قد يكون عنده لعشرة أشهر، ثم يستفيد الفائدة قبل الحول بشهر أو أقل فيستقبل بالجميع حولًا من يوم الفائدة، فيكون قد زكى بعد حول وأكثر الثاني، فكان في ذلك رفق به، فيجب بإزائه أن ينظر للفقراء وهو أن يكون إذا أفادها إلى نصاب قد أقام عنده أكثر من حول أن يزكي الفائدة بحول الأصل، لأن الساعي لا يجيء إلا مرة واحدة في الحول فيشق عليه تمييز الماشية، فجعل له أن يزكيها على ما يجدها عليه، فلو قلنا: إنه يستقبل بها حولًا من يوم أفاد الفائدة لكان يزكي أيضًا بعد قريب من حولين، فكان في ذلك حيف على الفقراء، وصرف النظر في الرفق والترفيه إلى أرباب الأموال، وذلك غير جائز، فوجب أن ينظر للفقراء في هذا الوجه كما نظر لأرباب الأموال فأشبه (٤) ذلك الخلطة في أنها تارة تخفف وتارة تغلظ، وقد قاسه أصحابنا على فائدة النتاج ولكن لا يؤثر على أصلنا، لأن النتاج لا يراعي فيها (٥) أن يكون الأصل نصابًا، ويمكن أن يقال: إن النتاج أقوى من الفائدة لغيره، لأنه من المال فكان عين المال لا يمتنع إلحاق غيره به في

стр. 382

النصاب، وإن انفرد النتاج لقوة التسوية (١) بين النصاب ودونه، وتفارق العين لما ذكرناه من تعلق زكاة الماشية بالساعي ومشقة التمييز عليه. فصل [١٠ - زكاة الخلطاء]: للخلطة (٢) تأثير في الزكاة وهو أن الخليطين يزكيان زكاة المالك الواحد (٣)، وقال أبو حنيفة: لا تأثير لها أصلًا (٤)، ودليلنا قوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" (٥)، فأثبت للخلطة حكمًا زائدًا على الانفراد، وقوله ﷺ : "لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة" (٦)، فدل ذلك على أن للاجتماع والافتراق تأثيرًا في الزكاة لولا ذلك لم يكن للخشية معنى، ولأن لخفة المؤونة وثقلها تأثيرًا في الزكاة في تخفيفها وتثقيلها اعتبارًا بالسيح (٧) والنضح (٨)، وهذا موجود في الخلطة، فوجب أن يكون لها تأثير في ذلك. فصل [١١ - شروط تأثير الخلطة]: ولا تؤثر الخلطة إلا إذا كان لكل واحد من الخليطين نصاب، فإن كان جميع المال نصابًا، ولكل مالك دون النصاب أو لبعضهم دونه فلا تأثير

стр. 383

للخلطة (١) خلافًا للشافعي (٢) لقوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (٣) فعم، ولأن قصور الملك عن النصاب مسقط للزكاة أصله المنفرد، ولأنه ممن لا يخاطب بالزكاة إذا انفرد، فإذا خالط من هو مخاطب بالزكاة لم يلزمه لمخالطته زكاة كالعبد والذمي، ولأن تأثير خفة المؤونة وتثقيلها هو في تغيير حكم الزكاة من تثقيل إلى تخفيف، أو تخفيف إلى التثقيل لا إلى ابتداء إيجاب أصله السيح والنضح. فصل (٤) [١٢ - صفات الخلطة المؤثرة]: وصفات الخلطة المؤثرة هي الراعي والفحل (٥) والدلو (٦) والمسرح (٧) والمبيت، وقد اختلف أصحابنا في المراعي (٨) منها، فمنهم من يقول: إذا اجتمعا على صفتين منها فما زاد كانا خليطين أيهما كانت، ومنهم من يقول: إن الاعتبار في ذلك الاجتماع في المرعى والراعي، ومنهم من يقول: الراعي وحده، وإذا قلنا: أن الاعتبار بأكثر من وصف واحد فلقوله: "والخليطان ما اجتمعا في الدلو والمراح والراعي والفحل" (٩)، فقد ثبت أنه لا يراعي جميع هذه الأوصاف، ولم يقم دليل على وصف واحد فلم يبق إلا ما قلناه، ولأن الخلطة إنما أثرت لتأثيرها في تخفيف المؤونة، ولذلك لا يكون بالوصف الواحد فوجب مراعاة وصف زائد عليه.

стр. 384

ووجه القول بأن المراعي هو الاجتماع في المرعى قوله: "وما كانا من خليطين" (١)، فالاسم يحصل بوصف واحد، وقوله بعد ذلك: "والخلطاء ما اجتمعوا في الدلو والمراح" (٢)، المراد به الغالب من أحوالهم لا أن ذلك شرط، ولأن الخلطة معنى يعتبر به حكم الزكاة، فوجب أن يتعلق على أقل ما يتناوله الاسم الصحيح أصله الزيادة على مائة وعشرين. ووجه القول بأن المراعاة في ذلك الاجتماع على راع واحد وهو أن ما يعتبر (٣) حكمه بالإجماع والانفراد كان المعتبر بالذي يحصل به الجمع، ويكون المجتمع تابعًا كالإمامة في الصلاة لما كانت الصلاة تختلف بالانفراد والاجتماع روعي في ذلك الإمام، فكان الراعي كالإمام في الكفاية به وحده. فصل [١٣ - صفة تأثير الخلطة في التخفيف]: وصفة تأثير الخلطة في التخفيف هو أن يكون مائة وعشرون من الغنم بين ثلاثة لكل واحد أربعون، فيكون عليهم في الانفراد ثلاث شياه، وفي الاختلاط واحدة، وصفة تأثيرها في التثقيل أن يكون لاثنين مائتان وشاة، فلأحدهما مائة وللآخر مائة وشاة، فيكون عليهما في الانفراد شاتان وفي الخلطة ثلاث. فصل [١٤ - الخلطة أجل الهروب من الزكاة]: فإذا ثبت هذا فلا يجوز للمنفردين أن يختلطا ولا للمختلطين أن ينفردا قاصدين بالاختلاط والانفراد تخفيف الزكاة، وصفة ذلك ما ذكرنا من اختلاط الثلاثة المنفردين كل واحد بأربعين ليسقط عنهم شاتان، وانفراد المختلطين بمائتي شاة وشاة ليسقط عنهم بالانفراد شاة، والأصل في ذلك "نهيه ﷺ أن يجمع بين مفترق أو يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (٤)؛ لأن في ذلك

стр. 385

إضرار بالفقراء وذريعة إلى إسقاط حقوقهم قصدًا إلى نقص ما أوجبه الله إكماله لهم. فصل [١٥ - ]: إذا ثبت المنع من ذلك فمتى فعل لم يؤثر في حكم الزكاة وأخذ أصحاب الماشية بما كانوا عليه من قبل (١) خلافًا لمن أبى ذلك، لقوله: "ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (٢)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأن في ذلك ذريعة إلى إسقاط حقوق الفقراء لأنه لا يشاء من تجب عليه شاة إلا وجد خلطة تسقط عنه ثلثيها ويبقى عليه ثلثتيهما. فصل [١٦ - فيمن بدل عينه بعين أخرى يبنى على حول الأولى]: وكذلك (٣) قلنا: أن من أبدل عينه بعين مثلها أو إبله مثلها أو بقرة ببقرة وغنمه بغنم، فإن ذلك لا يسقط الزكاة عنه وإنه يبنى على حول الأولى (٤) خلافًا (٥) لأبي حنيفة (٦) في قوله في الماشية، وللشافعي في الجميع (٧)، والأصل ما قلناه من الذريعة إلى سقوط الزكاة، وذلك أن من ملك أربعين من الغنم فتركها حتى قبل الحول بالشيء اليسير أبدلها بمثلها، فإن التهمة تقوى في قصده الفرار من الصدقة لا لغرض سواه، لأن الجنس واحد والفرض واحد لا يتفاوت الاختلاف (٨) فيه، فلم يبق ما يحمل أمره عليه إلا الفرار من الصدقة ولأن ملكه

стр. 386

زال عن العين إلى مثلها وجنسها وما يقوم مقام نوعها أو يقاربه، فكان كالعين الأولى للاتفاق في الجنس والفرض، ولأن أبا حنيفة يوافقنا في من كان معه عشرون دينارًا، فابتاع بها سلعة في بعض الحول ثم باعها في آخر الحول بعشرين دينارًا أن عليه الزكاة، فكذلك يجب أن يكون حكمه إذا باعها بمثلها. فصل [١٧ - إذا أبدل ماشيته بخلافها]: إذا أبدل ماشيته بخلافها ففيها روايتان (١): أحدهما: أنه كإبدالها بجنسها فيبنى الثانية على حول الأولى، والثانية أنه يستأنف حولًا للثانية، فوجه الأولى أنه أبدل ماشية تجب فيها الزكاة بماشية تجب فيها الزكاة، فوجب أن يبني (٢) الثانية على حول الأولى (٣) أصله إذا أبدلها بجنسها، والنكتة في ذلك قوة التهمة بالفرار من الصدقة ولا يلزم عليه العين بالماشية لأن العين جنس والماشية جنس والأغراض فيها متباينة لأن العين تراد للتصرف فيها بالشراء والبيع، إذ لا يستغنى أحد عنها، والماشية تراد للدر (٤) والنسل والنماء، وهذا المعنى يستوي فيه الجنس والأجناس وتبيين ذلك أن الخلطة ثبتت في الماضية بين المختلطين ولا تثبت في العين على أن في بيعها بالعين خلافًا أيضًا، ووجه الثانية أن لإبداله (٥)، وجهًا يحمل عليه بسوى الفرار من الصدقة وهو اختلاف الأغراض وتباين المنافع فضعفت التهمة، فإذا ضعفت حمل الأمر على ظاهره، وكان كإبداله الذهب والفضة بإبل أو غنم والله أعلم. فصل [١٨ - عدم قصد الفرار من الصدقة بالجمع والتفريق]: فأما إذا لم يقصد بالجمع والتفريق الفرار من الصدقة، فإن ذلك جائز، ويزكيها الساعي على ما يجدها عليه من اختلاط أو انفراد، ويقبل قولها أربابها

стр. 387

فيها (١)، وإنما قلنا ذلك لقوله ﷺ : "لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (٢)، فقيد المنع بالفرار، فدل أنه إذا لم يقصد به ذلك، فإنه جائز، ولأن لهم في ذلك رفقًا ومعونة وأداؤه إلى تخفيف الزكاة مرة كإبداله إلى تثقيلها مرة أخرى، فكان مباحًا كسائر التصرف، وإنما قلنا: إن الساعي يقبل قول أرباب الماشية، ويحمل الأمر على ظاهره؛ لأن عمال رسول الله ﷺ وسعاته كذلك كانوا يفعلون، ولأن الظاهر أنهم يفعلون ذلك للارتفاق والترفه بالاجتماع على الراعي والمرعى، فأما قصد الفرار من كثرة الزكاة فأمر يبطن ويخالف الظاهر، فوجب أن لا يترك الظاهر ويصار إلى خلافه إلا بأمارة تقوي (٣) التهمة في قصده. فصل [١٩ - إذا خاف الساعي وجود قصد الفرار من الصدقة]: إذا خاف الساعي أن يكون قصد الفرار من الصدقة أو أن يكون يستر عنه بعض ماشيته بنقصها من النصاب حمل الأمر على الظاهر من الصدق، وإن أراد استحلافه على ذلك نظر، فإن كان ذلك الإنسان على ظاهر الأمانة والديانة والصدق ولم يعرف منه إدغال ولا كذب ولا خيانة في معاملة، فليس له استحلافه لأن ظاهر حاله ينفي التهمة عنه، ووجب حمله على أداء الأمانة دون خفرها (٤)، وإن كان المعروف منه خلاف ذلك من قلة مراعاة الدين ومحبة توفير المال من وجهه وغير وجهه، وما يجري عليه معاملته بين الناس من خيانة أو ترك (٥) نصفه فإنه يستحلفه (٦)؛ لأن في ذلك توصلًا إلى استيفاء حقوق الفقراء

стр. 388

إذ قد يجوز أن يكون كتم حقوقهم فيرتدع عن اليمين، ولأن الزكاة حق في مال (١) يستحقه آدمي فجاز إحلاف جاحده إذا عدمت البينة كحقوق الآدميين، فأما إذا كان الفعل مما يقوي التهمة فيه ويكون قبول قول ربه فيه ذريعة إلى إسقاط الزكاة، فإنه يعمل فيه على ما يؤدي إلى استيفاء الزكاة ولا يقبل قول أربابها، وكذلك إذا كان الإنسان معروفًا باللدد (٢) ومنع الزكاة والهرب بماشيته، فإنه يزكي ما يجد في يده ولا يلتفت إلى ما يدعيه لقوة الإمارة الدالة على كذبه. فصل [٢٠ - اجتهاد ساعي الزكاة]: إذا كانت الماشية نصابًا وهي بين خليطين لكل واحد منهما دون النصاب، فأخذ الساعي منهما الزكاة لزمهما، وصار كحكم الحاكم بما فيه خلاف (٣)، وإن كانت كلها دون النصاب فأخذ الساعي منها شاة، فذلك ظلم منه لأنه خلاف النص والإجماع ولا يلزم من لم يؤخذ منه ردها على المأخوذ منه، لأن الظلم لا يجب التراد فيه (٤). فصل [٢١ - في الأوقاص بين الخلطاء]: الأوقاص على المنفرد لا شيء فيها، وهي ما بين السنين من العدد، فأما بين الخلطاء فتخرج على روايتين (٥): إحداهما: وجوب الزكاة فيها، والأخرى سقوطها، وفائدة ذلك في خليطين لهما أربعة عشرة من الإبل لأحدهما خمس وللآخر تسع، فعليهما شاتان، وفي كيفية وجوبها روايتان: إحداهما أن على كل واحد منهما شاة كاملة، وهذا يوجب أن لا شيء في الأوقاص لأن كل شاة

стр. 389

في مقابلة الخمس والأربع عفو، والأخرى أن الشاتين يترادان بينهما على أربعة عشر سهمًا، فيلزم صاحب الخمسة خمسة أجزاء، وصاحب التسع تسعة أجزاء من أربعة عشر، ويمكن أن يقال: أن هذا الاختلاف في صفة الإخراج لا يوجب كون الزكاة في الأوقاص لكنه من مضمون (١) الشركة لقوله ﷺ (٢): "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" (٣)، فوجه القول بوجوب الزكاة في الأوقاص على الوجه الذي ذكرناه قوله: "في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم" (٤)، وهذا يوجب أن الغنم تؤخذ من الأربع وعشرين ومتى قلنا: أن الأوقاص لا شيء فيها أوجب (٥) أن تكون مأخوذة من العشرين وأن تكون الأربع عفوًا، وقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" (٦) وهذا يفيد تعليق الزكاة بجميع المال، ووجه القول الآخر -وهو الصحيح- قوله: "ليس فيما دون الخمس ذود صدقة" (٧) فعم، وروي: "ليس في الأوقاص شيء" (٨)، ولأنه وقص قصر قدره عن نصاب فلم يتعلق به وجوب، أصله الأربع من الإبل المبتدأة. فصل [٢٢ - تأثير الخلطة فيما عدا الماشية]: لا تأثير للخلطة فيما عدا الماشية من الأموال (٩) لقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" (١٠)، فخص بذلك الماشية، ولأن صفات

стр. 390

الخلطة لا تتصور في غير الماشية، فلم يلحق غيرها بها، ولأن الخلطة يرتفق بها الملاك مع بقاء الأعيان على الانفراد والتمييز، وذلك غير ممكن في العين والزرع. فصل [٢٣ - الزكاة في الخيل]: لا زكاة في الخيل (١) خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الزكاة في إناثها (٢) لقوله: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (٣)، وقوله: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (٤)، وقوله: "ليس في الجبهة ولا في الكسعة ولا النخت صدقة" (٥)، قال أهل اللغة: الجبهة الخيل (٦)، والكسعة الحمير (٧)، والنخت الرقيق ولأنه حيوان يقتنى للزينة والركوب كالحمير والبغال، ولأنه حيوان لا يجزي في الضحايا والهدايا كالدجاج والفراخ والوحش، ولأنه حيوان يسهم له كالذكور، ولأنه جنس لا زكاة في ذكوره، فلم يجب في إناثه كالرقيق والبغال عكسه الإبل والبقر (٨).
следующие страницы →